Полный текст (2 012 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
فصل (١)
وإذا اختلطَ اثنانِ فأكثرُ من أهلِ الزَّكاةِ (٢) في نصابِ ماشيةٍ لهم جميعَ الحولِ (٣)، واشتركَا (٤)
(١) هذا الفصل في الخلطة في بهيمة الأنعام، في الحواشي السابغات: (الخلطة: أن يختلط اثنان أو أكثر من أهل الزكاة في نصاب من الماشية حولاً لم يثبت لهما حكم الانفراد في بعضه مطلقاً)، وهي مؤثرة في الزكاة إيجابا وإسقاطا، وسواء كانت خلطة أعيان: بأن يملكا نصابا من الماشية مشاعا من غير تمييز مال واحد منهما عن الآخر بإرث أو شراء ونحوهما، أو خلطة أوصاف: بأن يكون مال كل منهما متميزا.
(٢) وهم المسلمون الأحرار.
(٣) فيشترط في تأثير الخلطة كون الاختلاط في كل الحول بأن لم يثبت لهما ولا لأحدهما حكم الإنفراد في بعضه، بخلاف السوم، فإنه يعتبر فيه أكثر الحول. (فرق فقهي)
(٤) فيشترط في خلطة الماشية خلطة أوصاف - كما قاله النجدي وأصله في الإقناع - الاشتراكُ في خمسة أمور سيذكرها المصنف، قال ابن حميد في حاشيته على شرح المنتهى- نقلا عن يوسف حفيد صاحب المنتهى -: (إنما يشترط الاشتراك في هذه الأشياء في خلطة الأوصاف خاصة، ففي خلطة الأعيان يزكي الشريكان فأكثر زكاة خلطة، ولو لم يشتركا في شيء من ذلك).
стр. 457
في المبيتِ (١)، والمسرَحِ (٢)، والمحلَبِ (٣)، والفحلِ (٤)، والمرعى (٥)، زَكّيَا كالواحدِ (٦).
ولا تُشترطُ: نيةُ الخلطةِ (٧)، ولا اتحادُ المشرَبِ (٨) والرَّاعِي (٩)، ولا اتحادُ الفحلِ إن اختلفَ النَّوعُ كالبقرِ
(١) وهو المُراح - بضم الميم - والمأوى للماشية.
(٢) وهو ما تجتمع فيه الماشية لتذهب إلى المرعى.
(٣) أي: الموضع الذي تُحلب فيه.
(٤) بأن يكون الذي يطرق جميع هذا النِّصاب المختلط فحل واحدٌ وهذا مقيد بما إذا اتحد نوع الماشية، فإن اختلف النوع كالضأن والمعز لم يضر اختلاف الفحل للضرورة لاختلاف النوعين كما قرره المؤلف هنا وفي الإقناع والغاية.
(٥) وهو مكان الرعي ووقته.
(٦) أي: كالمال الواحد إسقاطا أو إيجابا لحديث أنس ﵁: (لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية) رواه البخاري والترمذي.
(٧) فلو اشتركت ماشية شخصين فيما سبق من الأمور الخمسة اتفاقًا - أي: بلا قصد للخلطة - أو بفعل راع، فإن حكم الخلطة يثبت، لكن لو حصلت الخلطة بفعل راع بلا إذن ملاك النصاب، فهل يخرج الواجب في النصاب أصحابُ المال؟ أو الراعي؛ لعدم الإذن له؟ فليحرر.
(٨) وهو المكان الذي تشرب منه.
(٩) فلا يشترط كون الراعي لهما واحدًا، أما صاحب الإقناع =
стр. 458
والجاموسِ، والضأنِ والمعْزِ (١).
وقد تُفيدُ الخلطةُ تغليظًا (٢): كاثنينِ اختلطَا بأربعينَ شاةً - لكلِّ واحدٍ عشرونَ -، فيلزمُهما شاةٌ (٣)، وتخفيفًا: كثلاثةٍ اختلطُوا بمئةٍ وعشرينَ شاةً - لكلِّ واحدٍ أربعونَ -، فيلزمُهم شاةٌ (٤).
ولا أَثَرَ لتفرقةِ المالِ، ما لم يكن سائمةً (٥).
= فذهب إلى اشتراط اتحاد المشرب والراعي، وهو خلاف المذهب.
(١) فلا يشترط كون الفحل الذي يطرق المالين واحدًا إن اختلف النوع، فالفحل الذي يطرق البقر غير الذي يطرق الجاموس، ومثل ذلك في الضأن مع المعز.
(٢) أي: تغليظًا على المختلطين.
(٣) ولو أنهما لم يختلطا، لَم يلزم أحدهما شيء؛ لأن كل واحد منهم يملك دون النصاب.
(٤) ولو تفرقوا للزم كل واحد منهم شاة؛ لأن كل واحد منهم يملك نصابا كاملا.
(٥) لا تأثير لتفرقة المال - غير السائمة - بين البلدان فيُضم ويُزكى، ولا أثر للخلطة إلا في السائمة سواء كانت نقدا أو زرعا أو عروض تجارة.
أما من جهة التفرقة، فلو أن شخصا له ألف ريال يتاجر بها في الرياض، وعشرة ألاف يتاجر بها في الأحساء، فإنه يُزكي الكل كالمال الواحد، ولا يقول: هذا في بلد أقل من نصاب، =
стр. 459
فإن كانت سائمةً بمحَلَّينِ بينهما مسافةُ قصرٍ، فلكلٍّ حكمٌ بنفسهِ (١).
فإذا كان لهُ شياهٌ بمحَالٍّ متباعدةٍ - في كلِّ محلٍّ أربعونَ -، فعليهِ شياهٌ بعددِ المحالِّ (٢).
= وهذا في بلد أقل من نصاب فلا تجب علي الزكاة بل يجب عليه ضمهما ويزكيهما كالمال الواحد.
وأما من جهة الخلطة، فلو اختلط شخصان في تجارة، للأول عشرة ألاف، وللآخر ألف، وكان النصاب ثلاثة آلاف مثلا، فلو مضى الحول ولم تزد الأموال كثيرًا عن أصلها، فلا زكاة على صاحب الألف، بخلاف صاحبه.
وكذا لو اختلط اثنان في مزارع نخيل مثلًا، لكل واحد النصف، فأتيا بألف كيلو من التمر، لكل واحد خمسمئة، فلا زكاة على واحد منهما إذا قلنا: إن النصاب ستمئة واثني عشر كيلو، ولا أثر للخلطة إلا في سائمة الأنعام.
(١) هذا تفريع عن التفرقة التي تؤثر في السائمة.
(٢) والمراد بقوله: (متباعدة): أن يكون بينها مسافة قصر، فلو كان لشخص أربعون شاة في الرياض، وأربعون في الأحساء، وأربعون في جدة، فعليه ثلاث شياه؛ لأن كل موضع منها له حكم بنفسه، ما لم يكن بين كل محل ومحل بعده أقل من مسافة قصر فالظاهر: أنها تكون كالمحل الواحد قاله النجدي وعبارته: (إذا علمت ذلك، وكانت المحال إذا نظر بين كل محل وما يليه لم يبلغ ما بينهما المسافة، وإذا نظر بين محل =
стр. 460
ولا شيءَ عليهِ إن لم يجتمع في كلِّ محلٍّ أربعونَ، ما لم يكن خلطةً (١).
= وغير ما يليه كأقربها إلى محل المزكي وأبعدها؛ بلغ ما بينهما المسافة، فهل تكون في حكم المحل الواحد أم لا؟ الظاهر: نعم، واستصوبه شيخنا محمد الخلوتي).
(١) فلو كان له عشرون شاة في الرياض، وعشرون في الأحساء، فلا تجب عليه الزكاة، أما لو كانت غنمه التي بالأحساء مختلطة بعشرين شاة لشخص آخر، فعلى كل واحد منهما نصف شاة، ولا شيء على الأول في الشياه التي له بالرياض.
стр. 461
باب زكاة الخارج من الأرض (١)
تجبُ في كلِّ مكيلٍ مدَّخَرٍ (٢):
- منَ الحبِّ: كالقمحِ، والشَّعيرِ، والذُّرةِ، والأُرزِ، والحِمِّصِ، والعدسِ، والباقلَّا، والكِرسَنَّةِ، والسِّمسِمِ، والدُّخنِ، والكَراوِيَا، والكُزبَرَةِ، وبِزرِ القُطنِ، والكتَّانِ، والبطِّيخِ (٣)، ونحوِهِ.
- ومنَ الثَّمرِ: كالتَّمرِ، والزَّبيبِ، واللَّوزِ، والفستقِ،
(١) والأصل في وجوبها: قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) قال ابن عباس ﵄: حقه الزكاة فيه، مرة العشر، ومرة نصف العشر. أخرجه البيهقي.
