Полный текст (2 012 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
فصل
يُعذرُ بتركِ الجمعةِ والجماعةِ: المريضُ (١)، والخائفُ حدوثَ المرضِ (٢)، والمدافعُ أحدَ الأخبثَينِ (٣)، ومن له ضائعٌ يرجوهُ (٤)، أو يخافُ ضياعَ مالِهِ، أو فواتَهُ، أو ضرراً فيه (٥)، أو
(١) الأصل أن الجماعة والجمعة فرضا عين، لكن يُعذر بتركهما: (المعذور الأول) المريض، وضابط المرض الذي يُعذر به في ترك الجمعة والجماعة: هو الذي إذا حضر معه صاحبه الجمعة أو الجماعة زاد المرض، أو تباطأ وتأخر برؤه.
(٢) (المعذور الثاني) الخائف حدوث المرض، فيكفي أن يخشى أنه إن خرج إلى الصلاة، أن يصيبه مرض كزكام لكون البرد شديداً مثلاً.
(تتمة) يستثنى من عذر المرض، وخوف حدوثه: لو كان الشخص في المسجد، فلا يُعذران إذَن وتلزمهما الجماعة، وكذا لو لم يتضرر المريض بإتيان المسجد راكباً أو محمولاً، فإنه يلزمه أن يحضر الجمعة دون الجماعة؛ لتكررها.
(٣) (المعذور الثالث) المدافعُ أحدَ الأخبثين، أي: البول والغائط؛ للحديث: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» متفق عليه.
(٤) (المعذور الرابع) من له شيء ضائع يرجو وجوده، كأن دُل عليه بمكان وخاف إن لم يمض إليه سريعا انتقل إلى غيره.
(٥) (المعذور الخامس) من يخاف - إن حضر الجماعة أو الجمعة - =
стр. 317
يخافُ على مالٍ استُؤجِرَ لحفظِهِ كنِطَارَةِ بستانٍ (١)، أو أذىً بمطرٍ، ووحَلٍ، وثلجٍ، وجليدٍ، وريحٍ باردةٍ بليلةٍ مظلمةٍ (٢)، أو تطويلِ إمامٍ (٣).
= ضياعَ ماله، كأن يُسرق، أو يتلفه سبُع مثلاً، وكذا لو خشي إن حضرهما فواتَ ماله، كأن تَشرد دابته في السفر مثلاً. وكذا أيضاً: لو خشي ضرراً في ماله كطباخ يخشى احتراق الطعام الذي يطبخه، فيُعذر.
(١) (المعذور السادس) من يخشى على مال استؤجر لحفظه كنِطارةٍ - بكسر النون - ببستان، أي: حارس البستان. وأَولى منه من يحرس المواقع المهمة في الدولة، كمواضع البترول، أو مواقع أمنيَّة، فيُعذر بترك الجمعة والجماعة.
(٢) (المعذور السابع) من يخشى أن يتأذى بمطر، أو وحَل - بفتح الحاء، وهو الطين -، أو ثلج، أو جليد، أو كانت هناك ريح باردة بليلة مظلمة، والمظلمة: غير المقمرة، التي ليس فيها قمر يضيء، كوقت الهلال، أو الإسرار آخر الشهر، والدليل حديث ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي ﷺ ينادي مناديه في الليلة المطيرة أو الليلة الباردة: صلوا في رحالكم»، رواه ابن ماجه، وصححه الألباني.
(٣) (المعذور الثامن) من كان يضره تطويل الإمام؛ لحديث معاذ - رضي الله تعالى عنه - أنه طَوَّل بمن معه، فشُكي إلى النبي ﷺ ، الحديث متفق عليه. فإذا خشي تطويل الإمام، وكان يشق عليه ذلك، فإنه يعذر. =
стр. 318
باب صلاة أهل الأعذار
يلزمُ المريضَ أن يصليَ المكتوبةَ قائماً، ولو مستنداً (١).
فإن لم يستطع، فقاعداً (٢).
= (تتمة) قال في الغاية: (لا ينقص أجر تارك جماعة لعذر شيئا).
(١) لحديث عمران بن حصين ﵁ أن الرسول ﷺ قال له: «صلِّ قائماً» رواه البخاري، والقيام ركن من أركان الصلاة، ويفرِّط فيه الكثير، حتى من طلبة العلم، فيجلسون في الصلاة لأدنى سبب، قال في الإقناع: (ولو لم يقدر إلا كصفة ركوع)، فلو لم يستطع أن يقف إلا كراكع، وجب عليه فعل ذلك، وكذا لو لم يستطع أن يقف إلا معتمداً على عصا، أو مستنداً إلى شيء، وجب عليه، بل قالوا: إنه لو قدر أن يستأجر بأجرة المثل شخصاً ليقيمه ويثبته وهو قائم في صلاته، وجب عليه استئجاره، فإن لم يقدر على الأجرة صلى على حسب ما يستطيع.
(٢) أي: إن لم يستطع أن يقوم لمرض أو لكون القيام يشق عليه، ويلحقه به ضرر كبير أو يزيد مرضه أو يتأخر البرء، فإنه يصلي قاعداً متربعاً ندباً، ويُثني رجليه في الركوع والسجود كمتنفل قال ابن عوض: (بأن يجعلهما عن يمينه. عثمان)، قلت: =
стр. 319
فإن لم يستطع، فعلى جنبِهِ، والأيمنُ أفضلُ (١).
ويومئُ بالركوعِ والسجودِ، ويجعلُهُ أخفضَ (٢).
فإن عجزَ، أومأَ بطرْفِهِ، واستحضرَ الفعلَ بقلبِهِ (٣). وكذا
= ولم أره للشيخ عثمان في حاشيته على المنتهى، ولا في هداية الراغب.
(١) أي: إن لم يستطع أن يُصليَ قاعداً، أو شق عليه، فإنه يصلي على جنبه، والأيمن أفضل من الأيسر، فإن لم يقدر أن يُصلي على أحد جنبيه، تعين عليه أن يصلي على ظهره، ويجعل رجليه إلى القبلة.
(٢) قال في الإقناع: (ويلزمه الإيماء بركوعه وسجوده برأسه ما أمكنه)، فالظاهر: أن الإيماء من القاعد في الركوع والسجود يكون بالرأس والجزء الأعلى من البدن جهةَ الأرض لا بالرأس فقط بدليل قولهم في حد الركوع من القاعد: أن ينحني حتى يقابل بوجهه ما قدام ركبتيه من الأرض أدنى مقابلة، وهذا الانحناء لا يكون إلا بالرأس والبدن، ويؤيده أيضا قول البهوتي في الكشاف وغيره: (ومن قدر أن يحني رقبته دون ظهره حناها وإذا سجد قرب وجهه من الأرض ما أمكنه)، ويجعل السجودَ أخفض من الركوع، وقد أبهم الماتن الحكم، والمذهب وجوب جعل السجود أخفض - كما قال الشيخ منصور في الكشاف -؛ ليتميز عن الركوع.
(٣) فإن عجز عن جميع ما تقدم، أومأ بطرفه، أي: أشار بطرفه، فيشير بعينه ويستحضر بقلبه أنه يأتي بالركوع، ويشير بعينه =
стр. 320
القولُ، إن عجزَ عنه بلسانِهِ (١).
ولا تسقطُ، ما دامَ عقلُهُ ثابتاً (٢).
= ويستحضر أنه للرفع من الركوع وهكذا في جميع صلاته، أما تفسير الشيخ ابن عثيمين الإيماء بالطرف أنه تغميض العينين، فلم أره في كلام الأصحاب.
قال في المطلع: (قال الجوهري: الطَّرْف: بفتح الطاء وسكون الراء: العين، وقال صاحب المطالع: طرف العين: حركتها، ومنه: تطرف، أي: تحرك أجفانها).
قال ابن عوض - نقلا عن الحفيد -: (وهل يلزمه هنا أن يجعل إيماء السجود أخفض إن قدر؛ قياسا على الإيماء بالرأس؟ ينظر).
في الحواشي السابغات: (والظاهر: أنه يشير بعينه بأن يخفض بصره ويرفعه للركوع والسجود ونحوهما، ولم يذكروا هنا اشتراط أن يكون السجود أخفض من الركوع). قلت: وقد يفهم من كلام صاحب المطالع الذي نقله في المطلع أن المراد بالإشارة بالعين هو تحريك الأجفان، فالله أعلم.
(١) أي: كذلك يومئ بطرفه مستحضرا القول بقلبه إن عجز عنه بلسانه.
(٢) فما دام عقله ثابتاً، فإن الصلاة لا تسقط عنه، فمن عجز بعينه، صلى بقلبه مستحضراً الأفعال ناطقا بالأقوال، فإن عجز عنها استحضرها بقلبه كما تقدم، قال في الغاية: (يجدد لكل فعل وركن قصدا)، وأصله في الإقناع.
(تتمة) من جُنَّ وقت صلاة أو أكثر، فإنه لا يجب عليه =
стр. 321
ومن قَدَرَ على القيامِ أو القعودِ في أثنائِها، انتقلَ إليهِ (١).
ومن قَدَرَ أن يقومَ منفرداً، ويجلسَ في الجماعةِ، خُيِّرَ (٢).
