Полный текст (2 012 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
فلا كفَّارةَ على ماضٍ، بل إن تعمَّدَ الكذِبَ: فحرامٌ، وإلا: فلا شيءَ عليهِ (١).
الخامسُ: الحِنثُ، بفعلِ ما حلَفَ على تركِهِ، أو تَركِ ما حلَفَ على فعلِهِ (٢).
فإن كانَ عيَّنَ وقتاً: تعيَّنَ (٣)، وإلا: لم يحنَث حتَّى ييأسَ مِنْ فعلِهِ بتَلَفِ المحلوفِ عليهِ، أو موتِ الحالفِ (٤).
= صدقه (كمن حلف على غيره يظن أنه يطيعه فلم يفعل أو ظن المحلوف عليه خلاف نية الحالف ونحو ذلك) كظنه خلاف سبب اليمين). انتهى، وما أظن أنه مستقيم مع المذهب؛ لأن المتقرر عندنا أن من حلف على غيره أن يفعل شيئاً، ولم يفعله، فإن الحالف يحنث بذلك. فليحرر. والله أعلم.
(١) أي: إن تعمد الحلف على أمر ماض كاذبا فهي الغموس؛ لأنها تغمس الحالف في الإثم ثم في النار، وإن لم يتعمد الكذب، فلا شيء عليه.
(٢) (الشرط الخامس) الحنث، بشرط كونه مختاراً ذاكراً عالماً.
(٣) أي: إن كان الحالف عيّن وقتاً لفعله -سواء بلسانه أو بقلبه كما قاله النجدي- تعين الوقتُ، فلو حلف ليذهبن المخبزَ الفلاني ناويا اليوم الذي حلف فيه، فيتعين هذا اليوم، فلا يحنث إلا إذا لم يذهب في نفس اليوم الذي عينه، وإن لم يعين وقتا لم يحنث حتى ييأس من الذهاب إلى المخبز إما بتلف المخبز، أو موت الحالف، وسيأتي.
(٤) أي: إن لم يعين الحالف وقتاً، لم يحنث حتى ييأس من فعله =
стр. 1857
ومن حَلَفَ بالله: «لا يفعلُ كذا - أو: ليفعلنَّ كذا - إن شاءَ اللهُ، أو: إن أرادَ اللهُ، أو: إلا أن يشاءَ اللهُ» (١)، واتَّصلَ لفظاً أو حكماً (٢): لم يحنث، فعلَ أو تَرَكَ، بشرطِ: أن يقصِدَ
= بتلف المحلوف عليه أو موت الحالف، فلو قال شخص مثلاً: والله لأعطين زيداً هذه الشاة، ولم ينوِ وقتاً معيناً لإعطائه، فإنه لا يجب أن يعطيه إياها فوراً، ولا يحنث إلا إن تلفت الشاة؛ لاستحالة الوفاء باليمين، أو إن مات الحالف، وتجب الكفارة إذن، ويحنث أيضاً إن جزم أنه لن يعطيه إياها، ويفرق بين عدم الفورية هنا والفورية في كفارة اليمين، فإنه يجب إخراجها بعد الحنث فوراً، ويدل على هذه المسألة قول عمر ﵁ للنبي ﷺ : أَلم تخبرنا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: «بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ؟»، يعني: هذه السنة، قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ «فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِه» رواه البخاري.
(١) ذكر المؤلف مسألةَ الاستثناء في اليمين، وهو أن يعلق الحالف اليمينَ: بمشيئة الله، فلا تنعقد، ولا يحنث؛ لحديث: (من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه) رواه الخمسة، فمن حلف: لا يفعل كذا -كقوله: والله لا أركب سيارة فلان-، أو: ليفعلن كذا -كقوله: والله لأركبن سيارة فلان-، وقال بعد ذلك مباشرة: إن شاء الله، أو: إن أراد الله، أو إلا أن يشاء الله، فإنه لا يحنث بشروط: (الشرط الأول) أن يتلفظ بالمشيئة، فلا تكفي النية، إلا من مظلوم خائف فتكفي نيته؛ لأن يمينه غير منعقدة.
(٢) (الشرط الثاني) الاتصال بين اليمين والاستثناء، أي: بين =
стр. 1858
الاستثناءَ قبلَ تمامِ المستثنى منهُ (١).
= اليمين وقوله: إن شاء الله، سواء كان الاتصال لفظاً، أو حكماً، كقطعه بسعال مثلاً.
(١) (الشرط الثالث) أن يقصد الاستثناء بالمشيئة قبل تمام المستثنى منه، فلو قال مثلاً: لأعطين زيداً مئة ريال، ثم بعد أن أكمل التلفظ بالمستثنى منه، نوى أن يستثني، وقال: إن شاء الله، فلا يصح الاستثناء إذن، وتنعقد يمينه على إعطائه مئة ريال.
أما من حلف، واستثنى، مع توفر جميع الشروط الثلاثة المتقدمة، فإنه لا يحنث، سواء فعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله.
(تتمة) في الحواشي السابغات: (الأيمان من حيث دخول الكفارة فيها وعدمه قسمان: (القسم الأول) أيمان مكفرة، وهي التي تدخلها الكفارة كاليمين بالله تعالى والظهار والنذر، (القسم الثاني) أيمان غير مكفرة، وهي التي لا تدخلها الكفارة كالحلف بالطلاق والعتاق.
(تتمة) من الفروق بين الأيمان المكفرة وغير المكفرة:
الفرق الأول: أن الأيمان المكفرة ينفع فيها الاستثناء بأن يقول بعد اليمين: إن شاء الله، بشرط توفر الشروط الأربعة المعتبرة. أما الأيمان غير المكفرة فلا ينفع فيها الاستثناء، فلو قال: أنتِ طالق إن شاء الله، وقع طلاقه. انظر: الكشاف (١٤/ ٤٠٠)، وشرح المنتهى (٦/ ٣٨١).
الفرق الثاني: أنه لو حلف في اليمين المكفرة على أمر ماض يظن =
стр. 1859
فصل
ومن قالَ: «طعامي عليَّ حرامٌ»، أو: «إن أكلتُ كذا، فحرامٌ»، أو: «إن فعلتُ كذا، فحرامٌ»: لم يحرُم (١)، وعليهِ -إن فعلَ-: كفَّارةُ يمينٍ (٢).
= صدق نفسه فبان الأمر بخلاف ما حلف عليه لم يحنث. ومثاله لو قال: والله إن فلاناً ذهب بالأمس إلى الأحساء ظاناً ذهابه، فتبين أنه لم يذهب، فإنه لا يحنث. أما اليمين غير المكفرة، فهي بخلاف ذلك، فلو قال: علي الطلاق أن فلاناً ذهب بالأمس إلى الأحساء ظاناً ذهابه، فتبين أنه لم يذهب، فإنه يحنث وتطلق زوجته. انظر: الكشاف (١٢/ ٣٦١)، وشرح المنتهى (٦/ ٤٨٥).
الفرق الثالث: إن حلف على نفسه أو غيره ممن يقصد منعه أن لا يفعل شيئاً، ففعله ناسياً أو جاهلاً، حنث في الطلاق والعتاق فقط. أما الأيمان المكفرة، فلا يحنث فيها إلا إن خالف ما حلف عليه مختاراً ذاكراً).
(١) من حرَّم شيئاً مباحاً له -غير زوجته، فإن تحريمها ظهار-، فإنه يترتب عليه أحكام: (الحكم الأول) أن ذلك الشيء لا يحرم، ويكون ذلك القول يميناً؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢]، فسمى تحريمَ الحلال يميناً.
(٢) (الحكم الثاني) عليه كفارة يمين إن فعل ذلك الشيء الذي حرمه على نفسه.
(تتمة) (الحكم الثالث) يجوز له قبل التكفير أن يفعل ذلك الشيء =
стр. 1860
ومن قالَ: «هو يهوديٌّ (١) -أو: نصرانيٌّ، أو: مجوسيٌّ، أو يعبدُ الصَّليبَ، أو: الشَّرقَ (٢) - إن فعلَ كذا (٣)»، أو: «هو بريءٌ مِنَ الإسلامِ -أو: من النبيَّ ﷺ ، أو: هو كافرٌ باللهِ تعالى- إن لم يفعل كذا»: فقد ارتكبَ محرَّماً (٤)، وعليهِ: كفَّارةُ يمينٍ إن فعلَ ما نفاهُ، أو تركَ ما أثبتَهُ (٥).