(٢) أي: تجب الزكاة في كل مكيل مدخر. والمكيل: هو ما يُكال، ويُستخدم فيه الكيل، والمدخَّر - كما قال النجدي -: (في المصباح: هو المعدود للحاجة)، ويدل لاعتبار الكيل حديث: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) متفق عليه، ويدل لاعتبار الادخار: أن غير المدخر لا تكمل به النعمة؛ لعدم النفع به مآلا.
(٣) والمراد ببزر القطن: الحبوب التي يُزرع بها القطن. وكذا بزر الكتان، وبزر البطيخ: الحبوب التي يُزرع بها، أما نفس البطيخ، فلا زكاة فيه؛ لأنه من الفواكه.
стр. 462
والبندقِ، والسُّمَاقِ (١).
ولا زكاةَ في عُنَّابٍ (٢)، وزيتونٍ، وجَوزٍ، وتينٍ، ومشمشٍ، ونَبقٍ (٣)، وزُعرورٍ، ورُمانٍ (٤).
وإنما تجبُ فيما تجبُ بشرطينِ:
الأوَّلُ: أن يبلغَ نصابًا، وقدرُهُ - بعد تصفيةِ الحبِّ، وجفافِ الثَّمرِ (٥) -: خمسةُ أوسقٍ، وهي: ثلاثُمائةِ صاعٍ (٦)،
(١) ويشترط فيه أيضًا: أن يكال ويدخر.
(تتمة) تجب زكاة الخارج من الأرض أيضا في: ٣ - ورق الشجر الذي يُقصد كالسدر والخطمي والآس، إذا بلغ نصابًا؛ لأنه نبات مكيل ومدخر. ٤ - الزعتر، والأشنان، والسُّماق، وحبِّ ذلك.
(٢) هو شجر شائك من الفصيلة السدرية يبلغ ارتفاعه ستة أمتار، وثمره أحمر لذيذ الطعم على شكل ثمرة النبق. المعجم الوسيط.
(٣) وهو نوع آخر من الكنار.
(٤) فلا تجب فيها الزكاة ولا في بقية الفواكه؛ لأنها لا تُدخر. وفي حديث علي ﵁ مرفوعا: «ليس في الخضروات صدقة» رواه الدارقطني.
(٥) فبعد تصفية الحب من الشوائب، ويُبس الثمار، تكال، وينظر هل بلغت النصاب أو لا.
(٦) الأوسق: جمع وسق، بفتح الواو وكسرها. والوسق، والصاع، والمد من المكاييل، ونَقَلها العلماء إلى الوزن، والخمسة =
стр. 463
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أوسق = ٣٠٠ صاع، ووزن صاع البر بالكيلوات المعاصرة= ٢، ٠٤٠ كجم تقريبًا، كيلوان وأربعون جراما، تُضرب في ثلاث مئة، فيكون نصاب البر ست مئة واثني عشر كيلو من البر.
(تنبيه) الاعتبار ببلوغ النصاب بالكيل بصاع البر لا بوزن صاع البر، فيتخذ المرءُ وعاء يسع كيلوين وأربعين غراما من البر، ثم يكيل به ما شاء من الحبوب والثمار فإذا بلغت نصابا زكاها وإلا فلا، فإذا كان عنده تمر مثلا، فيتخذ وعاء يسع كيلوين وأربعين غراما من البر الرزين ولا ينقص عنه، ثم يكيل به صاعا من التمر الذي عنده، ثم يزنه فإذا كان وزن الصاع من التمر مثلا كيلوان ونصف مثلا، فيضرب ٢، ٥×٣٠٠ (وهي نصاب الخارج من الأرض) = ٧٥٠ كيلو، فإذا بلغ التمر الذي عنده ٧٥٠ كيلو فأكثر زكاه، وإن كان أقل منها فلا زكاة عليه، وهكذا يقال في بقية الحبوب والثمار إذا أراد معرفة بلوغها النصاب.
قال في الإقناع وشرحه: (والوسق والصاع والمد: مكاييل نقلت إلى الوزن) أي قدرت بالوزن (لتحفظ) فلا يزاد ولا ينقص منها (وتنقل) من الحجاز إلى غيره … (والمكيل يختلف في الوزن فمنه ثقيل) كتمر وأرز ومنه (متوسط كبر وعدس و) منه (خفيف، كشعير وذرة) وأكثر التمر أخف من الحنطة على الوجه الذي يكال شرعا لأن ذلك على هيئة غير مكبوس (فالاعتبار في ذلك) المذكور من المكيلات (بالمتوسط نصا) قال في الفروع: ونص أحمد وغيره من الأئمة على أن الصاع خمسة أرطال وثلث بالحنطة، أي بالرزين من الحنطة وهو =
стр. 464
وبالأرادِبِ (١): ستةٌ ورُبعٌ، وبالرَّطلِ العراقيِّ: ألفٌ وستُّمائةٍ، وبالقدسيِّ مائتانِ وسبعةٌ وخمسونَ وسُبعُ رِطلٍ.
الثَّاني: أن يكونَ مالكًا للنِّصابِ وقتَ وجوبِها (٢).
فوقتُ الوجوبِ في الحبِّ إذا اشتدَّ (٣)، وفي الثَّمرةِ إذا بدَا صلاحُها (٤).
= الذي يساوي العدس في وزنه. (ومثل مكيله من غيره) أي غير المتوسط وهو الثقيل والخفيف " (وإن لم يبلغ) المكيل من غير المتوسط (الوزن) المذكور لخفته (نصا) فالمعتبر: بلوغه نصابا بالكيل، دون الوزن (فمن اتخذ وعاء يسع خمسة أرطال وثلثا عراقية من جيد البر) أي رزينه (ثم كال به ما شاء) من ثقيل وخفيف (عرف) به (ما بلغ حد الوجوب من غيره) الذي لم يبلغ نصابا، (فإن شك في بلوغ قدر النصاب ولم يجد ما يقدره) أي المكيل (به، احتاط وأخرج) الزكاة ليخرج من عهدتها (ولا يجب) عليه الإخراج إذن لأنه الأصل فلا يثبت بالشك).
(١) وهو كيل معروف بمصر، وهو ثمانية وأربعون صاعا كما في الكشاف.
(٢) فيُشترط أن يكون المزكي مالكًا للنصاب وقت وجوب الزكاة، أما لو كان مالكا له بعد وجوبها فلا زكاة عليه كمن يأخذه أجرة لحصاده، أو يرثه بعد بدو الصلاح في الثمر مثلا.
(٣) وذلك إذا صلُب وقويَ.
(٤) وهو طِيبُ أكلها، وظهور النضج فيها؛ لأنه إذن يقصد للأكل والاقتيات.
стр. 465
فصل
ويجبُ فيما يُسقى بلا كلفةٍ: العُشرُ، وفيما يُسقى بكلفةٍ: نصفُ العُشرِ (١).
(١) لحديث ابن عمر ﵄: «فيما سقت السماء العُشر، وما سُقي بالنضح نصف العشر»، رواه البخاري، فإذا كان الواجب على المزارع العُشرُ، قسم ما عنده على العدد (١٠)، وما خرج فهو الواجب إخراجه، ولو كان الواجب نصف العُشر، قسم على العدد (٢٠).
والضابط في الكلفة - كما قال ابن النجار، وتابعه عليه الشيخ منصور -: «أن ما يحتاج إلى ترقية الماء إلى الأرض بآلةٍ، ففيه نصف العُشر، وما لا يحتاج إلى ذلك، ففيه العُشر». فمن كان يستعمل الآلات لإخراج الماء من البئر أو العين، فهذا ممن يسقي بكلفة، وما كان يُسقى بماء ينبع، ويخرج من الأرض من تلقاء نفسه، أو يجري من نهر ونحوه، ويكتفي فيه المزارع بمجرد توزيعه على جداول الزرع والثمر، ففيه العُشر.
ومما يكون بلا مؤنة أيضا: لو اشترى ماء - أو كان يأتيه مجانا - وجعله في بِركة، ثم يخرج الماءُ منها على وجه الأرض إلى الزروع والأشجار، فإن احتاج إلى ما يخرج الماءَ من البركة إلى الزروع والثمار من آلة ونحوها فهو بكلفة.
(تتمة) ما سُقي بهما - أي: بكلفة، وبلا كلفة -، ففيه ثلاثة =
стр. 466
ويجبُ إخراجُ زكاةِ الحبِّ مصفًّى (١)، والثَّمرِ يابسًا (٢). فلو خالفَ، وأخرجَ رَطْبًا لم يُجزِهِ، ووقعَ نفلًا (٣).
وسُنَّ للإمامِ: بعثُ خارصٍ لثمرةِ النَّخلِ، والكَرمِ، إذا بدَا صلاحُها (٤).
= أرباع العُشر، فيضرب ما عنده في العدد (٣)، ثم يقسم الناتج على العدد (٤٠)، فما حصل فهو الواجب إخراجه.
