Полный текст (2 012 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
- وأَنْ يَكُونَ متَّصلًا لَفظًا أَوْ حُكمًا (١)، فَلَا يَضُرُّ لَو عَطَسَ وَنَحْوَهُ، أَوْ قَطَعَهُ بِكَلامٍ مُنْتَظِمٍ، كأنتِ طالقٌ -يا زَانية- إنْ قُمتِ (٢)، ويَضُرُّ إنْ قَطَعَهُ بِسُكُوتٍ، أو كلامٍ غَيرِ مُنْتَظِمٍ، كقَولِهِ: سُبحَانَ اللهِ، وتَطلُقُ في الحَالِ.
= الأول) أن ينوي التعليق قبل فراغه من التلفظ بالطلاق.
(١) (الشرط الثاني) اتصال التعليق بلفظ الطلاق، (لفظاً) كإن دخلت الدار فانت طالق، أو (حكماً) كإن دخلت الدار ثم عطس فأنت طالق.
(٢) أما إن كان الكلام غير منتظم فلا يقع الطلاق معلقا، كقوله: أنت طالق سبحان الله إن قمت، فلا يصح التعليق، ويقع الطلاق حالا.
تتمة: بقية شروط صحة تعليق الطلاق، (الشرط الثالث): أن يكون المعلِّق للطلاق زوجا، فلا يصح تعليق الوكيل. (الشرط الرابع) أن ينطق بالتعليق، فلا تكفي نية التعليق، فمن قال لامرأته أنت طالق، ونوى أنها طالق إن ذهبت إلى السوق بدون تلفظ، فإنها تطلق في الحال. (الشرط الخامس) أن تكون زوجةً له حين تعليق الطلاق، فلو قال لأجنبية أنت طالق إن ذهبتِ إلى السوق، ثم تزوجها، فلو ذهبت إلى السوق لم تطلق.
стр. 1542
فصلٌ فِي مسائِلَ مُتفَرِّقَةٍ (١)
إذَا قالَ: إنْ خَرَجْتِ بغيرِ إذْنِي (٢)، فأنْتِ طالِقٌ، فأَذِنَ لهَاَ ولَمْ تَعْلَمْ (٣)، أوْ عَلِمَتْ وخَرَجَتْ (٤)، ثُمّ خَرَجَتْ ثانيًا بلَا إذْنِهِ، طَلُقَتْ (٥)، ما لَمْ يَأْذَنْ لَهَا في الخُرُوجِ كُلَّمَا شَاءَتْ (٦).
(١) سيذكر في هذا الفصل مسائل في تعليق الطلاق بالإذن، ثم الخروج للحمام، ثم تعليق الطلاق على المشيئة، وهي إما مشيئة الله أو فلان.
(٢) من هنا تكلم المؤلف عن تعليق الطلاق بالإذن، أي: إن خرجت بغير إذن الزوج.
(٣) فتطلق؛ لأن الأذن هو الإعلام ولم تعلم، فصدق عليها أنها خرجت بغير إذنه.
(٤) أي: علمت بإذنه لها فخرجت، فلا تطلق في هذه الحال.
(٥) صورة المسألة: قال لزوجته: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق، ثم أذن لها فعلمت بإذنه وخرجت فلا تطلق، ثم أرادت الخروج مرة أخرى فلا بد من إذن الزوج ثانيا، فإن خرجت بغير إذنه طلقت؛ لأن (خَرَجْتِ) نكرة في سياق الشرط فتقتضي العموم، فقد صدق عليها أنها خرجت بغير إذنه، قاله شيخ الإسلام في الاختيارات ونقله في الكشاف، وفي النفس منها شيء، وإلا فما الفرق بينها وبين (كلما) التي للتكرار.
(٦) هنا استثناء لما سبق، كما لو قال: إن خرجتِ بغير إذني فأنت =
стр. 1543
و: إنْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ فلانٍ، فأنتِ طالِقٌ، فماتَ وخَرَجَتْ، لم تَطلُقْ (١).
و: إنْ خَرَجْتِ إلَى غَيْرِ الحَمَّامِ (٢)، فأنتِ طالِقٌ، فخَرَجَتْ لَه، ثُمَّ بدَا لَهَا غيرُه، طَلُقَتْ (٣).
و: زوجَتِي طَالِقٌ، أوْ: عَبْدِي حرٌّ إنْ شاءَ اللهُ، أوْ: إلَّا أنْ
= طالق، ثم قال: اخرجي كلما شئت فإنها لا تطلق إن خرجت ثانيا وثالثا؛ للإذن العام، فلا تخرج إلا بإذنه.
(١) قال في الإنصاف: على الصحيح من المذهب، قال ابن عوض: (لبطلان إذنه إذن).
(٢) قال الشارح: (بلا إذني).
(٣) أي: خرجت تريد الحمامَ، ثم بدا لها أن تذهب إلى غيره، فتطلق، لأنه في الحقيقة لم يأذن لها إلا في الذهاب إلى الحمام، لكن هل تطلق بحقيقة الذهاب لغير الحمام، أم بنية الذهاب؟. فليحرر، قال أحدهم كلاما حسنا وهو: أقول -فهمًا-: إنها تطلق بتحركها من الحمام إلى غيره؛ لأنها في هذه الحالة صدق عليها وقوع الخروج منها إلى غير الحمام، وهو الشرط الذي علق عليه الطلاق. أما النية؛ فالظاهر لا أثر لها، إذ لو كانت في البيت ونوت الخروج إلى غير الحمام ولم تخرج؛ فإنها لا تطلق، وهذا فيما لو خرجت إلى الحمام ثم عدلت منه إلى غيره، لا إن خرجت تريد الحمام وغيره؛ فإنها تطلق من حين الخروج. انتهى قلت: وهو كلام حسن يؤيد أن المراد حقيقة الخروج إلى غير الحمام لا نيته فقط. والله أعلم.
стр. 1544
يَشاءَ اللهُ، لَمْ تَنْفَعْهُ المَشِيئةُ شيئًا، ووَقَعَ (١).
وإنْ قالَ: إنْ شاء فلانٌ فتعليقٌ، لَمْ يَقَعْ (٢) إلَّا أَنْ يَشاءَ (٣)، وإنْ قَالَ: إلَّا أنْ يَشاءَ، فمَوْقُوفٌ (٤)، فإنْ أبَى المَشِيئةَ، أو جُنَّ،
(١) من هنا تكلم المصنف عن تعليق الطلاق على المشيئة: مشيئة الله تعالى، أو على مشيئة غيره، فإذا علق الطلاق على مشيئة الله وقع الطلاق؛ لأنه تعليق على ما لا سبيل إلى علمه فبطل التعليق، كما لو علقه على شيء من المستحيل فيقع الطلاق مباشرة، ويأتي أن الأيمان التي لا يوجد فيها كفارة لا تنفع فيها المشيئة، كالحلف بالطلاق أو كالحلف بالعتق، فهي ليس فيها كفارات فلا ينفع تعليقها بمشيئة الله ويحنث بها، فيقع الطلاق والعتاق، بخلاف الأيمان التي تدخلها الكفارة، فتنفع فيها المشيئة، كالظهار واليمين والنذر والإيلاء كقولك: لله علي نذر إن دخلت بيت فلان فعلي ذبيحة إن شاء الله، فتنفع فيها المشيئة فلا يحنث لأنها ليست يمينا. (فرق فقهي)
(٢) في نسخة (لا يقع)، قال الشيخ عبد الله بن عقيل: (لا يقع) أفضل من: (لم يقع).
(٣) أي: يشاء بالقول لا بالقلب كما نص عليه في الإقناع، ويشترط في الذي يشاء أن يكون مميزاً يعقل المشيئة حينها.
(٤) أي: لو قال أنت طالق إلا أن يشاء زيد عدمَ طلاقك، فيكون الطلاق موقوفا على مشيئة زيد، فهنا أوقعه وعلق رفعه على مشيئة زيد، فإذا شاء زيد عدم طلاقه ارتفع الطلاق، بخلاف قوله: (إن شاء فلان) فهو لم يقع إلا بمشيئة زيد. (فرق فقهي)
стр. 1545
أو مَاتَ، وقَعَ الطلاقُ إذَنْ (١).
و: أنتِ طالِقٌ إنْ رأَيْتِ الهلالَ عِيَانًا (٢)، فرَأَتْهُ فِي أوَّلِ أو ثانِي أو ثالثِ ليلةٍ، وقَعَ، وبَعْدَهَا لَمْ يَقَعْ (٣).
و: أنتِ طالِقٌ إنْ فعَلْتِ كذَا، أو إن فعَلْتُ أنَا كذَا (٤):
- ففَعَلَتْهُ، أو فعلَه مُكْرَهًا، أو مَجْنُونًا، أو مُغْمًى علَيْهِ، أو نائمًا، لَمْ يَقَعْ (٥).
(١) لأنه علق رفع الطلاق بشرط، ولو يوجد هذا الشرط، فيقع.