= الذي حرمه.
(١) المراد: يقول ذلك عن نفسه.
(٢) المراد هنا بالشرق: الشمس.
(٣) وهذا يجري مجرى اليمين عند الحنابلة.
(٤) (الحكم الأول) هذا القول محرم؛ لحديث ثابت بن الضَّحَّاك مرفوعاً: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ، كاذِباً مُتَعَمِّداً، فَهُوَ كما قَالَ»، متفق عليه.
(٥) وهذا (الحكم الثاني) لأن قول هذه الأشياء يوجب هتك الحرمة، فكان يمينا كالحلف بالله تعالى. قاله في الكشاف.
(تتمة) (الحكم الثالث) يجب عليه أن يتوب من ذلك الفعل، كما في الإقناع.
والقول الآخر الذي اختاره الموفق، وذكره في الإقناع: أنه لا كفارة عليه في هذه المسألة -أي: التي يقول فيها: هو يهودي … -؛ لعدم ورود النص بذلك، ولا هو في معنى المنصوص عليه.
стр. 1861
ومن أخبرَ عن نفسِهِ بأنَّه حلَفَ باللهِ، ولم يكُن حلَفَ: فكَذِبةٌ، لا كفَّارةَ فيها (١).
(١) ومثاله أن يقال له: كُل معنا هذا الدجاج، فيقول: أنا قد حلفت أن لا آكل الدجاج، وهو لم يكن حلف بذلك من قبل، فيعتبر ذلك كذبة، ولا كفارة فيها، بخلاف ما لو حلف بالطلاق، فقيل له مثلاً: دع زوجتك تذهب إلى بيت فلان، فقال: لا، أنا حلفت بالطلاق أنها إذا ذهبت فهي طالق، فإذا ذهبَت إلى ذلك البيت، ورُفع الأمر إلى القاضي، فإنه يحكم بوقوع الطلاق. أما لو لم يُرفع الأمر إلى القاضي، فلا يقع الطلاق، وهذا الذي يظهر من قولهم: تطلق حكما. (فرق فقهي)
стр. 1862
فصل
وكفَّارةُ اليمينِ على التَّخييرِ (١): إطعامُ عشرةِ مساكينَ (٢)، أو كسوتُهم (٣)، أو تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ (٤).
(١) كفارة اليمين تجمع -كما في المنتهى- تخييراً بين ثلاث خصال، ثم ترتيباً مع خصلة رابعة، والأصل فيها قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ الآية [المائدة: ٨٩].
(٢) لكل مسكين مُد من بُر، أو نصف صاعٍ من غيره من الأصناف الأربعة التي تجزئ في الفطرة. ويعتبر استيعاب العدد، ولا يجزئ تكرارها على مسكين واحد، فلا بد من عشرة مساكين. ويشترط في المُطعَم: ١ - الإسلام، ٢ - والمسكنة، أي: أن يكون مسكيناً، والفقير من باب أولى. ٣ - وأن يكون حراً.
(٣) وقدر ذلك: للرجل ثوب تجزئه صلاته المكتوبة فيه، وللمرأة درعٌ، أي: قميص وخمار تجزئها صلاتها فيهما.
(٤) أي: مسلمة. ويشترط أن تكون سليمة من العيوب التي تضر بالعمل ضرراً ظاهراً، كما تقدم في الظهار.
(تتمة) في الإقناع والمنتهى: من كان له مال غائب، استدان ما يطعمه أو يكسوه أو يعتق به إن قدر وإلا صام، وظاهره: وجوب الاستدانة إن قدر، والله أعلم.
стр. 1863
فإن لم يجد (١)، صامَ ثلاثةَ أيَّامٍ متتابعةٍ وجوباً (٢)، إن لم يكن عُذرٌ (٣).
ولا يصحُّ أن يكفِّرَ الرَّقيقُ بغيرِ الصَّومِ، وعكسُهُ: الكافرُ (٤).
وإخراجُ الكفَّارةِ قبلَ الحنثِ وبعدَهُ: سواءٌ (٥).
(١) أي: عجز عن العتق، والإطعام، والكسوة.
(٢) لما جاء في قراءة أُبيّ وابن مسعود ﵄: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات).
(تنبيه) هذه القراءة لا يصح أن يُقرأ بها في الصلاة؛ لخروجها عن مصحف عثمان ﵁.
(٣) أي: إذا لم يكن له عذر في عدم التتابع.
(٤) أي: يكفِّر بغير الصوم، فيبقى له: الإطعام، والكسوة، والعتق، قال البهوتي في شرح المنتهى: (ويتصور عتقه للمسلم بقوله: "أعتق عبدك عني وعلي ثمنه"، فيفعل أو يكون دخل في ملكه بنحو إرث).
(٥) المراد: أنهما سواء في الفضيلة، وقد ورد الأمران في الصحيحين في قوله ﷺ : «إِلا كَفَّرْتُ عن يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خير»، أو «أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني»، وجعل في الإقناع الكفارةَ قبل الحنث محللة، وبعده مكفرة؛ لكن إخراج الكفارة بعد الحنث يكون على الفور، وكذلك الكفارة في النذر، فإنها على الفور.
(تتمة) الحكم فيما لو كفر قبل الحنث بالصيام ثم أيسر قبل الحنث، فحنث وهو موسر، فهل يجزئه التكفير؟ قال في الإقناع =
стр. 1864
ومن حنِثَ -ولو في ألفِ يمينٍ باللهِ تعالى-، ولم يكفِّر: فكفَّارةٌ واحدةٌ (١).
= وشرحه: (وإذا كفر بالصوم قبل الحنث لفقره) إذ (ثم حنث وهو موسر لم يجزئه) الصوم قال في المغني: لأن المعتبر في الكفارات وقت الوجوب وهو هنا وقت الحنث وقد صار موسرا فلا يجزئ الصوم كما لو صام إذن، وقال ابن رجب في القاعدة الخامسة: وإطلاق الأكثرين يخالف ذلك لأنه كان فرضه في الظاهر فبرئ من الواجب فلم يحصل به الحنث لأن الكفارة حلته).
(١) ولو كانت الأيمان على أفعال مختلفة، كأن حلف ألا يركب السيارة، فركب، وحلف ألا يلبس ثوبه، فلبسه، وحلف ألا يدخل بيت فلان، فدخل، فتتداخل، وعليه كفارة واحدة. هذا المذهب، وحملها الخلوتي على أنه تلزمه كفارة واحدة إذا حنث فيها كلها، أما لو حنث في واحدة وكفر، فلا تجزئه عن البقية، وهو مفهوم كلام البهوتي في شرح المنتهى حيث قال: (وحنث فيها كلها).
والقول الثاني في المذهب: أنه إذا اختلفت الأفعال، فعليه كفارة لكل فعل فلو حلف لا يركب السيارة، وحلف ألا يلبس ثوبه، فيلزمه لحنثه في كل واحد منهما كفارة، فإذا ركب السيارة ولبس ثوبه لزمته كفارتان، أما إن كانت اليمين واحدة على أفعال مختلفة كما لو حلف فقال: والله لا أركب السيارة ولا ألبس الثوب فحنث فيهما فكفارة واحدة بغير خلاف نعلمه قاله في المبدع.
=
стр. 1865
بابُ جامعِ الأَيمانِ (١)
يُرجعُ في الأيمانِ: إلى نيَّةِ الحالفِ (٢).
فمن دُعيَ لغداءٍ، فحَلَفَ: «لا يتغدَّى»: لم يحنَث بغداءِ
= (تتمة) التداخل في المذهب يحصل إذا كانت الكفارة واحدة كيمين ونذر -كما ذكره في الغاية اتجاها ووافقاه، وأخذه البهوتي من كلام الإقناع، وجزم به الخلوتي وعبارته: (ولو اختلف جنس الحلف كاليمين والنذر) -، أما مع اختلاف الواجب في الأيمان -أي: اختلاف الكفارة-، فلا تداخل، ومثال ذلك: الظهار واليمين بالله تعالى، فمن ظاهر من زوجته، وحلف ألا يركب سيارة فلان، وحنث فيها، فعليه للظهار كفارته، ولليمين كفارتها. والله تعالى أعلم. (فرق فقهي)
(١) قال الحفيد: (وأحكام هذا الباب يشترك فيها الطلاق والعتق واليمين بالله تعالى).
