← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30004

فيض الجليل على متن الدليل

أحمد بن ناصر القعيمي

Полный текст (2 012 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وهوَ فرضُ كفايةٍ (١). فيجبُ على الإمامِ أن ينصِبَ (٢) بكلِّ إقليمٍ (٣) قاضياً. ويختارُ لذلكَ أفضلَ مَنْ يجدُ علماً ووَرَعاً (٤)، ويأمرُهُ = إذ الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى (الثانية: أن يكون له حلم ووقار وسكينة) وإلا لم يتمكن من فعل ما تصدى له من بيان الأحكام الشرعية (الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته) وإلا فقد عرض نفسه لعظيم (الرابعة: الكفاية وإلا أبغضه الناس فإنه إذا لم تكن له كفاية احتاج إلى الناس وإلى الأخذ مما في) أيديهم، فيتضررون منه (الخامسة: معرفة الناس أي ينبغي له) أي للمفتي (أن يكون بصيرا بمكر الناس وخداعهم، ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم بل يكون حذرا فطنا مما يصورونه في سؤالاتهم) لئلا يوقعوه في المكروه، ويؤيده حديث «احترسوا من الناس بسوء الظن واخبر أخاك البكري ولا تأمنه»). (١) أي: إذا قام به من يكفي، سقط عن الباقين، وإذا أجمع أهل بلد على تركه، أثموا. (٢) أي: يُقيم. (٣) وذكر الشارح في نيل المآرب أن الأقاليم سبعة: ١ - الهند، ٢ - والحجاز، ٣ - ومصر، ٤ - وبابل، ٥ - والروم والشام، ٦ - وبلاد الترك، ٧ - والصين. ولم أجدها في غيره. ولعل المراد بالإقليم: البلادُ الكبيرة. (٤) أي: يجب أن يختار لنصب القضاء أفضل من يجده علما =

стр. 1892

بالتَّقوى وتحرِّي العدلِ (١). = وورعا، فإن لم يعرف الأفضلَ: سأل عمن يصلح، فإن ذُكر له من لا يعرفه: أحضره، وسأله، ثم إذا عرف عدالته ولاه، وإلا بحث عنها، فإذا عرفها ولاه. (١) وهل يجب على الإنسانُ إذا طُلِب للقضاء أن يجيب؟ لا يخلو الأمر مما يلي: ١ - إذا لم يوجد غيره ممن يوثق به، فيجب عليه الدخول في القضاء إذا كان صالحاً له، ولم يشغله الدخولُ فيه عما هو أهم منه. ٢ - أما إذا وُجد غيره، فالأفضل له ألا يجيب؛ طلباً للسلامة. قال في الإنصاف - بعد أن قدم أن الأفضل ألا يجيب -: (وقال ابن حامد: إن كان رجلا خاملا لا يرجع إليه في الأحكام، فالأولى: له التولية ليرجع إليه في ذلك، ويقوم الحق به، وينتفع به المسلمون. وإن كان مشهورا في الناس بالعلم، ويرجع إليه في تعليم العلم والفتوى له اشتغال بذلك). (تتمة) يكره طلب القضاء على المذهب مع وجود صالح له، ويحرم أن يبذل مالاً ليولَّى القضاء وحرم أخذه، ويحرم طلبه وفيه مباشر أهل، وتصح تولية الحريص على القضاء بلا كراهة. (تتمة) هل يجوز لمن دخل في القضاء تركه والتخلي عنه؟ تقدمت القاعدة: أن من دخل في فرض موسع حرم قطعه، فقد يقال بحرمة الخروج منه بعد الشروع فيه، لكن قوله في الإقناع: (وهو فرض كفاية كالإمامة العظمى) يدل على أن وجوبه كما هو في الإمامة العظمى، وقد قال في الإقناع أيضا =

стр. 1893

وتصحُّ ولايةُ القضاءِ والإمارةِ: منجَّزةً (١)، ومعلَّقَةً (٢). وشُرِطَ لصحَّةِ التَّوليةِ: كونُها مِنْ إمامٍ أو نائبِهِ فيهِ (٣)، وأن يعيِّنَ لَهُ ما يولِّيهِ فيهِ الحُكمَ مِنْ عملٍ وبلدٍ (٤). = في باب قتال أهل البغي: (وتصرف الإمام على الناس بطريق الوكالة لهم، فهو وكيل المسلمين، فله عزل نفسه). الكشاف (١٤/ ٢٠٥) وذكره أيضا في باب العاقلة الكشاف (١٣/ ٤٤٥)، وإذا جاز للإمام الأعظم عزل نفسه مع نصهم بأن نصب الإمام فرض كفاية، فمن باب أولى جواز ترك القضاء بعد الشروع فيه خاصة مع وجود غيره فيه، فليحرر. والله أعلم. (١) كأن يقول له: وليتك الحكمَ الآن. (٢) كقوله: (إذا جاء رمضان، فأنت قاضٍ في كذا)، ودليل صحة التعليق قوله ﷺ : (أميركم زيد، فإن قتل فجعفر) رواه الإمام أحمد وغيره. (٣) يشترط لصحة التولية: (الشرط الأول) كونها من إمام أو نائبه. والنائب: من فوض إليه الإمامُ توليةَ القضاء، ولا يجوز للمولَّى ذلك اختيارُ نفسه، ولا ولده، ولا والده. (٤) (الشرط الثاني) أن يعيِّن له ما يحكم فيه من عمل وبلد، والعمل: ما يجمع بلدان وقرى متفرقة كالعراق، والبلد: كبغداد، وقد يغني ذكر البلد عن العمل، فلو قال: مكة، فالعمل هو الحجاز، ومكة هي البلد. (تتمة) (الشرط الثالث): أن يعرف الإمام أو نائبه أن المولَّى صالح للقضاء. و (الشرط الرابع) أن يشافهه بتوليته القضاءَ إذا =

стр. 1894

وألفاظُ التَّوليةِ الصَّريحةُ سبعةٌ: - ولَّيتُكَ الحكمَ، أو: قلَّدتُكَهُ، - و: فوَّضتُ، أو: رددتُ، أو: جعلتُ إليكَ الحكمَ، - و: استخلفتُكَ، و: استنبتُكَ في الحكمِ (١). والكنايةُ نحوُ: - اعتمدتُ، أو: عوَّلتُ عليكَ، - و: وكَّلتُ، أو: أسندتُ إليكَ. لا تنعقدُ بها إلا بقرينةٍ، نحوُ: فاحكم، أو: فتولَّ ما عوَّلتُ عليكَ فيهِ (٢). = كان حاضراً، فإذا كان غائباً: كاتبه وأشهد عدلين على الكتابة، وذكر الحفيد أنه إذا كانت التولية مشافهة، فلا بد أن يكون القبول على الفور، وإذا كان غائباً، فعلى التراخي، ويكون القبول إما بالقول، أو بالفعل، وهو الشروع في العمل، أي: الحكم. (١) قال في المنتهى وشرحه: (فإذا وجد أحدها) أي: أحد هذه الألفاظ السبعة (وقبل مولى) بفتح اللام (حاضر بالمجلس) انعقدت الولاية كالبيع والنكاح (أو) قبل التولية (غائب) عن المجلس (بعده) أي: بعد بلوغ الولاية به (أو شرع الغائب في العمل انعقدت) لدلالة شروعه في العمل على القبول كالوكالة). (٢) لأن هذه الألفاظ تحتمل الولاية وغيرها، كالأخذ برأيه ونحوه، فلا تنصرف إلى التولية إلا بقرينة تنفي الاحتمال، قال =

стр. 1895

فصل وتُفيدُ ولايةُ الحكمِ العامةِ (١): - فصلَ الخصوماتِ (٢)، وأخذَ الحقِّ، ودفعَهُ للمُستحِقِّ، - والنَّظرَ في مالِ اليتيمِ، والمجنونِ، والسَّفيهِ، والغائبِ، - والحَجرَ لسَفهٍ، وفَلَسٍ، - والنَّظرَ في الأوقافِ؛ لتجريَ على شرطِها (٣)، - وتزويجَ مَنْ لا وليَّ لها (٤). = الخلوتي: (قوله: (إلا بقرينة): أي: تنفي الاحتمال، ومقتضى التمثيل والتعليل: أنه لابد من قرينة لفظية). (١) ولاية الحكم قد تكون عامة: وهي التي لم تختص بحال دون حال، فيتولى الحكم في كل شيء، وهي التي تناولها المصنف هنا. أما الخاصة: فيتولى بها الحكم في نوع معين من الأقضية كالأسرة أو الجنايات. (٢) وهذا أهم أعماله. (٣) أي: على شرط الواقف، وهذا إذا لم يكن هناك ناظر خاص، فإن كان ثم ناظر خاص فإن عليه النظر العام، فيعترض عليه إن فعل ما لا يجوز له فعله. (٤) وكذلك إقامة الحدود، وإمامة الجمعة والعيد، ما لم يعين الإمامُ إماماً آخر.