وتصحُّ على الراحلةِ لمن يتأذَّى بنحوِ مطرٍ، ووحَلٍ، أو يخافُ على نفسِهِ من نزولِهِ، وعليهِ الاستقبالُ، وما يقدِرُ عليهِ (٣).
= قضاؤها إذا برئ، أما المغمى عليه، فيقضي الصلاة الفائتة مطلقاً ولو طالت المدة كسنة أو أكثر. (فرق فقهي)
(١) فإن قدَر - أي: استطاع - أثناء صلاته على القيام أو القعود مثلاً، انتقل إليه وجوباً فوراً. وقوله (قدر): بفتح الدال، وكسرها لغة كما في المطلِع.
(٢) المراد: أنه لو صلى منفرداً استطاع أن يقوم، ولو صلى مع الجماعة لم يستطع أن يصليَ إلا جالساً، فإنه يخير بين أن يصلي وحده قائماً، أو في جماعة جالساً، هذا هو المذهب قدمه في التنقيح والغاية، وجزم به في المنتهى، قال النجدي: (لعل وجهه: أن القيام وإن كان ركنا لكن له بدل وهو القعود)، وقدَّم في الإقناع أنه يلزمه أن يُصلي منفرداً قائماً، وصوَّبه في الإنصاف؛ لأن القيام ركن لا تصح الصلاة إلا به مع القدرة، وصلاة الجماعة واجبة تصح الصلاة بدونها، فتركها أهون من ترك ركن.
(٣) فتصح الصلاة على الراحلة، سواء كانت واقفة أو سائرة، بشرط أن يتأذى لو نزل بنحو مطرٍ، ووحَلٍ، أو يخاف على نفسه - لو نزل - من سيل أو سبُع ونحوه، وكذا لو عجز عن ركوب إن نزل؛ لفعله ﷺ في حديث يعلى بن أمية، رواه =
стр. 322
ويومئُ من بالماءِ والطِّينِ (١).
= الإمام أحمد، ويجب عليه استقبال القبلة، وما يقدر عليه من الركوع، والسجود، والطمأنينة، وبقية الشروط والأركان والواجبات، فإن لم يستطع أن يسجد، فإنه يومئ برأسه، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه.
(١) أي: من كان في ماء البحر مثلاً، أو في نهر، أو في طين ولا يمكنه خروج كمصلوب ومربوط، فإنه يومئ للركوع والسجود.
(تتمة) أما الصلاة في السفينة - والطائرة مثلها -، فيلزمه أن يُصلي عليها قائماً مستقبل القبلة، وحيث دارت وانحرفت عن القبلة، دار معها، فإن عجز عن القيام، صلى جالساً، واستقبل القبلة، ويدور معها كلما انحرفت عن القبلة، كما تقدم ويلزمه أن يأتي بكل ما يقدر عليه من الأركان والواجبات، أما في التنفل في السفينة والطائرة، فإنه يلزمه أن يستقبل القبلة للإحرام فقط إن أمكنه، ثم يُصلي جهة سيرِه، ويومئ بالركوع والسجود.
قال في الإقناع وشرحه: (ومن أتى بالمأمور) أي بجميع ما أمر به (من كل ركن ونحوه) وهو الشروط والواجبات (للصلاة وصلى عليها) أي الراحلة (بلا عذر) من مطر ونحوه (أو) صلى (في سفينة ونحوها) كمحفة (ولو جماعة من أمكنه الخروج منها واقفة) كانت (أو سائرة صحت) صلاته لإتيانه بما يعتبر فيها، (ولا تصح) صلاة الفرض (فيها) أي في السفينة (من قاعد مع القدرة) أي قدرته (على القيام)؛ لأنه قادر على ركن الصلاة فلم يجز تركه كما لو لم يكن بسفينة فإن عجز عن =
стр. 323
فصل في صلاة المسافر
قصرُ الصلاةِ الرُّباعيةِ (١) أفضلُ (٢) لمن:
- نوى سفراً (٣) مباحاً (٤)،
= القيام والخروج منها جاز له أن يصلي جالسا ويلزمه الاستقبال، وأن يدور إلى القبلة كلما انحرفت السفينة، وتقام الجماعة في السفينة مع العجز عن القيام، كمع القدرة).
(١) يشترط لجواز قصر الصلاة شروط: (الشرط الأول) كون الصلاة رباعية، فلا يقصر في ثنائية، ولا ثلاثية.
وفعل الرباعية في السفر ركعتين مجمع عليه في الجملة، وسنده: وقوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا)، وكذا ما تواتر في الأخبار أنه ﷺ كان يقصر.
(٢) أي: قصر الصلاة أفضل من الإتمام؛ لأن الرسول ﷺ داوم عليه في السفر، لكن لا يُكره الإتمام، والمراد بالأفضلية هنا: أنه سُنة، وهذا هو المذهب - كما صرح بذلك صاحب الزاد -، وإن كان المنتهى والإقناع والغاية لم يعبروا بالسنية.
(٣) (الشرط الثاني) أن ينوي أنه يسافر، والسفر هو: قطع المسافة.
(٤) (الشرط الثالث) أن يكون هذا السفر مباحاً، كالسفر للتجارة أو نزهة أو فرجة، فيجوز له فيه أن يقصر، وأَولى منه السفر الواجب، والمستحب، أما السفر المكروه كالسفر لفعل =
стр. 324
- لمحلٍّ معيَّنٍ (١)،
- يبلغُ ستةَ عشرَ فرسخاً (٢)، وهي: يومانِ قاصدانِ في زمنٍ
= مكروه، أو المحرم كأن يسافر لكي يزني أو يسرق، فلا يجوز فيه القصر، ولا الفطر في رمضان ولا غيرها من رخص السفر؛ لأن الرخص لا تحل مع المعاصي.
(١) (الشرط الرابع) أن يقصد محلاً معيناً، أي: غير مجهول، أما السائح الذي لا يدري وجهتَه، ولم يقصد مكاناً معيناً، والتائه، والضائع في البَر، والهائم، فلا يجوز لهم أن يقصروا.
(٢) (الشرط الخامس) أن تبلغ مسافة السفر ذهابا ستة عشر فرسخاً تقريباً لا تحديداً، برا أو بحرا أو جوا، في الحواشي السابغات: (والمذهب عندنا - كما في الفروع والإنصاف والإقناع والمنتهى والغاية -: أن الميل =٦٠٠٠ ذراع، وأقل ما وقفت عليه في مقدار الذراع أنه = ٤٨ سم، فإذا ضربناها في ٦٠٠٠ ذراع، أي: ٦٠٠٠ × ٠. ٤٨ = ٢٨٨٠ متراً، ثم نضرب هذا الناتج في عدد الأميال أي: ٤٨ ميلاً، فالناتج = ١٣٨٢٤٠ متراً، ونحولها إلى الكيلومتر بقسمتها على ١٠٠٠، والناتج = ١٣٨، ٤ كم تقريباً، أي: مائة وثمانية وثلاثون كيلو متر ومائتان وأربعون متراً؛ فهذه إذن هي مسافة القصر، ولم أر، ولم أقف الآن على أحد يقول بهذه المسافة، وهذا الناتج مبني على كون الذراع يساوي ٤٨ سم، وقيل يساوي أكثر من ذلك). =
стр. 325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ومن قدَّر المسافة بين ثمانين إلى تسعين كيلومتراً، فهو على قول من جعل الميل = ٣٥٠٠ ذراع، بخلاف المذهب عند الحنابلة، فإن الميل = ٦٠٠٠ ذراع.
ولا أدري من قرر أن المسافة هنا على المذهب ثمانون كيلو متر، اعتمادا على استدلال الأصحاب بكون مسافة القصر هي ما بين مكة والطائف، أو جدة، أو عسفان، كيف سيُقَدِّرون الفرسخَ الذي يذكره الأصحاب في باب الجمعة؟ كم كيلو؟ فإن قالوا بأنه (٥) كيلو متر، فأقول كم جعلتم مقدارَ الميل؟ لأن الفرسخ ثلاثة أميال، فقد وقعوا في إشكال تحديد الميل وأنه يقارب ٣٥٠٠ ذراع، وهو مخالف لتقرير الأصحاب في مسافة القصر هنا، وأنه ٦٠٠٠ ذراع، وإن قالوا بأنه (٩) كيلو متر بناء على أن الميل ٦٠٠٠ ذراع فقد خالفوا تقريرهم في مسافة القصر.
والقول الثاني في المذهب: أنه لا تحديد للمسافة، واختاره الموفق ابن قدامة، وشيخ الإسلام، وبعض العلماء المعاصرين، قال في المغني: «لا حجة للتحديد، بل الحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه»، وعليه: كل من عُد مسافراً في العُرف، فإنه يجوز له القصر؛ لكن يصعب تطبيق هذا القول؛ لأنه لا عُرف عام مطرد بين الناس فيما يُعد سفراً مما ليس بسفر، خاصة إذا كانت المسافة قليلة، ويشترط للعمل بالعرف أن يكون عاماً بين الناس. =
стр. 326
معتدِلٍ، بسَيرِ الأثقالِ، ودبيبِ الأقدامِ (١)، إذا فارقَ بيوتَ قريتِهِ العامرَةِ (٢).