(٢) هذه المرتبة الأولى: الرجوع إلى نية الحالف، وإنما يُرجع إلى نية الحالف بشرطين: ١ - أن يكون غير ظالم، سواء كان مظلوماً أو لا. أما الظالم الذي يستحلفه الحاكم بحق عليه، فإن يمينه تكون على ما يصدقه صاحبها. ٢ - وأن يكون اللفظ يحتمل ما نواه، أما لو كان اللفظ لا يحتمل النية، فالعبرة إذن باللفظ.
стр. 1866
غيرِهِ، إن قَصَدَهُ (١).
أو حَلَفَ: «لا يدخلُ دارَ فلانٍ»، وقالَ: «نويتُ اليومَ»: قُبلَ حُكماً (٢)، فلا يحنَثُ بالدُّخولِ في غيرِهِ (٣).
و: «لا عُدتُّ رأيتُكِ تدخلِينَ دارَ فلانٍ»، ينوي منعَها، فدخلتها: حنِثَ، ولو لم يَرَها (٤).
(١) لأن النية تخصص اللفظ، فمن دعي إلى غداء فقال: «والله لا أتغدى» قاصدا أنه لا يتغدى عند من دعاه فقط، فلا يحنث إذا تغدى عند غيره كبيته مثلا، فإذا قصد ذلك، صح، والغداء: هو ما يأكل غدوة قبل الزوال.
(٢) أما بينه وبين الله إذا نوى على الدوام: فتلزمه الكفارة.
(٣) فالنية هنا في هذا المثال خصصت عمومَ الوقت، وصار المراد هو اليوم فقط.
(٤) فيحنث ولو لم يرها دخلتها، فالنية هنا عممت الخاص.
(تتمة) أحوال النية مع اللفظ -كما في الإقناع-: ١ - النية تقيد المطلق، كقوله: «والله لأعتقنَّ رقبة»، ناوياً رقبة مؤمنة فقط فتتقيد بالمؤمنة. ٢ - وتطلق المقيد كقوله: «والله لا ركبت سيارة فلان التويوتا»، ناوياً كل سياراته، أو قطعَ المنة، فيحنث بركوب أي سيارة من سياراته. ٣ - وتخصص العام، كقوله: «والله لا آكل لحماً»، ناوياً لحم الإبل فقط. ٤ - وتعمم الخاص، كقوله: «والله لا شربت لفلان الماء من العطش»، ناوياً قطع كل ما له فيه مِنَّة، فيحنث بتناول أي شيء من فلان. ٥ - أن ينوي بيمينه غير ما يفهمه السامع، وهي =
стр. 1867
فصل
فإن لم ينوِ شيئاً (١): رُجِعَ إلى سببِ اليمينِ، وما هيَّجَها (٢).
فمن حَلَفَ:
- «ليقضينَّ زيداً حقَّهُ غداً»، فقضاهُ قبلَهُ (٣)،
- أو: «لا يبيعُ كذا إلا بمئةٍ»، فباعَهُ بأكثرَ (٤)،
= التورية، كمن سئل: «هل ستصلي في مسجد فلان؟»، فقال: «نعم والله سأصلي في المسجد»، يريد مسجداً غير مسجد ذلك الشخص.
(١) أي: لا ظاهر اللفظ، ولا غيره.
(٢) أي: ما أثارها، وهذه المرتبة الثانية وهي: الرجوع إلى سبب اليمين وما أثارها، وهذه إنما يرجع إليها إذا عدمت النية من الحالف.
(٣) فلا يحنث؛ لأن سبب اليمين هو الحث على سرعة قضاء الحق لزيد، كأن قال ذلك جواباً لمن قال له: «أنت مماطل»؛ لأن ما هيج قولَه هو التعجيل، ونفي التأخير.
(٤) فلا يحنث، كأن يقول ذلك رداً على مشترٍ سام السلعة بأقل من مئة، فلو باعها بائعها بأكثر من مئة، فلا شيء عليه؛ لأن ما هيج يمينه هو أن لا يبيع بأقل من مئة، لا بأكثر.
(تتمة) إذا اختلف السبب والنية، قُدمت النية.
стр. 1868
- أو: «لا يدخلُ بلدَ كذا»؛ لظُلمٍ فيها، فزالَ، ودخلَها (١)،
- أو: «لا يكلِّمُ زيداً»؛ لشُربِهِ الخمرَ، فكلَّمَهُ، وقد تركَهُ (٢): لم يحنَث في الجميعِ.
(١) فلا يحنث؛ لأن ما أثار اليمين هو الظلم، وقد زال.
(تنبيه) هذا المثال وما بعده يقدمون له بقاعدة وهي: (العبرة بخصوص السبب، لا بعموم اللفظ) فيما إذا كان اللفظ أعم من السبب؛ لأن السبب يدل على النية، فصار كالمنوي، وصار السبب يقتضي تخصيصَ اللفظِ العام، وقصره على الخاص.
(٢) فلا يحنث أيضاً؛ لدلالة الحال على أن المراد ما دام يشربه، وقد انقطع ذلك.
стр. 1869
فصل
فإن عُدِمَ النَّيَّةُ والسَّببُ: رُجعَ إلى التَّعيينِ (١).
فمن حَلَفَ:
- «لا يدخلُ دار فلانٍ هذهِ»، فدخلَها، وقد باعَها، أو: وهي فضاءٌ.
- أو: «لا كلَّمتُ هذا الصَّبيَّ»، فصارَ شيخاً، وكلَّمَهُ.
- أو: «لا أكلتُ هذا الرُّطبَ»، فصارَ تمراً، ثُم أكلَهُ: حَنِثَ في الجميعِ (٢).
(١) المرتبة الثالثة: الرجوع -بعد انعدام النية والسبب- إلى التعيين، والمراد به: الإشارة. والتعيين أبلغ من دلالة الاسم على المسمى، ويحصل: ١ - بالإشارة، ٢ - أو الإضافة، ك: دار زيد. فيرجع إلى التعيين، ولو زال اسمه، واستحالت أجزاؤه.
(٢) ويستثنى من ذلك: ما لم ينوِ: ما دام على تلك الحالة، فإن نوى ذلك: لم يحنث في الجميع.
стр. 1870
فصل
فإن عدِمَ النِّيَّة والسَّبب والتَّعيين: رُجعَ إلى ما تناولَهُ الاسمُ.
وهو ثلاثةٌ: شرعيٌّ، فعرفيٌّ، فلُغويٌّ (١).
(١) هذه المرتبة الرابعة: إذا عدمت النية والسبب والتعيين: رجع إلى ما تناوله الاسم:
قال في المعونة: (وتنقسم الأسماء إلى ١ - ما له مسمى واحد في الشرع والعرف واللغة؛ كالأرض والسماء، والشمس والقمر، والذكر والأنثى، والرجل والمرأة، والإنسان والحيوان. فهذا ومثله ينصرف يمين الحالف إلى ما سماه بغير خلاف، ٢ - وإلى ما له مسميات مختلفة من حيث الشرع والعرف واللغة، (ويقدَّم) منها مع الإطلاق: (شرعيٌ فعُرفيٌ فلُغوفيٌ).
والمراد -والله أعلم- أن هناك أسماء لها معنى واحد فقط في الشرع والعرف واللغة، فتنصرف اليمين إلى ذلك المعنى، وأسماء لها أكثر من معنى، فيكون لها معنى في الشرع والعرف واللغة، فيرجع في ذلك الاسم في اليمين إلى المعنى الشرعي، فإن عدم فإلى المعنى العرفي، فإن عدم فإلى المعنى اللغوي، وهذا إذا لم يقصد الحالفُ معنى معينا، فإن نواه تعين؛ لأن النية تخصص اللفظ.
стр. 1871
فاليمينُ المطلَقَةُ: تنصرفُ إلى الشَّرعيِّ، وتتناولُ الصَّحيحَ منهُ (١).
فمن حَلَفَ: «لا ينكحُ»، أو: «لا يبيعُ»، أو: «لا يشتري»، فعَقَدَ عقداً فاسداً (٢): لم يحنث (٣).
لكن لو قيَّدَ يمينَهُ بممتنِعِ الصِّحَّةِ، كحَلِفِهِ: «لا يبيعُ الخمرَ»، ثم باعَهُ: حَنِثَ بصورةِ ذلكَ (٤).