стр. 1896

ولا يستفيدُ: الاحتسابَ على الباعةِ، ولا إلزامَهم بالشَّرعِ (١). (١) وإذا ارتفعوا إليه لزمهم، وأما قبل ذلك فلا، وعدم الاحتساب على الباعة ولا إلزامهم بالشرع هو ما جزم به في المنتهى والغاية؛ لأن العادة لم تجر بتولي القضاة ذلك، أما الإقناع، فخالفهما، ونقل عن التبصرة: أنه يستفيد الأمرين، قال اللبدي: (ذكره في الإقناع- أي: عن التبصرة- وأقره). (مخالفة الماتن) (تتمة) للقاضي طلب رزق من بيت المال ولو مع عدم الحاجة، قال في المنتهى وشرحه: (وله) أي القاضي (طلب رزق من بيت المال لنفسه وأمنائه وحلفائه) لما روي عن عمر "أنه استعمل زيد بن ثابت على القضاء وفرض له رزقا ورزق شريحا في كل شهر مائة درهم وبعث إلى الكوفة عمارا وابن مسعود وعثمان بن حنيف ورزقهم كل يوم شاة نصفها لعمار ونصفها لابن مسعود وعثمان" … (حتى مع عدم الحاجة) لما تقدم ولحاجة الناس إلى القضاء ولو لم يجز الفرض لهم لتعطل القضاء وضاعت الحقوق ولأن أبا بكر لما ولي الخلافة فرضوا له رزقا كل يوم درهمين). وللمفتي أيضا أخذ رزق من بيت المال، قال في الإقناع وشرحه: (وللمفتي أخذ الرزق من بيت المال) لأن الإفتاء من المصالح العامة كالأذان (ولو تعين عليه أن يفتي ولا كفاية لم يأخذ) من المستفتي لأنه اعتياض عن واجب عليه، ولا يجوز =

стр. 1897

ولا ينفُذُ حكمُهُ في غيرِ مَحَلِّ عَمَلِهِ (١). = (ومن أخذ رزقا) من بيت المال (لم يأخذ) من المستفتي أجرة لفتياه ولا لخطه لاستغنائه بالرزق (وإلا) أي وإن لم يأخذ رزقا (أخذ أجرة حظه) فقط، (و) يجب (على الإمام أن يفرض من بيت المال لمن نصب نفسه لتدريس العلم والفتوى في الأحكام ما يغنيه عن التكسب) لدعاء الحاجة إلى القيام بذلك والانقطاع له وهو في معنى الإمامة والقضاء). (١) أي: محل حكمه الذي وُلِّي الحكم فيه سواء كان بلداً أو بلداناً، فلا يحكم ولا يسمع بينة في غير محل عمله.

стр. 1898

فصل ويُشترطُ في القاضي عشرُ خصالٍ (١): كونُهُ بالغاً، عاقلاً، ذَكَراً (٢)، حُرًّا، مسلماً، عدلاً، سميعاً، بصيراً (٣)، (١) قال في الإقناع وشرحه: (والشاب المتصف بالصفات المعتبرة كغيره لكن الأسن أولى مع التساوي) في الصفات المعتبرة وولى النبي ﷺ عتاب بن أسيد مكة وهو ابن إحدى وعشرين سنة (ويرجح أيضا بحسن الخلق) وتقدم، (و) يرجح (من كان أكمل في الصفات) السابق ذكرها؛ لترجحه بكماله). (٢) لقوله ﷺ : (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأةً). رواه البخاري، فلا يصح تولية المرأة. (٣) لكن لو ثبت عنده شيء ثم فقد السمع والبصر فله أن يحكم فيه فقط، وهي قاعدة ذكرها في المنتهى، قال مع شرحه: (وما يمنع التولية ابتداء) كالجنون والفسق والصمم والعمى (يمنعها دواما) فينعزل إذا طرأ عليه شيء من هذه ونحوها لفقد شرط التولية (إلا فقد السمع والبصر فيما ثبت عنده) وهو سميع بصير (ولم يحكم به) حتى عمي أو طرش (فإن ولاية حكمه باقية فيه) لأن فقدهما ليس من مقدمات الاجتهاد والحكم يستند إلى حال السمع والبصر وقد ثبت الحكم عنده في حال يسمع فيه كلام الخصمين ويميز أحدهما من الآخر بخلاف غيرهما من =

стр. 1899

متكلِّماً (١)، مجتهداً (٢)، ولو في مذهبِ إمامِهِ؛ للضَّرورةِ (٣). = الفسق والجنون والردة ونحوها (فرق فقهي)، (ويتعين عزله) أي: القاضي (مع مرض يمنعه القضاء). (١) لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم. (٢) الاجتهاد: استفراغ الفقيه وسعه لتحصيل حكم شرعي بظن. والمجتهد: من يعرف الكتاب، والسنة، والحقيقة، والمجاز، والمجمل، والمبين … (٣) بأن لم يوجد مجتهد مطلق في ذلك الزمان، فيكفي المجتهد في المذهب. في الحواشي السابغات: (والمراد: المجتهد اجتهاداً مطلقاً: وهو الذي اجتمعت فيه شروط الاجتهاد المذكورة في كتاب القضاء، فإن لم يوجد اكتُفي بمجتهدٍ في مذهب إمامه فقط للضرورة. (تتمة) المراد بالمجتهد في مذهب إمامه: ذكر المرداوي -وتبعه ابن النجار في آخر شرحه للمنتهى- للمجتهد في مذهب إمامه أربعة أحوال -أخذاً من آداب المفتي والمستفتي لابن حمدان-، وهذا ملخصها: الحالة الأولى: أن يكون غير مقلد لإمامه في الحكم والدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد ودعا إلى مذهبه، وجعل المرداوي ممن يدخل في هذا القسم: (الموفق، والمجد)، قلت: هذا القسم يأتي بعد المجتهد المطلق -إذا عُدم- بلا شك. الحالة الثانية: أن يكون مجتهداً في مذهب إمامه مستقلاً =

стр. 1900

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = بتقريره بالدليل، لكن لا يتعدى أصوله وقواعده، مع إتقانه للفقه والقواعد وأدلة مسائل الفقه، وهو من أصحاب الأوجه والطرق في المذهب. قال المرداوي: (والحاصل: أن المجتهد في مذهب إمامه: هو الذي يتمكن من التفريع على أقواله، كما يتمكن المجتهد المطلق من التفريع على كل ما انعقد عليه الإجماع، ودل عليه الكتاب والسنة والاستنباط)، وهو الذي يعنونه بقولهم: (مجتهداً ولو في مذهب إمامه). فضابط هذه الحالة: الحافظ والعالم بمذهب إمامه بأدلته مع علمه بالفقه وأصوله، والقدرة على التفريع على أقوال وقواعد وأصول إمامه، مع معرفته بالحديث واللغة والنحو. وعرَّف ابن عوض -في حاشيته على دليل الطالب- هذا المجتهد بقوله: (هو العارف بمدارك المذهب القادر على تقرير قواعده، والجمع والفرق)، وأصل هذا التعريف بنصه لابن النجار في مختصر التحرير. الحالة الثالثة: الحافظ لمذهب إمامه العارف بأدلته لكنه لم يبلغ رتبة أصحاب الوجوه والطرق؛ لكونه لم يبلغ في حفظ المذهب مبلغهم، أو لكونه غير متبحر في أصول الفقه أو غير ذلك، ولهم تخريجات لكنها دون من هم في الحالة الثانية، قال المرداوي: (وفتاويهم مقبولة). الحالة الرابعة: الذي يحفظ المذهب أو يستحضر أكثره، ويفهمه متصورا لمسائله على وجهها وينقله، فهو يفتي بمنصوص الإمام أو تفريعات أصحابه، فلا يفتي إلا بمنقول =