(١) أي: مُنظَّف من السنابل، والقشور التي فيه.
(٢) فلا يجوز أن يُخرَج من الثمار وهي رطبة، بل لابد أن تُخرج الزكاة من الثمر اليابس. كما أن بلوغه النِّصاب لا يكون إلا بعد تصفية حب وجفاف ثمر كما تقدم.
قال في شرح المنتهى: (لحديث الدارقطني عن عتاب بن أسيد «أن النبي ﷺ أمره أن يخرص العنب زبيبا كما يخرص التمر» ولا يسمى زبيبا وتمرا حقيقة إلا اليابس وقيس الباقي عليهما، ولأن حال تصفية الحب وجفاف التمر حالُ كمالِ ونهايةِ صفاتِ ادخارِه ووقتِ لزومِ الإخراج منه).
(٣) أي: لو خالف المالك وأخرج رطبا وعنبا لم يجزئه عن الواجب ووقع نفلا، قال البهوتي في شرح المنتهى: (وإن أخذها ساع كذلك، فقد أساء ويرده إن بقي بحاله، وإن تلف رد مثله، وإن جففه- أي: الساعي - وصفاه وكان قدرَ الواجب فقد استوفاه، وإن كان دونه أخذ الباقي وإن زاد رد الفضل).
(٤) الخرص للثمار - كما في المطلع - هو: الحزر، والتقدير لثمرتها، ولا يمكن إلا عند طيبها، وقال في الإقناع وشرحه: =
стр. 467
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (والخرص) بفتح الخاء مصدر ومعناه هنا (حزر مقدار الثمرة في رءوس النخل والكرم وزنا بعد أن يطوف) الخارص (به) أي بالنخل أو الكرم (ثم يقدره تمرا) أو زبيبا (ثم يُعَرِّف) الخارصُ (المالكَ قدر الزكاة) فيه).
ولا يكون إلا في النخل، والكرم - والمراد به: الزبيب؛ لأن العنب لا زكاة فيه - فقط، لا في غيرها من الثمار، ولا في الحبوب.
ودليل الخرص: حديث عائشة: كان رسول ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود ليخرص عليهم النخل قبل أن يؤكل) متفق عليه، وفي رواية لأحمد: (لكي يحصي الزكاة قبل أن تؤكل الثمرة وتفرق).
فيأتي الخارص إلى صاحب المزرعة بعد أن يبدو صلاحُ الثمار، فينظر إلى النخيل أو الكرم، ويخرص، فيقول مثلًا: هذه المزرعة ستأتي - بعد أن تصرم التمور - بألف وخمسمئة كيلو مثلًا، ويُخبره بما يجب عليه منها من عُشر أو نصف العُشر، ولا يأخذ منه الواجب عند الخرص، وإنما المقصود مجرد إخباره بما سيجب عليه إخراجه بعد جفاف الثمر.
ويجب على الخارص أن يترك في الخرص لرب المال الثلث أو الربع فيجتهد الساعي في أيهما يترك بحسب المصلحة فمثلا لو كانت تنتج ١٠٠٠ كيلو من التمر؛ فيترك له منها الربع ٢٥٠ كيلو أو الثلث لا يخرصها، وإنما يخرص الباقي بعد الربع أو الثلث. =
стр. 468
ويكفِي واحدٌ (١). وشُرطَ كونُهُ: مسلمًا، أمينًا (٢)، خبيرًا (٣). وأجرتُهُ على رَبِّ الثَّمرةِ (٤).
= (تتمة): فإن لم يبعث الحاكم خارصا فيجب على مالك النخل والكرم أن يخرص بنفسه لنفسه أو بثقة عارف ليعرف قدر ما يجب عليه قبل أن يتصرف فيه، وإن أخر تصرفه فيه إلى الجذاذ والجفاف لم يجب الخرص.
(١) أي: يكفي أن يُرسل الإمام شخصًا واحدًا يخرص ثمار الناس، فلا يُشترط اثنان، ويكفي خبره فلا يشترط لفظ الشهادة.
(٢) أي: عدلًا وهل هي العدالة الظاهرة فقط أم الظاهرة والباطنة؟
قال ابن عوض: أمينا أي: لا يتهم بكذب من غير عمودي نسب مخروص عليه دفعا للريبة.
(٣) والمراد: خبيرًا بالخرص، فيستطيع أن يُخمِّن، ويُقدر الثمار بغلبة ظن؛ لأن غير الخبير لا يحصل به المقصود ولا يوثق بقوله قاله في شرح المنتهى.
(٤) أي: أجرة الخارص على رب الثمرة لعمله في ماله، وكون أجرته على رب الثمرة هكذا في الإقناع والمنتهى، قال البهوتي في الكشاف: (وفي المبدع: أجرته على بيت المال انتهى، قلت: لو قيل: من سهم العمال لكان متجها) قال الخلوتي: (وهذا - أي: كون أجرته من نصيب العامل على الزكاة - موافق لما يأتي في شرح ابن النجار في باب أهل الزكاة حيث جعل الخارص من أفراد العامل).
стр. 469
ويجبُ عليهِ: بعثُ السُّعاةِ قُربَ الوجوبِ؛ لقبضِ زكاةِ المالِ الظَّاهرِ (١).
ويجتمعُ العُشرُ، والخراجُ في الأرضِ الخراجيَّةِ (٢)، وهيَ:
(١) فيجب على الإمام بعث السُّعاة قُربَ زمن الوجوب؛ لقبض زكاة المال الظاهر، والمال الظاهر - كما تقدم -: هو الذي يراه الناس، وهو: السائمة، والحبوب والثمار، والعسل.
وعليه، فإنه لا يجب على الإمام أن يُرسل من يقبض زكاة المال الباطن كقِيم عروض التجارة. وقد ذكرنا أن هذا فيه إشكال كبير؛ لأن غالب أموال الناس في عصرنا - خاصة في الجزيرة العربية - هي من الأموال الباطنة.
وكما في الإقناع: للإمام أن يطلب زكاة المال الباطن لا على سبيل الوجوب، ولو طلب الإمام - أو الدولة - الزكاةَ من أحد الرعية، لم يجب عليه أن يُعطيه إياها، بل الأفضل أن يُفرِّقها صاحب المال بنفسه، سواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة. وسيأتي ذلك في باب إخراج الزكاة إن شاء الله.
(تنبيه) هذه المسألة تُذكر في المنتهى والإقناع في باب إخراج الزكاة.
(٢) أي: إذا كان هناك أرض خراجية، وزُرع فيها، فإن الخراج يجب في رقبتها، والعُشر يجب في المحصول من ثمر أو حب زُرِع في تلك الأرض. والخراج إنما يؤخذ على الأرض الخراجية التي فيها زرع أو هي مُهيأة للزراعة. أما التي بُني عليها، فلا يؤخذ عليها الخراج، وسيأتي في كتاب الجهاد إن =
стр. 470
ما فُتحت عَنوةً، ولم تُقسم بينَ الغانمينَ (١) كمصرَ، والشَّامِ، والعراقِ (٢).
وتضمينُ أموالِ العُشرِ، والأرضِ الخراجيَّةِ: باطلٌ (٣).
= شاء الله، وإذا كان الذي يزرع كافرا فيجب عليه الخراج فقط؛ لأن الزكاة لا تصح إلا من مسلم.
(١) الأرض الخراجية ثلاثة أنواع - ذكر المؤلف أحدها -: ١ - الأرض التي فُتحت عنوة - أي: قهرًا وغلبةً بالسيف -، ولم تُقسم بين الغانمين كأرض مصر والشام والعراق، ٢ - ما جلا عنها أهلها خوفًا من المسلمين، ٣ - ما صُولِح أهلها على أنها لنا، ونُقرها معهم بالخراج.
(٢) فعند الحنابلة، مصر والشام والعراق كلها تُعتبر أوقافًا، فلا تُملك، ولا يجوز بيعها، وسيأتي إن شاء الله في كتاب الجهاد، وكتاب البيع؛ وذلك أن الصحابة لما فتحوها لم يقسموها بين الغانمين، وإنما أوقفوها.
(٣) هذه العبارة فيها غموض، ولم أجد من يجلي معناها، فجميع من ذكرها متتابعون على ألفاظ واحدة، ولا يوضحون المراد منها. لكن الذي يظهر من كلام ابن جراح في نيل المطالب أن المراد بالتضمين المذكور: هو أن يضرب ولي الأمر مقدارًا معينًا على المزارعين يدفعونه بدلًا من زكاة ما يخرج من أراضيهم - وهذا المراد بالعُشر -، أو بدلا من الخراج، ومثاله: أن يطلب الحاكم من زيد أن يدفع كل سنة خمسين كيلو من التمر، سواء كانت زكاته أقل أو أكثر من ذلك، فإن =
стр. 471
وفي العَسلِ: العشرُ. ونصابُهُ مئةٌ وستُّونَ رَطلاً عراقيَّةً (١).
