Полный текст (2 012 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
أو بِشَهادَةِ أربعةِ رجالٍ عُدولٍ (١). فإن كَانَ أحَدُهم غيرَ عَدلٍ
= بخلاف الشهادة. (فرق فقهي)، وهل يستحب التعريض للمقر في غير الزنى بالرجوع كالشرب والسرقة؟ ذكر في الإقناع في السرقة جواز تلقين السارق ليرجع عن إقراره، قال مع شرحه: (ولا بأس بتلقين السارق ليرجع عن إقراره) لما تقدم من تعريضه ﷺ بقوله: «ما إخالك سرقت» وعن علي: أنه أتي برجل فسأله أسرقت؟ قال: لا فتركه. ونحوه عن أبي بكر الصديق وأبي هريرة وابن مسعود وأبي الدرداء)، والظاهر: نعم يستحب التعريض للمقر بالرجوع في غير الزنى، ويجمع بين الموضعين: بأن الموضع الأول إنما هو في استحباب التعريض بالرجوع، والثاني الذي في السرقة في جواز تلقينه الرجوع، والله أعلم.
(١) الأمر الثاني الذي يثبته به حد الزنى: الشهادة، وشروط ثبوت الحد بالشهادة: ١ - أن يكونوا أربعة. ٢ - رجال. ٣ - عدول، والمراد بالعدالة: العدالة الباطنة والظاهرة. ٤ - أن يشهدوا كلهم في مجلس واحد ولو جاؤوا متفرقين، فإن جاء بعضهم بعد أن قام الإمام من مجلسه فهم قذفة، ٥ - أن يشهدوا بزنا واحد. ٦ - أن يصف الشهود حقيقة الزنا، حتى لا يشهدوا بما ليس بزنا أنه زنا، ومعنى وصفهم الزنا أن يقولوا: رأينا ذكره في فرجها.
(تتمة): هل يجوز أن يرى الشهود مَنْ يفعلون الزنا على حالهم؟ قال في الإقناع وشرحه: (ويجوز للشهود أن ينظروا إلى ذلك منهما) أي الزانيين (لإقامة الشهادة عليهما) ليحصل =
стр. 1752
حُدُّوا للقَذفِ (١).
وإن شَهِدَ أربعةٌ بزِناهُ بفُلانةٍ، فشَهِدَ أربعةٌ آخَرونَ أنَّ الشُّهودَ همُ الزُّناةُ بِها، صُدِّقوا، وحُدَّ الأوَّلونَ فقط للقَذفِ والزِّنى (٢).
وإن حَمَلَت مَنْ لا زَوجَ لها ولا سيِّدَ: لَم يَلزَمها شَيءٌ (٣).
= الردع بالحد)، وقد يقيد هذا بما إذا كانوا أربعة فيجوز؛ لإقامة الشهادة عليهما، أما إن كانوا أقل من أربعة فلا يجوز؛ لكونهم لا يحصل بشهادتهم حد الزنى، فليحرر.
(١) لعدم كمال شهادتهم، وكذلك لو نقص واحد منهم فإنهم يحدون للقذف.
(٢) أي: فلا حد على الرجل الذي شُهِد عليه أنه زنى بفلانة؛ لأن الشهود الأربعة الآخرون قدحوا في الشهود الأولين، فأصبح الأولون غيرَ عدول، فيُحدون للقذف والزنا، وبقي المرأة فتحد كما ذكره ابن عوض واللبدي؛ لثبوت زناها بشهادة الآخرين، لكن بشرط مطاوعتها كما قاله اللبدي.
(٣) لاحتمال كونها وُطئت بشبهة أو مكرهة، قال في الإقناع (وتُسأل استحبابا، فإن ادعت أنها أكرهت على الزنا أو وطئت بشبهة أو لم تعترف بالزنا لم تحد)، بخلاف الرجل فلا يعذر بالإكراه على الزنى فيحد؛ لأن وطء الرجل لا يكون إلا مع انتشار، والإكراه ينافيه، فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه. قاله البهوتي في شرح المنتهى، وتوسط في الغاية فقال: (أو مكرها خلافا لجمع إلا إن أدخله بلا انتشار). (فرق فقهي) =
стр. 1753
بابُ حَدِّ القَذفِ (١)
= (تتمة): ضوابط في الزنا:
١ - تجوز الشهادة في الحد من غير مُدعٍ لقصة أبي بكرة ﵁، وأن عمر ﵁ شهد عنده أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد على المغيرة بن شعبة، ولم يشهد زياد، فحد عمر الثلاثة. رواه البخاري معلقاً. ٢ - كل زنا من مسلم أو ذمي أوجب الحدَّ لا يقبل فيه إلا أربعةُ شهودٍ؛ لقوله تعالى: (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء)، ويدخل فيه اللواط ووطء المرأة الأجنبية في دبرها. وإن أوجب الزنى نقض العهد كزنا الذمي بمسلمة فتقدم كلام الشيخ تقي الدين وأنه يكفي الاستفاضة: أي: يشتهر أن فلان الذمي زنى بفلانة المسلم فيقتل به، وإن أوجب الزنى التعزير كوطء البهيمة والأمة المشتركة والمزوجة فيقبل فيه رجلان، كشهود دون الفرج فيكفي فيه رجلان؛ لأنه إذا شهد عليه بذلك يعزر والتعزير يثبت برجلين.
(تتمة): الأصل أن الشهادة لا تُسمع إلا بعد تقدم دعوى، بخلاف الحدود فتسمع الشهادة بدون الدعوى، وتقوم الشهادة مقام الدعوى في الحدود. (فرق فقهي)
(١) القذف لغة: رمي الشيء بقوة، ثم استعمل في الرمي بالزنا ونحوه من المكروهات. قاله في المطلع. واصطلاحا: الرمي =
стр. 1754
مَنْ قَذَفَ غيرَه بالزِّنا حُدَّ للقَذف ثَمانِينَ إن كانَ حُرًّا (١)، وأربَعينَ إن كانَ رَقيقًا (٢).
وإنَّما يجبُ بشُروطٍ تِسعَةٍ:
أربَعةٌ منها فِي القاذِفِ (٣)، وهو: أن يكونَ: بالِغًا،
= بزنا أو لواط أو شهادة بأحدهما ولم تكمل البينة. قاله في الإقناع. وهو كبيرة كما في الإقناع؛ لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، ولحديث: (اجتنبوا السبع الموبقات .. ) متفق عليه، وذكر منها القذف.
(١) لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً)، ولو المقذوف ذات محرم للقاذف، ولو على وجه الغَيرة؛ لعموم الآية، أو مقطوع الذكر، أو مقطوع الخصيتين، أو كانت المقذوفة رتقاء.
(٢) إجماعا كما نقله ابن عوض، وفي الحواشي السابغات: (يشترط لوجوب حدِّ القذف: ١ - مطالبة المقذوف، وألا يرجعَ عن المطالبة حتى يقام الحد، ٢ - وألا يأتي القاذف ببينة -وهي: أربعة رجال- بما قذفه به، ٣ - وألا يصدقه المقذوف، فإن صدقه لم يحد، ٤ - وألا يلاعن القاذفُ المقذوفة فيما لو كان بين زوجين، فإذا لاعن الزوج سقط عنه الحد، وتقدم في اللعان، ٥ - وأن يقذفه بما يمكن حصول الزنا أو اللواط من المقذوف، فإن كان ممن لا يمكن فلا حدّ).
(٣) ولو كان القاذف أخرساً، إن كانت إشارته مفهومة.
стр. 1755
عاقلًا (١)، مُختارًا (٢)، ليسَ بوالِدٍ للمَقذُوفِ وإن عَلَا (٣).
وخمسَةٌ في المَقذوفِ، وهو: كَونُه حُرًّا، مُسلمًا، عاقِلًا، عَفيفًا عَنْ الزِّنَى (٤)، يُوطَأُ وَيَطَأُ مِثلُه (٥).
(١) فلا عبرة بقذف غير البالغ والمجنون.
(٢) فالمكره لا عبرة بقذفه.
(٣) سواء كان أما أو أبا أو جدا أو جدة، فلا حد ولا تعزير، مع حرمة ذلك، أما العكس -كقذف الابن لأبيه- فإنه يحد.
(٤) العفة: الكف عما لا يحل، قاله في المطلع، والعفة هنا هي العفة ظاهرا كما في الإقناع، وقد عرف اللبدي العفيف بقوله: (ألا يثبت زناه ببينة أو إقرار). وذكر الفقهاء أربع صور لمن إذا قُذِف لم يُحد القاذف، وهي: ١ - من ثبت زناه ببينة كاملة فلا يُحد من قذفه. ٢ - إن أقر بالزنا ولو دون أربع، كما في المنتهى والإقناع، ٣ - من حُد للزنى، لكن لو كان زانياً ثم تاب فهو عفيف؛ لأن التوبة تجب ما قبلها كما ذكر ذلك اللبدي، وأصله في الإقناع، ٤ - من شهد بزناه شاهدان، فلا حد على من قذفه، وهذه من الغرائب، قال الشيخ منصور: (وفيها نظر؛ لمفهوم قوله تعالى (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء … ) وهذا لم يثبت زناه)، فمن قذف واحدا من هؤلاء الأربعة لم يحد؛ لأن هؤلاء ليسوا عفيفين.
