Полный текст (2 012 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وإن دفعَها لِمَنْ يظنُّهُ فقيرًا، فبانَ غنيًّا: أجزأَهُ (١).
وسُنَّ أن يفرِّقَ الزكاةَ على أقاربِهِ الذينَ لا تلزمُهُ نفقتُهم على قَدرِ حاجتِهِم (٢)، وعلى ذَوِي أرحامِهِ كعمَّتِهِ، وبنتِ أخِيهِ (٣).
وتجزئُ إن دفعَهَا لِمَنْ تبرَّعَ بنفقتِهِ بضمِّهِ إلى عيالِهِ.
= أنه غارم، ثم يتبين له أنه ليس بغارم، فلا يُجزئه، ويجب على الدافع أن يستردها من غير المستحق بنمائها المتصل والمنفصل.
(١) في الكشاف: (لأنه ﷺ أعطى الرجلين الجلدين وقال: «ولا حظ فيها لغني ولا قوي مكتسب» ولو اعتبر حقيقة انتفاء الغني لما اكتفى بقولها؛ ولأن الغنى يخفى وأخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «قال رجل: لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون: تصدق عن غني فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد تقبلت فلعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله تعالى الحديث»).
لكن يجب على الغني الذي أعطيت له الزكاة أن يردها بنمائها المتصل والمنفصل.
(٢) فيعطيها مثلًا لأخيه الذي لا يرث منه، أو لعمه الذي لا يرث منه كذلك، ويُعطي كل واحد على قدر حاجته.
(٣) ولو ورثوا مزكيا كما في المنتهى؛ لضعف قرابتهم التي يرثون بها، ويستثنى من ذلك: أصول المزكي، فإن كانوا من ذوي الأرحام كالجد من جهة الأم، فإنه لا يُجزئ دفع الزكاة إليهم، والسبب أنه يجب على الشخص أن ينفق عليهم، فإذا دفع إليهم زكاة ماله، أسقط النفقة عن نفسه.
стр. 527
فصل
وتُسنُّ صدقَةُ التطوُّعِ (١) في كلِّ وقتٍ (٢)، لا سيَّمَا: سرًّا (٣)، وفي الزمانِ والمكانِ الفاضلِ (٤)، وعلى جارِهِ وذوِي رَحِمِهِ، فهي صَدَقَةٌ وصِلةٌ (٥).
(١) أي: غير الواجبة، وتسن صدقة التطوع إذا كانت بالفاضل عن كفايته ومن يمونه دائما من متجر أو غلة وقف أو صنعة أو عطاء من بيت المال.
(٢) في المعونة: (لإطلاق الحث عليها في الكتاب والسنة).
(٣) فهي أفضل من كونها في العلن، وزاد في المنتهى وغيره: (وسرا بطيب نفس في صحة) فهي أفضل في هذه الأحوال من كونها في ضدها؛ لقوله تعالى (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم)، ولحديث: (وأنت صحيح شحيح) رواه مسلم، بخلاف الزكاة فيستحب إظهارها كما سبق. (فرق فقهي).
(٤) الزمان الفاضل كالعشر الأواخر من رمضان، والمكان الفاضل كالحرمَين، فالصدقة فيه أفضل منها في غيرهما.
(٥) أي: فهي صدقة إذا كانت على جار، وصدقة وصلة إذا كانت على ذوي الرحم، وفي الحديث: «إنَّ أفضل الصدقةِ: الصدقةُ على ذي الرحم الكاشِحِ» رواه أحمد وغيره، أي: المبغض لك، فهي أفضل الصدقات.
(تنبيه) كأن الْمُؤَلِف ساوى بين الجار والقريب وعبارته قريبة من عبارة المنتهى والغاية، وعبارة الإقناع: (وهي على ذي الرحم =
стр. 528
ومَنْ تصدَّقَ بما يَنْقُصُ مُؤنةً تلزمُهُ، أو أضَرَّ بنفسِهِ أو غرِيمِهِ: أَثِمَ بذلكَ (١).
وكُرِه (٢) لِمَنْ لا صبرَ لهُ، أو لا عادةَ لهُ على الضِّيقِ: أن يَنْقُصَ نفسَهُ عَنِ الكفايةِ التَّامةِ (٣).
= صدقة وصلة، لاسيما مع العداوة، فهي عليه ثم على جار أفضل) وهذه العبارة أولى؛ لأنها جعلت ذا الرحم مقدما على الجار.
(١) أي: من تصدق بمال وكان يتضرر بتلك الصدقة - كمن تصدق بكل ماله أو بما يحتاجه لنفسه - أو ينقص به مؤنة من تلزمه نفقته كزوجة قريب، أو إذا تصدق أضر بغريمه - أي: من أقرضه -، فلا يبقى له ما يوفي به حقه، فإنه يأثم بذلك؛ لحديث: (لا ضرر ولا ضرار).
(٢) قال اللبدي: (هذا إن لم يحصل ضرر فإن حصل حرم كما تقدم) وقال أيضا: (علم منه أنه إن كان له صبر ولا عيال له، أو له ووافقوه فله الصدقة بجميع ماله كما وقع للصديق ﵁، وقال أيضا: (وهل الأفضل كسب المال وصرفه لمستحقيه أو الانقطاع للعبادة وترك الناس؟ فيه خلاف والصحيح الأول لتعدي نفعه) قلت: فإن تفرغ للعلم فيقدم على التكسب لتعدي نفعه الذي هو أهم من إطعام الناس، قال في الإقناع وشرحه: (وإن تفرغ قادر على التكسب للعلم) الشرعي، وإن لم يكن لازما له (وتعذر الجمع) بين العلم والتكسب (أعطي) من الزكاة لحاجته، و (لا) يعطى من الزكاة (إن تفرغ) قادر على التكسب (للعبادة) لقصور نفعها عليه، بخلاف العلم.).
(٣) الكفاية التامة - كما يقولون -: هي التي ليست ناقصة، ولا =
стр. 529
والمنُّ بالصَّدقةِ كبيرةٌ (١)، ويبطُلُ بِهِ الثَّوابُ (٢).
= فيها غضٌ من الجنس. فيكره لمن ليس متعودًا على ما دون الكفاية التامة: أن يتصدق بما ينقص نفسه عنها؛ لأنه - كما قال الشيخ منصور -: (نوع إضرار بنفسه).
(تتمة) زاد في الغاية هنا: (قال ابن الجوزي: وقد تزهد خلق كثير فأخرجوا ما بأيديهم ثم احتاجوا فدخلوا في المكروهات).
(١) قال في الإقناع: (وغيرها أيضًا)، كمن يعين إنسانًا في شيء، ثم يمنُّ عليه ويقول: أنا ساعدتك، وأعنتك … ، فيحرم، والكبيرة في المذهب: ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وزاد شيخ الإسلام: أو لعن - أي: ورد فيها لعن من الشارع -، أو غضب، أو نفي إيمان.
(٢) أي: يبطل الثواب بالمنِّ؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦١].
(تتمة) قال في الغاية: (قال بعضهم: لا لقصد تربيةٍ وتأديب)، أي: إذا كان المن بالصدقة بقصد التربية والتأديب، فإنه لا يبطل به الثواب، ونقل في الإنصاف عن الفروع: (ويحتمل أن يحرم المن إلا عند من كُفِر إحسانه وأُسيء إليه، فله إذَن أن يُعدد إحسانه انتهى،، ويدل عليه أن النبي ﷺ أعطى المؤلَّفة ولم يعط الأنصار، فكأنهم وجدوا، فقال لهم: «يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضُلَّالًا، فهداكم الله بي؟»)، فأخذ يُعدد ﷺ محاسنه على الأنصار - رضي الله تعالى عنهم - هذا في الصحيحين.
стр. 530
كتاب الصيام (١)
يجبُ صومُ رمضانَ برُؤيةِ هلالِهِ (٢) على جميعِ
(١) الصيام لغة: الإمساك، وشرعاً: إمساكٌ بنية من شخصٍ مخصوص في وقتٍ مخصوص عن أشياء مخصوصة. قال النجدي: (شخص مخصوص: أي مسلم عاقل مميز غير حائض ونفساء). وفُرِض صيامُ شهر رمضان في السنة الثانية ويكون بذلك قد صام النبي ﷺ تسعَ رمضانات.
ودليل فرض صيام رمضانَ الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ.
(٢) بدأ المؤلف بالأمور التي يثبت بها دخول شهر رمضان فيجب صوم رمضان - على المذهب - بأحد ثلاثة أمور: (الأمر الأول): رؤية هلال رمضان، لحديث: (صوموا لرؤيته). متفق عليه، ويجب الصوم به بالإجماع، ويطلق الهلال - كما في المطلع نقلاً عن الجوهري - على ما يكون في أول ليلة وكذا الثانية والثالثة، ثم بعد ذلك يُسمى قمراً. ويترتب على ذلك مسائل هنا، وفي الطلاق، وغيره.
