Полный текст (2 012 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وسنَّ: صومُ المحرَّمِ، وآكدُهُ عاشوراءُ - وهو كفَّارةُ سنةٍ - (١)، وصومُ عشرِ ذي الحِجَّةِ، وآكدُهُ يومُ عرفةَ، وهو كفَّارةُ سنتينِ (٢)
= الإقناع، قال البهوتي معقبا: (لظاهر الأخبار، وظاهره: أنه لا يستحب صيامها إلا لمن صام رمضان وقاله أحمد والأصحاب، لكن ذكر في الفروع: أن فضيلتها تحصل لمن صامها وقضى رمضان وقد أفطره لعذر، ولعله مراد الأصحاب، وفيه شيء، قاله في المبدع).
(١) أي: أفضلُ شهر يتطوع بصومه كاملاً هو شهر المحرَّم؛ كما ورد عند مسلم: (أفضل الصيام بعد رمضان، شهر الله المحرَّم. وآكده عاشوراء - وهو: اليوم العاشر منه -، وصومه كفارة سنة لحديث أبي قتادة رواه مسلم، ثم يأتي بعده الآكدية التاسع.
(٢) أي: يسن أن يصوم عشر ذي الحجة، والمراد: التسع الأُوَل، فلا يدخل فيها يوم العيد، وإنما قيل "العشر" من باب التغليب. وآكد هذه الأيام التسعة: يوم عرفة، وهو كفارة سنتين؛ كما ورد في حديث أبي قتادة رواه مسلم. والمراد بالتكفير - كما قال في الفروع -: تكفير الصغائر فإن لم تكن صغائر، رُجي التخفيف من الكبائر، فإن لم تكن رُفعت الدرجات. ذكره في شرح المنتهى، ويلي يوم عرفة في الآكدية: يوم التروية، وهو الثامن.
(تتمة) إنما يستحب صيام يوم عرفة لغير الحاج، وفطره بها =
стр. 562
وكُرِهَ: إفرادُ رجبٍ (١)، والجمعةِ (٢)، والسَّبتِ بالصَّومِ (٣).
= أفضل إلا لمتمتع وقارن عدما الهدي فيستحب أن يجعلا آخر صيام الثلاثة في الحج يوم عرفة.
(١) أي: يكره أن يفرِدَ شهرَ رجب كلَّه بالصوم، وتزول الكراهةُ بفطر بعضه، ولو يوماً واحداً، أو بصوم شهر آخر معه في السنة وإن لم يله، لكن كما قال الخلوتي: (غير رمضان).
(٢) هكذا في المنتهى والغاية، وعبارة الإقناع: (ويكره تعمد إفراد يوم الجمعة بصوم)، فيكره أن يُفرد يومُ الجمعة بالصوم؛ للحديث المتفق عليه: (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله، أو يوما بعده).
(٣) أي: يكره أن يفرد يوم السبت بالصوم؛ للحديث: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم). ويستثنى من كراهة إفراد يومَي الجمعة والسبت: إذا وافق عادةً للشخص، كمن يصوم يوماً ويفطر يوماً، فيصادف صومه يومَ السبت أو يوم الجمعة. وقرَّر الشيخ منصور أنه إذا كان من عادته أن يصوم يوم عرفة، وصادف يومَ السبت أو الجمعة، فيجوز له أن يفرد يوم السبت بالصيام، أما إذا كان ليس من عادته أن يصوم يوم عرفة، وصادف يومُ السبت أو الجمعة يومَ عرفة، أو عاشوراء، فيكره له أن يصومه، وعبارة الشيخ منصور في الكشاف: (إلا أن يوافق) يوم الجمعة أو السبت (عادة) كأن وافق يوم عرفة أو يوم عاشوراء وكان عادته صومهما فلا كراهة؛ لأن العادة لها تأثير في ذلك.). =
стр. 563
وكرهَ صومُ يومِ الشَّكِّ، وهو الثلاثونَ مِنْ شعبانَ، إذا لم يكن غيمٌ أو قَتَرٌ (١).
ويحرمُ: صومُ العيدَينِ (٢)، وأيَّامِ التَّشريقِ (٣).
= ونحوه من كلام ابن حجر في فتح الباري في سياق كلامه عن صوم يوم الجمعة: (ويؤخذ من الاستثناء جوازه لمن صام قبله أو بعده أو اتفق وقوعه في أيام له عادة بصومها كمن يصوم أيام البيض أو من له عادة بصوم يوم معين كيوم عرفة فوافق يوم الجمعة).
(١) وهذه من مفردات الحنابلة، فلم يوافقنا عليها أحد من المذاهب الأخرى. فإذا كانت ليلة الثلاثين من شعبان صحواً، فلم يكن فيها غيم ولا قتر، ويُكره صوم اليوم الذي يليها تطوعا فهو يوم الشك، ويكره صومه بنية الرمضانية احتياطا ولا يجزئ إن ظهر منه. ويستثنى من كراهة صيام يوم الشك: ١ - إذا وافق عادةً، ٢ - أو صامه عن واجب كقضاء أو كفارة أو نذر فلا يكره؛ لأن صومه واجب إذن، ٣ - أو وَصَلَه بصيامٍ قبله بأكثر من يومين؛ للحديث: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين) متفق عليه، فلو صام ثلاثة أيام، زالت الكراهة.
(٢) وهذا بالإجماع. وأما الحكم الوضعي، فالجمهور على عدم صحة الصوم فيهما.
(٣) وهي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة. فيحرُم ولا يصح صيام أيام التشريق لحديث: (أيام منى أيام أكل وشرب) رواه مسلم، ويستثنى من ذلك: من كان =
стр. 564
ومَن دَخَلَ في تطوُّعٍ: لم يجب إتمامُهُ (١)، وفي فرضٍ: يجبُ، ما لم يقلِبهُ نفلاً (٢).
= متمتعاً أو قارناً، ولم يجد دماً، فيصح أن يصوم أيام التشريق.
(١) فمن دخل في تطوع من صيام أو صلاة مثلاً، فلا يجب عليه أن يتمه، بل يسن، ويكره أن يقطعه بلا عذر. ويُستَثنى من ذلك: الحجّ والعمرة، فمن دخل في أحدهما، ولو تطوعاً، فإنه يحرم عليه قطعهما، ويجب عليه أن يتمهما.
(٢) أي: من دخل في فرضٍ، فإنه يجب عليه أن يتمه. فمن شرع في صومِ يومٍ من قضاء رمضان أو من كفارة مثلاً، فلا يجوز له أن يقطع ذلك الصوم ويفطر بغير خلاف. وكذلك من أحرم بصلاة واجبة كالظهر، حرم عليه قطعها، ولو اتسع الوقت لأدائها مرة أخرى. لكن يجوز قلب الفرض الذي دخل فيه نفلاً كمن ابتدأ صيام يوم من قضاء رمضان، ثم قلبه نفلًا، فيصح، لكن يكره إذا كان لغير عذرٍ، وتقدم ذلك قريباً.
وفي الغاية: (ويتجه احتمال: المنع حيلة ليتوصل للفطر) ووافقاه، أي: من قلب فرضه نفلا حيلة لكي يفطره بناء على عدم وجوب إتمام النفل فإنه يحرم قلبه.
стр. 565
كتاب الاعتكاف (١)
وهوَ سُنَّةٌ (٢). ويجبُ بالنَّذرِ (٣).
وشرطُ صحَّتِهِ ستَّةُ أشياءَ: النِّيَّةُ (٤)، والإسلامُ (٥)،
(١) الاعتكاف لغة: لزوم الشيء، وشرعاً: لزوم مسجد لطاعة الله تعالى، على صفة مخصوصة، من مسلم عاقلٍ - ولو مميزاً -، طاهرٍ مما يوجب غسلاً. وأقل مدة الاعتكاف على المذهب: ساعة، وهي: ما يسمى به معتكفاً لابثاً، ويستحب ألا ينقص اعتكافه عن يوم وليلة.
