Полный текст (2 012 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= إذ حرمني أولاد النساء»، وفي رواية: فذكرها يوماً فقلت: يا رسول الله هل كانت إلا عجوز قد أخلفك الله خيراً منها، فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب، ثم قال: «لا والله ما أخلف الله لي خيراً منها» فقلت في نفسي: لا أذكرها بسوء أبداً. ذكره القسطلاني في شرحه على البخاري، وفي رواية: (فغدا وراح علي بها شهرا) كما في سير أعلام النبلاء، وحسن إسنادها محققوه، والمراد: أنه ﷺ هجر عائشة ﵂ شهرا بسبب كلامها في خديجة ﵂.
بل تأثر النبي ﷺ بقلادة خديجة لما رآها ورق لها رقة شديدة، كل هذا بعد وفاتها، فعن عائشة قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم، بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة أدخلتها بها على أبي العاص، فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة، وقال: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي لها؟ "، فقالوا: نعم. رواه الإمام أحمد وأبو داود. وقولها: رِقَّةً شديدة" لوجدتها، وتذكَّر عهد خديجة وصحبتها؛ فإن القلادة كانت لها وفي عنقها.
وهذا كلام لابن حجر عن خديجة ﵂، وهو غاية في التحليل والجمال، قال ﵀: (ومما كافأ النبيُ ﷺ به خديجةَ في الدنيا أنه لم يتزوج في حياتها غيرَها، فروى مسلم من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت لم يتزوج النبي ﷺ على خديجة حتى ماتت، وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأخبار، وفيه دليل: على عظم قدرها عنده، وعلى مزيد =
стр. 1472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فضلها؛ لأنها أغنته عن غيرها، واختصت به بقدر ما اشترك فيه غيرها مرتين؛ لأنه ﷺ عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عاما، انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عاما، وهي نحو الثلثين من المجموع، ومع طول المدة فصان قلبَها فيها من الغيرة ومن نكد الضرائر الذي ربما حصل له هو منه ما يشوش عليه بذلك، وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها، ومما اختصت به سبقها نساء هذه الأمة إلى الإيمان، فسنت ذلك لكل من آمنت بعدها، فيكون لها مثل أجرهن؛ لما ثبت أن من سن سنة حسنة، وقد شاركها في ذلك أبو بكر الصديق بالنسبة إلى الرجال، ولا يعرف قدر ما لكل منهما من الثواب بسبب ذلك إلا الله .
وكان ﷺ رجلا سهلا مع زوجاته، ففي صحيح مسلم من حديث جابر ﵁: (قال: وكان رسول الله ﷺ رجلا سهلا، إذا هويت الشيء تابعها عليه). يعني: إذا أرادت عائشة ﵂ شيئا تابعها ووافقها عليه، قال النووي: (معناه: إذا هويت شيئا لا نقص فيه في الدين مثل طلبها الاعتمار وغيره أجابها إليه، وقوله: سهلا أي: سهل الخلق كريم الشمائل لطيفا ميسرا في الخلق كما قال الله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم)، وفيه حسن معاشرة الأزواج، قال الله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) لا سيما فيما كان من باب الطاعة والله أعلم).
وكان ﷺ يزداد لطفه وعطفه على زوجاته حينما تشتكي واحدة منهن مرضا؛ ففي حديث حادثة الإفك قالت عائشة رشي الله عنها: (فقدمنا المدينة فاشتكيت، حين قدمنا المدينة شهرا، والناس =
стр. 1473
وكفِّ الأذى (١)، وأن لا يُمطِلَهُ بحقِّهِ (٢).
وحقُّ الزوجِ عليها أعظمُ مِنْ حقِّها عليهِ (٣).
= يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف، الذي كنت أرى منه حين أشتكي). متفق عليه. وفيه دليل على أن لطفه ﷺ يزيد حينما تشتكي.
قال العراقي في طرح التثريب: ("اللطف": بضم الام وإسكان الطاف ويقال بفتحهما معا لغتان وهو البر والرفق … وفيه: استحباب ملاطفة الإنسان زوجته وحسن معاشرتها إلا أن يسمع عنها ما يكره فيقلل من اللطف لتفطن هي أن ذلك لعارض فتسأل عن سببه فتزيله).
فلنا فيه ﷺ أسوة حسنة، فقد كان يعطي زوجاته حقوقهن أحياء، ويحفظ لهن الود بعد الوفاة، وإني لأنصح الإخوة المتزوجين، والمقبلين على الزواج أن يتلطفوا مع زوجاتهم، وألا يعاملوهن بالعنف ونحوه مما نراه من بعض الأزواج، وأن يحفظوا لهن الفضل، والمودة والرحمة.
(١) أي: أن يكف كل واحد من الزوجين أذاه عن الآخرِ.
(٢) أي: ألا يؤخر أحد من الزوجين عن الآخرِ حقَّه، بشرط قدرته على أداء الحق الذي عليه، ويكون البذل للحق أثناء أدائه: ببِشرٍ وطلاقة وجه، ثم بعد بذله للحق الذي عليه: لا يُتبعه بأذى، ولا يمن على الآخر بالحق الذي بذله له؛ لأن هذا من المعروف المأمور به.
(٣) لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٨]، =
стр. 1474
وليكُن غيوراً، من غيرِ إفراطٍ (١).
وإذا تمَّ العقدُ: وجبَ على المرأةِ أن تُسلِّمَ نفسَها لبيتِ زوجِها (٢)، إذا: طلبها (٣)، وهي حرةٌ (٤) يمكنُ الاستمتاعُ بها كبنت تسعٍ (٥)، إن لم تشترط دارَها (٦).
= وقوله ﷺ : «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها؛ لما جعل الله عليهن من الحق»، رواه أبو داود، وصححه المُناوي، والحاكم.
(١) أي: ليكن الزوج -الحكم هنا مبهم- غيوراً، لكن لا يفرِط في ذلك؛ لئلا تُرمى بالشر من أجله.
(٢) تناول المصنف هنا شروط وجوب تسليم الزوجة لزوجها، أي: متى يجب تسليمها له: (الشرط الأول) أن يتم العقد.
(٣) (الشرط الثاني) أن يطلبها الزوج.
(٤) (الشرط الثالث) أن تكون حرة، أما الأمة المتزوجة، فلا يجب تسليمها لزوجها إلا في الليل فقط، وأما في النهار، فإنها تكون عند سيدها.
(٥) وهذا (الشرط الرابع) أن تكون الزوجة يمكن الاستمتاع بها، وهذا ما قدمه في الإقناع والمنتهى والغاية، ثم قالوا: ونصه: بنت تسع، فالمؤلف جمع بين القول والنص؛ لأن بنت تسع هي التي يمكن الاستمتاع بها في الغالب، وإذا لم يمكن الاستمتاع بها فلا يجب تسليمها.
(٦) (الشرط الخامس) ألا تكون المرأة قد اشترطت في العقد أن تعيش مع والديها، أو مع أولادها في الدار، فإذا اشترطت، فلها ذلك.
стр. 1475
ولا يجبُ عليها التَّسليمُ إن طَلَبَها، وهي: محرِمةٌ، أو مريضةٌ، أو صغيرةٌ، أو حائضٌ، ولو قال: لا أطأُ (١).
(١) (الشرط السادس) ألا يكون في المرأة ما يمنع الاستمتاع بها بالكلية، ويرجى زواله، كالإحرام والمرض والصغر والحيض، فإن وُجد ذلك، فلا يجب تسليمها له ولو قال الزوج: لا أطأ، أما إذا كان مرضها لا يرجى زواله، فيجب التسليم كما في الإقناع.
(تتمة) هنا مسألة وهي: هل يجوز للزوج أن يطأ زوجتَه قبل أن يتسلمها حال كونها في بيت أهلها أو في غيره؟ فيه تردد؛ لأنها لا زالت لم تُسلم إليه، لكنه في نفس الوقت لم يفعل محرَّمًا، وهم إنما تكلموا على وجوب التسليم، ولم يتكلموا عن الوطء، وهذا يدل على أنه مباح، فليحرر، والله أعلم.
стр. 1476
فصل
وللزَّوجِ أن يستمتعَ بزوجتِهِ كلَّ وقتٍ (١)، على أيِّ صفةٍ كانت (٢)، ما لم يضرَّها، أو يُشغِلها عنِ الفرائضِ (٣).
