← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30004

فيض الجليل على متن الدليل

أحمد بن ناصر القعيمي

Полный текст (2 012 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

إن بلغتِ القيمةُ نصابا بعدَ السَّبكِ، والتَّصفيةِ (١). (١) سبك المعادن: هو إذابتها، وتنقيتها من الشوائب، وإفراغها في قوالب، والتصفية: هي التنقية. فبعد أن يذاب المعدن، ويُصفى، ينظر هل بلغ نصابًا أم لا؟ فإن بلغ نِصابًا، وجبت فيه الزكاة، وإلا فلا. وتقدم أول كتاب الزكاة أن المعادن من الأموال التي لا يُجزئ إخراج الزكاة من عينها إلا إذا كانت من الذهب والفضة. فإذا كانت من الذهب والفضة، ففيها رُبع عُشر عينها. وإن كانت من غيرهما، قُدرت قيمتها بأحد النقدين، وأُخرج رُبع العُشر من النقدين فقط، لا من نفس الحديد، أو النحاس. وإذا أردت أن تخرج ربع عشر الشيء فاقسمه على العدد (٤٠).

стр. 492

باب زكاة الفطر تجبُ (١) بأوَّلِ ليلةِ العيدِ (٢)، فمَن ماتَ أو أعسرَ قَبلَ (١) زكاة الفطر هي الصدقة عن البدن، وهي واجبة بالفطر من رمضان، ولو لم يصم رمضان كالصغير؛ لحديث ابن عمر ﵄: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، على العبد والحر، والذَّكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين»، رواه الجماعة. (تتمة): هل يمنع الدينُ وجوبَ زكاة الفطر؟ زكاة الفطر لا يمنع من وجوبها الدين؛ لأنها تجب على البدن والدين لا يؤثر فيه بخلاف زكاة المال، إلا مع المطالبة من الدائن فتسقط لوجوب أدائه بالطلب، بخلاف زكاة المال فإن الدين مانع من الزكاة بقدره حتى لو لم يطالب به الدائن، وألحق اللبدي بذلك إذا حل الدين المؤجل فإنه يمنع وجوب زكاة الفطر، قال: (على الصحيح). (فرق فقهي). (٢) فوقت وجوب زكاة الفطر: غروب الشمس ليلة العيد، لكن الأفضل إخراجها بعد طلوع الفجر الثاني من يوم العيد، وقبل الصلاة، وسيأتي، فهذا من الفروق بين الفطرة وسائر الأموال. فكل الأموال الزكوية إذا وجبت فيها الزكاة، وجب إخراجها فورًا. أما زكاة الفطر فالأفضل فيها أن تؤخر عن =

стр. 493

الغروبِ، فلا زكاةَ عليهِ (١)، وبعدَهُ تستقرُّ في ذمَّتِهِ (٢). وهِيَ واجبةٌ على كلِّ مسلمٍ يجدُ ما يَفضُلُ عن قوتِهِ، وقوتِ عيالِهِ يومَ العِيدِ وليلَتَهُ (٣)، بعدَ ما يحتاجُهُ مِنْ مسكنٍ، وخادمٍ، = وقت وجوبها. (فرق فقهي) (١) أي: إذا مات الإنسان قبل غروب الشمس ليلة العيد، لم تجب عليه زكاة الفطر، أي: لا يجب على الورثة أن يخرجوها عنه، وكذا من صار معسرًا، فلا يستطيع إخراجها قبل الغروب، فلا زكاة عليه؛ لعدم وجود سبب الوجوب. (٢) أي: لو مات أو أعسر بعد الغروب، فإنها تستقر في ذمته، وتكون دينًا في تركته، فتؤدى من ميراثه، كما قال ابن عوض، وكذلك من عقد على امرأة عصر آخِر يوم من رمضان مثلًا فإنه لا تجب عليه فطرتها إلا إذا تَسلَّمها - أي: ذهبت إلى بيته - قبل الغروب، وإلا ففطرتها على أبيها. (٣) يشترط فيمن تجب عليه زكاة الفطر: (الشرط الأول): أن يكون مسلمًا، والمراد: المسلم الذي تلزمه مؤنة نفسه، كما في المنتهى. فإن لم تلزمه مؤنة نفسه، فلا تجب عليه زكاة الفطر، وإنما تجب على من تلزمه النفقة عليه كالابن والزوجة والأقارب الذين تلزمه مؤنتهم. (الشرط الثاني): أن يكون حرًا. (الشرط الثالث): أن يكون غنيًا، وضابط الغنى في زكاة الفطر: أن يجد ما يفضل - ولو أقل من صاع - عن قوته وقوت عياله، يوم العيد وليلته فقط. فإن فضل شيء بعد ذلك الزمن، وجب إخراجه في زكاة الفطر، ولو كان أقل من صاع؛ لقوله =

стр. 494

ودابَّةٍ، وثيابِ بِذلَةٍ، وكتبِ علمٍ (١). وتلزمُهُ: عن نفسِهِ، وعمَّن يمونُهُ مِنَ المسلمينَ (٢). فإنْ لم يجِد لجميعِهم، بَدَأَ بنفسِهِ (٣)، فزوجتِهِ، فرقيقِهِ، = تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. (١) المراد بثياب بذلة - بفتح الباء، والكسر لغة -: ما يمتهن من الثياب في الخدمة، والمراد بكتب علم: التي يحتاجها لنظرٍ وحفظ، كما قال الشارح. (٢) فيلزم الإنسان أن يُخرِج الزكاة عن نفسه، وعمن يمونه - أي: من يجب أن يُنفق عليه - من المسلمين؛ لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «أدوا الفطرة عمن تمونون»، رواه البيهقي والدارقطني وصوب وقفه، وحسنه الألباني. ويدخل فيه: أ- من تلزمه مؤنته من ولد وغيره قال اللبدي: (ولو لم يمنه بالفعل) ويخرجها المنفق مكان إقامته، ب- من تبرع بمؤنته في كل شهر رمضان، فإن تبرع له ببعضه أو جماعة فلا تجب عليهم فطرته؛ لعدم انفراد أحدهم بجميع الشهر قاله ابن عوض. أما الشيخ محمد بن عثيمين، فلا يُوجب على الأب أن يُخرِج عن أولاده ولا عن زوجته. وقد حكى الشيخ عبد الله بن عبد العزيز الجبرين في شرح عمدة الفقه الإجماعَ على أن الأب يجب عليه أن يخرج زكاة الفطر عن أولاده الصغار، وكذا عن الزوجة الفقيرة. (٣) وجوبًا، كما في الإقناع.

стр. 495

فأمِّهِ (١)، فأبِيهِ (٢)، فولدِهِ، فأقرَبَ في الميراثِ. وتجبُ على مَنْ تبرَّعَ بمُؤنةِ شخصٍ شهرَ رمضانَ (٣)، لا على مَنِ استأجَرَ أجيرًا بطعامِهِ (٤). (١) أي: فإن فضل شيء بعد من تقدم، أخرج عن أمه؛ لما ورد في الحديث: (أمك ثم أمك ثم أمك) متفق عليه. (٢) لحديث: (أنت ومالك لأبيك) أخرجه ابن ماجه. (٣) فمن تبرع بمؤنة - أي: نفقة - شخص شهر رمضان وجب عليه أن يُخرِج فطرته؛ لحديث: (أدوا الفطرة عمن تمونون)، أما من يتبرع بإفطار أناس جميع شهر رمضان فلا تجب عليه فطرتهم؛ لأنه لم يتبرع بمؤنتهم، وإنما تبرع بإفطارهم، والظاهر أن النفقة تشمل ثلاثة أمور: ١ - الطعام، ٢ - المسكن، ٣ - الكسوة، فإذا أطعمه فقط، أو أسكنه في بيت له فقط، أو كساه فقط فلا تلزمه فطرته حتى يجمع له هذه الثلاثة في شهر رمضان. (٤) المراد بقوله (بطعامه)، أي: الأجرة، أو الراتب، ومن أمثلة الأجير: السائق، والخادمة، فلا يجب على كفيلهما أن يخرج الفطرة عنهما؛ لأن لهما راتبًا، هكذا يذكر البعض، وعندي في المسألة تردد؛ لأن الخادمة تأكل من طعام البيت، وتسكن في البيت، فإن كانت صاحبة البيت تشتري لها اللباس، تمت لها أركان النفقة، ودخلت تحت من يتبرع صاحب البيت بنفقته جميع شهر رمضان. ومحل الإشكال في وجوب الفطرة عنها، لا إن تبرع بإخراج =

стр. 496

وتُسنُّ عَنِ الجنينِ (١). = فطرتها، ويترتب عليه أنه إن قيل بالوجوب، فإنه يخرج عنها ولو لم يستأذنها، أما إن كان متبرعًا، فلا بد من إخبارها؛ لتنوي، وكذا لو سكن عند الشخص ابن له مع عائلته - قادر على النفقة على نفسه وعائلته - في شقة مستقلة مثلًا، وكان الابن مقتدرًا، فإنه لا يجزئ أن يخرج عنه الفطرة وعن عائلته إلا إن أخبره للنية. (١) لفعل عثمان ﵁ رواه ابن أبي شيبة. وهذا الأثر ضعيف، قال اللبدي: (وظاهره: ولو لم يكن له أربعة أشهر).