(١) فالاسم الذي في اليمين إذا كان له أكثر من معنى كالصلاة، فإنها في اللغة الدعاء، وفي الشرع الصلاة المعروفة، فتتناول: المعنى الشرعي وهو الصلاة المعروفة، والصحيحَ منه لا الفاسد.
قال الحفيد: (واحترز بقوله: المطلقة: عن اليمين التي قصد بها المسمى اللغوي، أو كان هو المهيج ليمينه، فإنه يحنث به دون الشرعي).
(٢) أو باطلاً.
(٣) لأن اليمين المطلقة تنصرف للصحيح، ويستثنى من ذلك إذا حلف: لا يحج، أو لا يعتمر، فحج حجاً فاسداً، أو اعتمر عمرة فاسدة، فيحنث؛ لوجوب المضي في فاسدهما، بخلاف غيره من العبادات. (فرق فقهي)
(٤) أي: لو قيد يمينَه بصورة عقد لا تتصور معه الصحة، كما لو حلف لا يبيع الخمر فيحنث بفعل تلك الصورة، فلو باع الخمر حنث، قال في المعونة: (لتعذر حمل يمينه على عقدٍ صحيح … فتعين كون صورة ذلك محلاً لها).
стр. 1872
فصل
فإن عُدِمَ الشَّرعيُّ (١): فالأيمانُ مبناها على العُرفِ (٢).
فمن حَلَفَ:
- «لا يطأُ امرأتَهُ»: حنِثَ بجماعِها (٣).
(١) أي: إذا لم يكن له معنى في الشرع، بل في العرف واللغة فقط، فيقدم المعنى العرفي.
(تنبيه) يجب مراعاة الأعراف من بلد إلى بلد، بل من قوم إلى قوم ولو في بلد واحد، ولا يحمل إلا على العرف الذي عناه المكلف، قال في الإقناع وشرحه -نقلا عن شيخ الإسلام-: (قال الشيخ: الأحكام) من قسم وغيره (متعلقة بما أراده الناس بالألفاظ الملحونة، كقوله حلفت بالله رفعا ونصبا) كقوله (والله باصوم وباصلي ونحوه، وكقول الكافر: أشهد أن محمدٌ رسولَ الله برفع الأول ونصب الثاني و) كقوله (أوصيت لزيد بمائة، وأعتقت سالما ونحو ذلك، وقال من رام جعل جميع الناس في لفظ واحد بحسب عادة قوم بعينهم فقد رام ما لا يمكن عقلا ولا يصح شرعا انتهى وهو كما قال) لشهادة الحس به).
(٢) وهو ما اشتهر مجازه حتى غلب على حقيقته، فإنا نقدم فيه المعنى العرفي على اللغوي؛ لأن المعنى اللغوي صار مهجوراً، لا يعرفه أكثر الناس.
(٣) لأن الوطء في اللغة يكون بالقدم، وفي العرف: يراد به =
стр. 1873
- أو: «لا يطأُ»، أو: «لا يضعُ قَدَمَهُ في دارِ فلانٍ»: حنِثَ بدخولِها، راكباً أو ماشياً، حافياً أو مُنتَعِلاً (١).
- أو: «لا يدخلُ بيتاً»: حنِثَ بدخولِ المسجِدِ، والحمَّامِ، وبيتِ الشَّعْرِ (٢).
- أو: «لا يضرِبُ فلانةً»، فخَنَقَها، أو نَتَفَ شعرَها، أو عضَّها: حنِثَ (٣).
= الجماع، فيقدم العرف.
(١) لأن المراد به في العرف هو مطلق الدخول.
(٢) قال في الإقناع وشرحه: (حنث حضريا كان الحالف أو بدويا) لأنها بيوت حقيقة لقوله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ [النور: ٣٦] وقوله: ﴿إن أول بيت وضع للناس﴾ [آل عمران: ٩٦] الآية. وقوله ﷺ : «بئس البيت الحمام» رواه أبو داود وغيره وفيه ضعف. وإذا كان في الحقيقة بيتا وفي عرف الشارع حنث بدخوله وأما بيت الشعر والأدم فلأن اسم البيت يقع عليه لقوله تعالى: ﴿والله جعل لكم من بيوتكم سكنا﴾ [النحل: ٨٠] الآية - والخيمة كذلك). قلت: والعرف عندنا -الحضر خاصة- الآن أن المراد بالبيت هو الدار التي تكون للسكنى، فلا يعم المسجد، ولا بيت الشعر والحمام. والله أعلم.
(٣) لوجود المقصود بالضرب وهو التألم، قال الحفيد: (ما لم ينوِ حقيقة الضرب أو يقتضيه السبب) أي: فلا يحنث لو خنقها أو نتف شعرها أو عضها.
стр. 1874
فصل
فإن عُدِمَ العرفُ: رُجِعَ إلى اللُّغةِ (١).
فمن حَلَفَ:
- «لا يأكلُ لحماً»: حنِثَ بكلِّ لحمٍ (٢)، حتَّى بالمحرَّمِ، كالميْتةِ والخنزيرِ، لا بما لا يسمَّى لحماً، كالشَّحمِ ونحوِهِ.
- و: «لا يأكلُ لبَناً»، فأكلَهُ، ولو من لَبَنِ آدميَّةٍ: حنِثَ (٣).
- و: «لا يأكلُ رأساً ولا بيضاً»: حنِثَ بكلِّ رأسٍ وبيضٍ (٤)، حتَّى برأسِ الجرادِ وبيضِهِ.
(١) أي: إذا لم يكن له معنى في الشرع ولا في العرف، فيرجع إلى معناه اللغوي، وهو الذي لم يغلب فيه مجازُ اللفظ على حقيقته، أو لم يكن له مجاز أصلاً.
(٢) وهذا صحيح بالنسبة للفقهاء، لكن العرف عندنا يخص ذلك بلحم الإبل والبقر والغنم، فيقدم العرف على اللغة.
(٣) قال البهوتي في شرح المنتهى: (لأن الاسم يتناوله حقيقة وعرفا وسواء كان حليبا أو رائبا مائعا أو جامدا -زاد في المعونة هنا: لأن الجميع لبن- قلت: ولو محرما كما تقدم في اللحم)، بخلاف العرف في عصرنا، فلا يدخل في مسمى اللبن إلا الحليب الرائب المائع، دون الحليب غير الرائب، والزبادي، فلا يدخلان.
(٤) أما البيض في عرفنا فيختص ببيض الدجاج فقط.
стр. 1875
- و: «لا يأكلُ فاكهةً»: حنِثَ بكلِّ ما يُتَفَكَّهُ بِهِ (١)، حتَّى بالبطِّيخِ، لا: القِثَّاءِ (٢)، والخيارِ، والزيتونِ (٣)، والزُّعرورِ الأحمرِ.
- و: «لا يتغدَّى»، فأكلَ بعدَ الزَّوالِ (٤)، أو: «لا يتعشَّى»، فأكلَ بعدَ نصفِ اللَّيلِ (٥)، أو: «لا يتسحَّرُ»، فأكلَ قبلَهُ: لم يحنَث (٦).
- و: «لا يأكُلُ من هذهِ الشَّجرةِ»: حنِثَ بأكلِ ثمرتِها فقط (٧).
(١) أي: ما يتنعم به، كما قال الحفيد.
(٢) نوع من أنواع الخيار.
(٣) لأنه لا يتفكه بأكله، وإنما بزيته، قاله الشارح.
(٤) فلا يحنث؛ لأنه ليس بغداء، بل هو عَشاء؛ لأن الغداء مأخوذ من الغدوة، وهي من طلوع الفجر إلى الزوال.
(٥) فلا يحنث؛ لأن العَشاء يبدأ عندهم من بعد الزوال إلى منتصف الليل.
(٦) أي: أكل قبل منتصف الليل فلا يحنث؛ لأن السحور من السحر وهو من منتصف الليل إلى طلوع الفجر، قال في الغاية: (ويتجه: عدم الحنث حيث لا عُرف بخلافه)، ووافقاه. فإذا كان العرف أن الغداء بعد الزوال، حنث؛ لأن العرف مقدم على اللغة، وذكره اللبدي أيضا.
(٧) فلا يحنث بأكل ورقها؛ لأن الثمرة هي المتبادرة إلى الذهن =
стр. 1876
- و: «لا يأكلُ من هذهِ البقرةِ»: حنِثَ بأكلِ كلِّ شيءٍ منها (١)، لا: من لبنِها، وولدِها (٢).
