Полный текст (2 012 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وأركانُهما ستةٌ: حمدُ اللهِ (١)، والصلاةُ على رسولِ اللهِ ﷺ (٢)،
= (إنما الأعمال بالنيات)، ٣ - ووقوعهما في الحضر - ذكره في المعونة -، لا في السفر، ٤ - وأن يحضرهما أربعون من أهل الوجوب، ٥ - وأن يكون الخطيب ممن تصح إمامته في صلاة الجمعة، وهو من وجبت عليه بنفسه، أي: الحر المسلم المكلف المستوطن، وكذا من سقطت عنه لعذر إذا حضرها كالمريض، فلا تصحان من المسافر، ولو أقام لعلم أو شغل بلا استيطان كما قاله الشيخ منصور في شرح المنتهى، فلو خطب الناسَ داعية مسافر زائر - كما يحصل كثيراً -، وصلى بهم الجمعة، لم تصح على المذهب.
(تتمة) ويشترط أيضاً للخطبتين: ٦ - كونهما باللغة العربية - ولو كان جميع الحاضرين لا يفهمونها -، إلا لعاجز عنها، إلا القراءة التي في الخطبة، فلا بد أن تكون بالعربية، فإن عجز عنها، وجب بدلها ذِكرٌ؛ قياساً على الصلاة.
(١) أركان الخطبتين ستة: [الركن الأول] حمد لله تعالى، ولا بد فيه من لفظ «الحمد لله».
(٢) [الركن الثاني] الصلاة على رسول الله ﷺ ، ويتعين لفظ الصلاة لا السلام. والمجزئ منه هو «اللهم صلِّ على محمد» كما في التشهد، فلا يشترط السلام عليه ﷺ ، قال النجدي في هداية الراغب: (والظاهر: أن المجزئ منها ما يجزئ في تشهد الصلاة كما أفتى به بعض مشايخنا) قال ابن عوض: (وهو الشيخ محمد بن بلبان).
стр. 352
وقراءةُ آيةٍ من كتابِ اللهِ (١)، والوصيةُ بتقوى اللهِ (٢)، ومُوالاتُهما مع الصلاةِ (٣)، والجهرُ بحيث يَسمعُ العددُ المعتبرُ حيثُ لا مانِعَ (٤).
(١) [الركن الثالث] قراءة آية كاملة من كتاب الله. ولا تتعين آية بعينها، كما في المعونة. ولا تجزئ إن كانت لا تستقل بمعنى أو حكم كقوله تعالى: ﴿ثم نظر﴾ [المدثر، ٢١]، أو ﴿مدهامتان﴾ [الرحمن، ٦٤]، كما نقل الشارح عن أبي المعالي.
(٢) [الركن الرابع] الوصية بتقوى الله تعالى؛ لأنها المقصود من الخطبة. وأقلها: اتقوا الله، ونحوه، كما ذكر الشارح. ولا يتعين لفظها، فلو قال مثلاً: أطيعوا الله، كفى. ولا بد من هذه الأركان في كل من الخطبتين.
(تتمة) وتستحب البداءة بالحمد لله، ثم الثناء، ثم بالصلاة على النبي ﷺ ثم بالموعظة، فإن نكس أجزأ قاله في الإقناع.
(٣) [الركن الخامس] الموالاة في ثلاثة أمور: بين أجزاء الخطبتين، وبين الخطبة الأولى والثانية، وبينهما وبين الصلاة، فلا يفصل فصلاً طويلاً.
(٤) [الركن السادس] الجهر بالخطبتين بحيث يُسمع الأربعين فلا تشترط حقيقة إسماعهم كلهم بل يجهر بقدر ما يسمعهم لولا المانع من نحو صمم. وقوله (حيث لا مانع): أي لا مانع لهم من سماعه كنوم، أو صمم بعضهم، أو صوت مكيفات، فإن لم يسمعوه لبُعد أو خفض صوته، لم تصح.
(تنبيه) فصّل المؤلف - هنا، وفي الغاية - ما يتعلق بالخطبتين =
стр. 353
وسُننهما: الطهارةُ (١)، وسَترُ العورةِ (٢)، وإزالةُ
= إلى شروط وأركان، بخلاف ما في المنتهى والإقناع، فلم يذكروا إلا شروطاً فقط. وذكر في المعونة عشرة شروط ثم قال: (وسائر شروط الجمعة للقدر الواجب من الخطبتين، وهو أركان كل منهما)، وكذا صرح به في الإقناع. والمراد: أن شروط صحة الجمعة إنما تكون في القدر الواجب حضوره من الخطبة، وهو حمد الله، والصلاة على محمد ﷺ ، والوصية بتقوى الله، وقراءة آية.، فلو نقص الناس عن أربعين وقت الدعاء، لم يضر، وقد قال بعضهم: يدل على جواز الإتيان بما زاد على الأركان بغير العربية ما في الإقناع وشرحه: (وهذه الشروط إنما تعتبر (للقدر الواجب من الخطبتين) انتهى، قلت: لكن يشكل عليه اشتراط الموالاة بين الخطبتين، أو بين الخطبة والصلاة، وأنها قد تفوت بهذا الصنيع إلا أن يقال: ما اتصل بالشيء يأخذ حكمَه، كما لو بدأ بالأركان الأربعة وتكلم بعدها بكلام سواها العربية فلا تفوت المولاة. والله أعلم.
(تتمة) يبطلهما كلام محرم في أثنائهما ولو يسيرا.
(١) يسن للخطبتين تسع سنن: [السُّنَّة الأولى] الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر. قال الشارح - ومثله في شرحي المنتهى والإقناع -: (لأن تحريم لبثه في المسجد لا تعلق له بواجب العبادة). انتهى. وهنا النهي لم يقتض الفساد؛ لأن النهي لم يتعلق بذات العبادة، بل بأمر خارج عنها.
(٢) [السنة الثانية] ستر العورة، فيسن للخطبتين، وليس المراد =
стр. 354
النجاسةِ (١)، والدعاءُ للمسلميَن (٢)، وأن يتولَّاهما مع الصلاةِ واحدٌ (٣)، ورفعُ الصوتِ بهما حَسَبَ الطاقةِ (٤)، وأن يخطُبَ قائِماً (٥) على مرتفِعٍ (٦)، معتمداً على سيفٍ أو عصاً (٧)، وأن
= أن يخطب عارياً، بل ربما يخطب بثوب يشفُّ العورة.
(١) [السنة الثالثة] إزالة النجاسة عن بدنه وثوبه.
(٢) [السنة الرابعة] الدعاء لعموم المسلمين في الخطبة.
(٣) [السنة الخامسة] أن يتولى الخطبة الأولى، والثانية، والصلاة شخص واحدٌ. ويفهم منه: أنه يجوز أن يخطب الأُولى شخصٌ، والثانيةَ آخرُ، ويصلي بالناس ثالثٌ.
(٤) [السنة السادسة] رفع الصوت بالخطبتين حَسَبَ ما يطيقه الإمام، ويقوم مقامه الآن مكبرات الصوت.
(٥) [السنة السابعة] أن يخطب قائماً؛ لفعله ﷺ .
(٦) [السنة الثامنة] أن يخطب على مرتفِعٍ، منبر أو غيره، واتخاذ المنبر مجمع عليه كما قاله النووي في شرح مسلم.
(٧) [السنة التاسعة] أن يعتمد على سيف أو عصاً، وكذا على قوس، كما قال الشارح. والاعتماد هنا يكون بيده اليسرى والأخرى بحرف المنبر، وله أن يرسل يديه. وهل يقوم مقامَه اعتمادُهُ على خشب المنبر؟ الظاهر أنه لا يقوم مقامه، ولا يكون فاعلاً للسنة بذلك والله أعلم.
وإن لم يعتمد على شيء أمسك شماله بيمينه، أو أرسلهما عن جنبيه وسكنهما، ولا يرفعهما في دعائه حال الخطبة كما في الإقناع وشرحه.
стр. 355
يجلسَ بينهما قليلاً (١). فإن أبى، أو خَطَبَ جالساً، فَصَلَ بينهما بسكتةٍ (٢).
وسُنَّ قصرُهما، والثانيةُ أقصرُ (٣).
(١) [السنة العاشرة] أن يجلس بين الخطبتين قليلاً، فيسن، ولا يجب. قال في الشرح - وكذا في الإقناع -: (قال في التلخيص: بقدر سورة الإخلاص).