وفي الرِّكازِ - وهو الكنزُ (٢) - ولو قليلاً: الخُمسُ (٣).
= كانت زكاته أنقص مما أُخذ منه فهو ظلم لصاحب المزرعة، وإن كانت أكثر، فهو ظلم للفقراء، فالتضمين باطل. هذا الذي يغلب على الظن أنه المراد من كلامهم. والله أعلم.
(١) ففي العسل - سواء أخذه من ملكه، أو ملك غيره، أو موات -: عُشره. ونصابه بالكيلو: ٦١، ٢ كجم، أي: واحد وستون كيلو ومئتا جرام.
(٢) الركاز - كما في الإقناع والمنتهى - هو: الكنز مما وُجِد من دِفن من تقدم من الكفار مطلقًا، سواءٌ كانوا من أهل الجاهلية أو غيرهم، والمراد بالكنز: جميع ما وُجد من مدفونهم، حتى لو كان من غير الذهب والفضة كالثياب، قال البهوتي في شرح المنتهى: (ويُلحق بالدفن ما وجد على وجه الأرض) فلو وجد في طريق غير مسلوك أو خربة وجب فيه الخمس قليلا أو كثيرا؛ لحديث أبي هريرة مرفوعا: (وفي الركاز الخمس) متفق عليه، وسواء وجده مسلم أو ذمي أو كبير أو صغير أو عاقل أو مجنون.
(٣) وذلك بشرطين: ١ - أن يكون من دِفن الكفار، فيكون الكفار هم الذين دفنوه، ٢ - أن يكون عليه - أو على بعضه - علامة كفر، فإن وُجدت عليه علامة الإسلام، أو لم يكن عليه علامة كالأواني والحلي فهو لُقطة.
(تتمة) يُصرف خمس الركاز مصرف الفيء، أي: في مصالح =
стр. 472
ولا يمنعُ من وجوبِهِ الدَّينُ (١).
= المسلمين كالجسور، والشوارع، والمدارس … ، وليس مصرفه مصارف الزكاة الثمانية.
ويكون الباقي لواجده - كما ورد في الحديث -، قالوا: ولو كان أجيرًا؛ لنقض الجدار، فلو استأجر شخصٌ عاملَ بناء ليحفر له، فوجد العامل الكنز، فإنه يملكه بعد إخراج الخمس؛ لكونه واجده.
(١) أي: لا يمنع الدَّينُ من وجوب الخُمس في الركاز.
стр. 473
باب زكاة الأثمان
وهيَ: الذَّهبُ، والفضَّةُ.
وفيهَا: رُبعُ العُشرِ، إذا بلغت نصابًا.
فنصابُ الذَّهبِ بالمثاقيلِ: عشرونَ مثقالًا (١)، وبالدَّنانيرِ: خمسةٌ وعشرونَ، وسُبعَا دينارٍ، وتُسعُ دينارٍ.
ونصابُ الفضَّةِ: مائتَا درهمٍ (٢). والدِّرهمُ: اثنتا عشرةَ حبَّةَ خَرُّوبٍ.
(١) المثقال هو: الدينار الإسلامي القديم، ووزنه بالجرامات: ٤، ٢٥ جم. فنِصاب الذهب للعيار ٢٤ = ٤، ٢٥ × ٢٠ = ٨٥ جم. فإذا بلغ الذهب ٨٥ جم فأكثر، أُخرج منه رُبع العُشر، أي: يُقسم وزن الذهب على أربعين. هذا في الذهب من عيار أربعة وعشرين. أما الذهب من عيار واحد وعشرين، فنصابه: ٩٧، ١٤ جم، ونصاب ما معياره ثمانية عشر: ١١٣، ٣ جم.
(٢) الدرهم يساوي: ٢، ٩٧٥ جرام × ٢٠٠ = ٥٩٥ جم.
(تتمة) لو فرضنا أن سعر الجرام الواحد من الفضة الخالصة - أي: عيار ٩٩ - في أحد الأيام: ١، ٩٠ ريال. فعلى القول بإيجاب الزكاة في الأوراق النقدية، يكون النصاب في ذلك اليوم: ١، ٩٠ × ٥٩٥ = ١١٣٠، ٥ ريالًا. فمن كان عنده هذا =
стр. 474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= المبلغ من الريالات، وجبت عليه الزكاة، وإلا فلا.
(تتمة) هل الأوراق النقدية كالفلوس التي يذكرها الفقهاء؟ قال في الإقناع وشرحه: (والفلوس: كعروض التجارة فيها زكاة القيمة) كباقي العروض ولا يجزئ إخراج زكاتها منها (قال المجد: وإن كانت) الفلوس (للنفقة فلا) زكاة فيها كعروض القنية).
ولعلها الفلوس التي في زمانهم وهي التي تزاحم النقدين ولا تأخذ كل أحكامها، أما الأوراق النقدية اليوم فهي كالنقدين في السابق تماما، ومما يؤيد هذا ما قاله في المعونة (٣/ ١٦٦) في التعليل في وجوب الزكاة في المعدِن الذي من النقدين كلَّ حول، وعبارته: (إلا أن الخارج من المعدِن إن كان من جنس الأثمان وجبت فيه الزكاة عند كل حول؛ لأنه مظنة للنماء من حيث: إن الأثمان قيم الأموال، ورؤوس مال التجارات، وبها تحصل المضاربة والشركة)، والأوراق النقدية اليوم قيم الأموال ورؤوس مال التجارات وبها تحصل المضاربة والشركة، فهي كالنقدين تماما في هذه العلل الثلاث، وعليه فتجب فيها الزكاة مطلقا كالأثمان، والقول بعدم وجوب الزكاة فيها قياسا على الفلوس إلا إذا نوى بها التجارة بعيد جدا خاصة في زماننا، والله أعلم.
وقد حكى الشيخ السعدي أنه لا خلاف في وجوب الزكاة في الأوراق النقدية، ويرى الشيخ ابن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع أن الأوراق النقدية مما يجب فيه الزكاة. =
стр. 475
والمثقالُ: درهمٌ، وثلاثةُ أسباعِ درهمٍ.
ويُضمُّ الذَّهبُ إلى الفضَّةِ في تكميلِ النِّصابِ (١)، ويُخرِجُ من أيِّهمَا شاءَ (٢).
= وحكى صاحبُ كتاب (الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ) الشيخ علي الرميحي - وفقه الله -: أن عدم وجوب الزكاة في الأوراق النقدية من الآراء الشاذة، وأنه لا يعرف عالم معتبر اليوم يقول بعدم وجوبها، واتفقت عليه المجامع الفقهية. انتهى.
(١) ويكون الضم بالأجزاء، فمن كان عنده عشرة مثاقيل ذهب، ومئة درهم فضة، فإن عنده نصف نصاب ذهب، ونصف نصاب فضة، فمجموعهما نصاب كامل، فتجب عليه الزكاة، ولو كانت قيمة المئة درهم لا تبلغ قيمة عشرة مثاقيل من الذهب، وكذلك لو بلغ أحدهما نصابا ضم إليه ما نقص عن الآخر كما لو كان عنده عشرون مثقالا ذهبا ومائة درهم فإنه يضم المائة درهم مع العشرين مثقالا ويزكيهما، وكذلك: فإن قيمة العروض تضم إلى الذهب والفضة.
(٢) أي: إذا ضُم الذهب إلى الفضة في تكميل النِّصاب، فيجوز أن يُخرج الواجب من أي واحد منهما. والإخراج هنا إنما يكون بالقيمة فلو كانت زكاته خمسة دراهم فله أن يخرج قيمتها من الذهب، ولو كانت زكاته دينارا فله أن يخرج قيمته من الفضة.
وقد جعل الحنابلة الذهب والفضة جنسًا واحدًا في الزكاة، فأجازوا ضمهما في تكميل النصاب. أما في باب الربا، فإنهم =
стр. 476
ولا زكاةَ في حُليٍّ مباحٍ معدٍّ لاستعمالٍ، أو إعارةٍ (١).
وتجبُ: في الحليِّ المحرَّمِ (٢)، وكذا في المباحِ المعدِّ
= يعتبرونهما جنسين، فيجوز التفاضل في صرف الذهب بالفضة، أي: يجوز بيع جرامين من الذهب مثلًا بعشرين جرامًا من الفضة، واستدرك عليهم الشيخ ابن عثيمين في هذا الأمر، لكن ما ذكرنا هو المذهب.
(١) فيكفي أن تُعده المرأة للاستعمال، ولو لم يتم استعماله في واقع الأمر، أو أن تُعده للإعارة، ولو لم يستعره منها أحد، وحينئذ لا زكاة فيه. بل قالوا: حتى لو كان الحُلي من دراهم أو دنانير، كأن تتخذ المرأة عقدًا أو سلسلة من الذهب، وتضع فيها الدنانير أو الدراهم، وتلبسها، فلا زكاة فيها.