стр. 497

فصل والأفضلُ إخراجُها يومَ العيدِ قَبلَ الصَّلاةِ (١)، وتُكرَهُ بعدَها (٢). ويحرُمُ تأخيرُها عن يومِ العيدِ مَعَ القدرةِ، ويقضِيها (٣). وتُجزئُ قَبلَ العيدِ بيومَينِ (٤). (١) وقت إخراج زكاة الفطر يتعلق به خمسة أحكام: (الحكم الأول): الاستحباب، وذلك يوم العيد بعد طلوع الفجر الثاني، وقبل صلاة العيد. (٢) (الحكم الثاني): الكراهة، وذلك بعد صلاة العيد، وتكون أداءً. والقول الآخر في المذهب: تحريم تأخير إخراج الفطرة إلى بعد صلاة العيد، وهو المُفتى به الآن عند كثير من المعاصرين؛ لحديث ابن عباس ﵄: (من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) رواه أبو داود وابن ماجه، وهو دليل المذهب أيضا على الكراهة. (٣) (الحكم الثالث): التحريم، وذلك إذا لم يخرجها قبل غروبِ شمسِ يوم العيد مع القدرة. فإن فعل، أثم، ووجب عليه أن يقضيها. (٤) (الحكم الرابع): الإباحة، فيجزئ إخراجها قبل العيد بيومين فقط، ولا يُجزئ قبلهما، وهل تدخل ليلتُهما؟ فإن كان الشهر =

стр. 498

والواجبُ عن كلِّ شخصٍ: صاعُ (١) تمرٍ، أو زبيبٍ، أو بُرٍّ، أو شعيرٍ، أو أَقِطٍ (٢). ويُجزئُ دقيقُ البُرِّ والشَّعيرِ، إذا كانَ = كاملا فلا شك في دخول ليلة الثلاثين، ولكن هل تدخل ليلة التاسع والعشرين تبعا ليومها؟ فيه تردد. (تتمة): (الحكم الخامس): الوجوب، فوقت وجوب الفطرة إذا غربت الشمس ليلة العيد، وتقدم. (١) وقد تقدم أن الصاع بالوزن: كيلوان، وأربعون جرامًا، وزاد في المنتهى والإقناع هنا: (أو مثل مكيله من تمر أو زبيب .. )، قال النجدي: (قوله: (أو مثل مكيله … إلخ) أشار به إلى أن المعتبر إذا أخرج وزنا، إنما هو البر، ولهذا زاد في "الإقناع" بعد ما تقدم قوله: ولا عبرة بوزن تمر وغيره، سوى البر، قال: فإذا بلغ صاعا من البر؛ أجزأ؛ أي: بأن اتخذ ما يسع صاعا من جيد البر). والمراد: أنه إن أخرج من غير البر فلا يخلو: إما أن يخرج كيلا أو وزنا، والمعتبر فيهما إنما هو صاع البر، فإن أراد أن يخرج من غير البر بالكيل فيكون ذلك بأن يتخذ ما يسع صاعا من جيد البر فيكيل به غير البر، وإن أراد أن يخرج من غير البر بالوزن فيكون ذلك بأن يجعل غير البر كالتمر مثلا في الصاع الذي يسع صاعا من البر، ثم يزنه، ثم يخرج على زنته ما شاء من الفِطَر، فإذا كان الصاع من التمر يزن كيلوين ونصفا فهو مقدار الفطرة للواحد، وهكذا يقال في غير التمر، والله أعلم. (٢) والأفضل: تمر لفعل ابن عمر ﵄ كما في البخاري، فزبيب؛ =

стр. 499

وزنَ الحبِّ (١). ويُخرجُ مَعَ عدمِ ذلكَ (٢) ما يقومُ مقامَهُ مِنْ حبٍّ (٣) يُقتاتُ كذُرَةٍ، ودُخنٍ، وباقِلَّا (٤). ويجوزُ أن تُعطيَ الجماعةُ فطرَتَهم لواحدٍ، وأن يُعطيَ الواحدُ فطرتَهُ لجماعةٍ (٥). = لأن فيه قوتا وحلاوة، فبر؛ لأن القياس تقديمه على الكل لكن ترك اقتداء بالصحابة في التمر وما شاركه في المعنى، فأنفع في دفع حاجة لفقير، فشعير فدقيقهما فسويقهما فأقط. (١) فيجزئ طحين البُرِّ، وطحين الشعير، لكن لا يخرج بالكيل بل بوزن حبه، فينظر إلى وزن الصاع من الحب، فإن كان صاع حب الشعير ثلاثة كيلوات مثلًا، فإنه يخرج من دقيق الشعير ثلاثة كيلوات، وهكذا، والعلة: لأن أجزاءه تتفرق بالطحن ولذا لابد أن يكون بوزن حبه. (٢) لا يجوز على المذهب أن يخرج من غير الأصناف الخمسة المتقدمة في أي بلد كان، إلا إن عُدمت جميعها هناك. (٣) كذا في كل ما وقفت عليه من النسخ، وزاد في المنتهى والإقناع: وثمر مكيل يقتات كالتين اليابس. (٤) وكذا الأرز في عصرنا، فيجوز أن يُخرِج منه بشرط أن تنعدم الأصناف الخمسة. هذا هو المذهب. (٥) لكن الأفضل في المذهب ألا يُنقَص المعطَى من فطرةٍ عن مُد بر، أو نصف صاع من غيره يغنيه عن السؤال في ذلك اليوم.

стр. 500

ولا يُجزئُ إخراجُ القيمةِ في الزَّكاةِ مطلقًا (١). ويحرُمُ على الشَّخصِ شراءُ زكاتِهِ وصدقتِهِ (٢)، ولو اشتراها مِنْ غيِر مَنْ أخذَها منهُ (٣). (١) سواء في المواشي أو المعشرات، ولو لحاجة ومصلحة، فإذا كان الواجب إخراجه شاة مثلًا، فلا يُجزئ أن يُخرِج مكانها نقودًا. ويستثنى من عموم ذلك: النقدان، فيجوز أن يُخرِج عن الذهب قيمته من الفضة، وعن الفضة قيمته من الذهب، وكذلك العروض، فإن زكاتها تخرج من قيمتها، وكذا المعدن من غير الذهب والفضة؛ ففيه ربع عشر قيمته. (٢) قوله (يحرم): هذا الحكم التكليفي، أما الحكم الوضعي: فلا يصح أن يشتري الشخص زكاته أو صدقته؛ لحديث عمر ﵁ لمَّا حمل على فرس في سبيل الله، فأضاعه صاحبه، فأراد أن يشتريه، فسأل الرسول ﷺ ، فقال له: «لا تشترِه، ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم؛ فإن العائد في هبته كالعائد في قيئِهِ»، متفقٌ عليه. (٣) فلو وجب على زيد إخراج شاة في الزكاة، فأعطاها لفقير، أو تصدق بها عليه، ثم أعطاها ذلك الفقير لعمرو، لم يجز لزيد شراء تلك الشاة من عمرو.