(٢) من هنا تكلم عن تعليق الطلاق على رؤيتها الهلال، وقوله عِيانا: بكسر العين، أي: بعينها الباصرة.
(٣) الهلال يسمى هلالًا في أول ثلاث ليال منذ طلوعه فقط، وبعدها يسمى قمرًا، فإن رأتِ الهلال في إحدى الليالي الثلاث عيانا، فإنها تطلق، وإن رأته بعدها لم تطلق لأنها لم تر الهلال، بل رأتِ القمر، وإن قال: إن رأيت الهلال فأنت طالق، ونوى معاينتها له بعينها، فالحكم كذلك، وإلا طلقت بعد الغروب برؤية غيرها، أو بتمام الشهر ثلاثين يوما.
(٤) أي: حلف على نفسه أن يترك شيئا، أو على زوجته أن تترك شيئا، ففعلَه أو فعلَتْه، كما لو قال إن فعلت أنا كذا فأنت طالق، أو قال: إن فعلت كذا فأنت طالق.
(٥) فإذا حلف -على نفسه أو زوجته- بالطلاق لا يفعل شيئا ففعله، أو فعلته زوجته في هذه الأحوال الأربعة وهي حال الإكراه والجنون والإغماء والنوم، فلا يقع فيها الطلاق، كمن قال: إن ذهبتِ إلى السوق فأنت طالق فذهبت وهي مكرهة، =
стр. 1546
- وإنْ فَعَلَتْهُ أو فعَلَه ناسيًا، أو جَاهلًا، وَقَعَ (١).
وعكسُه مِثْلُه (٢)، كإِنْ لَمْ تَفْعَلِي كَذَا، أو: إنْ لم أفعَلْ كذَا، فلَمْ تَفْعَلْهُ، أو لَمْ يَفْعَلْهُ هُوَ (٣).
= لم يقع، أو قال: إن ذهبتُ إلى السوق فامرأتي طالق فأتى شخص وأكرهه على الذهاب إلى السوق فلا يقع الطلاق، ومثله لو ذهب، أو ذهبت هي حال كونه، أو كونها مجنونا أو مغمى عليه، أو نائما؛ لكونه مغطى عقله في هذه الأحوال.
(١) لو فعل هو أو زوجته ما حلف على تركه ناسيا كأن قال علي الطلاق أن لا أذهب إلى بيت فلان ثم نسي وذهب، فيحنث وتطلق زوجته، أو فعل هو أو زوجته ما حلف على تركه جاهلا، كما لو جهل أن هذا بيت فلان، فيقع الطلاق؛ لأن الطلاق عُلق بشرط فوجد، ولأنه تعلق به حق آدمي كالإتلاف، فلا يعذر به الناسي والجاهل.
والرواية الثانية: لا يحنث في الجميع حتى لو فعله ناسيا أو جاهلا، بل يمينه باقية، واختاره الشيخ وغيره، وذكرها في الإقناع، واستدل البهوتي لهذه الرواية بقوله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) وحديث: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، ولأنه غير قاصد للمخالفة أشبه النائم، والمذهب على الرواية الأولى.
(٢) العكس هنا: أن يحلف على فعل شيء فيتركه.
(٣) فالتفصيل فيها كالتي قبلها، فإذا حلف على فعل شيء فيتركه =
стр. 1547
فَصْلٌ (١)
= فلا يخلو: ١ - إن تركه مكرها أو مجنونا أو مغمى عليه أو نائما لم يقع الطلاق، ٢ - وإن تركه ناسيا أو جاهلا وقع الطلاق، فإذا قال: امرأتي طالق إن لم أذهب غدا إلى بيت فلان، فإنه إن ذهب في الغد إلى بيت فلان مكرها، أو لكونه مجنونا أو مغمى عليه أو نائما، لم تطلق زوجته، وإن لم يذهب ناسيا، أو جاهلا طلقت زوجته، ومثل ذلك لو حلف على زوجته، وقد تابع الماتنُ هنا الإقناعَ في هذه المسألة، وتعقب البهوتي صاحبَ الإقناع بأنه لا يحنث في حال النسيان، ولم يتكلم عن الجهل، ومشى في المنتهى والغاية -تبعا للتنقيح- أنه لا حنث عليه في حال النسيان؛ قال البهوتي في شرح المنتهى: (وقد يفرق: بأن الترك يكثر فيه النسيان فيشق التحرز منه).
والمذهب أنها لا تطلق مطلقاً في الأحوال الستة فيما لو حلف على فعل شيء فتركه مكرها أو مجنونا أو مغمى عليه أو نائما أو ناسيا أو جاهلا، والفرق ما قاله الشيخ منصور المتقدم (لأن الترك يكثر فيه النسيان فيشق التحرز منه). (مخالفة الماتن)
(١) هذا فصل في الكلام عن الشك في الطلاق، والمراد به هنا: مطلق التردد بين وجود المشروط فيه من طلاق أو عدمه، =
стр. 1548
وَلا يَقَعُ الطَّلاقُ بالشَّكِّ فِيهِ (١)، أو فيمَا عَلَّق علَيْهِ (٢). فَمَنْ
= أو شرطه، أو عدده، فيدخل فيه الظن والوهم، فلو ظن أو شك فلا يقع الطلاق.
(١) أي: في وجوده، فإذا شك هل طلق أم لم يطلق، فالأصل عدم الطلاق؛ لحديث: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)
(٢) أي: في وجود الشرط الذي علق عليه الطلاق، كأن يعلق الطلاق على ذهابه لبيت فلان، ثم شك هل ذهب أم لا، لحديث: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) رواه الترمذي، ولحديث (الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا)، متفق عليه، وقال في المنتهى وشرحه: (وسن ترك وطء قبل رجعة) إن كان الطلاق رجعياً، خروجا من الخلاف، (ويباح) الوطء (بعدها) أي: الرجعة) أي: أنه يسن لمن شك في الطلاق، أو في وجود شرطه أن يراجع زوجته قبل أن يطأها إن كان الطلاق رجعيا، قال في الغاية: (ويتجه: لمراعاة الخلاف، وإلا فهو رجعة) ووافقه الشطي، وكذا قال الخلوتي: (ولو قلنا بحصول الرجعة به -أي: بالوطء- رعاية للخلاف)، زاد في الإقناع وشرحه: (وإلا) يكن الطلاق رجعيا (جدد نكاحها) بأن يعقد بولي وشاهدي عدل وصداق (إن كانت غير مدخول بها أو) كانت مدخولا بها و (قد انقضت عدتها).
فالحاصل: إن كان الطلاق المشكوك فيه رجعيا راجع ثم وطئ، وإن لم يكن رجعيا جدد نكاحها.
стр. 1549
حَلَفَ لا يأكُلُ تَمْرَةً مَثَلًا، فاشْتَبَهَتْ بغَيْرِهَا (١)، وأكَلَ الجَمِيعَ إلَّا واحِدَةً، لَمْ يَحْنَثْ (٢).
ومَنْ شَكَّ فِي عَدَدِ ما طَلَّقَ، بنَى على اليَقِينِ، وهُوَ الأقَلُّ (٣).
ومَن أوْقَعَ بزَوْجَتِهِ كَلِمةً، وشَكَّ هل هِي طلاقٌ، أو ظِهَارٌ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيءٌ (٤)
(١) كأن يقول مثلًا: إن أكلتُ هذه التمرة فزوجتي طالق، فاختلطت هذه التمرة بعشر تمرات.
(٢) أي: فأكل كل التمراتِ؛ إلا واحدة، فلا يقع الطلاق؛ لاحتمال أن تكون هذه التمرة هي التي حلف أن لا يأكلها، فالطلاق لا يقع؛ لأن يقين النكاح باق، فلا يزول بالشك، فإن أكل التمرة الأخيرة وقع الطلاق.
لكن هل يُمنع من الأكل من هذا التمر؟ الأقرب أنه يُندب الامتناع عنه، ومشى عليه الشيخ مرعي اتجاها، ووافقاه، وكذا الشيخ منصور في شرح المنتهى حيث قال: (تورعا)، وقال الشيخ عثمان بوجوب الامتناع عنه. (خلاف المتأخرين)
(٣) فمن شك هل طلق اثنتين أم ثلاث، وقعت اثنتان؛ لأنها اليقين.
(٤) لأنه لم يتيقن أحدهما، والقول الثاني: يُقرَع بين اليمينين، فإذا خرجت إحداهما لزمه موجبها، قال الخلوتي: (وهذه أجرى على القواعد)، ونقله ابن عوض عنه، وصوبه اللبدي؛ لأنه تيقن خروج أحدهما منه.
стр. 1550
بَابُ الرَّجْعَةِ (١)
وهِي: إعادَةُ زَوْجَتِه المُّطَلَّقَةِ (٢) إلَى ما كانَتْ عَلَيْهِ بغَيْرِ عَقْدٍ (٣).