ولا يجوزُ لها أن تتطوَّعَ بصلاةٍ أو صومٍ وهو حاضرٌ، إلا بإذنِهِ.
ولَهُ: الاستمناءُ بيدِها، والسَّفرُ بلا إذنِها (٤).
ويحرُمُ: وطؤُها في الدُّبرِ (٥)، ونحوِ الحيضِ (٦)، وعزلُهُ
(١) ولو كانت نائمة، ولها كذلك أن تلمسه وتقبله وهو نائم، ولو بشهوة، لكن ليس لها أن تستدخل ذكره حال نومه؛ لأنه تصرف فيه بغير إذن.
(٢) ولو كان الاستمتاع في القبل من جهة عجيزتها؛ لقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٣].
(٣) فإن أضر الوطء بها أو شَغَلها عن الفرائض؛ حرم.
(٤) وله أن يسافر بها بلا إذنها؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون بنسائهم، إلا إذا كان السفر مخوفاً كما في الإقناع فليس له ذلك إلا بإذنها، أو كانت قد اشترطت بلدها، فالمسلمون على شروطهم، ولها الفسخ إن لم ترض.
(٥) وهو من الكبائر، والتحريم هنا على الصحيح من المذهب، وقول كثير من أهل العلم.
(٦) المراد ب «نحو الحيض»: النفاس، والعلماء مجمعون على =
стр. 1477
عنها بلا إذنِها (١).
ويُكرهُ: أن يقبِّلَها أو يباشِرَها عندَ الناسِ (٢)، أو يُكثِرَ الكلامَ حالَ الجماعِ (٣)، أو يحدِّثَا بما جَرَى بينهما (٤).
ويسنُّ: أن يلاعبَها قبلَ الجماعِ (٥)، وأن يغطِّيَ
= تحريم وطء الرجل زوجته وهي حائض قال في الغاية: (إجماعا، ويتجه: كفر مستحله) ووافقاه، وليس من الكبائر كما قاله النجدي.
(١) أي: يحرم على الزوج أن يعزل عن زوجته بلا إذنها؛ لنهيه ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها. رواه الإمام أحمد، أمَّا الأمة فلا يُشترط إذنها. وفي عصرنا انعكس الأمر حتى صارت المرأة تطلب العزل، ولا تريد أن تحمل.
(٢) لأنه دناءة.
(٣) لأن حال الجماع كحال قضاء الحاجة، ويكره للإنسان أن يتكلم وهو يقضي حاجته، فكذلك الجماع، ومفهومه أن الكلام القليل لا يُكره، وهو كذلك كما قاله اللبدي.
(٤) قال الشارح في نيل المآرب: ولو لضرتها؛ للنهي عن ذلك في الحديث الصريح في مسلم: «إن شر الناس منزلة عند الله: الرجل يُفضي لزوجته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها»، والقول الآخر الذي ذكره الشيخ عبد القادر الجيلاني في الغُنية أن ذلك محرم، قال في الإنصاف عن القول الثاني: (قال في الفروع: وهو أظهر. قلت: وهو الصواب).
(٥) لتنهض شهوتها فتنال من لذة الجماع مثل ما يناله.
стр. 1478
رأسَهُ (١)، وأن لا يستقبلَ القِبْلةَ (٢)، وأن يقولَ عندَ الوطءِ (٣): «بسمِ اللهِ، اللَّهمَّ جنِّبنَا الشيطانَ، وجنِّبِ الشيطانَ ما رزقتنَا» (٤)، وأن تتَّخذَ المرأةُ خرقةً تناولُها للزوجِ بعدَ فراغِهِ مِنَ الجماعِ.
(١) حال الجماع؛ لحديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء غطى رأسه، وإذا أتى أهله غطى رأسه، رواه البيهقي، وابن عدي، وضعفه النووي في المجموع.
(٢) أي: يسن أن ينحرف عن القبلة أثناء الجماع.
(٣) والمراد: قول ذلك قبل البدء في الوطء، قال في الكشاف: (لمن أراد وطئا).
(٤) كما ورد في الصحيحين، وتقوله المرأة كذلك، كما في الإقناع عن ابن نصر الله ﵀، قال في الإنصاف: (قلت: قد روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن مسعود ﵁ موقوفا "أنه إذا أنزل يقول: اللهم لا تجعل للشيطان فيما رزقتني نصيبا". فيستحب أن يقول ذلك عند إنزاله. ولم أره للأصحاب. وهو حسن، وقال القاضي في الجامع: يستحب إذا فرغ من الجماع أن يقرأ ﴿وهو الذي خلق من الماء بشرا﴾ [الفرقان: ٥٤]. قال: وهذا على بعض الروايات التي تجوز للجنب أن يقرأ بعض آية. ذكره أبو حفص، واستحب بعض الأصحاب أن يحمد الله عقب الجماع، قاله ابن رجب في تفسير الفاتحة، قلت: وهو حسن، وقال القاضي محب الدين بن نصر الله: هل التسمية مختصة بالرجل، أم لا؟ لم أجده، والأظهر عدم الاختصاص، بل تقوله المرأة أيضا. انتهى، قلت: هو كالمصرح به في الصحيحين، أن القائل: هو الرجل، وهو ظاهر كلام الأصحاب. والذي يظهر: أن المرأة تقوله أيضا).
стр. 1479
فصل
وليسَ عليها خدمةُ زوجِها (١) في: عجنٍ، وخَبزٍ، وطبخٍ، ونحوِهِ (٢). لكنِ الأَولى لها فعلُ ما جرت بِهِ العادةُ (٣).
ولَهُ أن يُلزِمَها: بغَسلِ نجاسةٍ عليها، وبالغُسلِ مِنَ الحيضِ والنِّفاسِ والجنابةِ (٤)،
(١) فلا يجب على المرأة أن تخدم زوجها، هذا المذهب؛ لأن المعقود عليه منفعة البضع، فلا يملك غيره من منافعها.
(٢) ككنس الدار، والتنظيف.
(٣) أي: إذا كانت العادة جارية أن تخدم زوجها، فالأولى أن تفعل ذلك، وهذا من الإقناع وزاد عليه قول شيخ الإسلام، فقال: (لكن الأولى لها فعل ما جرت العادة بقيامها به) لأنه العادة ولا يصلح الحال إلا به ولا تنتظم المعيشة بدونه (وأوجب الشيخ المعروف من مثلها لمثله) وفاقا للمالكية، وقاله أبو بكر بن شيبة وأبو إسحاق الجوزجاني واحتجا بقضية علي وفاطمة «فإن النبي ﷺ قضى على ابنته فاطمة بخدمة البيت، وعلي ما كان خارجا من البيت من عمل» رواه الجوزجاني من طرق، (وأما خدمة نفسها في ذلك) أي في العجن والخبز والطبخ ونحوه (ف) هي (عليها) بمعنى أنها لا تلزمه (إلا أن يكون مثلها لا يخدم نفسها) فعليه خادم لها).
(٤) فله أن يجبرها على الاغتسال ولو كانت ذمية على ظاهر =
стр. 1480
وبأخذِ ما يُعافُ مِنْ ظُفرٍ وشعرٍ (١).
ويحرُمُ عليها الخروجُ بلا إذنِهِ، ولو لموتِ أبيها. لكن لها أن تخرجَ لقضاءِ حوائِجِها، حيثُ لم يَقُم بها (٢).
ولا يملكُ منعَها من كلامِ أبويها، ولا منعَهما مِنْ زيارتِها (٣)، ما لم يخف منهما الضَّررَ (٤).
= المنتهى وصريح الغاية، خلافا للإقناع.
(١) أي: للزوج أن يلزم زوجته أن تأخذ ما تعافه النفسُ منها من شعر وظفر، قال الشيخ منصور: (وظاهره: ولو طالا يسيراً بحيث تعافه النفس).
(تتمة) هل للزوج أن يمنع زوجته من أكل ما له رائحة كريهة كالبصل والثوم؟
جزم في الإقناع والغاية بأن له ذلك؛ لأنه يمنع كمال الاستمتاع، قلت: وينبغي أن يقال: وكذلك هو يمتنع من تلك الأشياء إن كانت زوجتُه تتأذى بها، ولم أره. والله أعلم.
(٢) فإذا كان الزوج قائماً بحوائج زوجته، حرم عليها الخروج بلا إذنه؛ وليس لها إذن نفقةٌ ما دامت خارجة من البيت إن لم تكن حاملا؛ لنشوزها، لكن يستحب له أن يأذن لها بالخروج لتمريض أحد محارمها، أو عيادته.