стр. 1901

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عنهم، ويُدخل بعض الفروع تحت ضابط صالحٍ له في المذهب، وهذا هو المقلد الذي يعنونه بقولهم: (مجتهداً ولو في مذهب إمامه، أو مقلداً)، كما سيأتي في التتمة الآتية. (تتمة) فإن لم يكن ثم مجتهد مطلق، ولا مجتهد في مذهب إمامه، جاز تولية القضاء لمقلد: قال في الإقناع -ونحوه الغاية- بعد تقديم تولية المجتهد في المذهب: (واختار في الإفصاح والرعاية: أو مقلداً، قال في الإنصاف -عن تولية القاضي المقلد-: قلت: وعليه العمل من مدة طويلة وإلا لتعطلت أحكام الناس، انتهى)، وزاد في الإقناع: (وكذا المفتي، فيشترط أن يكون مجتهداً، أو مجتهداً في مذهبه، أو مقلداً)، ثم قال: (فيراعي كلٌ منهما ألفاظَ إمامه، ومتأخِّرَها، ويقلد كبار مذهبه في ذلك، ويحكم به). والمعمول به الآن: هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام، وهو كون شروط القضاء تعتبر حسب الإمكان، وأنه يجب تولية الأمثل فالأمثل، قال: (وعلى هذا يدل كلام الإمام -أي: أحمد- وغيرِه. وقال: فيولى للعدم أنفع الفاسقين وأقلهما شراً، وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد). قال الحجاوي نقلاً عن ابن مفلح في الفروع: (وهو كما قال)، قال الشيخ منصور في الكشاف: (وإلا -أي: إن لم يُعمل بقول شيخ الإسلام- لتعطلت الأحكام واختل النظام). (مسألة) لو زال أحد هذه الشروط عن القاضي بعد توليته، فهل ينعزل؟ أما لو صار فاسقاً، فإنه ينعزل، وكذا لو زال =

стр. 1902

فلو حكَّمَ اثنانِ فأكثرُ بينهما شخصاً صالحاً للقضاءِ (١): نَفَذَ حكمُهُ (٢) في كلِّ ما ينفُذُ فيهِ حكمُ من ولَّاهُ الإمامُ أو نائبُهُ (٣). ويرفعُ الخلافَ، فلا يحلُّ لأحدٍ نقضُهُ حيثُ أصابَ الحقَّ. = عقله، إلا السمع والبصر فيما ثبت عنده في حال سمعه وبصره، فلم يحكم به حتى عمي أو طرش، فولاية حكمه باقية فيه؛ لأنه كان مبصراً في حال الترافع. ويفهم منه أنه لا يحكم فيما عدا ذلك من فقد سمعَه وبصره، فيحكم فيما سمع قبل ذهاب سمعه، ولا يحكم بما بعده. (١) أي: توفرت فيه الشروط العشرة المتقدمة، أما شيخ الإسلام ابن تيمية فيرى عدم اشتراط تلك الصفات فيمن يحكمه الخصمان، وذكر اللبدي أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يبين أي الشروط لا يعتبر، وأنه يحتاج لنظر وتأمل. (٢) حتى مع وجود قاض كما في الإقناع. (٣) ويُلزمان بالحكم، لكن لهما، ولأحدهما الرجوع عن تحكيمه قبل الشروع في الحكم، قال الشيخ منصور في شرح المنتهى: (وينبغي أن يشهد عليهما بالرضا به قبل حكمه؛ لئلا يجحد المحكوم عليه منهما أنه حكمه فلا يقبل قوله عليه إلا ببينة). (تتمة) هل للخصوم أن يتحاكموا إلى شخص صالح للقضاء غير مولى من الحاكم مع وجود قاض مولى من الحاكم؟ نعم، يصح، نص عليه في الإقناع وتقدم.

стр. 1903

فصل (١) ويسنُّ كونُ الحاكمِ: قويًّا بلا عُنفٍ (٢)، ليِّناً بلا ضَعفٍ (٣)، حليماً (٤)، متأنِّيًا (٥)، متفطِّنًا (٦)، عفيفاً (٧)، بصيراً بأحكامِ الحكَّامِ قبلَهُ (٨). ويجبُ عليهِ: العدلُ بينَ الخصمَينِ في لَحظِهِ (٩)، (١) تناول المؤلف في هذا الفصل الأخلاقَ التي ينبغي للقاضي وغيره التحلي بها. (٢) العنف -بضم العين-: ضد الرفق؛ لئلا يطمع فيه الظالم. (٣) بضم الضاد وفتحها، والمراد: ألا يبالغ في اللين؛ لئلا يهابه صاحب الحق. (٤) الحِلم -كما في المطلع-: الأناة والصفح، فالحليم هو الذي لا يستفزه غضب، ولا يستخفه جهل جاهل، ولا عصيان عاصي، أما الصافح مع العجز، فلا يستحق أن يوصف بالحليم. (٥) أي: في سماع كلام الخصوم؛ لئلا تؤدي عجلته إلى ما لا ينبغي. (٦) أي: سريع البديهة؛ لئلا يخدع من بعض الخصوم لغِرةٍ. (٧) أي: يكف نفسه عن الحرام. (٨) وذلك ليَعتبر بهم في بعض المهمات، ويسهل عليه الحكم وتتضح له طريقته. (٩) فلا يجوز أن ينظر إلى أحدهما أكثر من الآخر.

стр. 1904

ولفظِهِ (١)، ومجلسِهِ (٢)، والدُّخولِ عليهِ (٣). إلا المسلمَ معَ الكافرِ: فيقدَّمُ دخولاً، ويُرفعُ جلوساً (٤). ويحرُمُ عليهِ: أخذُ الرِّشوَةِ (٥)، وأن يُسَارَّ أحدَ الخصمَينِ، (١) أي: كلامه لهما؛ فلا يجوز أن ينتهر أحدهما، أو يرفع صوته عليه. (٢) فلا يُجلس أحدَهما، ويوقفُ الآخرَ، أو يجلس أحدهما بجانبه دون الآخر. (٣) فيدخلهما معاً. (٤) أي: يقدم المسلم في الدخول على القاضي، ويرفع في الجلوس أكثر من الكافر. (تتمة) يستثنى أيضاً: إذا سلم أحدهما، فإنه يرد عليه، ولا ينتظر سلام الثاني. (٥) لحديث ابن عمر: (لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي). رواه الترمذي، والرشوة بتثليث الراء، قال في الإقناع: (ما يعطى بعد طلبه لها، ويحرم بذلها من الراشي ليحكم له بالباطل أو يدفع عنه حقاً، وإن رشاه ليدفع عنه ظلمه، ويجريه على في واجبه، فلا بأس به في حقه). (تتمة) ويحرم أيضا قبول هدية، وهي: الدفع إليه ابتداء من غير طلب، وظاهره يحرم قبولها ولو في غير عمله؛ لحديث: (هدايا العمال غلول) رواه الإمام أحمد ويستثنى: إذا كانت الهدية ممن كان يهاديه قبل ولايته القضاء ولم تكن له حكومة، فتباح، كما يباح أخذ الهدية لمفت. (فرق فقهي)

стр. 1905

أو يضِيفَهُ (١)، أو يقومَ لَهُ دونَ الآخرِ (٢). ويحرُمُ عليهِ: الحكمُ وهُوَ غضبانُ كثيراً (٣)، أو حاقنٌ (٤)، أو في شدَّةِ جوعٍ، أو عطشٍ، أو همٍّ، أو مللٍ، أو كسلٍ، أو نعاسٍ، أو بردٍ مؤلمٍ، أو حرٍّ مزعجٍ (٥). فإن خالفَ وحَكَمَ: صحَّ، إن أصابَ الحقَّ (٦). ويحرُمُ عليهِ: أن يحكمَ بالجهلِ، أو: وهو متردِّدٌ. فإن خالفَ وحَكمَ: لم يصحَّ، ولو أصابَ الحقَّ (٧). (١) إلا أن يضيف خصمه معه كما في الإقناع. (٢) فإن قام لهما، فلا كراهة، كما في المنتهى، وإن قام لأحدهما، وجب القيام للآخر. (٣) للحديث: (لا يقضي القاضي وهو غضبان). متفق عليه، وأما الغضب اليسير الذي لا يمنع فهم الحكم، فلا يحرم القضاء معه. (٤) وهو محتبس البول. وكذا الحاقب، وهو محتبس الغائط. (٥) قياساً على الغضب؛ لأنها أمور تُشغله عن الوصول إلى إصابة الحق في الغالب. (٦) كيف يُعرف أن القاضي وافق الحق؟ الله أعلم، ولعله إذا عرضت القضية على قاض آخر، أو: أنه لو حكم مع التجرد عن هذه العوارض لقضى بنفس الحكم، أو: إذا صُدِّقَ الحكم من المجلس الأعلى، فلتحرر. (٧) فيجب على القاضي أن يتمهل في دراسة القضية، حتى لو تأخرت بسبب ذلك، قال في المنتهى وشرحه: (فإن اتضح) =

стр. 1906

ويوصِي (١) الوُكلاءَ، والأعوانَ (٢) ببابِهِ: بالرِّفقِ بالخصومِ، وقلَّةِ الطَّمَعِ. ويجتهدُ أن يكونوا (٣): شيوخاً أو كهولاً، مِنْ أهلِ الدِّينِ والعفَّةِ والصِّيانةِ (٤). ويباحُ لَهُ: أن يتَّخذَ كاتباً (٥) يكتبُ الوقائعَ. ويشترَطُ كونُهُ مسلماً مكلَّفاً (٦) عدلاً (٧). = له الحكم حكم باجتهاده ولا اعتراض عليه لأنه افتيات عليه (وإلا) يتضح له الحكم (أخره) حتى يتضح (فلو حكم ولم يجتهد لم يصح) حكمه (ولو أصاب الحق) إن كان من أهل الاجتهاد). (١) وجوباً كما في شرح المنتهى. (٢) وهم الذين يُحضرون الخصوم. (٣) أي: الذين يعملون مع القاضي. (٤) لأنهم إذا كانوا كذلك، فهم أقل شراً من الشباب؛ لأن القاضي تأتيه النساء، وفي اجتماع الشباب بهن مفسدة. (٥) هكذا في الغاية والمنتهى، وأما في الإقناع: فمستحب، وقال عنه في المبدع: هو الأشهر، والدليل أن النبي ﷺ استكتب زيداً وغيره، متفق عليه، وإن كتب لنفسه جاز، لكن الأولى أن يتخذ لنفسه كاتباً. (مخالفة الماتن) (٦) لأن غير المكلف لا يوثق بقوله، ولا يعول عليه. (٧) لأنه موضع أمانة، ولعل المراد بها هنا: العدالة الظاهرة. والله أعلم.