مِنْ شرطها: أنْ يَكُونَ الطَّلاقُ غيرَ بائِنٍ (٤)، وأنْ تكونَ فِي العِدَّةِ (٥).
(١) الرَّجعة بفتح الراءِ -وهو أفصح من كسرها- لغة: المرة من الرجوع.
(٢) المطلقة طلاقا غير بائن.
(٣) هذا تعريف الرجعة شرعا، وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) ومن السنة حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال لعمر: (مره فليراجعها) رواه الجماعة إلا البخاري، وحكى ابن المنذر الإجماع على مشروعيتها.
(٤) شروط صحة الرجعة: (الشرط الأول) أن يكون الطلاق غير بائن، والمطلقة طلاقًا بائنًا: هي التي لا يملك من فارقها أن يراجعها في عدتها.
(٥) (الشرط الثاني) أن تكون الرجعة قبل انتهاء العدة، وإلا صارت بائنة، فلا يملك الرجعة عليها.
مسألة: من كانت عادتها أن تحيض في كل شهر، ثم طلقها =
стр. 1551
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= زوجها، فحاضت الشهر الأول ثم أخذت حبوبا لمنع الحيض حتى لا تنتهي عدتها لكي يراجعها زوجها، فهل يصح للزوج مراجعتها؟ الأصل أن هذا الفعل هو حيلة، لكن الفقهاء يقولون ليس كل حيلة يعامل الإنسان فيها بنقيض مقصوده، من ذلك أن الفقهاء ينصون على أن من كسر قدمه جاز أن يصلي جالسًا، وكذلك نص في الإقناع أن الرجعة تصح بعد انقطاع دم الحيضة الثالثة حيث لم تغتسل، قال: (ولو فرطت في الغسل سنين) فبتفريطها في الغسل تكون عاصية وآثمة؛ لأن هناك صلاة لم تصلها، ومع ذلك يقولون يجوز له أن يراجعها في هذه المدة، فأخذ الحبوب في رفع الحيض وجواز مراجعة الزوج من باب أولى؛ لأن أخذ الحبوب جائز، وهذه مسألة معاصرة وقعت وتحصل في الحج والعمرة، فقد تذهب المرأة إلى مكة وتريد أن تعتمر ولا تريد أن تأتيها الدورة أثناء العمرة والحج، فتأخذ حبوبا لمنع الحيض، فهذا جائز، فليحرر. والله أعلم.
(تتمة) بقية شروط صحة الرجعة: (الشرط الثالث): أن يكون دخل أو خلا بها، وإلا فهو طلاق بائن لا يملك رجعتها، وهذا داخل في الشرط الأول.
(الشرط الرابع) أن يطلق في زواج صحيح، لأن الطلاق في النكاح الفاسد طلاق بائن، وهو داخل أيضا في الشرط الأول. (الشرط الخامس) أن يطلق دون ما يملكه من عدد الطلاق، وهو ثلاث للحر واثنتان للعبد. (الشرط السادس) أن يكون الطلاق بغير عوض، فإذا كان بعوض وقع بائناً. =
стр. 1552
وتَصِحُّ الرَّجْعَةُ بَعْدَ انقطاعِ دَمِ الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، حيثُ لَمْ تَغْتَسِلْ (١)، وتَصِحُّ قَبْلَ وَضْعِ وَلَدٍ مُتَأَخِّرٍ (٢).
وألْفَاظُهَا: رَاجَعْتُهَا، ورَجَعْتُهَا، وارْتَجَعْتُهَا، وأمْسَكْتُهَا، ورَدَدْتُهَا، ونَحْوُهُ (٣).
= (الشرط السابع) أن تكون الرجعة منجزة، فإن كانت معلقة فلا تصح، كأن يقول: إن جاء رمضان راجعتك، فلا يصح. (الشرط الثامن) أن لا تكون في حال ردة أحد الزوجين، فإن كانت فلا تصح.
(١) روي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود ﵃، قال في الإقناع: (وظاهره: ولو فرطت في الغسل سنين)، وأما بقية الأحكام فالاعتبار فيها يكون بانقطاع الدم لا بالغسل، قال البهوتي في شرح المنتهى: (وتنقطع بقية الأحكام من التوارث والطلاق واللعان والنفقة وغيرها بانقطاع الدم).
(٢) كما لو كانت حاملا بأكثر من ولد، فطلقها زوجها، ثم ولدت الأول فراجعها قبل أن تلد الثاني، صحت الرجعة؛ لكونها لم تزل زوجة، لأن عدتها لا تنقضي إلا بوضع كل الحمل.
تتمة: تصح الرجعة بالقول وبالفعل الذي هو الوطء فقط، والقول ليس له إلا صريح فقط، وليس له كناية.
(٣) قوله: (ونحوه) كأعدتها، وهذا فيه نظر، وإن كان تابع فيه المنتهى، لأن أعدتها كناية والكناية لا تحصل بها الرجعة، ولذا قال الحفيد: (قوله: ونحوه: فيه نظر؛ لأنه كناية كما صرح به في الترغيب والفصول، والمذهب: أنها لا تصح =
стр. 1553
ولا تُشْتَرَطُ هذِهِ الألفاظُ، بلْ تَحْصُلُ رَجْعَتُها بوَطْئِها (١)، لا بنكحْتُهَا، و تَزَوَّجْتُها (٢).
= بالكناية، ولهذا لم يقل في المقنع، والمحرر، والإقناع: ونحوه)، ويؤيده قوله في الإنصاف: (قوله: (وألفاظ الرجعة: راجعت امرأتي، أو رجعتها، أو ارتجعتها أو رددتها، أو أمسكتها)، الصحيح من المذهب: أن هذه الألفاظ الخمسة ونحوها صريح في الرجعة، وعليه الأصحاب)، لكن قول صاحب الإنصاف: (ونحوها): كأنه يؤيد كلام صاحب الدليل والمنتهى؛ أي: نحو الألفاظ الخمسة. والشيخ منصور في شرح المنتهى والروض المربع جعل: "أعدتها" من ألفاظ الرجعة، وكذا مرعي في الغاية جزم بذلك، وعبارة الإقناع: نحو راجعت .. ثم ذكر الألفاظ الخمسة. فليحرر. (مخالفة الماتن)
(١) قال عثمان النجدي: (ولو كان الوطء في حرام، كفي حيض أو إحرام). وقوله: (بوطئها): يفهم منه أنه لا تحصل الرجعة بالمباشرة والقبلة والنظر والخلوة، وتصح الرجعة بالوطء ولو لم يتكلم أحد الزوجين، وهل يشترط الإشهاد؟ المذهب: يستحب الإشهاد على الرجعة؛ لأنها لا تفتقر إلى قبول ولا علمها، ولا ولي ولا صداق، قال في المنتهى -بعد تقديم المذهب-: (وعنه: بلى فعلى هذه الرواية تبطل الرجعة إن أوصى الشهودَ بكتمانها)، وفي الإقناع: (والاحتياط أن يشهد).
(٢) لأن الرجعة استدامة وليست ابتداء، ولأن هذه الألفاظ ألفاظ كناية، فلا تصح الرجعة بها كالنكاح. قاله البهوتي في شرح المنتهى.
стр. 1554
ومتَى اغتَسلَتْ مِنْ الحَيْضَةِ الثالثةِ ولَمْ يَرْتَجِعْهَا، بانَتْ، ولَمْ تَحِلَّ لَهُ إلَّا بعَقْدٍ جَدِيدٍ، وتَعُودُ علَى ما بَقِيَ مِنْ طَلاقِهَا (١).
(١) فلو طلقها طلقتين ثم انتهت عدتها واغتسلت، ثم تزوجت بآخر أو لم تتزوج، ثم عقد عليها الذي طلقها أولا، فإنه لا يملك إلا طلقة واحدة فقط، فإذا طلقها طلقة بانت منه، ولم تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
стр. 1555
فَصْلٌ
وإذَا طلَّق الحُرُّ ثَلاثًا، أو طلَّق العبدُ ثِنْتَيْنِ، لم تَحِلَّ لَهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه (١)، نِكَاحًا صَحِيحًا (٢)، ويَطَأَهَا فِي قُبُلِها مع الانْتِشَارِ (٣)، ولَوْ مَجْنُونًا، أو نَائِمًا، أو مُغْمًى
(١) ذكر المصنف شروط حِل المطلقة ثلاثا لزوجها: (الشرط الأول) أن تنكح زوجا غيره؛ لقوله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره)، فلا تحل بوطء شبهة أو زنى، أو ملك يمين.
(٢) (الشرط الثاني) أن يكون النكاح صحيحا، أما الفاسد فلا تحل به، ولو وُطئت فيه، ومن باب أولى ألا تحل بالنكاح الباطل.
(٣) (الشرط الثالث) أن يطأها الزوج الثاني، فلا يكفي العقد، ولا الخلوة، ولا المباشرة دون الفرج، (الشرط الرابع) أن يكون الوطء في القبل، لا في الدبر ولا في غيرهما؛ لأنه هو الوطء المعتبر في الزوجة.
