Полный текст (2 012 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
الثالِثُ: إذا أعْتَقَ أَمَتَه، أوْ أُمَّ وَلَدِه، أوْ مَاتَ عَنْهَا، لَزِمَها اسْتِبْرَاءُ نَفْسِهَا (١) إنْ لَمْ تُسْتَبْرَأْ قَبْلُ (٢).
(١) فيجب عليها الاستبراء قبل أن تتزوج.
(٢) فإن استبرأها سيدها قبل عتقها أجزأها ذلك الاستبراء، وجاز لها أن تتزوج؛ لحصول العلم ببراءة الرحم.
стр. 1612
فَصْلٌ (١)
واسْتِبْرَاءُ الحامِلِ: بوَضْعِ الحَمْلِ (٢)،
ومَن تَحِيضُ: بِحَيْضَةٍ،
والآيِسَةِ والصَّغِيرةِ والبَالِغَةِ التِي لَمْ تَرَ حَيْضًا: بشَهْرٍ،
والمُرْتَفِعِ حَيْضُهَا ولَمْ تَعْلَمْ ما رَفَعَهُ: بعَشرِةِ أشْهُرٍ (٣)،
والعالِمَةِ مَا رَفَعَهُ: بخَمْسِينَ سَنَةً وشَهْر (٤).
ولا يَكونُ الاسْتِبْرَاءُ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ مِلْكِ الأَمَةِ كُلِّهَا (٥)، ولَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا.
(١) فيما يحصل به استبراء الإماء، ويكون بأربعة أمور تأتي في كلام المصنف.
(٢) لحديث: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا ذات حمل حتى تحيض حيضة) رواه الإمام أحمد وأبو داود.
(٣) تسعة أشهر للحمل وشهر للاستبراء.
(٤) أي: لا تزال في الاستبراء حتى يعود، فإذا بلغت سِنَّ الإياس وهو خمسون عاما جلست شهرا، وبهذا يتم استبراؤها، فإن حاضت قبل سن الإياس فإنها تستبرئ بحيضة واحدة فقط.
(٥) فلو ملك بعضها ثم ملك باقيها، لم يحتسب الاستبراء إلا من حين ملك باقيه؛ لأنه وقت حصولها كلها في ملكه.
стр. 1613
وإنْ مَلَكَهَا حَائِضًا لَمْ يَكْتَفِ بتِلْكَ الحَيْضَةِ (١). وإنْ مَلَكَ مَنْ تَلْزَمُهَا عِدَّةٌ، اكْتُفِيَ بِهَا (٢).
وإنْ ادَّعَتِ الأَمَةُ المَوْرُوثَةُ تَحْرِيمَهَا علَى الوَارِثِ بِوَطْءِ مُوَّرِّثِه (٣)، أوِ ادَّعَتِ المُشْتَرَاةُ أنَّ لَهَا زَوْجًا، صُدِّقَتْ (٤).
(١) فلا بُدَّ أن تحيض مرة أخرى عنده، والأمة هنا كالحرة إذا طلقت في زمن الحيض لم تعتد بتلك الحيضة.
(٢) كأن يملك أمة معتدة من وفاة أو معتدة من طلاق، فلا يجب الاستبراء حينئذٍ اكتفاء بالعدة، وهذا مقيد بوجوب العدة عليها حال تملكها، أما لو تملكها بعد انقضاء عدتها فالذي يظهر أنه يلزمه استبراؤها، ويفيده قول المنتهى: (ومن ملك معتدة من غيره).
(٣) كأمة توفي سيدها وقد ادعت أن سيدها قد وطئها، فإنها تصدق، وتصير محرمة على أولاده الورثة؛ لأنها موطوءة أبيهم.
(٤) لأن ذلك لا يعرف إلا من جهتها. والله أعلم.
стр. 1614
كتابُ الرَّضَاعِ (١)
يُكْرَهُ اسْتِرْضَاعُ الفاجِرَةِ (٢)، والكَافِرَةِ، وسَيِّئةِ الخُلُقِ،
(١) الرضاع لغة: بفتح الراء وقد تُكسر: مص اللبن من الثدي، وشربه. وأما في الاصطلاح: هو مص لبنٍ أو شربه ونحوه، ثاب عن حملٍ من ثدي امرأةٍ.
قولهم: (مص لبن أو شربه ونحوه) أي: كالسعوط في الأنف والوجور في الفم والتجبين كما سيأتي، وقولهم: (ثاب) أي: اجتمع من ثدي امرأة بسبب حملها وولادتها، بل قال الخلوتي: (ولو قبل الوضع، أو لم يبن فيه خلق إنسان)، قال الحفيد -كما في حاشية ابن عوض-: (ولو في الماضي، كأن حملت به وهي صغيرة، ثم رجع اللبن وهي بنت ستين سنة مثلا)، قلت ويؤيده قول الإقناع: (وإن ثاب لامرأة لبن من غير حمل تقدم كلبن البكر لم ينشر الحرمة نصا)، فقوله: (حمل تقدم) يدل على أن الاعتبار هو وجود اللبن من الحمل المتقدم، ولو لم يلِ اللبنُ الحملَ، كأن يكون اللبن بعد الحمل بسنوات كثيرة كما قرره الحفيد، وفي نفسي منه شيء. والله أعلم.
قال البهوتي: (وأجمعوا على أن الرضاع محرِّمٌ في الجملة).
(٢) وهي ضد العفيفة، لأنه يُخشى أن يصل أثر ذلك إلى الرضيع.
стр. 1615
والجَذْمَاءِ (١)، والبَرْصَاءِ (٢).
وإذَا أرْضَعَتِ المَرْأَةُ طِفْلًا بلَبَنِ حَمْلٍ لاحِقٍ بالوَاطِئِ، صارَ ذلكَ الطِّفْلُ وَلَدُهُمَا (٣)،
وأوْلَادُهُ (٤) وإنْ سَفَلُوا أوْلَادَ وَلَدِهِمَا (٥)، وأوْلَاد ُكُلٍّ مِنْهمَا
(١) الجذام هو: مرض يصيب الجلد ويؤدي إلى تساقطه.
(٢) لأنه يؤذي الرضيع، وكذا يكره استرضاع البهيمة؛ لأنه يكون فيه بلد البهيمة.
(٣) أي: صار ذلك الطفل الذي أُرضِع هذا اللبن ولدهما، فيكون ولدا للمرضعة، وصاحب اللبن. وقوله: (لاحق بالواطئ) شمل الزوجَ، وملكَ اليمين، والواطئ بشبهة أو نكاح فاسد، كما قاله اللبدي، وأصله في الكشاف، أما إذا كان الولدُ ولدَ زنا أو نُفي بلعان فيصير ولدا للمرضعة فقط ولا تثبت حرمة الرضاع بحق الزاني والملاعن، لأن الولد لا يلحق بهما؛ لحديث: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ولا نسب هنا.
(تتمة): هل يجوز للزاني أن يتزوج بنت المزني بها؟ لا يجوز، قال اللبدي: (وحرم الطفل إن كان أنثى على الزاني والملاعن تحريم مصاهرة؛ لأنها بنت موطوءته) وأصله في المنتهى وشرحه.
(٤) أي: وصار أولادُ الطفل الرضيع.
(٥) فيكون أولادُ الطفل المرتضع هم أولادٌ لهذه المرأة وهذا الزوج، أو الرجل الذي ثاب اللبن بسببه.
стр. 1616
مِنْ الآخَرِ، أوْ غَيْرِهِ، إخْوَتَهُ وأخَوَاتِهُ (١)، وقِسْ عَلَى ذَلِكَ (٢).
وتَحْرِيمُ الرَّضَاعِ فِي النِّكاحِ وثُبُوتُ المَحرمِيَّةِ كالنَّسَبِ (٣)،
(١) أي: وصار أولادُ المرضعة -سواء من الواطئ أو غيره- وأولادُ واطئها -سواء من المرضعة أو غيرها- إخوةً وأخواتٍ للمرتضع.
(٢) ضابط انتشار الحرمة: ١ - في صاحب اللبن: يكون أبا للمرتضع وينتشر التحريم إلى أصوله وإن علوا، وإلى فروعه وإن سفلوا، وإلى حواشيه، ويقصد بالحواشي: الإخوة والأخوات، وينتشر التحريم للحواشي فقط دون فروعهم.
٢ - المرضعة: ينتشر التحريم إلى أصولها، وإلى فروعها، وإلى حواشيها دون فروعهم.
٣ - المرتضع: ينتشر التحريم في المرتضع إلى فروعه فقط دون أصوله وحواشيه. وعليه: فيجوز لأبي المرتضع من النسب أن يتزوج مرضعة ابنه، لأن الحرمة لا تنتشر في أصول المرتضع. ولا يجوز لابن المرتضع أن يتزوج المرضعة لثبوت الحرمة في فروع المرتضع.