والقول بعدم وجوب الزكاة في الحلي لحديث: (ليس في الحلي زكاة) رواه الدارقطني، وهو قول أنس، وجابر، وابن عمر، وعائشة، وأسماء أختها - رضي الله تعالى عنهم أجمعين -، وهو قول الجمهور، واختيار شيخ الإسلام ﵀. أما الحنفية، فيرون أن فيه الزكاة، واختار هذا القول الشيخان: محمد ابن عثيمين، وابن باز - رحمهما الله -، وهو قول له وجاهة، وإن كان قول الجمهور أقرب إلى الصواب، والله أعلم. وقد صُنِفت مصنفات في مسألة زكاة الحلي.
(٢) من أمثلة الحُلي المحرم - كما في الإقناع -: طوق الرجل، وسواره، وخاتمه من الذهب الذي يلبسه هو. فتجب فيه الزكاة. لكن العِبرة في زكاة الحُلي المحرم بوزنه، لا قيمته. =
стр. 477
للكراءِ، أو النَّفقةِ (١)، إذا بلغَ نصاباً وزناً (٢). ويُخرجُ عن قيمتِهِ، إن زادت (٣).
= فلو كان وزنه مثلًا مئة جرام من الذهب، وقيمته مليون، فإننا نزكيه باعتبار المئة جرام، أما الصنعة، فهي محرمة، فلا قيمة لها شرعًا. فالاعتبار في بلوغه النصاب وفي الإخراج بالوزن.
(١) فلو اتخذ رجل - أو امرأة - حليًا يؤجره، أو ينفق منه، فإنه تجب فيه الزكاة.
(تتمة) أما ما يؤجره الإنسان من غير الحلي كالعقار والحيوانات، والسيارات، فلا تجب في عينه الزكاةُ صرح به في الإقناع.
(٢) فالحُلي المعد للكراء أو النفقة، إنما يعتبر وزنه في بلوغ النصاب، بخلاف الإخراج، وسيأتي إن شاء الله. فلو كان وزن الحليِّ من الذهب سبعين جرامًا، فلا زكاة فيه، ولو بلغت قيمته الملايين.
(٣) أي: إن زادت قيمته عن وزنه. فإذا كان وزن الحلي المباح المعد للكراء أو النفقة: مئة جرام، وقيمته مئتَا ألف، فإننا نعتبر في الإخراج بالقيمة فنخرج من عينه ما يقابل ربع عشر قيمته؛ لأن الصناعة فيه مباحة، وذلك أحظ للفقراء فالاعتبار في بلوغه النصاب بالوزن، وفي الإخراج بالقيمة، فإن لم تبلغ قيمته نصابا فيخرج منه لبلوغه نصابا وزنا، فإن لم يبلغ وزنه نصابا فلا زكاة فيه وإن بلغت قيمته نصابا على ما يظهر من كلامهم. =
стр. 478
فصل
وتحرمُ تحليةُ المسجدِ بذهبٍ أو فضَّةٍ (١).
= والحاصل: أن الحلي لا يخلو مما يلي:
١ - الحلي المحرم: فالاعتبار في بلوغه نصابا بالوزن، وفي الإخراج بالوزن أيضا فلا اعتبار بالصنعة المحرمة.
ومثل الحلي المحرم: الأواني المتخذة من أحد النقدين، وسرج ولجام؛ لأن الصناعة المحرمة كالعدم.
٢ - الحلي المباح لا يخلو أيضا:
أ - إن كان معدا للكراء أو النفقة: فالاعتبار في بلوغه النصاب بالوزن، وفي الإخراج بالقيمة؛ لئلا تفوت الصنعة على الفقراء، فإن لم يبلغ وزنه نصابا فلا زكاة فيه، وإن بلغت قيمته نصابا على ما يظهر.
ب - وإن كان الحلي معدا للتجارة: فالاعتبار في بلوغه النصاب بالقيمة، وفي الإخراج بالقيمة أيضا، ويقوم بنقد آخر، فإن لم تبلغ قيمته نصابا فينظر إلى وزنه فإن بلغت نصابا زكيت وإلا فلا. والله أعلم
(١) فتحرم تحلية المسجد - وغير المسجد أيضًا - بذهب أو فضة، ويجب إزالته وزكاته إذا بلغ نصابا بنفسه أو ضم إلى غيره، كما قاله في الإقناع والمنتهى، أما على مَنْ تكون الزكاة؟ فعلى المذهب، تكون على الذي أتى بالذهب أو الفضة وتبرع به؛ =
стр. 479
ويُباحُ للذَّكرِ: الخاتمُ منَ الفضَّةِ (١)، ولو زادَ على مثقالٍ (٢). وجعلُهُ بخنصرِ يسارٍ أفضلُ (٣).
= لأنه لم يزُل ملكه عنه، ويستثنى من ذلك: ما إذا عُلم أنه إذا استهلك بعرضه على النار فلا يجتمع منه شيء فلا تحرم استدامته وعليه فلا تجب إزالتُه؛ لأنه لا فائدة فيه، ولا زكاتُه؛ لأن ماليته ذهبت.
وذكر في معونة أولي النهى (٣/ ٢٥٤) هنا قاعدة: (ولا يلزم من جواز الاتخاذ جواز الصنعة كتحريم تصوير ما يداس مع جواز اتخاذه)، وصرح في الغاية (١/ ٣١٧) بهذه القاعدة فقال: (ولا يلزم من جواز استدامة واستعمال محرم جواز صنعته كاستعمال مصور).
(تتمة) نص في الإقناع: أنه لو وقف على مسجد قنديلا من ذهب أو فضة لم يصح الوقف؛ لأنه لا ينتفع به مع بقاء عينه ويحرم هذا العمل، وقال الموفق: هو بمنزلة الصدقة به على المسجد، فيُكسر، ويُصرف في مصالح المسجد وعمارته.
(١) حُكم الخاتم مبني على نوعه، ومادته، وسيأتي التفصيل في حُكمه. فلا يطلق أن لبس الخاتم سنة، أو ليس بسنة.
قال في الغاية: (ولو بقصد تزيين بخاتم فأكثر)، وفي الإقناع: (والأظهر جواز لبس خاتمين فأكثر جميعا)، قال البهوتي: (إن لم يخرج عن العادة).
(٢) والمثقال - كما تقدم - يساوي: ٤، ٢٥ جم.
(٣) أي: أفضل من لبسه بخنصر اليمين. والسُّنَّة أن يُجعَل فصه =
стр. 480
وتباحُ: قبيعةُ السَّيفِ فقط - ولو من ذهبٍ - (١)، وحِليةُ
= - بفتح الفاء، وكسرها، كما قال النووي - مما يلي كفه؛ لما روى مسلم أنه ﷺ كان «يجعل فصه في باطن كفه».
ونقل الشيخ منصور في الكشاف عن الفروع: (كان ابن عباس ﵄ وغيره يجعله مما يلي ظهر كفه رواه أبو داود والترمذي وغيرهما)، قال النووي ﵀ في شرح مسلم: (قال العلماء: لم يأمر النبي ﷺ في ذلك بشيء، فيجوز جعل فصه في باطن كفه، وفي ظاهرها، وقد عمل السلفُ بالوجهين، وممن اتخذه في ظاهرها ابن عباس ﵄. قالوا: ولكن الباطن أفضل؛ اقتداءً به ﷺ ، ولأنه أصونُ لفصه وأسلم له، وأبعد من الزهو والإعجاب). انتهى كلامه ﵀
قال الشارح التغلبي: (وكره بسبابة ووسطى)؛ لحديث علي: (نهاني النبي ﷺ أن أتختم في أصبعي هذه وهذه وأومئ إلى الوسطى والتي تليها) رواه مسلم، قال الشيخ منصور في شرح المنتهى: (وظاهره لا يكره في غيرهما اقتصارا على النص وإن كان الخنصر أفضل)، ويباح في البنصر والإبهام.
(١) قبيعة السيف: ما يُجعل على طرف قبضة السيف. وتُباح من الذهب. ومما يباح من الذهب أيضًا للرجل: ما دعت إليه ضرورة - لا ما دعت إليه حاجة - كأنف وشد أسنان. (تتمة) وقول الماتن: (وتباح قبيعة السيف فقط ولو من الذهب): أي: أن قبيعة السيف هي التي تجوز من الذهب، ومن الفضة من باب أولى، وأما ما ذكر بعدها فلا تجوز إلا من الفضة.
стр. 481
المِنطَقَةِ (١)، والجَوشَنِ (٢)، والخُوذَةِ (٣)، لا الرِّكابِ (٤)، واللِّجامِ (٥)، والدَّواةِ (٦).
ويُباحُ للنِّساءِ: ما جرت عادتُهنَّ بلُبسِهِ (٧)، ولو زادَ على ألفِ مثقالٍ.
(١) أي: ويباح من الفضة: حِلية المنطقة وهي: ما يُشد على الوسط.