- و: «لا يشرَبُ من هذا النَّهرِ، أو البئرِ»، فاغترفَ بإناءٍ وشرِبَ: حنِثَ (٣)، لا إن حلَفَ: «لا يشرَبُ من هذا الإناءِ»، فاغترفَ منهُ، وشرِبَ (٤).
= فاختص اليمين بها، لكن قد يقال: يشمل كل الشجرة بما فيها من أوراق؛ لأن هذا تعيين فيُقدم على ما يتناوله الاسم. فليحرر.
(١) أي: من أجزائها، مثل الكبد واللحم.
(٢) لأنهما في حكم المنفصل، فهما ليسا من أجزائها.
(٣) لتناوله ما حلف عليه؛ لأن الشرب إنما يكون بالاغتراف، إما بيده أو بإناء غيرها.
(٤) فلا يحنث؛ لأن الإناء آلة الشرب، والشرب حقيقة الكرع فيه، ولم يوجد. قاله في شرح المنتهى، أما إذا كان له نية، فتقدم النية بالشرب مطلقاً، وكذلك إذا كان عرفهم، فيقدم على اللغة.
стр. 1877
فصل
ومن حَلَفَ:
- «لا يدخُلُ دارَ فلانٍ»، أو: «لا يركبُ دابَّتَهُ»: حنِثَ بما جعلَهُ لعبدِهِ (١)، أو آجَرَهُ (٢)، أو استأجَرَهُ (٣)، لا: بما استعارَهُ (٤).
- و: «لا يكلِّمُ إنساناً»: حنِثَ بكلامِ كلِّ إنسانٍ (٥)، حتَّى بقولِ: «اسكُت» (٦).
(١) كأن حلف زيد: لا يركب سيارة صالح، فأعطى صالح تلك السيارة لعبده، ثم ركبها زيد، فيحنث؛ لبقاء ملك صالح عليها.
(٢) أي: آجر صالحٌ السيارةَ لغيره، فلو ركبها زيد حنث؛ لبقاء ملك صالح عليها.
(٣) أي: كأن يستأجر صالحٌ سيارةً، فلو ركبها زيد حنث؛ لأن صالحاً ملك منافع ما استأجره.
(٤) أي: فلو حلف زيد لا يركب سيارة صالح، ثم استعار صالح سيارةً، وركبها زيدٌ، فلا يحنث؛ لأن صالحاً لم يملك بالاستعارة عينَ السيارة ولا منافعها، فالاستعارة إباحة لا تمليك.
(٥) ما لم ينوِ إنساناً معيناً.
(٦) فيحنث، إلا أن ينوي استثناءها.
стр. 1878
- و: «لا كلَّمتُ فلاناً»، فكاتَبَهُ، أو راسلَهُ (١): حنِثَ (٢).
- و: «لا بدأتُ فلاناً بكلامٍ»، فتكلَّما معاً: لم يحنَث (٣).
- و: «لا مِلكَ لَهُ»: لم يحنَث بدَينٍ (٤).
- و: «لا مالَ لَهُ»، أو: «لا يملكُ مالاً»: حنِثَ بالدَّينِ (٥).
- و: «ليضربنَّ فلاناً بمِئةٍ»، فجمَعَها، وضَرَبَهُ بها ضربةً واحدةً: برَّ. لا: إن حَلَفَ «ليضربنَّهُ مِئَةً» (٦).
(١) أي: كتب إليه، أو أرسل له رسولاً.
(٢) لقوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً﴾، فسمى إرسالَ الرسول كلاماً، ويسثتنى من ذلك شيئان: ١ - إذا نوى المشافهة فقط، ولم يقصد الكتابة وإرسال الرسول. ٢ - إذا أرتج على المحلوف في تلاوة القرآن، ففتح عليه الحالف، فلا يحنث الحالف؛ لأنه كلام الله لا كلام آدمي.
(٣) لأنه لم يبدأه بالكلام.
(٤) أي: بدَين له على أحد من الناس؛ لأن الملك يختص بالأعيان من الأموال، والدَّين ليس عيناً، والدين إنما يتعين الملك فيما يقبضه منه.
(٥) فيحنث بملك مال ولو غير زكوي كالعقار، والأثاث؛ لأنها مال، وكذا بدين له وضائع لم ييأس من عوده؛ لأن المال ما تناوله الناس عادة لطلب الربح من الميل من يد إلى يد سواء وجبت فيه الزكاة أو لا. قاله في شرح المنتهى.
(٦) والفرق -كما قال الشيخ عثمان-: أن ما دخلت عليه الباء =
стр. 1879
ومن حَلَفَ: «لا يسكُنُ هذِهِ الدَّارَ»، أو: «ليخرُجَنَّ»، أو: «ليرحلَنَّ منها»: لزِمَهُ الخروجُ بنفسِهِ، وأهلِهِ، ومتاعِهِ المقصودِ (١).
فإن أقامَ فوقَ زمَنٍ يمكنُهُ الخروجُ فيهِ عادةً (٢)، ولم يخرُجْ: حنِثَ (٣).
فإن لم يجد مسكَناً، أو أبت زوجتُهُ الخروجَ معهُ، ولا يمكنُهُ إجبارُها، فخرجَ وحدَهُ: لم يحنَث.
وكذا: البلدُ (٤)، إلا أنهُ يَبَرُّ بخروجِهِ وحدَهُ (٥) إذا حلَفَ: «ليخرُجَنَّ منهُ».
= يصدق على الآلة سواء فُرِّقت أو جُمعت. وما لم تدخل عليه الباء يصدق على الفعلات، وهي لا تكون من شخص إلا مرتبة. (فرق فقهي)
(١) المراد بأهله: زوجته أو عائلته، والمراد بالمتاع -كما في المطلع-: ما انتفع به الإنسان مما هو في مسكن المحلوف عليه، وقال الحفيد: المراد بمتاعه المقصود: هو الذي لا يستغني عنه الساكن، فلو خرج بدون أحدهما حنث؛ لأنه لا يكون منتقلا بدون ذلك.
(٢) قال الحفيد: نهاراً.
(٣) أي: حنث بالاستدامة.
(٤) أي: مثل الدار في الحكم، إلا ما سيأتي استثناؤه.
(٥) أي: دون أهله ومتاعه.
стр. 1880
ولا يحنَثُ في الجميعِ: بالعودِ (١)، ما لم تكن نيَّةٌ أو سببٌ (٢).
والسَّفَرُ القصيرُ (٣): سفرٌ يبَرُّ بِهِ من حلَفَ: «ليُسافِرَنَّ»، ويحنَثُ بِهِ مَنْ حلَفَ: «لا يسافرُ» (٤).
وكذا: النَّومُ اليسيرُ (٥).
ومن حَلَفَ:
- «لا يستخدمُ فلاناً»، فخدَمَهُ وهو ساكتٌ: حنِثَ (٦).
- و: «لا يباتُ - أو: لا يأكلُ - ببلدِ كذا»، فباتَ أو أكلَ خارجَ بُنيانِهِ: لم يحنَث.
وفعلُ الوكيلِ: كالموكِّلِ. فمن حلَفَ: «لا يفعلُ كذا»، فوكَّلَ فيهِ مَنْ يفعلُهُ: حنِثَ (٧).
(١) أي: لو عاد للبلد أو البيت، لم يحنث.
(٢) مثال النية: لو نوى عدم الرجوع مطلقاً، ثم رجع، فإنه يحنث. ومثال السبب: وجود ظلم في البلد، فزال الظلم، ورجع.
(٣) أي: دون مسافة قصر، ويسمى في العرف سفرا.
(٤) أي: لو حلف ليسافرن، فإنه يبر بسفر ولو كان سفرا قصيرا لا يبلغ المسافة، وكذا لو حلف لا يسافر فإنه يحنث لو سافر سفرا قصيرا؛ لدخوله في مسمى السفر.
(٥) فمن حلف «لا ينام»، فنام نوماً يسيراً، فإنه يحنث، كما أنه يبر به لو حلف لينامن.
(٦) لأنه إقرار على خدمته، فإن نهاه فلا يحنث.