стр. 501

باب إخراج الزكاة يجبُ إخراجُها فورًا (١) كالنَّذرِ، والكفَّارةِ (٢). ولَهُ تأخيرُها: لزمنِ الحاجةِ (٣)، (١) الواجبات في المذهب كلها على الفور، إلا ما استثني، لكن تُقيد الفورية في إخراج الزكاة بالإمكان، أي: بكونه يستطيع إخراجها. (تتمة) وقت وجوب الزكاة في الأثمان وبهيمة الأنعام وعروض التجارة: حولان الحول، وفي العسل: متى بلغ نصابا، وفي الخارج من الأرض: بدو الصلاح في الثمر واشتداد الحب، وفي المعدن: باستخراجه إن كان نصابًا، وفي زكاة الفطر: بغروب شمس آخر يوم من رمضان إلا أن الأفضل فيها تأخير إخراجها بعد طلوع الفجر الثاني يوم العيد، وقبل صلاة العيد، وغيرها يحرم تأخير إخراجها عن وقت الوجوب. (٢) فمن نذر شيئًا، وجب أن يوفي بنذره فورًا، ومن حلف ثم حنث وجب أن يُكفِّر فورًا، ويأثم بالتأخير. (٣) وعبارة المنتهى والغاية: وله تأخيرها لأشد حاجة، وعبارة الإقناع: (أو أخرها ليعطيها لمن حاجته أشد من غيره) والمراد: يجوز تأخير إخراج الزكاة ليدفعها في وقت يكون المحتاج فيه أكثر حاجة من المحتاج في وقت الوجوب. =

стр. 502

ولقريبٍ (١)، وجارٍ (٢)، ولِتعذُّرِ إخراجِها مِنَ النِّصابِ، ولو قَدِرَ أن يُخرجَها مِنْ غيرِهِ (٣). = ويجوز تأخير إخراج الزكاة في أحوال: (الحالة الأولى): تأخيرها إلى وقت تكون حاجة الناس إليها أكثر من حاجتهم في زمن الوجوب، وهو مُقيد بقيدين: ١ - أن يكون التأخير لزمنٍ يسير وإلا لم يجز ترك واجب لأجل مندوب كما نقله البهوتي وابن النجار عن جماعة، ٢ - ألا يشتد ضرر الحاضر، فإذا وُجد محتاج حاضر، وكانت حاجته شديدة، فلا يجوز التأخير كما نقله البهوتي في الكشاف عن المبدع. (١) (الحالة الثانية): أن يكون قريبه غائبًا - كأن يكون مسافرًا - لمَّا وجب عليه إخراج الزكاة، فيجوز أن يؤخر إخراجها حتى يحضر قريبه، فيعطيه إياها. (٢) (الحالة الثالثة): أن يكون جاره غائبًا، ويريد إعطاءه إياها، فيجوز أن يؤخر إخراجها حتى يحضر. (٣) (الحالة الرابعة): أن يتعذر إخراج الزكاة من النِّصاب - لكون النِّصاب غائبًا مثلًا، أو مسروقًا، أو ضائعًا -، ولو قدر أن يُخرجها من غيره، وهذه مسألة مهمة جدًا. فمن استثمر مئة ألف ريال مثلًا في مشروع بناء عقار، ويريد بيعه حين يكمُل، وامتدَّ زمن المشروع سنة أو سنتين، أو أكثر، فيجب عليه أن يزكي كل سنة، لكن لا يجب أن يُخرِج زكاة المئة ألف من مالٍ آخَر عنده في المصرف مثلًا، فإن فعل صح، لكنه غير واجب، وإنما الواجب أنه إذا باعه أخرج =

стр. 503

ومَن جَحَدَ وجوبَها عالمًا: كَفَرَ، ولو أخرجَها (١). ومَن منعَها بُخلًا وتهاونًا، أُخذت منهُ، وعُزِّرَ (٢). ومَنِ ادَّعى إخراجَها، أو بقاءَ الحولِ، أو نَقصَ النِّصابِ، أو زوالَ الملكِ، صُدِّقَ بلا يمينٍ (٣). = الزكاة من ذلك المال لكل ما مضى من السنوات. (١) الجحد أنواع: أ- إن جحد وجوب الزكاة على الإطلاق فيكفر إجماعا ولو أخرجها، ب- إن جحد وجوبها في مال خاص فلا يخلو: ١ - إن كان مجمعا عليه كالسائمة والأثمان فيكفر ولو أخرجها، ٢ - وإن كان مختلفا فيه كالزكاة في مال الصغير والمجنون، أو ينكر وجوب الزكاة في عروض التجارة والعسل فلا يكفر للاختلاف في وجوب الزكاة فيها. (٢) فيأخذها الإمام منه قهرا كدين الآدمي، ويجب عليه أن يُعزِّره إن علم تحريم منعها، وهذا مقيد بكون الإمام عادلًا، والإمام العادل في الزكاة: هو الذي يضعها في مواضعها، قال الشيخ منصور في الكشاف: (وظاهره: وإن لم يكن عدلا في غيرها)، أو يعزره العاملُ العادل لقيامه مقام الإمام، ويستثنى من التعزير: من كان جاهلا بتحريم تأخير الزكاة، أو منعها لعذر، قال البهوتي في شرح المنتهى: (فإن كان الإمام فاسقا لا يصرفها في مصارفها فهو عذر له في عدم دفعها إليه، فلا يعزره). (٣) تقدم أن الإمام إذا طلب من أحد زكاة ماله - ولو كان ذلك من الأموال الظاهرة -، لم يجب أن يؤديها إليه، لذا فإذا طلبها منه، فقال: إني أخرجتها، أو قال: إن الحول لم يتم بعد، =

стр. 504

ويلزمُ أن يُخرجَ عنِ الصَّغيرِ والمجنونِ: وليُّهُما (١). ويُسنُّ: إظهارُها (٢)، وأن يفرِّقَها ربُّها بنفسِهِ (٣)، ويقولَ عندَ = أو ادعى نقص النصاب، فقال مثلًا: عندي سائمة، لكنها نقصت عن النصاب أثناء الحول، أو ادعى زوال الملك بأن قال مثلًا: كان عندي نصاب، لكني بعته أو تبرعت به، فإنه يصدَّق، ولا يطلب منه أن يحلف على صِدق ما يدعيه؛ لأن القاعدة في المذهب: أنه لا يُستحلف في العبادات. ومثل ذلك لو ظُن أن شخصًا لم يصلِّ، فلا يقال له: احلف أنك صليت؛ لأن ذلك أمر بينه وبين الله، وكذلك لا يُستحلف في حقوق الله كالحدود، فلا يجوز للقاضي أن يقول لمن اتُّهم بالزنا أو السرقة مثلًا: احلف أنك لم تزنِ، أو: أنك لم تسرق. وإنما يكون الاستحلاف في حقوق الآدميين. وعبر صاحب الإقناع عن مسألة المتن بقاعدة فقال: (ومن طولب بها فادعى ما يمنع وجوبها من نقصان الحول أو النصاب أو انتقاله في بعض الحول ونحوه كادعائه أداءها … قُبِلَ قوله بلا يمين). (١) بشرط أن يكون الصغير أو المجنون: حرًا، مسلمًا، تام المِلك. والمراد بالولي هنا: الولي في المال، لا غيره، كالولي في الزواج فقط، فلا يُخرِج الزكاة عن الصغير والمجنون. (٢) أي: يسن لمن يُخرِج الزكاة أن يُظهر للناس أنه أخرجها؛ لتنتفي عنه التهمة، وليُقتدى به. (٣) لما تقدم أنه لو طلبها الحاكمُ من أحد، لم يجب عليه أن =

стр. 505

دفعِها: «اللَّهمَّ اجعلها مغنمًا، ولا تجعلها مغرمًا» (١)، ويقول الآخذُ (٢): «آجرَك اللهُ فيما أعطيتَ، وباركَ لكَ فيما أبقيتَ، وجعلَهُ لكَ طَهورًا». = يؤديها إليه، فالسُّنَّة أن يُفرقها بنفسه، بشرط أن يكون أمينًا عليها وهو أفضل من دفعها إلى إمام عادل، فإن لم يثق بنفسه فالأفضل دفعها للساعي؛ لئلا يمنعه الشح من إخراجها. (١) أي: يسن لمعطي الزكاة أن يدعو بهذا الدعاء عند دفع الزكاة لمستحقها والحديث رواه ابن ماجه، ومعناه: اللهم اجعلها مثمرةً، ولا تجعلها منقِصة للمال الذي أُخذت منه. (٢) أي: يسن للآخذ للزكاة أن يدعو بهذا الدعاء إذا أخذ الزكاة من المزكي، سواء أكان الآخذ الإمام، أو الفقير، أو المسكين، أو غيرهم، والقول في حق العامل آكد منه في حق غيره قاله في الإقناع.

стр. 506

فصل ويُشترطُ لإخراجِها نيَّةٌ مِنْ مكلَّفٍ (١). ولهُ تقديمُها بيسيرٍ (٢)، والأفضلُ قرنُها بالدَّفعِ (٣)، فينوِي الزَّكاةَ، أو الصَّدقةَ الواجبةَ. ولا يجزئُ أن ينويَ صدقةً مطلَقةً، ولو تصدَّقَ (١) وهذا إن كان المخرج لها مكلفا، وغير المكلف ينوي عنه وليه؛ لأن العبادات لا تصح إلا بنية؛ لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات». (تتمة) يستثنى من شرط النية في إخراج الزكاة: ١ - إذا أخذها الإمام قهرا؛ لامتناعه، وتكفي نية الإمام و أجزأته ظاهرا فقط، فلا يؤمر بها ثانيا، ولا تجزئه باطنا لعدم النية، ٢ - أو أن يغَيِّب ماله، فتؤخذ منه الزكاة حيث وُجد المال، وتجزئ بلا نية كمأخوذة قهرا، وتجزئ في الظاهر فقط، ٣ - أو أن يتعذر الوصول إلى المالك - كأن يكون محبوسًا مثلًا -، فيأخذها الساعي من ماله، وتجزئه ظاهرًا وباطنًا. (٢) أي: يجوز تقديم النية على الإخراج بزمنٍ يسير، ومقداره كمقدار تقديم نية الصلاة عن التحريمة كما في الإقناع والمنتهى، وهو ما لا تفوت به الموالاة في الوضوء، قال الشيخ منصور في شرح المنتهى: (ولو عزل الزكاة لم تكف النية إذن مع طول الزمن). (٣) أي: أن تُقرَنَ النِّيةُ بالدفع.