(تتمة) يشترط لاعتبار رؤية هلال رمضان أن تكون بعد غروب الشمس، فلو رؤي الهلال نهاراً، لم يثبت به دخول الشهر، ولم تعتبر رؤيةً شرعيةً.
стр. 531
النَّاسِ (١)، وعلى مَنْ حالَ دونَهم ودونَ مطلعِهِ غَيمٌ أو قترٌ، ليلةَ الثَّلاثينَ مِنْ شعبانَ (٢)، احتياطاً بنيَّةِ أنه من رمضانَ (٣).
(١) المذهب أن الهلال إذا رؤي في مكان ما - ولو في المغرب الأقصى -، فإنه يلزم جميع المسلمين في الكرة الأرضية الصيامُ ولو اختلفت المطالع؛ لقوله ﷺ : «صوموا لرؤيته»، وهو خطابٌ للأُمَّة كافة. أما شيخ الإسلام، فيرى أنه إذا رؤي الهلال في بلد؛ فإنَّ لزوم الصيام يقتصر على أهل ذلك البلد، ومن قارَبَ مطلعهم في زمن يبلغهم فيه رؤية الهلال.
(٢) (الأمر الثاني) من حال دونهم ودون مطلع الهلال - أي: حجبهم عن رؤية هلال رمضان - غيمٌ أو قتر، فيجب عليهم الصوم. وإنما يكون هذا ليلة الثلاثين من شعبان فقط، وهو من المفردات، أي: انفرد به الحنابلة عن سائر المذاهب.
والغيم: هو السحاب، والقتر: هو الغبار الذي يكون مرتفعاً في السماء. أما الغبار الذي يكون أسفل - أي: في الأرض -، فيسمى غبرة كما في المطلع.
(٣) فوجوب الصوم على من حال دونهم ودون مطلع الهلال غيم أو قتر إنما يكون احتياطاً - لا يقيناً - بنية أنه من رمضان بناء على غلبة الظن فلعله طلع الهلالُ لكن لم يُر، لحديث (إذا رأيتموه فأفطروا فان غم عليكم فاقدِروا له). متفق عليه، أي: ضيقوا عليه وهو أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يوما، وفسره ابن عمر بفعله؛ لأنه كان إذا حال دون منظره سحاب أو قتر =
стр. 532
ويُجزئُ إن ظهرَ منهُ (١)، وتصلَّى التَّراويحُ (٢). ولا تثبتُ بقيَّةُ الأحكامِ: كوقوعِ الطَّلاقِ، والعتقِ، وحلولِ الأجلِ (٣).
= أصبح صائما، وهو راوي الحديث وأعلم بمعناه فوجب الرجوع في تفسيره إليه، ولأنه يحتاط لرمضان ويجب بخبر الواحد، وللحنابلة أدلة أخرى على هذا، بل صنفوا في هذه المسألة التصانيف - كما قال المرداوي -، منهم من ينصر المذهب، ومنهم من يرد عليه، وطُبع منها ثلاثة أو أربعة رسائل. والمذهب المعتمد: وجوب الصيام.
(١) أي: يجزئ صيام ذلك اليوم إن ظهر أنه من رمضان، وذلك بأن تثبت رؤيته بمكان آخر.
(٢) أي: تلك الليلة. فإذا حكمنا بدخول شهر رمضان بهذا الطريق، ثبتت أحكامه الخاصة بصيام رمضان فقط، ومنها: استحباب صلاة التراويح في تلك الليلة، ووجوب صوم اليوم الذي يليها، ووجوب الإمساك لمن بلغ فيه، وغير ذلك من الأحكام التي تتعلق بصيام رمضان.
(٣) فلا تثبت الأحكام التي لا تتعلق بصوم رمضان. فلو علَّق طلاقَ زوجتِه على دخول رمضان، ثم حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر، فيُحكم بدخول شهر رمضان احتياطاً، لكن لا يقع الطلاق، وكذلك لو علق العتق على دخول رمضان، فلا يقع حتى يُرى الهلالُ، أو يكمل شهر شعبان ثلاثين يوماً. ومثله أيضاً ديون مؤجلة مؤقتة بدخول رمضان، فلا تحل إن حكمنا بدخول رمضان بهذا الطريق. =
стр. 533
وتثبتُ رؤيةُ هلالِهِ بخبرِ (١)
= (تتمة) الرواية الثانية في هذه المسألة: لا يجب صوم رمضان إذا حال دون مطلعه غيم أو قتر، ولا تثبت توابع الصيام. وقدَّمه صاحب الإقناع، واختاره شيخ الإسلام، وقال: (لا أصل للوجوب في كلام أحمد، ولا في كلام أحد من أصحابه). وردَّ ابنُ مفلح في الفروع جميعَ ما احتج به الأصحاب للوجوب، وقال: (ولم أجد عن أحمد أنه صرح بالوجوب - أي: بوجوب صيام ذلك اليوم إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر - ولا أمر به، فلا تتوجه إضافته إليه).
والرواية الثالثة في هذه المسألة: الناس تبع للإمام.
(تتمة) يثبت دخول الشهر أيضاً ب: (الأمر الثالث) وهو إكمال شعبان ثلاثين يوماً، وهذا بالإجماع فإذا أكمل الناس شعبان ثلاثين يوما حكم بعده بدخول رمضان وإن لم يُر الهلال.
(تنبيه) لا يعمل بدخول رمضان بغير ما تقدم من الأمور الثلاثة كالحساب والنجوم ولو كثرت إصابتُهما، بل لو كان صحوا وصام ذلك اليوم وبان من رمضان لم يجزئه؛ لأنه لم يستند على ما يعول عليه شرعاً، وهو يوم الشك الذي يكره صومه على المذهب.
(١) فلا يشترط لفظ الشهادة - بأن يؤدي الرائي الخبرَ بقوله: «أشهد» -، بل يكفي الإخبار بقوله: «رأيتُ هلال رمضان».
стр. 534
مسلمٍ (١) مكلَّفٍ (٢) عدلٍ (٣)، ولو عبداً أو أنثى (٤). وتثبتُ بقيةُ الأحكام تبعاً (٥).
(١) يشترط لقبول خبر رؤية هلال رمضان: (الشرط الأول) أن يكون المخبِر مسلماً، لا كافراً.
(٢) (الشرط الثاني) أن يكون مكلَّفاً، فخرج بذلك الصبي والمجنون.
(٣) (الشرط الثالث) أن يكون عدلاً، والمقصود بالعدالة هنا: الظاهرة والباطنة فلا يكفي مستور الحال أو مجهوله.
ويكفي واحد يخبر برؤية هلال رمضان؛ لحديث ابن عمر ﵄: (تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه) رواه أبو داود وصححه ابن حزم والنووي.
(تتمة) يقول الحنابلة هنا: (ولا يختص بحاكم)، والمراد منه: أنه لا يلزم من رأى الهلال أن يشهد عند الحاكم. فمن سمع عدلاً استوفى ما تقدم من الشروط يخبرُ أنه رأى هلال رمضان، وجب عليه - أي: السامع - صيام رمضان، ولو رد الحاكم خبرَه، والرائي من باب أولى.
(٤) أي: امرأة.
(٥) فإذا أخبر شخصٌ عدل بدخول شهر رمضان، وقد استوفى الشروط المتقدمة، فإن بقية الأحكام تثبت تبعاً للصوم كحلول الدَّين، ووقوع الطلاق، والعتق المعلقَين بدخول رمضان.
стр. 535
ولا يُقبل في بقيَّةِ الشُّهورِ إلا رجلانِ عدلانِ (١).
(١) وهذه المسألة من زيادات الإقناع على المنتهى، فيشترط في دخول رمضان واحد وفي خروجه اثنان، فكل الشهور - ومنها شوال - لا يقبل في دخولها إلا رجلان عدلان، فلا يقبل فيها قول الإناث، بخلاف رمضان. ويشترط أيضاً أن يكون بلفظ الشهادة، فيقول كل واحد منهما: أشهد أني رأيت هلال شوال مثلاً، بخلاف رمضان، فيكفي فيه الإخبار - أي: أن يقول: رأيتُ هلال رمضان -، ولا يشترط أن يقول: أشهد. وإنما سهلوا في دخول رمضان لحديث ابن عمر ﵄: «تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه»، واحتياطاً للعبادة، كما قال الشيخ منصور في كشاف القناع وشرح المنتهى.
стр. 536
فصل
وشرطُ وجوبِ الصَّومِ أربعةُ أشياءَ: الإسلامُ (١)، والبلوغُ (٢)، والعقلُ (٣)، والقُدرةُ عليهِ (٤). فمن عَجزَ عنهُ لكبَرٍ، أو مرضٍ لا يُرجَى زوالُهُ، أفطَرَ (٥)، وأطعمَ عن كلِّ يومٍ مسكيناً: مدَّ برٍّ، أو نصفَ صاعٍ مِنْ غيرِهِ (٦).
(١) لا يجب الصوم إلا على من توفرت فيه أربعة شروط: (الشرط الأول) الإسلام، فلا يجب على الكافر، ولا يقضيه إذا أسلم، لكن لو أسلم في أثناء اليوم فيجب عليه الإمساك وقضاء ذلك اليوم.