ولا يُعيدُ من قَصَرَ، ثم رَجعَ قبلَ استكمالِهِ المسافةَ (٣).
= (تتمة) الظاهر أن المسافة تعتبر من حين الخروج من بلده لا من بيته؛ لأنه قبل أن يخرج من بلده لا يسمى مسافرا. والله أعلم.
(١) فمسافة القصر هي المسافة التي تقطعها الدواب المحملة بالأثقال في يومين قاصدين - أي: معتدلين طولاً وقصراً -، في زمن معتدل، أي: في الطول والقصر، كما قاله عبد الله المقدسي في شرحه لدليل الطالب، والدليل قوله ﷺ : «يا أهل مكة! لا تقصروا في أقل من أربعة بُرُد، من مكة إلى عُسفان»، رواه الدارقطني، والصواب أنه موقوف على ابن عباس ﵄.
(٢) لحديث أنس ﵁ أن النَّبي ﷺ «كان إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ، صلى ركعتين»، رواه مسلم. والقرية هي ما كان مبنياً بحجارةٍ، أو لَبِنٍ، أو نحوهما، كما في المطلع، فلا يجوز القصر لمن أراد السفر حتى يفارق القرية أو البلد الذي هو فيه، ويفارق ما يتبع البلد من قُرى ونحوها إذا كانت متصلة بالبلد على ما يظهر، أما لو كانت القرى منفصلة عن البلد فلا يشترط مفارقتها والله أعلم.
(٣) هذه مبنية على أصل وهو: أن المعتبر لجواز القصر والفطر نية قطع المسافة لا وجود حقيقتها، فمن نوى ذلك قصر، ولو رجع قبل استكمال المسافة لم يلزمه إعادة ما قصر نصا.
стр. 327
ويلزمُهُ إتمامُ الصلاةِ:
- إن دخلَ وقتُها، وهو في الحضر (١)،
- أو صلى خلفَ من يُتِمُّ (٢)،
- أو لم ينوِ القصرَ عند الإحرامِ (٣)،
(١) هناك أحوال يجب فيها إتمام الصلاة، وهي إحدى وعشرون حالة، ذكر الماتن بعضها: (الحالة الأولى) إن دخل وقت الصلاة، وهو في الحضر، فيجب أن يصليها تامة؛ لأنها وجبت عليه تامة بدخول وقتها، فلو أذَّن المؤذن للظهر مثلاً، ولم يزل الشخص في قريته، ثم سافر، فيجب عليه أن يُصليها أربعاً، هذا هو المذهب، وهو مما انفرد به الحنابلة عن غيرهم.
والرواية الثانية في المذهب: جواز القصر في هذه الحالة، اختاره صاحب الفائق، وحكى ابنُ المنذر الإجماعَ عليه كما في الإنصاف.
(٢) (الحالة الثانية) إن صلى المسافر خلف من أتم الصلاة، مسافراً كان الإمام أو مقيماً، فيجب على المأموم إذَن أن يتم صلاته، ولا يجوز له إن أدرك ركعتين من أربع أن يقتصر عليها، ويسلم مع الإمام، والدليل قوله ﷺ : «إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به فلا تختلفوا عليه» متفق عليه، وقال ابن عباس ﵄ في هذه المسألة: «تلك السنة»، رواه مسلم. وعلى هذا القول جماهيرُ أهل العلم، ولم يُخالف فيه إلا القلة.
(٣) (الحالة الثالثة) يجب الإتمام إن لم ينوِ القصر عند إحرامه =
стр. 328
- أو نوى إقامةً مطلَقةً (١)،
- أو أكثرَ من أربعةِ أيامٍ (٢)،
= بالصلاة. فيُشترط للقصر أن ينويه قبل أن يُحرم؛ لأن الإتمام هو الأصل وإطلاق النية ينصرف إليه.
(١) (الحالة الرابعة) أن ينوي أن يقيم في البلد إقامةً مطلقةً، أي: غير مقيدة بزمن، فيلزمه أن يتم صلاته؛ لانقطاع السفر المبيح للقصر.
(٢) (الحالة الخامسة) أن ينوي الإقامةَ بالبلد أكثر من أربعة أيام، فذلك يخرجه عن حكم السفر، ويلزمه أن يتم صلاته، وعبارة الماتن هنا كعبارة الزاد، أما الإقناع والمنتهى فقدراه بعشرين صلاة، والمعنى متقارب، وأحيانا عند التدقيق قد تخرج بعض الفروق بين التقديرين.
ويحسن في المسائل المشهورة كهذه أن يُعرف مأخذ قول المذهب.
والمذهب الذي ذكرناه - وهو تقدير الإقامة بعشرين صلاة - اختاره الشيخ ابن باز ﵀، ودليله: حديث أنس ﵁ في الصحيحين، قال: «أقمنا مع النبي ﷺ في مكة عشراً نقصر الصلاة»، وفي الصحيحين من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قد أتى مكة صبيحة اليوم الرابع من ذي الحجة وقد صلى الفجر خارجها، فأقام بها اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى بها الفجر في اليوم الثامن، ثم خرج إلى منى، فهذه عشرون صلاة في مكة، فخرج إلى منى في اليوم =
стр. 329
- أو أقامَ لحاجةٍ، وظنَّ أن لا تنقضي إلا بعد الأربعةِ (١)،
= الثامن، ثم ذهب إلى عرفة في اليوم التاسع، ثم انصرف وبات تلك الليلة في مزدلفة، ثم في اليوم العاشر رجع إلى منى، ثم أفاض إلى مكة، فجلس فيها أقل من أربعة أيام، ثم انطلق إلى المدينة، فلم يُقِم النبي ﷺ في تلك الأيام العشر في محل واحد أكثر من أربعة أيام.
قال في الإنصاف - بعد أن قدم المذهب-: (وقال الشيخ تقي الدين وغيره: إن له القصر والفطر، وإنه مسافر، ما لم يجمع على إقامة ويستوطن)، ومال إليه الشيخ ابن عثيمين فقال: (وعلى هذا فنقول: إن القول الراجح ما ذهب إليه شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ من أن المسافر مسافر ما لم ينوِ واحداً من أمرين:
١ الإِقامة المطلقة.
٢ أو الاستيطان.
والفرق: أن المستوطن نوى أن يتخذ هذا البلد وطناً، والإِقامة المطلقة أنه يأتي لهذا البلد ويرى أن الحركة فيه كبيرة، أو طلب العلم فيه قوي فينوي الإِقامة مطلقاً بدون أن يقيدها بزمن أو بعمل، لكن نيته أنه مقيم لأن البلد أعجبه إما بكثرة العلم وإما بقوة التجارة أو لأنه إنسان موظف تابع للحكومة وضعته كالسفراء مثلاً، فالأصل في هذا عدم السفر؛ لأنه نوى الإِقامة فنقول: ينقطع حكم السفر في حقه).
(١) (الحالة السادسة) أن ينوي إقامة- كما في شرح المنتهى - =
стр. 330
- أو أخَّرَ الصلاةَ بلا عذرٍ حتى ضاقَ وقتُها عنها (١).
ويقصر:
- إن أقامَ لحاجةٍ، بلا نيةِ الإقامةِ فوقَ أربعةٍ، ولا يدري متى تنقضِي (٢)،
= لقضاء حاجته، ويظن، أو يتيقن أنها لا تنقضي إلا بعد أربعة أيام، فيلزمه أن يتم الصلاة؛ لأنه في معنى نية إقامة أكثر من أربعة أيام فكأنه نوى أن يقيم أكثر من أربعة أيام.
قال البهوتي في شرح المنتهى: (وإن ظن انقضاؤها في الأربعة أيام قصر).
(١) (الحالة السابعة) أن يؤخر الصلاة بلا عذرٍ حتى يضيق وقتها عنها، فلو أخر الظهر مثلاً حتى لم يبق من وقتها إلا زمنا يكفي أقل من ركعتين، ولم يكن نوى جمع التأخير قبل ذلك، فلا يجوز القصر حينئذ؛ لأنه صار عاصيا بتأخيرها متعمدا بلا عذر، فإن أخرها بعذر كنوم فلا يمتنع عليه القصر.
(٢) فإن أقام لقضاء حاجة ولم ينو إقامةً فوق أربعة أيام، ولا يدري متى تنقضي، فيجوز له القصر أبدا، أما لو علم أنها تنقضي في أكثر من أربعة أيام، فلا يجوز له أن يقصر، حتى لو لم ينوِ الإقامة.
والفرق بين هذه المسألة الثانية والمسألة الأولى وهي قوله: (أو أقام لحاجة وظن أنها لا تنقضي إلا بعد الأربعة): أن المسألة الأولى: عنده نية إقامة تقطع حكم السفر، وعنده ظن أو علم أن حاجته لا تنقضي في أقل من أربعة أيام فيتم =
стр. 331
- أو حُبسَ ظُلماً، أو بمطرٍ، ولو أقامَ سنينَ (١).