(٢) أي: إن أبى أن يجلس، أو خطب جالساً، فصل بين الخطبتين بسكتة، في الحواشي السابغات: (وفي الإقناع أيضاً: (فإن أبى أن يجلس أو خطب جالساً لعذر أو لا فصل بينهما بسكتة). قلت: ولم يبين حكمَ هذه السكتة، ولعله: وجوباً؛ ليحصل الميز بين الخطبتين، وقد يقال: استحباباً، والميز يحصل بإعادة أركان الخطبة مرة أخرى، والله أعلم)، ثم اطلعت على كلام المرداوي في الإنصاف وأن السكوت مستحب حيث قال: (حيث جوزنا الخطبة جالسًا على ما يأتي بعد ذلك؛ فالمستحب أن يجعل بين الخطبتين سكتةً بدلَ الجلسة). والله أعلم.
(٣) [السنة الحادية عشرة] فيسن كون الخطبتين قصيرتين، والثانية أقصر من الأولى؛ للحديث: «إن طُول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنَّة من فقهه» ثم قال ﷺ : «فأقصِرُوا الخطبة، وأطيلوا الصلاة»، رواه مسلم، ومن تأمل خطب النبي ﷺ ، وجدها يسيرة جداً. وقد أرسل لي أحد الإخوة خطبة للشيخ ابن إبراهيم آل الشيخ ﵀ كان فيها زمن الخطبتين مع الأذان ثمان دقائق، =
стр. 356
ولا بأس أن يخطُبَ من صحيفةٍ (١).
= لكن لا بد أن يخرج الناس بفائدة من الخطبة.
(تتمة) ومن سنن الخطبة أيضا: أن يقصد الخطيب تلقاءَ وجهه، فيكره أن يلتفت يمينا وشمالا كما في الكشاف.
(١) أي: يباح أن يخطب من ورقة.
стр. 357
فصل
يحرمُ الكلامُ والإمامُ يخطبُ، وهو منه بحيثُ يسمعُهُ (١)،
(١) فيحرم الكلام حال الخطبة؛ للأحاديث الكثيرة الواردة في ذلك، منها قوله ﷺ : «مَثَل الذي يتكلم والإمام يخطب، كمثل الحمار يحمل أسفاراً»، وقوله ﷺ : «إذا قلت لصاحبك أنصتْ يوم الجمعة والإمام يخطب، فقد لغوتَ» متفق عليه، ويقيد ذلك بكون المأموم في مكان يستطيع أن يسمع فيه الإمامَ - وإن لم يسمعه في الواقع، كأن يكون أطرش أو ضعيف السمع -، وإلا لم يحرم، ويستحب لمن بعُد عن الخطيب ولم يسمعه الاشتغال بالقرآن، والذكر، والصلاة والسلام على النبي ﷺ خِفية، كما ذكر الشارح. وإشارة الأخرس هنا كالكلام - خلافاً لإشارته في الصلاة -، فتحرم، وكذا تحرم الكتابة حال الخطبة فيما يظهر.
(تتمة) ومما يستثنى على المذهب من تحريم الكلام: ١ - الإمام نفسه فلا يحرم عليه أن يتكلم ويكلم أحد المأمومين، ٢ - ومن يكلمه الإمامُ لمصلحة، فيجوز إذَن للمخاطَب أن يردَّ كما في حديث سليك ﵁ لما كلمه النبي ﷺ رد عليه رواه مسلم، ويجوز أن يبتدأ المأمومُ الخطيبَ بالكلام كما في حديث أنس ﵁ أن العباس بن مرداس ﵁ سأل النبي ﷺ الاستسقاء. متفق عليه ٣ - والكلام =
стр. 358
ويباحُ إذا سكتَ بينهما، أو شرعَ في دعاءٍ (١).
وتحرُمُ إقامةُ الجمعةُ، وإقامةُ العيدِ في أكثرَ من موضعٍ من البلدِ، إلا لحاجةٍ (٢) كضِيقٍ، وبُعدٍ، وخوفِ فتنةٍ (٣)، فإن تعددَتْ لغيرِ ذلكَ، فالسابقةُ بالإحرامِ هي الصحيحةُ (٤).
= لتحذير ضرير، وغافل عن هلكة، فيجب الكلام إذن. ٤ - وله الصلاة على النبي ﷺ إذا سمعه، ويسن سرا كما في المنتهى والغاية، وتأمين المأموم على الدعاء سرا، وحمده خفية إذا عطس، وتشميت عاطس، ورد سلام نطقاً كما في الإقناع.
(١) فتحريم الكلام إنما هو أثناء أركان الخطبة؛ لأن الدعاء غير واجب فلا يجب الإنصات له، ولا يحرم الكلام في غير أركان الخطبة كحال سكوت الإمام بين الخطبتين.
(٢) فإن لم توجد حاجة، حرم إقامة جمعة وصلاة عيد أخرى، ولا تصح، وقد ذُكر أنه كان لا يقام في بغداد في زمن الإمام أحمد إلا جمعة واحدة.
(٣) أي: كضيق مسجد عن أهله، وتباعد أقطار البلد، وخوف فتنة كنزاع بين قبيلتين لا يمكن اجتماعهما في مسجد واحد، والذي يقدِّر الحاجة المبيحة للتعدد هو الإمام الأعظم. فلا يشترط - على المذهب - إذْنُ الإمام لإقامة صلاة الجمعة، لكن يشترط إذنه في تعدد الجمعة في البلد، ومع ذلك، فإن الحنابلة يصححون بعض حالات تعدد الجُمَع مع عدم الإذن، ومنها لو تعددت واستوت في عدم الإذن، فتصح السابقة بالإحرام، وسيأتي.
(٤) أي: إن تعددت لغير حاجة، فالصحيحة ما باشرها الإمام =
стр. 359
ومن أحرمَ بالجمعةِ في وقتِها، وأدركَ مع الإمامِ ركعةً، أتمَّ جمعةً (١).
= - أي: أَمَّ فيها، كما ذكر الشيخ عثمان - أو أذِن لهم فيها، وإن سبقتها غيرها بالإحرام، فإن استوتا في الإذن - بأن أذِن لهما معاً -، أو عدمِ الإذن فلا يخلو الحال: الأول: أن تسبق إحداهما الأخرى: وحينئذ فالسابقة بالإحرام - لا بدخول الإمام، ولا ببداية الخطبة - هي الصحيحة، وأصحاب المتخلِّفة يعيدونها ظهراً، كما ذكر ابن عوض، الحال الثاني: وإما أن تقعا معاً - بأن أحرم إماماهما في وقت واحد -، فكلتاهما باطلة، ثم إن أمكن أن يصلوا جمعة فعلوا، وإلا صلوا ظهراً، الحال الثالث: أن يجهل الحال، فإن جهل كيف وقعتا صلوا ظهرا.
(١) فيشترط لإدراك المأمومِ الجمعةَ: ١ - أن يكبر للإحرام في وقت الجمعة، ٢ - وأن يدرك ركعة كاملة بسجدتيها كما في المعونة، فيتمها إذَن جمعة. في الحواشي السابغات: (قيدها ابن النجار في شرح المنتهى: (بسجدتيها)، فلابد من إدراك الركوع والسجود مع الإمام، فإن أدرك الركوع فقط فلا تكون له جمعة، وتبعه في هذا البهوتي في شرح المنتهى، والنجدي في حاشيته على المنتهى، وصاحب كشف المخدرات، والله أعلم)
وقوله: (أحرم بالجمعة في وقتها): يخرج به ما لو أحرم الإمام بالجمعة في وقتها - فيكون الإمام مدركاً لها إذَن -، ثم خرج وقتها، ثم دخل معه شخص، فلا يكون هذا المسبوق مدركاً للجمعة، ولو أدرك جميع الركعتين. =
стр. 360
وإن أدركَ أقلَّ، نوى ظهراً (١).
وأقلُّ السُّنةِ بعدها ركعتانِ، وأكثرُها ستٌ (٢).
= (تتمة) القاعدة أن إدراك وقت الصلاة، وإدراك الجماعة، يكون بتكبيرة الإحرام. أما الوقت، فلا يستثنى منه الجمعة، ولا غيرها. وأما إدراك الجماعة، فيستثنى منه صلاة الجمعة، فلا بد لإدراكها مع الإمام من إدراك الركوع.