(٢) (الشرط الثاني) البلوغ، فلا يجب الصوم على من لم يبلغ، لكن يصح منه إن كان مميزاً، وإن بلغ الصبي صائماً بسن أو احتلام فيجزئه بشرط أن يكون ناويا من الليل؛ بخلاف الصلاة فإنه لو بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها فيجب عليه الإعادة. (فرق فقهي)
(٣) (الشرط الثالث) العقل، فلا يجب الصوم على المجنون، ولا يصح.
(٤) (الشرط الرابع) القدرة على الصيام.
(٥) أي: يجوز للكبير الذي يشق عليه الصوم، وللمريض الذي لا يرجى زوال مرضه أن يفطرَا؛ لعدم وجوب الصوم عليهما، ولا يجب عليه كما في الإقناع، فلو صام صح.
(٦) لما ورد عن ابن عباس ﵄ عند البخاري في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية): قال: (ليست بمنسوخة، هي =
стр. 537
وشرطُ صحَّتِهِ ستَّةٌ: الإسلامُ (١)، وانقطاعُ دمِ الحيضِ (٢)، والنِّفاسِ (٣).
الرَّابعُ: التَّمييزُ (٤)، فيجبُ على وليِّ المميِّزِ المطيقِ للصَّومِ أمرُهُ بِهِ، وضربُهُ عليهِ؛ ليعتادَهُ (٥).
= في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان الصوم فيطعمان مكان كل يوم مسكينا)
فمن لم يستطع الصوم، وجب عليه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً: مُدَّ بُرٍّ أو نصفَ صاع من غيره، لكن قالوا: إنه إن كان مسافراً، فلا يجب عليه القضاء ولا الكفارة.
(١) فيشترط لصحة صوم الإنسان ستة شروط: (الشرط الأول) الإسلام، فلا يصح من الكافر.
(٢) (الشرط الثاني) انقطاع دم الحيض، فلا يصح الصوم من الحائض، بل يحرم عليها، وإذا انقطع الدم لم يبح إلا الصوم والطلاق فلا يكون الطلاق بدعياً، واللبث بوضوء في المسجد، وسبقت في كلام المصنف في كتاب الطهارة.
(٣) (الشرط الثالث) انقطاع دم النفاس.
(٤) (الشرط الرابع) التمييز، وهو بلوغ الصبي سبع سنين، فلا يصح الصوم ممن هو دون ذلك، وهو الطفل.
(تتمة) يثاب المميز على العبادات التي يفعلها كالصلاة، والصيام - كما ذكر في الإقناع -، وفي ذلك ترغيب وتحفيز له على الاستكثار من العبادات.
(٥) هذا الوجوب متعلق بالولي، لا بالمميز، فيلزم الولي أن يأمر =
стр. 538
الخامسُ: العقلُ، لكن لو نوَى ليلاً، ثُمَّ جُنَّ أو أُغمِيَ عليهِ جميعَ النَّهارِ، وأفاقَ منهُ قليلاً: صحَّ (١).
السَّادسُ: النِّيَّةُ مِنْ اللَّيلِ لكلِّ يومٍ واجِبٍ (٢)، فمَن خَطَرَ
= الصبي - ولو ابن ثمان سنين مثلاً - بالصوم إن أطاقه، أي: إن استطاع أن يصوم، فالأمر، والضرب متعلق بالإطاقة. وعلة ذلك: أن يعتاد الصيام قبل أن يجب عليه.
والقول الثاني في هذه المسألة: أن التفصيل في أمر الصبي وضربه على الصوم كالصلاة، فيؤمر به إذا استكمل سبع سنوات، ويضرب عليه إذا استكمل عشراً. وذهب إليه والموفق، والشارح وذكره في الغاية اتجاها.
(١) (الشرط الخامس) العقل. فمن نوى الصوم من الليل، ثم جُنَّ أو أغمي عليه قبل طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، لم يصح صومه، وعلى المغمى عليه القضاء، دون المجنون. لكن لو أفاق أحدُهما جزءاً - ولو لحظات - من اليوم الذي بيَّت النية له من الليل، ثم جُنَّ أو أغمي عليه ثانياً، صح صومه.
(٢) (الشرط السادس) النية. فإن كان الصوم واجباً، اشترط أن ينويه من الليل؛ لقوله ﷺ : «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» رواه أبو داود والترمذي والنسائي. ويشمل الصوم الواجب: رمضان، وقضاءه، والنذر، والكفارة. وذكروا أن صفة النية: أن يعتقد أنه يصوم غداً من رمضان، أو من قضائه، أو من نذرٍ، أو كفارة.
أمَّا صوم النفل فيصح بنية من النهار ولو بعد الزوال، كأن =
стр. 539
بقلبِهِ ليلاً أنَّهُ صائمٌ، فقد نوَى، وكذا الأكلُ والشُّربُ بنيَّةِ الصَّومِ (١).
ولا يضرُّ إن أتَى بعدَ النِّيَّةِ بمُنافٍ للصَّومِ (٢)، أو قالَ:
= ينوي الساعة العاشرة صباحاً مثلا أنه يصوم ذلك اليوم، فيصح صومه حتى لو كان مقيداً كعاشوراء، أو عرفة؛ لظاهر إطلاقهم، لكنَّ الثواب يبدأ من حين النية، لا من أول اليوم؛ لحديث: (إنما الأعمال بالنيات) وللقاعدة الفقهية: لا ثواب إلا بنية، وما قبله لم يوجد فيه قصد القربة، لكن يشترط هنا أن يكون ممسكاً عن جميع المفسدات من أول اليوم، وإذا كان كذلك، فهل يحصل لمثل ذلك الشخص ثواب تكفير السنتين مثلاً في عرفة، ونحو ذلك؟. أما الشيخ خالد المشيقح، فيشترط في النفل المقيد أن ينويه من الليل.
(تتمة): على المذهب لو انقطع دم الحائض في أثناء النهار فيصح صومها فيه نافلة بشرط الإمساك عن جميع المفطرات، بخلاف مالو طرأ الحيض عليها أثناء الصوم فلا يصح الصوم. (فرق فقهي)
(١) هذا تفريع على شرط النية، فإذا قيل: كيف تكون النية؟ والجواب: من خطر بقلبه ليلاً أنه سيصوم غداً لرمضان مثلا، أو أكل وشرب ليلاً بنية الصوم، فقد حصلت له النية؛ لأن النية محلها القلب.
(٢) فلو نوى مثلاً بعد المغرب أنه سيصوم غداً لرمضان أو قضائه مثلا صح، ولو أكل وشرب - مثلاً - بعد ذلك، والنية من الأحكام التي يخالف فيها الصوم غيره من العبادات. فالنية في =
стр. 540
«إن شاءَ اللهُ» غيرَ متردِّدٍ (١). وكذا لو قالَ ليلةَ الثَّلاثينَ مِنْ رمضانَ: «إن كانَ غداً مِنْ رمضانَ ففرضِي، وإلَّا فمُفطِرٌ»، ويضرُّ إن قالَهُ في أوَّلِهِ (٢).
وفرضُهُ: الإمساكُ عن المفَطِّراتِ مِنْ طلوعِ الفجرِ الثَّانِي إلى غروبِ الشَّمسِ.
وسُنَنُهُ ستَّةٌ:
- تعجيلُ الفِطرِ (٣)،
= العبادات - على المذهب - تكون قبل العبادة بيسير - أو مقارنة لها - بعد دخول الوقت، إلا الصوم، فيصح أن ينويه في أي جزء من الليل، ولو بعد المغرب، ولا يشترط أن يجدد النية قبيل الفجر. (فرق فقهي).
(١) أي: لا يضر لو قال: «سأصوم غداً إن شاء الله» غير متردد، وغير شاكٍّ، فتصح منه النية. أمَّا لو قال ذلك متردداً في الصيام، فلا تصح منه، ولا بد أن يأتي بنية أخرى.
(٢) فلو قال ليلة الثلاثين من رمضان: «إن كان غداً من رمضان، ففرضي، وإلا فأنا مفطر»، فبان ذلك اليوم من رمضان، فإنه يجزئه؛ لأنَّه بنى على أصل - وهو رمضان - لم يثبت زواله، أما لو قال تلك العبارة ليلة الثلاثين من شعبان قبل أن يتبين هل اليوم بعده من رمضان أو لا فلا يصح منه؛ لأن الأصل الذي بنى عليه هو الفطر لكونه في شعبان، فلا يكون جازماً بالنية. (فرق فقهي)
(٣) الفطر له ثلاثة أحكام: ١ - يسن تعجيله: وذلك إذا تحقق =
стр. 541
- وتأخيرُ السُّحُورِ (١)،
= غروبَ الشمس؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ أنَّ الرسول ﷺ قال: «ما زال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر»، متفق عليه. وفطره قبل الصلاة أفضل لفعله ﷺ رواه مسلم من حديث عائشة ﵂. ٢ - إباحة الفطر: وذلك إذا غلب على ظنه غروبُ الشمس. ٣ - حرمة الفطر: وذلك إذا شك في غروب الشمس؛ لأنَّ اليقين لا يزول بالشك.