(٥) فلا يشترط بلوغه، والذي يطأ مثله هو ابن عشر، والتي يوطأ مثلها هي بنت تسع، وأما القذف باللواط فيشترط في المقذوف أن يكون بلغ عشراً، فليحرر.
=
стр. 1756
لكِن لَا يُحَدُّ قَاذِفُ غَيرِ البَالِغِ حتَّى يَبلُغَ (١)؛ لأنَّ الحقَّ فِي حدِّ القَذفِ للآدمِيِّ، فلا يُقَامُ بلا طَلبِه.
ومَن قَذَفَ غَيرَ مُحصَنٍ (٢) عُزِّرَ (٣).
ويَثبُتُ الحَدُّ هنَا، وفِي الشُّربِ، والتَّعزيرِ بأَحَدِ أمرَينِ: إمَّا بإقرَارِه مرَّةً، أو شَهادَةِ عَدلَينِ (٤).
= (تتمة): هناك شرط زائد على ما ذكره المؤلف في القاذف: أن يقذفه بما يمكن حصول الزنا واللواط منه، فإن كان لا يمكن فلا حد، كمن قال لابن عشرين زنيتَ من ثلاثين سنة، فلا يحد القاذف، وكذلك يشترط عدم وجود شيء من مسقطات حد القذف مما سيأتي.
(١) أي: حتى يبلغ المقذوف ويطالب به بعد بلوغه، وليس لوليه المطالبة عنه كما في الإقناع.
(٢) والمحصن في باب القذف هو: من لم تتوفر به أحد شروط المقذوف الخمسة المتقدمة.
(٣) كمن قذف ذميا أو قنا، فإنه يعزر، ليردع أذاه عن المعصومين.
(٤) قوله: (عدلين) أي: رجلين عدلين ظاهرا وباطنا.
(تتمة) الحدود في ثبوتها على أقسام، الأول: ما يثبت بإقرار مرة أو شهادة عدلين، وهي حد القذف، والشرب، والتعزير، الثاني: ما يثبت بإقرار أربع مرات أو شهادة أربعة رجال عدول، وهو حد الزنا، الثالث: ما يثبت بإقرار مرتين أو شهادة رجلين عدلين، وهو حد السرقة. (فرق فقهي)
(تتمة): في رجوع المقر عن إقراره في الحدود: كل الحدود =
стр. 1757
فَصلٌ
ويَسقطُ حدُّ القَذفِ بأربعةٍ:
- بعَفوِ المَقذوفِ (١)،
- أو بتَصديقِه (٢)،
- أو بإقامةِ البيِّنَةِ (٣)،
- أو باللِّعانِ (٤).
= لو رجع المقر عن إقراره قُبل منه رجوعه، إلا في حد القذف فلا يقبل رجوعه كسائر حقوق الآدميين إذا أقر بها، بخلاف الزنا والسرقة والشرب لأنها حق لله، فيُقبل الرجوع فيها. (فرق فقهي).
(١) ولو بعد طلبه للحد، لا عن بعضه، كما لو كان المقذوف جماعة بكلمة، فإن عليه حدا واحدا لجميعهم، ولكل واحد منهم حق في طلب إقامته، فلو عفى بعضهم، حد لمن طالب كاملا، بخلاف عفو بعض مستحقي القود عن حقه، فإنه يسقط بذلك حق باقيهم؛ لأنه لا يتبعض. (فرق فقهي)
(٢) بأن يصدق المقذوفُ القاذف، قال في الإقناع وشرحه: (و) يشترط أيضا (أن لا يصدقه المقذوف) فإن صدقه لم يحد لأنه أبلغ من إقامة البينة).
(٣) بأن يقيم القاذف البينة، وهي أربعة رجال شهود لمفهوم قوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ).
(٤) وهذا خاص بالزوج إن قذف زوجته، فإما أن يلاعنها أو يقام =
стр. 1758
والقَذفُ حَرامٌ، وواجِبٌ، ومُباحٌ. فيَحرمُ فيمَا تَقدَّمَ (١).
ويجبُ على مَنْ يَرى زَوجَتَه تَزنِي (٢) ثمَّ تَلِدُ وَلَدًا يَقْوَى في ظَنِّه أنَّه مِنْ الزَّانِي لشَبَهه به (٣).
ويُباحُ إذا رَآهَا تَزنِي ولم تَلِدْ مَا يَلزمُه نَفيُه (٤)، وفِراقُهَا أولَى (٥).
= عليه حد القذف، أو التعزير كما تقدم في اللعان.
(١) فيحرم قذف الحر المسلم العفيف الذي يطأ، ويوطأ مثلها.
(٢) المراد: في طهر لم يطأها فيه.
(٣) أي: لشبهه بالزاني، كذلك إذا كان الزوج عقيما ويرى زوجته تزني في طهر لم يجامع فيه، فيجب عليه أن يقذف زوجته.
(٤) بأن لم تلد أصلا، أو ولدت ما لا يغلب على ظنه أنه من الزاني كما في شرح المنتهى. وذكر الشارح -نقلا عن المنتهى-: أنه إذا استفاض زناها في الناس أو أخبره ثقة -لا عداوة بينه وبينها- بزنا زوجته، وزاد في الإقناع: أو رأى الزوج رجلاً مشهوراً بالفجور يدخل عليها، زاد في الترغيب: خلوة، فيباح قذفها.
(٥) لأنه أستر، ولأن قذفها يلزم منه أن يحلف أحدُهما كاذبا، أو تقر فتفتضح.
(تتمة): في الإقناع والمنتهى: لو أتت الزوجةُ بولد يخالف لونُه لونَهما فلا يجوز للزوج نفيه، لحديث: (لعله نزعه عرق) متفق عليه، فلم يرخص له الانتفاء منه بذلك، إلا أن تكون قرينة، بأن رأى عندها رجلاً يشبه الولد الذي أتت به؛ لأن =
стр. 1759
فَصلٌ
وصَرِيحُ القَذفِ (١): يَا منيوكَةُ (٢)، يَا منيوكُ (٣)، يَا زَانِي، يا عاهِرُ (٤)، يَا لوطِيُّ.
و: لَستَ ولدَ فُلانٍ، فقَذْفٌ لأمِّهِ (٥).
وكِنايَتُه (٦): زَنَتْ يَدَاكَ، أو رِجلاكَ، أو يَدُكَ، أو رِجلُكَ،
= ذلك مع الشبه يغلب على الظن أن الولد من الرجل الذي رآه عندها.
(١) القذف له ألفاظ صريحة وألفاظ كناية، والصريح: هو الذي لا يحتمل غير القذف بالزنا أو اللواط.
(٢) إذا لم يفسره بفعل الزوج، فإذا فسره بفعل الزوج في المرأة فقط فلا يعد قذفاً، قال في الغاية (ويتجه: ولو تراخى) أي: ولو تراخى هذا التفسير بأنه من الزوج لا من غيره، فلا يحد.
(٣) وهنا لا يقبل تفسيره بشيء، لأن قوله هذا للرجل يُعد صريحا، بخلاف قوله للمرأة فيقبل تفسيره بفعل زوج. (فرق فقهي).
(٤) أصل العهر: إتيان الرجلِ المرأةَ ليلاً للفجور بها، ثم غلب على الزاني سواء جاءها، أو جاءته ليلاً أو نهاراً.
(٥) فهو قذف صريح لأمه لا له، فلأمه أن تطالب بحد القذف، ويستثنى من ذلك: إذا كان الولد منفياً بلعان لم يستلحقه ملاعِن بعد نفيه ولم يفسره بزنى أمه، فلا يكون قذفاً لأمه.
(٦) الكناية: اللفظ الذي يحتمل القذف وغيره.
стр. 1760
أو بدنُكَ (١)، يَا مُخَنَّثُ (٢)، يَا قَحبَةُ (٣)، يا فاجِرَةُ (٤)، يا خَبيثَةُ (٥).
أو يقولُ لزَوجَةِ شَخصٍ: قَدْ فَضَحْتِ زَوجَكِ، وغَطَّيْتِ رَأْسَه، وجَعَلْتِ لَه قُرُونًا، وعَلَّقْتِ عليه أَولادًا مِنْ غَيرِه، وأفسَدتِ فِراشَه.
فإن أرادَ بهذه الألفَاظِ حَقيقةَ الزِّنى، حُدَّ (٦)
(١) لأن زنا هذه الأعضاء لا يوجب الحد؛ لحديث: (العينان تزنيان وزناهما النظر … ) رواه مسلم.
(٢) قال ابن عوض: (كناية عن الوطء في الدبر)، وقد ذكر في الإقناع والمنتهى أن: (مخنث) مما يعزر بها، بخلاف: (خنيث) فذكروا أنها من الكنايات، والفرق بأنه سيطالب في الكناية فإذا فسرها بالزنى أو اللواط حُدَّ حَدَّ القذف، وإلا عزر، وأما إذا قلنا بأن فيها التعزير فإنه لن يطالب بالتفسير ويعزر بمجرد تلفظه بها لغيره. (فرق فقهي) (مخالفة الماتن)
(٣) هي المرأة البغي، قال في المطلع: (وهي في زماننا المعدة للزنا). وإلى يومنا هذا يطلق هذا اللفظ على المرأة المعدة للزنا.