(١) وجوباً، ويشترط لتصح الظهر في هذه الحال: ١ - أن ينوي المأمومُ أن يصلي ظهراً، ٢ - وأن يكون وقت الظهر قد دخل، فلو صُليت الجمعة قبل الزوال، وأدرك المأموم أقل من ركعة، فإن صلاته تكون نافلة من النوافل، والقاعدة عند الحنابلة أنه لا تصح فريضة خلف أخرى مغايرة لها في الاسم، ولا يستثنى منها إلا هذه المسألة.
(٢) في الإقناع وشرحه: (وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان) نص عليه لأنه ﷺ «كان يصلي بعد الجمعة ركعتين» متفق عليه من حديث ابن عمر، (وأكثرها) أي السنة بعدها (ست) ركعات (نصا) لقول ابن عمر «كان ﷺ يفعله» رواه أبو داود واختار في المغني أربعا وروي عن ابن عمر " لفعله ﷺ وأمره رواه مسلم من حديث أبي هريرة .. ، (وأن يفصل بينهما) أي بين السنة (وبين الجمعة بكلام أو انتقال) من موضعه للخبر، (ونحوه) أي نحو ما ذكر (وليس لها) أي الجمعة (قبلها سنة راتبة، نصا بل يستحب أربع ركعات) لما روى ابن ماجه أنه ﷺ «كان يركع من قبل الجمعة أربعا» وروى سعيد عن ابن مسعود أنه =
стр. 361
وسُنَّ:
- قراءةُ سورةِ الكهفِ في يومِها (١)،
- وأن يقرأَ في فجرِها: ﴿ألم﴾ السجدةَ، وفي الثانيةِ
= " كان يصلي قبل الجمعة أربع ركعات وبعدها أربع ركعات وقال عبد الله: رأيت أبي يصلي في المسجد إذا أذن المؤذن ركعات).
(تتمة) والأفضل على المذهب أن تصلى النوافل - ومنها الراتبة بعد الجمعة - في البيت، إلا ما تسن له الجماعة كالتراويح، لكن صاحب الإقناع استثنى راتبة الجمعة، فجعل الأفضل فيها أن يصليها الرجل في مكانه في المسجد، ولم أجد هذا في المنتهى ولا الغاية. وقوله مخالف للمذهب، ولما ورد في حديث ابن عمر ﵄ حيث قال: «حفظت عن رسول الله ﷺ عشر ركعات»، وفيه: «وركعتين بعد الجمعة في بيته» متفق عليه، ولذلك قال الشيخ منصور عن كلام الإقناع في باب صلاة التطوع: (وفيه نظر مع الحديث السابق عن ابن عمر). مع أن الشيخ منصورا في الروض جزم بما في الإقناع، قال: (ويُصليها مكانَه، بخلاف سائر السنن فببيته)، ومثله النجدي في هداية الراغب.
(١) هكذا في المقنع، والتوضيح، والمنتهى، وزاد في الإقناع: (وليلتها)، وتابعه المصنف في غاية المنتهى، وعلى هذا القول: يسن أن تُقرأ سورة الكهف في ليلة الجمعة، وفي يومها.
стр. 362
﴿هل أتى﴾، وتُكرهُ مداومَتُهُ عليهما (١).
(١) أي: يكره أن يقرأ في فجر كل جمعة بالسجدة والإنسان، بل يأتي في فجر بعض الجُمع بغيرهما. قال في الغاية: (ويتجه: وكذا كل سُنة خِيف اعتقاد وجوبها)، فيكره أن يداوم عليها؛ لئلا يعتقد الناس أنها واجبة.
(تتمة) لو صار العيد في يوم الجمعة سقطت الجمعة عمن حضر صلاة العيد مع الإمام؛ لأنه ﷺ صلى العيد وقال (من شاء أن يجمِّع فليجمِّع) رواه أحمد، ويصليا ظهرا، ويستثنى: الإمام فلا تسقط عنه صلاة الجمعة فإن اجتمع معه العدد المعتبر أقام الجمعة وإلا صلوها ظهرا، وهل له أن ينيب غيره يخطب عنه؟ الظاهر نعم كما في الفروع، والله أعلم.
стр. 363
باب صلاة العيدين
وهيَ فرضُ كفايةٍ (١).
وشروطُها كالجمعةِ (٢) ما عدا الخطبتَينِ (٣).
(١) فإذا اتفق أهل بلد على تركها، وجب على ولي الأمر أن يقاتلهم؛ لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة.
والأصل في مشروعيتها: الإجماع، وما تواتر عنه ﷺ وعن خلفائه ﵃ أنهم صلوها، ولم تجب على الأعيان لحديث الأعرابي متفق عليه.
(٢) المراد: شروط صحة صلاة العيد هي شروط صحة صلاة الجمعة وهي: الوقت والاستيطان، وحضور الأربعين من الرجال الأحرار المستوطنين، وهي شروط صلاة العيد التي يسقط بها فرض الكفاية.
(٣) أي: ما عدا الخطبتين فليستا شرطا لصحة صلاة العيد؛ لأنهما سنة في العيدين بخلاف الجمعة، فلو صلى العيد بلا خطبة صحت، ويستثنى: الوقت أيضاً، فليس شرطاً لصحة صلاة العيد من جهة أنه يصح قضاؤها، بخلاف الجمعة. قال الشيخ منصور في حاشيته على المنتهى عند قوله: (ومن شرطها وقت، واستيطان، وعدد الجمعة لا إذن الإمام)، قال: (لعل المراد شرط الصلاة التي يسقط بها فرض الكفاية؛ بدليل أن =
стр. 364
وتُسنُّ بالصحراءِ (١).
ويُكرهُ النفلُ قبلَها وبعدَها قَبلَ مفارقةِ المصلَّى (٢).
ووقتُها: كصلاةِ الضُّحَى. فإن لم يُعلم بالعيدِ إلا بعد الزوالِ، صلَّوا من الغدِ قضاءً (٣).
= المنفرد تصح صلاته بعد صلاة الإمام، وبعد الوقت)، أي: أن هذه شروط الصحة إنما تشترط للجماعة الذين يسقط بهم فرض الكفاية، لا لمن يصليها من غير الجماعة الأولى، فلا يشترط له حضور الأربعين.
(١) والمراد: إذا كانت قريبة عرفاً - أي: من البنيان - فلا تصح ببعيدة، ويكره أن تصلى بالجامع داخل البلد بلا عذر، ويستثنى من ذلك: لو أقيمت صلاة العيد في مكة، فالسنة أن تقام في المسجد الحرام؛ لمعاينة الكعبة.
(٢) للإمام وغيرِه، ولو صلاها في المسجد - فلا يصلي تحيةَ المسجد -، كما قال الشارح نقلاً عن الإقناع، وذلك أن النبي ﷺ إذا أتى المصلى لم يصلِّ شيئاً قبلها ولا بعدها، بل ينصرف بعد الخطبة. فإذا أتى بيته، صلى ركعتين.
قال ابن عباس ﵄: (خرج النبي ﷺ يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها) متفق عليه.
(٣) فوقت صلاة العيد من ارتفاع الشمس قِيد رمح إلى قبيل الزوال، كصلاة الضحى. فإن لم يعلموا بالعيد في يومه أو أخروها لعذر أو لا حتى خرج وقتها، صلوها بالغد قضاءً، ولو أمكن قضاؤها في يومها، وهذا في الجماعة التي تكون =
стр. 365
وسُنَّ: تبكيرُ المأمومِ، وتأخرُ الإمامِ إلى وقتِ الصلاةِ (١).
وإذا مضى في طريقٍ، رجعَ في أخرى (٢)، وكذا الجمعةُ (٣).
وصلاةُ العيدِ ركعتانِ (٤). يكبِّر في الأُولى - بعد تكبيرةِ
= عليهم صلاة العيد فرض كفاية، أما من فاتته مع الإمام فيصليها متى شاء؛ لأنها نافلة لا اجتماع فيها.
(١) أي: يسن للمأموم أن يبكر لصلاة العيد من بعد صلاة الصبح؛ لما فيه من زيادة الأجر، وليدنوَ من الإمام؛ لحديث أبي سعيد ﵁ قال كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى وأول شيء يبدأ به الصلاة. رواه مسلم، وهذا بخلاف التبكير لصلاة الجمعة فالسنة أن يكون بعد طلوع الفجر الثاني (فرق فقهي)، أما الإمام فالمسنون في حقه أن يتأخر إلى دخول وقت الصلاة.