(٢) والمراد: حلية الجوشن، وليس نفس الجوشن. والجوشن هو: الدرع.
(٣) أي: يجوز تحليتها بالفضة. والخُوذَة - كما في المطلع -: (البيضة ولم أره في كلام العرب)، وهي التي يلبسها المحارِب على رأسه.
(٤) والركاب: للسرج ما توضع فيه الرِّجل وهما ركابان، فلا يجوز أن يُتَخذ من الذهب أو الفضة، ولا أن يحلى منهما.
(٥) أي: الحديدة التي توضع في فم الفرس. يقول في المعجم الوسيط: (ثم سموها مع ما يتصل بها من سيور لجاما)، فلا يجوز أن يحلى اللجام بالفضة.
(٦) وهي: المحبرة التي يُوضع فيها الحبر، فلا يجوز هذه أن تُتخذ من الذهب ولا من الفضة، ولا أن تحلى بأحدهما.
(٧) أي: ما جرى لبسُ مثلِه في العادة في المكان الذي يلبس فيه عادة كسوار، وطوق، وقُرط، وخَلْخَال، أما ما لم تجر العادة بلبس مثله كالنعال المذهبة أو التي صنعت من ذهب فمحرمة، وفيها الزكاة. قال الشيخ منصور في الكشاف: (وظاهره: أن =
стр. 482
وللرَّجلِ، والمرأةِ: التَّحلِّي بالجوهرِ، والياقوتِ، والزَّبَرجَدِ (١).
وكُرهَ تختُّمُهما بالحديدِ (٢)، والرَّصاصِ، والنُّحاسِ.
ويُستحبُّ بالعقيقِ (٣).
= ما لم تجر العادة بلبسه كالنعال المذهبة، لا يباح لهن؛ لانتفاء التجمل، فلو اتخذته حرم، وفيه الزكاة).
أما النظارة للنساء من الذهب في عصرنا، ففيه تردد، والظاهر تحريمها؛ لعدم جريان عادة النساء بلبسها من الذهب، والله أعلم.
(١) فيجوز لهما التحلي بكل هذه الجواهر الثمينة، قال في الإنصاف: (على الصحيح من المذهب، وذكر أبو المعالي: يكره ذلك للرجل للتشبه، قال في الفروع: مراده غير تختمه بذلك. انتهى).
(٢) لأنها حلية أهل النار.
(٣) تبعًا للمنتهى. أما في الإقناع، فقال: ويُباح التختم بالعقيق. والعقيق نوع من الحجارة. وقد سألت الذين يصنعون الخواتيم ويبيعونها - خاصة في مكة والمدينة - عن ذلك، فذكروا لي أن الخاتم نفسه لا يصنع من العقيق؛ لأن العقيق لا يتحمل ذلك، وإنما يُجعل الفص من العقيق. والله أعلم. لكن ظاهر كلام الحنابلة أن يُجعل كل الخاتم من العقيق.
(تتمة) خلاصة حُكم لُبس الخاتم، أنه: ١ - إذا كان من الفضة، فهو مُباح، ومال السفاريني في شرح عمدة الأحكام أنه سنة. ٢ - وإذا كان من الحديد، والرصاص، والنحاس، =
стр. 483
باب زكاة العروض
وهيَ: ما يُعَدُّ للبَيعِ والشراءِ لأجلِ الرِّبحِ (١).
= فهو مكروه. ٣ - وإذا كان من العقيق، فهو مُستحب على ما في المنتهى، بخلاف صاحب الإقناع، فاقتصر على الإباحة دون الاستحباب. ٤ - ويحرم إن كان من ذهب للرجل أو فيه صورة حيوان مطلقا.
(١) العروض لغة: جمع عَرْض - بسكون الراء -، وهو ما عدا الأثمان من الحيوان، والثياب، والمتاع … ، أما في الاصطلاح، فهي: ما يعد للبيع والشراء لأجل الربح، كما ذكر المؤلف. فكل ما يُعده الإنسان ليبيع فيه ويشتري بقيمته ناويًا بذلك الربح والتَّكسُّب، فإنه يكون من عروض التجارة.
والعرْض إما أن يكون عينا كسيارة أو قماش، وإما أن تكون منفعة، زاد في الغاية بعد ذكر كلام المؤلف: (ولو منفعة)، والمراد بالمنفعة: كمن يستأجر عقارًا ويؤجره فإنه يجب عليه زكاته كل سنة، فعليه زكاة إذا حال الحول على منفعة يقومها وتجب على الأجرة، بخلاف من ملك سكنا ثم أجره فإن عينه لاتجب الزكاة فيها، لكن تجب في الأجرة.
(تتمة) وجوب الزكاة في عروض التجارة هو قول عامة أهل العلم، قال الشيخ منصور في الكشاف: (في قول الجماهير =
стр. 484
فتُقَوَّمُ إذا حالَ الحولُ (١) - وأوَّلُهُ من حينِ بلوغِ القيمةِ نصاباً - بالأحظِّ للمساكينِ (٢) من ذَهَبٍ، أو فضَّةٍ (٣).
= وادعاه ابن المنذر إجماع أهل العلم وقال المجد: وهو إجماع متقدم لقوله تعالى ﴿في أموالهم حق معلوم﴾ [المعارج: ٢٤] وقوله ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] ومال التجارة أعم الأموال فكان أولى بالدخول ولحديث أبي ذر مرفوعا «وفي البز صدقة» رواه أحمد ورواه الحاكم من طريقين وصحح إسنادهما وقال: إنه على شرط الشيخين واحتج أحمد بقول عمر لحماس بكسر الحاء المهملة " أدِّ زكاة مالك فقال: ما لي إلا جباب وأدم فقال: قومها وأد زكاتها رواه أحمد وسعيد وأبو عبيد وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم وهو مشهور، ولأنه مال نام فوجبت فيه الزكاة كالسائمة).
وبعض المعاصرين يرى عدم وجوب الزكاة في العروض، والعمل بهذا القول مشكل جدًا؛ إذ عامة أموال الناس في وقتنا - خاصة في الجزيرة العربية - من العروض، بخلاف الماشية، والحبوب، والثمار، فإنها قليلة.
(١) أي: تُقوَّم العروض إذا حال الحول عليها؛ لأنه وقت الوجوب بالنسبة لها.
(٢) هكذا في المنتهى، وفي الإقناع: (وتقوم العروض عند الحول بالأحظ لأهل الزكاة وجوبا)، قال الخلوتي: (وعبارة الإقناع أولى).
(٣) يشترط لوجوب الزكاة في العروض ثلاثة شروط: (الشرط =
стр. 485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الأول) أن تبلغ قيمتها نصابًا. والنِّصاب معتبر بالأحظ للمساكين من ذهبٍ أو فضة. فإذا بلغت قيمة العروض ما يعدل نصابًا من الذهب أو نصابًا من الفضة، وجبت فيها الزكاة. وقد قمت بحساب النصابَين قبل أيام، فوجدتُ نصاب الفضة ١١٣٠، ٥ ريالًا تقريبًا، ونصاب الذهب ١٢٠٠٠ ريال تقريبًا. وبناءً على ذلك، فإن تقدير النصاب بالفضة يكون أحظ للمساكين، وهو كذلك منذ قرون. فباعتبار ذلك النصاب الذي تم حسابه، إذا بلغت قيمة العروض ١١٣٠، ٥ ريالًا، وجبت فيها الزكاة.
(تنبيه) تقوم كل عروض العروض بالأحظ لأهل الزكاة، حتى لو كانت العروض ذهبا أو فضة، فإذا ملك مثلا من الذهب قدرا - لا يبلغ نصاب الذهب - ما يساوي قيمة نصاب الفضة وجبت فيه الزكاة، كما لو ملك من السائمة الغنم أقل من أربعين وبلغت قيمتها نصابا من أحد النقدين وجبت فيها الزكاة، قال في الكافي: (ولو كان أثماناً قومه كالسلع؛ لأنه وجد فيه معنيان يقتضيان الإيجاب فيعتبر ما يتعلق به الإيجاب كالسوم والتجارة، فإن بلغ نصاباً من كل واحد منهما قومه بما هو أحظ للفقراء).
(تتمة) (الشرط الثاني) أن ينوي بها التجارة حال التملك بأن ينوي بها التكسب، وسيأتي.
قال في الإقناع: (إلا أن يملكها بفعله بنية التجارة حال التملك بأن يقصد التكسب بها: =
стр. 486
فإن بلغتِ القيمةُ نصابًا، وَجَبَ رُبعُ العُشرِ، وإلا فلا (١).
وكذا أموالُ الصَّيارِفِ (٢).