(٢) أي: هو سُنة في كل وقت؛ لأن النبي ﷺ فعله وداوم عليه تقربا لله تعالى واعتكف أزواجه معه وبعده، لكنه في رمضان آكد، وآكده: العشر الأخير من رمضان.
(٣) فالأصل أن الاعتكاف سنة، لكن إذا نذره، وجب عليه؛ لحديث: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) رواه البخاري.
(٤) يشترط لصحة الاعتكاف: (الشرط الأول) النية؛ لقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات)، وإن كان الاعتكاف منذورا لزمه أن يعينه؛ ليتميز المنذور عن التطوع.
(٥) (الشرط الثاني) الإسلام، فلا يصح من الكافر.
стр. 566
والعقلُ (١)، والتَّمييزُ (٢)، وعدمُ ما يوجبُ الغُسلَ (٣)، وكونُهُ بمسجدٍ (٤).
ويُزادُ في حقِّ مَنْ تلزمُهُ الجماعةُ: أن يكونَ المسجدُ ممَّا تُقامُ فِيهِ (٥).
(١) (الشرط الثالث) العقل، فلا يصح الاعتكاف من المجنون.
(٢) (الشرط الرابع) التمييز، فلا يصح الاعتكاف من الطفل الذي لم يميز، وهو من دون سبع سنين.
(٣) (الشرط الخامس) عدم ما يوجب الغُسل، فلا يصح من الجنب، ولو توضأ، ولا من الحائض والنفساء.
(٤) (الشرط السادس) كون الاعتكاف بمسجد، فلا يصح في غير مسجد بغير خلاف، قال البهوتي في شرح المنتهى: (لا يصح إلا بمسجد لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧] والمباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقا فلولا اختصاصه بالمساجد لما قيد بها ولأن المقام فيه عون على ما يراد من العبادة لأنه مبني لها).
(٥) أي: يشترط أن يكون المسجد مما تقام فيه الجماعة ولو من الْمُعْتَكِفِين، وهذا مقيد: بما إذا اعتكف مدة تتخللها صلاة، ولا يشترط كون المسجد مما تقام فيه الجمعة.
قال في الإقناع وشرحه: (وإن لم يكن المعتكف رجلا تلزمه الصلاة جماعة، بأن كان امرأة أو عبدا أو صبيا أو معذورا أو لم يأت عليه زمن اعتكافه فعلُ صلاة، كما لو اعتكف من طلوع الشمس إلى الزوال (صح) اعتكافه (في كل مسجد) ..... =
стр. 567
ومِنَ المسجِدِ: ما زِيدَ فِيهِ (١)، ومِنهُ: سطحُهُ (٢)، ورَحبتُهُ المحوطَةُ (٣)،
= ولا يصح الاعتكاف ممن تلزمه الجماعة في مسجد تقام فيه الجمعة دون الجماعة).
(١) فأي مسجد زيد في بنيانه، فإن الزيادة تأخذ أحكامَ المسجد، حتى في الثواب، فكل ما زيد في المسجد الحرام يأخذ حكمَه في الثواب، ومضاعفة الصلاة.
وقد وقع الخلافُ فيما زيد في المسجد النبوي، والمعتمد في المذهب مضاعفةُ الصلاة فيما يزاد في المسجد النبوي، وذكر ابن رجب أنه لا يعلم عن السلف خلافاً في ذلك، وأنه لم يخالف فيه إلا بعض المتأخرين من أصحابنا كابن الجوزي وابن عقيل؛ لاستعماله ﷺ اسم الإشارة (هذا) في الحديث: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه)، فيتعين المسجد الذي أشار إليه ﷺ ، على قولهم. لكن جمهور السلف، والمذهب المعتمد، أن ما زيد في المسجد النبوي فهو منه، حتى في الثواب.
(٢) فهو من المسجد، ويأخذ أحكامه.
(٣) المقصود بها: ساحة المسجد المنبسطة، أمامه أو حوله قال البهوتي في الكشاف: (المحوطة من المسجد فحكمها حكمه)، لكن بشرط أن تكون محوطة وعليها باب نصا، قال في الإقناع: (ورحبته المحوطة وعليها باب نصا)، كما هو الحال في المسجد النبوي، فتأخذ أحكامَ المسجد، بخلاف ساحات =
стр. 568
ومَنارتُه التي هيَ أو بابُها فيهِ (١).
ومَن عيَّنَ الاعتكافَ بمسجدٍ غيرِ الثَّلاثةِ: لم يتعيَّن (٢).
= المسجد الحرام، فهي غير محوطة، فلا تأخذ حكم المسجد.
(١) فالمنارة التي تكون في المسجد، وبابها يفتح خارج المسجد، وكذا المنارة التي تكون خارج المسجد، لكن بابها يفتح على المسجد، فإنها تأخذ أحكام المسجد.
(تتمة) هل تُضعَّف الصلاة في الحرم المكي، والمدني، مما هو خارج المسجدين، كمن يصلي في فندقه، أو سكنه؟ فيه خلاف كبير جداً في المذهب على قولين في التضعيف، وعدمه. وظاهر المذهب: أنه لا تضعيف إلا في نفس المسجد المبنيّ فقط، لا بقية الحرم. انظر: الحواشي السابغات ص (٣٠٢)
وقال تقي الدين الجراعي (ت ٨٨٣ هـ) في كتابه تحفة الراكع والساجد (٢٣١): (حرم مكة كالمسجد الحرام في المضاعفة).
(٢) المراد بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى. فمن نذر أن يعتكف في مسجد غير هذه الثلاثة، لم يتعين، وله أن يفي بنذره ويعتكف في غيره. لكن من نذر أن يعتكف في مسجد جامع، لم يتعين ذلك الجامع، وله أن يفي بنذره في غيره، لكن لا بد أن يكون ذلك المسجد الآخر أيضاً جامعاً، ولا يصح في غير الجامع كما قرره الشيخ النجدي.
وقول الماتن: (لم يتعين) هي عبارة المنتهى والغاية، وعبارة =
стр. 569
ويبطلُ الاعتكافُ: بالخروجِ مِنَ المسجدِ لغيرِ عذرٍ (١)، وبنيَّةِ الخروجِ ولو لم يخرج (٢)، وبالوطءِ في الفرجِ (٣)، وبالإنزالِ
= الإقناع: (فله فعله في غيره)، قال المرداوي في الإنصاف: (يعني من المساجد).
أما المساجد الثلاثة فإذا نذر أن يعتكف في أحدها فله أن يعتكف في مسجد أفضل، وأفضلُ المساجد: المسجد الحرام، ثم مسجد المدينة، ثم الأقصى. فإن نذر اعتكافاً في الأدنى، جاز فعله فيه وفيما هو أعلى منه، كأن ينذر الاعتكاف في الأقصى، فيجوز أن يعتكف في المسجد النبوي، أو الحرام، لكن إذا عيَّن الأعلى، لم يجز أن يفي بنذره في الأدنى، كمن نذر الاعتكاف في المسجد الحرام، فلا يجوز أن يفعله إلا فيه.
(١) يبطل الاعتكاف بما يلي: (المبطل الأول) خروج الجسم كلِّه من المسجد، ولو زمناً يسيراً، بشرط أن يكون مختاراً عامداً، أو مكرهاً بحق، وأن يكون من غير عذر. أما إن كان خروجه لعذر، فإن له أحكاماً تخصه.
(٢) (المبطل الثاني) نية الخروج، والمراد: أن يقطع نية الاعتكاف، فمن قطع نية الاعتكاف، فقد انقطع، ولو لم يخرج من المسجد؛ لقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات). ومثله من نوى قطع الصلاة، فإن صلاته تبطل، ولو لم يخرج منها في الصورة، قال في الإقناع: (وإن نوى الخروج منه أي: نوى إبطالَه بطل إلحاقاً له بالصلاة والصيام)، وفي الغاية: (أو نواه وإن لم يخرج)
(٣) (المبطل الثالث) الوطء في الفرج، قال الشارح (ولو ناسياً)، =
стр. 570
بالمباشرةِ دونَ الفرجِ (١)، وبالرِّدَّةِ (٢)، وبالسُّكرِ (٣).