(٣) أي: يحرم ولا يملك منعها من أن تكلم أبويها، ولا منع أَبَوَيها من زيارتها؛ لما فيه من قطيعة الرحم.
(٤) فإن خاف منهما الضرر بسبب زيارتهما، فله أن يمنعهما من زيارتها؛ دفعا للضرر.
стр. 1481
ولا يلزمُها طاعةُ أبوَيها، بل طاعةُ زوجِها أحقُّ (١).
(١) فلا يلزم المرأة أن تطيع أبويها في فراق زوجها مثلاً، ولا في زيارتهما إذا كان الزوج يأبى ذلك، ولا تكون عاقة بذلك، بل الواجب عليها أن تطيع زوجها؛ لوجوبها عليها.
стр. 1482
فصل
ويلزمُهُ: أن يبيتَ عند الحرَّةِ -بطلَبِها-: ليلةً مِنْ أربعٍ (١)، والأمةِ: ليلةً مِنْ سبعٍ، وأن يطأَها في كلِّ ثُلثِ سنةٍ مرةً، إن قَدَرَ (٢). فإن أبى: فرَّقَ الحاكمُ بينهما، إن طلبت (٣).
وإن سافرَ فوقَ نصفِ سنةٍ في غيرِ أمرٍ واجبٍ (٤)، أو طلبِ
(١) والمراد بلزوم المبيت مع الزوجة: في المضجع؛ قال اللبدي: (بفتح الجيم: مكان الاضطجاع، بأن ينام معها)، والواجب على الزوج للحرة ليلة من أربع بطلب الزوجة، ولو لم تكن له إلا زوجة واحدة، وله أن ينفرد في باقي الليالي، وهذا قضاء كعب بن سوار عند عمر ﵁ واشتهر ولم ينكر. أخرجه ابن أبي شيبة.
(٢) فيلزمه أن يطأها كل أربعة أشهر مرةً على الأقل: ١ - بطلبها، ٢ - إن قدر، أي: إذا استطاع، ولم يكن عنده عذر يمنعه من الوطء؛ لأن الله تعالى قدره بأربعة أشهر في حق المولي، فكذا في حق غيره؛ لأن اليمين لا توجب ما حلف عليه، فدل على أن الوطء واجب بدونها.
(٣) أي: إن أبى الوطء في جميع الأشهر الأربعة، أو أبى أن يبيت عند الحرة ليلة من أربع، فرق الحاكم بينهما، إن طلبت ذلك. وهذا في حال كون الزوج حاضراً، وسينتقل المؤلف إلى حكم المسافر.
(٤) أي: سافر في غير أمر واجب، والأمر الواجب كحج وغزو واجبين.
стр. 1483
رزقٍ يَحتاجُ إليهِ، وطلبت قدومَهُ: لَزِمَهُ (١).
ويجبُ عليهِ التسويةُ بينَ زوجاتِهِ في المبيتِ (٢). ويكونُ ليلةً
(١) والمراد: أن من سافر عن زوجته فوق نصف سنة فلا يخلو الحال فيه من أمرين: الأول: أن يكون سفره لأمر واجب كحج وغزو واجبين، وطلب رزق يحتاج إليه، وفي هذه الحال لو طلبت الزوجةُ قدومه، فلا يلزمه، وليس لها أن تفسخ إذا ترك لها نفقة كما في الإقناع، قال مع شرحه: (ولو سافر) الزوج (عنها لعذر وحاجة سقط حقها من القسم والوطء وإن طال سفره) للعذر (بدليل أنه لا يفسخ نكاح المفقود إذا ترك لامرأته نفقتها)، أو وجد له مال ينفق عليها منه أو من يفرضها عليه)، الثاني: أن يكون سفره لغير ما تقدم وفي هذه الحال إن طلبت قدومه لزمه ما لم يكن له عذر، فإن أبى فلها الفسخ بإذن الحاكم بطلبها.
(٢) انتقل الماتن من هنا إلى القَسْم بين الزوجات، والقسم: هو توزيع الزمان على زوجاته إن كن اثنتين فأكثر، فيجب على زوج غير طفل أن يساوي بين زوجاته في القسم؛ قال في المغني: (لا نعلم بين أهل العلم في وجوب التسوية بين الزوجات في القسم خلافا، وقد قال الله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء: ١٩]، وليس مع الميل معروف. وقال الله تعالى: ﴿فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾ [النساء: ١٢٩]. وروى أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل». =
стр. 1484
وليلةً، إلا أن يرضَينَ بأكثرَ (١).
= وعن عائشة، قالت: «كان رسول الله ﷺ يقسم بيننا فيعدل، ثم يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك». رواهما أبو داود).
(١) أي: وتكون طريقة القسم ليلة ليلة، فإن رضيتا بليلتين ليلتين، جاز، ويدخل النهار تبعا لليلة الماضية، قال في الإقناع وشرحه: (ويخرج في نهاره في معاشه وقضاء حقوق الناس وما جرت العادة به ولصلاة العشاء والفجر ولو قبل طلوعه كصلاة النهار) قلت: لكن لا يعتاد الخروج قبل الأوقات إذا كان عند واحدة دون الأخرى، لأنه غير عدل بينهما، أما لو اتفق ذلك بعض الأحيان أو لعارض فلا بأس … (فإن تعذر عليه) أي الزوج (المقام عندها) أي عند ذات الليلة (ليلا لشغل أو حبس أو ترك ذلك) أي المقام عندها في ليلتها (لغير عذر قضاه لها) كسائر الواجبات).
(تتمة) لو كان له نساء بمحال متباعدة، قال في الإقناع وشرحه: (فإن كانت امرأتاه في بلدين) أو كان نساؤه في بلاد (فعليه العدل بينهما) أو بينهن (بأن يمضي إلى الغائبة) عن البلد (في أيامها أو يقدمها إليه) ليسوي بينهن، (فإن امتنعت) الغائبة (من القدوم مع الإمكان سقط حقها) من القسم والنفقة (لنشوزها وإن قسم في بلديهما جعل المدة بحسب ما يمكن، كشهر وشهر أو أكثر أو أقل على حسب تقارب البلدين) وبعدهما لحديث «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»).
стр. 1485
ويحرُمُ دخولُهُ في نوبةِ واحدةٍ إلى غيرِها، إلا لضرورةٍ (١)، وفي نهارِها (٢)، إلا لحاجةٍ (٣). وإن لبِثَ أو جامعَ: لزمَهُ القضاءُ (٤).
(١) ومثال الضرورة: أن تكون إحدى زوجاته منزولاً بها، أي: على وشك الموت، فيجوز أن يذهب إليها في نوبة -أي: ليلة- غيرها؛ لعلها تريد أن توصي إليه، أو لعله يلقنها الشهادة.
(٢) أي: يحرم أن يدخل إلى زوجة في النهار التابع لليلة غيرها؛ لأن نوبة الزوجة تبدأ بالغروب، ويتبعها النهار الذي يليها، فهو نهار تلك الزوجة.
(٣) أما الليل؛ فقد استثنى الضرورة فقط، وفي النهار استثنى الحاجة، ومثال الحاجة: عيادتها إذا كانت مريضة، أو سؤال عن أمر يحتاج إلى معرفته، ولا يلزمه القضاء إن دخل لضرورة أو حاجة؛ لأنه لا فائدة في قضاء الزمن اليسير.
(تتمة) وهل له أن يدخل عندها لتفقد أبنائه في دراستهم أو مذاكرتهم؟ الظاهر: نعم؛ لأنه لم يدخل لأجلها، وإنما لحاجة أخرى، وقد يقال: له ذلك إن لم يستطع إحضار أولاده في نوبة التي هو عندها، فليحرر، والله أعلم.
(٤) ففي الحالات التي جاز له الدخول على زوجته الأخرى لضرورة أو لحاجة: لو لبث فوق ما يحتاجه أو جامع، لزمه أن يقضي اللُبث والجماع، قال في المنتهى وشرحه: (وإن لبث أو جامع لزمه قضاء لبث، وجماع) بأن يدخل على المظلومة في ليلة الأخرى فيمكث عندها بقدر ما مكث عند تلك أو يجامعها ليعدل بينهما؛ لأن اليسير مع الجماع يحصل به السكن أشبه =
стр. 1486
وإن طلَّقَ واحدةً وقتَ نوبتِها (١): أَثِمَ (٢)، ويقضيها متى نكحَها (٣).