(٤) قال الحفيد: (الفجور في الأصل: الانبعاث في المعاصي والمحرمات وصار يستعمل في الزنى).
(٥) لو قالها لامرأة فهي كناية من كنايات القذف، أما لو قالها لرجل فالظاهر أنها ليست كناية، بل يعزر قائلها فقط، لكن الذي في الإقناع والمنتهى: يعزر بقوله يا خبيث البطن.
(٦) فإذا رُفع أمره إلى الحاكم وجب عليه أن يبين نيته، قال في الإقناع وشرحه: (ويلزمه إظهار نيته) لأنه حق آدمي)، ويكون =
стр. 1761
وإلَّا عُزِّرَ (١).
ومَن قَذَفَ أهلَ بلدَةٍ، أو جماعَةٍ لا يُتَصَوَّرُ الزِّنى مِنهُم (٢)، عُزِّرَ (٣) ولَا حَدَّ، وإن كانَ يُتَصَوَّرُ الزِّنى منهُم
= تفسيره على ثلاثة أحوال: (الحالة الأولى) أن يفسره بالزنا، فإنه يُحد. (الحالة الثانية) أن يفسره بمحتمل غير الزنا أو اللواط فإنه يقبل منه بيمينه -كما في الإقناع- ولا يحد، بل يعزر، لكن إن نوى الزنى بالكناية لزمه الحد باطنا كما في الإقناع. (الحالة الثالثة) أن ينكل ويسكت ولا يفسره بشيء، فهنا وقع الخلاف على قولين، الأول: أنه يعزر، وهو منطوق الغاية، وعبارته: (ويلزمه إظهار نيته وإلا عزر، ولو لم يفسره بمحتمل غير قذف خلافا للمنتهى)، وهو أيضا المفهوم من الإقناع -في نسخة- أنه يعزر فقط، وصرح به في نسخة أخرى: (فإن نكل لم يحد وعزر)، القول الثاني: أنه يحد، وهو مفهوم المنتهى حيث قال: (فإن فسره بمحتمل غير القذف قبل وعزر)، فهو لم يذكر إلا حالة تفسيره بغير القذف، فيبقى حالة تفسيره بالقذف، ونكوله عن التفسير فيحد فيهما، ولعل الأقرب أنه يعزر ولا يحد فليحرر. (مخالفة)
(١) أي: إن لم يُرد بهذه الألفاظ حقيقة الزنا عُزر، لأنه ارتكب معصية لاحد فيها ولا كفارة.
(٢) قال ابن عوض: (والمراد بالجماعة التي لا يتصور زناهم عادة: الكثيرون عرفا).
(٣) لأنه لا عار على المقذوف بذلك؛ للقطع بكذب القاذف، =
стр. 1762
عادَةً (١)، وقَذَفَ كُلَّ واحدٍ بكَلِمَةٍ، فلكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ، وإن كانَ إجمالاً فحَدٌّ واحِدٌ (٢).
= قال في الإقناع: (ولو لم يطلبه أحد منهم).
(١) كأن يكونوا خمسة مثلا في بيت واحد فيأتي شخص فيقذفهم بالزنا، فالزنا متصور من خمسة، بخلاف جماعة كبيرة كأهل بلد.
(٢) قوله: (إجمالا) أي: كقوله: أنتم زناة، فإن عفى بعضهم فلا يسقط ويحد للباقين؛ لأن المعرة لم تزل عنه بعفو صاحبه، بخلاف القصاص فيكفي لسقوط القصاص أن يتنازل واحد فقط من ورثة الدم. (فرق فقهي).
(تتمة): ختم صاحبُ الإقناع بابَ القذف بفصلٍ مهم، قال في الإقناع: (تجب التوبة من القذف والغيبة وغيرهما، ولا يشترط لصحتها من ذلك إعلامه، ولأن في إعلامه دخول غم عليه وزيادة إيذاء، وقال القاضي والشيخ عبد القادر: يحرم إعلامه، وقيل: إن علم به المظلوم وإلا دعا له واستغفر ولم يعلمه، وذكره الشيخ عن أكثر العلماء، وقال: وعلى الصحيح من الروايتين لا يجب الاعتراف، ولو سأله فيعرض ولو مع استحلافه؛ لأنه مظلوم لصحة توبته، ومع عدم التوبة والإحسان تعريضه كذب، ويمينه غموس، قال: واختار أصحابنا لا يعلمه بل يدعو له في مقابلة مظلمته، وقال: ومن هذا الباب قول النبي ﷺ : "أيما مسلم شتمته أو سببته فاجعل ذلك له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة"، وقال أيضا: =
стр. 1763
بابُ حَدِّ المُسكِرِ (١)
مَنْ شَرِبَ مُسكرًا مائِعًا (٢)،
= " زناه بزوجة غيره كالغيبة"، ولو أعلمه بما فعل ولم يبينه فحلله فهو كإبراء من مجهول، وفي الغنية: لا يكفي الاستحلال المبهم، فإن تعذر فيكثر الحسنات، ولو رضى أن يشتم أو يغتاب أو يجنى عليه ونحوه، لم يبح ذلك، ويأتي لذلك تتمة في باب شروط من تقبل شهادته).
(١) السُّكر هو: اختلاط العقل، والمسكر محرم بالكتاب والسنة والإجماع، كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). وحديث: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) رواه مسلم.
(٢) قوله: (مائعاً) هكذا في الغاية، وعبارته: (كل مسكر مائع خمر)، وهو ظاهر الإقناع، وعبارته: (كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام)، وهي عبارة المقنع، ويريد صاحبُ الغاية أن يخرج الجامد كالسكر بالحشيشة فلا حد على من سكر بها، وأما عبارة المنتهى فهي كالحديث (كل مسكر خمر يحرم شرب قليله وكثيره مطلقا)، قال البهوتي في حاشية المنتهى: (أي خمرًا كان أو نبيذًا، وكذا الحشيشة المسكرة، لأن إسكارها عن استحالة بخلاف البنج، قاله الشيخ تقي الدين)، =
стр. 1764
أو استَعْطَ به (١)، أو احتَقنَ به (٢)، أو أكلَ عَجينًا مَلْتُوتًا به (٣)، ولَو لَم يَسكَرْ (٤): حُدَّ ثمانينَ إن كانَ حُرًّا (٥)، وأربعينَ إن كانَ
= وعبارة المنتهى هي عبارة الفروع، وعبارتهما تدل على أن السكر إذا حصل بمائع أو جامد فيحد، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية، وأفاض الكلام فيها وأنها حرام باتفاق المسلمين، وأن ضررها أكثر من ضرر الخمر، وقد أشار ابن قندس في حاشية الفروع إلى أنه يدخل في كلام الفروع الحشيشة، ونقل الشيخ منصور عن شيخ الإسلام ابن تيمية تقريراً في حواشي الإقناع عن الحشيشة أنها تسكر وأنها نشأت سنة (٥٥٠ هـ)، وأن السلف لم يتكلموا عنها؛ لأنها لم تظهر في وقتهم وإنما ظهرت في دولة التتار. (مخالفة الماتن).
(١) عن طريق الأنف.
(٢) والِاحتقان في المذهب قد يكون في الدبر، فيحد؛ لأنه وصل إلى جوفه.
(٣) أي: مخلوطاً به، فإن خُبِز العجينُ فلا حد، لأن النار أكلت أجزاء الخمر.
ويستثنى من تحريم شرب الخمر: ما لو شرب الخمر مكرها، أو لدفع لقمة غص بها، ولم يجد غير مسكر لدفعها وخاف تلفاً.
(٤) أي: ولو لم يسكر بشربه للمسكِر، فإنه يُحد.
(٥) لما روي: (أن عمر استشار الناس في حد الخمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين، فضرب عمر ثمانين). رواه مسلم.
стр. 1765
رَقيقًا، بشَرطِ كَونِه مُسلمًا (١)، مكلَّفًا، مُختَارًا (٢)، عالِمًا أنَّ كثيرَهُ يُسكِر (٣).
ومَن تَشبَّه بشُرَّابِ (٤) الخمرِ فِي مَجلِسه وآنِيَتِه حَرُمَ،
(١) فلا حد على ذمي ومعاهد ومستأمن ولو رضوا بحكمنا، لأنه يعتقد حله، وهذه شبهة يدرأ بها الحد.
(٢) فلا حد على مكره.
(٣) فلو كان جاهلاً الحكم فإنه لا يحد إن كان مثله يجهله، كحديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية، بخلاف ما لو علم بحكمه لكنه جهل بالعقوبة فيحد. (فرق فقهي)
(تتمة) في الحواشي السابغات: (يشترط في حد المسكر: ١ - كون الشارب مسلما؛ فلا يقام هذا الحد على الذمي والمستأمن، ٢ - وكونه مكلفاً، ٣ - ومختاراً، ٤ - وعالماً بأن كثيره يسكر، ٥ - وأن يعلم تحريم الخمر، فإن ادعى الجهل ومثله يجهله -كالناشئ في بادية بعيدة أو حديث عهد بإسلام- قُبل منه؛ لاحتمال صدقه).
(تتمة): لو وجدت رائحة الخمر من شخص فإنه يعزر ولا يحد، وكذلك من حضر شربَها فإنه يعزر، قال في الغاية: (ويتجه وكذا كل من حضر مجلساً محرماً؛ لإقراره على فعل المعصية)، أما من وُجد سكرانا أو تقيأها فإنه يحد.