فإن تبين لمن أفطر بغلبة الظن أو بالشك أنها لم تكن غربت، لزمه القضاء؛ لأنه لا عبرة بالظن البيّن خطؤه، أما لو لم يتبين له شيء، فيجب القضاء على المفطِر بالشك، دون المفطر بغلبة الظن. (فرق فقهي)
وإنما جوَّز الحنابلةُ - على المذهب - الفطرَ إذا غلب على الظن غروبُ الشمس، وألحقوا الظنَ باليقين؛ لأنَّ الصحابة ﵃ لما وُجد غيمٌ حجب عنهم الشمس، وغلب على ظنهم غروبُها، أفطروا، فلما ذهب الغيمُ رأوا الشمسَ. فيجوز لمن كان في مثل حالهم أن يفطر على المذهب، لكن يجب عليه القضاء إن تبين له بعد ذلك أن الشمس لم تغرب - كما تقدم -؛ لأنَّه تبيَّن خطؤه، وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهو لم يتم الصيام. وهناك خلاف كبير جدًّا في هذه المسألة، بل هناك خلاف في كون الصحابة قضوا ذلك اليوم أو لا. ويرى شيخ الإسلام عدم وجوب القضاء في هذه الحال.
(١) السُّحور: بضم السين اسم للفعل، وبفتحها: اسم لما يؤكل =
стр. 542
- والزِّيادةُ في أعماِل الخَيرِ (١)،
- وقولُهُ جهراً إذا شُتِمَ: «إني صائمٌ» (٢)،
= وقت السحور، ويبدأ وقت السَّحور - على المذهب -: من منتصف الليل، قال في الغاية: (وأوله: نصف الليل)، فلو أكل بعد ذلك كان سحوراً. لكن يسن أن يؤخره، ويتسحر قُبيل الفجر الثاني بيسير. وقد ورد في فضل السحور نصوص كثيرة، منها قوله ﷺ : (تسحَّروا، فإن في السحور بركة). متفق عليه، وتحصل فضيلة السحور بشرب، لكن كمالها بأكل، هكذا في المنتهى والغاية، وأمَّا في الإقناع، فقال: (تحصل فضيلة السحور بأكل، أو شرب، وإن قلَّ، وتمام الفضيلة بالأكل).
(تتمة) يترتب على معرفة حد السَّحَر مسائل، كما لو قال: «والله لا أتسحر»، ثم أكل بعد منتصف الليل، فإنه يحنث؛ لأنه أكل في وقت السحور. أما لو قال: «والله لا أتعشى»، ثم أكل بعد منتصف الليل، فلا يحنث؛ لأن وقت العشاء انتهى، ودخل وقت السحر. فمن المهم معرفة هذه المسائل، ومثلها يذكر في باب الأيمان.
(١) أي: يسن أن يزيد في أعمال الخير حال صومه في رمضان أكثر من غيره.
(٢) فيُسن إذا شُتم الصائم أن يقول جهراً: «إني صائم». وظاهر إطلاق المؤلف أنه يجهر به في رمضان، وفي النفل، وهو ظاهر قوله ﷺ : «فإن سبه أحد، أو قاتله، فليقُل: إني امرؤ صائم»، رواه مسلم. وهذا ظاهر المنتهى، والتنقيح، قال عنه =
стр. 543
- وقولُهُ عندَ فِطرِهِ: «اللَّهمَّ لكَ صُمتُ، وعلى رِزقِكَ أفطرتُ، سبحانكَ وبحمدكَ، اللَّهمَّ تقبَّل منِّي، إنَّكَ أنتَ السَّميعُ العليمُ» (١)،
- وفطرُهُ على رُطَبٍ، فإن عُدِمَ فتمرٌ، فإن عُدِمَ فماءٌ (٢).
= في تصحيح الفروع: (وهو ظاهر الحديث وكلام الأصحاب) ويعني بالحديث: (فليقل: إني امرئ صائم) ولم يفرق، وهو المذهب، واختاره شيخ الإسلام.
والقول الثاني: أنه يسن الجهر بذلك إن كان في رمضان؛ لأمن الرياء، بخلاف النفل، فيسن أن يُسِرَّ به، فيحصل به زجرُ نفسه مع الأمن من الرياء. واختار هذا القول المجدُ صاحب المحرَّر، وجعله المرداوي في الإنصاف المذهبَ، فقال: (هذا المذهب)، ومشى عليه صاحبا الإقناع، والغاية. لكن المذهب المعتمد: الأول، كما تقدم. والله أعلم. (مخالفة الماتن)
(١) يقولها بعد فطره، كما ذكره الشيخ النجدي تبعاً لابن نصر الله، وهو مقتضى حديث ابن عباس ﵄ كان الرسول ﷺ إذا أفطر، قال: «اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا إنك أنت السميع العليم» رواه الدارقطني.
(٢) فإن وجد الإنسان رُطباً وتمراً، كما يحصل في زماننا عندما يخزَّن الرطب في الثلاجات، ولم أجد كلاماً للأصحاب فيه، وقد أتى واضحاً في حديث أنس ﵁ أنه ﷺ كان يقدم الرطب على التمر، فقد أتى فيه أنه ﷺ كان: «يُفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن، فعلى تمرات» رواه =
стр. 544
فصل
يحرُمُ على مَنْ لا عذرَ لَهُ الفطرُ برمضانَ (١).
ويجبُ الفطرُ على: الحائضِ، والنُّفساءِ، وعلى مَنْ يحتاجُهُ لإنقاذِ معصومٍ مِنْ مهلكةٍ (٢).
= أبو داود والترمذي. لكن الشيخ صالح الفوزان أفتى - كما سمعته منه وهو في الحرم - بتقديم التمر.
(تتمة) قال الشيخ منصور: (وفي معنى الرطب والتمر، كلُّ حُلوٍ لم تمسه النار)، أي: يُقاس على الرطب والتمر كلُّ حلو لم تمسه النار، كالعنب والتين مثلاً.
(١) أحكام الفطر في رمضان: (الحكم الأول) تحريم الفطر، وذلك على من لا عذر له. ويجب على من أفطر في رمضان القضاءُ، سواء كان فطره لعذر أو لا، ومثله الصلاة. هذا هو المذهب، خلافاً لشيخ الإسلام، وابن عثيمين، فلا يقضي عندهما من أفطر عمداً، أو ترك صلاةً عمداً. أما في المذهب، فيعامل بالأغلظ، وهو أَولى، فيتوب إلى الله تعالى، ويقضي ما تركه.
(٢) (الحكم الثاني) وجوب الفطر، وذلك على الحائض والنفساء، فيحرم عليهما الصوم. وكذلك يجب الفطر على من يحتاجه لإنقاذ معصوم. ومثاله: شخص يضعِفه الصوم، فلا يقدر أن ينقذ غريقاً لو بقي صائماً، ويحتاج إلى الفطر للتقوي على ذلك، فيجب عليه الفطرُ حينئذ. أما من يقدر على إنقاذ شخص =
стр. 545
ويُسنُّ: لمسافرٍ يباحُ له القصرُ (١)، ولمريضٍ يخافُ الضَّررَ (٢).
= بدون فطر، فيحرم عليه الفطر إذن كما ذكره في الغاية.
(١) (الحكم الثالث) سنية الفطر، وذلك للمسافر إن كان يباح له القصر، وإلا حرم فطره. والأدلة على استحباب فطر المسافر كثيرةٌ، منها قوله ﷺ : «ليس من البر الصيام في السفر» متفق عليه، وفي الحديث الآخر لما أفطر ﷺ في أحد أسفاره، ولم يفطر بعض من كان معه، قال: «أولئك العصاة» رواه مسلم، لكن يشترط لاستحباب فطر المسافر أن يفارق بيوت قريته العامرة. فإن لم يفطر المسافر صح صومه، لكن مع الكراهة، سواء شق عليه الصوم أم لم يشق عليه؛ لما تقدم من الأحاديث، وانتصر لهذا القول شيخُ الإسلام في شرح العمدة. أما إتمام الصلاة للمسافر، فإنه يباح بلا كراهة، وذكر الشيخ النجدي أن الفرق بينهما زيادة المشقة غالباً أي: في الصيام، وقال الخلوتي: (ولعله يفرق لورود النهي عن الصوم في السفر بخلاف إتمام الصلاة في السفر فلم يرد نهي عن إتمامها) (فرق فقهي).