(٣) لقول النبي ﷺ : (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، فتحريم الرضاع في النكاح كما في النسب-فيحرم النكاح- ويتبع في ذلك توابعُ النكاح وهي ثلاثة: ١ - إباحة النظر. ٢ - والخلوة. ٣ - وكونه مَحرَماً، دون بقية أحكام النسب كالتوارث والعقل والنفقة والشهادة، فيجوز للابن من الرضاع أن يشهد لأبيه من الرضاع، ولا تجب عليه نفقة أبيه من الرضاع. =
стр. 1617
بشَرْطِ أنْ يَرْتَضِعَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي العَامَيْنِ، فلَو ارتَضَعَ بَقِيةَ الخَمْسِ بعدَ العاميْن ِبلَحْظةٍ: لَمْ تَثْبُتِ الحُرْمَةُ (١).
= (تتمة): هل تجب الصلة في الرضاع، كصلة الابن أمه من الرضاع؟ في الحواشي السابغات: (ترددت فيه كثيراً، ثم رأيته مصرحاً به من كلام الشيخ منصور في الكشاف (١٥/ ٣١١) في باب موانع الشهادة وأنها لا تجب، قال ﵀: (فتقبل شهادة الولد لأبيه من زنا ورضاع وعكسه؛ لعدم وجوب الإنفاق والصلة).
(١) شروط التحريم من الرضاع: (الشرط الأول) أن تكون خمس رضعات فأكثر ولو متفرقات، لحديث عائشة ﵂ قالت: (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحرمن، ثم نُسخن بخمس رضعات معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك) رواه مسلم. (الشرط الثاني) كون الرضاع في العامين، أي: من حين ولادته، قال في الإقناع: (ولو كان فطم قبله) أي: قبل ذلك الرضاع؛ لقوله تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فجعل تمام الرضاع حولين، ولو ارتضع بعدهما ولو بلحظة لم تثبت الحرمة، قال في الإقناع: (ولو قبل فطامه). (الشرط الثالث) أن يصل اللبن إلى جوفه من حلقه، فلا تحريم لمن احتقن به عن طريق الدبر، أو وصل إلى جوف لا يغذي كالذكر والمثانة؛ لأن هذا ليس برضاع ولا يحصل به التغذي. (الشرط الرابع) أن يكون اللبن ثاب عن حمل، فإن لم يكن عن حمل كلبن البكر والرجل والبهيمة فلا ينتشر به التحريم، وتقدم في =
стр. 1618
ومَتَى امتَصَّ الثَّدْيَ ثُمَّ قَطَعَه (١)، ولَوْ قَهْرًا، ثُمَّ امْتَصَّ ثانيًا: فرَضْعَةٌ ثَانِيَةٌ (٢).
والسَّعوطُ فِي الأنْفِ (٣)، والوَجُورُ فِي الفَمِ (٤)، وأَكْلُ مَا جُبِّنَ (٥)،
= أول الرضاع الحديث عن هذا.
(١) أي: قطع المص، ومن هنا بدأ المؤلف يتكلم عن ضابط الرضعة المحرمة.
(٢) أي: ولو أتى شخص فنزعه من الارتضاع أو من شرب اللبن قهرا بغير اختيار المرتضع، ثم رجع الطفل فامتص ثانيا فرضعة معتبرة؛ فالمذهب لا يعتبرون أن الرضعة هي الوجبة الكاملة التي يشبع منها الطفل كما قال بعض العلماء، بل الاعتبار بالمصة؛ لأن المرجع فيه إلى العرف؛ لأن الشرع ورد بها مطلقا ولم يحدها بزمن ولا مقدار فدل ذلك على أنه ردهم إلى العرف.
(فائدة): قال الفقهاء: لو أكرهت المرأة على الرضاع ثبتت المحرمية، وهل يجب استئذان والدي الرضيع في إرضاعه؟ يحتاج لنظر، لكن لو حصل بدون إذنهما ثبت التحريم، والله أعلم.
(٣) السعوط: صب اللبن في أنف الطفل من إناء أو غيره، فتثبت به الحرمة.
(٤) الوجور: صب اللبن في حلق الطفل من غير الثدي، كما في المطلع، فتثبت به الحرمة.
(٥) أي: لبن المرأة يُعمل منه الجُبن، ثم يأكله الطفل، فتثبت به الحرمة. =
стр. 1619
أوْ خُلِطَ بالمَاءِ وصِفَاتُه باقيةٌ (١):
= تتمة: يشترط في السعوط والوجور وأكل الجبن اعتبار العدد، فلا بد في السعوط من خمس قطرات، وكذلك في الوجور، وفي التجبين أن يأكل خمس لُقم، قال في الإقناع وشرحه: (ويحرم من ذلك) المذكور في السعوط والوجور والجبن المعمول منه (خمس) لأنه فرع عن الرضاع فيأخذ حكمه)، قال اللبدي عن الخلوتي: (والظاهر أن العدد معتبر فلا يحرم إلا خمس لقم فليحرر)، قلت: وهو مأخوذ من قول صاحب الإقناع: (ويُحَرِّمُ من ذلك خمسٌ). والله أعلم.
(تنبيه) قال في الإقناع وشرحه: (ولو حلب في إناء لبن دفعة واحدة أو دفعات ثم سقي لطفل في خمس أوقات فهي خمس رضعات) اعتبارا بشرب الطفل له، (وإن حلب في إناء خمس حلبات في خمسة أوقات ثم سقي) للطفل (دفعة واحدة كان رضعة واحدة) اعتبارا بشربه له فإن سقاه جرعة بعد أخرى متتابعة فرضعة في ظاهر قول الخرقي، لأن المعتبر في الرضعة العرف وهم لا يعدون هذا رضعات، ويحتمل أن يخرج على ما إذا قطع عليه الرضاع).
(١) بأن تكون صفاته كلها باقية، وهي: اللون والطعم والرائحة، فتثبت به الحرمة، أما إن غُلبت إحدى الصفات في هذا اللبن بالماء، فإنه لا يُحرِّم، وقوله: (أو خلط بالماء) لا مفهوم له، فسواء خُلط بالماء أو بالعصير أو بأي شيء، فالحرمة تثبت فيه إن كانت صفاته باقية، وعبارة المنتهى وشرحه: (أو شيب) أي: =
стр. 1620
كالرَّضاعِ فِي الحُرْمَةِ (١).
وإنْ شُكَّ فِي الرَّضَاعِ، أوْ عَدَدِ الرَّضَعَاتِ، بُنِىَ عَلَى اليَقِينِ (٢).
= خلط بغيره)، وعبارة الإقناع وشرحه: (ويحرم اللبن المشوب) وهو المخلوط بغيره من طعام أو شراب أو غيرهما).
(١) هذا خبر لكل ما تقدم.
(٢) أي: إن شُك هل وُجد الرضاع أم لا، كمن شك هل أرضعته فلانة أم لا؟ فالأصل عدم وجود الرضاع، كذلك لو تيقنا حصولَ الرضاع لكن شككنا في عدده، هل هو خمس رضعات أو أقل من ذلك؟ فيبني على الأقل لأن الأصل بقاء الحل، قال في الإقناع وشرحه بعد هذه المسألة: (لكن تكون) التي لو ثبت رضاعها خمسا حرمت (من الشبهات تركها أولى قاله الشيخ) لحديث «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه»).
(تتمة): لو تيقنا وجود الرضاع، وشككنا هل حصل في العامين أم بعد العامين، فما الحكم؟ المذهب: أنه لا يحصل التحريم حتى ولو لم يُفطم بعد العامين، وقد حصل خلاف في هذه المسألة على قولين: القول الأول: للشيخ منصور يقول: إنه لا يحصل التحريم، ونقله عن المبدع في الكشاف، وجزم به في شرح المنتهى، وتابعه الخلوتي والرحيباني، والقول الثاني: لصاحب الغاية اتجاهاً: أنه يحصل التحريم، لأن الأصل في الرضيع الصغر، وأن الرضاع حصل في العامين، فوجب =
стр. 1621
وإنْ شَهِدَتْ بِهِ مَرْضِيَّةٌ، ثَبَتَ التَّحْريمُ (١).
ومَن حَرُمَتْ عَلْيهِ بِنْتُ امْرَأَةٍ كأُمِّه وجَدَّتِه وأُخْتِه، إذَا أرْضَعَتْ طِفْلةً، حَرَّمَتْهَا عَلَيْه أَبَدًا (٢).
ومَن حَرُمَتْ عَلَيْه بِنْتُ رَجُلٍ كأَبِيهِ وجَدِّه وأخِيهِ وابْنِه إذَا أرْضَعَتْ زَوْجَتُه (٣) بلَبَنِه (٤) طِفْلَةً، حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ أبدًا (٥).
= التحريم بناء على هذا الأصل. (خلاف المتأخرين)
(١) فيثبت الرضاع بشهادة امرأة واحدة فقط، بشرط كونها مرضية، أي: عدلة، ولا بد من لفظ الشهادة فلا يكفي الإخبار، وسواء شهدت على فعلها، كأن قالت: أنا أرضعتكما، أو شهدت على فعل غيرها، كقولها: أرضعت فلاغة فلانا وفلانة؛ لحديث عقبة بن الحارث ﵁ أنه تزوج ابنة لأبي إهاب؛ فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قد أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فذكرتُ ذلك له، فقَالَ: (كَيْفَ وقد قيل؟!)، وفي رواية: (كيف وَقَدْ زَعَمَتْ ذلك؟!)، فنهاه عنها. متفق عليه، وفي رواية للبخاري: (دَعْهَا عَنْك).