ولا يجبُ أن يسويَ بينهنَّ في الوطءِ، ودواعيهِ (٤)، ولا في النفقةِ والكسوةِ (٥)، حيثُ قامَ بالواجبِ (٦). وإن أمكنهُ ذلكَ: كانَ حسناً (٧).
= الزمن الكثير و (لا) يلزمه قضاء (قبلة ونحوها من حق الأخرى) لحديث عائشة " «كان رسول الله ﷺ يدخل علي في يوم غيري فينال مني كل شيء إلا الجماع» ")، قال في الإقناع: (والعدل: القضاء)، أي: قضاء القبلة ونحوها.
(١) أي: ليلتها.
(٢) قال البهوتي في شرح المنتهى: (ولعله: إذا لم يكن بسؤالها).
(٣) وجوباً؛ لقدرته عليه.
(٤) فلا يجب على الزوج أن يسوي بين زوجاته في الوطء، كأن يطأ كل امرأة في ليلتها. وكذلك لا يلزمه أن يسوي بينهن في دواعي الوطء -أي: مقدماته-؛ لأن طريقه الشهوة والميل، ولا سبيل إلى التسوية بينهن في ذلك، لكن يسن التسوية بينهن في الوطء كما في المنتهى والغاية.
(٥) فلا يجب عليه أن يسوي بينهن في الكسوة.
(تتمة) هل يجوز أن يهدي بعض زوجاته دون بعض؟ المذهب: يجوز ولا يجب التعديل بين الزوجات في العطايا.
(٦) أي: إذا قام بالواجب عليه من نفقة وكسوة.
(٧) أي: إذا أمكنه التسوية في هذه الأمور كالوطء، ودواعيه، =
стр. 1487
فصل
وإذا تزوَّجَ بِكراً: أقامَ عندها سبعاً، وثيِّباً: ثلاثاً (١)، ثم يعودُ إلى القَسمِ بينهنَّ (٢).
ولَهُ تأديبُهنَّ على تركِ الفرائضِ (٣).
= والهدايا، والكسوة: كان حسناً؛ لأنه أبلغ في العدل بينهن.
(١) لحديث أنس ﵁ قال: من السُّنَّة إذا تزوج البكرَ على الثيبِ أقامَ عندها سبعاً ثم قسم، وإذا تزوج الثيبَ أقامَ عندها ثلاثاً ثم قسم. متفق عليه، وفي حديث أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: «إن سبَّعتُ لكِ سبَّعتُ لنسائي» رواه مسلم؛ لأن النبي ﷺ تزوجها وهي ثيب، فأقام عندها ثلاثة أيام فقط، وقال لها إن أردتِ أن أمكث عندك سبعة أيام، فسوف أفعل، وأقضي لكل زوجة سبعة أيام، وقد يظن الظانُّ أول وهلة أنه لو بقي عندها سبعاً، فإنه يقضي أربعاً فقط لبقية نسائه؛ لأن الأيام الثلاثة الأُول كانت حقها، لكن الحنابلة قدموا ظاهر هذا الحديث الصحيح على النظر؛ لأنه لا قياس مع النص.
(٢) ثم يعود لقسمه، وتصير الجديدة آخرهن نوبة.
(٣) قال الخلوتي في حاشيته على المنتهى: (مقتضى صنيع "تحفة المودود" أن هذا مستحب لا مباح فقط، فلعله عبر بلام الجواز؛ لأجل الرد فقط على القائل بعدم الجواز بالكلية، وهو قول في المذهب، وحينئذ فلا ينافي الاستحباب)، أما إذا =
стр. 1488
ومن عصتهُ: وعظَها (١)،
فإن أصرَّت: هجرها في المضجعِ (٢) ما شاءَ (٣)، وفي الكلامِ ثلاثةَ أيامٍ فقط (٤)، فإن أصرَّت: ضَرَبَها ضرباً غيرَ شديدٍ (٥)، بعشرةِ أسواطٍ، لا فوقَها (٦).
= زنت -مثلاً-؛ فليست إقامة الحد إليه، وإنما إلى الحاكم.
(١) انتقل المؤلف إلى الكلام عن النشوز، وهو لغة: ما ارتفع من الأرض، وشرعاً: معصيتها إياه فيما يجب عليها طاعته فيه، فإذا ظهر منها أماراته بأن منعته الاستمتاع بها أو أجابته متثاقلة، أو إلا بكره، بدأ بوعظها؛ لقوله تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن) أي: يبدأ بتخويفها بالله ، ويذكر لها ما أوجب الله عليها من الحق والطاعة، وما يلحقها من النفقة والكسوة.
(٢) أي: يترك مضاجعتها، ولا ينام معها؛ للآية السابقة.
(٣) فلا يحدُّ بزمن معين، سواء كان ذلك يوماً، أو يومين، أو خمسة أيام … وهذا يؤثر في المرأة، وتتضرر به.
(٤) كما ورد في الحديث، فلا يزيد في الهجر المتعلق بالكلام على ثلاثة أيام؛ لقوله ﷺ : (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال). متفق عليه.
(٥) ويفرقه على بدنها، ويجتنب الوجه، والمواضع المخوفة والمستحسنة من الجسم، فلا يضربها فيها؛ لئلا يشوهها، ولا يضربها إلا بعد هجرها في الفراش والكلام.
(٦) فيحرم عليه أن يزيد على عشرة أسواط؛ لقوله ﷺ : (لا يجلد =
стр. 1489
ويُمنعُ من ذلكَ: إن كانَ مانعاً لحقِّها (١).
= أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله) متفق عليه، وفي الإقناع: لا يُسأل أحد لمَ ضرب زوجته.
(١) أي: يُمنع الزوج من الوعظ والضرب والهجر إذا كان سبب نشوزها أنه منعها حقها.
стр. 1490
كتابُ الخُلعِ (١)
(١) الخلع لغة: بضم الخاء: النزع، واصطلاحا: هو فراق الزوج امرأتَه بعوض يأخذه الزوج، بألفاظ مخصوصة. والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة، ٢٢٩]، وحديث ابن عباس ﵄ أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال: «أتردين عليه حديقته؟»، قالت: نعم، فقال رسول الله ﷺ : «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة»، رواه البخاري.
وفائدته: تخليصها من الزوج على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها وعقد جديد، وعدم نقص عدد الطلاق، ومجموع هذين الأمرين هو فائدة الخلع. قاله النجدي.
(تتمة) للخلع ثلاثة أحكام: (الحكم الأول) الإباحة، فيباح في حال سوء العشرة بين الزوجين، بحيث يصير كلٌّ منهما كارهاً للآخر، ولا يحسن صحبته، وكذلك يباح إذا كانت الزوجة تبغض خَلق زوجها -أي: صورته الظاهرة- أو خُلقه كأن يكون غضوباً، أو يهينها أمام أهلها أو أمام الناس، أو كبره، أو نقص =
стр. 1491
وشروطُهُ سبعةٌ:
الأولُ: أن يقعَ مِنْ زوجٍ يصحُّ طلاقُهُ (١).
= دينه، وتخشى إن أقامت معه ألا تقيم حدود الله تعالى في حقه، فيباح لها الخلع إذَن، وإجابتها في هذه الحال سُنة، إلا مع محبته لها فيسن صبره، وعدم افتدائها، وهذا مما يبرز بعض الحقوق التي تتمتع بها المرأة في الإسلام.
(الحكم الثاني) الكراهة، وتكون عند استقامة الحال، فيكره الخلع إذَن، ولكن لو وقع صح.
(الحكم الثالث) التحريم، وذلك إذا ضارَّها ظلماً كي تفتدي نفسها، أي: لتخالع بعوض تدفعه للزوج، ولا يصح الخلع إذَن مع تحريمه إلا إذا وقع بلفظ الطلاق أو نيته فيقع رجعيا، والدليل على التحريم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [سورة النساء: ١٩]، وإن فعل الزوج ذلك لا لتفتدي، بل لفعلها زنا أو لتركها فرضا، أو نشوزا، فالخلع صحيح؛ لقوله تعالى: (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة).
(١) شروط صحة الخلع: (الشرط الأول) أن يقع من زوج يصح =
стр. 1492
الثاني: أن يكونَ على عوضٍ -ولو مجهولاً (١) - ممَّن يصحُّ تبرُّعُهُ، من أجنبيٍّ وزوجةٍ (٢). لكن لو عَضَلَها ظلماً لتختلعَ: لم يصحَّ (٣).