(تتمة): يثبت حد شرب الخمر بأحد أمرين: ١ - بإقراره مرة، فإن رجع قُبل رجوعه. ٢ - شاهدين رجلين عدلين.
(٤) بضم الشين وتشديد الراء، جمع شارب.
стр. 1766
وعُزِّرَ (١).
ويَحرمُ العَصيرُ إذا أَتَى علَيه ثلاثَةُ أيَّامٍ ولَم يُطبَخْ (٢)
(١) ولو كان المشروب مباحاً، قال الشيخ منصور في شرح المنتهى: (ومن تشبه بالشراب) بضم الشين وتشديد الراء جمع شارب أي: للخمر (في مجلسه وآنيته، وحاضر من حاضره بمجالس الشراب، حرم وعزر قاله في الرعاية) ولو كان المشروب لبنا وهذا منشأ ما وقع في قهوة البن حيث استند إليه من أفتى بتحريمها، ولا يخفاك أن المحرم التشبه لا ذاتها حيث لا دليل يخصه لعدم إسكارها كما هو محسوس).
(٢) فالعصير إن ذهب عليه ثلاثة أيام ولياليها فيحرم شربه، ولو لم يسكر؛ لحديث ابن عباس ﵄: كان رسول الله ﷺ يُنبذ له الزبيب في السقاء، فيشربه يومه والغد وبعد الغد، فإذا كان اليوم الثالث شربه وسقاه، فإن فضل منه شيء أهراقه، رواه مسلم؛ ولأن الشدة تحصل في الثلاثة غالبا، وكذا يحرم العصير إن غلى ولو قبل أن يأتي عليه ثلاثة أيام ولو لم يسكر، أما إذا طُبخ العصير قبل أن يغلي -أي: قبل أن يقذف بالزبد- حل إن ذهب ثلثاه إجماعا.
стр. 1767
بابُ التَّعزيرِ (١)
يجبُ في كلِّ مَعصيةٍ لا حَدَّ فيهَا (٢) ولا كفَّارةَ (٣).
وهُو مِنْ حُقوقِ اللهِ تعالَى، لا يَحتاجُ فِي إقامَتِه إلَى مُطالَبةٍ (٤)، إلَّا إذا شَتَمَ الولدُ وَالِدَه، فلا يُعَزَّرُ إلَّا بمُطالَبةِ
(١) التعزير لغة: المنع. وفي عرف الفقهاء: التأديب.
(٢) أخرج ما أوجب حداً كالزنى والسرقة.
(٣) أخرج المحرمات التي فيها كفارة كالإيلاء والقتل غير العمد، ويدخل في قوله: (كل معصية لاحد فيها) ١ - فعل المحرمات مثل: الاستمتاع بما لا يوجب الحد كالمباشرة دون الفرج، والمساحقة، والجناية التي لا قود فيها كالصفع والوكز، والدعاء على أحد بغير موجب أو لعنه، وقذفه بغير الزنا، وكذلك الاستمناء لغير حاجة، ٢ - وكذلك يدخل فيها ترك الواجبات، فهي معصية لاحد فيها ولا كفارة، كمن كتم ما يجب بيانه، كالبائع والمؤجر المدلس، والناكح المدلس وغيرهم من المعاملين إذا دلس، وهنا إشكال: كيف يكون التعزير في كل معصية، والغالب أن الناس يقعون في المعاصي؟ فلعل المقصود هو: أن الحاكم يعزر الشخص إذا ثبتت معصيته عنده، إما بإقرار أو بينة وهي شاهدي عدل، وإلا يثبت عنده فلا يعزر، فليحرر.
(٤) لذلك نص الفقهاء عل أن من سب صحابيا -بسبٍّ لا يكفر به- =
стр. 1768
وَالدهِ (١).
= فإنه يعزر، ولو كان للصحابي وارث ولم يطالب بذلك.
(١) وجهُ ذلك: أن للوالد تعزيرَه بنفسه فلا يحتاج إلى المطالبة، وهذا ما مشى عليه في الإقناع والغاية ولم ينبه على الخلاف بين الإقناع والمنتهى، ونبه عليه البهوتي في الكشاف، وأما في المنتهى فظاهره لا يحتاج التعزير إلى مطالبة في جميع الصور حتى في هذه الصورة؛ لإطلاقه حيث قال: (ولا يحتاج إلى مطالبة)، وقد تابع المنتهى التنقيحَ، ولعله هو المذهب، والله أعلم. (مخالفة الماتن)
(تتمة): هل يسقط التعزير بعفو الآدمي؟ قدم القاضي أنه يسقط، قال في المعونة: (وأما سقوط التعزير بعفو المجني عليه ففيه خلاف، قال القاضي في "الأحكام السلطانية": ويسقط بعفو آدمي حقه وحق السلطنة، وفيه احتمال: لا؛ للتهذيب والتقويم).
(تتمة) وهل للإمام أن يعفو عن التعزير؟ صَدَّرَ كلٌّ من صاحب الإقناع والمنتهى والغاية باب التعزير بقولهم: وهو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، ثم قال في الإقناع بعد ذلك بكثير من المسائل: (وإن رأى الإمامُ العفو عنه جاز)، وقد ذكر هذه المسألة صاحبُ الإنصاف بعد قول المقنع: وهو واجب، على المذهب مطلقا، ثم ذكر مسألة عفو الإمام التي هي جزء من مسألة من كلام المغني والشرح، ولذا قال البهوتي متعقبا: (وإن رأى الإمام العفو عنه جاز) قاله في المغني والشرح، وقال في المبدع -ومعناه في الشرح- كوطء =
стр. 1769
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= جارية امرأته أو جارية مشتركة ما كان من التعزير منصوصا عليه فيجب امتثال الأمر فيه، وما لم يكن ورأى الإمامُ المصلحةَ فيه وجب كالحد، وإن رأى العفو جاز؛ للأخبار، وإن كان لحق آدمي فطلبه لزمه إجابتُه، وفي الكافي: يجب التعزير في موضعين وَرَدَ الخبرُ فيهما، وما عداهما إلى اجتهاد الإمام، فإن جاء تائبا معترفا قد أظهر الندمَ والإقلاعَ جاز تركُ تعزيره، وإلا وجب. انتهى، وقدم في الإنصاف أن المذهب وجوب التعزير مطلقا وأن عليه جماهير الأصحاب وهو مقتضى كلام المصنف فيما سبق)، وعبارة الإنصاف هي: (قوله: (وهو واجب)، هذا المذهب مطلقا. وعليه الأصحاب، ونص عليه في سب الصحابي. كحد، وكحق آدمي طلبه. وهو من مفردات المذهب)، فتبين من كلام البهوتي أن المذهب ليس للإمام العفو عن التعزير، والله أعلم. ويدل على أن المذهب أنه ليس للإمام العفو عن التعزير ما ذكره ابن القيم عن الجمهور - ومنهم الحنابلة - على أن التعزير كالحد ليس للإمام العفو عنه خلافا للشافعية، قال في إعلام الموقعين: (وهل هو - أي: التعزير - كالحد؛ فلا يجوز للإمام تركه، أو هو راجع إلى اجتهاد الإمام في إقامته، وتركه كما يرجع إلى اجتهاده في قدره؟ على قولين للعلماء، الثاني: قول الشافعي، والأول: قول الجمهور).
(تتمة): هل يسقط الحد والتعزير بالتقادم إذا ثبت عند الحاكم؟ كمن ثبتت عليه معصية وبعد عشر سنوات طلب الحاكم =
стр. 1770
ولا يُعَزَّرُ الوالدُ بحُقُوقِ ولَدِه (١).
ولا يُزَادُ فِي جَلدِ التَّعزيرِ على عَشَرةِ أسواطٍ (٢)، إلَّا إذا وَطِئَ أمَةً له فيهَا شِركٌ، فيُعزَّرُ بمائَةِ سَوطٍ إلَّا سَوطًا (٣)، وإذا
= تعزيره، فنقول: لا يسقط، وللحاكم تعزيره.
(تتمة) هل يُحلف في التعزير إذا كان حقا لآدمي؟ كأن يدعي زيد أن عمروا شتمه، فأنكر عمرو، فهل للقاضي تحليفه؟ ذكر المؤلف هنا في دليل الطالب في باب اليمين في الدعاوى أنه لا يحلف في التعزير، وإذا كان لا يحلف في حد القذف، فالتعزير أولى، والله أعلم.
(١) ذكر هذه المسألة صاحب الإقناع بهذه الصيغة، قال مع شرحه: (وقال) القاضي (في الأحكام السلطانية إذا تشاتم والد وولده لم يعزر الوالد لحق ولده) كما لا يحد لقذفه ولا يقاد به) وقد ذكروا في باب الهبة أن للولد مطالبة أبيه بالنفقة وحبسه عليها كما في الوجيز، وتقدم في باب الهبة، والحبس تعزير.
(٢) لقوله ﷺ : (لَا تَجْلِدُوا فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ). متفق عليه. لكن للحاكم أن ينقصه ويجعله أقلَّ بحسب اجتهاده وحال الشخص كما قال الشيخ منصور؛ لأن الشارع قدر أكثره ولم يقدر أقله، وقال شيخ الإسلام: (يعزر بما يردعه وقد يقال بقتله للحاجة). وهذا ليس المذهب، ولا يزاد على عشر جلدات إلا في موضعين، ستأتي.