(٢) يسن الفطر أيضاً للمريض الذي يخاف أن يتضرر لو صام. وضابط المرض الذي يخفَّفُ به في العبادات - على المذهب - هو الذي إذا فُعلت معه العبادة زاد، أو تأخَّرَ برؤه. ومثاله أن يُتوقع شفاءُ المريض في خمسة أيام، لكنه لو صام، امتد به المرض إلى ستة أيام أو أكثر، فيسن له حينئذ الفطرُ، ويسن الفطر أيضا لخوف مرض بعطش أو غيره كما في المنتهى. =
стр. 546
ويباحُ: لحاضرٍ سافرَ في أثناءِ النَّهارِ (١)،
ولحاملٍ ومرضعٍ خافَتَا على أنفسِهِمَا أو على الولدِ، لكن لو أفطرتَا للخوفِ على الولدِ فقط، لَزِمَ وليَّهُ إطعامُ مسكينٍ لكلِّ يومٍ (٢).
= (تتمة): قال في شرح المنتهى: (ويباح الفطر لمريض قادر على صوم يتضرر بترك التداوي، ولا يمكنه فيه كمن به رمد يخاف بترك الاكتحال، وكاحتقان، ومداواة مأمومة أو جائفة. (.
(١) (الحكم الرابع) إباحة الفطر، وذلك لمن سافر في أثناء النهار سفراً مباحاً. ولا يسن له الفطر، بل الأفضل له إتمام صومه؛ خروجاً من خلاف من لم يبح له الفطر لظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. أما المسافر الذي يسن له الفطر، فهو من سافر ليلاً، أو سافر في الفطر، ثم أدركه رمضان. ويلاحظ هنا الفرق بين الصوم والصلاة، فمن سافر أثناء يوم رمضان أبيح له الفطر، بخلاف من سافر بعد دخول وقت الصلاة، فلا يباح له القصر على المذهب. (فرق فقهي)
(تتمة) ومن أحوال المسافر: إذا علم أنه يقدم غداً فإنه يحرم عليه الفطر، فلو علم أنه يصل لبلده في النهار فإنه يحرم عليه الفطر.
(٢) الصنف الثاني ممن يباح له الفطر في رمضان: الحامل والمرضع، ويكره صيامهما. وللحامل والمرضع ثلاثة أحوال: ١ - أن تفطر لخوفها على الولد، وذلك بتغير لبن المرضع أو نقصه، وتضرر جنين الحامل. ٢ - أن تفطر لخوفها على نفسها =
стр. 547
وإن أسلمَ الكافرُ، وطهرتِ الحائضُ، وبرئَ المريضُ، وقَدِمَ المسافرُ، وبلغَ الصَّغيرُ، وعقَلَ المجنونُ في أثناءِ النَّهارِ - وهم مفطرُونَ -، لزمَهُم الإمساكُ والقضاءُ (١).
وليسَ لِمَنْ جازَ لَهُ الفطرُ برمضانَ أن يصومَ غيرَهُ فيهِ (٢).
= فقط. ٣ - أن تفطر لخوفها على نفسها، وعلى الولد معاً.
ويلزمها القضاء في الكل، ويجب الإطعام في الحال الأولى، وهي أن تفطر للخوف على الولد فقط. وليس الإطعام عليها هي، بل على ولي الرضيع، وهو من تجب عليه نفقته، فيطعم عن كل يوم مسكيناً: مد برٍّ، أو نصف صاعٍ من غيره، أي: من الشعير، أو التمر، أو الزبيب، أو الأقط. وهذا الإطعام يكون على الفور، كما في الإقناع والغاية، وذكره الشيخ منصور في شرح المنتهى من كلام الفروع استظهارا.
(١) يجب عليهم الإمساك لحرمة الوقت، ويجب عليهم القضاء لأنهم لم يصوموا، لكن الكافر يلزمه قضاء اليوم الذي أسلم فيه فقط دون ما قبله، والصغير لو صام، ثم بلغ في أثناء ذلك اليوم بسن أو احتلام، فإن صومه يصح، ويجزئه، بشرط أن يكون نوى الصوم من الليل؛ لأن صومه أصبح صوماً واجباً. وكون أولِ عبادةٍ مستحباً، وآخرها واجباً من غرائب المذهب. أما لو بلغ الصبي في أثناء الصلاة، بأن تمت له خمس عشرة سنة بالدقائق والثواني وهو يصلي، فإن صلاته تصح نفلاً، ويلزمه أن يؤديها مرة أخرى. (فرق فقهي)
(٢) ومثاله: أن يكون شخص مريضٌ مرضاً يبيح له الفطرُ في =
стр. 548
فصل في المفَطِّرات
وهِيَ اثنَا عشرَ: خروجُ دمِ الحيضِ، والنِّفاسِ، والموتُ (١)، والرِّدَّةُ (٢)،
= رمضان، فلا يصح أن يصوم صوم نفل أو غيره في ذلك اليوم.
(١) أي: أن الموت يبطل الصيام، وهذا لا يؤثر في صيام الفرض، فلا يجب الإطعام لو مات صائما في رمضان، بخلاف ما لو مات في صيام نذر، أو كفارة، فيفسد صومُه في اليوم الذي مات فيه، وحينها يجب على الورثة الإطعام عنه ذلك اليوم، وكذا ما لم يصمه من الأيام المنذورة بسبب موته ولم يفعلها، قال في المعونة (٣/ ٣٩٤) في المفطرات: (وموت) يعنى: وكما يفسد الصوم بموت، (و) حيث قلنا ببطلان الصوم بالموت فإنه (يُطعَم من تركته) أي: تركة من مات صائماً (في نذر وكفارة) مسكينٌ؛ لفساد صوم ذلك اليوم الذي مات فيه؛ لتعذر قضائه)، قال في الإقناع وشرحه: (و) يفطر ب (موتٍ، فيُطعم من تركته في نذر وكفارة) مسكينٌ لفساد ذلك اليوم الذي مات فيه لتعذر قضائه) (فرق فقهي)
(٢) وإذا أسلم فإنه لا يقضي العبادة لأنه كافر بل اليوم الذي أسلم فيه فقط، وذكر الشيخ منصور - في شرح المنتهى - أن كل عبادة حصلت الردة في أثنائها - أعاذنا الله تعالى منها -، فإنها تفسد؛ لقوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك)، ومنها: الاعتكاف، كما سيأتي قريباً إن شاء الله.
стр. 549
والعزمُ على الفطرِ (١). والتَّرددُ فيهِ (٢)، والقيءُ عمداً (٣)، والاحتقانُ مِنَ الدُّبرِ (٤)،
(١) هذه العبارة في الغاية، وليست في المنتهى ولا الإقناع، قال الشارح: (قال في الإقناع: ومن نوى الإفطار أفطر)، وفي الإقناع ما يدل على العزم على الفطر وهي قوله: (أو نوى أنه سيفطر ساعةً أخرى بطل) فهذا هو العزم والهم بالفطر، ومن باب أولى: لو نوى قطع نية الصيام فإنه يفطر.
(تتمة): قال في الإقناع: (ومن نوى الإفطار أفطر كمن لم ينو لا كمن أكل فلو كان في نفلٍ ثم عاد نواه صح) أي: أنه أفطر في صومه ذلك اليوم لكن لا يكون كمن أكل وشرب، فيجوز أن يستانف نية جديدة بصوم جديد لكن هذا في غير رمضان، أما في رمضان فإنه لو نوى الإفطار أفطر، ولا يصح أن ينويه صوما آخر.
(٢) وهذه من الإقناع لا المنتهى، فإذا قال: ما أدري، أنا أفطر أو لا، فإنه يقال له: الآن فسد صومك.
(٣) أي: من المفطرات أن يُخرج القيء من فمه عمداً، ولو قلَّ، لا إذا ذرعه القيء.
(٤) الحقنة: هي إدخال سائلٍ عن طريق الدبر للعلاج. فإذا احتقن، فإنه يُفطر. قالوا: لأنها تصل إلى الجوف، أي: المعدة، أما لو قطر في إحليله فإنه لا يفطر وإن وصل إلى المثانة لأنها ليس بينها وبين المعدة منفذ، وكذلك قُبُل المرأة فإنها لا تفطر إذا أدخلت فيه شيئا. أما أهل الطب الآن، =
стр. 550
وبلعُ النُّخامةِ إذا وصلت إلى الفمِ (١).
التَّاسعُ: الحجامةُ خاصَّةً، حاجماً كانَ أو محجوماً (٢).
العَاشرُ: إنزالُ المنيِّ بتَكرارِ النَّظرِ، لا بنظرةٍ، ولا بالتَّفكُّرِ والاحتلامِ، ولا بالمَذْيِ (٣).
= فيقولون إن الدبر ليس له منفذ إلى المعدة. فإن ثبت ذلك، فهل نحتاج إلى تصحيح ما ذكره فقهاؤنا؟ يقال: إنما نصير إلى ذلك إذا أجمع أهل الطب على أن الدبر ليس منفذاً للمعدة، ونقول إذَن: إن الفقهاء بنوا حكمهم على ظن تبين خطؤه، فلا عبرة به، أما لو اختلف أهل الطب، فإننا نتمسك بما يذكره الفقهاء، والله أعلم.