الثالثُ: أن يقعَ مُنَجَّزاً (٤).
= طلاقه، وهو البالغ، وكذا المميز الذي يعقل الطلاق.
(تنبيه) عبارة المؤلف: (من زوج) هي عبارة الإقناع، وعبارة المنتهى أولى وهي: (ويصح ويلزم ممن يقع طلاقه)؛ لتشمل طلاق الحاكم في الشقاق، وكذا لو فعله الحاكم في العنة والإعسار وغيرها من المواضع التي يملك الحاكم فيها الفرقة، وكذا تشمل الوكيل. (مخالفة الماتن)
(١) (الشرط الثاني) أن يكون على عوض، ولو كان العوض مجهولاً كعلى ما بيدها من دراهم، وكذا لو كان معدوما كعلى ما تحمل به شاتها، فلا يصح الخلع بلا ذكر العوض؛ لأن العوض في الخلع ركن فيه فلا يصح تركه كالثمن في البيع، خلافاً للنكاح، فإنه يصح ولو لم يُذكر المهر. (فرق فقهي)
(٢) فيُشترط أن يكون عوضُ الخلع مبذولاً ممن يصح تبرعه -أي: من مكلف غير محجور عليه-؛ لأنه بذل ماله في مقابلة ما ليس بمال ولا منفعة، أشبه التبرع، وسواء كانت المرأة هي الباذلة، أو كان شخصاً غيرها -وهو: الأجنبي- كأبيها، أو ابن عمها.
(٣) ويحرم، وقد تقدم في الحكم الثالث من أحكام الخلع.
(٤) (الشرط الثالث) أن يقع الخلع منجَّزاً، فلا يصح تعليقه على شرط كقوله: "إن بذلت لي كذا فقد خالعتك"؛ إلحاقا له بعقود المعواضات؛ لاشتراط العوض فيه، ويستثنى من ذلك ما لو =
стр. 1493
الرابعُ: أن يقعَ الخلعُ على جميعِ الزوجةِ (١).
الخامسُ: أن لا يقعَ حيلةً لإسقاطِ يمينِ الطلاقِ (٢).
السادسُ: أن لا يقعَ بلفظِ الطلاقِ، بل بصيغتِهِ الموضوعةِ لَهُ (٣).
= علقه على مشيئة الله، فقال: «إن شاء الله»، فيصح إذَن كما نبه عليه النجدي.
(١) (الشرط الرابع) أن يقع الخلع على جميع الزوجة، فلا يصح لو قال مثلاً: خلعت نصف زوجتي، بخلاف الطلاق -وسيأتي-، فلو طلق نصف زوجته، فإنها تطلق، ولا تتبعض الطلقة. (فرق فقهي)
(٢) (الشرط الخامس) أن لا يقع حيلة لإسقاط يمين الطلاق، فلو حلف بالطلاق، فقال لزوجته مثلاً: إن ذهبتِ يوم الخميس إلى الزواج فأنتِ طالق، ثم ندِم، وأراد أن يُبطل الحلف المتقدم؛ لئلا تحسب عليه طلقة، فقد يستعمل حيلة الخلع، وحاصل ذلك أن يخالعها يوم الخميس عصراً مثلاً، ثم تذهب إلى الزواج ليلاً، ثم يعقد عليها في اليوم الذي بعده. لكن هذه الحيلة التي يُستعمل فيها الخلع لإسقاط يمين الطلاق لا تنفعه، فلا يصح الخلع، وإذا لم يصح وقع الطلاق إن ذهبت؛ لأنها ذهبت حال كونها زوجة له.
(٣) (الشرط السادس) أن لا يقع الخلع بلفظ الطلاق، بل بصيغته الموضوعة له التي سيذكرها المؤلف الصريحة والكنائية، كقوله: خالعتك، أو فسخت نكاحك، أو فاديتك، أما لو خالعها بلفظ الطلاق، لم يصح الخلع، ووقع طلاقاً بائناً بينونة صغرى، فليس له أن يراجعها في العدة، فيأخذ هذا الطلاق من صفات الخلع، لكنه لا يكون خلعاً.
стр. 1494
السابعُ: أن لا ينويَ بِهِ الطلاقَ (١).
فمتى توَّفرتِ الشُّروطُ: كانَ فسخاً بائناً، لا ينقُصُ بِهِ عددُ الطلاقِ (٢).
(١) (الشرط السابع) أن لا ينوي بأي لفظ من ألفاظ الخلع الطلاقَ، فإن نوى الطلاقَ به؛ فيقع مع بذل العوض طلاقا بائنا، ولم يصح الخلع، فإن لم يكن بعوض فيكون طلاقا رجعيا، وفي كلام ابن عوض والمقدسي هنا نظر.
(تتمة) (الشرط الثامن) أن يقع بصيغة منهما وهي: الإيجاب والقبول، قال في الإقناع وشرحه: (ولا يصح) الخلع (بمجرد بذل المال وقبوله) من غير لفظ الزوج ..... (بل لا بد من الإيجاب والقبول في المجلس) بأن يقول: خلعتك ونحوه على كذا، فتقول رضيت أو نحوه).
(الشرط التاسع) أن يقع من جادين لا هازلين، قال في الإقناع وشرحه: ((وإن تخالعا هازلين بلفظ طلاق أو نيته صح) الطلاق لما يأتي (وإلا) بأن تخالعا هازلين بغير لفظ طلاق ولا نيته (فلا) يصح الخلع لخلوه عن العوض).
(الشرط العاشر) كون العوض مباحاً، فإن كان محرماً كخمر والزوجان يعلمان تحريمه لم يصح الخلع؛ لأن وجود العوض هنا كعدمه، وإن لم يعلما تحريمه كأن خالعته على بيت فظهر مستحقًّا؛ صح الخلع وللزوج بدل العوض.
(الشرط الحادي عشر) ألا يكون عاضلاً لزوجته.
(٢) فإذا استكمل الشروطَ، صح الخلع، ويكون فسخاً، ولا ينقص =
стр. 1495
وصيغتُهُ الصريحةُ لا تحتاجُ إلى نيةٍ، وهي: خلعتُ، و: فسختُ، و: فاديتُ.
والكنايةُ: باريتُكِ، و: أبرأتُكِ، و: أَبَنتُكِ (١).
فمَعَ سؤالِ الخلعِ، وبذلِ العوضِ: يصحُّ بلا نيةٍ (٢)، وإلا:
= به عدد الطلاق، فلو عقد عليها بعد ذلك، فإنه يرجع بجميع الطلقات التي كان يملكها قبل الخلع؛ قال في شرح المنتهى: (وروي كونه فسخا لا ينقص به عدد الطلاق عن ابن عباس، وروي عن عثمان، وعلي، وابن مسعود أنه طلقة بائنة بكل حال لكن ضعف أحمد الحديث عنهم فيه، وقال: ليس في الباب لنا شيء أصح من حديث ابن عباس أنه فسخ. واحتج ابن عباس بقوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثم قال: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثم قال: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] فذكر تطليقتين، والخلع، وتطليقة بعدهما فلو كان الخلع طلاقا لكان رابعا، ولأن الخلع فرقة خلت عن صريح الطلاق ونيته؛ فكانت فسخا كسائر الفسوخ).
(١) فهذه الألفاظ التي هي كناية للخلع، ولا بد معها من نية حتى يقع بها الخلع، سواء صدرت من الزوج أو الزوجة، وكذا لو وجدت قرينة كما سيذكره المؤلف بقوله: (فمع .... إلخ)، والظاهر هذه القرينة هي التي تقوم مقام النية، ولم أر غيرها.
(٢) ولو كان بلفظ الكناية، فلو سألته الخلع بلفظه الصريح، أو الكناية مع القرينة ففعل صح الخلع، فلو قالت له: خالعني، =
стр. 1496
فلا بُدَّ منها (١).
ويصح بكلِّ لغةٍ مِنْ أهلِها، كالطَّلاقِ (٢).
= أو أَبِنّي وهذه أربعون ألفاً، صح الخلع، ولو لم ينوه، وهل يشترط أن يأتيا -مع سؤالها وبذل العوض- بصيغة الخلع؟ الظاهر: لا؛ لأنهم قالوا: صح الخلع، فليحرر.