(٢) لحديث جابر ﵁: كان النبي ﷺ إذا خرج إلى العيد خالف الطريق. رواه البخاري، وقالوا في علة ذلك: أن يشهد له الطريقان، وأن يتسنى له الصدقة على فقرائهما، وغير ذلك.
(٣) أي: تسن مخالفة الطريق في صلاة الجمعة كصلاة العيد، وكذا غيرها من الصلوات كما جزم به البهوتي في شرح المنتهى، لكن قال البهوتي في الكشاف: (قال في شرح المنتهى: ولا يمتنع ذلك أيضا في غير الجمعة، وقال في المبدع: الظاهر أن المخالفة فيه- أي العيد - شرعت لمعنى خاص فلا يلتحق به غيره).
(٤) ويؤخر الخطبة بعد الصلاة، وإلا لم يعتدَّ بها، والدليل حديث =
стр. 366
الإحرامِ، وقبلَ التعوذِ - ستاً (١)، وفي الثانيةِ - قبلَ القراءةِ - خمساً (٢)، يرفعُ يديهِ مع كلِّ تكبيرةٍ.
ويقولُ بينهما (٣): «اللهُ أكبرُ كبيراً، والحمدُ للهِ كثيراً، وسبحانَ اللهِ بكرةً وأصيلاً (٤)، وصلَّى اللهُ على محمدٍ النبيِّ، وآلِهِ، وسلَّمَ تسليماً» (٥).
= ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون العيد قبل الخطبة، متفق عليه. وقيل في حكمة تأخير الخطبة هنا - خلافاً للجمعة - أن الخطبة في الجمعة شرط لصحة الصلاة، فتقدم على المشروط، بخلاف العيد، ثم هي في العيد سُنة، والصلاة فرض، فتؤخر السُّنة عن الفرض.
(١) أي: يكبر ست تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام والاستفتاح، وقبل التعوذ. ولا تحسب التحريمة من الست.
(٢) ليس منها تكبيرة الانتقال؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃: «أن النبي ﷺ كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة، سبعا في الأولى وخمسا في الآخرة» قال الترمذي حديث حسن.
(٣) أي: بين كل تكبيرتين، ويفهم منه: أنه لا يقول ذلك بعد التكبيرة الأخيرة في الركعتين وهو المذهب.
(٤) والبُكرة: عبارة عن أول النهار، والأصيل: الوقت من بعد العصر إلى الغروب، كما في المطلع.
(٥) وإن شاء قال غير ذلك كسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ لأن المراد الذكرُ بعد التكبير، وإن نسي التكبير =
стр. 367
ثم يستعيذُ، ثم يقرأُ جهراً الفاتحةَ، ثم ﴿سبح﴾ في الأُولى، والغاشيةَ في الثانيةِ (١).
فإذا سلَّم، خطبَ خطبتَين.
وأحكامُهما كخطبتَيْ الجمعةِ (٢)، لكن يُسنُّ أن يستفتحَ الأُولى بتسعِ تكبيراتٍ، والثانيةَ بسبعٍ (٣).
= أو بعضه حتى شرع في القراءة، سقط؛ لأنه سنة فات محلها، وكذا المسبوق لو فاته بعض التكبير لا يقضيه.
(١) وقد جاء ذلك من فعل النبي ﷺ ، كما في حديث سمرة ﵁ عند أحمد.
(٢) أي: أحكام خطبتي العيد كأحكام خطبتي الجمعة، ومن ذلك تحريم الكلام لمن حضرهما - إلا حال تكبير الخطيب، فيكبر معه -، ووجوب الحمد، والصلاة على رسول الله ﷺ ، وقراءة آية، والوصية بتقوى الله تعالى، لكن يستثنى: حضور العدد فيهما، والاستماع لهما.
في الحواشي السابغات: (ولعل المراد بقولهم: (كخطبة الجمعة في أحكامها): أي: كخطبة الجمعة في شروط صحتها، وأركانها، والله أعلم؛ لأنهم - مع ذلك - قالوا: ولا يجب حضورهما ولا استماعهما، ذكره في الإقناع والغاية، ثم رأيت استفهام الشيخ محمد الخلوتي في حاشيته على الإقناع قال: (قوله: (ولا استماعهما … إلخ): إذا كان لا يجب استماعهما فما وجه ما أسلفه من حرمة الكلام عندهما؟)
(٣) وتكون نسقاً، أي: متتابعة. ويحثهم في الفطر على الصدقة، =
стр. 368
وإن صلَّى العيدَ كالنافلةِ (١)، صحَّ؛ لأن التكبيراتِ الزوائدَ، والذِّكرَ بينهما، والخطبتينِ سنةٌ.
وسُنَّ لمن فاتتهُ قضاؤُها، ولو بعدَ الزوالِ (٢).
= ويبيِّن لهم ما يخرجون، ويرغبهم في الأضحى في الأضحية، ويبيِّن لهم حكمها.
(١) أي: بدون التكبيرات الزوائد، والذِّكر الذي بينها، ولا الخطبة.
(٢) أي: يسن لمن فاتته صلاة العيد مع الإمام أن يصليها في يومها، منفرداً أو جماعة دون الأربعين؛ لأنها صارت تطوعا لسقوط فرض الكفاية بالطائفة الأولى، ويجوز أن يصليها ولو بعد الزوال؛ لفعل أنس ﵁ رواه البيهقي وغيره.
стр. 369
فصل
يُسنُّ:
- التكبيرُ المطلقُ، والجهرُ به (١): في ليلتَي العيدَينِ إلى فراغِ الخُطبةِ (٢)، وفي كلِّ عشرِ ذي الحِجةِ.
- والتكبيرُ المقيَّدُ في الأضحى (٣)، عقِبَ كلِّ فريضةٍ صلَّاها في جماعةٍ (٤): من صلاةِ فجرِ يومِ عرفةَ إلى عصرِ آخرِ أيامِ
(١) فيسن التكبير المطلق - أي: الذي لا يقيد بأدبار الصلوات - لذكر وأنثى، ويسن الجهر به لغير أنثى، في البيوت والأسواق والمساجد.
في الحواشي السابغات: (يبدأ التكبير المطلق في الأضحى من أول عشر ذي الحجة، والظاهر: أنه يبدأ بعد غروب شمس آخر يوم من ذي القعدة، ويستمر إلى فراغ خطبة عيد الأضحى).
(٢) وفي فطرٍ آكد؛ لقوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة﴾ أي: عدة رمضان، ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة، ١٨٥] أي: عند إكمالها.
(٣) ويسن الجهر به لغير أنثى أيضاً.
(٤) فيسن التكبير المقيد عقب كل فريضة صلاها في جماعة، لا منفردا، ويقدمه على الاستغفار، وعلى قول: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام … »، كما قال الشيخ منصور =
стр. 370
التشريقِ (١)، إلا المحرِمَ فيكبِّرُ من صلاةِ ظهرِ يومِ النحرِ (٢).
ويكبِّرُ الإمامُ مستقبلَ الناسِ (٣).
وصفتُهُ شفعاً (٤): «اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، وللهِ الحمدُ» (٥).
ولا بأسَ بقولِهِ لغيرِهِ: «تقبلَ اللهُ منَّا ومنكَ» (٦).
= في الكشاف، فإن نسيه، قضاه ما لم يحدِث، أو يخرج من المسجد، أو يطُل الفصل؛ لأنه سنة فات محلها.
(١) وهو اليوم الرابع من يوم عيد الأضحى، فيكبِّر عقب ثلاث وعشرين فريضة.
(٢) لأنه قبل ذلك مشغول بالتلبية. ويبتدئ التكبير بعد صلاة الظهر سواء رمى قبل الفجر، أو بعده، أو بعد الظهر، فيكبِّر عقب سبع عشرة فريضة.
(٣) أي: يلتفت بعد فراغ الصلاة إلى المأمومين ثم يكبر.
(٤) أي: صفة التكبير حال كونه شفعاً، بحيث يكرر التكبير مرتين مرتين، كما قال الشيخ عثمان.
(٥) لما ورد عنه ﷺ ، ويجزئ أن يقوله مرة، وإن كرره ثلاثاً فحَسَن قاله في الإقناع.
(٦) أي: لا بأس بالتهنئة بما يحصل بين الناس من الأدعية، ومنها ما ذكره المؤلف.