(١) فإذا بلع النخامة بعد أن وصلت إلى فمه، فإنه يفطر وأول الفم من مخرج الخاء كما ذكره ابن بلبان في مختصر الإفادات، فإذا وصلت النخامة إلى مخرج الخاء ثم ابتلعها فإنه يفطر.
(٢) الحجامة: شرط ظاهر الجلد المتصل قصداً لإخراج الدم من الجلد دون العروق. ويشترط في الفطر بالحجامة: أن يظهر الدمُ، وإلا لم تفطِّر؛ لأنها لا تسمى حجامة إذَن. والدليل قوله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه أحمد وأبو داود. والحاجم: هو الذي باشر الحجامة في غيره، والمحجوم: هو الذي فعلت له الحجامة. والمراد بقوله: (خاصة)، أي: الفطر بالحجامة على المذهب تعبدي، فلا يقاس عليها غيرها كالتبرع بالدم، والفصد، والشرط، فكل هذه لا تفطِّر.
(٣) فإذا كرر النظر - سواء كان نظراً حلالاً أو حراماً -، وأنزل =
стр. 551
الحادي عشرَ: خروجُ المنيِّ أو المذْيِ بتقبيلٍ، أو لمسٍ، أو استمناءٍ، أو مباشرةٍ دونَ الفرجِ (١).
الثَّاني عشرَ: كلُّ ما وصلَ إلى الجوفِ، أو الحلقِ، أو الدِّماغِ مِنْ مائعٍ وغيرِهِ (٢).
= منيًّا، فإنه يفطر؛ لأنه إنزال بفعل يتلذذ به يمكن التحرز منه، أما لو أنزل منياً بسبب نظرة واحدة، أو بسبب تفكر، أو احتلم - بأن أنزل منياً في نومه قاله في المطلع -، فلا يفطر. وكذا لو كرر النظر وأنزل مذياً، فلا فطر إذن. قال في الإقناع وشرحه: (لا إن أمذى أو لم يكرر النظر (فأمنى)؛ لعدم إمكان التحرز من النظرة الأولى).
(١) هنا يعتبر إخراج المني أو المذي، بخلاف السابق؛ لأن هذا فيه لمس للمرأة. ويقولون إنه يحرم بالاتفاق أن يباشر أو يقبل أو يلمس إذا ظنَّ أنه سينزل منياً أو مذياً، وإنما اختلفوا في إفطاره لو حصل الإنزال، والحنابلة يقولون إنه يفطر.
وكذا لو استمنى - أي: استدعى المني - بيده أو يد غيره فأنزل منيا أو مذيا فإنه يفطر، قال البهوتي في الكشاف: (لأنه إذا فسد بالقبلة المقترنة بالإنزال فلأن يفسد به بطريق أولى فإن لم ينزل فقد أتى محرما ولم يفسد صومه).
(٢) الجوف لغة: يستعمل لما يقبل الشغل والفراغ، والمراد بالجوف هنا: المعدة يقيناً، وكل ما يوصل إليها مثل الحلق؛ لأنه مظنة الوصول إلى المعدة، وكالدبر. =
стр. 552
فيُفطِرُ:
- إن قطَر في أذنِهِ ما وصلَ إلى دماغِهِ (١)،
- أو داوى الجائفةَ، فوصلَ إلى جوفِهِ (٢)،
= قال شيخ الإسلام في شرح العمدة: (قال أصحابنا: الفطر إنما هو بما يصل إلى البطن أو ما بينه وبين البطن طريق)، والمراد بالبطن هنا: المعدة. والله أعلم.
ويقول الحنابلة: إن في البدن جوفين، المعدة والدماغ. فإذا وصل شيء إلى الجوف، أو الدماغ - وذلك كقطرة الأذن -، أو الحلق، فإنه يفطر، سواء كان ذلك الشيء مائعاً أو غيره كحصاة ابتلعها.
(١) قوله (قطَر): بالتخفيف، كما قال ابن عوض. فإن قَطَر في أذنه ماءً أو غيره، فوصل إلى دماغه، أفطر؛ لكن كيف يعرف أنها وصلت لدماغه؟، ومن باب أولى لو وصل شيء من ذلك إلى حلقه فإنه يفطر.
(٢) أي: وصل الدواء إلى جوفه، والجائفة: هي الطعنة التي تصل إلى باطن الجوف. والجوف لغة: اسم لما يقبل الشغل والفراغ، كالمعدة، والصدر، والبطن، فهي مُجوَّفة، وتقبل الشغل والفراغ، وكذلك الظهر مُجوَّف، أما اليد، أو القدم، أو الفخذ، أو الساق، فليست مجوَّفة؛ لأنها لا تقبل دخول شيء فيها كالطعام، فالمجوَّف هو من الصدر إلى آخر البطن، وكذلك الظهر. فإذا داوى الجائفة، وعلم وتيقن وصول الدواء إلى المعدة، فإنه يفطر، لا إن ظن وصوله فقط.
стр. 553
- أو اكتحلَ بما عَلِمَ وصولَهُ إلى حلقِهِ (١)،
- أو مضغَ علكاً، أو ذاقَ طعاماً، ووجدَ الطَّعمَ بحلقِهِ (٢)،
- أو بَلَعَ ريقَهُ بعدَ أن وصلَ إلى بينَ شفتَيهِ.
ولا يُفطِرُ:
- إن فعلَ شيئاً مِنْ جميعِ المفطِّرَاتِ ناسياً، أو مكرَهاً،
- ولا إن دَخَلَ الغبارُ حلقَهُ، أو الذُّبابُ بغيرِ قصدِهِ (٣)،
(١) فإذا اكتحل وعلم أن الكحل وصل إلى حلقه أفطر، قال النجدي: (لا إن شك)، وعبارة الإقناع: (يتحقق وصوله إلى حلقه)، ويقال: إن هناك طريقة معينة في وضع القطرة في العين أو الأنف حتى لا تصل إلى الحلق.
(٢) العِلك - بكسر العين -: كل صمغ يُعلك ويحرم مضغه إن كان يتحلل، ويكره إن كان لا يتحلل، فمن مضغ علكاً، أو ذاق طعاماً، ووصل العلك، أو الطعام إلى حلقه فإنه يفطر.
(تتمة): ذوق الطعام يفطر إن وصل إلى حلقه، وحكمه الكراهة مطلقا - احتاج أو لا - على ما في المنتهى، وعلى ما في الإقناع يكره بلا حاجة، واتفقا على الحكم الوضعي وهو: أنه يفطر إن وجد طعم المذوق في حلقه والله أعلم.
(٣) يشترط حتى يحكم بفطر الصائم على المذهب: أن يكون: ١ - ذاكراً فلا يفطر من تناول مفطرا ناسيا، ٢ - مختاراً فلا يفطر من فعل مفطرا مكرها إلا الموطوءة المكرهة على المذهب فيلزمها القضاء، والقياس: عدم وجوب القضاء، ٣ - عامداً، أي: قاصداً للفعل فلا يفطر من فعل مفطرا بلا =
стр. 554
- ولا إن جَمَعَ ريقَهُ، فابتلعَهُ (١).
= قصد كمن طار إلى حلقه ذباب أو غبار بلا قصد منه. أما الجهل بالحكم، فلا يعذر به، كأن يجهل أن القطرة تفطر إذا وصلت إلى معدته أو يجهل حرمة تناول مفطِّر ما، فيفطر بذلك. أما الجماع، فلا تعتبر فيه هذه الشروط المتقدمة خاصة في حق الرجل.
(١) فلا يفطر بذلك، لكن يُكره له أن يجمع ريقه، وقيده اللبدي تبعاً للإنصاف والإقناع مالم يكن الريق متنجساً وإلا وجب عليه بصقه ولا يجوز أن يبتلعه.
стр. 555
فصل
ومَن جامعَ نهارَ رمضانَ في قُبُلٍ أو دُبُرٍ (١)، ولو لميِّتٍ (٢) أو بهيمةٍ، في حالةٍ يلزمُهُ فيها الإمساكُ (٣)، مكرَهاً كانَ أو
(١) المراد بالجماع هنا: الجماع الذي يوجب الغُسل، فيَخرُج ما لو جامع بحائل ولم ينزل، فلا شيء عليه قاله في الغاية اتجاها، وهذا نصه: (ويتجه باحتمال: لا شيء على من جامع بحائل ولم ينزل كغسل)، وخالف البهوتي فقال بوجوب الكفارة قياسا على وطء الحائض بحائل قال في حواشي الإقناع: (قال في الكافي: لأنه وطء في فرج يوجب الغسل أشبه وطء الزوجة انتهى، فيؤخذ منه: أن الوطء بحائل لا يوجب قضاء ولا كفارة إن لم ينزل؛ لأنه لا يوجب الغسل، لكن تقدم أن وطء الحائض يوجب الكفارة ولو بحائل، والظاهر: عدم الفرق) وتعقبه الشطي فقال: (قد يقال: لعل الفرق لعموم الخبر في مسألة الحيض، وأن ذلك لخصوص الحاصل في المحل، وهو: الدم، فلا فرق في الإيلاج بحائل أو بغيره، وليس ذلك في غيرها، ونظيره ما في الحج من أنه لا يفسد النسك بالوطء بحائل، ويأتي في الحدود أنه لا يحد الواطئ إذا كان بحائل، فتأمله).