ولا عبرةَ بقيمةِ آنيةِ الذَّهبِ والفضَّةِ، بل بوزنِها (٣)، ولا بما
= ١ - إما بمعاوضة محضة: كالبيع والإجارة والصلح عن المال بمال والأخذ بالشفعة والهبة المقتضية للثواب، أو استرد ما باعه، ٢ - أو غير محضة: كالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد، ٣ - أو بغير معاوضة: كالهبة المطلقة والغنيمة والوصية والإحتشاش والإحتطاب والإصطياد).
(الشرط الثالث) أن يتملك العروض بفعله. وما يدخل في ملك الإنسان قسمان: ١ - ما يتملكه بفعله كالبيع، والشراء، وقبول الهبة .. ، ٢ - ما يتملكه قهرًا كالميراث، وكذلك اللقطة بعد حول التعريف، فإنها تدخل في ملك الملتقِط قهرًا، وهي تقريبًا أربعة أمور تملك قهرًا، لا بفعل الإنسان، فلا تجب فيها زكاة العروض.
(١) أي: فإن لم تبلغ قيمتُها نصابًا، فلا تجب فيها الزكاة. وإيجاد رُبع العُشر الواجبِ إخراجه يكون بقسمة القيمة على العدد (٤٠)، وتقدم.
(٢) الصيارف: هم الذين ينصبون أنفسَهم للصرف، فتجب عليهم الزكاة إن بلغت قيمة ما بأيديهم نصابا من أحد النقدين، وهذه المسألة تذكر في بداية كتاب الزكاة في كون الإبدال في أموال الصيارف لا ينقطع به الحول.
(٣) لأن الصناعة الموجودة فيها مُحرمةٌ، فلا قيمة لها شرعًا، =
стр. 487
فِيهِ صناعةٌ محرَّمةٌ، فيُقوَّمُ عارياً عنها (١).
= فالمعتبر في بلوغ نصاب آنية الذهب والفضة بالوزن، وكذا في إخراج زكاتها لا بالقيمة، وتقدم في باب زكاة الأثمان.
(١) فلا عبرة بالقيمة المتعلقة بالصناعة المحرمة. أما قوله (فيقوُّم عاريًا عنها) أي: خاليا عن الصناعة المحرمة؛ لأنها لا قيمة لها شرعا، قال التغلبي: (بأن يقوم الطنبور ونحوه سبيكة) أي خشبا بدون الصناعة التي فيه، وقال ابن عوض: (كالأمة المغنية، والزامرة، والضاربة بآلة لهو).
(تنبيه) قول الماتن: (فيقوم عاريا عنها): هذا ينطبق على ما فيه صفة محرمة مثل المغنية وغير ما صنع من النقدين كالطنبور، أما ما فيه صناعة محرمة مما هو مصنوع من النقدين فلا تنطبق عليه؛ لأن الاعتبار في بلوغه النصاب وفي الإخراج بوزنه لا بقيمته، ولم أقف على هذه العبارة: (فيقوم عاريا عنها) في الإقناع ولا المنتهى، وإنما اقتصر في المنتهى على أن المغنية تقوم ساذجة - بفتح الذال المعجمة أي: مجردة عن معرفة ذلك؛ لأنها لا قيمة لها شرعا - وأنه لا عبرة بقيمة آنية الذهب والفضة، ومثله الإقناع، وفي الغاية: (ولا اعتبار بصفة أو صنعة محرمة فتقوم مغنية ساذجة، وحلي محرم بوزنه كآنية نقد) والمغنية الساذجة مثال للصفة المحرمة، والحلي المحرم مثال للصنعة المحرمة، وقال البهوتي في الكشاف: (إلا المغنية، فتقوم ساذجة) لأن صنعة معرفة الغناء لا قيمة لها وكذا الزامرة والضاربة على آلة لهو، وكل ذي صناعة محرمة).
стр. 488
ومَن عندَهُ عَرضٌ للتِّجارةِ، أو وَرِثَهُ، فنواهُ للقنيةِ (١)، ثُم نواهُ للتِّجارةِ، لم يصِر عَرضاً بمجرَّدِ النِّيةِ (٢)، غيرَ حُلِيِّ اللُّبسِ (٣).
(١) المراد بالقنية - بضم القاف، وكسرها -: أن يُقتنى، ويُستعمل.
(٢) فمن كان عنده عرض للتجارة كسيارة يبيعها، ومضى على ذلك ستة أشهر مثلًا، ثم نوى ترك بيعها، وأن يستعملها لنفسه، فإن حول التجارة ينقطع. ثم لو بدا له بعد شهرين مثلًا أن يعود فيتاجر بها، فلا تنقلب عرض تجارة بمجرد النية.
ومثل ذلك أن يكون للإنسان هاتف يستعمله، ثم ينوي بيعَه، فلا يصير للتجارة، بل إذا باعه، وقبض ثمنَه بنية التجارة، فهنا يصير للتجارة، ويبدأ حولُ العروض، وقد نص على هذا صاحب الغاية فقط، ثم وجدته في الكافي، قال: (ولو نوى بتملكه أنه للتجارة، ثم نواه للقنية صار للقنية؛ لأنها الأصل، وإن نوى بعدُ للتجارة لم يصر لها حتى يبيعه). فليس المراد بقولهم: (لا يكون للتجارة) أنه لا زكاة عليه، ولو بقي يبيع ويشتري بمال الهاتف، كما قد يتبادر إلى ذهن بعض الطلاب.
أما الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ فيرى أن حول العروض يبدأ عندما ينوي أن يحول العرض من القنية إلى التجارة.
(٣) الحُلي الذي تستعمله المرأة للبس لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه للقُنية، وتقدم، لكن متى ما نوت به التجارة، بدأ الحول من حين النية، فلا يُشترط أن تبيعه، وتقبض ثمنه، بخلاف ما تقدم. وسبب ذلك أن الأصل وجوب الزكاة في الحلي، وتُرك ذلك في الذي يُعد للاستعمال. =
стр. 489
وما استُخرجَ مِنَ المعادنِ (١)، ففيهِ بمجرَّدِ إحرازِهِ: رُبعُ
= (تتمة) وهل يشترط أن يكون الحلي من نقد حتى يصير للتجارة بمجرد النية؟
قال النجدي: (أي: من نقد) فيشترط أن يكون من نقد، فإن كان من غير النقد فلا يصير للتجارة بمجرد النية، وفي الغاية: (ويتجه: ولو كان من غير النقد) ووافقه الشارح، وخالفه الشطي ومال إلى النجدي والعلة: أنه إذا كان الحلي من النقد فإنه رده إلى الأصل الذي هو التجارة؛ بخلاف ما إذا كان من غير نقد فإنه يدخل في المسألة التي قبلها؛ لأن غير النقد الأصل فيه القنية فإذا نواه للتجارة لم يصر لها ودخل في المسألة التي قبلها. (مخالفة)
(١) سيتناول المؤلف زكاة المعادن. والمعدن: كل متولد من الأرض لا من جنسها، وليس نباتًا، وذلك كالذهب، والفضة، والجوهر، والصُّفر، والرصاص، والبترول، والملح، والزئبق … فليست المعادن مقتصرة على الذهب، والفضة، والحديد، ونحوها.
والمعادن تنقسم إلى قسمين: ١ - معادن جارية: وهي التي لها مادة لا تنقطع، كلما أُخذ منه خَلَفَه غيرُه، كالملح، والنفط، أي: البترول، وليس المراد أنه لن يجف، بل سيجف في يوم من الأيام، لكن المقصود أنه يخلفه غيره، وموجود بكمية كبيرة جدًا، أو أن الله يخلق منه مرة أخرى، مثل الملح. فهذه المعادن تجب زكاتها على من أحرزها، سواء كان مالكًا =
стр. 490
العُشرِ (١)
= للأرض أو لا. ولا تُملك المعادن الجارية بملك الأرض. فلو أن الدولة حفرت في أرض شخص، ووجدت بترولًا، فأحرزته في براميل، فإنه للدولة.
٢ - المعادن الجامدة: وهي التي لها مادة تنقطع كالحديد، والذهب، والفضة. فإذا استُخرِج، لم يخلفه غيره، ولا يأتي بعده مثله. فهذه المعادن تُملك بملك الأرض، فتكون لصاحب الأرض، سواء استخرجه هو أو غيره، بإذن صاحب الأرض أو بغير إذنه. فمن أتى بعامل يحفر عنده، فوجد ذهبًا أو فضة في أرضه، فإنها تكون ملكًا لصاحب الأرض، ولا تجب زكاتها إلا إذا حصلت في يده.
(١) لعموم قوله تعالى: (ومما أخرجنا لكم من الأرض) ويتعلق بزكاة المعدن وقتان: وقت وجوب، ووقت استقرار، أما وقت وجوب، فهو بمجرد رؤية وظهور المعدن، فتجب فيه الزكاة، ووقت الاستقرار: بالإحراز، فإذا أحرزه استقر الوجوب فإن تلف بعد الاستقرار ضمن زكاته محرزُه.