стр. 507

بجميعِ مالِهِ (١). ولا تجبُ نيَّةُ الفرضيَّةِ (٢)، ولا تعيِينُ المالِ المزكَّى عنهُ (٣). وإن وكَّلَ في إخراجِها مسلمًا (٤)، أجزأت نيَّةُ الموكِّلِ، مَعَ (١) تناول المؤلف الصيغة التي إذا نواها أجزأته، فإذا أراد أن يخرج زكاة ماله، فنوى أنها زكاة، أو أنها صدقة واجبة، أجزأه، وكذلك لو نوى صدقة المال، أو صدقة الفطر، أما لو نوى صدقة مطلقة - فلم ينوِ أنها الواجبة -، لم يجزئه عن الفرض ولو تصدق بكل ماله، كما لو نوى صلاة مطلقة فلا تجزئ عن الفرض. قال في المعونة: (والنية هنا أن ينوي أنها زكاة ماله، أو زكاة من يُخرج عنه من صبي أو مجنون، ومحلها القلب؛ لأنه محل الاعتقادات كلها). (٢) فلا يجب أن ينوي الشخص بزكاته أنها فريضة، بل يكفيه أن ينوي أنها زكاة ماله كما تقدم. (٣) ومثاله: أن يجب على شخص خمسمائة ريال زكاة ماله الذي في الرياض، وخمسمائة ريال زكاة ماله الذي في الأحساء. فإذا أخرج الألف لم يجب عليه أن يعين أن خمسمائة منها للمال الذي في الرياض وخمسمئة للمال الذي في الأحساء. (٤) قوله: (مسلما) يفهم منه: أنه لا يجوز توكيل كافر، وهو كذلك على المذهب؛ لاشتراط النية من قبل الوكيل، وكذا الموكل مع بعد الإخراج عن وقت التوكيل، ومع ذلك قال في الغاية: (ويتجه: ولو مع كفر وكيل؛ لأنه مناول إذن، ومع بعد =

стр. 508

قُربِ الإخراجِ، وإلا نوَى الوكيلُ أيضًا (١). = زمن إخراج فلابد من نية موكل حال دفع) ووافقه الشطي، انظر: المطالب (٢/ ١٢٤)، بخلاف التوكيل في الأضحية فتجزئ مع الكراهة. (فرق فقهي). (تتمة) ذكر الشارح التغلبي في نيل المآرب: (مكلفا) أي: يشترط أن يكون الوكيل مكلفا، وذكر هذا الشرط ابن النجار في شرحه على منتهاه، وتبعه في الغاية وقال: (خلافا له)، وهو الذي صححه المرداوي في تصحيح الفروع، قال البهوتي في الكشاف: (وهو - أي: تصحيح الفروع - متأخر عن الإنصاف فما فيه يخالف الإنصاف كالرجوع عنه)، وفي الإقناع صحة توكيل المميز، وهو وجه جعله المرداوي المذهب في الإنصاف. (١) الوكالة: هي التفويض في إخراج الزكاة، ولا يخلو الحال فيها مما يلي: ١ - إما أن يكون الوكيل المدفوع إليه الذي سيوصلها لمستحقيها هو الإمام فهو وكيل الفقراء، وحينئذ يشترط نية الموكل عند دفعها للإمام، ولا تشترط نية الإمام عند دفعها لمستحقيها وإن طال الزمن؛ لأن الإمام وكيل الفقراء، ولا ضمان عليه إن تلفت من غير تفريط. قال في الإقناع وشرحه: (وإن دفعها رب المال (إلى الإمام طوعا ناويا) أنها زكاة (وإن لم ينو الإمام حال دفعها إلى الفقراء) مثلا (جاز، وإن طال) الزمن (لأنه) أي الإمام =

стр. 509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (وكيل الفقراء) لا رب المال.) ٢ - وإما أن يكون الوكيل غير الإمام، فالوكيل نائب عن المخرج للزكاة، وعليه فيشترط ما ذكره المؤلف في النية: إن قرب الإخراج من التوكيل كفت نية الموكل، وإن بعد الإخراج من قبل الوكيل للزكاة عن وقت التوكيل فلا بد من نية أخرى من قبل الوكيل عند دفعها لمستحقيها. قال في الإقناع: (فإن دفعها إلى وكيله أجزأت النية من موكل مع قرب زمن الإخراج ومع بعده لا بد من نية الموكل حال الدفع إلى الوكيل ونية الوكيل عند الدفع إلى المستحق ولا تجزئ نية الوكيل وحده). ومقدار القُرب هنا كمقدار الزمن اليسير الذي يجوز فيه تقديم نية الصلاة عن التحريمة، فمن وكَّل شخصًا ليخرج زكاة ماله خلال زمن يسير، فإن نية الموكِّل كافية إذَن، أما لو كان الإخراج سيكون في اليوم التالي مثلًا، فيجب إذَن على الوكيل أن ينوي أيضًا أنها زكاة. (فرق فقهي) (تتمة) مع كون الإمام وكيل الفقراء فلا يجوز له تأخير إخراج الزكاة لمستحقيها، قال في الإقناع: (وإن أخر الساعي قسمة زكاة عنده بلا عذر كاجتماع الفقراء أو الزكاة لم يجز، ويضمن ما تلف لتفريطه كوكيل في إخراجها يؤخره)، ومنه يؤخذ: عدم جواز العمل بأموال الزكاة بل يجب إيصالها لمستحقيها فورا. (تتمة) مسألة مهمة: وهي إعطاء الزكاة للجمعيات الخيرية، =

стр. 510

والأفضلُ جعلُ زكاةِ كلِّ مالٍ في فقراءِ بلدِهِ (١). ويحرُمُ نقلُها إلى مسافةِ قصرٍ، وتجزئُ (٢). ويصحُّ تعجيلُ الزكاةِ لحولينِ فقط (٣)، إذا كمُلَ = وحقيقة تلك الجمعيات أنها في دور الوكيل، لكن هل هي وكيل عن رب المال، أو عن الفقراء؟ الظاهر: أنها إن كانت مرخصة من ولي الأمر فهي وكيل عن الفقراء، وإن لم تكن مرخصة فهي وكيل عن رب المال، والله أعلم. (١) لحديث معاذ ﵁، حيث قال ﷺ في الزكاة: «فأعلمهم بأن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فتُرَدُّ على فقرائهم» متفق عليه، لكن هذا مقيد بما إذا لم تتشقص زكاة سائمة، فإن أدى إلى التشقيص فيخرجها في بلد واحد كما لو كان له عشرون شاة في بلدين متقاربين فيخرج شاة في أي البلدين شاء، ولا يلزمه أن يخرج نصفا في بلد، ونصفا في البلد الثاني. (٢) أي: يحرم أن تُنقل إلى مسافة قصر من البلد الذي فيه المال، كمن يكون ماله في الرياض، فيخرج زكاته في الأحساء، -هذا الحكم التكليفي-، فإن فعل، أثم، لكنها تجزئه -وهذا الحكم الوضعي-. (٣) قوله (يصح): هذا الحكم الوضعي، أما الحكم التكليفي: فإن تعجيل الزكاة مباح، وليس مستحبًا بل الأفضل تركه، والدليل على صحة تعجيل الزكاة لحولين - لا أكثر من ذلك - أن الرسول ﷺ تعجل من العباس ﵁ صدقة سنتين رواه أبو عبيد =