(٢) فيستوي فيه الحي، والميت، كما ذكر الشارح.
(٣) سواء كان صائماً أم لا كالحائض تطهر في رمضان، والصغير =
стр. 556
ناسياً (١)، لزمَهُ: القضاءُ، والكفَّارةُ (٢).
وكذا مَنْ جُومِعَ إِنْ طاوَعَ، غيرَ جاهلٍ وناسٍ (٣).
والكفَّارةُ: عِتقُ رقبةٍ مؤمنةٍ، فإن لم يجد:
= يبلغ، وكما لو قدِم المسافر مفطراً أو برأ المريض، فيلزم كل منهم أن يمسك، فإن جامع، لزمته الكفارة.
(١) هذا في حق المجامِع، فلو كان المجامِع ناسياً للصوم، أو جاهلًا أن الجماع يفطر، فعليه القضاء والكفارة، وكذا لو ادعى أنه أُكره على الجماع؛ لأن الحنابلة يقولون: إنه لا يتصور إكراه الرجل على الجماع، بخلاف المرأة.
قال الخلوتي معللا لعدم إعذار الرجل بالإكراه: (نظروا إلى الإيلاج لا يكون إلا عن انتشار، والانتشار يدل على الرغبة فلم يَدُم الإكراه).
(٢) أي: يلزمه أن يقضي ذلك اليوم الذي جامع فيه، ويلزمه أن يُكفِّر.
(٣) المرأة المجامِعة إن طاوعت، فإنه يلزمها أيضاً القضاء والكفارة. أما إن كانت جاهلة، أو ناسية، أو مكرهة، فلا كفارة عليها، لكن يفسد صومها، ويلزمها القضاء، لكنهم قالوا: إنها تدفع زوجَها إذا أكرهها بالأسهل فالأسهل، وإن أدى إلى قتله.
(١) لكل مسكين مد من البُر، أو نصف صاعٍ من غيره مما يجزئ في زكاة الفطر من الأصناف الخمسة، وله أن يطعم قبل القضاء، أو معه، أو بعده. =
стр. 557
فصيامُ شهرينِ متتابعَينِ، فإن لم يستطِع: فإطعامُ ستِّينَ مسكيناً (١)، فإن لم يجد: سقطت، بخلافِ غيرِها مِنَ الكفَّاراتِ (٢).
ولا كفارةَ في رمضانَ بغيرِ الجماعِ، والإنزالِ بالمساحَقَةِ (٣).
= (٢) الكفارات عندنا لا تسقط بالعجز، إلا اثنتين: كفارة الوطء في نهار رمضان، وكفارة الوطء في الحيض. ومما يسقط بالعجز أيضاً على المذهب: زكاة الفطر.
(٣) أي: لا تجب الكفارة بالفطر في نهار رمضان بغير الجماع. فمن أكل، أو شرب، أو فعل غيرهما من المفطرات غير الجماع، فإنه يفطر، لكن لا تجب عليه الكفارة.
وذَكَر الماتنُ أن مثل الجماع في وجوب الكفارة: الإنزال بالمساحقة. والمساحقة: أن تفعل المرأة بالمرأة مثل صورة ما يفعل بها الرجل، فتحتك بها حتى تُنزِل، وكذا المجبوب الذي لا ذكر له مع المرأة، أو مع الرجل، فإن حصل الإنزال بذلك، وجبت الكفارة. وهذا قول المنتهى، والتنقيح. أما صاحب الإقناع والغاية، فذهبا إلى وجوب القضاء فقط، دون الكفارة، في الإنزال بالمساحقة، وهو الذي صححه المرداوي في الإنصاف، قال اللبدي عن قول الإقناع (وهو الصحيح)، والله أعلم. (مخالفة الماتن)
стр. 558
فصل
ومَن فاتَهُ رمضانُ، قَضَى عَدَدَ أيَّامِهِ (١)، ويُسنُّ القضاءُ على الفورِ (٢)، إلا إذا بقيَ مِنْ شعبانَ بقَدرِ ما عليهِ، فيجبُ (٣).
(١) أي: يلزمه أن يقضي عدد أيام رمضان، فإن كان ثلاثين يوماً، قضى ثلاثين، وإلا فتسعة وعشرين يوماً.
(٢) الأصل في الأوامر - على المذهب - أنها على الفور، أي: يجب أن يقوم بها الإنسان فوراً. ويستثنى من ذلك: قضاء رمضان، فيسن - ولا يجب - أن يقضي الإنسان ما فاته من رمضان على الفور؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: (كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان لمكان النبي ﷺ ) متفق عليه. لكن يجب العزم على القضاء إذا لم يفعله فورا في القضاء الموسع وكذا كل عبادة متراخية قاله في الإقناع.
وكذلك يسن التتابع في القضاء؛ تشبيهاً له بالفرض، ويجوز مفرقا.
(٣) فإذا بقي من شعبان بقدر عدد الأيام التي عليه قضاؤها من رمضان، وجب عليه أن يصومها فوراً، ويحب عليه التتابع. فإن أخَّر بعض الأيام حتى أدركه رمضانٌ آخر بلا عذر، فإنه يلزمه - مع القضاء أو قبله أوبعده - إطعامُ مسكين عن كل يوم، وأما إذا أخر القضاء بعذر كأن يكون مريضا فيلزمه القضاء فقط بلا إطعام.
стр. 559
ولا يصحُّ ابتداءُ تطوُّعِ مَنْ عليهِ قضاءُ رمضانَ، فإن نوى صوماً واجباً أو قضاءً، ثمَّ قلَبَهُ نفلاً، صحَّ (١).
(١) أي: لا يصح أن يصوم شخص صيام تطوع إذا كان عليه أيام من رمضان؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : (من أدرك رمضان وعليه من رمضان شيء لم يقضه، لم يتقبل منه، ومن صام تطوعا وعليه من رمضان شيء لم يقضه، فإنه لا يتقبل منه حتى يصومه) رواه الإمام أحمد، قال شيخ الإسلام في شرح العمدة: (احتجاج أحمد به يدل على أنه من جيد حديث ابن لهيعة)
لكن لو نوى صوماً واجباً كنذر، أو قضاء، ثم قَلَبه نفلًا، صحّ، وهذا الحكم الوضعي. أما الحكم التكليفي، فيكره على المذهب أن يقلب الصومَ الواجب كالنذر والكفارة والقضاء إلى النفل، إذا كان لغير غرضٍ صحيح، وما ذهب إليه الماتن هو قول المنتهى والغاية، وخالف في الإقناع فلم يصحح قلب القضاء نفلا لعدم صحة التطوع ممن عليه قضاء رمضان.
(تتمة): قال الشارح في نيل المآرب هنا: (الظاهر: أنه يشترط لصحة القلب كون الوقت متسعاً)، أي: يشترط لصحة قَلبِ الفرض أو القضاء إلى نفل أن يكون الوقت يتسع لفعل ذلك الصوم النفل، وللقضاء الذي عليه، وإلا لم يصح أن يقلبه نفلًا.
وقول الماتن: (ولا يصح ابتداء تطوع): أي: لا يصح أن يبتدأ صوم يوم قبل قضاء ما عليه من رمضان، أما إن كان صائما لفرض أو قضاء ثم يقلبه نفلا فيصح لكن مع الكراهة إن كان لغير عذر.
стр. 560
ويُسنُّ صومُ التَّطوُّعِ (١)، وأفضلُهُ: يومٌ ويومٌ (٢).
وسنَّ: صومُ أيَّامِ البِيضِ - وهي: ثلاثَ عَشرَةَ، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرةَ - (٣)،
وصومُ الخميسِ والاثنينِ (٤)، وستَّةٍ مِنْ شوَّالٍ (٥).
(١) التطوع: هو العبادة التي ليست بواجبة.
(٢) أي: أفضل صوم التطوع أن يصوم يوماً، ويفطر يوماً، وهو صيام داود ﵇. متفق عليه.
(٣) على المذهب يُسَن أن يصوم المسلم ثلاثة أيام من كل شهر، فإن فعل ذلك، فهو كصيام الدهر. ويسن أن يجعل تلك الأيام الثلاثة: أيامَ البيض. والأيام البيض هي: اليوم الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. وسميت بذلك لبياض ليلها كله بالقمر، ونهارها بالشمس. وحكى ابن هبيرة في الإفصاح: الإجماعَ على استحباب صيام الأيام البيض.
قال في الإقناع: (وهو كصوم الدهر أي: يحصل له أجر صيام الدهر بتضعيف الأجر من غير حصول المفسدة والله أعلم).
(٤) أي: يسن صوم الاثنين والخميس، وذلك بإجماع العلماء.