(١) أي: إن لم تكن هناك دلالة حال، فلا بُدَّ من النية، وهذا في الكناية فقط، أما في الصريح فلا حاجة للنية.
(٢) قال في الغاية: (ولو أحسن العربية) ووافقاه، ووافقه الخلوتي حيث قال: (وهو يقع من العربي بلغة العجم إذا كان عارفًا بمدلول تلك الصيغة عند أهلها)، قلت: بخلاف النكاح، فإنَّه لا يصح ممن يحسن العربية إلا بالعربية. والله أعلم. (فرق فقهي)
стр. 1497
كِتَابُ الطَّلاقِ (١)
يُباحُ لسُوءِ عِشْرَةِ الزَّوجةِ (٢)،
ويُسنُّ إن تركتِ الصلاةَ ونحوَها (٣)،
(١) الطلاق لغة: التخلية. وشرعاً: حل قيد النكاح أو بعضه، و (حل قيد النكاح) بإيقاع نهاية عدده، بأن يطلق ثلاثا، سواء كانت الطلقات متتابعة أو متفرقة، وحل (بعضه) بأن يوقع ما دون الثلاث وهي الرجعية، وكتاب الطلاق من أدق الأبواب وأصعبها، والطلاق ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، قال البهوتي في الكشاف: (وأجمعوا على جوازه لقوله تعالى ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقوله ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١] وقوله ﷺ «إنما الطلاق لمن أخذ بالساق» والمعنى يدل عليه لأن الحال ربما فسد بين الزوجين فيؤدي إلى ضرر عظيم فبقاؤه إذن مفسدة محضة فشرع ما يزيل النكاح لنزول المفسدة الحاصلة منه).
(٢) الطلاق تتخلله الأحكام التكليفية الخمسة، (الحكم الأول) يكون مباحا لسوء العشرة بين الزوجين، أو لسوء عشرة الزوجة بالنسبة للزوج، وللتضرر بها من غير حصول الغرض بها.
(٣) (الحكم الثاني) يسن إن تركت الزوجة الصلاة -قال النجدي: =
стр. 1498
ويُكرهُ من غيرِ حاجةٍ (١)،
ويَحرمُ في الحيضِ ونحوِه (٢)،
ويجبُ على المُولِي بعدَ التربُّصِ (٣)، قيلَ: وَعلى مَنْ يَعلمُ
= أي: بتأخيرها عن وقتها- ونحوها، لكن قيده في الإقناع بما إذا لم يتمكن الزوج من إجبارها على الصلاة، أما إذا تمكن من إجبارها فلا يسن له، وكذلك يسن للزوج أن يطلق زوجته إذا تضررت من بقاء النكاح لقوله تعالى: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)، وكذا يسن في الحال التي تحوج الزوجة إلى الخلع؛ ليزيل عنه الضرر.
تتمة: زاد في المنتهى (وعفة)، أي: يسن أن يطلق الزوج زوجته إذا تركت الصلاة والعفة لتفريطها في حقوق الله تعالى، قالوا: وله عضلها إذن والتضييق عليها؛ لتفتدي منه؛ لقوله تعالى: (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة).
(١) (الحكم الثالث) يكره في حال استقامة السيرة بينهما؛ لحديث «إن أبغض الحلال عند الله الطلاق» وراه أبو داود وابن ماجه.
(٢) (الحكم الرابع) يحرم أن يطلق زوجته وهي حائض، وقوله: (ونحوه) كالطهر الذي جامعها فيه. ففي كلا الحالتين يحرم، ويقع، وهو الطلاق البدعي، وسيأتي إن شاء الله
(٣) (الحكم الخامس) المولي هو: الذي حلف ألا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر.
وقوله (بعد التربص)، أي: بعد الأربعة أشهر، وسيأتي في =
стр. 1499
بِفُجورِ زوجتهِ. (١)
ويَقعُ طلاقُ المُميِّزِ - إنْ عَقَلَ الطلاقَ (٢) - وطلاقُ السكرانِ بمائع. ٍ (٣)
= باب الإيلاء أنه يجب عليه بعد أن تمضي أربعة أشهر على حلفه وأبى الفيئة أن يطلق، وإلا طلق عليه الحاكم.
(١) أي: وقيل يجب الطلاق أيضا على من علم بفجور زوجته، أي: علم بزنا زوجته، قال اللبدي: (من علم بفجور زوجته إما برؤية، أو بإخبار ثقة، لا بتهمة، أو قرينة أو إشاعة؛ لأنه ربما شاع ما لا صحة له، وفي قصة الإفك أكبر شاهد على ذلك)، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، ذكرها في الإقناع والغاية، قال في الإقناع وشرحه: (وعنه) أي أحمد (يجب) الطلاق (لتركها عفة ولتفريطها في حقوق الله تعالى قال الشيخ إذا كانت تزني لم يكن له أن يمسكها على تلك الحال بل يفارقها وإلا كان ديوثا انتهى) وورد لعن الديوث واللعن من علامات الكبيرة على ما يأتي فلهذا وجب الفراق وحرمت العشرة).
(٢) المميز في المذهب هو من أكمل سبع سنين، والمميز الذي يعقل الطلاق هو الذي يعلم أن زوجته تفارقه بهذا الطلاق. وكما قال في الإقناع وشرحه: (ومعنى كون المميز يعقل الطلاق أن (يعلم) المميز (أن زوجته تبين منه وتحرم عليه) إذا طلقها)، فإن لم يعقل المميز الطلاق فإن طلاقه لا يصح.
(٣) السكران في المذهب يعامل معاملة اليقظان تماما تغليظًا عليه، فيقع الطلاق منه إذا كان مختارا عالما به كما قاله البهوتي في =
стр. 1500
ولا يقعُ ممن نامَ، أو زالَ عقلُه بجنونٍ أو إغماءٍ، (١) ولا ممن أكرهَهُ قادرٌ ظلمًا (٢)
= الكشاف، وقوله: (بمائع) يُفهم منه أنه إذا شرب مسكرا جامدا كالحشيش والمخدرات مثلًا وطلق فإن طلاقه لا يقع، وقد تابع المصنف في هذا الإقناع -وهو ما مشى عليه في الغاية- في كونه يشترط لوقوع طلاق السكران أن يكون سكره بسبب شرب مائع، لا مسكر جامد، ولعل المذهب هو ظاهر المنتهى وأنه يقع طلاقه سواءً كان السكرُ بمائع أو جامد إلا البنج؛ لأنه لا لذة فيه، وعبارته: (ويقع الطلاق ممن شرب طوعا مسكرا، أو نحوه مما يحرم بلا حاجة)، وقد نبه البهوتي على الخلاف في الكشاف، فقال: (والحشيشة الخبيثة كالبنج قدمه الزركشي (والشيخ يرى) أن الحشيشة الخبيثة (حكمها حكم الشراب المسكر حتى في إيجاب الحد) ويفرق بينها وبين البنج بأنها تشتهى وتطلب فهي كالخمر بخلاف البنج فالحكم عنده منوط باشتهاء النفس وطلبها وجزم في المنتهى بأنها تشتهى وشرحه بما قاله الشيخ من حيث وقوع الطلاق). (مخالفة الماتن)
(١) لو جُن أو أُغمي عليه وطلق؛ فطلاقه لا يصح.
(٢) لا يقع طلاق المكرَه إن كان الإكراه بغير حق؛ لحديث (لا طلاق في إغلاق)، رواه الإمام أحمد وأبو داود، أي: لا طلاق إكراه؛ لكن يشترط ألا ينوي في طلاقه إيقاعَ الطلاق؛ بل دفع الإكراه فقط وإلا وقع، أما إن أكره على الطلاق بحق، فإنه يقع، كحاكم يكره موليا على الطلاق بعد التربص وأبى الفيئة.
стр. 1501
بعقوبةٍ (١)، أو تهديدٍ له، أو لولَده (٢).
(١) الإكراه يكون بواحد من أمرين، (الأول): بعقوبة مباشرة للمكرَه؛ كمن يؤلمه بالضرب حتى يطلق، أو يخنقه حتى يطلق، ولا يرفع عنه ذلك حتى يطلق.