= وجوبا، وأما المسألةُ الثانيةُ فليس عنده نية إقامة، ولا يدري متى تنقضي حاجته فيجوز له أن يقصر أبدا. (فرق فقهي)
(١) أي: لو حُبس في غير بلده مسافة قصر ظلماً، فله أن يقصر، فإن حبس بحق لم يقصر كما قاله البهوتي في الكشاف، وكذا يقصر لو حُبس بمرض، أو مطر، أو جليد، أو ثلج، فيقصر، كما جاء عن ابن عمر ﵄ أنه أقام ستة أشهر في أذربيجان يقصر لما حبسته الثلوج، وهو لا يدري متى تذوب وتزول. رواه البيهقي بإسناد صحيح قاله النووي في الخلاصة.
(تتمة) في ثلاث مسائل: ١ - من نوى إقامة ببلد أكثر من أربعة أيام ثم سافر منه إلى بلد آخر ثم عاد إلى البلد الأول بلا نية إقامة تمنع القصر قصر فيه: قال في الإقناع وشرحه: (ومن رجع إلى بلد) كأن (أقام به ما يمنع القصر) ولم ينو حال العود إقامة به تمنع القصر (قصر، حتى فيه، نصا)؛ لأنه مسافر، وليس كمن مر بوطنه).
٢ - من سافر إلى دولة يتنقل فيها بين بلدانها، ولم ينو إقامة أكثر من أربعة أيام في واحدة من تلك البلدان قصر فيها كلها: قال في الإقناع وشرحه: (وإن عزم على إقامة طويلة في رستاق) أي ناحية من أطراف الإقليم والمراد به: المعاملة المشتملة على أمكنة (ينتقل فيه) أي الرستاق (من قرية إلى قرية لا يجمع) أي لا يعزم من جمع بمعنى نوى (على الإقامة بواحدة منها) أي القرى (مدة تبطل حكم السفر) أي فوق أربعة أيام (قصر)؛ لأن «النبي ﷺ أقام عشرا بمكة وعرفة ومنى =
стр. 332
فصل في الجمع
يُباحُ بسفرِ القصرِ الجمعُ بينَ الظهرِ والعصرِ، والعشاءَينِ، بوقتِ إحداهما (١).
= يقصر في تلك الأيام كلها» كما تقدم).
٣ - لو نوى بموضع إقامة تقطع حكم السفر، ثم إنه في أثنائها قطع نية الإقامة التي تقطع حكم السفر، فإنه لا يجوز أن يقصر حتى يفارق ذلك الموضع، بأن نوى إقامة ستة أيام - مثلا - ودخل البلد، فعرض له أمر جعل نية الإقامة يومين - مثلا -، فليس له أن يقصر حتى يفارق موضع إقامته، قال في الإقناع وشرحه: (مسافر نوى الإقامة المانعة من القصر، ثم بدا له السفر قبل تمامها فليس له أن يقصر في موضع إقامته)؛ لأنه محلٌ ثبت له فيه حكم الإقامة أشبه وطنه (حتى يشرع في السفر) ويفارق ذلك الموضع كما تقدم).
(١) الجمع بين الصلاتين على المذهب مباحٌ، وليس مسنوناً، بل الأفضل تركه إلا في جمعي عرفة ومزدلفة فيسن بشرطه: أن يجمع بعرفة بين الظهرين تقديما، وفي مزدلفة بين العشائين تأخيرا، ويصح بين الظهرين أو العشاءين في ثمان صور، ويختص الجمع بين العشاءين بست صور، ومن حالات صحة الجمع بين الظهرين و العشاءين: (الحالة الأولى) سفر القصر: أي: الذي يباح فيه قصر الرباعية بأن يكون السفر غير مكروه ولا حرام ويبلغ مسافة القصر.
стр. 333
ويباحُ:
- لمقيمٍ مريضٍ يَلحقُهُ بتركِهِ مشقةٌ (١)،
- ولمرضعةٍ لمشقةِ كثرةِ النجاسةِ (٢)،
- ولعاجزٍ عن الطهارةِ لكلِّ صلاةٍ (٣)،
- ولعذرٍ أو شُغلٍ يبيحُ تركَ الجمعةِ والجماعةِ (٤).
(١) (الحالة الثانية) المقيم المريض الذي لو صلى كل صلاة في وقتها، ولم يجمع، شق عليه. فيجوز له الجمع.
(تتمة) اقتصر الماتن على قوله: (مشقة) تبعا للمنتهى ومثله في الغاية كالفروع، وزاد في الإقناع: (وضعف) تبعا للتنقيح والمقنع، وتعقبه الخلوتي في حاشية الإقناع بقوله: (الجمع بينهما مبني على قول حكاه في شرح المنتهى ب (قيل)، والمقدم أن المشقة وحدها كافية).
(٢) (الحالة الثالثة) المرضعة إذا شق عليها غسل النجاسة التي عليها، وعلى ثيابها، لكل صلاة. والمراد بالنجاسة هنا: بول الصبي، وقيؤه، فهما نجسان ويكثر حصوله للمرضعة، لكن إذا كان الصبي لم يأكل الطعام لشهوة، فيكفي في تطهيرهما النضحُ.
(٣) (الحالة الرابعة) من لا يستطيع أن يتطهر لكل صلاة، بتيمم، أو بماء، كمن يحتاج إلى غيره ليوضِّئَه، ولا يأتيه ذلك الشخص إلا في وقت أحد الظهرين، أو أحد العشاءين مثلا، فيجوز له أن يجمع؛ لأنه في معنى المريض والمسافر.
(٤) (الحالة الخامسة) كل عذر من الأعذار التي تُبيح ترك الجمعة والجماعة كخوفه على نفسه أو ماله فإنه يبيح الجمع أيضاً، =
стр. 334
ويختصُّ بجوازِ جمعِ العشاءَينِ - ولو صلى ببيتِهِ -: ثلجٌ، وجليدٌ، ووحَلٌ، وريحٌ شديدةٌ باردةٌ، ومطرٌ يبُلُّ الثيابَ، وتوجدُ معه مشقةٌ (١).
= وكذا كل شغل يبيح ترك الجمعة والجماعة كمن يخاف بتركه ضررا في معيشة يحتاجها.
(تتمة) (الحالة السادسة): المستحاضة ونحوها كذي سلس البول وجرح لا يرقأ دمه.
(١) فيصح الجمع بين العشاءين فقط - دون الظهرين - في ستة أحوال: ١ - عند وُجود الثلج، ٢ - أو الجليد، ٣ - أو الوحَل، أي: الطين في الشوارع، ولو لم يوجد مطر، ٤ - أو الريح إن كانت شديدة وباردة، ولو لم تكن الليلة مظلمة فأصبح للريح الباردة صورتان يجمع فيهما: أ- مع الريح الباردة في ليلة مظلمة، وتقدمت في فصل الأعذار التي تبيح ترك الجمعة والجماعة، ب - مع الريح الباردة الشديدة المذكورة هنا، وهل تكون الريح الباردة الشديدة عذرا يبيح ترك الجمعة والجماعة؟ تحتاج لتأمل، ٥ - أو المطر، وضابط المطر الذي يبيح الجمع: أن يبلَّ الثياب، وتوجد مع ذلك المطر مشقة في الوصول إلى المسجد، ولم يصح عن النَّبي ﷺ أنه جمع للمطر، لكن الحكم أُخذ من قول ابن عباس ﵄: إن الرَّسول ﷺ جمع في غير مطر، وأراد أن لا يُحرِّج أمته رواه مسلم، وهذا يدل على أنهم كانوا يجمعون في المطر، كما قاله شيخ الإسلام وغيره، وقول المؤلف: (ولو صلى في =
стр. 335
والأفضلُ فعلُ الأرفقِ بِهِ من تقديمِ الجمعِ، أو تأخيرِهِ (١).
فإن جَمَعَ تقديماً، اشتُرطَ لصحةِ الجمعِ:
- نيتُهُ عند إحرامِ الأُولى (٢)،
- وأن لا يفرِّقَ بينهما بنحوِ نافلةٍ، بل بقَدْرِ إقامةٍ، ووضوءٍ خفيفٍ (٣)،
= بيته) وكذا لو صلى بمسجد طريقه تحت ساباط كمجاور بالمسجد ونحوه ولو لم ينله إلا يسير كما في الإقناع.
(تتمة) يضاف إلى ما ذكره المؤلف: ٦ - البَرَد إذا نزل، فإنه يجوز معه الجمع.
(١) أي: الأفضل لمن يجوز له الجمع أن يفعل الأرفق والأسهل لحاله من تقديم الجمع أو تأخيره فإن استويا - أي: التقديم والتأخير - في الأرفقية فالتأخير أفضل؛ لأنه أحوط، إلا في جمعَي عرفة ومزدلفة، فالأفضل في عرفة التقديم، والعكس في مزدلفة.
(٢) شروط جمع التقديم: (الشرط الأول) أن ينوي الجمع عند إحرام الصلاة الأولى؛ لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» متفق عليه، وهذا عمل، فيدخل في عموم الحديث.