(٧) قال في الإقناع وشرحه: (و) من حلف (لا يفعل شيئا فوكل من =
стр. 1881
باب النذر (١)
وهُوَ مكرُوهٌ (٢)،
= يفعله ففعله) الوكيل (حنث) الحالف (إلا أن ينوي) المباشرة بنفسه لأن فعل وكيله كفعله نص عليه ولأن الفعل يضاف إلى الموكِّل فيه والآمر به، كما لو حلف لا يحلق رأسه فأمر من حلقه، (ولو توكل الحالف فيما حلف أن لا يفعله وكان) المحلوف عليه (عقدا أضافه إلى الموكل) بأن قال بعت عن موكلي أو اشتريت له (وأطلق) فلم يضفه إلى الموكل (لم يحنث) الحالف لأن حقوق العقد متعلقة بالموكل كما تقدم لكن تقدم في النكاح لا يصح إذا لم يضفه لموكله). (فرق فقهي)
(١) النذر لغة: الإيجاب، واصطلاحاً: إلزام مكلفٍ مختارٍ نفسَهُ، لله تعالى، بالقول، شيئاً ولو لازماً بأصل الشرع، غير محال. والأصل فيها الإجماع، وسنده: قوله تعالى: ﴿يوفون بالنذر﴾ [الإنسان، ٧]، وقوله: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ [الحج، ٢٩]، وقوله ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه).
(٢) مع كونه عبادة. وذلك للحديث: (إنه لا يأتي بخير، وإنما يُستخرج به من البخيل) متفق عليه، والنهي للكراهة؛ لأنه لو كان حراماً لما مدح الله الموفين بالنذر. والقول الثاني: هو محرم، نقله البهوتي في شرح المنتهى عن أهل الحديث، قال =
стр. 1882
لا يأتي بخيرٍ (١)، ولا يرُدُّ قضاءً (٢).
ولا يصحُّ إلا بالقولِ (٣)، مِنْ مكلَّفٍ (٤) مختارٍ (٥).
وأنواعُهُ المنعقِدَةُ ستَّةٌ، أحكامُها مختلفةٌ:
أحدُها: النذرُ المطلَقُ (٦)، كقولِهِ: «للهِ عليَّ نذرٌ»، فيلزمُهُ
= البهوتي في الكشاف: (ويتعين الوفاء بنذر التبرر).
(١) أي: بنعمة.
(٢) أي: لا يدفع نقمة، ولا يملك به شيئا محدثا. قاله ابن عوض.
(٣) شروط صحة النذر: (الشرط الأول) أن يكون بالقول، وليس له صيغة، بل ينعقد بكل ما أدى معناه، ذكره في الإقناع وشرحه، ويصح النذر بإشارة مفهومة من أخرس، وكأن البهوتي في الكشاف مال إلى انعقاده بالكتابة حيث قال: (ويقتضي تشبيهه بالطلاق صحته بالكتابة، ومقتضى تشبيهه بالنكاح انعقاده بها لكن النكاح أضيق لأنه لا يصح إلا بلفظ مخصوص بخلاف النذر).
(٤) (الشرط الثاني) أن يكون من مكلف، ويصح من الكافر؛ لحديث عمر ﵁: (إني نذرت في الجاهلية)، الحديث.
(٥) (الشرط الثالث) أن يكون مختاراً، لا مكرهاً.
(تتمة) (الشرط الرابع) أن يكون المنذور غير محال، وإلا لم ينعقد، كقوله: لله علي أن أجمع بين الضدين.
(٦) وهو الذي لم يُسمِّ فيه الفعلَ المنذورَ، ولم ينو، فيقول مثلاً: (لله علي نذر)، ويسكت، أو يعلقه ولا يذكر الفعل المنذور، كقوله: (علي نذر إن فعلت كذا)، ولم يسم، ولم ينو شيئا.
стр. 1883
كفَّارةُ يمينٍ (١). وكذا إن قالَ: «عليَّ نذرٌ إن فعلتُ كذا»، ثُمَّ يفعلُهُ (٢).
الثَّاني: نذرُ لَجَاجٍ وغضبٍ (٣)، ك: «إن كلَّمتُكَ (٤) - أو: إن لم أُعطِكَ (٥)، أو: إن كانَ هذا كذا (٦) - فعليَّ الحجُّ، أو: العِتقُ، أو: صومُ سَنةٍ، أو: مالي صدقةٌ (٧)»، فيُخَيَّرُ بينَ الفعلِ، أو كفَّارةِ يمينٍ (٨).
(١) فورا.
(٢) ولا يلزمه كفارة يمين إلا إن فعله.
(٣) وهو: تعليق النذر بشرط يقصد المنع منه، أو الحمل عليه، أو التصديق، أو التكذيب.
(٤) هذا مثال لشرط يقصد منع نفسه من فعله.
(٥) هذا مثال لشرط يقصد حمل نفسه عليه.
(٦) هذا مثال لشرط يقصد منه التكذيب.
(٧) والظاهر من عبارتهم أن المنذور في اللجاج والغضب عبادة، لكن يصح حتى لو كان غير عبادة، كما أشار إليه في الشرح والمبدع.
(٨) أي: إذا حصل الشرط فيخير الناذرُ بين فعل ما نذره أو لا يفعله ويكفر كفارة يمين؛ للحديث: (لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين). رواه الإمام أحمد، كمن قال لشخص: إن كلمتك فسوف أتصدق بألف ريال، فإذا كلمه، فإنه يخير بين الصدقة بالألف ريال، أو لا يتصدق و يكفر كفارة يمين، قال في المغني: (إذا أخرج النذر مخرج اليمين، بأن يمنع نفسه أو غيره به شيئا، أو يحث به على شيء، مثل أن يقول: =
стр. 1884
الثَّالثُ: نذرُ مباحٍ، ك: «للهِ عليَّ أن ألبسَ ثوبي، أو: أركبَ دابَّتي»، فيُخيَّرُ أيضاً (١).
الرَّابعُ: نذرُ مكروهٍ، كطلاقٍ (٢) ونحوِهِ (٣)، فيُسنُّ أن يُكفِّرَ، ولا يفعلَهُ (٤).
الخامسُ: نذرُ معصيةٍ (٥)، كشُربِ الخمرِ، وصومِ يومِ العيدِ، ونحوِهِ، فيحرُمُ الوفاءُ (٦)، ويُكَفِّرُ (٧)،
= إن كلمت زيدا، فلله علي الحج، أو صدقة مالي، أو صوم سنة. فهذا يمين، حكمه أنه مخير بين الوفاء بما حلف عليه، فلا يلزمه شيء، وبين أن يحنث، فيتخير بين فعل المنذور، وبين كفارة يمين، ويسمى نذر اللجاج والغضب، ولا يتعين عليه الوفاء به).
(١) أي: يخير بين أن يلبس ثوبه، أو يركب دابته، وألا يلبس ثوبه، ولا يركب دابته ويكفر كفارة يمين كما لو حلف عليه، وقد روى أبو داود «أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال رسول الله ﷺ : أوف بنذرك».
(٢) كقوله: (نذرٌ علي أن أطلق زوجتي).
(٣) كأكل ثوم وبصل، قال في الغاية: (ويتجه: كإفراد صوم رجب أو جمعة أو سبت) ووافقه الشارح.
(٤) أي: يسن له أن يكفر كفارة يمين ولا يفعل ما نذره.
(٥) ينعقد في المذهب، وهو من المفردات.
(٦) ويحرم الوفاء به؛ للحديث: (من نذر أن يعصي الله فلا يعصه) رواه البخاري.
(٧) فإن وفى به أثم، ولا كفارة، قاله في الإقناع.
стр. 1885
ويقضي الصَّومَ (١).
السَّادسُ: نذرُ تبرُّرٍ (٢)، كصلاةٍ وصيامٍ - ولو واجبَينِ (٣) -، واعتكافٍ، وصدَقةٍ، وحجٍّ، وعمرةٍ، بقصدِ التقرُّبِ (٤).
أو: يعلِّقُ ذلكَ بشرطِ حصولِ نعمةٍ، أو دَفعِ نِقمةٍ ك: «إن شفى اللهُ مريضي - أو: سَلِمَ مالي - فعليَّ كذا» (٥)، فهذا يجبُ الوفاءُ بِهِ.
(١) أي: لو نذر أن يصوم العيد، فإنه يحرم عليه الوفاء بذلك، ويكفر، ويقضي الصوم، بخلاف الصوم خلال الحيض، فإنه لا ينعقد؛ لأنه مناف للصوم لمعنى فيه كنذر صوم ليلة، فإنه ليس محلاً للصوم، فالظاهر أنه لا قضاء فيه، ولا كفارة؛ لعدم انعقاده. (فرق فقهي)
(٢) أي: تقرب، وفيه شبه بنذر اللجاج والغضب.