стр. 511

النِّصابُ (١)، لا منهُ للحولينِ (٢). = في الأموال وحسنه الألباني. (تتمة) مما لا يصح تعجيل زكاته: لا يصح تعجيل الزكاة في ربح التجارة؛ لأنه لم يوجد فكأنه - لو عجل - قد عجل زكاة عما ليس في ملكه، ولا نِتاج السائمة، ولا الركاز، ولا المعدن ولا الزروع والثمار قبل حصولها، ولا عن التمر قبل طلوع الطلع، ولا عن الزبيب قبل طلوع الحصرم؛ لأنه تقديم زكاة قبل وجود سببها. (١) وهذا شرط لصحة تعجيل الزكاة. (٢) الضابط: أن المعجلَّ إذا كان لحول واحد فحكمه حكم الموجود في ملكه، وإن كان المعجل للحول الثاني فحكمه حكم المعدوم من ملكه ويتأثر بذلك النصاب. وإن عجل عن النصاب منه لحولين فلا يصح لا للحول الأول ولا للثاني لنقصان النصاب، وكذا لو عجل للحول الثاني فقط فلا يصح؛ لأن النصاب ينقص، ولو عجل للحولين من غير النصاب صح وأجزأه. ويترتب على ما تقدم تقريره: أنه يصح أن تُعجل الزكاةُ من نفس النصاب لسنة واحدة، لا لسنتين. ومثاله: أن يكون للشخص أربعون من الغنم، فلو عجَّل من النصاب قبل الحول شاة واحدة عن سنة واحدة، جاز، أما لو عجَّل شاتين من نفس النصاب عن سنتين، فلا يصح. وذلك أن المُعَجَّل لسنة واحدة في حكم الموجود، فلا ينقص به النِّصاب عن =

стр. 512

فإن تلِفَ النِّصابُ أو نَقَصَ، وقعَ نفلًا (١). = الأربعين. قال في الإقناع: (وإن عجل زكاة النصاب فتم الحول وهو ناقص قدر ما عجله أجزأ إذ المعجل في حكم الموجود. انتهى)، أما المعجَّل عن سنتين، فهو في حكم المفقود، فيحول الحول إذَن على أقل من نصاب. (١) أي: فإن تلف النصاب المعجل زكاته أو نقص قبل الحول وقع المعجل نفلا ثم لا يخلو الحال: ١ - إما أن يكون المعجل بيد الساعي فللمخرج الرجوع عليه، ٢ - وأما إن كانت بيد الفقير فلا رجوع لِلْمُعَجِّلِ عليه سواءً كان هو الدافع أو غيره؛ لأنها صارت صدقة نافلة مقبوضة وهي تلزم بالقبض.

стр. 513

باب أهل الزكاة وهُم ثمانيةٌ: الأوَّلُ: الفقيرُ، وهو مَنْ لم يجد نصفَ كفايتِهِ (١). الثَّاني: المسكينُ، وهو من يجدُ نصفَها أو أكثرَها (٢). الثَّالثُ: العاملُ عليها، كجَابٍ (٣)، وحافظٍ (٤)، وكاتبٍ (٥)، (١) الكفاية في حق الفقير والمسكين مُقدَّرَة هنا: بالسَّنة؛ لحديث عمر ﵁: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ ، مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب. فكانت لرسوله ﷺ خاصة. فكان ﷺ ينفق على أهله منه نفقةَ سنةٍ، ثم يجعل ما بقي في الكراع، والسلاح عدة في سبيل الله»، متفق عليه. قال سفيان - أحد الرواة -: ربما قال في هذا الحديث: «يحبس نفقة سنة»، أي: أنه ﷺ كان يحبس نفقة سنة. فأخذ الحنابلة من ذلك أن الكفاية مُقدرة بالسنة، فمتى لم يجد الإنسان نفقة البتة أو لم يجد نفقة إلا أقل من نصف السنة فهو فقير. (٢) أي: يجد نفقة نصف السنة، أو أكثر السنة. (٣) وهو الذي يجمع الزكاة. (٤) وهو الذي يحفظها. (٥) وهو الذي يكتب المقادير.

стр. 514

وقاسمٍ (١). الرَّابعُ: المؤلَّفُ، وهو السَّيِّدُ المطاعُ في عشيرتِهِ (٢) ممَّن يُرجَى إسلامُهُ، أو يُخشَى شرُّهُ، أو يُرجَى بعطيَّتِهِ قوَّةُ إيمانِهِ، أو جبايتُها ممَّن لا يعطِيها (٣). (١) وهو الذي يقسمها على المحتاجين. ويشترط أن يكون مكلفًا، مسلمًا، أمينًا، كافيا أي: عالماً بفرائض الصدقة، ويشترط أن لا يكون من ذوي القربى من بني هاشم. (٢) فلا بد في المؤلَّف - على المذهب - أن يكون سيدًا مطاعًا في عشيرته، كرئيس قبلة؛ لأنه بإسلامه سيسلم غيره من قبيلته مثلًا، أما غيره من الناس، فلا يُعطى من الزكاة ترغيبًا له في الإسلام، بل إن عمر ﵁ أسقط نصيب المؤلفة قلوبهم. (٣) المؤلَّفة قلوبهم ستة أنواع: ١ - من يرجى إسلامه، ٢ - أو يُخشى شره وسواء كان مسلما أو كافرا، لكن إن كان مسلما حرم عليه أخذها؛ لأن كف شره واجب عليه بدون أن يعطى من الزكاة أو غيرها، ٣ - أو يُرجى بعطيته قوة إيمانه، وهو المؤلَّف المسلم، لكن إيمانه يكون ضعيفًا، فيُعطى من الزكاة؛ حتى يقوى إيمانه، ويقبل قوله في ضعف إسلامه كما قاله في الإقناع ٤ - أو يُرجى بعطيته إسلامُ نظيره، أي: إذا أسلم هذا، يُسلِم من هو مثله، ٥ - أو يُعطى من الزكاة؛ ليجبي الزكاة - أي: يجمعها - من مسلمين لا يعطونها، ٦ - أو يُعطى للدفع عن المسلمين، قال في شرح المنتهى: (بأن يكونوا في أطراف =

стр. 515

الخامسُ: المكاتَبُ (١). السَّادسُ: الغارمُ، وهو مَنْ تديَّنَ للإصلاحِ بينَ النَّاسِ، أو تديَّنَ لنفسِهِ وأعسَرَ (٢). = بلاد الإسلام، إذا أعطوا من الزكاة دفعوا الكفار عمن يليهم من المسلمين، وإلا فلا)، وزاد في الإقناع والغاية سابعا: ٧ - أو من يرجى نصحه في الجهاد، لكن يُشترط في كل واحد من هؤلاء أن يكون سيدًا مُطاعًا في عشيرته، كما تقدم. (١) المكاتَب: هو الذي يشتري نفسه من سيده بأقساط، ويجوز أن يفك منها الأسير المسلم. (٢) الغارم الذي يُعطى من الزكاة نوعان: ١ - من تدين للإصلاح بين الناس، فدخل في الصلح بين قبيلتين مثلًا، وتدين لذلك، ومثاله: أن يقول لقبيلتين بينهما عداوة، ويخشى اندلاع حرب بينهما: أنا أدفع لكم كذا من المال؛ لتصطلحوا، ويشترط ليُعطى من الزكاة أن يكون ما يدفعه دينًا يتحمله في ذمته، أما لو أصلح بينهم من مالٍ عنده، فلا يُعطى من الزكاة، ٢ - من تدين لنفسه، ولو كان الدَّين لله ، وأعسر، فلم يستطع أن يفي به - وظاهره: أن يعجز حالا ومستقبلًا -، فإنه يُعطى من الزكاة، ويشترط: أن يكون ما استدان فيه أمرًا مُباحًا، أو محرمًا تاب منه. (تتمة) يجوز أن يوكل الغارمُ مَنْ عليه دفع زكاة في دفع الزكاة للدائن، ويجوز للمزكي أيضا بلا توكيل، قال في الإقناع وشرحه: (وإن وكل الغارمُ من عليه الزكاة) أي رب المال =

стр. 516

السَّابعُ: الغازي في سبيلِ اللهِ (١). الثَّامنُ: ابنُ السَّبيلِ، وهو الغريبُ المنقطِعُ بغيرِ بلدِهِ (٢). = (قبل قبضها منه بنفسه أو نائبه) أو (في دفعها إلى الغريم عن دينه، جاز) ذلك، وبرئ من الزكاة بدفعه إليه … (وإن دفع المالك) زكاة (إلى الغريم) عن دين الغارم (بلا إذن الفقير) الغارم (صح) وبرئ لأنه دفع الزكاة في قضاء دين المدين، أشبه ما لو دفعها إليه فقضى بها دينه). (١) وهم - على المذهب -: الغزاة المجاهدون في سبيل الله، وليس لهم دِيوَان، أي: ليس لهم رواتب أو حقوق مقدرة في الدولة، أو يكون لهم ديوان، لكنه لا يكفيهم. وكذلك يدخل في هذا القسم: الفقير الذي يريد أن يحج أو يعتمر للفرض، فيُعطى من الزكاة، لحديث ابن عباس مرفوعا: (الحج من سبيل الله) رواه أبو داود. (٢) السبيل: هو الطريق. وابن السبيل: هو الغريب المنقطع بمحلٍ غير بلده. فلا يُعطى شخص من الزكاة ليُنشئَ سفرًا، وهو لم يغادر بلده بعد، وإنما يكون كشخص سافر من الأحساء إلى الرياض مثلًا، فسُرِقت أمواله بعد أن غادر بلده، أي: الأحساء فيعطى من الزكاة ما يبلغه بلده، أو منتهى قصده وعوده إليها ولو وجد مقرضا، أو كان غنيا في بلده، ويُشترط أن يكون هذا السفر سفرًا مباحًا، أو واجبًا، أو مستحبًا، لا محرمًا، ولا مكروهًا، وكذلك نصوا على عدم دخول سفر النزهة، مع كونه سفرًا مباحًا، وقد أباحوا قصر الصلاة فيه، إلا أنهم لم =