(٢) لأنها تصير بنتا للمحرمة عليه كأمه ونحوها من الرضاع.
(٣) كزوجة أبيه أو زوجة جده أو زوجة أخيه أو زوجة ابنه، إن أرضعت إحداهن طفلة، فتحرم عليه أبدا.
(٤) أي: بلبن الأب أو الجد أو الأخ أو الابن.
(٥) لأنها تصير ابنة لمن تحرم ابنته عليه.
стр. 1622
كِتَابُ النَّفَقَاتِ (١)
يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ مَا لا غِنَى لِزَوْجَتِه عَنه (٢) مِنْ مَأكَلٍ
(١) النفقة لغة: هي الدراهم ونحوها من الأموال. وأما شرعًا: فهي كفاية من يمونه خبزًا وأُدمًا، وكسوة -بكسر الكاف وضمها-، ومسكنًا، وتوابعها، وإعفاف من يجب إعفافه، ممن تجب نفقته، والمراد بالمسكن وتوابعه: توابع المسكن كثمن الماء والمشط والسترة ونحوها، فالنفقة تشمل أربعة أمور: ١ - القوت، كالأكل والشرب. ٢ - الكسوة. ٣ - المسكن. ٤ - التزويج. وأسباب النفقة ثلاثة: ١ - النكاح. ٢ - القرابة. ٣ - المِلك، ويدخل فيه العبيد والحيوانات ونحوها، ويبدأ الفقهاء بذكر نفقة الزوجة لأنها أقوى ما يجب على الإنسان، وهناك فروق كثيرة بين نفقة الزوجة ونفقة ما بعدها من الأقارب وما يملكه الإنسان، منها: أن نفقة الزوجة واجبة على الزوج، ولو كانت غنية أو موظفة تكتسب المال، فيجب على الزوج الإنفاق عليها، ومنها: أن نفقة الزوجات لا تسقط بمضي الزمن، فإذا لم ينفق الزوج على زوجته شهرا كاملا لم تسقط، بخلاف نفقة الأقارب، فإنها إذا مضى الزمن ولم يُنفق سقطت، إلا في بعض الأحوال كما سيأتينا إن شاء الله. (فرق فقهي)
(٢) لقوله تعالى: (لينفق ذو سعة من سعته) وهي في سياق الزوجات، =
стр. 1623
ومَشْرَبٍ ومَلْبَسٍ ومَسْكَنٍ بالمَعْرُوفِ (١).
= ولقوله ﷺ : (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) رواه مسلم، وحكى ابن المنذر الإجماع على وجوب نفقة الزوجة على الزوج إذا كانا بالغين، ولم تكن ناشزا.
(تتمة) شروط وجوب النفقة على الزوجة: ١ - أن يتسلم الزوجُ الزوجةَ، أو تبذل نفسَها، فيقول الولي: تسلم زوجتَك، أو تقول الزوجة هي ذلك. ٢ - أن تكون الزوجة ممن يوطأ مثلها، حتى لو تعذر وطؤها لمرض أو حيض. ٣ - أن لا تكون ناشزة، فإن كانت ناشزة فلا نفقة لها ما لم تكن حاملاً. ٤ - أن لا تكون مسافرة ولو بإذنه ما لم يسافر معها فلا تسقط؛ لتمكنه من الاستمتاع بها. ٥ - أن تكون الزوجية قائمة أو رجعية، أما البائن بفسخ أو طلاق فلا نفقة لها ما لم تكن حاملاً. ٦ - أن يكون ذلك في النكاح الصحيح فلا نفقة في النكاح الفاسد، ولا في الوطء بشبهة ما لم تكن حاملاً فنفقتها على زوجها في النكاح الفاسد، ومن وطئها بشبهة كما صرح به في الإقناع، ٧ - أن لا تكون معتدة من غيره مطلقاً على ما في الإقناع، كوطء بشبهة أو زناً فلا نفقة لها على زوجها، واستثنى المنتهى الوطءَ بشبهة وتابعه الغاية، فأوجبوا لها النفقة إن كانت غير مطاوعة، فإن طاوعت عالمة فلا نفقة لها؛ لأنها في معنى الناشز، وقيد البهوتي بهذا القيد كلام الإقناع. (مخالفة)
(١) فالمرجع فيما لا غنى عنه هنا للعرف، وقوله: (بالمعروف)، هذا لفظ المنتهى، وعبارة الإقناع وشرحه: (بحسب (ما يصلح لمثلها) مع مثله (بالمعروف) لخبر مسلم السابق، (وهي) أي =
стр. 1624
ويَعتبرُ الحاكِمُ ذلكَ إنْ تَنازَعَا بِحالِهِمَا (١).
وعَلَيْه مُؤنةُ نَظَافَتِهَا (٢)
= النفقة (مقدرة بالكفاية) فيجب لها كفايتها مما ذكر لحديث هند «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» فتختلف باختلاف من تجب له في قدرها للحديث فأمرها بأخذ ما يكفيها من غير تقدير والكفاية لا تختلف باليسار والإعسار، وإنما اعتبرهما الشرع في الجنس لا القدر).
(١) إذا تنازع الزوجان في جنس النفقة هل ينفق عليها نفقةَ الموسرين، أم نفقة المعسرين، فالاعتبار يكون بحال الزوجين يسارا وإعسارا، خلافا للشافعية الذين يردون النفقة إلى حال الزوج فقط، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]، أما الحنابلة فيردون ذلك إلى حال الزوجين، كذلك أيضًا يعتبر الرجوع إلى حال الزوجين إذا حصل التنازع، أما إذا لم يحصل تنازع بينهما، ورضيت الزوجة بالذي ينفقه عليها زوجها فيُتركان، فإنْ تنازعا في قدر النفقة وصفتها فإنَّ الحاكم ينظر في حالهما وقت التنازع ولا ينظر لحالهما وقت العقد كما قاله البهوتي في الكشاف، وحال الزوجين تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١ - أن يكونا موسرين (غنيين) فيجب على الزوج نفقة الموسرين. ٢ - أن يكونا معسرين (فقيرين) فيجب على الزوج نفقة المعسرين. ٣ - أن يكونا متوسطين أو أحدهما معسر والآخر موسر، فالواجب نفقة متوسطين.
(٢) أي: يجب على الزوج نفقة نظافة الزوجة في البدن والثوب =
стр. 1625
مِنْ دُهْنٍ وسِدْرٍ (١)، وثَمَنِ ماءِ الشُّربِ، والطَّهارةِ مِنْ الحَدَثِ والخَبَثِ، وغَسْلِ الثِّيابِ، وعَلَيْه لَهَا خادِمٌ، إنْ كانَتْ مِمَّنْ يُخْدَمُ مِثْلُهَا (٢)، وتَلْزَمُه مؤنِسَةٌ لِحاجةٍ (٣).
= والبقعة كما قال الشيخ عثمان.
(١) ويقوم مقامه الصابون والشامبو في عصرنا.
(٢) قال البهوتي في شرح المنتهى: (ليسار، أو كبر، أو صغر)؛ لقوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف)، ومن المعروف أن يأتي بالخادم لها، قال في الإقناع والمنتهى: (ولا يكون الخادم إلا ممن يجوز له النظر إليها، إما امرأة أو ذو محرم، ويجوز أن تكون كتابية). قال الشيخ منصور في الكشاف: (قلت: وكذا مجوسية ووثنية ونحوها)، ولو قالت الزوجة: أنا أخدم نفسي وأعطني الأجرة فلا يلزمه القبول، وإن قال لها: أنا أخدمك لم يلزمها قبوله. قال في الإقناع وشرحه: (وَإِنْ قَالَ) الزَّوْجُ (أَنَا أَخْدُمُكِ) بِنَفْسِي (لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهُ)
(٣) هذه المسألة من زوائد المنتهى على الإقناع. والمراد بالإيناس: الذي يُذهب عنها الخوف أو الوحشة، أما الملل فلا يدخل في الإيناس؛ بدليل تعليلهم: بأن كانت في مكان مخوف، أو لها عدو تخاف على نفسها منه، ولو قال الزوج: أنا أؤنسك، فقال الشيخ منصور: (ويكتفى بتونيسه هو لها).
стр. 1626
فَصْلٌ
والواجِبُ عَلَيْه دَفْعُ الطَّعَامِ في أوَّلِ كُل يَوْمٍ (١)، ويَجوزُ دَفْعُ عِوَضِه إنْ تَرَاضَيا (٢)، ولا يَمْلِكُ الحاكِمُ أن يَفْرِضَ عِوَضَ القُوتِ دَرَاهِمَ مَثَلًا إلَّا بتَراضِيهِمَا (٣)، وفَرْضُه لَيْسَ بلازِمٍ (٤).