(٣) كقوله: لله علي أن أصلي صلاة الظهر.
(٤) أي: مطلقاً، من غير تعليق بشرط، بخلاف ما يلي من الأمثلة التي علقها بشرط.
(٥) صيغ نذر التبرر:
١ - الصيغ التي ذكرها المؤلف ك: (لله علي نذر أن أصلي)، أو: (إن شفى الله مريضي فللَّه علي أن أصلي)، فهذا يجب الوفاء به، وإن نذر طاعةً مع ما ليس بطاعة، وجب الوفاء بالطاعة، وأما المباح فيخير فيه بين الفعل والكفارة، كقوله: (إن شفى الله مريضي، فلله علي نذر أن أعتمر، وألبس ثوبي). وذلك للحديث الذي رواه البخاري أن أبا إسرائيل نذر أن =
стр. 1886
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال ﷺ : (مروه فليجلس وليتكلم، وليستظل، وليتم صومه) رواه البخاري، قال البهوتي في شرح المنتهى: (ويكفر للمتروك كفارة واحدة، ولو خصالا كثيرة؛ لأنه نذر واحد).
٢ - من حلف بقصد التقرب، فإنه يكون نذراً، مثل قوله: (والله لئن سلم مالي لأتصدقن بكذا)، فيلزمه الوفاء به إذا وجد الشرط، قال في شرح الإقناع: (لأن النذر ليس له صيغة معينة، بل ينعقد بكل ما دل عليه، وهذا منه). انظر: شرح المنتهى (٦/ ٤٤٢)
٣ - أن يدل الحال على إرادة النذر، كقوله: (إن قدم فلان تصدقت بكذا)، فهو نذر، وإن لم يصرح بذكر النذر، نص عليه الإمام، قاله في الإقناع. انظر: الكشاف (١٤/ ٤٨٧)
(تتمة) يتميز نذر التبرر عن غيره ما يلي: ١. أن يكون المنذور مذكوراً، وبهذا يخرج النوع الأول، وهو النذر المطلق. ٢. أن يكون المنذور طاعة: لا معصية، ولا مكروها، ولا مباحاً، ويخرج بذلك النوع الثالث، والرابع، والخامس. ٣. أن لا يكون النذر معلقاً بشرط يقصد منه المنع، أو الحث، أو التصديق، أو التكذيب، وإلا فهو نذر لجاج وغضب.
(مسألة) يجب فعل النذر على الفور، بخلاف اليمين، فليست معينة بوقت، وكذلك تجب كفارة النذر على الفور. انظر: الكشاف (١٤/ ٤٩٢) (فرق فقهي)
стр. 1887
فصل
ومن نَذَرَ صومَ شهرٍ معيَّنٍ: لزمَهُ صومُهُ متتابعاً (١).
فإن أفطرَ لغيرِ عُذرٍ: حرُمَ، ولزمَهُ استئنافُ الصَّومِ، معَ كفَّارةِ يمينٍ؛ لفواتِ المحَلِّ (٢).
ولعذرٍ: بَنَى (٣)، ويكفِّرُ؛ لفواتِ التَّتابعِ (٤).
ولو نَذَرَ شهراً مطلقاً (٥)، أو: صوماً متتابعاً غيرَ مقيَّدٍ بزمَنٍ (٦): لزمَهُ التَّتابعُ.
فإن أفطرَ لغيرِ عذرٍ: لزمَهُ استئنافُهُ (٧) بلا كفَّارةٍ (٨).
ولعذرٍ: خُيِّرَ بينَ استئنافِهِ، ولا شيءَ عليهِ، وبينَ البِناءِ،
(١) كأن ينذر صوم شعبان فيتعين؛ ويلزمه أن يصومه متتابعا؛ لأنه أوجبه على نفسه كذلك.
(٢) أي: فيلزمه أن يستأنف شهرا من يوم فطره، وتلزمه كفارة يمين؛ لفوات المحل فيما يصومه بعد الشهر.
(٣) أي: يبني على ما مضى.
(٤) ويقضي ما أفطره بعد انتهاء الشهر متتابعا متصلا.
(٥) غير مقيد لا بقول، ولا بنية.
(٦) أي: بشهر معين.
(٧) أي: يستأنف شهرا جديدا، لئلا يفوت التتابع.
(٨) لأنه لم يوجد تعيين، ولأنه فعل المنذور.
стр. 1888
ويكفِّرُ (١).
ولمن نَذَرَ صلاةً جالساً أن يصلِّيَها قائماً (٢).
(١) أي: يكفر كفارة يمين؛ لفوات التتابع.
(٢) لأنه أتى بالمنذور، وبأفضل منه، قال الشيخ منصور في شرح المنتهى: (وظاهره: ولا كفارة). والله أعلم.
стр. 1889
كتاب القضاء (١)
(١) زاد الشارح: (والفتيا)؛ لأن العلماء يذكرونها مع القضاء دائماً. والقضاء لغة: إحكام الشيء والفراغ منه، قال تعالى: ﴿فقضاهن سبع سموات في يومين﴾ [فصلت، ١٢]، واصطلاحا: هو تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات. والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس﴾ [ص: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون … ﴾ [النساء: ٦٥] الآية، وقوله ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر). متفق عليه. وأجمع المسلمون على نصب القضاء للفصل بين الناس.
(تتمة) في الفتيا: ١ - وهي: تبيين الحكم الشرعي، هكذا في المنتهى، وزاد في الغاية: بلا إلزام، وقال في الإقناع: (المفتي من يبين الحكمَ الشرعي، ويخبر به من غير إلزام، والحاكم يبينه ويلزم به). (فرق فقهي).
٢ - يحرم تساهل مفتٍ في الإفتاء، ويحرم تقليد معروف به.
٣ - من الذي يقلده العامي؟ قال في الإقناع وشرحه: (ويقلد العامي من عرفه عالما عدلا أو رآه منتصبا) للتدريس والإفتاء =
стр. 1890
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (معظما) لأن ذلك يدل على فضله (ولا يقلد من عرفه جاهلا عند العلماء ويكفيه) أي العامي (قول عدل خبير) بما أفتاه فيه كسائر الأخبار الدينية (قال ابن عقيل يجب سؤال أهل الفقه والخير) لقوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٤٣] (فإن جهل عدالته لم يجز تقليده)؛ لأنه لم يتحقق شرط جواز التقليد). والمراد بالعدالة هنا: الباطنة والظاهرة. فإن جهلت عدالته، لم يجز تقليده؛ لاحتمال فسقه. قال الشيخ منصور في شرح المنتهى: (وفيه حرج كبير، خصوصاً السائل الغريب)، ولعله يريد أن العدالة ظاهرة كافية.
٤ - متى يجب على العامي التزام قول من أفتاه؟: أ- إذا لم يجد إلا مفتيا واحدا لزمه أخذه بقوله، ب- وإن وجد أكثر من مفت، فاستفتى وأجيب، فإنه يتخير، ما لم يعمل بقول واحد منهم فإنه يحرم عليه الأخذ بقول غيره إجماعا نقله ابن الحاجب، والهندي وغيرهما قاله في شرح المنتهى، لكن ذكر في الفواكه العديدة فيه خلافا.
٥ - يجوز للمفتي تخيير من استفتاه بين قوله، وقول مخالفه.
٦ - قال في الإقناع وشرحه: (قال) أحمد (لا ينبغي أن يجيب في كل ما يستفتى فيه وقال: إذا هاب الرجل شيئا لا ينبغي أن يحمل على أن يقول وقال: لا ينبغي للرجل أن يعرض نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال: إحداها: أن تكون له نية) أي أن يخلص في ذلك لله تعالى ولا يقصد رياسة ولا نحوها (فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور) =
стр. 1891
وهوَ فرضُ كفايةٍ (١).
فيجبُ على الإمامِ أن ينصِبَ (٢) بكلِّ إقليمٍ (٣) قاضياً.