стр. 517

فيُعطى الجميعُ مِنَ الزَّكاةِ بقَدرِ الحاجةِ (١)، إلا العامل، فيُعطَى بقدرِ أُجرتِهِ (٢)، ولو غنيًّا أو قِنًّا. = يجعلوا من انقطع به السبيل في سفر النزهة ممن يجوز له الأخذ من الزكاة. وليُطلب الفرق. (فرق فقهي) (١) فكل واحد من هؤلاء الثمانية له مقدار معين يُعطاه: فالفقير أو المسكين يعطى كفايته مع عائلته لسنة، والمؤلَّف يعطى ما يحصل به التأليف، والغارم يعطى وفاء دينه، والغازي يعطى ما يحتاج إليه لغزوه، وابن السبيل يعطى ما يوصله إلى بلده، أو إلى منتهى قصده وعوده. (تنبيه) تقريرهم هنا بأن ما يعطاه الفقير والمسكين كفايته سنة، هل يبيح شراءَ مسكن من الزكاة؟ الظاهر: لا، بل يعطى أجرة مسكن لمدة سنة، ولا يملك مسكنا من الزكاة، ولما في ذلك من التضييق على غيره من المحتاجين، فليحرر. والله أعلم. (٢) فالعامل لا يُعطى من الزكاة إلا بقدر أجرة المثل فقط، فإن تلفت الزكاة بيد العامل بلا تفريط منه فيعطى من بيت المال، إلا إذا كان العامل الإمام أو نائبه الأمير أو القاضي فلا يأخذ من الزكاة؛ لأنه يأخذ رزقه من بيت المال. (تتمة) قاعدة مهمة في أهل الزكاة وهي في صفة الأخذ لأهل الزكاة وأنهم ينقسمون إلى قسمين: القسم الأول: من يأخذ بسبب يستقر الأخذ به وهم: الفقير، و المسكين، و العمالة، و التأليف، فمن أخذ من هؤلاء شيئًا من =

стр. 518

ويُجزئُ دفعُها إلى الخوارجِ (١)، والبُغاةِ (٢)، وكذلِكَ مَنْ أَخذَها مِنَ السَّلاطينِ، قهرًا أو اختيارًا، عَدَلَ فيها أو جَارَ (٣). = الزكاة صرفه فيما شاء كسائر أمواله ولا يرد شيئًا، القسم الثاني: من يأخذ بسبب لايستقر الأخذ به، وهم: المكاتب، والغارم، والغازي، وابن السبيل، وهؤلاء إذا أخذ أحدهم شيئا من الزكاة صرفه فيما أخذه له خاصة لعدم ثبوت ملكه عليه من كل وجه وإنما يملكه مراعى فإن صرفه في الجهة التي استحق الأخذ بها وإلا استُرجع منه، وكذا لو زاد عنده شي فإنه يجب أن يعيده. ذكر هذه القاعدة الحجاوي في الإقناع وابن النجار في المعونة والشيخ عثمان النجدي. (١) فإذا استولى الخوارج على بلد، وجمعوا الزكاة من الناس، فأعطاهم الناس زكاة أموالهم، فإن ذلك يجزئهم، والخوارج: هم الذي يُكفِّرون بالذنب، ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم إلا من خرج معهم، ويأتي ذكر الخوارج في باب قتال أهل البغي إن شاء الله تعالى. (٢) البغاة: هم الخارجون على الإمام بتأويلٍ سائغ، ولهم شوكةٌ ومنعة، فلو استولى البغاة على بلد، فإنه يُجزئ دفع الزكاة إليهم. (٣) أي: يُجزئ دفع الزكاة إلى من أخذها من السلاطين قهرًا - بأن أجبر الناس على دفعها -، أو اختيارًا - بلا إجبار -، وسواء عدل في الزكاة - بأن أوصلها إلى مستحقيها -، أو جار فلم =

стр. 519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يُوصلها إلى مستحقيها، فلو دفعها إليه أجزأ، لكن - من حيث الحكم التكليفي - يحرم أن تُدفع الزكاة إلى الإمام إذا لم يوصلها إلى مستحقيها. (تنبيه) قول المؤلف: (وكذلك من أخذها من السلاطين قهرا أو اختيارا عدل فيها أو جار) هذه عبارة الإقناع في موضع، مع أنه قدم قوله: (وله دفعها إلى الساعي وإلى الإمام ولو فاسقا يضعها في مواضعها وإلا حرم، ويجوز كتمها إذن ويبرأ بدفعها إليه ولو تلفت في يده أو لم يصرفها مصارفها) فيفهم من كلامه: أنه إذا كان الإمام جائرا في الزكاة بأن كان لا يضعها في موضعها فيحرم دفع الزكاة إليه وجاز لصاحب الزكاة كتمها عن الإمام، وخالفه في الغاية فقال: (ويجب كتمها). والتوفيق بين كلامي الإقناع في حكم دفع الزكاة لإمام لا يصرفها في مصارفها: أنه محرم، مع أنه يجزئ دفعها له ويبرأ دافعها منها، ومما يؤيد إجزاءها ما قاله البهوتي في الكشاف - ومثله في شرح المنتهى -: (قال في الشرح: لا يختلف المذهب أن دفعها للإمام جائز، سواء كان عدلا أو غير عدل، وسواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة، ويبرأ بدفعها إليه سواء تلفت بيد الإمام أو لا، أو صرفها في مصارفها أو لم يصرفها اه، وقيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب ويشربون بها الخمور فقال " ادفعها إليهم " حكاه عنه أحمد، وفي لفظ عنه " ادفعوها إلى من غلب ". =

стр. 520

فصل ولا يجزئُ دفعُ الزكاةِ للكافرِ (١)، ولا للرَّقيقِ (٢)، ولا للغنيِّ بمالٍ أو كسبٍ (٣)، = وفي لفظ آخر " ادفعوها إلى الأمراء وإن كرعوا بها لحوم الكلاب على موائدهم " رواهما عنه أبو عبيد، وقال أحمد في رواية حنبل: كانوا يدفعون الزكاة إلى الأمراء، وهؤلاء أصحاب النبي ﷺ يأمرون بدفعها وقد علموا فيما ينفقونها فما أقول أنا؟)، بل قال شيخ الإسلام - كما في الاختيارات -: (وما يأخذه الإمام باسم المكس جاز دفعه بنية الزكاة، وتسقط، وإن لم تكن على صفتها)، وتعقبه الشيخ ابن عثيمين في الاختيارات بما في الإنصاف وغيره وهو: (وقال الشيخ تقي الدين: ما أخذه باسم الزكاة ولو فوق الواجب بلا تأويل، اعتد به، وإلا فلا)، فما أخذه الحاكم باسم غير الزكاة فلا يجزئ. (١) ما لم يكن مؤلَّفًا، فيجوز دفع الزكاة إليه (٢) ما لم يكن من العاملين عليها، أو مُكاتبًا. (٣) والمراد بالغني بالكسب: أن يكون له مال يكفيه، أو صنعة، أو وظيفة تدرُّ له أموالًا كل شهر، وتكون كافية له، فلا يجوز دفع الزكاة إليه، قال ابن عوض: (أي: لا يجزئ الدفع للغني بكسب من صنعة ونحوها تكفيه، ويحرم عليهما أن يأخذا شيئا منها وسؤالها). =