(٣) هذا الموضع الأول: وهو مروي عن عمر ﵁. فيُجلد مائة جلدة إلا واحدة، رواه عبد الرزاق.
стр. 1771
شَرِبَ مُسكِرًا نَهارَ رمضانَ، فيُعَزَّرُ بعِشرينَ معَ الحَدِّ (١).
ولا بأسَ بتَسويدِ وَجهِ مَنْ يَستحِقُّ التَّعزيرَ (٢) والمناداةِ عليهِ بذَنبِه (٣).
ويَحرمُ حَلقُ لِحيتِه، وأخْذُ مَالِه (٤).
(١) هذا الموضع الثاني: وهو مروي عن علي ﵁. رواه عبد الرزاق وغيره.
(٢) من هنا بدأ بذكر ما يجوز التعزير به: أي: يجعل على وجهه سواداً كما في شرح المنتهى.
(٣) بأنه شتم فلانا ونحوه، ومما يجوز التعزير به أيضا: الصفع -ومعناه- كما في المطلع: (قال السعدي: وصفعه صفعا: ضرب قفاه بجمع كفه) -، والضرب، والحبس، والعزل من الولاية والتوبيخ، كذلك قال الشيخ ناقلا عنه صاحب الإقناع: (وقد يكون بالنيل من عرضه مثل أن يقال له: يا ظالم، يا معتدي، وبإقامته من المجلس)، وقال أيضا: (وله صلبه حياً ولا يمنع من أكل ووضوء ويصلي بالإيماء ولا يعيد)، وجزم به البهوتي في شرح المنتهى، والغاية ولم ينسبه للشيخ، وذكره في الإقناع منسوباً لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
(٤) وكذا يحرم إتلاف ماله؛ لأن الشرع لم يرد بشي من ذلك عمن يقتدى به، واختار شيخ الإسلام جواز التعزير بأخذ المال، والمذهب عدم جواز ذلك، وكذلك يحرم التعزيرُ بقطع طرفه أو جرحه.
стр. 1772
فَصلٌ
ومِن الألفَاظِ الموجبَةِ للتَّعزيرِ قَولُه لغَيرهِ (١): يا كافِرُ (٢)، يا فَاسقُ، يا فاجِرُ، يا شَقِيُّ، يا كَلبُ، يا حمَارُ، يا تَيسُ، يا رَافِضيُّ، يا خَبِيثُ، يا كَذَّابُ، يا خائِنُ، يا قَرنَانُ (٣)، يا قَوَّادُ (٤)، يا دَيُّوثُ، يا عِلَقُ (٥).
ويُعَزَّرُ مَنْ قال لذِمِّيٍّ: يا حاجُّ (٦)، أو لَعَنَه بغَيرِ مُوجِبٍ (٧).
(١) أما لو سب نفسه فلا يعزر.
(٢) هذا إذا لم يعتقد كفره، وإلا كفر كما في نهاية المبتدئين لابن حمدان كما قال الحفيد، وفيه ما فيه.
(٣) القرنان عند العامة معناه كالديوث أو قريبا منه، وهو من يُدخِل الرجال على امرأته.
(٤) هو: السمسار في الزنى، فهو وسيط بين الزاني والمزني بها.
(٥) هو كالقواد.
(٦) لأن فيه تشبيهَ قاصدِ الكنائس بقاصد الكعبة.
(٧) أي: بغير سبب يجيز لعنه. ويفهم منه أنه إذا لعنه لسبب أو صدر منه ما يقتضي ذلك فإنه لا يعزر باللعن، وهو المنصوص في المنتهى والإقناع والغاية والفروع، إلا أن البهوتي تعقبهم فقال في الكشاف: (قلت ما ذكره هو كلام الفروع وغيره، ولعل المراد أن يلعن فاعل ذلك الذنب على العموم مثل أن =
стр. 1773
بابُ القَطعِ في السَّرقةِ (١)
ويجبُ بثمانِيَةِ شُروطٍ:
أحدُها: السَّرقةُ (٢)،
= يقول: لعن الله فاعل كذا أما لعنة معين بخصوصه فالظاهر أنها لا تجوز).
(تتمة) ١ - من دعي عليه ظلما فله أن يدعو على ظالمه بمثل ما دعا به عليه. ذكره في الإقناع عن الشيخ.
٢ - في الإقناع وشرحه: (وإذا ظهر كذب المدعي في دعواه بما يؤذي به المدعى عليه عزر لكذبه وأذاه) للمدعى عليه قلت: ويلزمه ما غرمه بسببه ظلما لتسببه في غرمه بغير حق على ما تقدم في أول الحجر).
(١) السرقة بفتح السين وكسر الراء، ويجوز إسكان الراء وفتح السين وكسرها أيضا، وهي مأخوذة من استراق السمع. والسرقة لغة: الأخذ خفية، وأجمع العلماء على مشروعية حد السرقة؛ لقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ). ولحديث: (تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا) متفق عليه.
(٢) صنيع المصنف هنا كصنيع صاحب المنتهى حيث جعل السرقة شرطاً، وأما صاحب الإقناع فعرف السرقة ثم ذكر شروطها =
стр. 1774
وهي: أخْذُ مالِ الغَيرِ (١) مِنْ مَالِكه أو نَائِبه (٢) علَى وَجهِ الاختِفاءِ (٣)، فلا قَطْعَ على مُنتَهِبٍ (٤)، ومُختَطِفٍ (٥)، وخائِنٍ في
= ولم يَعد السرقة شرطا من الشروط، وللبدي تعقب، فليراجع. (مخالفة الماتن)
(١) هذه العبارة فيها نقص، والأولى أن يقول -كما في المنتهى والغاية-: (أخذ مالٍ محترم).
(٢) قوله: (أو نائبه) شمل الوكيلَ والمستعيرَ والمستأجرَ والمرتهن والمودَع.
(٣) أخرج بهذا القيد المنتهب وما بعده مما يأتي، وعرفها في الإقناع: أخذ مال محترم لغيره وإخراجه من حرز مثله، لا شبهة له فيه على وجه الاختفاء.
(٤) المنتهب: قال البهوتي-وأصله في المعونة-: (وهو الذي يأخذ المال على وجه الغنيمة)، وقال اللبدي: من يأخذ الشي جهرة مع سكون منه وطمأنينة.
(٥) المختطف: قال صاحب نيل المآرب: (وهو الذي يخطف الشيء ويمر به)، وقال اللبدي: (هو من يأخذ الشي جهرة مع سرعة وخوف)، فعليه: لو أخذ شخصٌ حقيبة امرأة بالشارع بسرعة فهو مختطِف لا سارق، فيجب في حقه التعزير لا القطع، أما السارق فهو من يأخذ الشي على وجه الاختفاء، ففارَق بهذا المنتهب والمختطف.
(تنبيه) قول المؤلف: (مختطف) لم أجدها عند غيره، ولعل المراد بها المختلس المذكور في المتون الأخرى.
стр. 1775
وَدِيعةٍ (١)، لكن يُقْطَعُ جاحِدُ العَارِيَّةِ (٢).
الثَّاني: كَونُ السَّارقِ مُكلَّفًا، مُختارًا (٣)، عالِمًا بأنَّ ما سَرَقَهُ يُساوِي نِصابًا (٤).
(١) الخائن عرفه الشيخ منصور في شرح المنتهى: (الذي يؤتمن على الشي فيخفيه أو يخفي بعضه أو يجحده)، فإخفاء الوديعة كمن يقول للمودِع: احترقت الوديعة -وهو كاذب في ذلك-، أما جحدها بأن يقول: لم تودعني شيئا.
ويدل على عدم القطع على المنتهب والمختلس والخائن في الوديعة: قوله ﷺ : (ليس على المنتهب قطع) رواه أبو داود، وحديث: (ليس على الخائن والمختلس قطع) رواه أبوداود والترمذي.
(٢) كمن يستعير الشي ثم يجحده، لحديث عائشة ﵁: (أن امرأة كانت تسعير المتاعَ وتجحده فأمر النبي ﷺ بقطع يدها). رواه مسلم.
(٣) فالمكره لا قطع عليه؛ لرفع القلم عنه، وقاعدة المذهب في الإكراهات: إن كانت الإكراهات في الأقوال فلا حكم لها، أما إذا أُكره على الأفعال فهو مكلف، كما لو أُكره على القتل ويقتل، فيُقتل لأن عنده نوع اختيار، إلا إن هذه القاعدة لها مستثنيات، ومنها هذا الموضع، فالمكره على السرقة لا تقطع يده. (فرق فقهي)
(٤) وهذا الموضع يحتاج إلى تحرير؛ لأن السارق قد يدعي: أنه لا يعلم أن ما سرقه يبلغ نصابا. قال اللبدي ممثلا له: =
стр. 1776
الثَّالثُ: كَونُ المسرُوقِ مالًا (١)، لكن لا قَطْعَ بسَرِقةِ الماءِ (٢)، ولَا بإنَاءٍ فِيه خَمرٌ أو ماءٌ (٣)، ولا بسرقةِ مُصحَفٍ، ولا
= (فلا قطع على ما تعلق بثوبه ما يساوي نصابا ولا يعلمه).