(الشرط الخامس) الانتشار للذكر أثناء الجماع، قال البهوتي في الكشاف: (ويشهد لاشتراط وطء الزوج مع الانتشار حديث عائشة قالت: «جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة القرظي فطلقني فبت طلاقي فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير بكسر الموحدة من تحت وإنما معه مثل هدبة الثوب فقال أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى =
стр. 1556
عَلَيْهِ (١)، وأدْخَلَتْ ذَكَرَه فِي فَرْجِهَا (٢)، أوْ لَمْ يَبْلُغْ عشرًا (٣)،
= تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» رواه الجماعة، وروت عائشة «أن النبي قال العسيلة هي الجماع» رواه الإمام أحمد، واعتبر كون الوطء في القبل لأن الوطء المعتبر في الزوجة شرعا لا يكون في غير القبل).
(١) الغالب أن المغمى عليه لا ينتشر ذكره ولا يذوق العسيلة، لكن الظاهر أن المراد هو إدخال الذكر والجماع، ونقل ابن عوض عن الشرح الكبير: (لكن إن كان المجنون ذاهب الحس كالمصروع والمغمى عليه لم يحصل الحل بوطئه ولا بوطء مجنونة في هذه الحال لأنها لا تذوق العسيلة ولا تحصل لها اللذة)، قال: وناقش ذلك ابن قندس في حواشي المحرر.
(٢) أي: مع الانتشار؛ لوجود حقيقة الوطء من زوج أشبه حال الإفاقة.
(٣) أو هي لم تبلغ تسعاً، واستشكله اللبدي في قولهم: (أو لم يبلغ عشراً) لأنه يدخل فيه ابن سنة أو سنتين وهذا ليس المراد قطعاً، وكان الواجب أن يذكروا أقل سن يجزئ في ذلك، ففي كلامهم تعميم، ثم استظهر اللبدي أنه لا بد أن يكون الجماع مُشتهى للذكر حتى يتحقق ذوق لذة الجماع، واستظهر أيضا: أنه لابد في المرأة من بلوغها حدا تشتهي فيه الجماع، وهو متجه، وقال ابن عوض: (ولا يشترط بلوغ الزوج الثاني، فيكفي ولو مراهقا، أو لم يبلغ عشرا، فيحلها حيث أمكنه الوطءُ، وإن لم يطأ مثله، ولا يجب بوطئه عدة؛ لأنه لا يولد لمثله، فتحل للأول عقب طلاق الثاني بلا عدة).
стр. 1557
أو لم يُنْزِلْ (١). ويَكْفِي تَغْيِيبُ الحَشفَةِ، أوْ قَدْرِهَا مِنْ مَجْبُوبٍ (٢)، ويَحْصُلُ التَّحْلِيلُ بذلكَ ما لَمْ يَكُنْ وَطِئَها في حالِ الحيضِ أو النِّفَاسِ، أو الإحْرَامِ، أوْ في صَوْمِ الفَرْضِ (٣).
(١) فكل هذه الصور تحلل المرأة لزوجها الأول، لانطباق الشروط.
(٢) المجبوب هو: مقطوع الذكر، والحشفة هي: رأس الذكر، فيشترط تغييب الحشفة أو قدرها من المجبوب، لكن يشترط في المجبوب أن يبقى من ذكره قدر حشفة فاكثر، وإلا فلا يجزئ وطؤه في تحليل المرأة كما في الإقناع.
(تتمة): لو غيب ذكره بحائل فهل يحصل بهذا الوطء التحليل أم لا؟
قال اللبدي: (ظاهره: ولو بحائل)، أي: تحل ولو وطأها بحائل، ولم أره هنا لغيره! وظاهر كلام الشيخ منصور خلاف ذلك؛ لأنه علل بعد قول صاحب المنتهى: (ويكفي تغييب الحشفة، أو قدرها من مجبوب) قال البهوتي: (لأنه جماع يوجب الغسل، ويفسد الحج أشبه تغييب الذكر)، قلت: وتقدم في باب الغسل أن الوطء بحائل لا يوجب الغسل، وعليه فلا يحصل التحليل بالوطء بحائل، والله أعلم.
(٣) فإنها لا تحل لزوجها الأول؛ وكذلك لو وُطئت في الدبر أو في نكاح باطل فلا تحل؛ لأنه حال تحرم فيه المرأة لمعنى فيها، ولحق الله تعالى فالعلة الأمران كما قاله ابن عوض، أما إذا وُطئت في حال لا لمعنى فيها بل لحق الله تعالى فقط، =
стр. 1558
فلَوْ طَلَّقَها الثانِي، وادَّعَتْ أنَّه وَطِئَها، وكذَّبها (١)، فالقولُ قولُه في تَنْصِيفِ المَهْرِ، وقولُهَا فِي إبَاحَتِهَا للأوَّلِ (٢).
= فتحل كما لو وُطئت في وقتٍ يضيق فعل صلاة الفرض فيه، أو لكونها مريضة فتحل بذلك الوطء.
(١) أي: ادعت أن زوجها الثاني وطئها وكذبها في الوطء، فأنكره.
(٢) فالقول قول الزوج الثاني في أنه لم يطأها، ولم يخل بها، وعليه بذلك نصف المهر؛ لكونه طلقها قبل الوطء، لأن الزوج إذا فارق الزوجةَ قبل الوطء والخلوة ثبت للزوجة نصف المهر، ولا يقبل عليه قولها بأنه وطأها، فلا يثبت عليه كل المهر، لكنه يقبل قولها في أنه وطأها؛ لأنها مؤتمنة على نفسها، فتحل لزوجها الأول، وهذا مثال على تبعيض الأحكام.
стр. 1559
كتابُ الإيلاءِ (١)
وهُوَ حَرَامٌ كَالظِّهَارِ (٢).
ويَصِحُّ مِنْ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلاقُهُ (٣)، سِوَى عاجِزٍ عَنْ الوَطء، إمَّا لِمَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه، أوْ لجَبٍّ كَامِلٍ، أوْ شَلَلٍ (٤).
(١) الإيلاء لغة: الحلف، وفي الاصطلاح: حلف زوج يمكنه الجماع بالله تعالى أو صفة من صفاته على ترك وطء زوجته الممكن جماعها ولو قبل الدخول في قُبل، أبدًا أو أكثر من أربعة أشهر، ويكون باللفظ كأن يقول: والله لا أطأُكِ خمسة أشهر، أو يكون بالنية، كأن يحلف على ترك الوطء وينوي أربعة أشهر، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ*وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وكان أبي بن كعب، وابن عباس ﵄ يقرآن: للذين يقسمون، وقال ابن عباس: للذين يقسمون أي: يحلفون. حكاه عنه الإمام أحمد.
(٢) فالإيلاء حرام كما يحرم الظهار؛ لما في الإيلاء من الإضرار بالزوجة؛ لأنه يمين على ترك واجب.
(٣) شروط صحة الإيلاء: (الشرط الأول) أن يكون الإيلاء من زوج يصح طلاقه، وهو: كل زوج عاقل مميز يعقل الطلاق.
(٤) (الشرط الثاني) أن يكون من زوج يمكنه الوطء، وهو من =
стр. 1560
فإذَا حَلَف الزَّوْجُ باللَّهِ تعالَى، أوْ بصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ (١)، أنَّه لا يَطَأ زَوْجَتَه أَبَدًا، أوْ مُدَّةً تَزِيدُ علَى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ (٢)، صارَ مُؤلِيًّا.
= استكمل عشر سنين، فالعنين والمجبوب جباً كاملاً والمشلول لا يصح الإيلاء منهم.
(١) (الشرط الثالث) أن يكون الحلف بالله تعالى أو صفة من صفاته، فلو حلف بالنذر، أو بالطلاق، أو العتاق فلا يصح.
(٢) (الشرط الرابع) أن يحلف أن لا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر أو أبدا، إما باللفظ، أو ينويها.
(تتمة) بقية شروط صحة الإيلاء: (الشرط الخامس) أن يحلف أن لا يطأ زوجته في قبلها، أما إذا حلف على عدم وطئها في غير قبلها فليس بإيلاء. (الشرط السادس) أن تكون الزوجة يمكن وطؤها، بخلاف نحو الرتقاء وهي التي فرجها مسدود، فلا يكون الزوج مولياً إذا حلف على ترك وطئها.
قال ابن النجار في المعونة: (الإيلاء يشترط له شروط ستة:
الأول: أن يكون الحالف زوجا لمن حلف على ترك وطئها.
الثانى: أن يكون ممن يمكنه الجماع.
الثالث: أن يكون حلفه بالله أو بصفة من صفاته.
الرابع: أن يكون حلفه على ترك وطء زوجته في القبل.
الخامس: أن تكون الزوجة ممن يمكن جماعها.