(٣) (الشرط الثاني) أن لا يفرق بينهما بنحو نافلة؛ لأن معنى الجمع: المقارنة أو المتابعة، فإذا فصل بين الصلاتين بفاصل طويل، انتفى معنى الجمع، إلا إذا كان التفريق بقدر إقامة ووضوء خفيف فلا تبطل الموالاة بينهما.
قال في الإقناع وشرحه: (وظاهره تقدير اليسير بذلك وصحح في المغني والشرح، وجزم به في الوجيز: أن مرجعه إلى =
стр. 336
- وأن يوجدَ العذرُ عند افتتاحِهما (١)،
- وأن يستمرَّ إلى فراغِ الثانيةِ (٢).
وإن جَمَعَ تأخيراً، اشتُرطَ:
- نيةُ الجمعِ بوقتِ الأُولى (٣)، قبل أن يضيقَ وقتُ الثانيةِ عنها،
= العرف كالقبض والحرز، فإن طال الوضوء بطل الجمع (ولا يضر كلام يسير لا يزيد على ذلك) أي على قدر الإقامة والوضوء الخفيف (من تكبير عيد أو غيره) كذكر وتلبية).
(١) (الشرط الثالث) أن يُوجد العذر عند افتتاح الصلاة الأولى، وعند افتتاح الصلاة الثانية. ويُشترط أيضاً أن يوجد العذر عند سلام الأولى، كما في الإقناع، والمنتهى، والغاية، والزاد.
(٢) (الشرط الرابع) أن يستمرَّ العذر إلى فراغ الصلاة الثانية. ويُستثنى من هذا الشرط: الجمع للمطر ونحوه كبَرَد، فيكفي فيه أن يوجد المطر عند الإحرام بالأولى وسلامها، والإحرام بالثانية فقط، ولو توقف قبل انقضاء الثانية.
(تتمة) (الشرط الخامس) الترتيب بين الصلاتين سواء نسيه أو ذكره بخلاف سقوطه مع النسيان في قضاء الفرائض، ولم يذكره المؤلف. (فرق فقهي)
(٣) يشترط لجمع التأخير: (الشرط الأول) أن ينوي الجمع في وقت الأُولى قبل أن يضيقَ وقتُ الثانيةِ عنها، فلو بقي من وقت الصلاة الأولى ما لا يكفي لفعل الصلاة، لم يصح الجمع، ويأثم بالتأخير، لكن وإن قالوا: لا يصح الجمع لكن سيدخل وقت الثانية وله أن يصليها أول وقتها، ويكون الجمع =
стр. 337
- وبقاءُ العذرِ إلى دخولِ وقتِ الثانيةِ (١)، لا غيرُ (٢).
ولا يُشترطُ للصحةِ اتحادُ الإمامِ والمأمومِ؛ فلو صلَّاهما: خلفَ إمامَينِ (٣)، أو بمأمومٍ الأُولى وبآخَرَ الثانيةَ، أو خلفَ من لم يجمعْ، أو إحدَاهما منفرداً والأُخرى جماعةً، أو صلَّى بمن لم يجمعْ، صحَّ (٤).
= صوريا، ولا أرى ثمرة لهذا إلا أنه لا يجوز له أن يقصر الأولى. والله أعلم.
(١) (الشرط الثاني) أن يبقى العذر إلى دخول وقت الصلاة الثانية.
(تتمة) (الشرط الثالث) الترتيب بين الصلاتين، ولا تشترط الموالاة بين المجموعتين في جمع التأخير فيجوز التطوع بينهما.
(٢) أي: لا يشترط غير ما ذُكر من الشروط.
(٣) فلا يشترط لصحة الجمع اتحاد الإمام والمأموم، فيجوز مثلاً أن يصلي إحدى الصلاتين خلف إمام، والأخرى خلف إمام آخر.
(٤) في ذلك كله.
стр. 338
فصل في صلاة الخوف
تصحُّ صلاةُ الخوفِ - إذا كان القتالُ مباحاً - حضراً، وسفراً (١).
ولا تأثيرَ للخوفِ في تغييرِ عددِ ركعاتِ الصلاةِ، بل في صفتِها، وبعضِ شروطِها (٢).
(١) يُشترط لصحة صلاة الخوف شرطان: ١ - أن يكون القتال مباحاً، كقتال الكفار، والبغاة المحاربين، فلا تباح لقتالٍ محرَّمٍ كالقتال الصادر من البغاة على أهل العدل من المسلمين، أو الصادر من قُطاع الطريق. ٢ - أن يخاف المسلمون هجوم العدو. وقد اشتملت الآية على الشرطين ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء، ١٠١] على الشرطين جميعاً، وتصح صلاة الخوف في الحضر والسفر؛ لأن المبيح الخوف لا السفر، إلا الجمعة فتصح حضرا لا سفرا.
(٢) لا يتغير عدد الركعات في صلاة الخوف، فتصلى الرباعية في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وإنما يؤثر الخوف في صفة الصلاة، وبعض شروطها كاستقبال القبلة، وهذه المسألة من الإقناع، وتعقبه البهوتي بقوله: (بناء على قول الأكثر في منع الوجه السادس الآتي وأما على ظاهر كلام الإمام فيؤثر أيضا في عددها كما في الوجه المشار إليه على ما يأتي بيانه). =
стр. 339
وإذا اشتدَّ الخوفُ، صلَّوْا رجالاً وركباناً (١)، للقِبلةِ وغيرِها،
ولا يلزمُ افتتاحُها إليها - ولو أمكن - (٢)، يومِئُون طاقتَهم (٣).
وكذا في حالةِ الهَرَبِ من عدوٍّ، أو سَيلٍ، أو سَبُعٍ، أو نارٍ، أو غريمٍ ظالمٍ، أو خوفِ فواتِ وقتِ الوقوفِ بعرفةَ، أو خافَ على نفسِهِ، أو أهلِهِ، أو مالِهِ، أو ذَبَّ عن ذلك،
= (تتمة) لصلاة الخوف على المذهب ستة أوجه، تذكر في المطولات.
(١) صلاة الخوف نوعان: الأول: صلاة الخوف: وهي التي تقدم بعض أحكامها وهي التي تكون بستة أوجه، الثاني: صلاة شدة الخوف: فإذا اشتد الخوف بأن تواصل الطعن والضرب والكرُّ والفرُّ ولم يمكن تفريق القوم وصلاتهم على أي وجه من الأوجه الستة = لزمهم أن يصلوا، ويصلون رجالاً - أي: ماشين على أرجلهم -، أو ركباناً - أي: راكبين -؛ لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا﴾ [البقرة، ٢٣٩].
(٢) أي: يصلون متوجهين للقبلة أو غيرها، ولا يلزمهم افتتاح الصلاة إلى القبلة، ولو أمكنهم، بخلاف المتنفل في السفر ماشياً كان أو راكباً، فيلزمه افتتاح الصلاة إليها، ثم يصلي إلى جهة سيره. (فرق فقهي)
(٣) أي: يُشيرون في الركوع والسجود قدر ما يطيقون، ويكون السجود أخفض من الركوع.
стр. 340
وعن نفسِ غيرِهِ (١).
(١) يُلحق بشدة الخوف عند الحرب عدة أحوال، وهي: ١ - الهرب من عدو، وقيده في المنتهى بكونه هرباً مباحاً بأن كان الكفار أكثر من مثلي المسلمين أو متحرفا لقتال، ٢ - أو الهرب من سَيل، فيجوز له أن يصلي على الصفة المتقدمة، ٣ - أو الهرب من سبُع، ٤ - أو الهرب من نار، ٥ - أو الهرب من غريمٍ ظالمٍ، ٦ - أو يخشى إن صلى الصلاة المعتادة أن يخرج وقت الوقوف بعرفة، أي: أن يطلع فجر يوم النحر، فيُصلي إذن على حاله، ويُشير بالركوع والسجود، ٧ - أو يخشى على نفسه، أو أهله، أو على ماله أن يؤخذ أو يضيع لو صلى الصلاة المعتادة، ٨ - أو انشغل بالذبَّ - أي: الدفع - عن نفسه أو أهله أو ماله، أو عن نفس غيره.
(تنبيه) قول المؤلف: (وعن نفس غيره) أي: له أن يصلي صلاة شدة الخوف إذا دافع عن نفس غيره.
أما لو كان يدافع عن مال غيره فهل له أن يصلي صلاة شدة الخوف؟ ظاهر عبارة الماتن هنا - كالمنتهى - أنه لا يصلي كذلك، وجزم في الغاية بأنه يصلي كذلك إذا ذب عن مال غيره، وذكر البهوتي في شرح المنتهى عن الإنصاف أنه صحح أن له أن يصلي كذلك إذا ذب عن مال غيره، لكن الذي في الإنصاف العكس فقد صحح عدم الصلاة كذلك إذا ذب عن مال غيره، حيث قال: (الصحيح من المذهب: أنه لا يصلي كذلك لخوفه على مال غيره)، وتعقب الرحيباني البهوتي في مطالب أولي النهى، وتوبع البهوتي من قبل الخلوتي والنجدي =
стр. 341
وإن خافَ عدوًّا إن تخلَّفَ عن رُفقتِهِ، فصلَّى صلاةَ خائفٍ، ثم بان أَمنُ الطريقِ، لم يُعِد (١).