стр. 1907

ويسنُّ كونُهُ حافظاً عالماً (١). (١) قال الشارح: (وأن يكون خطه جيداً؛ لأنه أكمل)، قال في المنتهى وشرحه: (ويجلس الكاتب بحيث يشاهد القاضي ما يكتبه؛ لأنه أمكن لإملائه وأبعد للتهمة). (تتمة) بعض آداب القاضي من كشاف الإقناع وشرح المنتهى: ١ - يكره بيعه وشراؤه إلا بوكيل لا يُعرف به؛ لئلا يحابى، والمحاباة كالهدية، ولا يكره لمفتٍ أن يتولى ذلك؛ لأنه لا يكره له قبول الهدية. (فرق فقهي) ٢ - وليس للقاضي ولا لوالٍ أن يتَّجر؛ لحديث أبي الأسود المالكي عن أبيه عن جده: (ما عدل وال اتجر في رعيته أبداً). لكن إذا احتاج للتجارة، ولم يكن له ما يكفيه، لم تكره له. ٣ - ويسن له عيادة المريض، وشهادة الجنائز، وتوديع الحاج والغازي، ما لم يشغله ذلك عن الحكم، وإلا لم يكن له ذلك، كما في الإقناع. ٤ - والقاضي في إجابة دعوة الولائم كغيره؛ لأنه ﷺ حضرها، وأمر بحضورها، ومتى كثرت وازدحمت، تركها كلها، واعتذر لهم، وسألهم التحليل؛ لئلا ينشغل بذلك عن الحكم الذي هو فرض عين.

стр. 1908

بابُ طريقِ الحُكمِ وصفتِهِ (١) إذا حَضَرَ إلى الحاكمِ خصمانِ (٢): فلهُ أن يسكتَ حتَّى يبتدِئَا، ولَهُ أن يقولَ: «أيُّكما المدَّعي؟». فإذا ادَّعى أحدُهما، اشتُرطَ: كونُ الدَّعوى (٣) معلومةً (٤)، (١) هذا فصل في كيفية حكم الحاكم، وهو ثمرة كتاب القضاء. والحكم لغة: المنع، واصطلاحاً: فصل الخصومات، وسُمي القاضي قاضياً لأنه يمنع الظالم من ظلمه. (٢) وفي الإقناع: يسن أن يجلسهما بين يديه. (٣) الدعوى لغة: طلب الشيء زاعماً ملكه، واصطلاحاً: إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره، أو في ذمته إذا كان المدعى به موصوفاً. (٤) يشترط في الدعوى: (الشرط الأول) كونها بشيء معلوم؛ ليتمكن الحاكم من الإلزام به إذا ثبت. ويستثنى من ذلك: إذا ادعى وصيةً بمجهول، وكذلك الإقرار والخلع على مجهول، فلا يشترط حينئذ أن تكون الدعوى معلومة. ومثال الوصية بمجهول: أن يأتي إلى ورثة الميت، ويدعي أن مورثهم أوصى له بسيارة، ولا يعلم أي سيارة هي. ومثال الإقرار بمجهول: أن يدعي على شخص أنه أقر له بمُجمَل، وإذا ثبت ذلك، فإن المدعى عليه -وهو المقِرُّ- =

стр. 1909

وكونُها منفكَّةً عمَّا يكذِّبُها (١). ثُمَّ إن كانت بدَينٍ، اشتُرطَ: كونُهُ حالًّا. وإن كانت بعَينٍ، اشتُرطَ: حضورُها لمجلسِ الحكمِ؛ لتُعَيَّنَ بالإشارةِ (٢). = يطالَب بالبيان، كأن ادعى عليه أنه أقر له بعمارة، فإذا ثبتت الدعوى، فإن المدعى عليه يطالَب ببيان أي عمارة هي. ومثال الخلع على مجهول: أن يدعي الزوجُ على زوجتِه أنها خالعته على عوض مجهول -كعلى إحدى دوابها-، فتصح الدعوى، وإذا ثبت ذلك، فإنها تعين ما خالعت عليه. وقاعدة هذا الاستثناء بينها في الإقناع، قال مع شرحه: (إلا فيما نصححه مجهولا كوصية وإقرار و) عوض (خلع وعبد من عبيده في مهر) وكذا فرس من خيله وثوب من ثيابه ونحوه كما تقدم فيجوز الدعوى بذلك مع جهالته لصحته ويبينه من هو عليه). (١) (الشرط الثاني) كونها منفكة عما يكذبها، أي: ألا يكون في الدعوى ما يكذِّبها، كأن يقول المدعي: إن المدعى عليه ضربني قبل عشرين سنة، ويكون عمرُ المدعى عليه خمس عشرة سنة، فلا تصح. (٢) (الشرط الثالث) ألا تكون الدعوى بدَين مؤجل، فالدين المدعى به لا بد أن يكون حالاً، وإذا كانت الدعوى بعين، فلا بد من حضورها إلى مجلس الحكم؛ لتعين بالإشارة لانتفاء اللبس بتعينها.

стр. 1910

فإن كانت غائبةً عنِ البلدِ: وَصَفَها كصفاتِ السَّلَمِ (١). فإذا أتمَّ المدَّعي دعواهُ (٢): فإن أقرَّ خصمُهُ بما ادَّعاهُ، أو اعترفَ بسببِ الحقِّ، ثمَّ ادَّعى البراءةَ (٣): لم يُلتفت لقولِهِ، بل يحلِفُ المدَّعي على نفيِ (١) أي: وصفها بالصفات التي تشترط في السلم، وكذا يصفها بصفات السلم لو كانت تالفة، أو في الذمة، ولا يشترط ذكر سبب الاستحقاق لعين أو دين؛ لكثرة سببه وقد يخفى على المدعي. قاله في شرح المنتهى. (تتمة) (الشرط الرابع) كونها محررة، أي: تنقيتها وتخليصها عما يشوبها. فإذا كانت بدَين على ميت، ذكر موته، وحرَّرَ الدَّينَ. وإن كان أثماناً، ذَكَرَ جنسه، ونوعه، وقدره؛ لترتب الحكم عليها، ولذلك قال النبي ﷺ : (إنما أقضي على نحو ما أسمع). متفق عليه، وقد يقال إن هذا الشرط داخل في الأول. و (الشرط الخامس) أن تكون الدعوى مصرحاً فيها بالمطالبة، فلا يكفي أن يقول: «لي عنده كذا»، حتى يقول: «وأنا أطالب به الآن». و (الشرط السادس) أن تكون من جائز التصرف. (٢) وتوفرت فيها الشروط الستة المتقدمة. (٣) الإقرار واضح كأن يدعي عليه بخمسين ألفا فيقر بها المدعى عليه، أو يقر بسبب الاستحقاق ويدعي أنه قضاها، كأن يقول المدعى عليه: «صحيح، اقترضت منه خمسين ألفاً، لكني قضيته الخمسين ألفاً كلها»، فهو اعترف بسبب الحق -وهو أنه اقترض-، لكن ادعى بعده البراءة من الدَّين.