السادس: أن لا يكون حلفه مقيدا بأربعة أشهر فأقل، بلفظ أو نية.
فلو فقد منها شرطا لم يكن موليا).
=
стр. 1561
ويُؤَجِّلُ لَهُ الحاكِمُ إنْ سَأَلَتْ زَوْجَتُه ذلكَ (١) أربعةَ أشْهُرٍ مِنْ حينِ يَمِينِه (٢)، ثُمَّ يُخَيَّرُ بَعْدَهَا بينَ أنْ يُكفِّرَ ويطأَ (٣)، أو
= (تتمة): لو حلف ألا يطأ امرأة أجنبية، ثم تزوجها بعد سنة، فإنه لا يكون مولياً؛ لأنها لم تكن في عصمته، لكن عليه كفارة يمين لأنه حنث.
(١) فإن لم تسأل تُرك.
(٢) تبدأ المدة من حين يمينه لا من حين سؤال الزوجة الحاكم، وإنما تبدأ مدة التأجيل من حين يمينه لقوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، ولا تفتقر المدة إلى ضرب الحاكم؛ لكونها ثبتت بالنص والإجماع.
(تتمة) في الحواشي السابغات: (اثنان يُلحقان بالمولي ويأخذان حكمه: ١ - من ترك وطء زوجته إضرارًا بها وليس لديه عذر، فإن حكمه حكم المولي ولو لم يحلف على ترك الوطء، فتضرب له المدة من حين ترك الوطء -هذا ما يظهر لي، ولم أقف على نص في ابتداء ضرب المدة في هذه المسألة-، فإذا مضت أُمر بالرجوع، وهكذا كالمولي. ٢ - ومن ظاهر من زوجته ولم يكفِّر، والظاهر: أن ابتداء المدة من حين الظهار، ولم أقف على شيء في هذا، فليحرر فيهما. والله أعلم).
(٣) فيُكفِّر كفارة يمين إن وطئ في مدةٍ حَلَف ألا يطأها فيها، ويجوز أن يطأ قبل أن يكفر، بخلاف الظهار فلا بد أن يكفر ثم يطأ، لأنه يجوز في اليمين أن يحنث قبل أن يُكفِّر، أو يُكفِّر قبل أن يحنث، لأنه حلف ألا يطأ زوجته قبل أربعة أشهر. (فرق فقهي). =
стр. 1562
يُطَلِّقَ (١). فإنِ امْتَنَعَ مِنْ ذلكَ، طلَّقَ علَيْه الحَاكِمُ (٢).
= كذلك الكفارة متعلقة بما لو كان الأمر بالوطء في حدود المدة الزمنية التي حلف ألا يطأ فيها، فلو حلف ألا يطأ أربعة أشهر ويومين فمضت المدة، فحينئذٍ يؤمر بالفيئة بالوطء، ولا يؤمر بالتكفير.
(١) إن مضت الأربعة أشهر فلا يخلو الحال: إن كان قادرًا على الجماع وجب عليه، وأدنى ما يكفي مولياً في الفيء: تغييب الحشفة أو قدرها من مقطوعها ولو من مكره، أو حصل حال نومه، أو نسيانه، أو جنونه، وإن لم يقدر على الجماع كما لو كان محبوسًا أو مريضًا لا يستطيع أن يطأ فيلزمه أن يفيء بلسانه ويقول: متى قدرتُ جامعتها، فإن أبى الفيئة فإنه يؤمر بالطلاق.
(٢) وليس للحاكم أن يفسخ أو يطلق حتى تطلب الزوجة ذلك، فإذا طلبت فالحاكم هنا مخير، فيفعل ما فيه المصلحة، إما أن يطلق طلقة، أو يطلق ثلاثا، أو يفسخ النكاح، هكذا يقررون في المنتهى والإقناع، لكن قال البهوتي في شرح المنتهى -متعقبا-: (وقد سبق أن الوكيل المطلق لا يملك أكثر من واحدة، إلا أن يحمل على وكيل قيل له: طلق ما شئت مع أن المولي نفسه يحرم عليه إيقاع ثلاث بكلمة فكيف تجوز لغيره؟)، وقال في الغاية: (ويتجه باحتمال لا تحرم الثلاث هنا، ومقتضى ما مر الحرمة).
(تتمة) إن طلق المولي، أو طلق عليه الحاكم فللزوج رجعتها إن كانت مدخولا بها كما في الإقناع، وكيفية تفريق الحاكم أن يقول: فرقت بينكما، وهذا التفريق إذا لم ينوه الحاكم =
стр. 1563
كتابُ الظِّهَارِ (١)
وهُوَ أن يُشَبِّهَ امْرَأَتَه، أوْ عُضْوًا مِنْهَا (٢) بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ
= طلاقا فسخ لا ينقص عدد الطلاق كما في المنتهى وشرحه، حيث قال: (وإن قال) حاكم (فرَّقت بينكما) ولم ينو طلاقا (فهو فسخ) لا ينقص به عدد الطلاق لأنها فرقة ليست بلفظ الطلاق ولا نيته، أشبه قوله: فسخت النكاح).
(١) الظهار: مشتق من الظهر، وهو اصطلاحا: أن يشبه الرجل امرأته أو عضوا منها بمن يحرم عليه من رجل أو امرأة أو بعضو منه، وحكمه التكليفي: الحرمة كما مر في الإيلاء. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ والآيات مشهورة في سورة المجادلة، وأيضًا حديث أوس بن الصامت لما ظاهر زوجته، فجاءت زوجته خويلة بنت مالك بن ثعلبة تشكوه إلى النبي ﷺ تجادله، وهو يقول: (اتق الله فهو ابن عمك)، فما برحت حتى نزل القرآن، رواه أبو داود وابن حبان والحاكم، وحسنه الحافظ في الفتح.
(٢) كيدها، لكن يُشترط أن يكون هذا العضو متصلًا، لا منفصلا كشعر ونحوه.
стр. 1564
رَجُلٍ (١)، أو امْرَأةٍ (٢)، أو بعُضْوٍ مِنْهُ (٣).
فمَن قالَ لزوجتِه (٤): أنتِ، أو يَدُكِ عَلَيَّ كظَهْرِ، أو كيَدِ أُمي، أو كظَهْرِ أو يَدِ زيدٍ (٥)، أو: أنتِ عليَّ كفلانَةَ الأجنبيةِ، أو أنتِ عليَّ حَرَامٌ (٦)، أو قال: الحِلُّ عليَّ حَرَامٌ، أو ما أحَلَّ اللهُ
(١) كأن يقول أنتِ علي كخالد، فالرجل يحرم وطؤه مطلقًا فهذا ظهار.
(٢) امرأة محرمة عليه، سواء كان هذا التحريم مؤبدًا كقوله: (أنت علي كظهر أمي)، أو إلى أمد كقوله: (أنت علي كظهر أختك).
(٣) أي: أن يشبه امرأته أو عضوًا منها بعضو من يحرم عليه من رجل أو امرأة، كقوله أنتِ عليّ كظهر أمي، أو كظهر فلان، وسيذكر المصنف أربعة أنواع من الألفاظ التي تصدر من الزوج لزوجته.
(٤) (النوع الأول) ألفاظ يكون بها الزوج مظاهرًا ولو نوى غيره، فإذا قال هذه الألفاظ التي ستأتي يكون مظاهرًا من زوجته ولو نوى غير الظهار.
(٥) فهو شبه عضوا من زوجته بعضو يحرم عليه، كظهر أو يد أمه، أو من يحرم عليه مطلقا كالرجُل.
(٦) فإذا قال لزوجته: أنت علي حرام فهو ظهار، ويستثنى منه: لو قالها لزوجته وهي حائض أو نفساء، فلا يخلوا من حالتين: ١ - أن ينوي بقوله: (أنت علي حرام) أنه ظهار، فيكون ظهارا. ٢ - ألا ينوي شيئا أو أن ينوي أنها محرمة عليه بسبب =
стр. 1565
لِي، صارَ مُظاهِرًا (١).
وإنْ قالَ (٢): أنتِ عليَّ كأُمِّي، أو: مِثْلَ أُمِّي، وأطْلَقَ،
= الحيض أو النفاس، فلا شيء عليه، لأنه صادق في تحريمها عليه بسبب الحيض والنفاس، قال في الإقناع وشرحه: (وأنت علي حرام ظهار ولو نوى طلاقا) فقط أو مع ظهار (أو) نوى (يمينا) لأنه تحريم أوقعه على الزوجة فكان ظهارا كتشبيهها بظهر أمه، وحكاه إبراهيم الحربي عن عثمان وابن عباس وغيرهما (وإن قال ذلك) أي أنت علي حرام (لمحرمة عليه بحيض أو نحوه) كنفاس أو إحرام (ونوى الظهار فظهار) لأن اللفظ يصلح له (وإن نوى أنها محرمة عليه لذلك) أي للحيض ونحوه (أو أطلق) فلم ينو شيئا (فليس بظهار) لأنه صادق في تحريمها عليه للحيض ونحوه).