ومن خَافَ أو أَمِنَ في صلاتِهِ، انتقَلَ وبنَى (٢).
ولمصلٍّ كرٌّ وفرٌّ لمصلحةٍ، ولا تبطُلُ بطولِهِ (٣).
وجازَ لحاجةٍ حملُ نجِسٍ، ولا يعيدُ (٤).
= وابن عوض، ومال إليه الشطي حيث قال: (تعليلهم يقتضي أن يكون الحكم كما ذكره البهوتي والمصنف .. إلخ) وعلل له ثم قال: (فليحرر وليتأمل).
(١) لأن العبرة بما في ظن المكلَّف.
(٢) فإذا كان يُصلي صلاة الخوف، ثم أمِن، انتقل وجوباً إلى صلاة الآمِن، وبنى على ما تقدم من الصلاة، والعكس بالعكس.
(٣) أي: للمصلي أن يكرَّ - أي: يهجم - على العدو، أو يفر منه لمصلحة، ولا تبطل الصلاة بطول الكر والفر.
(٤) أي: يجوز للحاجة حمل نجاسة - ولو غير معفوٍّ عنها - في صلاة الخوف، ولا يُعيد الصلاة؛ للعذر.
ويسن في صلاة الخوف حمل مصل ما يدفع به عن نفسه ولا يثقله كسيف وسكين.
стр. 342
باب صلاة الجمعة (١)
تجبُ على: كلِّ ذكرٍ، مسلمٍ، مكلَّفٍ، حُرٍ، لا عذرَ له (٢).
(١) بتثليث الميم، وإسكانها، والأصل في مشروعية صلاة الجمعة قوله تعالى: ﴿يا ايها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة، ٩]، ومن السُّنَّة أحاديث كثيرة، وهي منقولة بالتواتر عن النَّبي ﷺ ، ومنها قوله ﷺ : (لينتيهن أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم) رواه مسلم.
قال في الإقناع وشرحه: (وهي صلاة مستقلة) ليست بدلا عن الظهر (لعدم انعقادها بنية الظهر ممن لا تجب) الجمعة (عليه) كالعبد والمسافر (ولجوازها) أي الجمعة (قبل الزوال) ولأنه (لا) يجوز أن تفعل (أكثر من ركعتين) لما يأتي عند قوله: والجمعة ركعتان، (ولا تجمع) مع العصر (في محل يبيح الجمع) بين الظهر والعصر، لعذر مما تقدم في الجمع).
(٢) فيشترط فيمن تجب عليه صلاة الجمعة وجوب عين: ١ - أن يكون ذكراً فلا تجب على المرأة، ٢ - وأن يكون مسلماً فلا تجب على الكافر، ٣ - وأن يكون مكلفاً، أي: عاقلاً بالغاً، ٤ - وأن يكون حراً، فلا تجب على العبد، ويدل على هذه الشروط الأربعة حديث طارق بن شهاب مرفوعا «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة عبد مملوك أو =
стр. 343
وكذا على:
- مسافرٍ لا يباحُ له القصرُ (١)،
- وعلى مقيمٍ خارجَ البلدِ إذا كان بينهما وبين الجمعةِ وقتَ فعلِها فرسخٌ فأقلَّ (٢).
ولا تجبُ على: من يباحُ له القصرُ (٣)، ولا على عبدٍ، ومبعَّضٍ (٤)، وامرأةٍ.
= امرأة، أو صبي أو مريض» رواه أبو داود ٥ - وأن لا يكون له عذر يُبيح ترك الجمعة والجماعة، ٦ - ولم يذكره الماتن: الاستيطان ببناء معتاد اسمه واحد ولو تفرق فلا جمعة على أهل الخيام وبيوت الشعر.
(١) كسفر المعصية، وما دون المسافة فتلزمه بغيره.
(٢) أي: إذا كان بين المقيم خارج البلد والمكان الذي تقام فيه الجمعة في البلد - وقت فعلها - فرسخٌ فأقلَّ، فإنه يلزمه السعي إليها، فإن كان أبعد من ذلك، لم يلزمه إتيانها، والفرسخ = ٣ أميال، كما سبق، والميل = ٣ كم، فالفرسخ = ٩ كم تقريبا.
(تنبيه) قول المؤلف: (وقت فعلها) قال اللبدي: (لم أر هذه العبارة لغيره، ولم يظهر لي معناها)، وهي في الغاية، وذكرها البعلي في كشف المخدرات.
ومعناها: أنه قد يكون وقت فعلها في مكانٍ مسافتُه أكثرُ من فرسخ، فلا يلزمه السعي لها.
(٣) أي: لا تجب عليه الجمعة لا بنفسه ولا بغيره، والذي يباح له القصر هو: من قطع مسافة قصر وهو غير عاصٍ بسفره.
(٤) وهو من بعضه حر وبعضه عبد.
стр. 344
ومن حضرَها منهم، أجزأَتْهُ (١)، ولا يحسبُ هو - ولا من ليس من أهلِ البلدِ - من الأربعينَ (٢)، ولا تصحُّ إمامتُهم فيها (٣).
وشُرِط لصحةِ الجمعةِ أربعةُ شروطٍ:
أحدُها: الوقتُ، وهو من أوَّلِ وقتِ العيدِ إلى آخرِ
(١) أي: من حضرها من هؤلاء وهم المسافر والعبد والمبعض والمرأة والخنثى، أجزأته عن صلاة الظهر، بل هي في حقهم أفضل من الظهر كما في الإقناع غير المرأة، فظاهر الإقناع وشرحه أنه يباح لها الحضور وبيتها خير لها.
أما من سقطت عنه لعذر غير السفر فمن حضرها منهم وجبت عليه، وانعقدت به، وأم فيها، قال في الإقناع وشرحه: (ومن سقطت عنه) الجمعة (لعذر كمرض وخوف ومطر ونحوها) كخوف على نفسه أو ماله (غير سفر إذا حضرها) أي الجمعة، (وجبت عليه وانعقدت به وأم فيها) أي جاز أن يؤم في الجمعة لأن سقوط حضورها لمشقة السعي فإذا تحمل وحضرها انتفت المشقة ووجبت عليه، فانعقدت به كمن لا عذر له).
(٢) المراد: لا يحسب من تقدم، ولا من ليس من أهل البلد من الأربعين المشترط حضورهم للجمعة. فلو لم يكن إلا خمسة وثلاثون شخصاً وخمسة نساء، لم تصح الجمعة.
(٣) أي: لا تصح إمامة المسافر ومن ذُكر بعده في الجمعة، وهم من لا تجب عليهم الجمعة لغير عذر، أما من لا تجب عليهم الجمعة لعذر غير سفر كالمريض مثلاً، فإن حضروها انعقدت بهم، وجاز أن يؤموا فيها وتقدم.
стр. 345
وقتِ الظهرِ (١).
وتجبُ بالزوالِ، وبعدَهُ أفضلُ (٢).
(١) شروط صحة الجمعة: (الشرط الأول) الوقت، أي: دخول وقت صلاة الجمعة. ووقتها: من أول وقت العيد إلى آخر وقت الظهر، هذا هو المذهب، وهو من مفردات الحنابلة. واستدلوا له بأدلة كثيرة، منها آثار صحيحة كثيرة تفيد أن بعض الصحابة ﵃ صلى صلاة الجمعة قبل الزوال.
(٢) أي: للجمعة وقتان: ١ - وقت جواز، وبدايته من أول وقت صلاة العيد وهذا يكون بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، ٢ - ووقت وجوب، وهو إذا زالت الشمس، وأن تُصلى بعد الزوال أفضل؛ خروجاً من الخلاف، والدولة السعودية الآن تمنع - عن طريق وزارة الشؤون الإسلامية - أئمةَ المساجد أن يخطبوا قبل الزوال، وقد علق الخلوتي على قول المنتهى: (ولو أمره السلطان، لا يصلي إلا بأربعين لم تجز بأقل) قال الخلوتي: (وانظر هل مثله لو أمره أن لا يجمع قبل الزوال؟ واستظهر شيخنا أنه مثله)، فاستظهر البهوتي أنه إذا منعَ وليُّ الأمرِ الصلاةَ قبل الزوال فيحرم أن تصلى قبله، لكن لو صلى قبله مخالفا هل تصح أو لا تصح؟.
(تتمة) مسألة: حكم الأذان الأول في صلاة الجمعة ووقته:
أما حكمه: فمستحب، فقد صرح المرداوي في الإنصاف بأنه مستحب قال ﵀: في الإنصاف:
(الصحيح من المذهب أن الأذان الأول مستحب)، وجزم به =
стр. 346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= في الإقناع فقال: (ويجب السعي بالنداء الثاني بين يدي الخطيب لا بالأول لأنه مستحب)، وصرح به الموفق في الكافي فقال: (ويسن الأذان الأول).
ويدل عليه ما رواه البخاري عن السائب بن يزيد: «كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان، وكثر الناس زاد النداء الثالث»
والمراد بالنداء الثالث الأذان الأول، والثاني هو الذي يكون بين يدي الخطيب بعد دخوله، والثالث هو الإقامة.