(٢) (الثاني): الإكراه بالتهديد، والتهديد ليس فيه عقوبة مباشرة للمكرَه، لأنه لم يمسه بعقوبة وإنما يهدد المكره أو ولده بالعقوبة حتى يطلق، وإنما يكون التهديد إكراها لا يقع به الطلاق بشروط: ١ - أن يكون التهديد بما يضره كثيرا كقتل وقطع طرف، وفي هذه الحالة -مع بقية الشروط- يجب عليه أن يطلق؛ لئلا يلقي بيده إلى التهلكة المنهي عنه كما قرره البهوتي في شرح المنتهى، ٢ - أن يكون المهدد قادرا على فعل ما هدد به بسلطة، أو تغلب ونحو ذلك، ٣ - أن يغلب على الظن عدم النجاة من هذا التهديد بهرب أو اختفاء أو نحو ذلك، ٤ - أن يغلب على ظن المُكْرَه أن المُكْرِه سيوقع ما هدد به، ٥ - أن يكون التهديد للمكرَه وولده فقط، أما باقي أقاربه، فليس في تهديدهم إكراه للمكرَه، والقول الثاني: قاله في الإنصاف بعد تقديم المذهب: (قال في الفروع: ويتوجه أن ضرب والده ونحوه وحبسه: كضرب ولده، قال في القواعد الأصولية: ويتوجه تعديته إلى كل من يشق عليه تعديته مشقة عظيمة، من والد وزوجة وصديق).
(تتمة): ذكروا من صور الإكراه على المذهب: من سُحر ليطلق، قال في الإنصاف: وهو أعظم الإكراهات.
(تتمة): شروط صحة الطلاق: ١ - أن يكون الطلاق من زوج عاقل -إلا السكران الآثم فيقع طلاقه- ولو مميزاً؛، ويستثنى =
стр. 1502
فصل
وَمَنْ صحَّ طلاقُه (١)؛ صحَّ أن يُوَكِّلَ غيرَه فيه، وأَن يَتوكَّلَ عَنْ غيرِه (٢).
وللوَكِيلِ أن يُطلِّقَ مَتى شاءَ، (٣) ما لَم يَحُدَّ لَه حدًّا (٤).
= من ذلك الحاكم الذي يطلق عن المولي، ومن وكله الزوج في الطلاق، ٢ - أن يكون مختاراً، فلا يقع طلاق المكره. ٣ - أن يكون اللافظ له مريداً لمعناه، فلا يقع طلاق فقيه يكرره وحاكٍ له ولو على نفسه، كأن يقول لزوجته: هل تذكرين عندما قلت لكِ: أنت طالق. ٤ - النطق به: فلا يقع الطلاق بالنية، ويقع الطلاق إذا حرك لسانه بالطلاق ولو لم يسمعه، وإذا لم يلفظ به فلا يقع إلا في موضعين: ١ - إذا كتب صريح طلاق امرأته كتابة واضحة، ما لم يرد غمَّ أهله أو تجويد خطه فلا تطلق، قلتُ: ولو بالهاتف النقال ما لم يرد غم أهله. ٢ - إذا طلق الأخرس بالإشارة المفهومة.
(١) وهو الزوج العاقل ولو مميزا.
(٢) أي: في الطلاق؛ لأن من صح تصرفه في شيء مما تجوز الوكالة فيه؛ صح توكيله وتوكله فيه، وللوكيل عدة أحكام تأتي.
(٣) هذا (الحكم الأول) فللوكيل أن يطلق متى شاء إلا وقت بدعة وسيأتي.
(٤) كما لو قال: وكلتك أن تطلق زوجتي اليوم فقط، فتنتهي =
стр. 1503
ويَمْلِكُ طَلْقَةً، ما لَم يَجْعَلْ لَهُ أكثَر (١).
= الوكالة بانتهاء اليوم، وصفة تطليق الوكيل أن يقول: (هي طالق) ونحوه.
(١) (الحكم الثاني) أن الوكيل يملك عند إطلاق الوكالة طلقة واحدة فقط ما لم يوكله بأكثر، فإذا أذن له بالطلاق بدون تعيين عدد وطلق ثلاثا فلا تقع إلا واحدة.
(تتمة) (الحكم الثالث) يحرم على الوكيل أن يطلق في زمن البدعة، فإن طلق في زمن البدعة فذهب صاحب الإقناع - وهي من زياداته على المنتهى - والغاية إلى أنه يقع قياساً على الموكل، فإنه لو طلق زمن البدعة؛ حرم ووقع، واقتصر في الإنصاف على تصحيح الناظم: أنه يحرم ولا يقع، وقال في الفروع: (وفي وقوعه وجهان)، قال في تصحيح الفروع: (أحدهما: يحرم ويقع، قدمه في الرعايتين والحاوي الصغير، وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب، قال في الهداية والمستوعب والمقنع وغيرهم: له أن يطلق متى شاء، والوجه الثاني: يحرم ولا يقع، صححه الناظم، وهو قوي، لأنه ليس وكيلا فيه شرعا). فجعل تحريمه ووقوعه ظاهر كلام كثير من الأصحاب، ولعله سبب جزم الإقناع والغاية بوقوعه. والله أعلم. (مخالفة)
(الحكم الرابع) أن الوكيل في الطلاق لا يجوز له تعليق الطلاق، ولا يقع الطلاق بالتعليق ولو وجد المعلق عليه كما قاله النجدي، فلابد أن يكون منجزاً.
(تتمة) متى ينتهي التوكيل؟ إذا حدد الموكل الوكالة بوقت؛ =
стр. 1504
وإنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ، كانَ لَهَا ذلِكَ مَتَى شَاءَتْ (١)، وتَمْلِكُ الثَّلاثَ إِنْ قَالَ: طَلاقُكِ، أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِكِ، أوْ: وَكَّلْتُكِ في طَلاقِكِ (٢).
= فبانقضاء الوقت، وإن لم يحدد؛ فبالرجوع عن الوكالة، أو بوطء الموكل لزوجته، أو طلاقه لها، أو طلاق الوكيل؛ فبذلك تنفسخ وكالة الموكل.
(١) وهي كالوكيل الأجنبي؛ فليس لها أن تعلق الطلاق، ويملك الزوجُ الرجوع بالوطء وغير ذلك، ومتى شاءت طلقت نفسها على التراخي، إن لم يَحُد لها الزوج حدًّا، ولا تملك أكثر من طلقة واحدة، وصفة التطليق كأن تقول: طلقت نفسي، أو أنا منكَ طالق، لا أن تقول: أنا طالق أو أنتَ طالق كما نقله في الإقناع عن الروضة.
(٢) هذه ثلاثة ألفاظ تملك بها الزوجةُ ثلاث تطليقات: الأولى: قول الزوج طلاقك بيدك: فتملك الزوجة تطليق نفسها ثلاثا إذا قال لها: (طلاقك بيدك)؛ لأن كلمة (طلاقك) مفرد مضاف إلى معرفة؛ فيفيد العموم، الثانية: قول الزوج: أمرك بيدك: وهي توكيل من الزوج لزوجته بالطلاق وتملك بها ثلاثا؛ أفتى بها الإمام مرارا، ورواه البخاري في تاريخه عن عثمان، وقاله علي وابن عمر وابن عباس ﵃، لكن فيها تفصيل ذكره في الإقناع وشرحه، قال: (ولفظة الأمر) بأن ينوي بذلك تفويض الطلاق إليها (والخيار كناية في حق الزوج ويفتقر إلى نية) كسائر الكنايات (فلفظة الأمر كناية ظاهرة و) لفظة (الخيار) =
стр. 1505
وَيَبْطُلُ التَّوكِيلُ (١) بالرُّجُوعِ، وَبالوَطْءِ (٢).
= كناية (خفية كما تقدم) في أول الكنايات ١ - (فإن نوى) الزوج (بهما) أي بأمرك بيدك وباختاري نفسك (الطلاق في الحال وقع) الطلاق (في الحال ولم يحتج) وقوعه (إلى قبولها) كسائر الكنايات ٢ - (وإن لم ينو) إيقاعه في الحال بل نوى تفويضه إليها أ- (فإن قبلته بلفظ الكناية نحو: اخترت؛ افتقر) وقوعه (إلى نيتها) لأنه كناية أشبه ما لو أوقعه هو بكناية، ب- (وإن قبلته بلفظ الصريح بأن قالت طلقت نفسي وقع من غير نية) لعدم افتقاره إليها).
الثالثة: قول الزوج: وكلتك في طلاقك: تملك بها ثلاثا؛ لأنه مفرد مضاف؛ فيعم.
(١) سواءً كان التوكيل للزوجة أو لغيرها.