(تتمة) ويشترط لوجوب الزكاة في المعدن شرطان:
الشرط الأول: أن يبلغ وزنه نصابا إن كان ذهبا أو فضة، وإن كان من غيرهما فيشترط أن تبلغ قيمته نصابا من الذهب أو الفضة.
الشرط الثاني: كون المخرج من أهل الوجوب: وهو: الحر المسلم، فإن كان كافرا أو عبدا فلا تجب الزكاة.
стр. 491
إن بلغتِ القيمةُ نصابا بعدَ السَّبكِ، والتَّصفيةِ (١).
(١) سبك المعادن: هو إذابتها، وتنقيتها من الشوائب، وإفراغها في قوالب، والتصفية: هي التنقية.
فبعد أن يذاب المعدن، ويُصفى، ينظر هل بلغ نصابًا أم لا؟ فإن بلغ نِصابًا، وجبت فيه الزكاة، وإلا فلا. وتقدم أول كتاب الزكاة أن المعادن من الأموال التي لا يُجزئ إخراج الزكاة من عينها إلا إذا كانت من الذهب والفضة. فإذا كانت من الذهب والفضة، ففيها رُبع عُشر عينها. وإن كانت من غيرهما، قُدرت قيمتها بأحد النقدين، وأُخرج رُبع العُشر من النقدين فقط، لا من نفس الحديد، أو النحاس.
وإذا أردت أن تخرج ربع عشر الشيء فاقسمه على العدد (٤٠).
стр. 492
باب زكاة الفطر
تجبُ (١) بأوَّلِ ليلةِ العيدِ (٢)، فمَن ماتَ أو أعسرَ قَبلَ
(١) زكاة الفطر هي الصدقة عن البدن، وهي واجبة بالفطر من رمضان، ولو لم يصم رمضان كالصغير؛ لحديث ابن عمر ﵄: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، على العبد والحر، والذَّكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين»، رواه الجماعة.
(تتمة): هل يمنع الدينُ وجوبَ زكاة الفطر؟
زكاة الفطر لا يمنع من وجوبها الدين؛ لأنها تجب على البدن والدين لا يؤثر فيه بخلاف زكاة المال، إلا مع المطالبة من الدائن فتسقط لوجوب أدائه بالطلب، بخلاف زكاة المال فإن الدين مانع من الزكاة بقدره حتى لو لم يطالب به الدائن، وألحق اللبدي بذلك إذا حل الدين المؤجل فإنه يمنع وجوب زكاة الفطر، قال: (على الصحيح). (فرق فقهي).
(٢) فوقت وجوب زكاة الفطر: غروب الشمس ليلة العيد، لكن الأفضل إخراجها بعد طلوع الفجر الثاني من يوم العيد، وقبل الصلاة، وسيأتي، فهذا من الفروق بين الفطرة وسائر الأموال. فكل الأموال الزكوية إذا وجبت فيها الزكاة، وجب إخراجها فورًا. أما زكاة الفطر فالأفضل فيها أن تؤخر عن =
стр. 493
الغروبِ، فلا زكاةَ عليهِ (١)، وبعدَهُ تستقرُّ في ذمَّتِهِ (٢).
وهِيَ واجبةٌ على كلِّ مسلمٍ يجدُ ما يَفضُلُ عن قوتِهِ، وقوتِ عيالِهِ يومَ العِيدِ وليلَتَهُ (٣)، بعدَ ما يحتاجُهُ مِنْ مسكنٍ، وخادمٍ،
= وقت وجوبها. (فرق فقهي)
(١) أي: إذا مات الإنسان قبل غروب الشمس ليلة العيد، لم تجب عليه زكاة الفطر، أي: لا يجب على الورثة أن يخرجوها عنه، وكذا من صار معسرًا، فلا يستطيع إخراجها قبل الغروب، فلا زكاة عليه؛ لعدم وجود سبب الوجوب.
(٢) أي: لو مات أو أعسر بعد الغروب، فإنها تستقر في ذمته، وتكون دينًا في تركته، فتؤدى من ميراثه، كما قال ابن عوض، وكذلك من عقد على امرأة عصر آخِر يوم من رمضان مثلًا فإنه لا تجب عليه فطرتها إلا إذا تَسلَّمها - أي: ذهبت إلى بيته - قبل الغروب، وإلا ففطرتها على أبيها.
(٣) يشترط فيمن تجب عليه زكاة الفطر: (الشرط الأول): أن يكون مسلمًا، والمراد: المسلم الذي تلزمه مؤنة نفسه، كما في المنتهى. فإن لم تلزمه مؤنة نفسه، فلا تجب عليه زكاة الفطر، وإنما تجب على من تلزمه النفقة عليه كالابن والزوجة والأقارب الذين تلزمه مؤنتهم. (الشرط الثاني): أن يكون حرًا. (الشرط الثالث): أن يكون غنيًا، وضابط الغنى في زكاة الفطر: أن يجد ما يفضل - ولو أقل من صاع - عن قوته وقوت عياله، يوم العيد وليلته فقط. فإن فضل شيء بعد ذلك الزمن، وجب إخراجه في زكاة الفطر، ولو كان أقل من صاع؛ لقوله =
стр. 494
ودابَّةٍ، وثيابِ بِذلَةٍ، وكتبِ علمٍ (١).
وتلزمُهُ: عن نفسِهِ، وعمَّن يمونُهُ مِنَ المسلمينَ (٢).
فإنْ لم يجِد لجميعِهم، بَدَأَ بنفسِهِ (٣)، فزوجتِهِ، فرقيقِهِ،
= تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
(١) المراد بثياب بذلة - بفتح الباء، والكسر لغة -: ما يمتهن من الثياب في الخدمة، والمراد بكتب علم: التي يحتاجها لنظرٍ وحفظ، كما قال الشارح.
(٢) فيلزم الإنسان أن يُخرِج الزكاة عن نفسه، وعمن يمونه - أي: من يجب أن يُنفق عليه - من المسلمين؛ لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «أدوا الفطرة عمن تمونون»، رواه البيهقي والدارقطني وصوب وقفه، وحسنه الألباني.
ويدخل فيه: أ- من تلزمه مؤنته من ولد وغيره قال اللبدي: (ولو لم يمنه بالفعل) ويخرجها المنفق مكان إقامته، ب- من تبرع بمؤنته في كل شهر رمضان، فإن تبرع له ببعضه أو جماعة فلا تجب عليهم فطرته؛ لعدم انفراد أحدهم بجميع الشهر قاله ابن عوض.
أما الشيخ محمد بن عثيمين، فلا يُوجب على الأب أن يُخرِج عن أولاده ولا عن زوجته. وقد حكى الشيخ عبد الله بن عبد العزيز الجبرين في شرح عمدة الفقه الإجماعَ على أن الأب يجب عليه أن يخرج زكاة الفطر عن أولاده الصغار، وكذا عن الزوجة الفقيرة.
(٣) وجوبًا، كما في الإقناع.
стр. 495
فأمِّهِ (١)، فأبِيهِ (٢)، فولدِهِ، فأقرَبَ في الميراثِ.
وتجبُ على مَنْ تبرَّعَ بمُؤنةِ شخصٍ شهرَ رمضانَ (٣)، لا على مَنِ استأجَرَ أجيرًا بطعامِهِ (٤).
(١) أي: فإن فضل شيء بعد من تقدم، أخرج عن أمه؛ لما ورد في الحديث: (أمك ثم أمك ثم أمك) متفق عليه.
(٢) لحديث: (أنت ومالك لأبيك) أخرجه ابن ماجه.
(٣) فمن تبرع بمؤنة - أي: نفقة - شخص شهر رمضان وجب عليه أن يُخرِج فطرته؛ لحديث: (أدوا الفطرة عمن تمونون)، أما من يتبرع بإفطار أناس جميع شهر رمضان فلا تجب عليه فطرتهم؛ لأنه لم يتبرع بمؤنتهم، وإنما تبرع بإفطارهم، والظاهر أن النفقة تشمل ثلاثة أمور: ١ - الطعام، ٢ - المسكن، ٣ - الكسوة، فإذا أطعمه فقط، أو أسكنه في بيت له فقط، أو كساه فقط فلا تلزمه فطرته حتى يجمع له هذه الثلاثة في شهر رمضان.
(٤) المراد بقوله (بطعامه)، أي: الأجرة، أو الراتب، ومن أمثلة الأجير: السائق، والخادمة، فلا يجب على كفيلهما أن يخرج الفطرة عنهما؛ لأن لهما راتبًا، هكذا يذكر البعض، وعندي في المسألة تردد؛ لأن الخادمة تأكل من طعام البيت، وتسكن في البيت، فإن كانت صاحبة البيت تشتري لها اللباس، تمت لها أركان النفقة، ودخلت تحت من يتبرع صاحب البيت بنفقته جميع شهر رمضان.
ومحل الإشكال في وجوب الفطرة عنها، لا إن تبرع بإخراج =
следующие страницы →