وحيثُ بَطَلَ الاعتكافُ، وَجَبَ استئنافُ النَّذرِ المتتابِعِ غيِر المقيَّدِ بزمنٍ، ولا كفارةَ (٤).
= قال ابن عوض: (قال الحفيد: (ظاهره: ولو دبرا أو لميت أو بهيمة أو بحائل).
(١) (المبطل الرابع) الإنزال بالمباشرة دون الفرج، فإن لم ينزل لم يفسد اعتكافه، قال الشارح: (فإن باشر من غير شهوة فلا بأس ولشهوة حرم).
ودليل الوطء والمباشرة قوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد).
(٢) (المبطل الخامس) الردة أعاذنا الله منها، وتقدم أن الشيخ منصور ذكر أن الردة تبطل جميع العبادات.
(٣) (المبطل السادس) السُّكْر، فمن سكر بطل اعتكافه؛ لأنه ينافي مقصود الاعتكاف، وذكر في الإقناع: (أنه إذا شرب ولم يسكر فلا يبطل).
(٤) مثال النذر المتتابع غير المقيد بزمن: أن ينذر أن يعتكف خمسة أيام متتابعة إما بشرط أو نية، أي: سواء ذكر التتابع بأن يقول: خمسة أيام متتابعة، أو نوى كونها متتابعة، ثم اعتكف يوماً أو يومين، ثم قطع نية الاعتكاف مثلاً أو خرج من معتكفه متعمدا بلا عذر، بطل اعتكافُه، والواجب عليه في هذه الحالة أن يستأنف الاعتكاف من أوله ولا كفارة هذا ظاهر كلام الماتن تبعا للإقناع والغاية هنا، وهم جعلوا هذا فيمن خرج =
стр. 571
وإن كانَ مقيَّداً بزمنٍ معيَّنٍ، استأنفَهُ، وعليهِ كفَّارةُ يمينٍ؛ لفواتِ المحلِّ (١).
= من المعتكف مختارا عمدا أو مكرها بحق.
وأما على ما في مسلك الراغب للعوفي الصالحي - ونقله عنه ابن عوض في حاشية دليل الطالب - فجعله يخير بين أمرين:
أ- أن يستأنف اعتكافَ الخمسة أيام، ولا كفارة عليه؛ لإتيانه بالمنذور على وجهه، قال الصوالحي: (وما حصل من الاعتكاف لا يعتد به).
ب- وله أن يبني على ما مضى ويكفر كفارة يمين.
قال الصالحي في مسلك الراغب: (ولا كفارة) عليه إن ابتدأ من أوله، وإن اختار البناء على ما مضى أتى بما بقي وكفر كفارة يمين؛ لعدم فعله على وجهه)، وهذا التقسيم ذكره في الإقناع والغاية والمنتهى وشرحه، ويجعلونه لمن خرج لعذر غير معتاد وتطاول، والعوفي في مسلك الراغب حمل كلامَ صاحبِ الدليل على هذا، ومثله التغلبي في نيل المآرب، وقد لا يمتنع الحمل عليه فالله أعلم.
(١) ومثال النذر المقيد بزمن معين: أن ينذر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فهي أيام متتابعة مقيدة بزمن معين. فلو دخل في الاعتكاف، ثم نوى في اليوم الثالث مثلا الخروج منه مثلاً، أو خرج من المسجد بلا عذر، قال الماتن: (يستأنفه وعليه كفارة يمين؛ لفوات المحل) وهو تركه المنذور في وقته المعين بلا عذر قاله في الكشاف.
=
стр. 572
ولا يبطُلُ الاعتكافُ إن خرجَ مِنَ المسجدِ: لبولٍ، أو غائطٍ، أو طهارةٍ واجبةٍ، أو لإزالةِ نجاسةٍ، أو لجمعةٍ تلزمُهُ (١)،
= وقول صاحب المتن: (استأنفه) هي: عبارة الإقناع والغاية، ولعلهم قصدوا: يستأنف - في المثال السابق - في اليوم الرابع بانيا على ما مضى، وعليه كفارة يمين لإفساده اليوم الثالث.
(١) يجوز للمعتكف الذي نذر أن يعتكف متتابعا أن يخرج لما لابد منه شرعاً أو حسًّا. ومثال ما لا بد منه شرعاً: الطهارة الواجبة كالوضوء، ولم يجد مواضئ إلا خارج المسجد، وإزالة النجاسة، ولصلاة جمعة تلزمه، وشهادة تلزمه، والخروج لمريض وجنازة تعين خروجه إليهما. ومثال ما لا بد منه حسًّا: كالبول والغائط، وما لا يستغنى عنه كالأكل والشرب؛ لعدم من يأتيه بهما.
قالوا: ومثل ما لابد له منه في جواز الخروج: تعين نفير، وإنقاذ غريق، ومرض شديد لا يمكن معه البقاء في المسجد.
(تتمة) الاشتراط في الاعتكاف: وهو على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يشترط الخروج لقربة لا تجب كزيارة صديق وصلة رحم وجمعة لا تلزمه، وشهود جنازة، فهذا جائز.
القسم الثاني: أن يكون الاشتراط لما له منه بد وليس بقربة كالعشاء والمبيت بمنزله فهذا جائز.
القسم الثالث: أن يكون الاشتراط للخروج إلى تجارة أو الخروج لما شاء فهذا لا يجوز؛ لأنه ينافي الاعتكاف.
وهل يجوز اشتراط الخروج للوظيفة؟ يحتاج لتحرير.
стр. 573
ولا إن خرجَ للإتيانِ بمأكلٍ ومشرَبٍ لعَدَمِ خادِمٍ (١). ولَهُ المشيُ على عادتِهِ (٢).
وينبغي لمَن قَصَدَ المسجدَ: أن ينويَ الاعتكافَ مدَّةَ لُبثِهِ فيهِ، لا سيَّمَا إن كانَ صائماً (٣).
(١) يُفهم منه أنه إذا كان عنده خادم يأتي له بالأكل والشراب، فليس له أن يخرج.
(٢) أي: إذا خرج لما لابد منه فله المشي على عادته من غير عجلة.
(٣) سواء قصد المسجد للصلاة أو غيرها، كما في الإقناع؛ لأن أقل الاعتكاف ساعة. فينوي الاعتكاف مدة لبثه في المسجد؛ ليحصل على الثواب، لا سيما إن كان صائماً، حتى يجمع بين الصوم والاعتكاف، إذ الحسنات تتضاعف بالأزمنة الفاضلة، وقوله: (لاسيما إن كان صائماً) زيادة من الإقناع. والله أعلم.
стр. 574
كتاب الحج (١)
وهُوَ واجبٌ معَ العمرةِ في العُمُرِ مرَّةً (٢).
وشرطُ الوجوبِ خمسةُ أشياءَ: الإسلامُ (٣)، والعقلُ (٤)،
(١) الحج -بفتح الحاء وكسرها لغتان مشهورتان- لغة: القصد، وحكي عن الخليل أنه: كثرة القصد إلى من تعظمه قاله في المطلع، واصطلاحًا: قصد مكة، لعمل مخصوص، في زمن مخصوص. والعمرة لغة: الزيارة، وشرعًا: زيارة البيت على وجه مخصوص.
(٢) لقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت)، ومرة؛ لقوله ﷺ : (الحج مرة فمن زاد فهو تطوع) رواه أحمد والنسائي، وكذلك العمرة واجبة في العمر مرة على المذهب، وأقوى دليل حديث: (عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة) رواه أحمد وابن ماجه، وتدخل في قوله تعالى: (ولله على الناس … ) وهي الحج الأصغر، والوجوب على الفور.
(٣) يشترط لوجوب الحج شروط: (الشرط الأول) الإسلام، فلا يجب على الكافر، لكنه يعاقب في الآخرة على ما تركه من فروع الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣]، مع كونهم كفارًا.
(٤) (الشرط الثاني) العقل: فلا يصح الحج من المجنون، ولو =
стр. 575
والبلوغُ (١)، وكمالُ الحرِّيَّةِ (٢).