ويختارُ لذلكَ أفضلَ مَنْ يجدُ علماً ووَرَعاً (٤)، ويأمرُهُ
= إذ الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى (الثانية: أن يكون له حلم ووقار وسكينة) وإلا لم يتمكن من فعل ما تصدى له من بيان الأحكام الشرعية (الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته) وإلا فقد عرض نفسه لعظيم (الرابعة: الكفاية وإلا أبغضه الناس فإنه إذا لم تكن له كفاية احتاج إلى الناس وإلى الأخذ مما في) أيديهم، فيتضررون منه (الخامسة: معرفة الناس أي ينبغي له) أي للمفتي (أن يكون بصيرا بمكر الناس وخداعهم، ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم بل يكون حذرا فطنا مما يصورونه في سؤالاتهم) لئلا يوقعوه في المكروه، ويؤيده حديث «احترسوا من الناس بسوء الظن واخبر أخاك البكري ولا تأمنه»).
(١) أي: إذا قام به من يكفي، سقط عن الباقين، وإذا أجمع أهل بلد على تركه، أثموا.
(٢) أي: يُقيم.
(٣) وذكر الشارح في نيل المآرب أن الأقاليم سبعة: ١ - الهند، ٢ - والحجاز، ٣ - ومصر، ٤ - وبابل، ٥ - والروم والشام، ٦ - وبلاد الترك، ٧ - والصين. ولم أجدها في غيره. ولعل المراد بالإقليم: البلادُ الكبيرة.
(٤) أي: يجب أن يختار لنصب القضاء أفضل من يجده علما =
стр. 1892
بالتَّقوى وتحرِّي العدلِ (١).
= وورعا، فإن لم يعرف الأفضلَ: سأل عمن يصلح، فإن ذُكر له من لا يعرفه: أحضره، وسأله، ثم إذا عرف عدالته ولاه، وإلا بحث عنها، فإذا عرفها ولاه.
(١) وهل يجب على الإنسانُ إذا طُلِب للقضاء أن يجيب؟ لا يخلو الأمر مما يلي: ١ - إذا لم يوجد غيره ممن يوثق به، فيجب عليه الدخول في القضاء إذا كان صالحاً له، ولم يشغله الدخولُ فيه عما هو أهم منه. ٢ - أما إذا وُجد غيره، فالأفضل له ألا يجيب؛ طلباً للسلامة. قال في الإنصاف - بعد أن قدم أن الأفضل ألا يجيب -: (وقال ابن حامد: إن كان رجلا خاملا لا يرجع إليه في الأحكام، فالأولى: له التولية ليرجع إليه في ذلك، ويقوم الحق به، وينتفع به المسلمون. وإن كان مشهورا في الناس بالعلم، ويرجع إليه في تعليم العلم والفتوى له اشتغال بذلك).
(تتمة) يكره طلب القضاء على المذهب مع وجود صالح له، ويحرم أن يبذل مالاً ليولَّى القضاء وحرم أخذه، ويحرم طلبه وفيه مباشر أهل، وتصح تولية الحريص على القضاء بلا كراهة.
(تتمة) هل يجوز لمن دخل في القضاء تركه والتخلي عنه؟ تقدمت القاعدة: أن من دخل في فرض موسع حرم قطعه، فقد يقال بحرمة الخروج منه بعد الشروع فيه، لكن قوله في الإقناع: (وهو فرض كفاية كالإمامة العظمى) يدل على أن وجوبه كما هو في الإمامة العظمى، وقد قال في الإقناع أيضا =
стр. 1893
وتصحُّ ولايةُ القضاءِ والإمارةِ: منجَّزةً (١)، ومعلَّقَةً (٢).
وشُرِطَ لصحَّةِ التَّوليةِ: كونُها مِنْ إمامٍ أو نائبِهِ فيهِ (٣)، وأن يعيِّنَ لَهُ ما يولِّيهِ فيهِ الحُكمَ مِنْ عملٍ وبلدٍ (٤).
= في باب قتال أهل البغي: (وتصرف الإمام على الناس بطريق الوكالة لهم، فهو وكيل المسلمين، فله عزل نفسه). الكشاف (١٤/ ٢٠٥) وذكره أيضا في باب العاقلة الكشاف (١٣/ ٤٤٥)، وإذا جاز للإمام الأعظم عزل نفسه مع نصهم بأن نصب الإمام فرض كفاية، فمن باب أولى جواز ترك القضاء بعد الشروع فيه خاصة مع وجود غيره فيه، فليحرر. والله أعلم.
(١) كأن يقول له: وليتك الحكمَ الآن.
(٢) كقوله: (إذا جاء رمضان، فأنت قاضٍ في كذا)، ودليل صحة التعليق قوله ﷺ : (أميركم زيد، فإن قتل فجعفر) رواه الإمام أحمد وغيره.
(٣) يشترط لصحة التولية: (الشرط الأول) كونها من إمام أو نائبه. والنائب: من فوض إليه الإمامُ توليةَ القضاء، ولا يجوز للمولَّى ذلك اختيارُ نفسه، ولا ولده، ولا والده.
(٤) (الشرط الثاني) أن يعيِّن له ما يحكم فيه من عمل وبلد، والعمل: ما يجمع بلدان وقرى متفرقة كالعراق، والبلد: كبغداد، وقد يغني ذكر البلد عن العمل، فلو قال: مكة، فالعمل هو الحجاز، ومكة هي البلد.
(تتمة) (الشرط الثالث): أن يعرف الإمام أو نائبه أن المولَّى صالح للقضاء. و (الشرط الرابع) أن يشافهه بتوليته القضاءَ إذا =
стр. 1894
وألفاظُ التَّوليةِ الصَّريحةُ سبعةٌ:
- ولَّيتُكَ الحكمَ، أو: قلَّدتُكَهُ،
- و: فوَّضتُ، أو: رددتُ، أو: جعلتُ إليكَ الحكمَ،
- و: استخلفتُكَ، و: استنبتُكَ في الحكمِ (١).
والكنايةُ نحوُ:
- اعتمدتُ، أو: عوَّلتُ عليكَ،
- و: وكَّلتُ، أو: أسندتُ إليكَ.
لا تنعقدُ بها إلا بقرينةٍ، نحوُ: فاحكم، أو: فتولَّ ما عوَّلتُ عليكَ فيهِ (٢).
= كان حاضراً، فإذا كان غائباً: كاتبه وأشهد عدلين على الكتابة، وذكر الحفيد أنه إذا كانت التولية مشافهة، فلا بد أن يكون القبول على الفور، وإذا كان غائباً، فعلى التراخي، ويكون القبول إما بالقول، أو بالفعل، وهو الشروع في العمل، أي: الحكم.
(١) قال في المنتهى وشرحه: (فإذا وجد أحدها) أي: أحد هذه الألفاظ السبعة (وقبل مولى) بفتح اللام (حاضر بالمجلس) انعقدت الولاية كالبيع والنكاح (أو) قبل التولية (غائب) عن المجلس (بعده) أي: بعد بلوغ الولاية به (أو شرع الغائب في العمل انعقدت) لدلالة شروعه في العمل على القبول كالوكالة).
(٢) لأن هذه الألفاظ تحتمل الولاية وغيرها، كالأخذ برأيه ونحوه، فلا تنصرف إلى التولية إلا بقرينة تنفي الاحتمال، قال =
стр. 1895
فصل
وتُفيدُ ولايةُ الحكمِ العامةِ (١):
- فصلَ الخصوماتِ (٢)، وأخذَ الحقِّ، ودفعَهُ للمُستحِقِّ،
- والنَّظرَ في مالِ اليتيمِ، والمجنونِ، والسَّفيهِ، والغائبِ،
- والحَجرَ لسَفهٍ، وفَلَسٍ،
- والنَّظرَ في الأوقافِ؛ لتجريَ على شرطِها (٣)،
- وتزويجَ مَنْ لا وليَّ لها (٤).
= الخلوتي: (قوله: (إلا بقرينة): أي: تنفي الاحتمال، ومقتضى التمثيل والتعليل: أنه لابد من قرينة لفظية).
(١) ولاية الحكم قد تكون عامة: وهي التي لم تختص بحال دون حال، فيتولى الحكم في كل شيء، وهي التي تناولها المصنف هنا. أما الخاصة: فيتولى بها الحكم في نوع معين من الأقضية كالأسرة أو الجنايات.
(٢) وهذا أهم أعماله.
(٣) أي: على شرط الواقف، وهذا إذا لم يكن هناك ناظر خاص، فإن كان ثم ناظر خاص فإن عليه النظر العام، فيعترض عليه إن فعل ما لا يجوز له فعله.
(٤) وكذلك إقامة الحدود، وإمامة الجمعة والعيد، ما لم يعين الإمامُ إماماً آخر.
следующие страницы →