قال ابن رجب في فتح الباري: (وسماه ثالثا؛ لأن به صارت النداآت للجمعة ثلاثة، وإن كان هو أولها وقوعا).
وأما وقته:
فلم أظفر بكلام للحنابلة المتأخرين إلا للشيخ أبا بطين كما سيأتي.
ثم وجدت عند غير المتأخرين فيها قولين: القول لأول: أنه بعد الزوال: وقد نقله ابن رجب في فتح الباري عن القاضي أبي يعلى وهو قوله: (المستحب أن لا يؤذن إلا أذان واحد، وهو بعد جلوس الإمام على المنبر، فإن أذن لها بعد الزوال وقبل جلوس الإمام جاز، ولم يكره)، فهذا النقل فيه التصريح بأن وقت الأذان الأول يوم الجمعة يكون بعد الزوال، وهو الذي أخذه الشيخ أبا بطين من بعض الروايات عن الإمام =
стр. 347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أحمد في صلاته أربع ركعات قبل صلاة الجمعة، قال ﵀ فيما نقله عنه العنقري في حاشية الروض (٦٩/ ٢) -: (فائدة: وفي مسائل ابن هانئ قال: رأيت أبا عبد الله إذا كان يوم الجمعة يصلي إلى أن يعلم أن الشمس قد قاربت أن تزول، فإذا قاربت أمسك عن الصلاة، حتى يؤذن المؤذن، فإذا أخذ المؤذن في الأذان، قام فصلى ركعتين، أو أربعا يفصل بينهما بالسلام … قال ابن رجب: وهذا يدل على تأكد هذه الصلاة في هذا الوقت عند الإمام أحمد؛ لاشتغاله بها عن إجابة المؤذن خشية خروج الإمام قبل إدراكها، قال كاتبه - أي: أبا بطين-: وهذا يدل على أن الأذان الأول في زمنهم إنما يفعل بعد الزوال؛ لأن أذان الثاني إنما هو بعد جلوس الإمام على المنبر، ولا يمكن الصلاة حينئذ. انتهى من خط الشيخ عبد الله أبا بطين).
القول الثاني: أنه من أول وقت صلاة الجمعة وهو أول وقت صلاة العيد بعد ارتفاع الشمس قيد رمح.
وهو المفهوم من قول الموفق في الكافي وهذا كلامه ﵀: (ويسن الأذان الأول في أول الوقت؛ لأن عثمان سنه، وعملت به الأمة بعده، وهو مشروع للإعلام بالوقت، والثاني للإعلام بالخطبة، والإقامة للإعلام بقيام الصلاة).
وهو قد قدم قبل هذا الكلام في الكافي أن أول وقتها كصلاة العيد، وتابع الشارحُ الموفقَ في الشرح الكبير، وقد يحمل قول الموفق: (ويسن الأذان الأول في أول الوقت) على أن =
стр. 348
الثاني: أن تكونَ بقريةٍ - ولو من قصبٍ - (١)، يستوطنُها أربعونَ، استيطانَ إقامةٍ، لا يظعنونَ صيفاً ولا شتاءً (٢).
وتصحُّ فيما قاربَ البنيانَ من الصحراءِ (٣).
= المراد بأول الوقت أي: وقت الوجوب وهو ما بعد الزوال، وبهذا يتفق مع القول الأول، وفي هذا الحمل بعدٌ، والله أعلم. (بحث)
(١) (الشرط الثاني) أن تكون بقرية مبنية بما جرت عادة أهلها به، سواء من حجر، أو لبِن، أو طين، أو قصب، أو شجر … والمراد: إخراج أهل الخيام، فلا تصح منهم صلاة الجمعة.
(٢) أي: يشترط أن يستوطن القريةَ أربعون رجلاً من أهل الوجوب، وهم من توفرت فيهم شروط الوجوب المتقدمة إلا من سقطت عنه لعذر كالمريض فإنه لو حضرها أجزأ. وقوله: (لا يظعنون صيفاً ولا شتاءً): أي لا يرحلون عنها صيفاً ولا شتاءً. والاستيطان هو أن يُقيم الإنسان في مكان، وينوي ألا يُفارقه، وأنه إن فارقه فإنه يعود إليه.
قال ابن حميد في حاشيته على شرح المنتهى: (قال ابن نصر الله: تحقيق حد الاستيطان: هل هو مدة معينة أو لا؟ انتهى، والظاهر: أن المراد به ما ذكر في الجمعة وهو أن يستوطن بها استيطان إقامة لا يرحل عنها صيفا ولا شتاء ناويا له. انتهى. يوسف، قال ابن حميد: وهو الظاهر).
(٣) المراد: أنه لا يجوز أن يبتعدوا عن البنيان مسافة قصر؛ لأنهم يكونون إذَن مسافرين، ولا تصح منهم الجمعة. =
стр. 349
الثالثُ: حضورُ أربعينَ، فإن نقصُوا قبلَ إتمامِها، استأنفُوا ظهراً (١).
= وقدرها الحفيد بأقل من فرسخ عن البلد، وتعقبه اللبدي فقال: (وهو يحتاج إلى دليل وإلا فهو مردود بالجملة، فلم أر من قدر هذه المسافة، لكن ذكروا أن أسعد بن زرارة صلى الجمعة بحرة بني بياضة وهي على ميل من المدينة). (خلاف المتأخرين)
(١) (الشرط الثالث) حضور أربعين ممن تجب عليهم صلاة الجمعة في كل الجمعة خطبة وصلاة إلا من سقطت عنه لعذر لو حضر حسب من العدد، ولو كان فيهم خرس أو صم لا كلهم، فإن نقص الأربعون قبل إتمام الجمعة، ولم يمكن إعادة الصلاة جمعةً بشروطها، استأنفوا ظهراً، فإن أمكن إعادة الجمعة، وجب ذلك؛ لأنها فرض الوقت.
(تتمة) فيُشترط لتصح الجمعة: أن يحضرها أربعون مستوطناً من ذلك البلد، وعليه، فالجمعة التي يصليها الموظفون الأجانب فقط في بعض الشركات لا تصح على المذهب.
(تتمة) إقامة صلاة الجمعة في السجن: قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في فتح الباري (٨/ ٦٧): (ولهذا لا تقام الجمعة في السجن، وإن كان فيه أربعون، ولا يعلم في ذلك خلاف بين العلماء، وممن قاله: الحسن، وابن سيرين، والنخعي، والثوري، ومالك، وأحمد، وإسحاق وغيرهم).
وقال الخلوتي في حاشية المنتهى (١/ ٤٧٩): (قال ابن مفلح =
стр. 350
الرابعُ: تقدمُ خطبتَينِ، من شرطِ صحتِهما خمسةُ أشياءَ: الوقتُ، والنيةُ، ووقوعُهما حضراً، وحضورُ الأربعينَ، وأن يكونا ممن تصحُّ إمامتُهُ فيها (١).
= في حواشي الفروع "لو اجتمع في السجن أربعون، هل يصلون جمعة، لأنهم في حكم المستوطنين، والصلاة في المسجد ليست شرطًا، والانفراد عن الجمع يجوز للحاجة؛ ويحتمل أن يصلوا ظهرًا لعدم الاستيطان، أشبه ما لو حبسوا بخيمة، أو صحراء في بعد عن المِصر. ثم رأيت عن السبكي من الشافعية أنه قال: يصلون ظهرًا؛ لأنه لم يبلغنا أن أحدًا من السلف فعل ذلك، مع أنه كان في السجن أقوام من العلماء المتورعين، مع كثرة العدد، قال: ولأن المقصود إقامة الشعائر، والسجن ليس محلًا لذلك، فهي غير جائزة، سواء ضاق البلد الذي فيه السجن أو اتسع، لكنهم يصلونها ظهرًا جماعة، بعد فراغ جمعة البلد"، انتهى.
وقول السبكي في آخر عبارته: "بعد فراغ جمعة البلد، وهو عندنا على سبيل الأولوية، لا على سبيل الوجوب، إذ هم معذورون) انتهى كلام الخلوتي.
قلت: وقد تعقب ابنُ حجر الهيتمي السبكيَّ في رأيه، وأجاز صلاةَ الجمعة في السجن متى توفرت الشروط، والله أعلم.
(١) (الشرط الرابع) تقدُّم خطبتين، ومن شروط صحتهما: ١ - الوقت، فلا تصحان قبل دخول وقت صلاة الجمعة، ٢ - ونية الخطبتين، كما في المنتهى والإقناع؛ لحديث: =
стр. 351
وأركانُهما ستةٌ: حمدُ اللهِ (١)، والصلاةُ على رسولِ اللهِ ﷺ (٢)،
= (إنما الأعمال بالنيات)، ٣ - ووقوعهما في الحضر - ذكره في المعونة -، لا في السفر، ٤ - وأن يحضرهما أربعون من أهل الوجوب، ٥ - وأن يكون الخطيب ممن تصح إمامته في صلاة الجمعة، وهو من وجبت عليه بنفسه، أي: الحر المسلم المكلف المستوطن، وكذا من سقطت عنه لعذر إذا حضرها كالمريض، فلا تصحان من المسافر، ولو أقام لعلم أو شغل بلا استيطان كما قاله الشيخ منصور في شرح المنتهى، فلو خطب الناسَ داعية مسافر زائر - كما يحصل كثيراً -، وصلى بهم الجمعة، لم تصح على المذهب.