(تتمة) قال اللبدي: (وأما التهنئة بالعيدين والأعوام والأشهر، كما يعتاده الناس، فلم أر فيه لأحد من أصحابنا نصا. وروي أن النبي ﷺ كان يبشر أصحابه بقدوم رمضان، قال بعض =
стр. 371
باب صلاة الكسوف (١)
وهيَ سُنةٌ (٢)،
= أهل العلم: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضا بشهر رمضان. قلت: وعلى قياسه تهنئة المسلمين بعضهم بعضا بمواسم الخيرات وأوقات وظائف الطاعات اه. ملخصا من شرح المحرر اه. من بعض الهوامش).
(١) الكسوف: ذهاب ضوء أحد النيرينِ، أو ذهاب بعضه. والمراد بالذهاب: استتاره، لا فَقده، كما قال الشيخ عثمان. ويصح إطلاق كلا من الكسوف والخسوف على الشمس أو القمر.
(تتمة) المذهب جواز وقوع كسوف الشمس في كل وقت، وفي كل يوم من الشهر، وكذا خسوف القمر، أما ابن تيمية ﵀، فيقول إنه لا كسوف للشمس إلا مع الاستسرار، أي: نهاية الشهر، ولا خسوف للقمر إلا مع الإبدار، أي: إذا كان بدرا، وذلك ليلة الرابع عشر، والخامس عشر، والسادس عشر من الشهر.
(٢) صلاة الكسوف سنة مؤكدة، حكاه ابن هبيرة والنووي إجماعا، وتسن حتى بسفر، وفِعلها جماعة في المسجد أفضل، وتجوز فرادى في البيوت.
واستنبطها بعضهم من قوله تعالى: (ومن آياته الليل والنهار =
стр. 372
من غيرِ خطبةٍ (١).
ووقتُها: من ابتداءِ الكسوفِ (٢) إلى ذهابِهِ (٣)، ولا تُقضى إن
= والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن) سورة فصلت آية ٣٤، وحديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم، فقال النبي ﷺ : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فادعوا الله، وصلوا حتى ينجلي» متفق عليه.
(١) فلا تسن الخطبة للكسوف، لأن النبي ﷺ أمر بالصلاة دون الخطبة، وإنما خطب النبي ﷺ بعد الصلاة ليعلمهم حكمها وهذا مختص به.
(٢) فتستحب صلاة الكسوف منذ أن يبتدئ كسوفُ الشمس أو القمر، فلا ينتظر حتى يكتمل اختفاء الضوء، ولا بد من معاينة ابتداء الكسوف، فلا يُعتد بالإعلان المسبق، قال في الإقناع وشرحه: (ولا عبرة بقول المنجمين في كسوف ولا غيره مما يخبرون به ولا يجوز العمل به لأنه من الرجم بالغيب فلا يجوز تصديقهم في شيء من أخبارهم عن المغيبات؛ لحديث من أتى عرافا).
(تتمة) لا يتنافى إعلان الكسوف مع الحكمة التي وُجد من أجلها، وهي التخويف، بل يدل على ضعف الإنسان، وأنه لا يستطيع رده لو حصل.
(٣) أي: إلى أن تتجلى الشمس كلها، أو يتجلى كل القمر. =
стр. 373
فاتت (١).
وهيَ ركعتانِ. يقرأُ في الأُولى جهراً الفاتحةَ وسورةً طويلةً (٢)، ثم يركعُ طويلاً،
ثم يرفعُ، فيسمِّعُ ويحمِّدُ (٣)، ولا يسجدُ، بل يقرأُ الفاتحةَ وسورةً طويلةً (٤)، ثم يركعُ (٥)، ثم يرفعُ (٦)، ثم يسجدُ سجدتينِ طويلتينِ (٧).
= (تتمة) لو حصل الكسوف وقتَ نهي، لم يصلوا له، بل دعوا، وذكروا الله؛ لأن الحنابلة لا يستثنون ذوات الأسباب من حرمة التنفل وقت النهي، وإنما يستثنون صلوات معدودة تقدمت عند الكلام عن أوقات النهي. فإذا خرج وقت النهي والكسوف باقٍ، صلوا إذَن. وإن غابت الشمس كاسفة، أو طلعت والقمر خاسف، لم يصلوا.
(١) وفواتها بذهاب الكسوف، فلا تقضى إذَن. وهل المراد أنه لا يصح القضاء، أو يكره أو لا يستحب؟ فيه نظر قاله ابن عوض.
(٢) وليس هناك سورة معينة يقرأها هنا، لكن قال في الإقناع: (البقرة أو قدرها)، ويقرأ جهرا ولو في كسوف الشمس.
(٣) أي: يقول: «سمع الله لمن حمده»، و «ربنا ولك الحمد».
(٤) دون الطول الأول في القيام.
(٥) ويطيله لكنه دون الركوع الأول.
(٦) ويسمِّع ويحمِّد، ولا يطيل اعتداله كما في الإقناع.
(٧) قال في الإقناع: (ولا تجوز الزيادة عليهما؛ لأنه لم يرد، ولا يطيل الجلوس بينهما).
стр. 374
ثم يصلي الثانيةَ كالأُولى (١). ثم يتشهدُ ويسلِّمُ.
وإن أتى في كلِّ ركعةٍ بثلاثِ ركوعاتٍ، أو أربعٍ، أو خمسٍ، فلا بأسَ (٢).
وما بعدَ الأَوَّلِ سُنةٌ (٣)، لا تدركُ بِهِ الركعةُ (٤).
(١) فيصلي ركعتين، في كل ركعة ركوعان.
(٢) ولا يشترط أن يتساوى عدد الركوعات في الركعتين. ويفعل بعد كل ركوع زائد كفعله مع الثاني، فيقرأ الفاتحة وسورة طويلة. قال الشارح - تبعاً للبهوتي في الكشاف -: (ولا يزيد على خمس ركوعات في كل ركعة؛ لأنه لم ينقل)، وقال في الغاية: (ويتجه منع زيادة)، أي: على خمس، والحكم فيهما مبهم. لكن قال اللبدي تعليقاً على كلام الغاية: (أي: وجوباً)، أي: تحرم الزيادة على خمس ركوعات، وهل إذا زاد بطلت الصلاة؟ لم أرَ من نص عليها، وإن كانت القاعدة على المذهب أن النهي يقتضي الفساد، وعليه فتبطل الصلاة بالزيادة على خمس ركوعات، والله أعلم.
(تتمة) يرى الشيخ ابن عثيمين ﵀ أنه إن قصُر زمن الكسوف، اقتصر على ركوعين، وإن طال، زاد في عدد الركوع بما يتناسب مع زمن الكسوف.
(٣) وقد تقدم في الكلام عن أركان الصلاة أنه مستثنى من ركنية الركوع.
(٤) فلو دخل شخص مع الإمام بعد الركوع الأول من الركعة، فاتته تلك الركعة، ولا تبطل الصلاة بتركه؛ لأنه روي عنه ﷺ =
стр. 375
ويصحُّ أن يصليَها كالنافلةِ (١).
= أنه صلى صلاة الكسوف بركوع واحد. أخرجه الطحاوي.
(١) أي: بدون الركوعات الزائدة.
(تتمة) في الحواشي السابغات: (ولا يصلى لآية غير الكسوف كالرياح والأعاصير إلا الزلزلة التي تدوم وتستمر، فيصلى لها كصلاة الكسوف نصا).
стр. 376
باب صلاة الاستسقاء (١)
وهيَ سُنةٌ (٢).
ووقتُها (٣)، وصفتُها، وأحكامُها: كصلاةِ العيدِ (٤).
(١) الاستسقاء: هو الدعاء بطلب السقيا على صفة مخصوصة.
(٢) ولو سفراً، كما قال الشارح؛ لقول عبد الله بن زيد: (خرج رسول الله ﷺ يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو وحوَّل رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة) متفق عليه.
ويسن الاستسقاء في ثلاثة أحوال: ١ - إذا أضر الناسَ إجدابُ أرض، أي: جفافها، ٢ - أو قَحِطَ المطرُ، أي: انقطع أو قلَّ وجوده فضر الناس، ٣ - أو ضرَّ غَور ماء عيون أو أنهار، أي: لحق بالناس ضرر بسبب غياب ماء العيون أو الأنهار.
(٣) فوقت صلاة الاستسقاء: من ارتفاع الشمس قِيد رمح، كصلاة العيد، وفعلها وقت صلاة العيد أفضل.