(١) فلا يجب دفع بدله كالمال، وهل يجب دفع الطعام مطبوخا، أم يكفي أن يوفر لها أدوات الطبخ ويدفعه نيئا؟ الجواب: لا يجب دفعه مطبوخا، بل يجوز دفعه إليها نيئا وهي تطبخه. وقوله: (في أول كل يوم) أي: عند طلوع شمسه؛ لأنه أول وقت الحاجة، قاله البهوتي في شرح المنتهى، قال في الإقناع بعد تقديم المذهب: (واختار الشيخ: لا يلزمه تمليك، بل ينفق ويكسو بحسب العادة. انتهى).
(٢) فيجوز أن يدفع الزوجُ لزوجته عوضا عن الطعام، كالنقود، إن تراضيا على ذلك.
(٣) كما لا يملك الحاكم أن يفرض على الزوج أن يدفع مبلغا معينا يوميا أو شهريا تستلمه الزوجة عوضا عن الطعام، إلا إذا رضي الزوج والزوجة بذلك؛ لأن الحق لهما ولا يعدوهما، وفُهم من كلام المصنف أنه إن لم يتراضيا على ذلك فإنهما يعودان للأصل وهو وجوب دفع الطعام، ولا يجبر أحدهما على ما لم يجب عليه.
(٤) أي: ولو فرض لهما الحاكم العوضَ -بالدراهم ونحوها- =
стр. 1627
ويَجِبُ لَهَا الكِسْوَةُ (١) فِي أوَّلِ كُل عامٍ (٢)، وتَمْلِكُهَا
= بتراضيهما، فإن فرضه ليس بلازم في المستقبل، فيجوز لهما الرجوع إلى القوت ونحوه، لأن حكمه هنا ليس بلازم لهما، قال في المنتهى -بعد تقديمه أنه لا يملك الحاكم فرض غير الواجب إلا بتراضيهما-: (وفي الفروع: فأما مع الشقاق والحاجة، كالغائب مثلا فيتوجه الفرض؛ للحاجة إليه على ما لا يخفى).
(١) الكسوة تشمل القميص والسراويل والمقنعة وهو غطاء يوضع على الرأس، وفوق المقنعة وقاية ونعال وجبة للشتاء، كما ذكر ذلك في الإقناع، وهل يجب على الزوج أن يحضر العباءة للزوجة؟ الجواب: لا يلزمه؛ لأنها ممنوعة من الخروج لحق الزوج بالاستمتاع بها، ذكره في الإقناع، لكن لو أمرها بالخروج فلا بد أن يأتي لها بعباءة.
(٢) فيجب على الزوج كسوة لزوجته في كل عام مرة، قال في المنتهى: (من زمن الوجوب).
لكن متى يبدأ زمن الوجوب؟ قال اللبدي: (الظاهر أن ابتداءها من حين دخوله بها إن لم يفرضها الحاكم وإلا فمن حين فرضه)، وفي الحواشي السابغات: (يجب على الزوج أن يأتيها بالكسوة في أول العام -وأوله: من التسليم أو من بذلها للتسليم- فلو قبضتها ثم تمزقت أو بليت لم يلزمه بدلها، ولو انقضى العام والكسوة باقية، فإنه يجب عليه أن يأتيها بكسوة للعام الجديد.
(تتمة) ظاهر كلام الأصحاب هنا في أحكام النفقة مبناه على =
стр. 1628
بالقَبْضِ، فَلَا بَدَلَ لمِاَ سُرِقَ، أوْ بَلِيَ (١)، وإنْ انْقَضَى العَامُ والكِسْوَةُ باقِيَةٌ، فعلَيْه كِسْوَةٌ للعامِ الجَدِيدِ، وإنْ مَاتَ أوْ مَاتَتْ
= العرف، قال في المنتهى: في أول كتاب النفقات: (وعلى زوج ما لا غَنَاء لزوجة عنه .. من مأكول، ومشروب، وكسوة، وسكنى بالمعروف)، وعليه فالذي يظهر: أنه يلزم الزوج -بالنسبة للكسوة- أن يأتي زوجته بالكسوة مرتين في العيدين: الفطر، والأضحى كما هي عادة الناس اليوم في السعودية، وهل يلزمه أن يأتي لها بكسوة في كل مناسبة زواج ونحو ذلك؟ الظاهر: لا؛ لأنها أمور زائدة على النفقة الواجبة. والله أعلم).
(١) تملك الزوجة الكسوة بقبضها، فلا بدل لما سُرق أو بلي، أي: تلف، فإذا تلف ما عندها من الكسوة فإنه لا يجب على الزوج أن يأتي بأخرى، قال البهوتي في الكشاف متعقبا: (لكن لو بليت في الوقت الذي يبلى فيه مثلها لزمه بدلها لأن ذلك من تمام كسوتها وإن لم يمض زمن تبلى فيه عادة وإنما بليت قبله لكثرة خروجها ودخولها فلا أشبه ما لو أتلفتها)، وأصله في المبدع، والكافي.
(تتمة): لو دفع الزوج لزوجته شيئاً زائداً عن الكسوة كالقلائد من الذهب ونحوها، فهل تملكها الزوجة أم لا؟ إن أعطاها ذلك على وجه التمليك فتملكه بالقبض كسائر الهبات، وليس له أن يطالبها به بعد قبضها له ولو طلقها، وإن كان قد أعطاها ذلك لتتجمل به لا على وجه التمليك فهو باق على ملكه، له أن يرجع متى شاء، قاله في الإقناع وشرحه.
стр. 1629
أوْ بَانَتْ قَبْلَ انقِضَائِه رَجَعَ عَلَيْهَا بقِسْطِ مَا بَقِيَ (١).
وإنْ أَكَلَتْ مَعَه عادَةً، أو كَسَاهَا بلَا إذْنٍ، سَقَطَتْ (٢).
(١) فلو أعطاها كسوة في أول العام ثم توفيت الزوجة رجع الزوج بقسط ما بقي، لتبين عدم استحقاقها له، وكذا لو مات الزوج قبل انقضاء العام، رجع الورثة على الزوجة بقسط ما بقي.
(٢) فإن أطعم الزوج زوجته وأسكنها، أو كساها كما هو العادة، سقطت عنه النفقة الواجبة، لتأديته ما وجب عليه، ولو ادعت أنه كان يطعمها تبرعاً لا نفقة فقول الزوج بيمينه، وهذه من الأمور التي إذا وُجدت سقطت النفقة، فإن نوى التبرع لم تسقط نفقتها كما صححه في الإنصاف، أشار إليه في الكشاف.
стр. 1630
فَصْلٌ (١)
والرَّجْعِيَّةُ مُطْلَقًا (٢)، والبائِنُ، والناشِزُ الحامِلُ (٣)، والمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا حَامِلًا، كالزَّوْجَةِ فِي النَّفَقَةِ، والكِسْوَةِ، والمَسْكَنِ (٤).
(١) هذا الفصل فيما تسقط به نفقة الزوجة.
(٢) أي: حاملاً كانت أو غير حامل، تجب لها النفقة لأنها زوجة، قال تعالى: (وبعولتهن أحق بردهن)، قال في الإقناع وشرحه مستثنيا: (إلا فيما يعود بنظافتها) لأنها غير معدة للاستمتاع).
(٣) فالبائن الحامل -سواء كانت بائنا بفسخ أو طلاق-، والناشز -وهي العاصية لزوجها- الحامل، لهما النفقة، والنفقة تكون للحمل لا لهما؛ لما في بعض ألفاظ حديث فاطمة بنت قيس: (لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا) رواه الإمام أحمد وغيره.
(تتمة): الحامل بوطء شبهة أو نكاح فاسد تجب لها النفقة، وتكون على الواطئ لا على الزوج؛ للحوق النسب فيهما بالواطئ، أما إن كانت حاملا من زنا فلا نفقة عليها على الزاني ولو كانت حاملا؛ لأن الحمل لا يلحق بالزاني كما في الإقناع وشرح المنتهى. (فرق فقهي)
(٤) أي: أن النفقة واجبة للمتوفى عنها الحامل كالزوجة التي لم يمت عنها زوجها، وهو رواية كما في المقنع، وقد خالف المؤلفُ المذهبَ هنا -وإن كان ابن ضويان في منار السبيل صرفها إلى نفقة الحمل من التركة -؛ لأن المتوفى عنها زوجها =
стр. 1631
ولا شَيْءَ لغَيْرِ الحامِلِ مِنْهُنَّ (١)، ولا لِمَنْ سَافَرَتْ لِحاجَتِهَا، أو لنُزْهَةٍ، أو زِيارةٍ، ولَوْ بإذْنِ الزَّوْجِ (٢).
وإنِ ادَّعَى نُشُوزَهَا، أوْ أنَّهَا أخَذَتْ نَفَقَتَهَا، وأنكَرَتْ، فقَوْلُهَا بيَمِينِهَا (٣).