لكن يصحَّانِ مِنَ الصَّغيرِ والرَّقيقِ (٣)، ولا يجزئَانِ عن حجَّةِ الإسلامِ وعمرتِهِ (٤).
= عقده له وليه. وقلة من العلماء يقولون بصحة حجه إن عقده له وليه قياسًا على الصبي، لكن ابن جاسر ذكر أن حج الصغير الذي عقده له وليه إنما صحَّ للنص الوارد في المرأة التي رفعت صبيها للرسول ﷺ ، وقالت: ألهذا حج؟ قال: (نعم، ولك أجر) متفق عليه.
(١) (الشرط الثالث) البلوغ، فإذا بلغ الإنسانُ، وجب عليه الحج.
(٢) (الشرط الرابع) كمال الحرية، فلا يجب الحج على العبد، ولا المبعض. فهذه أربعة شروط، وسيأتي الشرط الخامس - وهو الاستطاعة - قريبًا إن شاء الله.
(تتمة) يقسم الشارحُ وغيرُه الشروطَ إلى أقسام: قسم للوجوب والصحة وهي الإسلام والعقل، وقسم للوجوب والإجزاء وليس للصحة وهي البلوغ وكمال الحرية، وقسم يشترط للوجوب دون الإجزاء وهو الاستطاعة.
(٣) ولا يجبان عليهما.
(٤) فإذا حجَّ الرقيق أو الصغير، صحَّ ذلك منه، وله ثواب - كما ذكر في الإقناع -، لكنه لا يجزئه عن حجة الإسلام، بل إذا بلغ لزمه أن يحج حجة أخرى ومثله العبد إذا عتق؛ لقول ابن عباس إن النبي ﷺ قال: «أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى» رواه =
стр. 576
فإن بلغَ الصَّغيرُ، أو عَتَقَ الرَّقيقُ قبلَ الوقوفِ، أو بعدَهُ إن عادَ فوقَفَ في وقتِهِ، أجزأَهُ عن حجَّةِ الإسلامِ، ما لم يكن أحرمَ مفرِدًا أو قارِنًا، وسعى بعدَ طوافِ القدومِ (١).
= الشافعي والبيهقي، قال البهوتي في الكشاف: (ولأنهم فعلوا ذلك قبل وجوبه فلم يجزئهم إذا صاروا من أهله كالصبي يصلي ثم يبلغ في الوقت، وهذا قول عامة العلماء إلا شذوذا، بل حكاه ابن عبد البر إجماعا).
(١) لو بلغ الصغير أو عتق الرقيق قبل الوقوف بعرفة، وكذا لو بلغ أو عتق بعد الوقوف وكان وقت الوقوف باقيًا، فإنه يجب عليه الرجوع إن كان متمكنًا قاله في الإقناع؛ لأن الحج واجب على الفور قاله البهوتي وابن جاسر، ويشترط ليجزئه حجه عن حجة الإسلام: ١ - أن يقف بعرفة في وقته، ٢ - وألا يكون قد سعى بعد طواف القدوم إن كان مفردًا أو قارنًا؛ لأن السعي لا يشرع تكراره، ولا يجوز التطوع به في غير حج أو عمرة، وقال الشيخ مرعي: (ويتجه: ولو بعد سعي إن فسخ حجه عمرة ولم يسق هديا أو يقف بعرفة) ووافقاه وابن جاسر، والمراد: أنه يسن على المذهب لمن أحرم مفردا أو قارنا وطاف طواف القدوم، وسعى سعي الحج أن يقلب هذا الإحرام عمرة ثم يحرم بالحج لكي يكون متمتعا - بشرط عدم سوق الهدي، ولم يقف بعرفة - وهو أفضل الأنساك كما سيأتي، فإذا كان الصبي قد أحرم مفردا أو قارنا فيصح منه أن يفسخ هذا الإحرام إلى عمرة ويحرم بالحج لكن ما لم يسق هديا أو يقف بعرفة وهنا عدة مسائل:
المسألة الأولى: إن وقف بعرفة ودفع منها ووقت الوقوف باق =
стр. 577
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فهل يجوز له أن يرجع ويفسخ؟ والمراد هل قيدهم ما لم يقف بعرفة يشمل ما إذا وقف ودفع، وما إذا وقف ورجع إليها في وقت الوقوف؟ وحينئذ لا يجوز له أن يفسخ، أو يشمل فقط ما إذا وقف، أما إن وقف ودفع ثم رجع إليها في وقت الوقوف صح فسخه؟ تحتاج لتحرير.
المسألة الثانية: ما حكم هذا الفسخ إلى عمرة؟ هل هو واجب أم مباح؟
الظاهر: أنه واجب؛ لوجوب الحج على الفور، وهو قد تيسر له فيجب عليه فعله بأن يفسخ حجه عمرة، ليحرم بالحج. فليحرر، والله أعلم.
المسألة الثالثة: ما حكم هذه العمرة التي فسخها الصبي، هل هي عمرة فريضة أم نافلة؟
الظاهر: أنها نافلة لأنه لم يفسخها إلا بعد شروعه في طوافها، ولذا قال المؤلف هنا: (وكذا تجزئ العمرة إن بلغ أو عتق قبل طوافها) فيفهم منه: أنه إن بلغ بعد الشروع في طوافها أنها لا تجزئ عن عمرة الإسلام.
المسألة الرابعة: بناءً على المسألة الثانية، وهي أن عمرته المفسوخة تكون نافلة، إذا تحلل من العمرة فهل يلزمه أن يحرم بالحج فقط أم بالحج والعمرة؟ =
стр. 578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الظاهر: أنه يلزمه أن يحرم بالحج والعمرة؛ لوجوبهما على الفور، فيحرم بواحد من الأنساك الثلاثة بما فيها من حج وعمرة، فليحرر، والله أعلم.
(تتمة) الأنساك ثلاثة أنواع: تمتع، وإفراد، وقران. أما المفرد والقارن: فإنه إذا أتى مكة طاف استحبابًا للقدوم، ثم له أن يتبعه بسعي الحجّ، وله أن يؤخر سعي الحج، فيسعى بعد طواف الإفاضة، أما المتمتع، فيلزمه أن يطوف ويسعى ويحلق ويقصر ويتحلل من العمرة، ثم يُحرِم بالحج في اليوم الثامن، ثم إذا جاء يوم النحر طاف للحج طواف الإفاضة، وسعى سعي الحج. فيلزمه طوافان وسعيان، بخلاف القارن والمفرد، فيلزمهما طواف واحد، وسعيٌ واحد.
ولا بد من دليل قوي لإثبات التداخل بين العبادات، بحيث يعمل الإنسان عملًا واحدًا، ويكتب له ثواب عملين، والدليل على أن الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة يكفيان عن الحج والعمرة: قوله ﷺ لعائشة لما حاضت، وأدخلت الحج على العمرة: (طوافكِ بالبيت وسعيكِ بين الصفا والمروة يكفيكِ لحجكِ وعمرتكِ).
ويختلف المفرد عن القارن في عدة أمور: ١ - في وجوب الهدي على القارن، دون المفرِد، ٢ - وأن عمرة المفرد متميزة عن حجه؛ لأنها بعده، بينما عمرة القارن داخلة في الحج فيُحسب للقارن ثواب العمرة مع الحج، مع كونه لم يأت بأفعال العمرة، ويقولون إن عمرته تختفي وتتلاشى وتدخل في =
стр. 579
وكذا تجزئُ العمرةُ إن بلغَ، أو عتَقَ قبلَ طوافِها (١).
الخامسُ: الاستطاعةُ، وهي: ملكُ زادٍ وراحلةٍ تصلُحُ لمثلِهِ، أو ملكُ ما يقدِرُ بِهِ على تحصيلِ ذلكَ (٢)، بشرطِ كونِهِ
= الحجّ، فيأتي بأفعال الحج، ويأخذ معه ثواب العمرة. وعمرة القارن تجزئ عن عمرة الإسلام. والدليل على جواز القران بين الحج والعمرة كونه ﷺ حجّ قارنًا.