(١) فهذه الألفاظ كلها صريحة في تحريم المرأة، فتكون ظهارا.
(تتمة): حكم تعليق قوله: (أنت علي حرام) على المشيئة، كما لو قال: (أنت علي حرام إن شاء الله)؟ تقدم ذكر هذه المسألة في الطلاق، وذكرنا أن الأيمان التي تترتب عليها الكفارة لا يحنث فيها إن علقها بالمشيئة، كالإيلاء والظهار وكفارة اليمين، فقوله: (أنت علي حرام إن شاء الله) ليس ظهارا، بخلاف الأيمان التي لا كفارة فيها، وهي اثتنان على المذهب: الطلاق والعتق، فإنهما يقعان إذا عُلقا على المشيئة. (فرق فقهي)
(٢) (النوع الثاني) ألفاظ يكون بها مظاهرا إن نوى الظهار، أو أطلق كأن لم ينو شيئا، فإن نوى غير الظهار قُبل حكما؛ =
стр. 1566
فظِهَارٌ. وإنْ نوَى: فِي الكَرَامةِ ونحوِهَا، فلَا (١).
وأنتِ أُمِّي (٢)، أو: مِثْلُ أُمِّي، أو: عليَّ الظِّهَارُ (٣)، أو: يَلْزَمُنِي، ليسَ بظِهَارٍ، إلَّا مَعَ نِيَّةٍ، أو قَرِينةٍ (٤).
وأنتِ عليَّ كالمَيْتَةِ، أوْ: الدَّمِ، أوْ: الخِنْزِيرِ، يقَعُ ما نَوَاه
= بخلاف الألفاظ التي في النوع الأول فلا يقبل أردت بقولي: أنت علي كظهر أمي في الكرامة ونحوها، فيكون التشبيه بعضو ممن يحرم عليه أصرح في الظهار من التشبيه بالكل، قاله اللبدي. (فرق فقهي)
(١) فلو قال: (أنت علي كأمي) إذا نوى بها الظهار أو لم ينو شيئًا فهو ظهار، أما إذا ادّعى أنه نوى بها شيئا آخر، كقوله قصدت: أنت علي كأمي في الكرامة، أو: أنت في المنزلة علي كأمي، فيقبل منه حكما ولا يكون ظهارا، لكن يُكره أن يقول أحد الزوجين للآخر: يا أخي يا أختي يا أمي، حتى لو كان الزوج يريد أن يدلل زوجته، فالمذهب أنه مكروه بدون سبب.
(٢) (النوع الثالث) ألفاظ لا يكون الزوج بها مظاهرًا إلا مع نية الظهار أو قرينته، وإلا فلغو لا يترتب عليها حكم، كقوله أنت أمي، والفرق بين النوع الثالث والثاني، أن النوع الثاني فيه قوله: (علي)، أما في النوع الثالث؛ فلا يقول: (أنت علي).
(٣) أي: يقول (علي الظهار) ويسكت، بخلاف ما لو قال علي الظهار إن ذهبتي إلى بيت فلان، فهذا ظهار.
(٤) فإن لم يكن هناك نية أو قرينة فلغو كما في المنتهى.
стр. 1567
من طَلاقٍ، وظِهارٍ، ويَمِينٍ، فإنْ لَمْ يَنْوِ شيئًا، فظِهارٌ (١).
(١) (النوع الرابع) ألفاظ يكون الحكم فيها متعلقا بنية اللافظ، فإذا أطلق اللفظ ولم ينو شيئا فظهار، وإن نوى شيئاً آخر فعلى ما نواه، كما لو قال: (أنت علي كالميتة أو الدم أو الخنزير) فإن نوى طلاقا أو ظهارا أو يمينا، فعلى ما نواه، وإن لم ينو شيئا كان ظهارا، فإن نوى بها الطلاقَ وقع، وإن نوى بها الظهارَ صار ظهارا، وتلزمه كفارته، ويكون ظهارًا إذا قصد تحريمها عليه مع بقاء نكاحها، وإن نوى اليمين فهي يمين، وتكون يمينا إذا نوى تركَ وطئها لا تحريمها، فحينئذٍ تكون يمينًا، ويلزمه كفارة يمين إذا وطئ.
стр. 1568
فَصْلٌ
ويَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْ كلِّ مَنْ يَصِّحُ طَلاقُه (١)
(١) وهو العاقل المميز الذي يعقل الطلاق، قال البهوتي في شرح المنتهى: (لأنه تحريم كالطلاق فجرى مجراه، وصح ممن يصح طلاقه)، قال في الإقناع وشرحه: (ولا يصح ظهار الطفل و) لا ظهار (المكره و) لا ظهار (الزائل العقل بجنون أو إغماء أو نوم أو غيره) كشرب دواء أو مسكر مكرها لأنه لا حكم لقولهم).
(تنبيه) هنا إشكال في الكلام عن الظهار والإيلاء والحلف بالطلاق وصحة هذه الأيمان من المميز غير البالغ، ووجه الإشكال: أنه سيأتي في كتاب الأَيْمان أن من شرط انعقاد اليمين أن يكون من مكلف، والظهار والإيلاء والحلف أيمان، وتصح من غير المكلف، فهل هو تعارض؟ أقول: لا تعارض بينهما، وإنما هو استثناء من شرط كون الحالف مكلفا؛ لأنه مخصص بالزوجات، وقد أشار البهوتي إليه في حاشية المنتهى (٢/ ١١٩٧) في الإيلاء: أن الإيلاء يصح، وتجب فيه الكفارة بالوطء؛ لأنه مختص بالزوجات، وأن ما هنا مخصص لما سيأتي في الأيمان. انتهى بالمعنى، وهذه الأيمان الثلاثة متعلقة بالزوجات، فإذا كان النكاح يصح من المميز، ويصح من الزوج المميز أيضًا أن يطلق، فهذه الأيمان الثلاثة تصح =
стр. 1569
مُنَجَّزًا (١)، أو مُعَلَّقًا، أو مَحْلُوفًا به (٢).
فإنْ نجَّزَه لأجنبيَّةٍ (٣)، أو عَلَّقَه بتَزْوِيجِهَا (٤)، أو قالَ لَهَا: أنتِ عليَّ حَرَامٌ، ونَوَى: أبدًا (٥)، صحَّ ظِهَارًا، لا إنْ أطْلَقَ (٦)، أو نَوَى إذَن (٧).
= منه، لأنها تابعة لعقد النكاح، والقول الثاني في المسألة: أنه لا يصح من الصبي ظهار ولا إيلاء، وهو قول الموفق ونقله الحجاوي في الإقناع فقال: (وقال الموفق: الأقوى عندي أنه لا يصح من الصبي ولو مميزا (ظهار ولا إيلاء) لأنه يمين مكفرة فلم ينعقد في حقه كاليمين، ولأن الكفارة وجبت لما فيه من قول المنكر والزور، وذلك مرفوع عن الصبي لأن القلم مرفوع عنه) وقول الموفق فيه قوة، لكن المذهب صحة ذلك من الصبي.
(١) أي: غير معلق بشرط، كأنت علي كظهر أمي، وتقدم.
(٢) معلقا مثل: إن طلعت الشمس فأنت علي كظهر أمي، ومحلوفا به: إن ذهبت إلى بيت أهلك فأنت علي كظهر أمي.
(٣) كمن رأى امرأة أجنبية في الطريق فقال: أنت عليّ كظهر أمي.
(٤) لعل الأصح: (بتزوجها)، كقوله: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي.
(٥) قوله: (ونوى أبدا) خاص بأنت علي حرام كما قال اللبدي.
(٦) أي: بأن لم ينوِ التأبيد في قوله للأجنبية: (أنت علي حرام).
(٧) أي: نوى أنها عليه حرام في هذه اللحظة، فهي محرمة عليه في هذه اللحظة في نفس الوقت الذي قال لها: أنتِ عليَّ =
стр. 1570
ويَصِحُّ الظِّهارُ مُؤقتًا، كأنتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي شَهْرَ رَمَضانَ، فإنْ وَطِئَها فِيهِ، فمُظَاهِرٌ، وإلَّا فلَا (١).
= حرام فإنه لا يكون ظهارًا؛ لأنه صادق في حرمتها عليه قبل عقد التزويج.
(تتمة): في الحواشي السابغات: (أحكام الأجنبية فيما يتعلق بالطلاق والإيلاء والظهار: ١ - إذا علق طلاق أجنبية على زواجه بها فقال: إذا تزوجتك فأنت طالق، ثم تزوجها فإنها لا تطلق. ٢ - ولو آلى من الأجنبية قبل أن يتزوجها فقال: والله لا وطئتُك أبداً، أو: أكثر من أربعة أشهر، فلا يكون مولياً لو تزوجها، لكن تجب عليه كفارة اليمين إذا وطئها. ٣ - ويصح الظهار من الأجنبية في المذهب، فإذا قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ثم تزوجها، لم يطأها حتى يكفر كفارة الظهار).