= لا نفقة لها على المذهب مطلقاً، وإن كانت حاملا فالنفقة من نصيب الحمل في التركة؛ لأن النفقة للزوجة تجب للتمكين من الاستمتاع وقد فات. (مخالفة الماتن)
(١) أي: لا نفقة للبائن، والناشز، والمتوفى عنها زوجها إذا لم تكن حاملا.
(٢) فمن سافرت لحاجتها، أو سافرت للتنزه بضعة أيام، أو لتزور أقاربها ولو بإذن زوجها فلا نفقة لها، لأنها فوتت حق الزوج في الاستمتاع بها، يستثنى من ذلك: لو سافر معها متمكناً من الاستمتاع بها فتجب النفقة كما ذكر ذلك في الإقناع، ونقله الشيخ منصور في شرح المنتهى، وكذلك ابن النجار في المعونة.
(تتمة): حاصل ما ذكره المؤلف في الأسباب التي تسقط النفقة: ١ - البائن غير الحامل ٢ - الناشز غير الحامل ٣ - المعتدة من غيره. ٤ - من سافرت لحاجتها ولو بإذنه ما لم يكن معها متمكنا من الاستمتاع بها.
(٣) فإن ادعت الزوجة عدم إنفاق الزوج عليها، وادعى الزوج نشوزَها فأنكرت، ولا بينة للزوج، فالقول قول الزوجة بيمينها، لأن الأصل الطاعة وعدم النشوز، وكذا لو ادعى الزوجُ إنفاقه =
стр. 1632
ومتَى أعْسَرَ بنَفَقَةِ المُعْسِرِ (١)، أوْ كِسْوَتِه (٢)، أوْ مَسْكَنِه (٣)، أوْ صَارَ لا يَجِدُ النَّفَقَةَ إلَّا يومًا دُونَ يَوْمٍ، أوْ غَابَ المُوسِرُ وتَعذَّرَتْ عَلَيْهَا النَّفَقَةُ بالاسْتِدَانَةِ وغَيْرِهَا (٤)، فلَهَا الفَسْخُ فَوْرًا ومُتَراخِيًا (٥)،
= على زوجته فأنكرت فالقول قولها بيمينها، لأن الأصل عدم وصول النفقة إليها.
(١) بأن يعجز حتى عن نفقة المعسر فقط فلا يملكها.
(٢) فيجد نفقة المعسر لكن لا يجد الكسوة.
(٣) فيجد النفقة أو الكسوة لكن لا يجد المسكن، والمقصود مسكن المعسر.
(٤) أي: تعذر عليها الاقتراض على زوجها في ذمته أثناء غيابه، وقوله: (وغيرها) أي: وتعذرت النفقة عليها بغير الاستدانة، قال في الإقناع: (ولا على الأخذ من وكيله إن كان له وكيلاً)، وقال البهوتي في حاشية المنتهى: (بأن لم يترك لها ما تنفقه ولم تقدر له على مال ولم تجد من يقرضها).
(٥) فلها الفسخ، قال في الإقناع وشرحه: (وهذا قول عمر وعلي وأبي هريرة لقوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩] وليس الإمساك مع ترك الإنفاق إمساكا بمعروف فتعين التسريح «وقال ﷺ امرأتك تقول أطعمني وإلا فارقني» رواه أحمد والدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح ورواه الشيخان من قول أبي هريرة، وروى الشافعي وسعيد عن سفيان عن أبي الزناد قال "سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال يفرق بينهما قال =
стр. 1633
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أبو الزناد لسعيد: سنة؟ قال سعيد: سنة" ولأن هذا أولى بالفسخ من العجز بالوطء وكان على التراخي لأنه كخيار العيب).
ولها أن تقيم معه ولها منع نفسها منه، ولا يمنعها تكسباً، وليس له منعها من الخروج، فإن مكنت نفسها منه فتبقى حينئذ نفقة المعسر دينا في ذمته، لكن إن أقامت معه من دون تمكين فلا نفقة لها ولا يكون عليه دين في ذمته، لسقوط النفقة عنها في تلك الحالة، أما إذا كان الرجل عليه نفقة الموسرين فعجز إلى نفقة المتوسطين أو كان متوسطا فعجز إلى نفقة المعسرين، فلا يحق لها الفسخ، ويبقى ما زاد ديناً في ذمته، وحاصل هذا ذكرته في الحواشي السابغات بقولي: (إذا عجز الزوج عن النفقة فلا يخلو الحال: ١ - أن يعجز عن نفقة المعسر أو بعضها -سواء كان الواجب عليه نفقة موسرين، أو متوسطين، أو معسرين- كأن لم يجد قوت معسر أو بعضه، فتخير الزوجة بين: الفسخ، أو المقام معه. فإن اختارت المقام معه فلا يخلو: إن مكّنته من نفسها فتبقى نفقة معسر فقط ديناً في ذمته -ويسقط ما زاد عن نفقة معسر-، وإن لم تمكنه من نفسها لم تبق نفقة معسر لها ديناً في ذمته. ٢ - أن يعجز عن نفقة الموسرين إلى المتوسطين، أو المعسرين، أو يعجز عن نفقة المتوسطين إلى نفقة المعسرين، ففي هذه الحالة ليس لامرأته الفسخ، وتبقى نفقة ما عجز عنه ديناً في ذمته، فإن كان -مثلاً- الواجبُ عليه نفقةَ المتوسطين، وعنده نفقةُ المعسرين فيبقى في ذمته ما بين نفقة المعسرين والمتوسطين، وهكذا). =
стр. 1634
ولا يَصِحُّ بلا حَاكِمٍ (١)، فيَفْسَخُ بطَلَبِهَا، أوْ تَفْسَخُ بِأمْرِهِ (٢).
وإنِ امْتَنَعَ المُوسِرُ مِنَ النَّفَقَةِ أو الكِسْوَةِ (٣)، وقَدَرَتْ عَلَى مَالِه: فلَهَا الأخْذُ مِنْهُ بلا إذْنِه بقَدْرِ كِفَايَتِهَا وكِفَايَةِ وَلَدِهَا الصَّغِيرِ (٤).
= (تتمة): لو تزوجته عالمة بعسرته فهل لها حق الفسخ؟ نعم لها حق الفسخ؛ لأن النفقة حق يتجدد للزوجة وجوبه كل يوم، وعكسها العيوب في النكاح، فلو تزوجته عالمةً بعيبه، ككونه عِنينا، فلا تملك حق الفسخ؛ لأنها دخلت على بصيرة، وكذلك لو تزوجته عالمة بعسره عن مهرها، فليس لها حق الفسخ؛ لأنها دخلت على بصيرة. (فرق فقهي).
(١) لأنه فسخ مختلف فيه فافتقر إلى حكم الحاكم، كالفسخ للعنة، والفسوخ المختلف فيها في المذهب لا تصح إلا بحكم الحاكم، قال الخلوتي في حاشية الإقناع -في باب الخيار-: (أما الفسوخ في المواضع المختلف في ثبوت الفسخ له فيها، فهي مفتقرة إلى حكم حاكم، فتنبه لهذه القاعدة، فإنها عظيمة الجدوى وتعينك على فهم هذه المواضع).
(٢) فإذا فرق الحاكم بينهما فهل هو فسخ رجعي أم بائن؟ هو فسخ لا رجعة له فيه كما في الإقناع، وشرح المنتهى، والمعونة.
(٣) أو امتنع عن بعض ذلك، وقوله: (الموسر) -كالمنتهى- لا مفهوم له بل حتى لو امتنع المعسر أو المتوسط مما وجب عليه أو بعضه، فتأخذ زوجتاهما نفس الحكم كما قرره النجدي.
(٤) لحديث هند بنت عتبة لما قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، =
стр. 1635
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ليس يعطيني من النفقةِ ما يكفيني وولدي، فقال رسول الله ﷺ : (خذي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف) متفق عليه، وما المقدار الذي يجوز لها أخذه؟ قال في الإقناع والمنتهى والغاية: (عرفا) أي: بالمعروف، لحديث هند بنت عتبة المتقدم، فإن لم تقدر أجبره الحاكم، فإن أبى حبسه، أو دفع الحاكم النفقة للزوجة من مال زوجها، فإن غيب ماله وصبر على الحبس فلها حق الفسخ.
(تتمة) يقررون في المذهب أن نفقة الزوجات لا تسقط بمضي الزمن، قال في الإقناع وشرحه: (ومن ترك الإنفاق الواجب لامرأته لعذر أو غيره مدة لم تسقط) النفقة كالدين (ولو لم يفرضها حاكم وكانت) النفقة (دينا في ذمته)، ويقررون في موطن آخر أنه لو أنفق غير الزوج لامتناع الزوج عن النفقة فإنه يرجع المنفق على الزوج إن كان أنفق بنية الرجوع، قال في الإقناع وشرحه: (ونفقة الزوجات والأقارب والرقيق والبهائم إذا امتنع من وجبت عليه النفقة) قلت: أو تعذر استئذانه كما تقدم في الرهن (فأنفق عليها غيره بنية الرجوع فله الرجوع) لأنه قام عنه بواجب أشبه قضاء الدين)، ونحوه في المنتهى وشرحه (٥/ ٦٨٠)، يؤخذ من هذا أن الذي يرجع إنما هو المنفق لا المنفق عليه كالزوجة، فلو أخرج الزوجُ زوجته من بيتها فبقيت عند أبيها ينفق عليها؛ لامتناع الزوج عن النفقة، فالذي يطالب بالنفقة إنما هو الأب وليست الزوجة. والله أعلم.