(٤) قال ابن عباس: (صلى رسول الله ﷺ ركعتين كما يصلي في العيد) رواه أبو داود والترمذي، فتسن بصحراء قريبة عرفا بلا أذان ولا إقامة، لكن يستثنى من ذلك: ١ - أنها تصح بعد الزوال، فيجوز فعلها في كل وقت، غير وقت نهي. أما العيد، فإنه لو لم يُعلم بالعيد إلا بعد الزوال، صلوا من الغد قضاءً، وتقدم. ٢ - وأن لها خطبة واحدة، بخلاف العيد فلها =
стр. 377
وإذا أرادَ الإمامُ الخروجَ لها (١): وعظَ الناسَ (٢)، وأمرَهم بالتوبةِ (٣)، والخروجِ من المظالمِ (٤).
ويتنظَّفُ لها (٥)، ولا يتطيَّبُ (٦)، ويخرجُ متواضعاً، متخشِّعاً، متذلِّلاً، متضرِّعاً (٧)، ومعهُ أهلُ الدينِ والصلاحِ، والشيوخ (٨).
= خطبتان. ٣ - وأنه لا يشترط لها العدد أربعون؛ لأنها مسنونة، كمن فاتته صلاة العيد، فصلاها وحده أو جماعة، بخلاف فرض العيد.
(١) أي: صلاة الاستسقاء.
(٢) أي: ذكَّرهم بما يلين قلوبهم، كما ذكر الشارح.
(٣) من الذنوب والمعاصي، وتركها.
(٤) بأن يرد إلى كل ذي حق حقه.
(تتمة) ويأمرهم أيضاً بالصدقة والصوم، ولا يلزمان بأمره. قال في الغاية: (وليس له إلزام غيره بخروجٍ معه. وقولهم: تجب طاعته: المراد به في السياسة، والتدبير، والأمور المجتهد فيها).
(٥) بالاغتسال، وتقليم الأظفار، وإزالة الروائح الكريهة.
(٦) لأنه يوم استكانة وخضوع، بخلاف يوم العيد أو الجمعة فيسن التطيب فيهما. (فرق فقهي)
(٧) قال اللبدي نقلاً عن ابن نصر الله: (قوله (متواضعاً) أي: ببدنه، (متخشِّعاً) أي: بقلبه وعينه، (متذلِّلاً) بثيابه، (متضرِّعاً) بلسانه).
(٨) فيسن، صرح به في الإقناع.
стр. 378
ويباحُ خروجُ الأطفالِ، والعجائزِ، والبهائمِ (١)، والتوسُّلُ بالصالحينَ (٢).
(١) فهو مباح وليس مستحباً.
(٢) أي: يباح التوسل بالصالحين، هذا هو المذهب. والقول الآخر - كما في الغاية -: أنه مستحب. ولم أجد أحداً من الحنابلة عرَّف التوسل في كتب الفقه، إلا ابن عوض ﵀ في حاشيته (١/ ٤٣٤)، فقال: (هو التشفُّع بهم عند الله في قضاء الحوائج رجاء الإجابة). وقال في معنى (الصالح): (هو القائم بحقوق الله تعالى، وحقوق عباده)، وكذلك عرف ابن العماد التوسل في بغية أولي النهى شرح غاية المنتهى بقوله: (التوسل بالصالحين هو أن يقول مثلا: اللهم إني أتوسل إليك بالنبي محمد ﷺ أو بفلان أن تقضي حاجتي، وهو غير الاستغاثة كأن يقول: با فلان اشف مريضي أو رد ولدي ونحو ذلك، وهي على ما قاله ابن الحاج في المدخل حرام إجماعا).
والتوسل - على المذهب - يحتمل أمرين: ١ - أن يُطلب الدعاء من الرجل الصالح، ويدل عليه أثر عمر ﵁ في الاستسقاء حيث طلب من العباس ﵁ أن يستسقي ويدعو الله متفق عليه، وهو الذي يستدل به الأصحاب هنا. ٢ - أن يتوسل في دعائه بجاه الرجل الصالح ومنزلته عند الله - كما قال ابن عوض -، فيقول: اللهم إني أسألك بنبيك ﷺ أو بالولي الصالح، وهذا جائز على المذهب، قال في الإقناع: (ونصه - أي: الإمام أحمد - بالنبي ﷺ ، أي: فلا يتوسل إلا به، وصرف ابن تيمية ﵀ كلام الإمام أحمد ﵀ على أنه =
стр. 379
فيصلِّي (١)، ثم يخطبُ خُطبةً واحدةً (٢)، يفتتحُها بالتكبيرِ كخطبةِ العيدِ (٣)، ويكثرُ فيها الاستغفارَ، وقراءةَ آياتٍ فيها الأمرُ بِهِ (٤).
= الحلف بالنبي ﷺ ، وهي رواية عنه ﵀، ويُنبه على أن غاية ما في التوسل بالصالحين على المذهب أنه مباح، فالإتيان بما هو مستحب أَولى، وأبرأ لدين الإنسان، وهو التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، وبالعمل الصالح ونحوه، قال تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها).
قال في الإنصاف - بعد أن حكى المذهب - نقلا عن شيخ الإسلام: (قال: والتوسل بالإيمان به وطاعته ومحبته والصلاة والسلام عليه، وبدعائه وشفاعته، ونحوه مما هو من فعله أو أفعال العباد المأمور بها في حقه: مشروع إجماعا، وهو من الوسيلة المأمور بها في قوله تعالى ﴿اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ [المائدة: ٣٥])
(١) أي: ركعتين، كصلاة العيد من حيث التكبيرات الزوائد.
(٢) بخلاف العيد، وتقدم. والدليل حديث ابن عباس ﵄: «خرج النبي ﷺ متواضعاً، متبذلاً، متخشعاً، مترسلاً، متضرعاً، فصلى ركعتين، كما يصلي في العيد، لم يخطب خطبتكم هذه» رواه أبو داود.
(٣) والمراد: تسع تكبيرات نسَقاً، أي: متوالية.
(٤) أي: يكثر قراءة آيات فيها الأمر بالاستغفار كقوله تعالى: (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه)، وكالآيات الواردة على ألسنة الأنبياء ﵈.
стр. 380
ويرفعُ يديهِ - وظهورُهما نحوَ السماءِ (١) - فيدعُو
(١) أي: وبطونهما نحو الأرض، قال ابن عوض ﵀: (قال العلماء: السنة لمن دعا برفع البلاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء؛ إشارة إلى الدفع، ولمن دعا بطلب شيء أن يجعل بطن كفيه إلى السماء؛ إشارة إلى الأخذ، قاله الشيشيني)، والظاهر: أنه يرفعهما مقابل صدره كغيره من مواضع الدعاء على المذهب، لكن في كلام ابن رجب الآتي ما يرد هذا وأنه يرفعهما إلى أعلى من صدره حتى يرى بياض إبطيه والله أعلم.
وقد ذكر ابن رجب في فتح الباري أنه قد روي عن النبي ﷺ في رفع اليدين في الاستسقاء خمسة أنواع، وكأنه مال إلى الأخير الذي هو ظاهر المذهب بأن يجعل ظهور كفيه إلى السماء وبطونهما نحو الأرض، وأطال في الاستدلال له، واستدل أيضا لكل نوع، وهذا كلامه في هذه الأنواع باختصار: (الأول: الإشارة بأصبع واحدة إلى السماء، الثاني: رفع اليدين وبسطهما، وجعل بطونهما إلى السماء، الثالث: أن يرفع يديه، ويجعل ظهورهما إلى القبلة، وبطونهما مما يلي وجهه، الرابع: عكس الثالث: وهو أن يجعل ظهورهما مما يلي وجه الداعي، الخامس: أن يقلب كفيه، ويجعل ظهورهما مما يلي السماء، وبطونهما مما يلي الأرض، مع مد اليدين ورفعهما إلى السماء.
خرج مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن النبي ﷺ استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء، وخرجه الإمام أحمد، ولفظه: رأيت رسول الله ﷺ يستسقي، بسط =
стр. 381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يديه، وجعل ظاهرهما مما يلي السماء، وخرجه أبو داود، وعنده: استسقى - يعني: ومد يديه -، وجعل بطونهما مما يلي الأرض، حتى رأيت بياض إبطيه، وفي رواية: وهو على المنبر. خرجها البيهقي.
وخرج الإمام أحمد من رواية بشر بن حرب، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ واقفا بعرفة يدعو، هكذا، ورفع يده حيال ثندوتيه، وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض.