(تتمة) ويشترط أيضاً للخطبتين: ٦ - كونهما باللغة العربية - ولو كان جميع الحاضرين لا يفهمونها -، إلا لعاجز عنها، إلا القراءة التي في الخطبة، فلا بد أن تكون بالعربية، فإن عجز عنها، وجب بدلها ذِكرٌ؛ قياساً على الصلاة.
(١) أركان الخطبتين ستة: [الركن الأول] حمد لله تعالى، ولا بد فيه من لفظ «الحمد لله».
(٢) [الركن الثاني] الصلاة على رسول الله ﷺ ، ويتعين لفظ الصلاة لا السلام. والمجزئ منه هو «اللهم صلِّ على محمد» كما في التشهد، فلا يشترط السلام عليه ﷺ ، قال النجدي في هداية الراغب: (والظاهر: أن المجزئ منها ما يجزئ في تشهد الصلاة كما أفتى به بعض مشايخنا) قال ابن عوض: (وهو الشيخ محمد بن بلبان).
стр. 352
وقراءةُ آيةٍ من كتابِ اللهِ (١)، والوصيةُ بتقوى اللهِ (٢)، ومُوالاتُهما مع الصلاةِ (٣)، والجهرُ بحيث يَسمعُ العددُ المعتبرُ حيثُ لا مانِعَ (٤).
(١) [الركن الثالث] قراءة آية كاملة من كتاب الله. ولا تتعين آية بعينها، كما في المعونة. ولا تجزئ إن كانت لا تستقل بمعنى أو حكم كقوله تعالى: ﴿ثم نظر﴾ [المدثر، ٢١]، أو ﴿مدهامتان﴾ [الرحمن، ٦٤]، كما نقل الشارح عن أبي المعالي.
(٢) [الركن الرابع] الوصية بتقوى الله تعالى؛ لأنها المقصود من الخطبة. وأقلها: اتقوا الله، ونحوه، كما ذكر الشارح. ولا يتعين لفظها، فلو قال مثلاً: أطيعوا الله، كفى. ولا بد من هذه الأركان في كل من الخطبتين.
(تتمة) وتستحب البداءة بالحمد لله، ثم الثناء، ثم بالصلاة على النبي ﷺ ثم بالموعظة، فإن نكس أجزأ قاله في الإقناع.
(٣) [الركن الخامس] الموالاة في ثلاثة أمور: بين أجزاء الخطبتين، وبين الخطبة الأولى والثانية، وبينهما وبين الصلاة، فلا يفصل فصلاً طويلاً.
(٤) [الركن السادس] الجهر بالخطبتين بحيث يُسمع الأربعين فلا تشترط حقيقة إسماعهم كلهم بل يجهر بقدر ما يسمعهم لولا المانع من نحو صمم. وقوله (حيث لا مانع): أي لا مانع لهم من سماعه كنوم، أو صمم بعضهم، أو صوت مكيفات، فإن لم يسمعوه لبُعد أو خفض صوته، لم تصح.
(تنبيه) فصّل المؤلف - هنا، وفي الغاية - ما يتعلق بالخطبتين =
стр. 353
وسُننهما: الطهارةُ (١)، وسَترُ العورةِ (٢)، وإزالةُ
= إلى شروط وأركان، بخلاف ما في المنتهى والإقناع، فلم يذكروا إلا شروطاً فقط. وذكر في المعونة عشرة شروط ثم قال: (وسائر شروط الجمعة للقدر الواجب من الخطبتين، وهو أركان كل منهما)، وكذا صرح به في الإقناع. والمراد: أن شروط صحة الجمعة إنما تكون في القدر الواجب حضوره من الخطبة، وهو حمد الله، والصلاة على محمد ﷺ ، والوصية بتقوى الله، وقراءة آية.، فلو نقص الناس عن أربعين وقت الدعاء، لم يضر، وقد قال بعضهم: يدل على جواز الإتيان بما زاد على الأركان بغير العربية ما في الإقناع وشرحه: (وهذه الشروط إنما تعتبر (للقدر الواجب من الخطبتين) انتهى، قلت: لكن يشكل عليه اشتراط الموالاة بين الخطبتين، أو بين الخطبة والصلاة، وأنها قد تفوت بهذا الصنيع إلا أن يقال: ما اتصل بالشيء يأخذ حكمَه، كما لو بدأ بالأركان الأربعة وتكلم بعدها بكلام سواها العربية فلا تفوت المولاة. والله أعلم.
(تتمة) يبطلهما كلام محرم في أثنائهما ولو يسيرا.
(١) يسن للخطبتين تسع سنن: [السُّنَّة الأولى] الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر. قال الشارح - ومثله في شرحي المنتهى والإقناع -: (لأن تحريم لبثه في المسجد لا تعلق له بواجب العبادة). انتهى. وهنا النهي لم يقتض الفساد؛ لأن النهي لم يتعلق بذات العبادة، بل بأمر خارج عنها.
(٢) [السنة الثانية] ستر العورة، فيسن للخطبتين، وليس المراد =
стр. 354
النجاسةِ (١)، والدعاءُ للمسلميَن (٢)، وأن يتولَّاهما مع الصلاةِ واحدٌ (٣)، ورفعُ الصوتِ بهما حَسَبَ الطاقةِ (٤)، وأن يخطُبَ قائِماً (٥) على مرتفِعٍ (٦)، معتمداً على سيفٍ أو عصاً (٧)، وأن
= أن يخطب عارياً، بل ربما يخطب بثوب يشفُّ العورة.
(١) [السنة الثالثة] إزالة النجاسة عن بدنه وثوبه.
(٢) [السنة الرابعة] الدعاء لعموم المسلمين في الخطبة.
(٣) [السنة الخامسة] أن يتولى الخطبة الأولى، والثانية، والصلاة شخص واحدٌ. ويفهم منه: أنه يجوز أن يخطب الأُولى شخصٌ، والثانيةَ آخرُ، ويصلي بالناس ثالثٌ.
(٤) [السنة السادسة] رفع الصوت بالخطبتين حَسَبَ ما يطيقه الإمام، ويقوم مقامه الآن مكبرات الصوت.
(٥) [السنة السابعة] أن يخطب قائماً؛ لفعله ﷺ .
(٦) [السنة الثامنة] أن يخطب على مرتفِعٍ، منبر أو غيره، واتخاذ المنبر مجمع عليه كما قاله النووي في شرح مسلم.
(٧) [السنة التاسعة] أن يعتمد على سيف أو عصاً، وكذا على قوس، كما قال الشارح. والاعتماد هنا يكون بيده اليسرى والأخرى بحرف المنبر، وله أن يرسل يديه. وهل يقوم مقامَه اعتمادُهُ على خشب المنبر؟ الظاهر أنه لا يقوم مقامه، ولا يكون فاعلاً للسنة بذلك والله أعلم.
وإن لم يعتمد على شيء أمسك شماله بيمينه، أو أرسلهما عن جنبيه وسكنهما، ولا يرفعهما في دعائه حال الخطبة كما في الإقناع وشرحه.
стр. 355
يجلسَ بينهما قليلاً (١). فإن أبى، أو خَطَبَ جالساً، فَصَلَ بينهما بسكتةٍ (٢).
وسُنَّ قصرُهما، والثانيةُ أقصرُ (٣).
(١) [السنة العاشرة] أن يجلس بين الخطبتين قليلاً، فيسن، ولا يجب. قال في الشرح - وكذا في الإقناع -: (قال في التلخيص: بقدر سورة الإخلاص).
(٢) أي: إن أبى أن يجلس، أو خطب جالساً، فصل بين الخطبتين بسكتة، في الحواشي السابغات: (وفي الإقناع أيضاً: (فإن أبى أن يجلس أو خطب جالساً لعذر أو لا فصل بينهما بسكتة). قلت: ولم يبين حكمَ هذه السكتة، ولعله: وجوباً؛ ليحصل الميز بين الخطبتين، وقد يقال: استحباباً، والميز يحصل بإعادة أركان الخطبة مرة أخرى، والله أعلم)، ثم اطلعت على كلام المرداوي في الإنصاف وأن السكوت مستحب حيث قال: (حيث جوزنا الخطبة جالسًا على ما يأتي بعد ذلك؛ فالمستحب أن يجعل بين الخطبتين سكتةً بدلَ الجلسة). والله أعلم.
(٣) [السنة الحادية عشرة] فيسن كون الخطبتين قصيرتين، والثانية أقصر من الأولى؛ للحديث: «إن طُول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنَّة من فقهه» ثم قال ﷺ : «فأقصِرُوا الخطبة، وأطيلوا الصلاة»، رواه مسلم، ومن تأمل خطب النبي ﷺ ، وجدها يسيرة جداً. وقد أرسل لي أحد الإخوة خطبة للشيخ ابن إبراهيم آل الشيخ ﵀ كان فيها زمن الخطبتين مع الأذان ثمان دقائق، =
следующие страницы →