стр. 1911

ما ادَّعاهُ (١)، ويُلزِمُهُ بالحقِّ (٢)، إلا أن يُقيمَ بيِّنةً ببراءَتِهِ (٣). وإن أنكرَ الخصمُ ابتداءً، بأن قالَ لمدَّعٍ قرضاً أو ثمناً: «ما أقرضَني» (٤)، أو: «ما باعني» (٥)، أو: «لا يستحقُّ عليَّ شيئاً ممَّا ادَّعاهُ» (٦)، أو: «لا حقَّ لَهُ عليَّ»: صحَّ الجوابُ (٧). فيقولُ (١) لأن المدعي صار مدعىً عليه في دعوى البراءة، فتتوجه إليه اليمين؛ لإنكاره الوفاءَ. ولكونه صار مدعىً عليه، لا يحلِّفُه القاضي إلا بطلب خصمه. هذا المذهب. (٢) نبه اللبدي ﵀ على أنه لا يُحكم عليه بمجرد إقراره، أو ثبوت الحق عليه، حتى يَسأل المدعي الحاكمَ أن يحكم عليه، قال في الإقناع: (والحكم أن يقول الحاكمُ: قد ألزمتُك ذلك، أو قضيتُ عليك). (٣) أي: إلا أن يقيم المدعى عليه بينةً على أنه أدى، أو أن المدعيَ أبرأه، والبينة تقدم على اليمين. (٤) وهذا في دعوى القرض. (٥) وهذا في دعوى الثمن. (٦) هذا راجع إلى المدعي للثمن أو القرض، وهذا الجواب صحيح. (٧) يصح الجواب، ويستثنى: ما إذا اعترف بسبب الحق، فلا يصح هذا جوابا صحيحا، إلا إذا أقام بينة بالأداء، قال في المنتهى وشرحه: (صح الجواب) لنفيه عين ما ادعى به عليه؛ لأن قوله "لا حق له" نكرة في سياق النفي فتعم كل حق (ما لم يعترف له بسبب الحق)، فلا يكون قوله: ما يستحق =

стр. 1912

الحاكمُ للمدعي: «هل لكَ بيِّنةٌ؟» (١)، فإن قالَ: «نَعم»، قال له: «إن شئتَ، فأحضِرها». فإذا أحضرَها، وشهِدت (٢): سمِعَها (٣)، وحرُمَ ترديدُها (٤). = علي ما ادعاه ولا شيئا منه وما بعده جوابا، ..... فلو ادعى عليه قرضا فاعترف به وقال: لا يستحق علي شيئا لثبوت سبب الحق، والأصل: بقاؤه ولم يعلم مزيله). (١) فلو قال المدعي لي بينة أو لم يقل، فيقول له الحاكم: ألك بينة؟، والظاهر: أن حكم هذا القول مباح، فلو صرفهم الحاكم ثم قال المدعي بعد ذلك: لي بينة، لزم الحاكم أن يسمعها. (٢) ولا يسأل الحاكمُ الشهودَ حتى يطلب المدعي ذلك. (٣) وجوباً كما قاله ابن عوض واللبدي. (٤) أي: إعادة البينة الشهادةَ ثانيا وثالثا، ويكره طلب زلة الشهود، وانتهارهم. قال تعالى: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ [البقرة، ٢٨٢]. (تتمة) بعد أن يسمع الحاكم الشهادةَ الصحيحةَ، لا يخلو الحال: ١ - إن يتضح له الحكم، فيلزمه الحكم فوراً، لكن: أ-إن كان الحق لمعين، فلا يحكم له إلا بعد سؤاله الحكمَ. ب-وإن كان لغير معين كالوصية والوقف على نحو الفقراء، أو لله تعالى كالحدود والعبادات، فيحكم وإن لم يسأله أحدٌ الحكمَ. ولا يصح الحكم مع علم الحاكم بضد ما يعلمه -قلت: وظاهره حتى مع شهادة الشهود- بل يجب عليه أن يتوقف. ٢ - أن لا يتضح له الحكم، ويحصلَ له لَبس، فيحرم =

стр. 1913

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الحكم، ويأمر بالصلح؛ لقوله تعالى: ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ [النساء، ١٠٦]، ومع اللَّبس: لم يرِهِ اللهُ شيئاً ليحكم به. قال في الإقناع: (فإن أَبَيَا الصلحَ، أخرهما إلى البيان والاتضاح). وهل يجوز للقاضي أن يعرض الصلح على المتخاصمين بعد أن اتضح له أن الحق لأحدهما؟ إذا استبان الحق، فلا يجوز أن يعرض الصلح، وهو ظاهر ما نقله البهوتي في الكشاف -وأقره- عن أبي عبيد قولَه: (إنما يسعه الصلح في الأمور المشكلة، أما إذا استنارت الحجة؛ فليس له ذلك)، إلا إذا عرفهما أن الحق لأحدهما، وأن لصاحب الحق حقاً، فحينئذ يجوز أن يرغِّب في الصلح. (تتمة) ما لا تُسمع فيه الدعوى: ١ - الدعوى المقلوبة: بأن يقول: أدعي على هذا بأنه يدعي علي ديناراً، فاستحلفني له أنه لا حق له علي. ٢ - دعوى الحسبة بحق الله كعبادة وحدّ وكفارة ونحو ذلك، فلا تُسمع، وتسمع الشهادة بحق الله كالعبادات والحدود والصدقة من غير تقدُّم دعوى، فشهادة الشهود به دعوى، كما في الإقناع. فلا يقول: أدعي أن فلاناً زنى، بل يقول: أشهد على فلان أنه زنى، وتكون الشهادةُ بنفسها دعوى. (تتمة) ما تسمع فيه البينة بلا تقدم دعوى: الأصل أن البينات والشهود لا تُسمع إلا بدعوى إلا: ١ - في دعوى حق لله تعالى. ٢ - والشهادة بحق آدمي غير معين، كوقف على =

стр. 1914

فصل ويُعتبَرُ في البيِّنةِ: العدالةُ ظاهراً وباطناً (١). وللحاكمِ أن يعملَ بعلمِه فيما أُقرَّ بِهِ في مجلسِ حكمِهِ (٢)، = فقراء، أو علماء، أو مسجد، أو وصيةٍ له، أو رباط، وإن لم يطلبه مستحقه؛ لأن الحق لم يتعين لواحد، أشبه حق الله تعالى، كما في كشاف القناع. (١) لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق، ٢]، يعني: العدالة الظاهرة والباطنة. قال في الإقناع: (ولو لم يطعن فيها الخصم)، بل قال الحفيد: (حتى لو رضي أن يحكم له بشهادة فاسق لم يجز؛ لأن التزكية حق للشرع). ويترتب عليه أنه لو حكم بشهادتهما، ثم تبيّن أنهما فاسقان، بطل الحكم، بخلاف عقد النكاح الذي تشترط فيه العدالة الظاهرة فقط، فلا يبطل بظهور فسق الشاهدين بعد ذلك؛ لما يترتب عليه من المشقة، وتحريم الوطء. (فرق فقهي) (٢) ما يجوز فيه للحاكم أن يعمل بعلمه، الأولى: الإقرار في مجلسه ولو لم يسمعه غيره؛ لقوله ﷺ : (إنما أقضي على نحو ما أسمع) متفق عليه، قال في المعونة: (فجعل قضاءه مستنداً إلى ما يسمعه لا إلى غيره، ولأنه إذا جاز الحكم بشهادة غيره فبسماعه هو أولى، ولأنه لو لم يعمل بما يقَر به عنده أفضى ذلك إلى ضياع الحقوق؛ لأنه قد يقر عنده ولا يحضره أحد =

стр. 1915

وفي عدالةِ البيِّنةِ وفسقِها (١). فإن ارتابَ منها: فلا بُدَّ (٢) مِنَ المزكِّينَ لها (٣). = من الشهود، فإذا لم يحكم به ضاع حق المقر له). (١) هذه الثانية: له أن يعمل بعلمه في عدالة الشهود، وجرحهم، قال في المعونة: (بغير خلاف). (٢) أي: يجب. (٣) أي: إن شكَّ في الشهود، فلا بد من المزكين لهم، أما في الإقناع والمنتهى: فذكرَا أن الحاكم إذا ارتاب وشك في الشهود، فإنه يلزمه سؤالهم، والبحث عن صفة تحمُّلِهم، ويفرِّقهم، ونحو ذلك، أما طلب المزكين؛ فهو في حال جهل الحاكم حالَ الشهود، فيطلبُ من المدعي أن يأتي بمن يزكي الشهود كما في الإقناع، فعلى حسب اطلاعي، المؤلف لم يوافق أحداً من الأصلين في هذه المسألة، قال في الإقناع وشرحه: (وإن جهل) الحاكم (حالَه) أي الشاهد (طلب منه المدعي التزكية) لقول عمر للشاهدين جيئا بمن يعرفكما ولأن العدالة شرط فالشك في وجودها كعدمهما كشرط الصلاة (والتزكية حق للشرع يطلبها الحاكم وإن سكت عنها الخصم) لتوقف صحة حكمه عليها حيث جهل حال البينة). (مخالفة الماتن) (تتمة) يكفي في التزكية عدلان، والمراد بالتزكية: أن يَعُدَّ المزكي الشاهدَ من الثقات العدول. فيطلب الحاكم من المدعي أن يأتي بمن يزكي الشهود. =