стр. 521

ولا لِمَنْ تلزمُهُ نفقتُهُ (١)، ولا للزَّوجِ (٢)، ولا لبني هاشمٍ (٣). = (تنبيه) قوله: (ولا للغني بمال أو كسب) لم أجد هذه العبارة في الإقناع ولا في المنتهى، ولا في الغاية إلا أنهم ذكروا أنه لو ادعى الجَلْدُ القادرُ الصحيحُ عدمَ مكسب فإنه يقلد - اي: يعطى من الزكاة - إذا لم يعلم كذبه بعد إعلامه وجوبا أنه لا حظ فيها لغني ولا قوي مكتسب. (١) من لزمته نفقة شخص، فلا يجوز أن يدفع إليه الزكاة، إلا إذا كان عاملا أو غازيا أو مؤلفا أو مكاتبا أو ابن سبيل، أو غارما لإصلاح ذات البين. وستأتي شروط وجوب النفقة على الغير في باب النفقات - إن شاء الله -، وهي مهمة جدًا، والناس عنها غافلون، فبعض الناس يعيش في بيت فاخر وكبير، ووالداه يعيشان في مسكن قديم، ويظن أنه لا يجب عليه أن يُنفق عليهم، وكذا عكسه كأن يكون الأب غنيًا وأولاده فقراء، فإنه يجب عليه أن ينفق عليهم. (٢) لا يجوز للزوجة أن تدفع زكاة مالها لزوجها؛ لأن الزكاة تعود إليها بإنفاقه عليها، وكذا لا يجوز للزوج أن يدفع زكاة ماله لزوجته؛ لأنه يجب على الزوج أن ينفق على زوجته، ونقل ابن المنذر الإجماعَ على عدم الجواز ذكره البهوتي في الكشاف. (٣) وهم سلالة هاشم، فيدخل فيها آل العباس بن عبد المطلب، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب، وآل أبي لهب فلا يجوز دفع الزكاة إليهم، =

стр. 522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ويستثنى من ذلك إذا كانوا غُزاة، أو مؤلَّفة قلوبهم، أو غارمين لإصلاح ذات البين فقط، فيجوز إذَن دفع الزكاة إليهم، ولهم أخذ صدقة التطوع، أما شيخ الإسلام ﵀، فيُجوِّز لبني هاشم أخذ الزكاة إذا لم يُعطوا خُمس الخُمس الذي يستحقونه من الغنيمة، والذي جاء في قوله تعالى: ﴿وَاعلَموا أَنَّما غَنِمتُم مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسولِ وَلِذِي القُربى﴾ [الأنفال: ٤١]، وهو قول قوي في المذهب. في المذهب. (تتمة نفيسة) يذكر الحنابلة هنا قاعدة وهي: أن كلَّ من لم يجز له دفع الزكاة إليه يجوز له أخذ صدقة التطوع، ويستحب التعفف عنها، وعدم التعرض لها، فإن أخذها مظهرا الفاقة حرم، قال في الإقناع وشرحه: و (وتجوز صدقة التطوع على الكافر والغني وغيرهما) من بني هاشم وغيرهم ممن منع الزكاة (ولهم أخذها) لقوله تعالى ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا﴾ [الإنسان: ٨] ولم يكن الأسير يومئذ إلا كافرا وكسا عمر أخا له مشركا حلة كان النبي ﷺ كساه إياها «وقال النبي ﷺ لأسماء بنت أبي بكر صلي أمك»، وكانت قدمت عليها مشركة، (ويستحب التعفف فلا يأخذ الغني صدقة ولا يتعرض لها) لأن الله تعالى مدح المتعففين عن السؤال مع وجود حاجتهم، فقال: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾ [البقرة: ٢٧٣] (فإن أخذها) الغني (مظهرا للفاقة حرم) عليه ذلك، وإن كانت تطوعا لما فيه من الكذب والتغرير =

стр. 523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وروى أبو سعيد مرفوعا «فمن يأخذ مالا بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالا بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع» وفي لفظ: «إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع» متفق عليه). لكن قد يقيد ما مضى - من التحريم مع إظهار الفاقة، واستحباب التعفف عنها - بالصدقات الخاصة، أما الصدقات بالصدقات الخاصة، أما الصدقات التي تبذل لكل الناس فتجوز لكل الناس الغني والفقير وغيرهما، بل حتى للنبي ﷺ ، فقد نقل ابن النجار في شرحه لمنتهاه نقلا نفيسا من شرح المجد جد شيخ الإسلام على الهداية لأبي الخطاب، فقال: (قال في " شرح الهداية ": ولا خلاف نعلمه أن النبي ﷺ لا يحرم عليه أن يقترض، ولا أن يُهدى له، أو يُنظر بدينه، أو يُوضع عنه، أو يَشربُ من سقايةٍ موقوفةٍ على الماء، أو يأوي إلى مكان جعل للمارة، ونحو ذلك من أنواع المعروف التي لا غضاضة فيها، والعادة جارية بها في حق الشريف والوضيع. وإن كان يطلق عليها اسم الصدقة. قال : (فمن تصدق به فهو كفارة له)] المائدة: ٤٥]. وقال: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم)] البقرة: ٢٨٠]. وقال النبي ﷺ : " كل معروف صدقة ")، وقد نقل البهوتي هذا النقل النفيس في شرحه على الإقناع، وحاشيته على المنتهى، ونقله الرحيباني في المطالب. قلت: فيتخرج على هذا أن الصدقات المبذولة للناس عموما =

стр. 524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يجوز لكل أحد أن يأخذ منها ولو كان غير فقير، كالماء الذي يوزع في المساجد، والتمر الذي يوضع فيها، وإفطار الصائم في المساجد وغيرها يجوز لكل أحد أن يتناول منها، (ونحو ذلك من أنواع المعروف التي لا غضاضة فيها، والعادة جارية بها في حق الشريف والوضيع)، فهذه أشياء لا غضاضة - أي: لا حطيطة ولا عيبا - في الأخذ منها، وهي مبذولة للجميع؛ لأن كلَّ من بذلها يريد الأجرَ من الله تعالى في إطعام أو سقاية كل من أخذ فجاز الأخذ منها، والله أعلم. (فائدة) دليل وضع عذق التمر في المسجد: قال الإمامُ البخاري ﵀ في صحيحه: (باب القسمة، وتعليق القنو في المسجد قال أبو عبد الله: «القنو العذق والاثنان قنوان والجماعة أيضا قنوان مثل صنو وصنوان»)، ولم يذكر فيه حديثا، قال ابن بطال في شرح البخاري (٢/ ٧٣): (قال المهلب: فيه وضع ما الناس مشتركون فيه من صدقة أو غيرها فى المسجد؛ لأن المسجد لا يُحجب أحد من ذوى الحاجة من دخوله والناس فيه سواء، وكذلك أمور جماعة المسلمين يجب أن تعمل فى المسجد، وليس في هذا الباب تعليقُ قنوٍ فى المسجد، وأغفله البخارى. وتعليق القنو فى المسجد أمر مشهور، ثم ذكر ابن قتيبة فى غريب الحديث أن نبى الله خرج، فرأى أقناء معلقة فى المسجد، وذكر ثابت فى (غريب الحديث) أن نبى الله أمر من كل حائط بقنو، يعنى للمسجد، =

стр. 525

فإن دفعَهَا لغيرِ مستحِقِّها - وهو يجهلُ، ثمَّ عَلِمَ -، لم يجزِهِ، ويستردُّها منهُ بنمائِها (١). = معنى ذلك أن ناسًا كانوا يقدمون على رسول الله لا شئ لهم، فقالت الأنصار: (يا رسول الله، لو عجلنا قنوًا من كل حائط لهؤلاء، قال: أجل فافعلوا)، فجرى ذلك إلى اليوم، فهى الأقناء التى تعلق فى المسجد فيعطاها المساكين، وكان عليها على عهد رسول الله، معاذ بن جبل. قال ابن القاسم: قد سئل مالك عن أقناء تكون فى المسجد وشِبه ذلك، فقال: لا بأس بها، وسئل عن الماء الذى يسقى فى المسجد أترى أن يشرب منه قال: نعم إنما يجعل للعطشى، ولم يرد به أهل المسكنة؛ فلا أرى أن يترك شربه، ولم يزل هذا من أمر الناس، قال: وقد سقى سعد بن عبادة، فقيل له: فى المسجد؟ قال: لا، ولكن فى منزله الذى كان فيه، وليس ما ذكره ثابت أن الأقناء كانت تجعل فى المسجد للمساكين بخلاف لقول مالك؛ لأن مالكًا إِذْ سئل عن الأقناء لم تكن تجعل حينئذ للمساكين خاصة؛ لأن زمان مالك كان الناس فيه أوسع حالاً منهم فى أول الإسلام، فكان يجعل فى وقت مالك على طريق التوسعة للناس لا يراد بها المساكين، وإنما يراد بها كل من دخل المسجد من غنى أو مسكين، ألا ترى أن مالكًا شبه ذلك بالماء الذى يجعل للعطشان ولا يراد به المساكين). (١) الأصل أنه لا يجوز أن يدفع الإنسان الزكاة إلا لمن يعلم أو يغلب على ظنه أنه من أهلها. فإن دفعها لغير مستحقها - وهو يجهل، ثم علم -، لم يجزئه، ومثاله: أن يدفعها لشخص يظن =