(٢) فتبطل الوكالة بأحد ثلاثة أمور: ١ - برجوع الزوج عن الوكالة، ٢ - أو بوطء الزوجِ الزوجةَ التي وكل في طلاقها؛ لدلالة الحال على الرجوع في الوكالة، ٣ - إذا طلق الموكل فتنفسخ الوكالة.
стр. 1506
باب سُنَّة الطلاق وبدعته (١)
السُّنَّةُ لِمَنْ أَرَادَ طَلاقَ زَوجَتِه أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحدَةً، في طُهْرٍ لَمْ يَطَأْهَا فيه (٢).
(١) معنى السُّنَّة في الطلاق: ما أتى به المطلق من الطلاق على وجه مشروع، ومعنى بدعته: ما أتى به على وجه غير مشروع.
(٢) ذكر المصنف شروط الطلاق السُّنَّي: (الشرط الأول) أن يكون طلقة واحدة.
(الشرط الثاني) أن يكون في طهر، بأن يطلقها وهي طاهر؛ أي: ليست حائضًا.
(الشرط الثالث) أن يكون هذا الطهر لم يطأها فيه.
(الشرط الرابع) لم يذكره المؤلف وهو أن يدعها، أي: ألا يُلحقها بطلقة أخرى أثناء العدة حتى تنقضي عدتها، فإن طلق الرجعية في عدتها؛ حرم كما جزم به المرداوي في الإنصاف، وقال على الصحيح من المذهب، وعبارته: (وعلى المذهب: ليس له أن يطلق ثانية وثالثة قبل الرجعة على الصحيح من المذهب).
فالزوج إذا طلق زوجته بهذه الشروط فإن الطلاق يكون سُّنِّيًا، والمراد بالسني أنه ليس عليه إثم.
стр. 1507
فإِنْ طَلَّقَهَا ثَلاثًا (١)،
(١) هذا يقابل الشرط الأول، فبدأ بذكر الحالات التي يقع فيها الطلاق بدعيا، منها: أن يطلقها ثلاثا بكلمة واحدة كقوله أنت طالق ثلاثا، أو بكلمات كقوله أنتِ طالق أنتِ طالق أنتِ طالق؛ قال البهوتي في شرح المنتهى: (روي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر لقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١] إلى قوله: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾ [الطلاق: ٤]، ومن جمع الثلاث لم يبق له أمر يحدث ولم يجعل الله له مخرجا ولا من أمره يسرا)، قالوا: ولا فرق في الوقوع بين ما قبل الدخول أو بعده.
ويدل على وقوع الطلاق الثلاث: ما رواه النسائي بإسناده عن محمود بن لبيد قال: «أخبر رسول الله عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فغضب ثم قال أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم، حتى قام رجل فقال يا رسول الله ألا أقتله»، وفي حديث «ابن عمر قال قلت يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا قال إذن عصيت وبانت منك امرأتك» رواه البيهقي والدارقطني.
واختار شيخ الإسلام أن طلاق الثلاث محرم، ويقع طلقة واحدة؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: (كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد =
стр. 1508
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم) رواه مسلم، قال البهوتي في الكشاف بعد هذا الحديث -وأصله في المغني والشرح-: (قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس بأي شيء تدفعه، قال: أدفعه برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه، ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس من وجوه خلافه أنها ثلاث، وقيل: معنى حديث ابن عباس أن الناس كانوا يطلقون واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵄، وإلا فلا يجوز أن يخالف عمرُ فيما كان على عهد رسول الله ﷺ وعهد أبي بكر، ولا يكون لابن عباس أن يروي هذا عن رسول الله ﷺ ويفتي بخلافه).
(تنبيه) ماذا تفعل من طلقها زوجها ثلاثا وزيادة، ولم تستطع إثباتها عند الحاكم؟
يكثر عند من لا يبالي بالطلاق إيقاع الطلاق، إما مباشرة، وإما بالحلف علي الطلاق إنك تأكل، أو تركب، ويحنث فيقع عليه الطلاق مرارا وأكثر من ثلاث، ويتهاون الزوج في هذا ولا يحسب على نفسه إما غفلة أو عمدا، فإذا علمت الزوجة بوقوع الطلاق الثلاث عليها من زوجها، فيلزها رفع أمره للحاكم حتى يفرق بينها وبينه، ولا يجوز المقام معه، وإلا كانت زانية، لكن قد ترفع أمرها للحاكم وينكر الزوج، ولا تستطيع إثبات طلاقه بشاهدين رجلين، فماذا تفعل؟ عليها أن تفتدي منه ولا تمكنه من نفسها بأن تخالعه بعوض عند الحاكم، كما لو قالت لزوجها: أنت أخي من الرضاع ويكذبها، قال البهوتي =
стр. 1509
وَلَوْ بِكَلِمَاتٍ، فَحَرَامٌ (١)،
وفي الحيضِ (٢)،
= في شرح المنتهى في الرضاع فيما لو قالت لزوجها: أنت أخي من الرضاع فكذبها: (فأما فيما بينها وبين الله فإن علمت ما أقرت به لم يحل لها مساكنته ولا تمكينه من وطئها، وعليها أن تفر منه، وتفتدي بما أمكنها; لأن وطأه لها زنا فعليها التخلص منه ما أمكنها كمن طلقها ثلاثا وأنكر).
(تتمة) حكم طلاق الثنتين: طلاق الثنتين لا يحرم؛ لأنهما لا يمنعان الرجعة؛ لكن يكره؛ لأنه فوت على نفسه تطليقة بلا فائدة ذكره في الشرح وغيره، ونقله البهوتي في شرح المنتهى، وصرح في الإقناع بعدم تحريم الثنتين، واختار شيخ الإسلام أن الثنتين محرمة، ولا يقع بها إلا واحدة.
(١) أي: لو طلق زوجته ثلاثا ولو بثلاث كلمات كأنت طالق، أنت طالق، أنت طالق؛ فإنه حرام -ولو كان في طهر لم يصبها فيه- ويقع كما تقدم.
(٢) هذا يقابل الشرط الثاني، فلو طلقها في حيض فبدعي حرام، ويدل على التحريم: ١ - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) أي: في الوقت الذي تستقبل به عدتها، والحائض لا تستقبلها، ٢ - أن ابن عمر ﵄ لما طلق امرأته وهي حائض تغيض عليه النبي ﷺ ، رواه البخاري، قال ابن حجر: (وفيه اشعار بأن الطلاق في الحيض كان تقدم النهي عنه وإلا لم يقع التغيظ على أمر لم يسبق النهي عنه)، =
стр. 1510
أَوْ فِي طُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ (١)، وَلَو بواحدةٍ (٢)، فبِدْعِيٌ حَرَامٌ،
= ٣ - ونقل ابن المنذر والموفق والنووي وشيخ الإسلام الاتفاقَ على أن الطلاق في الحيض محرم.
ويدل على وقوع الطلاق في الحيض: ١ - قوله تعالى: (الطلاق مرتان) ولم يفرق بين ما يكون في الحيض وغيره، ٢ - قول النبي ﷺ لعمر عن ابنه عبد الله لما طلق امرأته وهي حائض: (مره فليراجعها) متفق عليه، ٣ - في رواية لمسلم: (وحسبت من طلاقها)، وفي رواية: (حسبت علي تطليقة)، والقول الثاني: قال في الإنصاف بعد تقديم المذهب: (وقال الشيخ تقي الدين، وتلميذه ابن القيم رحمهما الله: (لا يقع الطلاق فيهما) انتهى، واستدلوا بما وقع في حديث ابن عمر عند أبي داود: (فردها علي ولم يرها شيئا)، قال ابن حجر: (إسنادها على شرط الصحيح)، قال ابن القيم: (سندها ثابت صحيح)، قال ابن حزم: (إسنادها في غاية الصحة)، ولأن النهي يقتضي الفساد، وهو محرم فلا يقع.
(١) هذا يقابل الشرط الثالث، إذا طلقها في طهر وطئها فيه؛ فهو محرم وبدعي ويقع، ويدل على التحريم: قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) وإذا طلقها في طهر جامعها فيه فلا يدرى هل نشأ من هذا الوطء حمل فتعتد به، أو لم ينشأ منه حمل فتعتد بالحِيَض، فلم يطلقها إذن لعدة متعينة.
(٢) أي: ولو طلقها طلقة واحدة في حال كونها حائضا أو بطهر جامعها فيه، فهو طلاق محرم بدعي. =
следующие страницы →