стр. 1916

فإن طَلَبَ المدعي منَ الحاكمِ أن يحبِس غريمَهُ حتَّى يأتيَ بمن يزكِّي بيِّنتَهُ: أجابَهُ لِما سَأَلَ، وانتظرَهُ ثلاثةَ أيَّامٍ. فإن أتى بالمزكيِّنَ: اعتُبرَ معرفتُهم لمن يزكُّونه بالصُّحبةِ والمعاملةِ. فإن ادَّعى الغريمُ فِسقَ المزكِّينَ، أو فِسقَ البيِّنةِ المزكَّاةِ (١)، وأقامَ بذلكَ بيِّنةً: سُمعَت، وبطلتِ الشَّهادةُ (٢). = وشروط التزكية: ١ - أن يعلم الحاكم خبرتهما الباطنة إما بصحبة أو بمعاملة لهما ككونه جاراً لهما. ٢ - ومعرفة المزكي للمزكَّى بخبرة باطنة. ٣ - ومعرفته بالتعديل، فيعرف متى يكون الشخص عدلاً. ٤ - وكون المزكي غيرَ متهم بعصبية. ٥ - وكون التزكية بالمشافهة، فلا تكفي الكتابة. ٦ - وأن يزكيه بالعدالة المطلقة، فلا يكفي أن يزكيه في واقعة واحدة فقط. ٧ - وأن تكون التزكية بلفظ الشهادة. (١) تناول المؤلف هنا الجرحَ، فإذا أتى المدعي بمن يزكي الشهود، فللمدعى عليه أن يأتي ببينة تجرح الشهود، وتُقدَّمُ بينة الجرح حينئذ، والجرح في الشهود -كما في المطلع-: الطعن فيهم بما يمنع قبول الشهادة. وشروط قبول الجرح: ١ - العلم بالجرح برؤيةٍ، أو سماع، أو استفاضة، بخلاف التزكية، فيكفي فيها أن يُعدِّلَ بالظن. (فرق فقهي) ٢ - وأن يكون بلفظ الشهادة. ٣ - وأن يكون بالمشافهة، فلا تكفي الكتابة. ٤ - وتفسير الجرح: فيصرح جارحٌ بزنا أو لواط، فإن صرح ولم تكن له بينة، حُدَّ، كما في شرح المنتهى. (٢) فتسمع بينة الجرح إن توفرت شروط الجرح الأربعة، وتبطل =

стр. 1917

ولا يُقبَلُ: من النِّساءِ تعديلٌ، ولا تجريحٌ (١). وحيثُ ظهرَ فسقُ بيِّنةِ المدَّعي، أو قالَ ابتداءً: «ليسَ لي بيِّنةٌ»، قالَ لَهُ الحاكمُ: «ليسَ لكَ على غريمِكَ إلا اليمينُ» (٢)، = الشهادة، وحينئذ ليس للمدعي على المدعى عليه إلا اليمين، فإن حلف، وإلا قضي عليه بالنكول، وسيأتي. (١) تابع المؤلفُ هنا ما مشى عليه الإقناعُ والغايةُ في موضع، أما المنتهى، فذكر أنه يُقبل التعديل والجرح من النساء فيما تقبل فيه شهادتهن، كالمال -أي: القضايا المالية-، بخلاف غيرها كالقصاص، فيُقبَل منهن الجرح والتعديل في بينةِ ما تُقبل فيه شهادتهن، ويكون القبول إذن مرتبطاً بالمسائل التي تُقبل فيها شهادتهن، والمذهب ما في المنتهى، والعلة أن الجرح والتعديل شهادة، والشهادة تُقبل من النساء في بعض الأحوال دون بعض، ولم ينبه على الخلاف إلا البهوتي في الكشاف. (مخالفة الماتن) (٢) أي: يُعلم الحاكم المدعي أنه ليس له إلا اليمين، وأن القول قول المدعى عليه بيمينه لحديث: وائل بن حجر: «أن رجلا من حضرموت ورجلا من كندة أتيا رسول الله ﷺ فقال الحضرمي: إن هذا غلبني على أرضي ورثتها من أبي، وقال الكندي أرضي وفي يدي لا حق له فيها فقال النبي ﷺ : شاهداك أو يمينه. فقال: إنه لا يتورع من شيء قال: ليس لك إلا ذلك» رواه مسلم، ولابد في اليمين من شرطين: ١ - سؤال المدعي لها. ٢ - وإذن الحاكم فيها. =

стр. 1918

فيحلفُ الغريمُ على صفةِ جوابِهِ في الدعوى (١)، ويخلِّي = (تتمة) إذا علم المدعي كذبَ المدعَى عليه، فما حكم طلب تحليفه من الحاكم؟ يكره أن يطلب من الحاكم تحليف الكذاب، كما في الإقناع، ونص أيضا على تحريم تحليف البريء دون الظالم، ويحرم أيضا دعواه ثانيا، وتحليفه، وذكره في المنتهى أيضا. (١) كما لو قال المدعي: «أقرضته ألف ريال»، فقال المدعى عليه: ما أقرضتني ألف ريال، فتكون يمينه على صفة الجواب: أي: يحلف على صفة جوابه أول الدعوى، فيقول: «والله ما أقرضتني ألف ريال». والحلف هنا له أحكام: ١ - ألا يصِله باستثناء، فلا يقول: «إن شاء الله»؛ لأن الاستثناء يزيل حكم اليمين، ولا يصلها أيضا بما لا يفهم. ٢ - وتحرم فيه التورية، وهي: إطلاق لفظ له معنيان قريبٌ وبعيدٌ، ويُراد البعيدُ اعتماداً على قرينة خفية. ٣ - ويحرم التأويل، وذلك بأن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره، كأن يحلف بأنه لم يقرضه ألف ريال ناويا ألفا أخرى وليست التي أقرضه إياها، إلا إذا كان مظلوماً، فيجوز له التورية والتأويل؛ لدفع الظلم عنه. (تتمة) هل يجوز للمعسر الذي يخاف الحبس أن يحلِف بأنه: «لا حق له علي»، ناوياً الساعة التي حلف فيها -أي: أنه معسر، فليس له عليه حق الآن؛ لكونه معسراً في وقت الدعوى-؟ لا يجوز على المذهب، قال في المنتهى وشرحه: =

стр. 1919

سبيلَهُ (١). ويحرُمُ تحليفُهُ بعدَ ذلكَ (٢). وإن كانَ للمدَّعِي بيِّنةٌ: فلَهُ أن يقيمَها بعدَ ذلكَ (٣). وإن لم يحلفِ الغريمُ، قالَ لَهُ الحاكمُ: «إن لم تحلِف، وإلَّا حكمتُ عليكَ بالنُّكُولِ (٤)» (٥). ويُسنُّ تكرارُهُ ثلاثاً (٦). = (و) يحرم (حلف معسر خاف حبسا) إن أقر بما عليه (أنه) أي المدعي (لا حق له علي ولو نوى) لا حق له علي (الساعة)، لكونه معسرا خاف حبسا أو لا. نقله الجماعة عن أحمد وجوزه صاحب الرعاية بالنية قال في الفروع: وهو متجه وفي الإنصاف: وهو الصواب إن خاف حبسا). (١) وجوباً، والمراد بعد أن يحلف؛ للحديث السابق. (٢) لأنه كالبريء. (٣) وهو مقيد بما إذا قال ابتداءً: (لا أعلم لي بينة)، فتُسمع البينة بعد اليمين، بخلاف ما لو قال: (ليس لدي بينة)، فلا تسمع البينة بعد اليمين حينئذ؛ لأنه مكذِّبٌ لها. (فرق فقهي)، لكن يمكن أن يقال إن العوام اليوم لا يفرقون بينهما؛ لضعف اللغة عند الناس. (٤) والنكول: هو الامتناع عن اليمين. (٥) أبهم المؤلف حكم هذا القول من الحاكم، والظاهر الوجوب؛ للتعليل الذي ذكره البهوتي حيث قال في الكشاف: (لأن النكول ضعيف، فوجب اعتضاده بذلك). (٦) أي: قول الحاكم: «إن لم تحلف وإلا حكمتُ عليك بالنكول»؛ =

стр. 1920

فإن لم يحلِف: حَكَم عليهِ بالنُّكولِ، ولِزمَهُ الحقُّ (١). = قطعا لحجته، وإزالة لمعذرته. (١) أي: فإن امتنع عن اليمين، فإن الحاكم يلزمه بالحق المدعى به للمدعي، لكن يقيد ذلك بسؤال المدعي، فبعد أن يقول الحاكم للمدعى عليه: «إن لم تحلف … »، ولا يحلف، فيقول للمدعي: «هل أحكم عليه»؟ وكذا لو طلب المدعي إلزامه بالحق؛ لحديث ابن عمر أنه باع زيد بن ثابت عبدا فادعى عليه زيد أنه باعه إياه عالما بعيبه، فأنكره ابن عمر، فتحاكما إلى عثمان، فقال عثمان لابن عمر: احلف أنك ما علمت به عيبا، فأبى ابن عمر أن يحلف، فرد عليه العبد. رواه الإمام أحمد.