وفي رواية له - أيضا -: وجعل ظهر كفيه مما يلي وجهه، ورفعهما فوق ثندوتيه، وأسفل من منكبيه، وبشر بن حرب، مختلف فيه.
وقد تأول بعض المتأخرين حديث أنس على أن النبي ﷺ لم يقصد قلب كفيه، إنما حصل له من شدة رفع يديه انحاء بطونهما إلى الأرض.
وليس الأمر كما ظنه، بل هو صفة مقصودة لنفسه في رفع اليدين في الدعاء.
روى الوليد بن مسلم بإسناده، عن ابن سيرين، قال: إذا سألت الله فسل ببطن كفيك، وإذا استخرت الله، فقل هكذا - ووجه يديه إلى الأرض -، وقال: لا تبسطهما.
وروى الإمام أحمد، عن عفان، أن حماد بن سلمة وصف رفع النبي ﷺ يديه بعرفة، ووضع عفان يديه وكفيه مما يلي الأرض. =
стр. 382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقال حرب: رأيت الحميدي مد يديه، وجعل بطن كفيه إلى الأرض، وقال: هكذا الابتهال.
وحماد بن سلمة والحميدي من أشد الناس تشددا في السنة، وردا على من خالفها من الجهمية والمعتزلة ونحوهم.
وقد ذهب مالك إلى رفع اليدين في الاستسقاء على هذا الوجه: ففي (تهذيب المدونة) في (كتاب الصلاة): ضعف مالك رفع اليدين عند الجمرتين، واستلام الحجر، وبعرفات، والموقف، وعند الصفا والمروة، وفي المشعر، والاستسقاء، وقد رئي مالك رافعا يديه في الاستسقاء، حين عزم عليهم الإمام، وقد جعل بطونهما مما يلي الأرض، وقال إن كان الرفع فهكذا، قال ابن القاسم: يريد في الاستسقاء في مواضع الدعاء.
وكذا ذكره أصحاب الشافعي: ففي (شرح المهذب) في الاستسقاء: قال الرافعي وغيره: قال العلماء: السنة لكل من دعا لرفع بلاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء، وإن دعا لطلب شيء جعل بطن كفيه إلى السماء.
وقال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا في كتابه (الشافي) في كتاب الاستسقاء في باب: القول في رفع اليدين في الدعاء وصفته، ثم روى فيه حديث قتادة، عن أنس الذي خرجه البخاري في الدعاء وصفته، ثم حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: كان النبي ﷺ يستسقى هكذا - ومد يديه، =
стр. 383
بدعاءِ النبيِّ ﷺ (١)، ويؤمِّنُ المأمومُ.
ثم يستقبلُ القبلةَ في أثناءِ الخُطبةِ (٢)، فيقولُ سراً (٣): «اللهمَّ إنكَ أمرتنا بدعائِكَ، ووعدتنا إجابتَكَ، وقد دعوناكَ كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا».
ثم يحوِّلُ رداءَهُ (٤)، فيجعلُ الأيمنَ على الأيسرِ، والأيسرَ على الأيمنِ، وكذا الناسُ، ويتركونَهُ حتى ينزِعوهُ مع ثيابِهم (٥).
= وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى يرى بياض إبطيه.
ولم يذكر في الرفع وصفته غير ذلك، وهذا يدل على أنه يرى أن هذا هو صفة رفع اليدين في الاستسقاء، أو مطلقا؛ لكن مع رفع اليدين إلى السماء والاجتهاد في رفعهما، إلى أن يرى منه بياض الابطين. انتهى).
(١) ومنه قوله ﷺ : «اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً، غدقاً، مجللاً … » الحديث، ذكره الشارح. وبأي دعاء دعا، جاز.
(٢) وكل هذا من المستحبات.
(٣) حال كونه مستقبلاً القبلة، كما في الإقناع.
(٤) ندباً، كما في الإقناع. قال في المطلع: (الرداء هو ما يرتدى به على المنكبين، وبين الكتفين، من بُرد أو ثوب ونحوه)، أي: قطعة قماش تُلف على أعلى البدن، فلا يسمى ثوبنا رداءً عندهم، بل قميصاً. والشماغ لا يلبس كالرداء، ولذا قال بعض العلماء المعاصرين إن الشماغ لا يُحوّل، ثم إنهم كانوا يلبسون العمائم، ولا يذكرون أنها تحول.
(٥) أي: يفعلون كفعل الإمام، فيحولون أرديتهم، ويتركونها محوَّلة =
стр. 384
فإن سُقُوا، وإلا عادُوا ثانياً، وثالثاً (١).
ويُسنُّ: الوقوفُ في أولِ المطرِ (٢)، والوضوءُ والاغتسالُ
= حتى ينزعوها مع ثيابهم. قال ابن عوض: (عند المنام)، ولعله راجع إلى عرف عندهم، وإلا فالظاهر أنه متى نزع ثوبه لأي سبب كان، فإن له أن يرده إلى حالته الطبيعية.
(تتمة) زاد صاحب الإقناع - وتابعه في الغاية - بعد التحويل: (فإذا فرغ من الدعاء، استقبلهم - وهو باقٍ على المنبر -، ثم حثهم على الصدقة والخير، ويصلي على النبي ﷺ ، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويقرأ ما تيسر من القرآن، ثم يقول: أستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، وقد تمت الخطبة). قال البهوتي: (ذكره السامري)، أي: صاحب المستوعِب.
(١) استحباباً، صرح به في المعونة. والمراد: أنهم إن لم يسقوا في اليوم الأول، فإنهم يعودون في اليوم الثاني، فإن لم يسقوا، ففي الثالث، وألحوا في الدعاء، كما في الإقناع. ولم يذكروا الخروج في الرابع إذا لم يسقوا في الثالث، فيما اطلعت عليه. هذا المذهب. لكن ذكر البهوتي في الكشاف أن في عهد ابن وهب - وهو أحد أئمة المالكية - استسقى الناس لنهر النيل لما قلَّ ماؤه أكثر من خمسٍ وعشرين مرة.
(٢) أي: أول نزوله، وهل التمطر مسنون في كل مرة ينزل فيها المطر؟ أم أنه أول مطرة في السنة؟ قال في المستوعب: (والاستمطار مسنون، وهو التجرد لأول مطرة، وإخراج الثياب والرحال؛ لينالهم المطر)، والذي ذكره ابن رجب في فتح =
стр. 385
منهُ، وإخراجُ رحلِهِ وثيابِهِ ليصيبَها (١).
وإن كَثُرَ المطرُ حتى خيفَ منهُ، سُنَّ قولُ: «اللهمَّ حوالينا، ولا علينا، اللهمَّ على الآكامِ، والظِّرابِ (٢)، وبطونِ
= الباري عن الأصحاب وعن الشافعية أنه أول مطرة في السنة حيث قال: (ونص الشافعي وأصحابنا على استحباب التمطر في أول مطرة تنزل من السماء في السَّنَة، وحديث أنس الذي خرجه البخاري إنما يدل على التمطر بالمطر النازل بالاستسقاء، وإن لم يكن أول مطرة في تلك السنة)، وقال ابن العماد في بغية أولي النهى شرح غاية المنتهى: (وسن وقوف في أول مطر) أي: أول مطر السنة كما قاله بعض الشافعية) ثم ذكر حديث أنس: " أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر. فقلنا: لم صنعت هذا؛ قال: لأنه حديث عهد بربه " رواه مسلم، وروي " أنه ﷺ كان ينزع ثيابه في أول المطر إلا الإزار يتزر به " رواه أبو يعلى، ولما روي " أنه ﷺ كان يقول إذا سال الوادي: اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهورا فنتطهر به " رواه البيهقي، ثم قال ابن العماد: (وهذا يقتضي أنه في كل مطر، فتأمل).
(١) الرَّحْل: هو ما يستصحب من الأثاث، كما في المطلع. فيخرج أثاث بيته، وثيابه ليصيبهما المطر أول نزوله؛ للحديث: «إنه حديث عهد بربه» رواه مسلم.
(٢) الآكام: هي ما علا من الأرض، ولم يبلغ أن يكون جبلاً، =
стр. 386
الأوديةِ (١)، ومنابتِ الشجرِ (٢)، ﴿ربنا لا تحملنا ما لاطاقة لنا به﴾ [البقرة، ٢٨٦] الآية (٣)».