وأما اللعان -وهو الخطير- لو رمى امرأة أجنبية في الشارع، وقال: أنتِ زانية، فهل إذا تزوجها له أن يلاعن حتى يسقط عنه حد اللعان كما سيأتي، ولكي يُسقط الزوج عنه الحد حتى لا يجلد؟ نقول: ليس له أن يلاعن، وإنما لها أن تطالب بحد القذف.
(١) لحديث سلمة بن صخر وفيه: ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان، وأخبر النبي ﷺ أنه أصابها فيه فأمره بالكفارة ولم ينكر تقيده. رواه الإمام أحمد وغيره، بخلاف الطلاق فلا يصح مؤقتا، قال البهوتي: (بخلاف الطلاق فإنه يزيل الملك، وهذا -أي: الظهار- يوقع تحريما يرفعه التكفير أشبه الإيلاء). (فرق فقهي)
стр. 1571
وإذَا صَحَّ الظِّهارُ، حَرُمَ على المظاهِرِ الوَطْءُ ودَوَاعِيه (١) قَبْلَ التَّكفيرِ (٢)، فإنْ وَطِئَ ثَبَتَت الكَفَّارةُ (٣) في ذِمَّتِه (٤)، ولَوْ
(١) حرُم على المظاهِر والمرأة المظاهَر منها. وقوله: (ودواعيه) أي: مقدمات الجماع، وذلك لقوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة، ٣].
(٢) بخلاف بقية الأيمان، فيجوز فيها الحنث قبل التكفير والعكس، أما الظهار فلا بد فيه من التكفير قبل الحنث، لقوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)، قال في الإقناع وشرحه: ((وتجب الكفارة) أي تثبت في ذمته (بالعود) وهو الوطء في الفرج لقوله تعالى ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة﴾ [المجادلة: ٣] فأوجب الكفارة عقب العود وذلك يقتضي تعلقها به، (و) لا تجب قبل (ذلك) إلا (أنها شرط لحل الوطء، فيأمر بها من أراده ليستحله بها) كما يؤمر بعقد النكاح من أراد حلها، ولأن العود في القول هو فعل ضد ما قال كما أن العود في الهبة استرجاع ما وهب (وتقديم الكفارة قبل الوجوب تعجيل لها قبل وجوبها لوجود سببها) وهو الظهار) (فرق فقهي).
(٣) قال في الإقناع: (الكفارة لا تجب قبل الوطء، إلا أنها شرط لحل الوطء، فيؤمر بها من أراده ليستحله بها)، وتقدم.
(٤) ويكون قد ارتكب محرما مع الإثم إن كان مكلفا أو أحدهما، فلو مات أُخرجت من تركته، أما إذا لم يطأ حتى مات، فلا =
стр. 1572
مَجْنونًا (١)، ثُمَّ لا يَطَأُ حتَّى يُكفِّرَ (٢)، وإنْ ماتَ أحدُهُمَا قبلَ الوَطْءِ، فلا كَفَّارةَ (٣).
= تلزمه كفارة، وكذا لو طلقها قبل أن يطأها فلا كفارة، فإن عاد فتزوجها لم يطأ حتى يكفر كما في الإقناع.
(١) كمن ظاهر ثم جُن ثم وطئ فإنه تلزمه كفارة في ذمته، ولا تسقط، واستثنوا المكره، فلو وطئ مكرها فلا تجب عليه الكفارة؛ لأنه معذور بالإكراه، هكذا قالوا! وهو الموضع الذي عذروا فيه الواطئ بالإكراه، وإلا فالأصل أنه لا يعذر. (فرق فقهي)
(٢) أي: يحرم كذلك أن يطأ بعد وطئه الأول حتى يكفر، فالحكم هنا مبهم، وتجزئه كفارة واحدة كما في المنتهى.
(٣) كذلك لو طلق الزوج قبل أن يطأ فلا تجب عليه الكفارة، بخلاف ما لو ظاهر ثم وطئ ثم طلق، فتبقى الكفارة ثابتة في ذمته.
стр. 1573
فَصْلٌ (١)
والكَفَّارَةُ علَى التَّرتيبِ: عِتْق رَقَبةٍ مُؤمنةٍ (٢)، سالِمَةٍ مِنْ العُيُوبِ المضرَّةِ في العَمَلِ (٣)، ولا يُجْزِئُ عِتْقُ الأخْرَسِ الأصَمِّ،
(١) هذا الفصل في كفارة الظهار وغيره، في الحواشي السابغات: (هناك قاعدة مشهورة في المذهب، وهي: الزمن الذي تعتبر فيه الكفارة: هو وقت الوجوب، ووقت الوجوب: ١ - في كفارة الظهار: هو وقت العود، وهو الوطء، ٢ - وفي كفارة الجماع نهار رمضان: هو وقت الوطء، ٣ - وفي كفارة القتل: هو زمن زهوق الروح والموت لا زمن الجرح، ٤ - وفي كفارة اليمين: هو وقت الحنث لا وقت اليمين. (قاعدة مهمة)
فلما كان وقت وجوب كفارة الظهار هو الوطء، نُظر في أمر المظاهِر حالَ الوطء، فإن كان قادراً على العتق لزمه ولو أعسر بعد ذلك؛ لأن العبرة بوقت الوجوب، أما لو كان وقتَ الوجوب قادراً على الصيام دون العتق، ثم أيسر وقدر على العتق لم يلزمه، فإن أعتق أجزأه وهو الأفضل، كما في غاية المنتهى).
(٢) والأصل في اشتراط كونها مؤمنة، اشتراط ذلك في كفارة القتل؛ لقوله تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة)، وألحق بها سائر الكفارات.
(٣) المقصود بالمضرة في العمل: أن يكون ضررًا بيّنًا كقطع يد، =
стр. 1574
ولا الجَنِينِ (١).
فإنْ لَمْ يَجِدْ، فصِيامُ شهريْنِ مُتَتابعيْنِ، ويَلْزَمُه تَبِييتُ النِّيَّةِ مِنْ اللَّيْلِ (٢).
= أو شلل يد، أو رجل، أو كونه أعمى؛ لأن المقصود تمليك العبد منافعه، وتمكينه من التصرف لنفسه، ولا يحصل ذلك مع ما يضر بالعمل ضررا بينا.
(١) الأخرس الذي لا يتكلم، والأصم الذي لا يسمع ولو فُهمت إشارته؛ للنقص الذي فيهم، وكذا لا يجزئ الجنين الذي في بطن أمه؛ لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا.
(٢) لأن كل صوم واجب يلزمه تبييت النية من الليل فيه، كصوم رمضان وصوم النذر وصوم الكفارة.
(تنبيه) ما الذي يقطع التتابع في الصوم؟ قال في المنتهى وشرحه: (وينقطع) تتابع (بوطء مظاهر منها ولو) كان (ناسيا) لعموم " ﴿فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة: ٤] " ولأن الوطء لا يعذر فيه بالنسيان (أو) كان وطؤه (مع عذر يبيح الفطر) كمرض وسفر (أو) كان وطؤه (ليلا) عامدا كان أو ناسيا لعموم الآية)، وذكر في الغاية اتجاها أنه لا ينقطع التتابع فيما إذا وطئ المُظاهِرُ المُظاهَرَ منها مكرها، ونقله الشطي عن الإنصاف، وهو الموضع الثاني الذي يعذر فيه المكره على الجماع، والموضع الأول تقدم في المظاهر الذي وطئ مكرها فلا تجب عليه الكفارة؛ لعذره بالإكراه، والموضع الثالث: الوطء من المولي، تحصل به الفيئة ولا كفارة عليه.
стр. 1575
فإنْ لَمْ يَسْتَطِع الصَّوْمَ لكِبَرٍ، أوْ مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه (١)، أطْعَمَ سِتِّينَ مسكينًا (٢) مُسْلِمًا، لكلِّ مسكينٍ مُدُّ بُرٍّ، أوْ نِصْفُ صاعٍ مِنْ غَيْرِه ولا يُجْزِئُ الخُبْزُ (٣)، ولا غيرُ مَا يُجْزِئُ في الفطرة (٤).
(١) أي: إن لم يستطع الصوم لكونه كبيرا، أو لمرض لا يرجى برؤه انتقل إلى الإطعام، وقوله: (لا يرجى برؤه) هو ما ذهب إليه الموفق في الكافي، والمذهب سواء كان المرض مرجو البرء أو لا؛ اعتبارا بوقت الوجوب كما قاله البهوتي في شرح المنتهى، فلو كان مريضا يخاف زيادته، أو تطاوله انتقل إلى الصيام، وقد أشار في المنتهى إلى الخلاف فقال: (فإن لم يستطع صوما لكبر، أو مرض ولو رجي زواله … إلخ)، ونحوه في الإقناع وزاد: (أو لضعفٍ عن معيشة)، وزادها البهوتي في شرح المنتهى منسوبة للإقناع، وأصلها في الفروع. (مخالفة الماتن)
(٢) يشترط في المسكين: أن يكون ١ - مسلماً ٢ - حراً ٣ - وأن يكون ممن يعطى الزكاة لحاجة وهم أربعة: المسكين والفقير وابن السبيل والغارم لنفسه، ويشترط تمليك المعطى القدر الواجب من الكفارة؛ فلا يجزئ لو غداهم أو عشاهم.