(١) فلو أحرم الصبي بالعمرة، ثم بلغ قبل أن يشرع في طوافها، فإنها تجزئه عن عمرة الإسلام. وكذا من عتق قبل الشروع في الطواف، أما لو شرع الصبي أو العبد في الطواف، ثم بلغ أو عتق، فإنهما يتمانها نفلًا، ثم يلزمهما أن يأتيا بعمرة أخرى للفريضة؛ لأن من شرع في الطواف فقد شرع في أسباب التحلل من العمرة، فلا تجزئه تلك العمرة عن عمرة الإسلام.
(٢) (الشرط الخامس) الاستطاعة: ولابد فيها من عدة أمور: الأمر الأول: ملك الزاد والراحلة: والمراد بالزاد لغة - كما في المطلع -: الطعام الذي يُتخذ للسفر، وفي الاصطلاح: قال في الإقناع: (والزاد ما يحتاج إليه من مأكول ومشروب وكسوة)، والزاد يشترط مطلقا سواء كانت المسافة قريبة أم بعيدة،. والراحلة: كالناقة، ويقوم مقامها الآن السيارات، ويشترط في الراحلة أن تصلح لمثله، ويشترطون الراحلة إذا كان بينه وبين مكة مسافة قصر، أما إذا لم تكن مسافة قصر فلا تشترط الراحلة، إلا أن يكون عاجزًا عن المشي، أو ملك ثمن ذلك، فلا يشترط أن يكون مالكًا للسيارة والطعام، بل إن كان =
стр. 580
فاضلًا عمَّا يحتاجُهُ مِنْ كتبٍ، ومسكنٍ، وخادمٍ (١)، وأن يكونَ فاضلًا عن مؤنتِهِ ومؤنةِ عيالِهِ على الدَّوامِ (٢).
= عنده من المال ما يستطيع به أن يشتري الطعام، ويؤجر سيارة، ويذهب مع حملة، فإنه يعتبر مستطيعًا.
(تتمة) الأمر الثاني: سعة الوقت لذهابه: بأن يكون متسعا يمكن الخروج والمسير فيه حسب العادة. الأمر الثالث: أمن طريق يمكن سلوكه بلا خفارة، ويوجد فيه الماء والعلف على المعتاد. الأمر الرابع: الدليل للجاهل. الأمر الخامس: القائد للأعمى.
(١) فيشترط في النفقة أو الأموال التي يحصّل بها الزاد والراحلة أن تكون فاضلة وزائدة عن ثلاثة أشياء: الشيء الأول: أن تكون فاضلة عما يحتاجه عرفا كما في الغاية من الحوائج الأصلية ككتب، ومسكن فلا يلزم أن يبيع مسكنه وكتبه التي يحتاجها ليحج، لكن إذا كان عند الإنسان كتب لا يحتاجها، ولا يقرؤها أصلًا، وإنما هي للزينة، فإنه يلزمه بيعها إذا كان قد تملكها بالشراء. وكذا لو كان له نسختان من كتاب، واستغنى بإحداهما عن الأخرى، فإنه يلزمه بيع الأخرى، كما ذكر الشارح.
(٢) الشيء الثاني: أن يكون فاضلا عن مؤنته ومؤنة عياله على الدوام: والمراد بقوله: (على الدوام): نحو عقَار يؤجره، ويدرّ عليه دخلًا شهريًا أو سنويًا كافيا له ولعياله، أو له وظيفة براتب مستمر، فيجب عليه إذَن أن يحج، وإلا فلا يلزمه، =
стр. 581
فمن كمُلت لَهُ هذهِ الشُّروطُ، لزمَهُ السَّعيُ فورًا، إن كانَ في الطَّريقِ أَمنٌ (١).
= والرواية الثانية: يشترط أن يجد ما يقوم بكفايته وكفاية عياله مدة ذهابه ورجوعه فقط لا على الدوام، وهو الذي فسره به في المطلع ونقله عن المغني قال: (قوله: "على الدوام" الدوام: مصدر دام يدوم، إذا ثبت واستمر، والمراد ههنا: مدة ذهابه ورجوعه. هكذا ذكر المصنف ﵀ في "المغني")، ورحجه ابن جاسر في مفيد الأنام وقال: (لأن القول بأن الإنسان لا يكون مستطيعاً للحج إلا إذا كان عنده من النفقة بعد رجوعه من الحج ما يكفيه ويكفي عياله على الدوام، أي دوام حياته يقضي بأن لا يكون غالب الأغنياء مستطيعين للحج لأنه قل من يثق من الأغنياء أن عنده من المال ما يكفيه ويكفي عياله على الدوام، هذا ما ظهر لي والله أعلم)
(تتمة) الشيء الثالث: أن يكون فاضلا عن الواجبات والديون التي لله تعالى، أو للآدميين سواءً كانت حالة أو مؤجلة.
(١) فمن شروط الاستطاعة- وتقدم -: أن يكون الطريقُ آمنًا بلا خفارة - بتثليث الخاء -: اسم لجُعْل الخفير، والمراد: بلا جعل يدفعه لمن يحميه في الطريق، سواء كانت يسيرة أو كثيرة كما هو ظاهر المنتهى، وإلا لم يجب عليه الحجّ، بخلاف الإقناع الذي أوجب الحج مع الخفارة اليسيرة. (مخالفة)
(تتمة) قال اللبدي في حاشيته على نيل المآرب: (ظاهره أن أمن الطريق شرط للزوم السعي، لا لوجوب الحج والعمرة، =
стр. 582
فإن عَجَزَ عنِ السَّعيِ لعذرٍ ككبَرٍ، أو مرضٍ لا يُرجَى بُرؤُهُ: لزمَهُ أن يقيمَ نائبًا حُرًّا (١) - ولو امرأة (٢) -، يحجُّ ويعتمرُ عنهُ مِنْ بلدِهِ (٣)، ويجزئُهُ ذلكَ، ما لم يزُلِ العذرُ قبلَ إحرامِ نائبِهِ (٤).
= فعليه لو مات ولم يحج أُخرِج من تركته مَنْ يحج عنه ويعتمر وجوبا والذي ذكره المصنف في الغاية أن أمن الطريق من الاستطاعة فيكون كسعة الوقت. انتهى).
قلت: المذهب أن أمن الطريق شرط للوجوب فإذا عدم في حياته لم يلزمه الحج، وعليه فلا يلزم الورثة أن يخرجوا من تركته حجة عنه.
(١) لا عبدًا.
(٢) فيجوز أن ينيب الرجل امرأةً، والعكس ولا كراهة كما في الإقناع، والدليل على جواز حج المرأة عن الرجل حديث الخثعمية التي قالت للنبي ﷺ : إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يثبت على راحلة، أفأحج عنه؟ قال: (حجي عنه) متفق عليه، فإن لم يجد من يحج عنه ويعتمر سقطا.
(٣) أي: بلد المستنيب، ويكفي النائب أن ينوي النسك عن المستنيب، ولا يشترط تسميته لفظًا، والاستنابة تكون فورا.
(٤) فحج النائب يجزئ المستنيب، ما لم يزل عذرُ المستنيب قبل إحرام النائب، كمن به مرض لا يرجى برؤه أناب شخصًا ليحج عنه، ثم برأ المريض قبل أن يحرِم وكيله، فلا يجزئ حجه عنه إذَن. أما لو برأ بعد إحرامه فإنه يجزئه.
=
стр. 583
فلو ماتَ قبلَ أن يستنيبَ، وجبَ أن يُدفعَ مِنْ تركتِهِ لمن يحجُّ ويعتمرُ عنهُ (١).
= (تتمة) في الحواشي السابغات: (مسألة: لو برئ المستنيب قبل إحرام النائب فحَجَّ النائبُ غيرَ عالمٍ برءَ من أنابه:
أولا: تحرير محل النزاع: اتفق علماء المذهب على أن هذا الحج لا يصح فرضاً عن المستنيب.
ثانياً: اختلف الحنابلة في صحة هذا الحج نفلاً عن المستنيب.