стр. 1636
بابُ نَفَقَةِ الأقارِبِ والمَمَالِيكِ (١)
يَجِبُ علَى القَرِيبِ نَفَقةُ أقَارِبِه (٢) وكِسْوتُهُم وسُكْنَاهُمْ بالمَعْرُوفِ (٣) بثَلاثَة شُرُوطٍ:
(١) المراد بالأقارب: من يرثهم المنفق بفرض أو تعصيب. كما عرفهم الشيخ عثمان.
وقدمت نفقة الزوجات لأنها معاوضة فهي أهم ولا تسقط بمضي الزمن، بخلاف نفقة الأب والأم ونحوهما من الأقارب، فتسقط نفقتهم بمضي الزمن. (فرق فقهي)
(٢) وتجب عليه النفقة إما كلها كالمعدوم فيعطيه نفقة كاملة، أو بعضها لمن لا يملك كل النفقة فيتممها له.
(٣) أي: بحسب ما يليق بهم، كما قال الشيخ منصور، في الحواشي السابغات: (ومقدار النفقة هنا: أيضاً الكفاية -أي: ما يكفي المنفَق عليه- في المأكل والمشرب والمسكن، أما جنسها: -من راقٍ ودنيء- فيرجع فيه إلى العادة والعرف، قال في المنتهى -كالتنقيح-: (وتجب أو إكمالها .. ولكل من يرثه بفرض أو تعصيب .. بمعروف)، وعبارة الغاية: (وتجب أو كمالها .. بمعروف قدر كفايته)، وأما عبارة الإقناع: (والواجب في نفقة القريب قدر الكفاية من الخبز والأدم والكسوة والمسكن بقدر العادة، كما ذكرنا في الزوجة).
=
стр. 1637
الأوَّلُ: أنْ يَكُونُوا فُقَراءَ لا مَالَ لَهُمْ ولا كَسْبَ (١).
= ودليل وجوب النفقة على الأصول: قوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً﴾ [الإسراء، ٢٣]، ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما. والدليل على وجوب النفقة على الفروع: قوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة، ٢٣٣]، والدليل على وجوب النفقة على الأقارب غير الأصول والفروع: قوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة، ٢٣٣]، قال الشيخ منصور في شرح المنتهى: (فأوجب على الأب نفقة الرضاع، ثم أوجب على الوارث مثل ما أوجبه على الأب، ولحديث: من أبر؟ قال: «أمك وأباك وأختك وأخاك»، رواه أبو داود)، وحكى ابن المنذر الإجماع على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبةٌ في مال الولد. ذكره في الكشاف.
(١) فالقريب الفقير الذي لا يملك مالا، ولا كسبا كالوظيفة أو الوقف تجب له النفقة، وكذلك تجب النفقة على الصحيح المكلف الذي لا حرفة له، قال في المنتهى: (ولا يعتبر نقصه فتجب لصحيح مكلف لا حرفة له لأنه فقير)، وفي الإقناع وشرحه: (وتجب نفقة من لا حرفة له، ولو كان صحيحا مكلفا، ولو من غير الوالدين)؛ لقوله ﷺ لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)، ولم يستثن منهم بالغا ولا صحيحا)، فإن كان له حرفة لم تجب نفقته، قال في المبدع: (بغير خلاف)، ويفهم من مجموع كلامهم: أن النفقة واجبة للقريب حتى لو كان صحيحا قادرا على العمل إن كان لا مال له، أو له مال لا يكفيه، والله أعلم.
стр. 1638
الثانِي: أنْ يَكونَ المُنْفِقُ غَنِّيًا إمَّا بِمالِه أو كَسْبِه (١) وأنْ يَفْضُلَ عَنْ قُوتِ نَفْسِه، وزَوْجَتِه، ورَقِيقِه، يَوْمَه ولَيْلَتَه (٢).
الثالِثُ: أنْ يَكونَ وَارثًا (٣) لَهُمْ بفَرْضٍ (٤)، أوْ تَعصِيبٍ (٥)، إلَّا الأُصُولَ والفُرُوعَ، فتَجِبُ لَهُمْ وعَلَيْهِم مطلقًا (٦).
(١) بماله: أي: موجود عنده وحاصل في يده، أو غنيا بكسبه: أي: مال يحصل له بالتكسب إما بتجارة عنده أو بصنعة أو أجرة عقار، ونحو ذلك.
(٢) وهذا هو ضابط الغني في باب النفقات، فإن وجد فاضلًا عن قوت -وكذا كسوة وسكنى- يوم وليلته له ولزوجته ورقيقه فتجب عليه النفقة، ولا يجب أن يملك ما يكفيه لسنة حتى ينفق على قريبه.
(٣) ما ذكره المصنف هو ضابط القرابة الذين تجب نفقتهم، فكل من إذا مات ورثه المنفِقُ وجبت عليه النفقة إذا كان محتاجا.
(٤) أي: أن يكون المنفق وارثا لمن سينفق عليه بفرض، كأن يكون الذي تجب نفقته أخاً لأم.
(٥) كأن يكون الذي تجب نفقته أخا لأب، أما من يرثه المنفِقُ برحم فلا تجب نفقته، كالخال مثلا، فإن المنفق ابن لأخت الخال، وابن الأخت لا يرث بفرض ولا تعصيب بل برحم فقط، فلا تجب النفقة على من يرثه المنفق برحم؛ لأن قرابتهم ضعيفة، ولعدم النص فيهم.
(٦) فهذا الشرط لا يشترط في الأصول والفروع للمنفق، فتجب النفقة على أصول المنفق وفروعه، ولو لم يرث منهم، =
стр. 1639
وإذَا كانَ للفَقِيرِ وَرَثَةٌ دُونَ الأبِ، فنفَقَتُه علَى قَدْرِ إرْثِهِم (١)،
= وقوله: (مطلقا) أي: سواء كنتَ وارثا منهم أو لم تكن وارثا، وقوله: (إلا الأصول والفروع) حتى ذوي الأرحام كجدك لأمك فيجب أن تنفق عليه. قال الحفيد: (لا فرق في وجوب النفقة على عمودي النسب -وهم الأصول والفروع- بين كون من تجب عليه منهم وارثاً في الحال أو محجوباً بوارث معسر) فيجب سواءً ورثت منهم أم لا. فالأصول والفروع لا يُشترط في وجوب النفقة عليهم أن ترث منهم، كما لو كان عندك جد فقير وأب فقير أيضًا، لو مات جدك فلن ترثه؛ لحجبك بالأب، لكن يجب عليك أن تنفق عليه؛ لأنه من الأصول، وكذلك لو كان عندك بنت فقيرة، فلن ترثها؛ لأنك جدها لأمها، ومع ذلك يجب عليك نفقتها؛ لأنها من الفروع.
(١) أي: يرثونه أناس غير الأب، كمن لا يرثه إلا أم وأخ، فإذا مات ترث الأم الثلث والباقي للأخ، فتنفق الأم الثلث وعلى الأخ باقي النفقة، فلو لم ينفق الأخ فيجب عليها كل النفقة؛ لأنه فرعها، فحساب النفقات مبني على الإرث، فالجزء الذي يجب أن يدفعه المنفق هو قدر الجزء الذي يرثه المنفِق من المنفق عليه لو مات، فلو كان فقير عنده أخ وأخت موسران، فالواجب على الأخ الموسر ثلثي النفقة، وعلى الأخت ثلث النفقة؛ لأنه لو مات الأخ الفقير، ورثاه كذلك، وهكذا حساب النفقات، ويجري الحجب بين الورثة، فإذا كان الغني محجوبا فلا تجب عليه النفقة، كما لو كان فقير له أخ غني، وعم غني، فنفقته كلها على الأخ الغني فقط؛ لأنه لو مات هذا =
стр. 1640
ولا يَلْزَمُ المُوسِرَ مِنْهُم مَعَ فَقْرِ الآخَرِ سِوَى قَدْرِ إرْثِه (١).
= الفقير، فلا يرثه إلا أخوه الغني، والعم محجوب به.
وأما إذا كان الأب موجودا، فالأب ينفرد بالنفقة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
مسألة: لو اجتمع لفقير أب موسر وابن موسر، فعلى من تجب النفقة؟
تجب على الأب؛ لأنه منصوص عليه فيجب اتباع النص؛ لقوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) قاله في المعونة.