стр. 1921

فَصْلٌ وحُكْمُ الحَاكِمِ يَرْفَعُ الخِلافَ؛ لَكِنْ لا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ بَاطِنًا (١). فَمَتَى حَكَمَ لَهُ - بِبَيِّنَةِ زُورٍ- بِزَوْجِيَّةِ امْرَأةٍ، وَوَطِئَ مَعَ العِلْمِ: فكَالزِّنَى (٢). وإنْ بَاعَ حَنْبَلِيٌّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ (٣)، فحَكَمَ بِصِحَّتِهِ شَافِعِيٌّ: نَفَذَ (٤). (١) أي: لا يحوِّل الشيء عن صفته باطناً، ولو عقدا أو فسخا أو طلاقا؛ لحديث: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً، فلا يأخذ، فإنما أقطع له قطعة من النار» متفق عليه، خلافا لأبي حنيفة، فالحكم عنده يحول الشيء عن صفته باطناً وظاهراً. (٢) لعدم تحول الأمر في الباطن، ولما كان كالزنى، يجب عليه الحد بالوطء فيه، ووجب على المرأة أن تمتنع منه ما أمكنها كما في الإقناع. (٣) أي: عمداً من ذبيحة أو صيد؛ فإن ذلك يصيرها ميتة. (٤) لأن الشافعية يقولون: إن ترك التسمية مكروه، فلو باع ذلك حنبليٌ لشافعي، وحكم حاكم شافعي بأنه بيع صحيح، نفذ، مع كون البيع حراماً، ويأثم من يعتقد تحريمه، وهذا الفرع يندرج تحت قاعدة وهي: أن العبرة بحكم الحاكم فإذا حكم به =

стр. 1922

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = على، أو لمن يعتقد تحريمَه أو عدمَ صحته -مجتهدا كان أو مقلدا- جاز للمحكوم عليه أو له فعله، قال في المنتهى وشرحه: (ومن حكم لمجتهد، أو عليه بما يخالف اجتهادَه عمل) المجتهدُ (باطنا بالحكم) له أو عليه، كما يعمل به ظاهرا؛ لرفعه الخلاف) ثم ذكر الفرع الذي في المقلد: وإن باع حنبلي .. إلخ. وضابطه -كما قال الحفيد-: (إذا حكم الحاكم بخلاف مذهب المقلد، فالعبرة بمذهب الحاكم، لا بمذهب المحكوم له أو عليه). فلو رأى شخص أن بيع العينة حرام، وحكم القاضي بخلاف مذهب الشخص، فينفذ. لكن قال الشيخ ابن نصر الله: (لكن في جواز إقدام الحاكم على الحكم بذلك لمن يعتقد تحريمه عليه نظر؛ لأنه إلزام له بفعل المحرم، لا سيما على قول من يقول كل مجتهد مصيب)، ونقل البهوتي في كتابيه، وكذا ابنُ النجار بعد تقرير المذهب قول شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: (وقال الشيخ تقي الدين: اختلفت الرواية عن أحمد لو حكم الحاكم بما يرى المحكوم له تحريمه فهل يباح بالحكم؟ على روايتين. فحكى الخلاف روايتين ثم قال: والتحقيق في هذا أنه ليس للرجل أن يطلب من الإمام ما يرى أنه حرام عليه، فليس له أن يطلب أن يحكم له بشفعة أو ميراث وهو في حال طلبه يرى أن ذلك حرام عليه؛ لأنه جمع بين طلب شيء وبين اعتقاد تحريمه، ومن فعل هذا فقد فعل ما يعتقد تحريمه وهذا لا يجوز، لكن لو كان الطالبُ غيرَه، أو ابتدأ =

стр. 1923

وَمَنْ قَلَّدَ في صِحَّةِ نِكَاحٍ: صَحَّ (١)، وَلَمْ يُفارِقْ بتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ، كالحُكْمِ بِذَلكَ. = الإمام بحكم أو قسم فهنا يتوجه القول بالحل؛ لأنه لم يصدر منه فعل محرم. ثم قال: والأشبه أن هذا لا يحرم عليه. انتهى). (١) أي: قلد مجتهدا في نكاح مختلف فيه صح، فإذا تغير اجتهاد المجتهد، فلم يصحح ذلك النكاح، لم يلزم المقلد أن يفارق زوجته، بل ولا يلزم المجتهد الذي تغير اجتهاده أن يُعلِم المقلدَ بتغير اجتهاده.

стр. 1924

فَصْلٌ وتَصِحُّ الدَّعْوَى بِحُقُوقِ الآدَمِيِّينَ (١): عَلَى المَيِّتِ، وَعَلَى غَيْرِ المُكَلَّفِ، وَعَلَى الغَائِبِ (٢) مَسَافَةَ قَصْرٍ، وَكَذَا دُونَهَا (٣) إذَا كَانَ مُسْتَتِرًا (٤). (١) كالفسخ والقرض والبيع والإجارة. (٢) ظاهر كلام الماتن: أن الحاكم يسمع الدعوى على الغائب مسافة قصر فأكثر عن البلد -إن كانت ببينة- ولو كان المدعى عليه في عمل القاضي، أي: المكان الذي يحكم فيه القاضي، وهو ما ذهب إليه الإقناع، وتابعه الغاية، وهو ظاهر إطلاق التنقيح والمقنع، وإليه ميل البهوتي في حواشي الإقناع، وقال الخلوتي: الإقناع أولى، وذهب في المنتهى: إلى أن الدعوى إن كانت في عمل القاضي المدعى عنده فلا يسمعها القاضي ولا يحكم فيها؛ لإمكانه أن يحضر المدعى عليه ويكون الحكم عليه مع حضوره، ولعل المذهب ما في الإقناع، والله أعلم. (مخالفة الماتن) يشترط للحكم والدعوى على الميت والغائب وغير المكلف: (الشرط الأول) أن يكون في حقوق الآدميين، أما حقوق الله تعالى كالزنى والسرقة، فلا يقضى فيها على الغائب، لكن يقضى بالسرقة في المال فقط كما في الإقناع. (٣) أي: دون مسافة قصر. (٤) (الشرط الثاني) يشترط للحكم على الغائب أن يكون مسافة =

стр. 1925

بشَرْطِ البَيِّنةِ في الكُلِّ (١). = قصر فأكثر، لا ما دونها، إلا أن يكون مستتراً أو مختفياً؛ لأن الأصل أن من في البلد إنما يحكم عليه إذا حضر، لكن لو امتنع، فإنه يحكم عليه. قال الشيخ عثمان: (أي: في البلد، كالممتنع عن الحضور). قال ابن النجار في شرحه: (لأنه لو لم يحكم على المستتر لجُعِل الاستتارُ وسيلة إلى تضييع الحقوق). (١) (الشرط الثالث) البينة، وذلك في كل الأحوال السابقة، ولو كانت شاهداً ويمين المدعي. قال في الإقناع وشرحه: (قال في المحرر: وتختص اليمين بالمدعى عليه دون المدعي) لحديث «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (إلا في ١ - القسامة) فيبدأ بأيمان المدعين لخبرها الخاص، وتقدم في بابها. (و) إلا في (٢ - دعاوى الأمناء المقبولة) كدعوى التلف وعدم التفريط ونحوه وتقدم (و ٣ - بحيث يحكم باليمين مع الشاهد) بأن كان المدعي به مالا أو يقصد به المال لما تقدم). فإذا توفرت الشروط، لزم الحاكم حينئذ أن يحكم عليهم. ويدل على صحة الحكم على الغائب: أن هنداً قالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي. قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". متفق عليه. فقضى لها ولم يكن أبو سفيان حاضراً وكذا الميت والصغير والمجنون؛ لأن كلا منهم لا يعبر عن نفسهم فهو كالغائب. قاله في شرح المنتهى. ثم إن وجد الحاكم للغائب =