القول الأول: صحة الحج نفلاً عن المستنيب وثوابه له، اختاره ابن نصر الله والنجدي والشطي في حاشيته على الغاية وعبد الرحمن السعدي. فعلى هذا القول لا يلزمه أن يرد النفقة.
القول الثاني: عدم صحة الحج نفلاً عن المستنيب؛ وإنما يصح نفلاً عن النائب وثوابه له، اختاره مرعي الكرمي ومنصور البهوتي في شرح المفردات. وعلى هذا القول يلزمه رد النفقة.
ولعل هذا القول هو المذهب لأمرين: ١ - أنه لا يصح نفل الحج ممن لم يحج الفرض، ٢ - ولأن الوكيل ينعزل بعزل الموكل له - ولو لم يعلم -، فكل تصرف تصرفه الوكيل بعد عزله لا يصح؛ والعزل هنا هو برء المستنيب.
(١) المراد: إن مات من توفرت فيه جميع الشروط المتقدمة قبل أن يستنيب، وَجَبَ أن يُدفَع من تركته لمن يحجّ ويعتمر عنه. ويكون ذلك من حيث وجب - كما ذكر الشارح -، أي: من بلد الميت، أو مسافة قصر فأقل من بلد الميت. أما لو أُنيب =
стр. 584
ولا يصحُّ ممَّن لم يحجَّ عن نفسِهِ: حجٌّ عن غيرِهِ (١).
وتزيدُ الأنثى شرطًا سادسًا (٢)، وهُوَ: أن تجدَ لها زوجًا، أو محرَمًا مكلَّفًا (٣)، وتقدِرُ على أجرتِهِ، وعلى الزَّادِ والرَّاحلةِ لها
= شخص من غير بلده، أو من أبعد من مسافة قصر من بلده، فلا يجزئ كما نص عليه في الإقناع، كميت من الأحساء لا يناب عنه شخص في مكة أو جدة.
(١) أي: لا يصح أن يحج الوكيل عن المستنيب إن كان الوكيل لم يحج عن نفسه حج فرض أو قضاء أو نذر فيبدأ بالحج عن نفسه حج الفريضة أو القضاء أو النذر ثم يحج عن غيره، فإن حجّ عن غيره، فإن الحج يكون عن الوكيل نفسه على المذهب، ويرُدُّ المبلغ للمستنيب.
(٢) منطوق المتن أن المحرم شرط مستقل يضاف للشروط المتقدمة، وظاهر صنيع الإقناع والمنتهى أنه ليس شرطا سادسا، بل هو شرط داخل في الاستطاعة، وصرح بهذا الخلوتي وقال: (ويدل لذلك قول الإمام: المحرم من السبيل) (مخالفة الماتن).
(٣) المحرَم هو: الزوج أو من تحرُم عليه على التأبيد بنسبٍ - كالأب والابن والأخ -، أو سببٍ مباح من رضاع أو مصاهرة، كابن زوجها أو ابنها من رضاع. ويشترط في المحرَم أن يكون ذكرا، مُكلفًا، أي: بالغًا عاقلًا، ويشترط أيضًا أن يكون مسلمًا، بصيرا.
(تنبيه) ذكرُ الماتن للزوج أولا ثم عطف المحرم عليه فيه =
стр. 585
ولَهُ (١)،
= شيء، وكأنه يفيد أن الزوج ليس محرما، وأن المحرم يختلف عن الزوج، والأصح عبارة الإقناع والمنتهى والغاية: وشرط لوجوب الحج على أنثى محرم .. وهو زوج أو من تحرم عليه على التأبيد .. إلخ. (مخالفة الماتن)
(١) أي: يشترط لوجوب الحج على المرأة أن تجد محرمًا، وأن يكون عندها أجرة ذلك المحرم؛ حتى يسافر معها. ويشترط أيضًا: أن تقدر على الزاد والراحلة لها وله، حتى زوجها، فيجب عليها أن تنفق عليه ليحج معها؛ لكن يجب عليه نفقة زوجته بقدر نفقة الحضر، وما زاد فعليها.
(تنبيه) المحرم في وجوب الحج شرط لكل امرأة تريد النسكَ ولو كان بينها وبين الحرم أقل من مسافة قصر، وإلا فلا يجب عليها الحج، قال في الإقناع وشرحه (٦/ ٥٢): (ويشترط لوجوب الحج على المرأة، شابة كانت أو عجوزًا مسافة قصر، ودونها وجود محرم): لحديث ابن عباس مرفوعا «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ولا يدخل عليها إلا ومعها محرم فقال رجل: يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتي تريد الحج فقال: اخرج معها» رواه أحمد بإسناد صحيح. وعن أبي هريرة مرفوعا «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها محرم» رواه البخاري، ولمسلم ذو محرم منها وله أيضا " ثلاثا "، وهذا مخصص لظاهر الآية؛ ولأنها أنشأت سفرا في دار الإسلام =
стр. 586
فإن حجَّت بلا محرَمٍ، حرُمَ، وأجزأَها (١).
= فلم يجز بغير محرم كحج التطوع والزيارة والتجارة)، وقال البهوتي في المنح الشافيات (١/ ٣٤٧): (وامنع من الحج بغير محرم … لامرأة لو في جوار الحرم أي: يشترط لوجوب الحج على المرأة وجود محرم لها، ولا يجوز لها السفر بدونه ولو كانت جوار الحرم، أي: ليس بينها وبينه مسافة قصر). لكن هل يجوز لها إذا كانت من أهل مكة أن تحج وتعتمر بدون محرم، وهل يجب عليها؟ الظاهر: نعم يجوز، بل يجب عليها؛ إلا إذا قيل: إن الذهاب إلى عرفة سفر، فلا يجب عليها، لكن سيأتي أن السفر القصير هو ما يعد في العرف سفرًا، والذي بين مكة وعرفة مسافة قصيرةٌ لا تعد سفرًا. والله أعلم.
(تتمة): مسائل في محرم المرأة:
الأولى: لو وجدت المرأة محرمًا في سنة من السنوات مع توفر بقية شروط الوجوب ثم فرطت فلم تذهب، ثم عدمت المحرم بعدُ، وجب عليها حينئذ أن تستنيب.
الثانية: يجب المحرم للمرأة في السفر الطويل والقصير، قال في الإقناع وشرحه: (وكذا يعتبر) المحرم (لكل سفر يحتاج فيه إلى محرم) أي: لكل ما يُعد في العرف سفرًا)، وهذه من المواضع التي أرجعوا السفر فيها إلى العرف، وفيه إشارة: إلى أن السفرَ القصيرَ هو الذي دون مسافة القصر وما عد في العرف سفرا.
الثالثة: المحرم معتبر لمن لعورتها حكم، وهي بنت سبع سنين فأكثر؛ لأنها محل الشهوة.
(١) فيحرم عليها أن تحج بلا محرَم، لكن حجها يجزئها. وليس =
стр. 587
باب الإحرام (١)
= لها - على المذهب - أن تترخص في الطريق، ولا تقصر، ولا تجمع بين الصلاتين؛ لأنها عاصية كما قرره البهوتي في شرح المنتهى.
(١) الإحرام لغة: نية الدخول في التحريم، وشرعًا: نية النسك، أي: نية الدخول فيه لا نيته ليحج أو يعتمر، ولا يشترط أن يقترن مع النية قول أو فعل، خلافا لشيخ الإسلام.
(تتمة) يُسَنُ لمن أراد أن يحرم: ١ - أن يغتسل أو يتيمم عند عدم الماء، ٢ - وأن يتنظف، ٣ - وأن يتطيب في بدنه، ويُكرَه أن يتطيب في ثوبه، ٤ - وأن يلبس إزارًا ورداءً أبيضين نظيفين، وكذلك نعلين، ٥ - وأن يتجرَّد عن المخيط، وهو: كل ما يُخاط على قدرِ الملبوس الذي يكون لمثله. وسيذكر المؤلفُ شيئًا من ذلك.