وسُنَّ قولُ: «مُطرنا بفضلِ اللهِ، ورحمتِهِ (٤)»، ويحرمُ: «مطرنا بنوءِ كذا (٥)»، ويباحُ: «في نوءِ كذا (٦)».
= كما قال الشارح. والظراب: هي الروابي الصغيرة. فالمراد: المرتفعات الصغيرة التي يكثر فيها الزرع.
(١) والأماكن المنخفضة.
(٢) أي: أصولها.
(٣) والمراد: أكمل قراءة الآية.
(٤) فينسب المطر إلى الله تعالى.
(٥) ومعناه: مطرنا بسبب النجم الفلاني، فيحرم؛ للحديث المشهور الذي يقول الله تعالى فيه: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب» متفق عليه.
(٦) أي: وقت النوء الفلاني، فليس فيه نسبة المطر إلى النوء.
стр. 387
كتاب الجنائز (١)
يُسنُّ: الاستعدادُ للموتِ (٢)، والإكثارُ من ذُكرِهِ (٣).
(١) الجنائز - بفتح الجيم -: جمع جِنازة، بالكسر، والفتح لغة، كما قال الشارح.
(٢) بالتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم، كما قال الشارح. واستشكل بعضهم ذلك؛ لكونهما واجبة على الفور، وليستا مستحبة. ولذا قال ابن عوض: (المستحب إنما هو ملاحظته في ذلك الخوفَ من الله تعالى، والعرض عليه، والسؤال عنه، وغيره مما يقع له بعد الموت)، ونقله عن الصوالحي. ونقل الاستشكالَ اللبديُّ أيضاً، وقال: (لعل المراد: أن التوبة والخروج من المظالم واجبان، والسنة قصد التهيُّؤ للموت بهما، لا أنهما سُنتان كما قد يُتوهم).
(٣) قال في المطلع عن ابن مالك في مثلثه: (الذكر بالقلب يُضم ويكسر يعني: ذالَه)، وقال اللبدي: (هو بضم الذال المعجمة بمعنى التذكر، وبكسرها يكون بمعنى النطق به، وليس ذلك مراداً هنا، لكن ذكر بعض أهل اللغة أنه يصح أن يكون مكسور الذال بمعنى التذكر فعلى هذا يقرأ بهما)، وفي الحديث: «أكثروا من ذكر هادم اللذات» رواه الترمذي، =
стр. 388
ويُكرَه: الأنينُ (١)، وتمنِّي الموتِ إلا لخوفِ فتنةٍ (٢).
وتُسنُّ: عيادةُ المريضِ المسلمِ (٣)، وتلقينُهُ عند موتِهِ
= فالمراد هنا أن يكثر من ذكر الموت في باله، ويستحضره في كل أحواله؛ لأنه يأتي بغتة.
(١) وهو أن يخرج الإنسان صوتاً بسبب الشكوى، والمرض؛ لأنه يترجم عن الشكوى المنهي عنها، وقيده البهوتي في شرحيه بما إذا لم يغلبه، فإن غلبه لم يكره.
(٢) يكره تمني الموت سواء نزل به ضر أو لم ينزل، كما قال الشارح. وفي الحديث: «لا يتمنيَّن أحدكم الموت لضر نزل به» متفق عليه، ويستثنى من هذه الكراهة أمران: ١ - لخوف فتنة في دينه، وذكره الماتن، فلا يكره إذَن؛ لقوله ﷺ : (وإذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضني إليك غير مفتون) رواه الترمذي وغيره، وهذا الاستثناء من زوائد الإقناع على المنتهى، لكن ذكره ابن النجار في المعونة. ٢ - وتمني الشهادة في سبيل الله تعالى، بل هو مستحب لا سيما عند حضور أسبابها قاله البهوتي في الكشاف؛ للحديث: «من تمنى الشهادة خالصاً لله من قلبه، أعطاه الله منازل الشهداء» رواه مسلم.
(٣) قال الشارح: (من أول مرضه)، أي: في بداية المرض، وتكون الزيارة غِباً. ويستثنى من سنية عيادة المريض المسلم حالتان: ١ - المبتدع الذي يسن هجره، وهو صاحب البدعة المحرمة غير المكفِّرة، وكذا المتجاهر بمعصية، فتكره عيادتهما. ٢ - والمبتدع الذي يجب هجره، وهو صاحب =
стр. 389
«لا إلهَ إلا اللهُ» (١)
= البدعة المكفِّرة، كالرافضي، فتحرم عيادته، ومن قواعد الحنابلة أن البدعة المكفرة يكفر بها الداعي، ويفسق بها التابع المقلِّد، ولا يكفر، وأما عوام الرافضة، فليسوا كفاراً إلا من قامت عليه الحجة، وزالت عنه الشبهة، وصار داعية إلى الرفض، وكذلك تحرم عيادة الكافر مطلقاً، ذمياً كان، أو مرتداً، أو حربياً.
(١) فيسن تلقين المريض عند احتضاره؛ لقوله ﷺ : «من كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله، دخل الجنة». قال ابن عوض: (ظاهره استحباب التلقين، ولو لغير مكلف)، وقال أيضا: (وأطلق المصنف كغيره التلقين، فظاهره: أنه يقول له: قل لا إله إلا الله، ولعله غير مراد، بل ينبغي قولها بحضرته وهو يسمع؛ ليتفطن فيقولها، إلا إن كان كافرا فيقول له: قل)، وأصل هذا الكلام نقله الصالحي عن العلقمي الشافعي (ت ٩٦٩ هـ) في حاشيته على الجامع الصغير قال: (ولا يقول في التلقين: قل، بل يقول بحضرته؛ ليسمع التلقين فيقولها، إلا أن يكون كافرا، فيقول له: قل، كما قال النبي ﷺ لعمه أبي طالب، وللغلام اليهودي) انتهى.
وفي الحواشي السابغات: ويظهر لي في المذهب هنا احتمالان: ١ - يحتمل جواز أن يقول الملقن عنده: (لا إله إلا الله) فقط، بدون أن يقول له: قل، ٢ - ويحتمل: أن يقال له: (قل: لا إله إلا الله). وكلا الأمرين جائز ووردت به السنة، والله أعلم، واستظهر ابن عوض في تعليقه على دليل =
стр. 390
مرةً (١)، ولم يزِد (٢)،
= الطالب إلى أنه يقول الملقن عند المحتضر: لا إله إلا الله، إلا أن يكون كافرا فيقول له: قل لا إله إلا الله).
(١) تحتمل هذه العبارة أن المرة عائدة إلى المحتضر، فيكرر الملقِّن تلقين المحتضر حتى يقولها المحتضر مرة واحدة، لكن الظاهر أنها عائدة إلى الملقِّن، فيقول «لا إله إلا الله» مرة فقط، سواء قالها المحتضِر أو لا.
(٢) قوله: (ولم يزد) لم أرها لغيره، وهو ظاهر ما قدمه في الغاية، فيكون التلقين مرة واحدة فقط، فإن لم يُجِبْ المحتضرُ يتركه، حتى يتكلم فإذا تكلم أعاد عليه التلقين وهكذا، وقال في الإقناع: (ويلقنه قول لا إله إلا الله مرة فإن لم يجب أو تكلم بعدها أعاد تلقينه بلطف ومداراة)، فعليه: يلقنه مرة فإن لم يجب، أو قالها وتكلم بعدها أعاد تلقينَه وهكذا، وأما في المنتهى - ونحوه في الزاد -، فقال: (وتقلينه لا إله إلا الله مرة، ولم يزد على ثلاث، إلا أن يتكلم)، وعليه: فيقول الملقن للمحتضر: «لا إله إلا الله» مرة، فإن لم يقلها، أعاد، فإن لم يقلها، أعاد، ثم يمسك، فإنه ربما منعه مانعٌ من قولها، نسأل الله العافية والثبات عند الموت، فإن تكلم بعد الثلاث أعاد عليه التلقين، ويحتمل أن يكون المعنى: أن يلقنه ثلاث مرات، أي: يقول الملقنُ للمحتضر (لا إله إلا الله)، ويجعله يرددها ثلاثَ مرات ولا يزيد عليه، إلا إذا تكلم بعد التلقين، فيعيد عليه حتى تكون آخر كلمة يقولها، ومهما يكن المعنى، فالمراد: أنه يستحب للملقن أن يجعل آخر كلمة =
следующие страницы →