(تتمة) لا يضر وطء مظاهر منها أثناء الإطعام، وكذا أثناء عتق، لكنه محرم كما تقدم نبه عليه البهوتي هنا في شرح المنتهى.
(٣) لأنه لا يدخر ولا يُحتفظ به ولا يكال أيضًا.
(٤) والذي يجزئ في الفطرة: البر والشعير والتمر والأقط والزبيب، =
стр. 1576
ولا يُجْزِئُ العِتْقُ والصَّوْمُ والإطعامُ، إلا بالنِّيَّةِ (١).
= فإن لم يوجد شيء من هذه الأشياء الخمسة، فينتقل إلى كل حب وثمر يقتات كما مر معنا في زكاة الفطر، واختار أبو الخطاب والموفق وغيرهما إجزاء إخراج قوت البلد، ولو وجدت الأصناف الخمسة، لقوله تعالى: (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم)، والمذهب القول الأول.
(١) لقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات)، وتكون النية مع التكفير أو قبله بيسير كالصلاة والزكاة.
стр. 1577
كتابُ اللِّعانِ (١)
(١) اللعان لغة: مشتق من اللعن، لأن كل واحد من الزوجين يلعن نفسه في الخامسة. وشرعاً: شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين مقرونة بلعن أو غضب، قائمة مقام حد قذف -إن كانت محصنة- أو تعزير- إن كانت غير محصنة- وقائمة مقام حبس في جانبها؛ لأنها إذا لم تلاعن تحبس حتى تقر أو تلاعن، واللعان هو من أشد الأشياء التي تكون بين الزوجين، والأصل في اللعان من الكتاب قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ الآيات [النور، ٦ - ١٠]، ومن السنة: حديث سهل بن سعد ﵁: أن عويمرا العجلاني أتى رسول اللّه ﷺ فقال: يا رسول اللّه، أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول اللّه ﷺ : «قد نزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها»، قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول اللّه ﷺ ، فلما فرغا، قال عويمر: كذبتُ عليها يا رسول اللّه إن أمسكتها! فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول اللّه ﷺ ، متفق عليه، والظاهر أن اللعان حصل مرتين في عهد رسول الله ﷺ ، ثم لم يحصل إلا في عهد عمر بن عبد العزيز ﵀.
стр. 1578
إذَا رمَى الرجُلُ زَوْجتَهُ بالزنَا (١)، فعلَيْهِ حَدُّ القَذْفِ (٢)، أو التَّعْزِيرُ (٣) إلَّا أنْ يُقيمَ البَيِّنَةَ، أو يُلاعِنَ (٤).
(١) سواء كان في القُبل أو الدُبر.
(٢) فالزوج إذا قذف زوجته بالزنا فعليه حد القذف إن طلبت الزوجة ذلك، ولم يكن للزوج بينة، وللزوج أن يلاعن زوجتَه حتى يُسقط عن نفسه حدَّ القذفِ، والزوجة التي تستحق المطالبة بحد القذف هي الزوجة المحصنة وهي التي توفرت بها خمس صفات: ١ - أن تكون مسلمة ٢ - حرة ٣ - عاقلة ٤ - عفيفة عن الزنا ٥ - التي يوطأ مثلها، وهي التي استكملت تسع سنين.
(٣) فعليه التعزير إذا كانت زوجته غير محصنة، وهي التي اختل فيها أحد شروط المحصنة، فمن قذف زوجته الكتابية ولا بينة لديه؛ فإن الحاكم يعزره، أو يطلبُ الزوج اللعان ليسقط عنه التعزير.
(٤) الأصل فيه حديث ابن عباس ﵄: «أن هلال بن أمية قذف امرأته، فقال النبي ﷺ : البينة وإلا حد في ظهرك) رواه البخاري، والبينة بأن يأتي بأربعة شهود على ما يأتي تفصيله في حد الزنا، وهذا أمر صعب، فإذا أقام بينة حدت المرأة حد الزنى، وإن لم يقم بينة فله إسقاط حد القذف عن نفسه أو التعزير باللعان، فإن لاعن ولو وحده سقطا عنه كما في الإقناع.
فائدة: اللعان لا يكون إلا إذا كان بينهما ولد يريد الزوج نفيه، فإذا لم يكن بينهما ولد، فليس له أن يلاعن بغير خلاف، كما قاله الشيخ منصور في الكشاف.
стр. 1579
وصِفَةُ اللِّعانِ: أنْ يَقولَ الزُّوْجُ أرْبَعَ مَرَّاتٍ: أشْهَدُ باللهِ إنِّي لَمِن الصَّادقِينَ فيمَا رَمَيْتُها بِهِ مِنْ الزنَا، ويُشِيرُ إلَيْها (١)، ثُمَّ يَزيدُ فِي الخامِسَةِ: أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِين (٢).
ثُمَّ تَقولُ الزَّوْجَةُ (٣) أربعًا: أشْهَدُ باللهِ إنَّه لَمِنَ الكاذِبينَ فيمَا
(١) يشير إليها بيده، وإذا كانت غائبة فإنه يسميها، ومنه يؤخذ أنه لا يشترط أن يتلاعنا معا، قال في الإقناع وشرحه: (ولا يشترط حضورهما) أي المتلاعنين (معا بل لو كان أحدهما غائبا عن صاحبه مثل: أن لاعن الرجل في المسجد والمرأة على بابه لعذر) كالحيض (جاز) لعموم الأدلة).
(٢) ظاهر كلام المصنف في قوله: (ثم يزيد في الخامسة)، أنه عند الخامسة يعيد لفظة: (أشهد بالله .. ) ثم يزيد عليها: (وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين)، وهو موافق لظاهر المنتهى والغاية، لكن الصحيح أن يقتصر في الخامسة على قوله: (وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) بدون إعادة لما قبله، وقد ذكر عثمان النجدي أن هذا الظاهر غير مراد في المنتهى، كما في المحرر والإقناع. (مخالفة الماتن)
(تنبيه): وظاهر كلام المؤلف أيضا: أنه لا يشترط أن يقول في الخامسة: (فيما رميتها به من الزنى)، وهو صحيح كما في المعونة وقال على الأصح، ونقله البهوتي عنه في الكشاف، وجزم به في شرح المنتهى، لكن اشترطه الإقناع في حق الرجل واستحبه في حق المرأة. (مخالفة الماتن)
(٣) فيُشترط لصحة اللعان: أن يلاعن الزوج أولا ثم تلاعن =
стр. 1580
رمانِي بِهِ مِنْ الزنا، ثُمَّ تَزِيدُ في الخامِسَةِ (١): أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢).
وسُنَّ تَلاعُنُهُمَا قِيامًا (٣) بحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ (٤)، وأنْ لا ينْقُصُوا عن أرْبَعَةٍ (٥)، وأنْ يَأْمُرَ الحاكِمُ مَنْ يَضَعُ يَدَهُ على فَمِ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ عِنْدَ الخامِسةِ (٦)، ويَقولُ: اتَّقِ الله، فإنَّها الموجِبَةُ، وعذابَ الدُّنْيَا أهْوَنُ مِنْ عذابِ الآخِرَةِ.
= المرأة، فلا يصح أن تلاعن الزوجة ثم يلاعن الرجل.
(١) قوله: (ثم تزيد) القول فيها كما في الرجل عند الكلام عن الخامسة، فلا تعيد الشهادة.
(٢) ولا يشترط أن تقول: فيما رماني به من الزنا؛ لظاهر الآية، وقال بها في الإقناع استحبابا.
(٣) لحديث ابن عباس في خبر هلال: (أن هلالا جاء فشهد، ثم قامت فشهدت) رواه البخاري.
(٤) لحضور ابن عمر وابن عباس وسهل مع حداثة سنهم، فدل على أنه حضره جمع كثير؛ لأن الصبيان إنما يحضرون المجالس تبعا للرجال.
(٥) لأن بينة الزنا التي شرع اللعان من أجل عدم الرضا به أربعة قاله في الكشاف، فيسن ألا ينقص عن أربعة رجال؛ لأن الزوجة ربما أقرت فشهدوا عليها.
(٦) لفعل النبي ﷺ ذلك في حديث ابن عباس. رواه الإمام أحمد، والذي يضع يده على فم الزوجة إما أن يكون أحد محارمها أو امرأة.
следующие страницы →