(١) كأن يوجد ثلاثة إخوة، اثنان فقيران وواحد غني، فالواجب على أخيهما الغني أن ينفق على كل واحد بقدر إرثه منه، وهو النصف فقط، ولا يجب أن يتمم له النفقة؛ لأن حساب النفقات كما تقدم بقدر الأرث، يستثنى من ذلك: أن يكون الفقير من الأصول أو الفروع، فتجب النفقة كلها على الموسر، بدليل عدم اشتراط الإرث لوجوب النفقة؛ لقوة القرابة. قاله في الكشاف.
(تتمة) الفروق بين النفقة على الأصول والفروع، وغيرهم من الأقارب: ١ - أنه لا يشترط التوارث في النفقة على الأصول والفروع، بينما يشترط التوارث بين المنفق والمنفَق عليه في بقية الأقارب، ٢ - أنه يجب النفقة كلها، أو تتمتها في الأصول والفروع، فلو كان لأب ابنان أحدهما موسر والآخر معسر، فيجب على الأخ الموسر كل النفقة، بينما الواجب في غير الأصول والفروع بقدر الإرث فقط، فلو كان لفقير له أخت =
стр. 1641
ومَن قَدَرَ علَى الكَسْبِ، أُجْبِر لنفَقَةِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْه مِنْ قَرِيبٍ وزَوْجَةٍ (١).
ومَن لَمْ يَجِدْ مَا يَكْفِي الجَمِيعَ بَدَأ بنَفْسِه (٢)، فزَوْجَتِه (٣)، فرَقِيقِه، فوَلَدِه، فأَبِيه (٤)، فأُمِّه، فوَلَدِ ابْنِه فجَدِّه، فأخِيهِ، ثُمَّ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ.
ولمُسْتَحِقِّ النَّفَقَةِ أنْ يَأخُذَ مِنْ مالِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْه بِلا إذْنِه، إن امْتَنَعَ (٥).
وحَيْثُ امتَنَع مِنْهَا زَوْجٌ أوْ قَرِيبٌ، وأنفَقَ أجْنَبِيٌّ بنِيَّةِ
= فقيرة وأخ موسر، فلا يجب على الأخ الموسر لأخيه إلا ثلثي النفقة؛ لأنه قدر إرثه منه. (فرق فقهي)
(١) يجب على القادر التكسب لنفقة قريبه وزوجته، فإن أبى التكسب فعلى الحاكم أن يجبره عليه؛ حتى ينفق على من تجب عليه نفقته؛ لقول النبي ﷺ : (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول) رواه مسلم.
(٢) لقول النبي ﷺ : (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول). رواه الترمذي.
(٣) فتقدم الزوجة على الأب والأم؛ لأن نفقتها تجب على سبيل المعاوضة.
(٤) يقدم الأب؛ لحديث: (أنت ومالك لأبيك) رواه ابن ماجه، ولأن الأب يجوز أن يتملك من مال ولده.
(٥) كالزوجة، لقول النبي ﷺ : (خذي ما يكفيكِ وولدك بالمعروف)، فهذا الأصل وقيس عليه سائر من تجب له النفقة.
стр. 1642
الرُّجُوعِ، رَجَعَ (١).
ولا نَفَقَةَ مَعَ اخْتِلافِ الدِّينِ (٢) إلَّا بالوَلاءِ (٣).
(١) ويرجع إذا نوى الرجوع بالأقل مما أنفق أو نفقة مثل كما في الغاية، وهذه الحالة الأولى من الحالات التي لا تسقط فيها نفقة الأقارب بمضي الزمن، (الحالة الثانية): إذا فرضها الحاكم. (الحالة الثالثة): إذا استدان القريب على المنفق الغني بإذن الحاكم، وما عدا هذه الصور فتسقط نفقة القريب بمضي الزمن بخلاف نفقة الزوجة. (فرق فقهي)
(٢) هذا من شروط وجوب النفقة، لكن يغني عنه اشتراط الإرث، سوى الأصول والفروع فلا يشترط في وجوب النفقة لهم الإرث، ولذا يشترط لوجوب النفقة للأصول والفروع اتفاق الدين وإلا فلا تجب النفقة.
(٣) فتجب للعتيق على معتقه بشرطه؛ لثبوت إرث المولى من عتيقه حتى مع اختلاف الدين.
стр. 1643
فَصْلٌ
وعَلَى السَّيِّدٍ نَفَفَةُ مَمْلُوكِه، وكِسْوَتُه، ومَسْكَنُه (١)، وتَزْوِيجُه إنْ طَلَبَ.
ولَهَ أن يُسافِرَ بعبدِه المُزَوَّجِ، وأنْ يَسْتَخْدِمَه نَهارًا (٢).
وعلَيْه إعْفَافُ أمَتِه (٣)، إمَّا بوَطْئِهَا، أوْ تَزْوِيجِهَا، أوْ بَيْعِهَا.
ويَحْرُمُ أنْ يَضْرِبهُ علَى وَجْهِهِ (٤)، أوْ يَشْتِمَ أبَوَيْه ولَوْ كَافِرَيْنِ (٥)،
(١) (على) تفيد الوجوب؛ فيجب على السيد أن ينفق على مملوكه قدر كفايته بالمعروف، ولو مع اختلاف الدين.
(٢) فيستعمله نهارا لخدمته، قال في الإقناع: (وإذا كان للعبد زوجة فعلى السيد أن يمكنه منها في الليل).
(٣) إذا طلبت نكاحاً.
(٤) لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (مَنْ لطَم غُلامَه فكفَّارتُه عِتْقُه) رواه مسلم.
(٥) لحديث (ليسَ المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ ولا الفاحِشِ البذيء). قال في الغاية هنا: (ويتجه تحريم لعن الحَجَّاج ويزيد، وقواعد الشريعة تقتضيه، ثم رأيته نص أحمد وعليه الأصحاب خلافا لابن الجوزي وجماعة). أما يزيد بن معاوية ففيه كلام كبير وكثير، والإمام أحمد يقول: "لا أدعو له ولا =
стр. 1644
أوْ يُكَلِّفَه مِنْ العَمَلِ مَا لا يُطِيقُ (١).
ويَجِبُ أنْ يُرِيحَه وَقْتَ القَيْلُولَةِ (٢)، ووقْتَ النَّوْمِ والصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ (٣).
= أدعو عليه"، فيقول صاحب الغاية: إن الإمام-﵀ نصَّ على تحريم لعن يزيد، بل يحرم أن يلعن الإنسان المعيَّن المسلم المعيَّن. وأما الكتابي فقالوا: إذا فعل شيئًا يستحق به اللعن فإنه يلعنه كما في "الإقناع"، لكن الشيخ منصور تعقبه، قال في الإقناع وشرحه: ((ومن لعن ذميا) معينا (أُدِّب) لأنه معصوم وعرضه محرم (أدبا خفيفا) لأن حرمته دون حرمة المسلم (إلا أن يكون صدر منه) أي الذمي (ما يقتضي ذلك) أي أن يلعن فلا شيء على المسلم. قلت: ما ذكره هو كلام الفروع وغيره، ولعل المراد أن يلعن فاعل ذلك الذنب على العموم مثل أن يقول: لعن الله فاعل كذا أما لعنة معين بخصوصه فالظاهر: أنها لا تجوز)، فالأولى للإنسان أن يبتعد عن اللعن، هذا إذا كان في لعن الكفار ولعن الفُسَّاق، فكيف في لعن المسلمين، والعدول؟! فهو مُحرَّم من باب أولى، أو أشد إثمًا.
(١) ويدخل في ذلك العمال الأحرار، فيحرم على الكفيل أن يكلفهم من الأعمال ما لا يطيقون.
(٢) والقيلولة كما في المطلع: أنها وقت الظهيرة، وقاله أيضا ابن عوض.
(٣) بسننها الراتبة، ويدخل في ذلك الأجير الخاص، لو استأجر =
стр. 1645
وتُسّنُّ مُدَاوَاتُهُ إنْ مَرِضَ (١)، وأنْ يُطْعِمَهُ مِنْ طَعَامِه (٢). ولَهُ تَقْيِيدُه إنْ خَافَ عَلْيهِ (٣)، وتَأْدِيبُه (٤).
ولا يَصِحُّ نَفْلُه إنْ أبَقَ.
= الإنسان شخصًا لزمن معين، فيجب أن يُمكَّن من أداء الصلاة برواتبها وسُنَنِها.
(١) ولا يجب ذلك، لأن الإنسان يباح له أن يداوي نفسه، فكيف يُلزم بدواء غيره، والقول الثاني: يجب عليه أن يداويه، وقال المرداوي بعد أن نقله عن جماعة في الفروع: (المذهب أن ترك التداوي أفضل ووجوب المداواة قول ضعيف).
(٢) لقول النبي ﷺ : (إذا أتى أحدَكُم خادمُهُ بطعامِهِ، فإن لم يُجلِسْهُ معَهُ، فليُناولهُ لُقمةً أو لُقمتينِ) رواه الجماعة؛ فنفس العبد تتشوف لهذا الطعام، وهذا إذا كان في حق العبيد فهو في الأحرار من باب أولى، كالخادمة مثلًا ترى أهل البيت يطبخون، ويعزمون، ويفعلون الولائم، وتجهز لهم، فهذه المسكينة من باب أولى أن تعطى من هذا الطعام، فينبغي للإنسان أن يتنبه لهذا. وكان الشيخ ابن باز ﵀ لا يتغدى لوحده، فكان معروفا أنه في كل يوم يتغدى مع الناس، ومن يأتيه يأكل، من الفقراء، وطلاب العلم، وغيرهم.