стр. 1926

ويَصِحُّ أنْ يَكْتُبَ القَاضِي (١) الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَهُ الحَقُّ إلَى قاضٍ آخَرَ - مُعَيَّنٍ (٢) أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ (٣) - بِصُورَةِ الدَّعْوَى الوَاقِعَةِ عَلَى الغَائِبِ، بِشَرْطِ أَنْ يَقْرَأَ ذَلِكَ عَلَى عَدْلَيْنِ (٤)، ثُمَّ يَدْفَعُهُ لَهُمَا، وَيَقُولُ فِيهِ: «وَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ عِنْدِي، وَإِنَّكَ تَأخُذُ الحَقَّ للمُسْتَحِقِّ». فَيَلْزَمُ القَاضِي الوَاصِلَ إِلَيْهِ ذَلِكَ العَمَلُ بِهِ (٥). = مالا وفاه منه، وإن لم يجد له مالا قال للمدعي: إن عرفتَ له مالا، وثبت عندي، وفيتك منه. (تتمة) إذا كلف غير المكلف ورشد بعد الحكم عليه، أو حضر الغائب، أو ظهر المستتر، فهو على حجته، وله الدفاع عن نفسه، وذلك بأن يأتي ببينة تجرح الشهود. (تتمة) لا يصح الحكم للغائب إلا تبعا. كما في المنتهى. (١) ما يكتب فيه القاضي إلى القاضي نوعان: ١ - أن يكتب فيما حكم به لينفذه القاضي المكتوب إليه، فيصح ولو كانا في بلد واحد. ٢ - أن يكتب فيما ثبت عنده بسماع البينة والدعوى؛ ليحكم به القاضي المكتوب إليه، فيصح بشرط أن يكون بينهما مسافة قصر، ولا يصح فيما دونها. (٢) أي: إلى القاضي فلان. (٣) فيقول فيه: أكتب هذا الكتاب لكل من يصل إليه كتابي هذا من قضاة المسلمين. (٤) فلا يصح أن يشهدَهما عليه مكتوباً مطوياً. (٥) ويقرأ القاضي المكتوب إليه ذلك على العدلين الذَين جاءا به، ويقولان بعده: «نشهد أن هذا كتاب فلان إليك، كتبه =

стр. 1927

بَابُ القِسْمَةِ (١) وَهِيَ نَوْعَانِ: قِسْمَةُ تَرَاضٍ (٢)، وَقِسْمَةُ إِجْبَارٍ. = بعَمَلِه - أي: المكان الذي يحكم به -». (تتمة) في الحواشي السابغات: (يشترط لقبول كتاب القاضي إلى القاضي ثلاثة شروط: (الشرط الأول) أن يكون في غير حقوق الله تعالى، وتقدم، (الشرط الثاني) أن يقرأ القاضي الكاتبُ كتابَه على عدلين، ثم يقول: اشهدا أن هذا كتابي إلى فلان ابن فلان، أو إلى من يصل إليه من قضاة المسلمين، ويدفعه إليهما، والأَولى ختمه، (الشرط الثالث) أن يصل الكتابُ إلى القاضي المكتوب إليه وهو في موضع ولايته؛ لأنه لا يسمع الشهادة في غير موضع حكمه). (١) القسمة -بكسر القاف- لغة: اسم مصدر من «قسمتُ الشيءَ» إذا جعلتُه أقساماً. وفي العرف: هي تمييز بعض الأنصباء عن بعض، وإفرازها عنها، وأجمع العلماء على مشروعية القسمة. قال تعالى: ﴿ونبئهم أن الماء قسمة … ﴾ [القمر، ٢٨]، وفي الحديث: (الشفعة في كل مال لم يقسم .. ). (٢) وهي التي لا ينقسم الملك فيها إلا بضرر على أحد الملاك، أو رد عوض على أحدهم. وبها بدأ المصنف.

стр. 1928

فلا قِسْمَةَ في مُشْتَرَكٍ إلَّا بِرِضَا الشُّرَكَاءِ كُلِّهِمْ (١)، حَيْثُ كَانَ في القِسْمَةِ ضَرَرٌ يَنْقُصُ القِيمَةَ، كحَمَّامٍ، وَدُورٍ صِغَارٍ، وشَجَرٍ مُفْرَدٍ، وحَيَوَانٍ (٢). وَحَيْثُ تَرَاضَيَا: صَحَّتْ، وَكَانَتْ بَيْعًا، يَثْبُتُ فِيهَا مَا يَثْبُتُ فِيهِ مِنْ الأحْكَامِ (٣). (١) شرط صحة هذه القسمة أن تكون برضا جميع الشركاء، ولا يجبر الممتنع من القسمة. (٢) أي: كان في القسمة ضرر على الشركاء؛ لحديث: (لا ضرر ولا ضرار)، أو يكون على أحدهم بنقص القيمة، فضابط الضرر المانع من قسمة الإجبار: نقص قيمة المقسوم بالقسمة، فإذا كان قسمان، فيكون أحدهما أكثر قيمة من الآخر، ويحصل هذا غالباً في الأجزاء غير المتساوية مثل الحمام، والدور الصغيرة في الأزمنة المتقدمة، قال في المعونة: (إما لأنه يتعطل الانتفاع به مقسوماً؛ (كحمَّام ودورٍ صغارٍ)، أو لأنه لا تتعدل أجزاوه إلا بالتجزئة وهو جعلها أجزاء ولا بالقيمة (و) ذلك؛ ك (شجر مفرد، وأرض ببعضها بئر أو بناء، ونحوه)؛ كمعدن)، قال البهوتي في شرح المنتهى: (بحيث يتعطل الانتفاع بها إذا قسمت، أو يقلَّ)، كالحمام، والدور صغيرة، والشجر المفرد مثل خمس شجرات، والحيوان مثل الحصان، فلا يمكن قسمه. (٣) ومن شروط صحة البيع: التراضي. قال ابن عوض: (يشترط لها شروط البيع)، أي: السبعة، وكذلك يدخلها خيار العيب =

стр. 1929

وَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا، فَدَعَا أَحَدُهُمَا شَرِيكَهُ إلَى البَيْعِ في ذَلكَ، أوْ إلَى بَيْعِ عَبْدٍ أوْ بَهِيمَةٍ أوْ سَيْفٍ، وَنَحْوِهِ مِمَّا هُوَ شَرِكَةٌ بَيْنَهُمَا: أُجْبِرَ إِنِ امْتَنَعَ (١). فَإِنْ أَبَى (٢): بِيعَ عَلَيْهِمَا، وقُسِّمَ الثَّمَنُ (٣). ولا إجْبَارَ في قِسْمَةِ المَنَافِعِ (٤)، فَإِنِ اقْتَسَمَاهَا بِالزَّمَنِ، كَ: هَذَا شَهْرًا والآخَرُ مِثْلُهُ، أَوْ بِالمَكَانِ، كَ: هَذَا في بَيْتٍ وَالآخَرُ في بَيْتٍ: صَحَّ جَائِزًا (٥)، ولِكُلٍّ الرُّجُوعُ (٦). = والرد به، وخيار المجلس، والشرطِ، وغير ذلك. (١) أي: يجبر على البيع من امتنع عنه، وكذلك لو طلب أحدهما إجارته، فيجبر البقية على الإجارة، وتقسم الأجرة على حسب الأملاك. (٢) أي: أبى البيعَ. (٣) أي: على قدر الحصص. (٤) بأن ينتفع أحدهما بمكان، والآخر بمكان آخر، أو كل واحد منهما ينتفع شهراً ونحوه، لأنها معاوضة فلا يجبر الممتنع كالبيع. (٥) أي: غير لازم، فلكل الرجوع. (٦) وفي المنتهى وشرحه: (فلو رجع أحدهما بعد استيفاء نوبته غرم ما انفرد به) أي: أجرة مثل حصة شريكه مدة انتفاعه).

стр. 1930

فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي: قِسْمَةُ إجْبَارٍ (١)، وَهِيَ: مَا لا ضَرَرَ فِيهَا، وَلا رَدَّ عِوَضٍ. وَتَتَأَتَّى في كُلِّ مَكِيلٍ (٢)، وَمَوْزُونٍ (٣)، وَفي دارٍ كَبِيرةٍ (٤)، وَأَرْضٍ وَاسِعَةٍ (٥)، ويَدْخُلُ الشَّجَرُ تَبَعًا (٦). (١) وفيها يُقسم الملك المشترك ولو لم يرضَ أحد الشركاء. (٢) والمراد: تتأتى قسمة الإجبار في كل مكيل من جنس واحد، مثل عشرة آصع من الطحين، فلو طلب أحد الشريكين فيها القسمةَ أجبر الآخر عليها؛ لأنه لا ضرر في القسمة ولا رد عوض، وهكذا يقال في الأمثلة التي بعده. (٣) أي: من جنس واحد كالحديد أو النحاس. (٤) ذات أجزاء متساوية. (٥) أي: وأجزاؤها متساوية كذلك، وكذا أرض أجزاؤها غير متساوية، لكن يمكن قسمتها بالتعديل بأن لا يُجعل شيءٌ معها، كأرض -بين اثنين- من ألف متر، وفي جزء منها نخيل وزروع، ويمكن تعديلها بالقسمة، بأن يجعل -مثلا- ثلاثمائة متر فيها نخيل وزروع، وسبعمائة متر بلا ذلك، وقيمتهما متساوية، فالقسمة فيها إجبار، فإن جُعل مع أحد النصيبين مال فهي قسمة تراضي. (٦) فتكون القسمة للأرض، ويكون الشجر تابعاً، كما لو قُسم =
следующие страницы →