стр. 526

وإن دفعَها لِمَنْ يظنُّهُ فقيرًا، فبانَ غنيًّا: أجزأَهُ (١). وسُنَّ أن يفرِّقَ الزكاةَ على أقاربِهِ الذينَ لا تلزمُهُ نفقتُهم على قَدرِ حاجتِهِم (٢)، وعلى ذَوِي أرحامِهِ كعمَّتِهِ، وبنتِ أخِيهِ (٣). وتجزئُ إن دفعَهَا لِمَنْ تبرَّعَ بنفقتِهِ بضمِّهِ إلى عيالِهِ. = أنه غارم، ثم يتبين له أنه ليس بغارم، فلا يُجزئه، ويجب على الدافع أن يستردها من غير المستحق بنمائها المتصل والمنفصل. (١) في الكشاف: (لأنه ﷺ أعطى الرجلين الجلدين وقال: «ولا حظ فيها لغني ولا قوي مكتسب» ولو اعتبر حقيقة انتفاء الغني لما اكتفى بقولها؛ ولأن الغنى يخفى وأخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «قال رجل: لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون: تصدق عن غني فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد تقبلت فلعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله تعالى الحديث»). لكن يجب على الغني الذي أعطيت له الزكاة أن يردها بنمائها المتصل والمنفصل. (٢) فيعطيها مثلًا لأخيه الذي لا يرث منه، أو لعمه الذي لا يرث منه كذلك، ويُعطي كل واحد على قدر حاجته. (٣) ولو ورثوا مزكيا كما في المنتهى؛ لضعف قرابتهم التي يرثون بها، ويستثنى من ذلك: أصول المزكي، فإن كانوا من ذوي الأرحام كالجد من جهة الأم، فإنه لا يُجزئ دفع الزكاة إليهم، والسبب أنه يجب على الشخص أن ينفق عليهم، فإذا دفع إليهم زكاة ماله، أسقط النفقة عن نفسه.

стр. 527

فصل وتُسنُّ صدقَةُ التطوُّعِ (١) في كلِّ وقتٍ (٢)، لا سيَّمَا: سرًّا (٣)، وفي الزمانِ والمكانِ الفاضلِ (٤)، وعلى جارِهِ وذوِي رَحِمِهِ، فهي صَدَقَةٌ وصِلةٌ (٥). (١) أي: غير الواجبة، وتسن صدقة التطوع إذا كانت بالفاضل عن كفايته ومن يمونه دائما من متجر أو غلة وقف أو صنعة أو عطاء من بيت المال. (٢) في المعونة: (لإطلاق الحث عليها في الكتاب والسنة). (٣) فهي أفضل من كونها في العلن، وزاد في المنتهى وغيره: (وسرا بطيب نفس في صحة) فهي أفضل في هذه الأحوال من كونها في ضدها؛ لقوله تعالى (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم)، ولحديث: (وأنت صحيح شحيح) رواه مسلم، بخلاف الزكاة فيستحب إظهارها كما سبق. (فرق فقهي). (٤) الزمان الفاضل كالعشر الأواخر من رمضان، والمكان الفاضل كالحرمَين، فالصدقة فيه أفضل منها في غيرهما. (٥) أي: فهي صدقة إذا كانت على جار، وصدقة وصلة إذا كانت على ذوي الرحم، وفي الحديث: «إنَّ أفضل الصدقةِ: الصدقةُ على ذي الرحم الكاشِحِ» رواه أحمد وغيره، أي: المبغض لك، فهي أفضل الصدقات. (تنبيه) كأن الْمُؤَلِف ساوى بين الجار والقريب وعبارته قريبة من عبارة المنتهى والغاية، وعبارة الإقناع: (وهي على ذي الرحم =

стр. 528

ومَنْ تصدَّقَ بما يَنْقُصُ مُؤنةً تلزمُهُ، أو أضَرَّ بنفسِهِ أو غرِيمِهِ: أَثِمَ بذلكَ (١). وكُرِه (٢) لِمَنْ لا صبرَ لهُ، أو لا عادةَ لهُ على الضِّيقِ: أن يَنْقُصَ نفسَهُ عَنِ الكفايةِ التَّامةِ (٣). = صدقة وصلة، لاسيما مع العداوة، فهي عليه ثم على جار أفضل) وهذه العبارة أولى؛ لأنها جعلت ذا الرحم مقدما على الجار. (١) أي: من تصدق بمال وكان يتضرر بتلك الصدقة - كمن تصدق بكل ماله أو بما يحتاجه لنفسه - أو ينقص به مؤنة من تلزمه نفقته كزوجة قريب، أو إذا تصدق أضر بغريمه - أي: من أقرضه -، فلا يبقى له ما يوفي به حقه، فإنه يأثم بذلك؛ لحديث: (لا ضرر ولا ضرار). (٢) قال اللبدي: (هذا إن لم يحصل ضرر فإن حصل حرم كما تقدم) وقال أيضا: (علم منه أنه إن كان له صبر ولا عيال له، أو له ووافقوه فله الصدقة بجميع ماله كما وقع للصديق ﵁، وقال أيضا: (وهل الأفضل كسب المال وصرفه لمستحقيه أو الانقطاع للعبادة وترك الناس؟ فيه خلاف والصحيح الأول لتعدي نفعه) قلت: فإن تفرغ للعلم فيقدم على التكسب لتعدي نفعه الذي هو أهم من إطعام الناس، قال في الإقناع وشرحه: (وإن تفرغ قادر على التكسب للعلم) الشرعي، وإن لم يكن لازما له (وتعذر الجمع) بين العلم والتكسب (أعطي) من الزكاة لحاجته، و (لا) يعطى من الزكاة (إن تفرغ) قادر على التكسب (للعبادة) لقصور نفعها عليه، بخلاف العلم.). (٣) الكفاية التامة - كما يقولون -: هي التي ليست ناقصة، ولا =

стр. 529

والمنُّ بالصَّدقةِ كبيرةٌ (١)، ويبطُلُ بِهِ الثَّوابُ (٢). = فيها غضٌ من الجنس. فيكره لمن ليس متعودًا على ما دون الكفاية التامة: أن يتصدق بما ينقص نفسه عنها؛ لأنه - كما قال الشيخ منصور -: (نوع إضرار بنفسه). (تتمة) زاد في الغاية هنا: (قال ابن الجوزي: وقد تزهد خلق كثير فأخرجوا ما بأيديهم ثم احتاجوا فدخلوا في المكروهات). (١) قال في الإقناع: (وغيرها أيضًا)، كمن يعين إنسانًا في شيء، ثم يمنُّ عليه ويقول: أنا ساعدتك، وأعنتك … ، فيحرم، والكبيرة في المذهب: ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وزاد شيخ الإسلام: أو لعن - أي: ورد فيها لعن من الشارع -، أو غضب، أو نفي إيمان. (٢) أي: يبطل الثواب بالمنِّ؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦١]. (تتمة) قال في الغاية: (قال بعضهم: لا لقصد تربيةٍ وتأديب)، أي: إذا كان المن بالصدقة بقصد التربية والتأديب، فإنه لا يبطل به الثواب، ونقل في الإنصاف عن الفروع: (ويحتمل أن يحرم المن إلا عند من كُفِر إحسانه وأُسيء إليه، فله إذَن أن يُعدد إحسانه انتهى،، ويدل عليه أن النبي ﷺ أعطى المؤلَّفة ولم يعط الأنصار، فكأنهم وجدوا، فقال لهم: «يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضُلَّالًا، فهداكم الله بي؟»)، فأخذ يُعدد ﷺ محاسنه على الأنصار - رضي الله تعالى عنهم - هذا في الصحيحين.

стр. 530

كتاب الصيام (١) يجبُ صومُ رمضانَ برُؤيةِ هلالِهِ (٢) على جميعِ (١) الصيام لغة: الإمساك، وشرعاً: إمساكٌ بنية من شخصٍ مخصوص في وقتٍ مخصوص عن أشياء مخصوصة. قال النجدي: (شخص مخصوص: أي مسلم عاقل مميز غير حائض ونفساء). وفُرِض صيامُ شهر رمضان في السنة الثانية ويكون بذلك قد صام النبي ﷺ تسعَ رمضانات. ودليل فرض صيام رمضانَ الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ. (٢) بدأ المؤلف بالأمور التي يثبت بها دخول شهر رمضان فيجب صوم رمضان - على المذهب - بأحد ثلاثة أمور: (الأمر الأول): رؤية هلال رمضان، لحديث: (صوموا لرؤيته). متفق عليه، ويجب الصوم به بالإجماع، ويطلق الهلال - كما في المطلع نقلاً عن الجوهري - على ما يكون في أول ليلة وكذا الثانية والثالثة، ثم بعد ذلك يُسمى قمراً. ويترتب على ذلك مسائل هنا، وفي الطلاق، وغيره. (تتمة) يشترط لاعتبار رؤية هلال رمضان أن تكون بعد غروب الشمس، فلو رؤي الهلال نهاراً، لم يثبت به دخول الشهر، ولم تعتبر رؤيةً شرعيةً.
следующие страницы →