ويسن الإحرام عقب صلاة مطلقًا نفلًا أو فرضًا، فإذا لم يوجد في الوقت صلاة مشروعة فالمذهب: يسن ما لم يكن الوقت وقتَ نهي، كذلك عادم الطهورين لا يسن له أن يصلي ركعتي الإحرام، ويسن أن يعين نسكا ويلفظ به، ويسن أيضا أن يشترط فيقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وإن =
стр. 588
وهُوَ واجبٌ مِنَ الميقاتِ (١)، ومَن منزلُهُ دُونَ الميقاتِ،
= حبسني حابس فحلي حيث حبستني.
(١) الميقات لغة: هو الحد، والمواقيت شرعًا: مواضع وأزمنة معينة لعبادة مخصوصة. وتنقسم المواقيت إلى قسمين: ١ - مواقيت مكانية، ٢ - ومواقيت زمانية. ولم يذكر المؤلف باب (المواقيت)، مع أهميته، وسنذكرها بصفة مختصرة.
أما المواقيت المكانية فخمسة، وهي على المذهب كلها ثابتة بالنص، أي: أن النبي ﷺ نص عليها. وهي: ١ - ذو الحليفة، وهو أول ميقات يذكرونه، وهو ميقات أهل المدينة. ويبعد (٤٢٠) كم عن مكة، وهو أبعد المواقيت. ٢ - الجحفة، وهي ميقات أهل الشام ومصر والمغرب، وتبعد عن مكة (١٨٦) كم. وذكر الفقهاء في السابق أن الناس كانوا يحرمون من رابغ، وهي قبل الجحفة بيسير كما في شرح المنتهى، إلا أن الدولة الآن - ولله الحمد - بنت مسجدًا في الجحفة، فصار الناس يحرمون منها. ٣ - يلملم، وهي ميقات أهل اليمن، وتبعد عن مكة (١٢٠) كم. ٤ - قرن المنازل، وهي ميقات أهل نجد، وتبعد تقريبًا (٧٨) كم عن مكة. ٥ - ذات عرق، وهي ميقات أهل المشرق والعراق وخراسان. وقد بنت الدولة فيه مسجدًا يحرِمُ منه الناس، ولله الحمد.
وهذه المواقيت لأهلها، ولمن مرَّ عليها من غيرهم. ولا يجوز للمسلم الحر المكلَّف إذا أراد دخول مكة، أو النسك، أو الحرم لأي غرض كان - ولو غير نسك، كزيارة، أو دراسة، =
стр. 589
فميقاتُهُ منزلُهُ (١).
ولا ينعقدُ الإحرامُ مَعَ وجودِ الجنونِ، أو الإغماءِ، أو السُّكرِ (٢).
= أو غير ذلك - أن يدخل إلا مُحرِمًا. إلا لحاجة تتكرر أو قتال مباح أو خوف أو مكي يتردد لقريته بالحل.
قال في الإقناع وشرحه: (وحيث لزم الإحرام من الميقات لدخول مكة) أو الحرم (لا لنسك طاف وسعى وحلق وحل).
وأما المواقت الزمانية، فهي في المذهب: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
ويذكرون هنا مسألتين مهمتين؛ وهما:
- الإحرام قبل الميقات المكاني كمن يحرم من الرياض، أو من الأحساء، فيصح، وينعقد الإحرام، لكنه يكره.
- الإحرام قبل الميقات الزماني. أما العمرة، فليس لها ميقاتٌ زماني، بل تفعل في أي وقت من السنة. وأما الحج، فله وقت معين، فهل يجوز الإحرام به، وقول: لبيك حجًا، قبل أشهر الحج كفي شعبان، أو رمضان؟ نقول: نعم يصح، وينعقد، لكن يُكره، كما تقدم في الميقات المكاني.
(١) من كان يسكن في المدن أو القرى التي تقع بين الميقات ومكة، فإنه يحرِم من منزله، وليس المراد: منزله الذي يسكن فيه، بل كل بلده ميقات له، فلو خرج من بيته، ولم يحرم إلا عند نهاية البلد جاز.
(٢) لعدم أهليته للنية والقصد.
стр. 590
وإذا انعقدَ، لم يبطُل (١) إلا بالرِّدَّةِ (٢)، لكن يفسُدُ بالوطءِ في الفرجِ قبلَ التحلُّلِ الأوَّلِ، ولا يبطُلُ، بل يلزمُهُ إتمامُهُ والقضاءُ (٣).
ويُخيَّرُ مَنْ يريدُ الإحرامَ بينَ أن ينويَ التَّمتُّعَ - وهُوَ أفضلُ -، أو ينويَ الإفرادَ، أو القرانَ (٤).
(١) فمتى أحرم إنسان وهو عاقل، فإن إحرامه لا يبطل بعد ذلك بطروِّ الجنون أو الإغماء أو السُكر، وسيأتي أنه إذا لم يفق في عرفة فلا يصح وقوفه.
(٢) وقد تقدم أن جميع العبادات تبطل بالردة.
(٣) فيفسد الإحرام بشيء واحد فقط، وهو الوطء في الفرج - بدون حائل - قبل التحلل الأول. فمن فعل ذلك، فسد إحرامه، ولا يبطل، بل يلزمه إتمام الحج والعمرة، والقضاء، وعليه بدنة في الحج، وشاة في العمرة.
(تتمة) فساد العمرة: فساد العمرة يكون قبل تمام السعي، فإذا وطئ فإنه يتوب ويتمها ويقضيها، ويلزمه شاة كفدية الأذى، وإن وطئ بعد السعي فلا تفسد العمرة كالوطء بعد التحلل الثاني من الحج.
(تتمة) لا فرق في المذهب بين الفساد والبطلان إلا في موضعين: ١ - الحج، فيبطل بالردة، ويفسد بالجماع في الفرج. ٢ - النكاح، فالنكاح الباطل هو الذي اتفق العلماء على بطلانه، والفاسد هو الذي اختلفوا فيه، وقد ذكر المرداوي في التحبير شرح التحرير أمثلة أخرى.
(٤) أفضل الأنساك عندنا: التمتع، وللحنابلة في ذلك أدلة كثيرة. =
стр. 591
فالتَّمتُّعُ: هُوَ أن يحرِمَ بالعمرةِ في أشهرِ الحجِّ، ثمَّ - بعدَ فراغِهِ منها - يحرِمُ بالحجِّ (١).
والإفرادُ: هُوَ أن يحرِمَ بالحجِّ، ثمَّ - بعدَ فراغِهِ منهُ - يحرِمُ بالعمرةِ (٢).
= ثم يأتي بعده في الأفضلية: الإفراد، ثم القران.
(تتمة) ظاهر كلام المؤلف أنه لا توجد أفضلية للإفراد على القران، بينما المذهب أن الإفراد أفضل.
(١) ولا بد ليكون متمتعًا أن يحرم بالحج في نفس العام، لا في العام الذي يليه مثلًا، وإلا فهو مفرد. والمعتبر في إيقاع العمرة في أشهر الحج: الإحرام، فلا بد أن يحرم بها بعد دخول أشهر الحج، فلو أحرم بها في رمضان، ثم طاف وسعى في شوال، فليس بمتمتع.
وظاهر كلام المؤلف أنه يحرم بالحج من أي مكان شاء سواء كان مكة أو قربها أو بعيدا عنها مسافة قصر وهو ما مشى عليه في المنتهى وغيره، وأما في الإقناع فقيده بأن يحرم من مكة أو قريب منها لا بعيد منها، وتابع في ذلك المقنع والفائق والرعايتين والحاويين، ومع ذلك قال الشيخ منصور في الكشاف: (الذي عليه أكثر الأصحاب عدم التقييد). (مخالفة الماتن)
(٢) فعند الميقات يحرم بالحج فقط، ويقول: لبيك حجًا، أو: أحرمت حجًّا. أما قوله: (ثمَّ - بعد فراغه منه - يحرم بالعمرة)، وقيده في الإقناع العمرة إن كانت باقية عليه، أي: إن لم يكن أتى بها من قبل.، وأطلق في المنتهى والغاية فلم =
стр. 592
والقرانُ: هُوَ أن يحرِمَ بالحجِّ والعمرةِ معًا (١)، أو يحرِمَ بالعمرةِ ثمَّ يدخلَ الحجَّ عليها قبلَ الشُّروعِ في طوافِها (٢)، فإن
= يقيدوا بهذا القيد، قال البهوتي في شرح المنتهى بعد قول المنتهى: (ثم بعمرة بعد فراغه منه) قال: (أي الحج مطلقا) أي: سواء كانت باقية عليه أو لا.