(تنبيه) قول المؤلف: (عالما بأن ما سرقه يساوي نصابا) ليست هي عبارة الإقناع ولا المنتهى، وعبارتهما: (عالما بمسروق، وبتحريمه)، وبهذا تكون قيود هذا الشرط ما يلي: ١ - كون السارق مكلفا، ٢ - مختارا، ٣ - عالما بمسروق، فلا قطع بسرقة منديل بطرفه نصابٌ مشدودٌ لم يعلمه، ٤ - عالما بتحريمه عليه، فلا قطع على جاهل بالتحريم؛ لكن لا تقبل دعوى جهل ذلك ممن نشأ بين المسلمين.
(١) المال: كل عين مباحة يجوز الانتفاع بها من غير حاجة أو ضرورة، ويشترط أن يكون المال محترما، والمال المحترم: هو الذي يباح عينه، ونفعه، ومالكه يصح تملكه، فالذي لا يباح عينه كمحرم العين: مثل الخمر، والذي لا يباح نفعه: مثل آلات اللهو، فلا قطع بسرقة آلة اللهو، والذي يصح تملكه: كمال الحربي، فلا قطع بسرقة مال الحربي.
(٢) لأنه لا يتمول عادة، أما الآن فإنه يُعد متمولا؛ لجعله في قوارير وكراتين، فهل سرقته في كراتينه الآن يقطع بها إذا بلغت قيمته نصابا؟ فليحرر.
(٣) لأن الإناء اتصل بما لا قطع فيه، وهذا ضابط في السرقة: إذا اتصل ما فيه قطع بما ليس فيه قطع، فلا يقطع بسرقته.
стр. 1777
بما عليهِ مِنْ حُلِيٍّ (١)، ولا بكُتُبِ بِدَعٍ (٢) وتَصاويرَ (٣)، ولا بآلَةِ لَهوٍ، ولا بصَلِيبٍ، أو صَنَمٍ (٤).
الرابع: كَونُ المسرُوقِ نِصابًا (٥)، وهو: ثَلاثَة دَراهمَ، أو رُبْعُ دِينارٍ، أو ما يُساوِي أحدَهُما (٦)، وتُعتَبُر القيمَةُ حالَ
(١) أي: بما على المصحف من حلي، لكن قيده اللبدي بما إذا سرقه وهو على المصحف، أي: سرق الحلي مع المصحف، أما لو سرق الحلي التي على المصحف دون المصحف فعليه القطع إن بلغ نصاباً. (فرق فقهي)
(٢) ومثلوا لكتب البدعة في الجهاد بكتب الرفض والاعتزال، وزاد الحفيد هنا كتب الزندقة، قال الشيخ منصور: (ومثلها سائر الكتب المحرمة)؛ لأن كتب البدع والتصاوير واجبة الاتلاف.
(٣) أي: لا قطع بسرقة الكتب التي فيها صور؛ لأنها واجبة الإتلاف وتقدم.
(٤) حتى لو كان الصليب أو الصنم من ذهب أو فضة، أما لو سرق آنية الذهب أو الفضة فيقطع. والفرق بينهما: لأن الصنعة في الآنية المحرمة ليست محرمة بالاتفاق، بخلاف الصنعة في الصنم والصليب فهي محرمة بالاتفاق كذا قرره البهوتي في الكشاف (١٤/ ١٣٢)، وشرح المنتهى (٦/ ٢٣٥). (فرق فقهي).
(٥) وهو شرط باتفاق العلماء، لحديث: (لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا). رواه مسلم، وعند الإمام أحمد: وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهما.
(٦) أي: ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو عرضا تساوي قيمتُه ربع =
стр. 1778
الإخرَاجِ (١).
= دينار أو ثلاثة دراهم، ويكمل أحدُهما مع الآخر بالأجزاء، كما لو سرق أحدهم درهما ونصفا من خالص الفضة (نصف نصاب الفضة) وسرق معه أيضا ثُمن دينار من خالص الذهب (نصف نصاب الذهب) فيقطع؛ لأنه سرق نصابا، وكذا يضم العرض إليهما أو أحدهما، قال البهوتي في الكشاف: (وكذا يضم أحد النقدين أو هما إلى قيمة عرض في تكميل النصاب فلو سرق درهما وعرضا يساوي درهما ونصف سدس دينار قطع).
(١) أي: إنما ينظر إلى قيمة المسروق هل بلغ نصابا أو لا وقتَ إخراجه من الحرز، فلو سرق ساعة قيمتها وقت الإخراج ربع دينار ثم نقصت قيمتها، بعد الإخراج، ثبت القطع، والعكس بالعكس، كذلك لو أنقصَ السارقُ قيمةَ المسروق -فصارت قيمته أقل من نصاب- قبل إخراجه فلا قطع، كما لو أتلف المسروقَ قبل إخراجه، لكنه يضمن ما نقصه.
(تتمة): لو اشترك جماعة في نصاب وأخذ كل واحد منهم أقلَّ من نصاب ثم خرجوا، هل تقطع أيديهم؟ نعم تقطع أيديهم؛ لأنهم اشتركوا في إخراج نصاب، حتى من لم يخرج نصابا، لكن المجموع كله نصاب فوجب عليهم القطع؛ لأنهم اشتركوا في هتك الحرز وإخراج النصاب فلزمهم القطع، قال في الإقناع: (سواء أخرجوه جملة كثقيل اشتركوا في حمله أو أخرج كل واحد منهم جزءًا)، وهذه مسألة مستثناة من قولهم: وتعتبر أن تكون قيمة المسروق نصابا حال إخراجه من الحرز، بخلاف القصاص فيشترط لوجوبه أن يصلح فعل كل واحد =
стр. 1779
الخامسُ: إخراجُهُ مِنْ حِرزٍ (١)، فلَو سَرَقَ مِنْ غَيرِ حِرزٍ فَلا قَطْعَ (٢).
= منهم للقتل وإلا فلا قصاص عليهم، قال البهوتي في بيان سبب الفرق: (وفارق القصاص لأنه يعتمد المماثلة ولا توجد المماثلة إلا أن توجد أفعالهم في جميع أجزاء اليد وهذا لقصد الزجر من غير اختبار مماثلة). (فرق فقهي)
مسألة: لو سقط القطع عن بعض السارقين لشبهة أو غيرها، فيقطع من الباقين، مثل الأب مع أجنبي، فيقطع الأجنبي ولا يقطع الأب.
وكذلك لو سرق شخص من أكثر من واحد أقلَّ من نصاب، لكن يبلغ مجموعُ ما سرقه نصابا فإنه تقطع يده، ولو كان ما سرقه من أحدهم أقل من نصاب؛ لوجود النصاب والسرقة.
(١) قال في المطلع: (الحرز هو الموضع الحصين)، وهو شرط باتفاق العلماء، والأصل فيه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الثمر، فقال: (ما أخذ من أكمامه، واحتمل، ففيه قيمته ومثله معه، وما كان من حرز ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن) رواه أبو داود.
(٢) فلو أخذ خاتما من ذهب في الشارع فلا قطع، لكن يضمن السارقُ المسروقَ إذا كان مثلياً وبقيمته إذا كان قيمياً، إلا إذا كان المسروق ثمراً أو طلعاً أو جماراً -وهو البياض في رأس النخل (شحم النخلة) - أو ماشية من غير حرز فلا قطع، ويضمنها بقيمتها مرتين تعزيراً.
стр. 1780
وحِرزُ كلِّ مالٍ: ما حُفِظَ فيه عادَةً (١)، فنَعْلٌ برِجْلٍ، وعِمامَةٌ على رَأسٍ: حِرْزٌ (٢) ويَختلفُ الحِرزُ بالبُلدانِ، وبالسَّلاطينِ (٣).
ولو اشتَركَ جماعَةٌ في هَتْكِ (٤) الحِرزِ، وإخراجِ النصابِ:
(١) كالأوراق النقدية فالجيب يكون حرزا لها، وكذلك البنوك تُعد حرزا، ووضع الذهب في خزانة في البيت يُعد حرزا، فالمرجع في الحرز هو العرف.
(٢) فمن سرق نعلا على رِجل إنسان، أو سرق عمامة على رأسه، قطعت يده، لكونها حرزا.
(٣) وبَيَّن الشيخ منصور أنه إذا كان السلطان قويا شديدا فيكون الحرزُ يسيرا، وإذا كان غير شديد، فيكون الحرز قوياً، قال الشيخ منصور في شرح المنتهى: (فإن السلطان العدل يقيم الحدود فتقل السراق خوفا من الرفع إليه فيُقطع، فلا يحتاج الإنسان إلى زيادة حرز، وإن كان جائراً يشارك من التجأ إليه ويذب عنهم قويت صولتهم فيحتاج أربابُ الأموال لزيادة التحفظ)، في الحواشي السابغات: (والحرز: (هو المكان الذي يحفظ فيه المال في العادة والعرف)، فحرز الأموال مثلاً في عصرنا: البنوك وصناديق الحديد المغلقة في المنازل، وحرز المواشي: الحظيرة، وحرزها في المرعى: الراعي ونظره إليها غالباً، ويختلف الحرز باختلاف البلدان وقوة السلطان وضعفه).
(٤) الهتك هنا: القطع والخرق والتمزيق.