(٣) إن خاف عليه من الهرب، والإباق.
(٤) على فرائض الله ، وأيضا على ترك الصلاة، والصيام، وإذا أبق، أي: إذا هرب له أن يؤدبه.
стр. 1646
وللإنْسِانِ تَأدِيبُ زَوْجَتِه ووَلَدِه ولَوْ مُكَلَّفًا (١)، بضَرْبٍ غَيْرِ مُبَرِّحٍ (٢).
ولا يَلْزَمُهُ بَيْعُ رَقِيقِه مَعَ قِيامِه بِحُقُوقه (٣).
(١) بل قال في المنتهى: (ولو كان مكلفا مزوجا)، قال البهوتي بعده: (إذا أذنبوا ويسن العفو عنه مرة أو مرتين ولا يجوز بلا ذنب ولا أن يضربوا ضربا مبرحا. لحديث «لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله» رواه الجماعة إلا النسائي).
وهذه المسألة هنا ذُكرت في غير مظنتها، فتأديب الزوجة يُذْكَر فِي فصل النشوز، ويُذْكَر أيضًا في كتاب القصاص، إذا أدَّب الرجل زوجته، وإذا أدَّب الرجل ولده، وإذا أدَّب المعلم صبيه ولم يسرف، لم يضمن، فهذه المواطن تذكر فيها هذه المسائل.
(٢) أي: غير مؤلم؛ لأن القصد هو التأديب.
(٣) فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يقوم بحقوق عبده أو أمته فيلزمه البيع.
стр. 1647
فَصْلٌ
وعلَى مَالِكِ البَهِيمَةِ إطْعَامُهَا وسَقْيُهَا (١)، فإن امتَنَعَ
(١) قال الشارح: (ولو عطبت بأن لم يمكن الانتفاع بها)؛ لحديث المرأة التي حبست هرة (عُذِّبَتِ امرأةٌ في هِرَّةٍ سجَنَتْها حتَّى ماتت، فدخَلَتْ فيها النَّارَ، لا هي أطعَمَتْها ولا سَقَتْها إذ حبَسَتْها، ولا هي ترَكَتْها تأكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأرضِ) متفق عليه، واختُلف في هذه المرأة هل هي كافرة أم مسلمة، فالشاهد من الحديث: أن هذه المرأة عُذِّبَت لأنها لم تطعم هذه الهرة، ولم تتركها أيضًا تأكل من خشاش الأرض، وهذا يدل على جواز اقتناء الحيوانات التي ليس من طبعها الاعتداء على الناس، قال في المنتهى وشرحه: (ويباح) اقتناء الحمام (للأنس بصوتها أو) ل (استفراخها و) ل (حمل كتب، ويكره حبس طير لنغمته)؛ لأنه نوع تعذيب له).
(تتمة) وهل يجوز اقتناء الحيوانات للتفرج عليها؟
صرح في الإقناع وشرحه في البيع بقوله: (ويصح (بيع طير لقصد صوته كبلبل وهزار)؛ لأن فيه نفعا مباحا)، والتفرج على الحيوان نفع مباح، وصرح أيضا في كتاب البيع: بأنه لا يجوز اقتناء الخنزير والكلب إلا كلب ماشية أو صيد أو حرث، لكنه صرح بعدم جواز بيع سباع البهائم ولا جوارح طير التي لا تصلح للصيد، وفي النفقات قال: (ولا يحل حبس شيء من =
стр. 1648
أُجْبِرَ (١)، فإنْ أبَى أوْ عَجَزَ: أُجْبِرَ على بَيْعِهَا، أوْ إجَارَتِهَا، أوْ ذَبْحِهَا إنْ كَانَتْ تُؤكَلُ (٢).
ويَحْرُمُ لَعْنُهَا (٣)، وتَحْمِيلُهَا مُشِقًّا (٤)، وحَلْبُهَا ما يَضُرُّ وَلَدَهَا، وضَرْبُهَا فِي وَجْهِهَا ووَسْمُهَا فِيهِ (٥)، وذَبْحُهَا إنْ كَانَتْ
= البهائم لتهلك جوعا)، وهذا يدل على جواز حبس البهائم إذا أطعمها ولو كان لغرض التفرج عليها، وفي كلام ابن المنجا في شرح المقنع إشارة إلى جواز اقتناء كل الحيوانات ما عدا الكلب، قال في معرض كلامه عن إباحة بيع البهائم التي تصلح للصيد: (وفارق الكلب من حيث إنها يجوز اقتناؤها مطلقاً بخلاف الكلب فإنه لا يجوز إلا لأحد أسباب ثلاثة)، فقوله: (مطلقا) يدل على جواز اقتناء كل الحيوانات لأي غرض سوى الكلب.
(١) أي: أجبر على إطعامها.
(٢) أي: إن عجز عن النفقة على البهيمة أُجبر على بيعها، أو إجارتها، أو ذبحها إن كانت مما يؤكل، فإن لم تكن مما يؤكل أجبر على البيع أو الإجارة فقط، فإن أبى فعل شيء من ذلك فعل الحاكم الأصلح من الثلاثة، أو اقترض عليه ما ينفقه على البهيمة.
(٣) يحرم لعن البهيمة؛ لحديث المرأة التي لعنت ناقةً، فقال النبي ﷺ : (لا تصحبنا ناقةٌ ملعونة). رواه مسلم.
(٤) يحرم تحميلها شيئًا يشق عليها ويتعبها؛ لما في ذلك من التعذيب لها.
(٥) أي: يحرم وسمها في الوجه، والوسم: أن يُجعل للبهيمة =
стр. 1649
لا تُؤكَلُ (١).
ويَجوزُ اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ ما خُلِقَتْ لَهُ (٢).
= علامةٌ في وجهها بالكي، وذلك لأنه ﷺ لعن من وسم أو ضرب الوجه، ونهى عنه. رواه مسلم، أما في غير الوجه فيجوز جعل وسم على البهيمة إذا كان لغرض صحيح كمداواة.
(١) كالحمار مثلا، فيحرم ذبحه، وإنما يُطعم حتى يموت. قال الشارح -نقلاً عن الإقناع-: (وكالآدمي المتألم بالأمراض الصعبة)، أي: فلا يجوز قتله؛ لأنه معصوم ما دام حيا.
(٢) كأن يستعمل البقر للحمل والركوب، ويستعمل الإبل للحرث.
(تتمة): ما حكم النفقة على المال غير الحيوان، كالسيارة والبيت؟
في الحواشي السابغات: (ذكر صاحب المنتهى استحبابَ نفقةِ الشخص على مالِه غيرِ الحيوان، وقال الشيخ منصور: (وفي الفروع: يتوجه: وجوبه؛ لئلا يضيع)، فعلى هذا القول يتوجه وجوب الإنفاق على السيارة مثلاً لئلا تضيع، لكن المنتهى ذكر أنه غير واجب بل مستحب، والله أعلم).
стр. 1650
بابُ الحَضَانَةِ (١)
وهِي حِفْظُ الطِّفْلِ غَالِبًا (٢) عمَّا يَضُرُّه والقِيامُ بِمَصَالِحِه، كغَسْلِ رَأسِه وثِيَابِه، ودَهنه وتَكْحِيلِه، ورَبْطِه فِي المَهْدِ ونَحْوِه، وتَحْرِيكِه لينامَ (٣).
والأحَقُّ بِهَا: الأُمُّ (٤)، ولَوْ بأُجْرَةِ مِثْلِهَا مَعَ وُجُودِ
(١) الحضانة لغة: مأخوذة من الحِضن -بكسر الحاء-، وهو الجنب. واصطلاحاً: حفظ صغير ومعتوه -وهو: مختل العقل- ومجنونٍ عما يضرهم، وتربيتهم بعمل مصالحهم. والطفل هنا هو الذي لم يستكمل سبع سنوات.
(٢) قال في نيل المآرب: (غالبا: أي: وقد لا يكون طفلا، ويكون كالطفل، وهو المجنون والمختل العقل).
(٣) حكم الحضانة: الحضانة واجبة على من يجب الانفاق عليه، في الحواشي السابغات: (ومن قول الإقناع: (وحضانة هؤلاء واجبة كوجوب النفقة عليهم) يؤخذ: أن الحضانة إذا لم يرض أحد بحضانته فإنها واجبة على المنفِق، أباً كان أو غيره والله أعلم). فالحضانة حق للحاضن وليست حقا عليه.
(٤) الأحق بالحضانة الأم مطلقا، أي: سواء فارقت الأب أو لا. قال في الإقناع: (مع أهليتها وحضورها وقبولها)، قال البهوتي: (المراد بأهليتها أن تكون حرة عاقلة عدلاً في الظاهر). ويدل =
следующие страницы →