(٥) يسن أن يصوم المسلم - بعد رمضان - ستة أيام من شوال، والأَولى والأفضل في المذهب أن تكون عقب العيد مباشرة، ويسن أن تكون متتابعة؛ تشبيهاً لها بالفرض. وصائمها مع رمضان كأنما صام الدهر، زاد ابن رجب في اللطائف: (فرضاً)، أي: كأنه صام كل السنة فرضا ذكره البهوتي في الكشاف، ولا تحصل الفضيلة بصيامها في غير شوال ذكره في =
стр. 561
وسنَّ: صومُ المحرَّمِ، وآكدُهُ عاشوراءُ - وهو كفَّارةُ سنةٍ - (١)، وصومُ عشرِ ذي الحِجَّةِ، وآكدُهُ يومُ عرفةَ، وهو كفَّارةُ سنتينِ (٢)
= الإقناع، قال البهوتي معقبا: (لظاهر الأخبار، وظاهره: أنه لا يستحب صيامها إلا لمن صام رمضان وقاله أحمد والأصحاب، لكن ذكر في الفروع: أن فضيلتها تحصل لمن صامها وقضى رمضان وقد أفطره لعذر، ولعله مراد الأصحاب، وفيه شيء، قاله في المبدع).
(١) أي: أفضلُ شهر يتطوع بصومه كاملاً هو شهر المحرَّم؛ كما ورد عند مسلم: (أفضل الصيام بعد رمضان، شهر الله المحرَّم. وآكده عاشوراء - وهو: اليوم العاشر منه -، وصومه كفارة سنة لحديث أبي قتادة رواه مسلم، ثم يأتي بعده الآكدية التاسع.
(٢) أي: يسن أن يصوم عشر ذي الحجة، والمراد: التسع الأُوَل، فلا يدخل فيها يوم العيد، وإنما قيل "العشر" من باب التغليب. وآكد هذه الأيام التسعة: يوم عرفة، وهو كفارة سنتين؛ كما ورد في حديث أبي قتادة رواه مسلم. والمراد بالتكفير - كما قال في الفروع -: تكفير الصغائر فإن لم تكن صغائر، رُجي التخفيف من الكبائر، فإن لم تكن رُفعت الدرجات. ذكره في شرح المنتهى، ويلي يوم عرفة في الآكدية: يوم التروية، وهو الثامن.
(تتمة) إنما يستحب صيام يوم عرفة لغير الحاج، وفطره بها =
стр. 562
وكُرِهَ: إفرادُ رجبٍ (١)، والجمعةِ (٢)، والسَّبتِ بالصَّومِ (٣).
= أفضل إلا لمتمتع وقارن عدما الهدي فيستحب أن يجعلا آخر صيام الثلاثة في الحج يوم عرفة.
(١) أي: يكره أن يفرِدَ شهرَ رجب كلَّه بالصوم، وتزول الكراهةُ بفطر بعضه، ولو يوماً واحداً، أو بصوم شهر آخر معه في السنة وإن لم يله، لكن كما قال الخلوتي: (غير رمضان).
(٢) هكذا في المنتهى والغاية، وعبارة الإقناع: (ويكره تعمد إفراد يوم الجمعة بصوم)، فيكره أن يُفرد يومُ الجمعة بالصوم؛ للحديث المتفق عليه: (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله، أو يوما بعده).
(٣) أي: يكره أن يفرد يوم السبت بالصوم؛ للحديث: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم). ويستثنى من كراهة إفراد يومَي الجمعة والسبت: إذا وافق عادةً للشخص، كمن يصوم يوماً ويفطر يوماً، فيصادف صومه يومَ السبت أو يوم الجمعة. وقرَّر الشيخ منصور أنه إذا كان من عادته أن يصوم يوم عرفة، وصادف يومَ السبت أو الجمعة، فيجوز له أن يفرد يوم السبت بالصيام، أما إذا كان ليس من عادته أن يصوم يوم عرفة، وصادف يومُ السبت أو الجمعة يومَ عرفة، أو عاشوراء، فيكره له أن يصومه، وعبارة الشيخ منصور في الكشاف: (إلا أن يوافق) يوم الجمعة أو السبت (عادة) كأن وافق يوم عرفة أو يوم عاشوراء وكان عادته صومهما فلا كراهة؛ لأن العادة لها تأثير في ذلك.). =
стр. 563
وكرهَ صومُ يومِ الشَّكِّ، وهو الثلاثونَ مِنْ شعبانَ، إذا لم يكن غيمٌ أو قَتَرٌ (١).
ويحرمُ: صومُ العيدَينِ (٢)، وأيَّامِ التَّشريقِ (٣).
= ونحوه من كلام ابن حجر في فتح الباري في سياق كلامه عن صوم يوم الجمعة: (ويؤخذ من الاستثناء جوازه لمن صام قبله أو بعده أو اتفق وقوعه في أيام له عادة بصومها كمن يصوم أيام البيض أو من له عادة بصوم يوم معين كيوم عرفة فوافق يوم الجمعة).
(١) وهذه من مفردات الحنابلة، فلم يوافقنا عليها أحد من المذاهب الأخرى. فإذا كانت ليلة الثلاثين من شعبان صحواً، فلم يكن فيها غيم ولا قتر، ويُكره صوم اليوم الذي يليها تطوعا فهو يوم الشك، ويكره صومه بنية الرمضانية احتياطا ولا يجزئ إن ظهر منه. ويستثنى من كراهة صيام يوم الشك: ١ - إذا وافق عادةً، ٢ - أو صامه عن واجب كقضاء أو كفارة أو نذر فلا يكره؛ لأن صومه واجب إذن، ٣ - أو وَصَلَه بصيامٍ قبله بأكثر من يومين؛ للحديث: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين) متفق عليه، فلو صام ثلاثة أيام، زالت الكراهة.
(٢) وهذا بالإجماع. وأما الحكم الوضعي، فالجمهور على عدم صحة الصوم فيهما.
(٣) وهي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة. فيحرُم ولا يصح صيام أيام التشريق لحديث: (أيام منى أيام أكل وشرب) رواه مسلم، ويستثنى من ذلك: من كان =
стр. 564
ومَن دَخَلَ في تطوُّعٍ: لم يجب إتمامُهُ (١)، وفي فرضٍ: يجبُ، ما لم يقلِبهُ نفلاً (٢).
= متمتعاً أو قارناً، ولم يجد دماً، فيصح أن يصوم أيام التشريق.
(١) فمن دخل في تطوع من صيام أو صلاة مثلاً، فلا يجب عليه أن يتمه، بل يسن، ويكره أن يقطعه بلا عذر. ويُستَثنى من ذلك: الحجّ والعمرة، فمن دخل في أحدهما، ولو تطوعاً، فإنه يحرم عليه قطعهما، ويجب عليه أن يتمهما.
(٢) أي: من دخل في فرضٍ، فإنه يجب عليه أن يتمه. فمن شرع في صومِ يومٍ من قضاء رمضان أو من كفارة مثلاً، فلا يجوز له أن يقطع ذلك الصوم ويفطر بغير خلاف. وكذلك من أحرم بصلاة واجبة كالظهر، حرم عليه قطعها، ولو اتسع الوقت لأدائها مرة أخرى. لكن يجوز قلب الفرض الذي دخل فيه نفلاً كمن ابتدأ صيام يوم من قضاء رمضان، ثم قلبه نفلًا، فيصح، لكن يكره إذا كان لغير عذرٍ، وتقدم ذلك قريباً.
وفي الغاية: (ويتجه احتمال: المنع حيلة ليتوصل للفطر) ووافقاه، أي: من قلب فرضه نفلا حيلة لكي يفطره بناء على عدم وجوب إتمام النفل فإنه يحرم قلبه.
стр. 565
كتاب الاعتكاف (١)
وهوَ سُنَّةٌ (٢). ويجبُ بالنَّذرِ (٣).
وشرطُ صحَّتِهِ ستَّةُ أشياءَ: النِّيَّةُ (٤)، والإسلامُ (٥)،
(١) الاعتكاف لغة: لزوم الشيء، وشرعاً: لزوم مسجد لطاعة الله تعالى، على صفة مخصوصة، من مسلم عاقلٍ - ولو مميزاً -، طاهرٍ مما يوجب غسلاً. وأقل مدة الاعتكاف على المذهب: ساعة، وهي: ما يسمى به معتكفاً لابثاً، ويستحب ألا ينقص اعتكافه عن يوم وليلة.
(٢) أي: هو سُنة في كل وقت؛ لأن النبي ﷺ فعله وداوم عليه تقربا لله تعالى واعتكف أزواجه معه وبعده، لكنه في رمضان آكد، وآكده: العشر الأخير من رمضان.
(٣) فالأصل أن الاعتكاف سنة، لكن إذا نذره، وجب عليه؛ لحديث: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) رواه البخاري.
(٤) يشترط لصحة الاعتكاف: (الشرط الأول) النية؛ لقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات)، وإن كان الاعتكاف منذورا لزمه أن يعينه؛ ليتميز المنذور عن التطوع.
(٥) (الشرط الثاني) الإسلام، فلا يصح من الكافر.
следующие страницы →