стр. 1781
قُطِعُوا جميعًا (١)، وإن هَتَكَ الحِرزَ أحَدُهُمَا ودَخلَ الآخَرُ فأخرجَ المَالَ: فلا قَطعَ عليهِما ولو تَواطَآ (٢).
السادسُ: انتِفاءُ الشُّبهَةِ (٣)، فلا قَطْعَ بسَرِقَتِه مِنْ مَالِ فُرُوعهِ (٤)، وأُصولِه (٥)، وزَوجِه (٦)، ولا بسَرِقَتِه مِنْ مَالٍ له فِيه شِرْكٌ (٧)،
(١) وكذا لو اشتركوا في هتك الحرز، وأخرج أحدهم نصابا قطعوا نصا؛ لأن المُخْرِجَ أخرجه بقوة صاحبه ومعرفته ومعونته.
(٢) والفرق هو أنه في هذه الصورة لا فعل لواحد منهما في الذي فعل الآخر، والقصد إذا لم يقارنه الفعل لا يترتب عليه حكم، فيكون وجود القصد في ذلك كعدمه، وهذا فيه ما فيه، لأنهم اشتركوا جميعاً، قال الخلوتي -بعد ذكره لتعليلهم-: (وفيه نظر؛ لأنه مع التواطُؤِ ينزل فعلُ غيره منزلةَ فعلِه عقوبةً عليه).
(٣) والمراد بالشبهة: كل ما يمكن أن يجعل للسارق حقاً في المسروق.
(٤) لحديث (أنت ومالك ولأبيك)، من هنا سيذكر أمثلة لا قطع فيها؛ لوجود الشبهة.
(٥) فلا قطع بسرقة ولدٍ من أصوله كأبيه وأمه، وإن علوا؛ لأن بينهما قرابة تمنع من شهادة أحدهما للآخر، فلا يقطع.
(٦) وهو مروي عن عمر بإسناد جيد، ولأن كلا منهما يرث صاحبه بغير حجب، ويتبسط بماله أشبه الولد والوالد.
(٧) كفقير سرق من غلة وقف على الفقراء، أو فقير سرق من بيت المال، فلا قطع مع حرمة السرقة؛ قال في الكشاف: (كالمال المشترك بينه وبين شريكه لأنه إذا لم يقطع الأب بسرقة مال =
стр. 1782
أو لأحَدٍ مِمَّنْ ذُكِرَ (١).
السابعُ: ثُبوتُهَا إمَّا بشَهادَةِ عَدلَينِ، ويَصِفَانِهَا، ولَا تُسمَعُ قبلَ الدَّعوى (٢)، أو بإقرارٍ مَرَّتَينِ، ولا يَرجِعُ حتَّى يُقطَعَ (٣).
= ابنه لكون أن له فيه شبهة فلئلا يقطع بالسرقة من مال شريكه من باب أولى).
(١) كمن سرق من شركةٍ لابنه فيها نصيب، فلا قطع؛ لأن له فيه شبهة.
(تتمة): لو سرق الدائن من مال المدين فهل يقطع الدائن؟ إن كان المدين باذلا فيقطع؛ لعدم الشبهة، وإلا -بأن كان ممتنعاً عن الأداء، وكان المسروق قدر حق الدائن فلا قطع، وإن كان المسروق أكثر وبلغ نصابا- قطع.
(٢) يشترط لثبوت السرقة بالشهادة خمسة شروط: ١ - أن يكونا رجلين؛ لقوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) ٢ - عدالة الشهود. ٣ - أن يصفا السرقة؛ لئلا يظنا ما ليس فيه قطع أن فيه قطعا، قال في الإقناع وشرحه: (يصفان السرقة) في شهادتهما (و) يصفان (الحرز وجنس النصاب وقدره) لاختلاف العلماء في ذلك، فربما ظن الشاهدُ القطعَ بما لا يراه الحاكم). ٤ - أن يتفقا في وصفهما للسرقة في الزمان والمكان والنصاب. ٥ - أن يتقدم الشهادة دعوى من مالك المسروق، وإذا ثبتت السرقة بالشهادة على فعله فلا يقبل رجوعه أثناء إقامة الحد ولا إنكاره، بخلاف ما لو شهدت البينة على إقراره بالسرقة ثم جحد فلا يقطع كما في الإقناع. (فرق فقهي)
(٣) يشترط لثبوت السرقة بالإقرار أربعة شروط: ١ - إقراره مرتين. =
стр. 1783
الثامنُ: مُطالَبةُ المسروقِ منهُ بمَالِه.
ولا قَطْعَ عامَ مَجاعَة غَلاءٍ (١).
فمتى تَوفَّرَتِ الشُّروطُ، قُطِعَت يَدُه اليُمنَى (٢) مِنْ مِفصَلِ كَفِّه (٣)،
= ٢ - أن لا يرجع حتى يتم عليه الحد، فإن رجع ولو أثناء الحد فلا يقطع. ٣ - أن يصف السارق شروط السرقة من النصاب والحرز وغير ذلك. ٤ - أن يكون الإقرار بعد الدعوى، فلو أقر بلا دعوى فلا يقبل. (تتمة) قال في الإقناع وشرحه هنا: (ولا بأس بتلقين السارق ليرجع عن إقراره) لما تقدم من تعريضه ﷺ بقوله: «ما إخالك سرقت» وعن علي: أنه أتي برجل فسأله أسرقت؟ قال لا فتركه. ونحوه عن أبي بكر الصديق وأبي هريرة وابن مسعود وأبي الدرداء (و) لا بأس (بالشفاعة فيه) أي السارق (إذا لم يبلغ الإمام) لقوله ﷺ : «تعافوا الحدود فما بلغني من حد وجب» (فإذا بلغه حرمت الشفاعة) وقبولها (ولزم القطع) وكذا سائر الحدود لما تقدم في قصة المخزومية انتهى).
(١) أي: مجاعة سببها الغلاء، بأن لم يجد سارق ما يشتريه، أو ليس لديه من المال ما يشتري به.
(٢) لقراءة بن مسعود ﵁: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما).
(٣) في الإقناع وشرحه: (وصفة القطع أن يجلس السارق ويضبط لئلا يتحرك) فيجني على نفسه (وتشد يده بحبل وتجر حتى يتبين مفصل الكف من مفصل الذراع، ثم توضع بينهما سكين حادة، ويدق فوقها بقوة لتقطع في مرة واحدة، أو توضع =
стр. 1784
وغُمِسَت وجوبًا في زَيتٍ مَغلِيٍّ (١)، وسُنَّ تَعليقُهَا في عُنُقِه ثلاثةَ أيامٍ إن رَآه الإمامُ (٢).
فإن عادَ: قُطِعَت رِجلُه اليُسرى مِنْ مِفصَلِ كَعْبِه (٣) بتَرْكِ عَقِبِه (٤)، فإن عادَ: لم يُقْطَعْ (٥) وحُبِسَ حتَّى يَموتَ، أو يَتوبَ (٦).
ويَجتَمعُ القَطْعُ والضَّمانُ (٧)، فيَرُدُّ ما أَخَذَ لمالِكِه (٨)، ويُعيدُ
= السكين على المفصل وتمد مدة واحدة) وكذا يفعل في قطع الرجل (وإن علم قطعا أوحى من هذا قطع به) لأن الغرض التسهيل عليه؛ لحديث: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء»).
(١) لتنسد أفواه العروق فينقطع الدم، والطب اليوم يقوم مقام الغمس.
(٢) قال الشارح: (ليتعظ بذلك اللصوص)؛ لحديث فضالة بن عبيد أن النبي ﷺ أتي بسارق فقطع يده ثم أمر بها فعلقت. رواه أبو داود. ثم بعد ذلك تدفن اليد.
(٣) وهو العظم الناتئ في القدم، وفي الغاية: (فإن عاد قطعت رجله اليسرى مع برء الأولى، وإلا حتى تندمل).
(٤) وهو مؤخر القدم، فيترك حتى يستطيع المشي عليه، وهو وارد عن عمر وعلي ﵄، رواه عنهما عبد الرزاق، وابن أبي شيبة.
(٥) أي: إن سرق مرة ثالثة فلا قطع، والحكم كما في الإقناع والمنتهى أنه يحرم القطع.
(٦) أي: حبس إلى أن يموت أو يتوب، وعبارتهم: وحبس حتى يتوب.
(٧) أي: ضمان المسروق.
(٨) أي: وجوبا، فيرد المسروق بعينه إن كان باقيا، وإن كان تالفا =
стр. 1785
ما خَرِبَ مِنْ الحِرزِ (١). وعليه أجرَةُ القاطِعِ، وثَمَنُ الزَّيتِ (٢).
= رد مثل المثليّ أو قيمة المتقوم، ووجوب رد المسروق إلى مالكه واجب على السارق قطع أو لا، موسرا كان أو معسرا كما في الإقناع.
(١) هذا ما مشى عليه في المنتهى، وقال الشيخ منصور: (والقياس يضمن أرشه) أي: لا يعيده، بل يضمن نقصه فقط.
(٢) أي: على السارق أجرةُ من سيقطع يده، وثمن الزيت الذي ستحسم به يده؛ حفظا لنفسه إذ لا يؤمن عليها التلف بدونه، وقيل: عما في بيت المال؛ لأنهما من المصالح العامة. قاله في شرح المنتهى. والله أعلم.
стр. 1786
بابُ حدِّ قُطَّاعِ الطَّريقِ (١)
وهم: المكلَّفُونَ الملتَزِمونَ (٢) الذينَ يَخرُجونَ علَى النَّاسِ (٣) فيأخُذونَ أموالَهُم (٤)
(١) هكذا عبر في المنتهى والغاية، وسموا بذلك: لأنهم يمنعون الناس من المرور بالطرق خوفاً منهم، وصاحب الإقناع عبر بقوله: (باب حد المحاربين).
(٢) أي الملتزمون بأحكام الإسلام، وهما المسلم والذمي، وينتقض به عهد أهل الذمة فتحل دماؤهم وأموالهم.
(٣) قال الشارح: (بسلاح)، أي: يخرجون على الناس بسلاح، فإن لم يكن معهم سلاح فليسوا محاربين، لأنهم لا يَمنعون من قصدهم، والسلاح هنا ولو كان عصا أو حجرا، وسواء كان هذا السلاح في الصحراء أو البنيان أو في البر أو البحر أو الجو، ولو كان مع قطاع الطريق أسلحة كاذبة يظن الناس أنها حقيقية، فالذي يظهر أنهم يُعدون قطاع طريق ويحدون، لإخافتهم الناس، فليحرر، والله أعلم.
(٤) وليس هذا القيد معتبرا، فقد يقطعون للإخافة، فهي صفة أغلبية وليست منطبقة على جميع الصور، وقوله: (أموالهم) مقيد بالأموال المحترمة، فلو أخذوا خمراً أو آلات محرمة فليست داخلة في الأموال المحترمة، كذلك زاد في الإقناع: =
стр. 1787
مُجاهرَةً (١).
ويُعتبَرُ ثُبُوتُه ببَيِّنَةٍ، أو إقرارٍ مَرَّتَينِ (٢)، والحِرزُ (٣)، والنِّصابُ (٤). ولهم أربعةُ أحكامٍ: إن قَتَلوا (٥) ولَم يَأخُذوا مالًا:
= (قهراً). فيغصبونهم أموالهم.
(١) أخرج السرقة، لأنها أخذ المال خفية، والأصل في حد قطاع الطريق قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ)، قال ابن عباس ﵄ وأكثر المفسرين: نزلت في قطاع الطريق من المسلمين.
(٢) أي: يعتبر لوجوب الحد على المحاربين ثلاثة شروط: (الشرط الأول) ثبوته ببينة أو إقرار مرتين، والبينة هي: شهادة رجلين عدلين.
(٣) (الشرط الثاني) الحرز، والمراد بالحرز هنا: القافلة، بأن يأخذ المالَ من مستحقِه وهو في القافلة، فلو انفرد شخص عن القافلة وأتى شخص فغصب مالَه فليس بمحارِب، وكذلك لو وجد شيئا مطروحا في الأرض فأخذه فليس بمحارِب، قال البهوتي في شرح المنتهى: (الحرز) بأن يأخذه من يد مستحقه وهو بالقافلة، فلو وجده مطروحا، أو أخذه من سارقه أو غاصبه، أو منفردا عن قافلة لم يكن محاربا).
(٤) (الشرط الثالث) النصاب، وهو القدر الذي يُقطع به السارق كما تقدم.
(٥) يعني: بقصد المال، كما قال الشارح.
стр. 1788
تَحَتَّمَ قَتلُهُم جَميعًا (١).
وإن قَتَلوا وأخَذوا مالًا (٢): تَحَتَّمَ قَتلُهُم وصَلبُهُم (٣) حتَّى يَشتَهِروا (٤).
(١) (الحكم الأول) أن يقتلوا بدون أخذ المال، فيتحتم قتلهم، أي: صار قتلهم وجوباً كالحد، ليس لأحد أن يتنازل عنه، فلا يدخله العفو، وإن لم يكافئوا من قتلوه، فلا أثر لعفو ولي الدم؛ لأنه يقتل حدا لا قصاصا، فلو كان الأبُ محارِبا -بكسر الراء- والابنُ محارَبا -بفتح الراء- فيقتل الأب، وكذلك لو كان المحارِبُ حرا، والمحارَبُ عبدا، قُتِلَ الأب والحرُّ حداً لا قصاصاً، أما إن قَطعوا ما دون النفس كما لو قطعوا رِجلا أو يدا فلا يتحتم استيفاؤه، فلولي الجناية القود أو العفو، قال في المنتهى وشرحه: (ولا يتحتم قود فيما دون نفس) على محارب، فإن قطع يدا أو رجلا أو نحوهما، فلولي الجناية القود أو العفو لأن القود إنما يتحتم إذا قتل لأنه حد المحاربة بخلاف الطرف فإنه يستوفى قصاصا لا حدا). (فرق فقهي)
(٢) أي: بلغ نصابا.
(٣) (الحكم الثاني) أن يقتلوا ويأخذوا مالا، فيتحتم قتلهم وصلبهم حتى يشتهروا، والصلب إنما يكون إذا كان المقتولُ مكافئا للقاتل، كأن يكون القاتل والمقتول حرين، أما إن كان المقتول في الحرابة لا يكافيء القاتلَ، فلا يصلب القاتل، كما لو كان الأب محارِبا فلا يصلب إن قتل ابنَه، فالصلب لابد فيه من أمرين: المكافأة، وأخذ المال.
(٤) فالصلب غير مؤقت بمدة معينة، بل العبرة بالاشتهار؛ لأنه لم =
стр. 1789
وإن أخَذوا مالاً ولم يَقتُلُوا: قُطِعَت أيديهِم وأرجُلُهُم مِنْ خِلافٍ حَتمًا (١) في آنٍ واحدٍ (٢).
وإن أخافُوا النَّاس ولَم يأخُذُوا مالًا: نُفُوا مِنْ الأرضِ (٣)، فلا يُتركُونَ يَأْوُون إلَى بَلَدٍ حتَّى تَظهرَ تَوبَتُهُم (٤).
ومَن تابَ مِنهُمْ قَبلَ القُدرَةِ عليهِ سَقَطَتْ عنهُ حُقوقُ الله (٥)،
= يرد فيه توقيت من الشارع، فرجع إلى ما يحصل به ارتداع غيره، وقال أبو حنيفة والشافعي: يصلب ثلاثا. قاله الحفيد، قال في الإقناع: (ثم ينزل ويغسل ويكفن ويصلى عليه ثم يدفن).
(١) (الحكم الثالث) أن يأخذوا مالا يبلغ نصابَ السرقة -ولو لم تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا كما في الإقناع- بدون قتل، فتُقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ حتما، أي: حداً ليس لأحد أن يعفو عنهم.
(٢) أي: فلا يُنتظر لقطع أحدهما اندمال الآخر، فتقطع يده اليمنى ثم تحسم، ثم رجله اليسرى في مقام واحد، ثم يخلى سبيله.
(٣) (الحكم الرابع) أن يخيفوا الناس بلا قتل أو أخذٍ للأموال، فينفون من الأرض إلى غير البلد التي هم فيها، وإذا كانوا جماعة فينفون إلى بلاد مختلفة حتى لا يجتمعوا على المحاربة مرة أخرى، والنفي هو الطرد والإبعاد.
(٤) فكلما آووا إلى بلد طُردوا منها، فيُشردون حتى تظهر توبتهم، وهل يقوم السجنُ اليوم مقام النفي؟ الذي عليه الفتوى عند علمائنا المعاصرين أن السجن يقوم مقام النفي فيُكتفى به، والله أعلم.
(٥) من الصلب والقطع والنفي وتحتُّم القتل، قال في المبدع: =
стр. 1790
وأُخِذَ بحُقُوقِ الآدَمِيِّينَ (١).
= (بغير خلاف)؛ لقوله تعالى (إلا الذي تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم)، حتى حد زنى وسرقة وشرب خمر، أما من تاب بعد القدرة عليه فلا تسقط عنه حقوق الله تعالى؛ لمفهوم الآية.
مسألة: إذا ادعى أنه تاب قبل أن يقدر عليه؟ قال صاحب الغاية: (ويتجه: لا يقبل دعواه تقدم توبته)، ووافقه الشارح، وقال الشطي: (لم أر من صرح به، وهو ظاهر؛ كأن دعواه ذلك لدفع الحد وهو متهم، ولو قيل: بالقبول لكان متجها؛ لأنه شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، ولأن دعواه التوبة توبة ...... لكن لو أقام بينته على دعواه فشهدت بذلك، فالظاهر أنها تقبل ويدرأ بها الحد. انتهى).
(١) من الأنفس والأموال والجراح، إلا أن يعفو مستحقها.
(تتمة) قال في المنتهى وشرحه هنا: (ومن وجب عليه حد سرقة أو) حد (زنا أو) حد (شرب فتاب) منه (قبل ثبوته) عند حاكم (سقط) عنه (بمجرد توبته قبل إصلاح عمل) لقوله تعالى: ﴿واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾ [النساء: ١٦] وقوله بعد ذكر حد السارق ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح، فإن الله يتوب عليه﴾ [المائدة: ٣٩] وقوله ﷺ «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» ولإعراضه ﷺ عن المقر بالزنا (حتى أقر أربعا فإن ثبت عند الحاكم لم يسقط بالتوبة لحديث «تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب» رواه أبو داود والنسائي (ك) ما يسقط حد مطلقا =
следующие страницы →