(١) القِران له ثلاث صور: (الصورة الأولى) أن يحرم بالحج والعمرة معًا، فيقول: لبيك حجًا وعمرة، وهذا الذي فعله النبي ﷺ ، وقد قال له جبريل ﵇: قل عمرة في حجة.
(٢) (الصورة الثانية) أن يحرم بالعمرة فقط، ثم يدخل الحج عليها؛ لما يراه من زحام شديد مثلًا، فيصح، بشرط أن يكون إدخال الحج على العمرة قبل الشروع في طوافها. فإن فعل ذلك صار قارنًا. أما لو شرع في طوافها، فليس له أن يدخل الحج عليها؛ لأنه إذا شرع في طوافها فقد شرع في أسباب التحلل.
ومتى صار قارنا سقط عنه طواف العمرة والسعي لها، واندرجت أفعالها في أفعال الحج، وعمل القارن كالمفرد في الإجزاء، ويسقط الترتيب للعمرة، ويصير الترتيب للحج.
(تتمة) إشكال يقع فيه بعض الحجاج: بعض الحجاج يحرمون بالعمرة في اليوم السابع أو الثامن، ويطوف، ويسعى، و ينسى أن يقصر، ثم يحرِم بالحج، فيكون قد أدخل الحجَّ على العمرة بعد الشروع في طوافها فإن كان ساق هديا فيصح ولو بعد سعيها، وإن لم يسق هديا فلا يصح على المذهب؛ =
стр. 593
أحرمَ بِهِ، ثمَّ بها، لم يصحَّ (١).
= لأنَّه هكذا أدخل نُسُكًا على نُسُك قبل أن ينتهي من الأول، فلا يصح حجه على المذهب كما قرره ابن نصر الله، وابن ذهلان، والنجدي في حاشيته، والقول الثاني: يكون قارنًا، وقال به في المغني والشرح مع ما فيه من الإشكال وهو ظاهر كلام الإقناع والمنتهى في شروط هدي التمتع حيث قالا: وأن يحل منها قبل إحرامه به وإلا صار قارنا، وأطال ابن جاسر في هذه المسألة في مفيد الأنام ورجح أنه يصح حجه وعليه دم لتركه الحلق، وظاهر كلامه أنه متمتع - ولم يصرح به - لإيجابه الدم على ترك الحلق، لأنا إن جعلناه قارنا لم يُحتج للدم لترك الحلق.
(١) (الصورة الثالثة) أن يحرم بالحج مفردًا، ثم يدخل العمرة عليه، وهذا ممنوع على المذهب، فيصح الحج، دون العمرة؛ لأنه لا يفيده الإحرام الثاني غير ما أفاده الإحرام الأول فلم يصح بخلاف العكس وهو: أنه يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج فإنه يستفيد فائدة زائدة على الإحرام الأول وهو الوقوف بعرفة، والمبيت، ورمي الجمار فصح ذلك.
(تتمة) في الحواشي السابغات: (مسألة) يجوز للمتمتع على المذهب أن يعتمر عن شخص ويحج عن آخر، وعليه دم بالشروط السبعة المتقدمة؛ فإذا أحرم بالعمرة قال: أحرمت بعمرة عن فلان، ثم إذا أراد أن يحرم بالحج قال: أحرمت حجاً عن فلان. ووجوب الدم هنا متوقف على الإذن، فإن أذِنا له فالدم عليهما، وإن أذن له أحدهما فعليه النصف =
стр. 594
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والباقي على النائب، وإن لم يأذنا له فلا يخلو: إن عاد للميقات فأحرم منه للحج فلا دم عليه، وإن لم يعد فعليه الدم، كذا فصله البهوتي في الكشاف، ونسبه للشرح الكبير (٦/ ١٠٢).
ويجوز أيضاً للقارن - الذي يطوف مرة واحدة، ويسعى مرة واحدة - أن يجعل العمرة عن شخص والحج عن شخص آخر، فيقول: أحرمت بعمرة عن فلان، وحج عن فلان؛ لكن هنا قالوا: بإذنهما، ومفهومه: إن لم يأذنا له فيقع الحج والعمرة للنائب فقط، قاله البهوتي في شرح المنتهى (٢/ ٤٣٠)، والدم يكون عليه، وإن أذن له أحدهما دون الآخر فيصح عن الآذن والنائب فقط، ويكون الدم عليهما، والله أعلم).
(تتمة) هناك مسألة مهمة جدًا وهي: قلب القارن والمفرد حجه عمرة، وهي من مفردات المذهب، وروجع الإمام أحمد ﵀ فيها كثيرًا، وله فيها أدلة. وهي: أن المفرد أو القارن - في المذهب - يسن له إذا طاف طواف القدوم وسعى سعي الحج، أن يجعل الماضي عمرة، ويتحلل؛ حتى يكون متمتعًا. وهذا من غرائب المذهب، أي: أن تكون النية بعد العمل، فيجوز له أثناء الطواف، أو بعده، أو أثناء السعي، أو بعده أن يجعل ذلك عمرة، ثم يتحلل، ثم يحرم بالحج.
وإنما يصح فسخ الحج إلى عمرة بشرطين: ١ - ألا يكون قد ساق هديا، فإن ساق هديه فلا يحل، ولا يجوز له فسخ إحرامه؛ لما في الصحيحين: (أنه ﷺ أمر أصحابه لما طافوا =
стр. 595
ومَن أحرمَ وأطلَقَ: صحَّ، وصَرَفَهُ لما شاءَ (١)، وما عَمِلَ قبلُ فلغوٌ (٢).
= وسعوا أن يجعلوها عمرة إلا من ساق هديا)، ٢ - ألا يكون قد وقف بعرفة، فإن وقف فلا يصح الفسخ ويلزمه إتمام حجه؛ لأن من وقف بها فقد أتى بمعظم الحج، وأمن من فوته بخلاف غيره، لكن لو وقف بعرفة، أو وقف بعرفة ودفع منها، وأراد أن يفسخ حجه عمرة، هل له ذلك؟ بأن يفسخ حجه عمرة وهو واقف بعرفة، أو يعود إلى عرفة ويجعل حجَّه عمرة، ويحرم بالحج ما دام وقت الوقوف باقيا. فليحرر. وسيأتي في باب أركان الحج أن السكران والمجنون والمغمى عليه لو أفاقوا بعرفة أو بعد أن دفعوا منها ثم عادوا إليها ووقفوا في الوقت أن حجهم صحيح.
(تتمة) وأيضا: هل يجوز للمفرد والقارن اللذين أفسدا حجهما بالوطء قبل التحلل الأول أن يفسخا ذلك ويجعلانه عمرة فاسدة ويقضيانها، ثم يحرمان بالحج؟ مسألة تحتاج لتحرير.
(١) فمن نوى الإحرام فقط، فأحرم، ولم يعين نسكًا، صح إحرامه. ثم يصرفه لما يشاء من حج أو عمرة، قال الخلوتي: (وجوبا وإلا يكون متلاعبا)،، لكن لا بد أن يكون التعيين قبل الشروع في الطواف، وإلا لم يصح.
(٢) أي: ما عمله قبل أن يعين نُسُكًا معينًا، سواء كان حجًّا، أو عمرة، أو حجًّا وعمرة، فهو لغو، ولا يعتبر شيئًا، وذكر الشارح أن الأَولى صرفه إلى العمرة، وقد نصَّ عليه صاحب الإقناع.
стр. 596
لكنَّ السُّنَّةَ لِمَنْ أرادَ نُسُكًا: أن يعيِّنَهُ (١)، وأن يشترطَ، فيقولَ: «اللهمَّ إنِّي أريدُ النُّسكَ الفلانيَّ، فيسِّرهُ لي، وتقبَّلهُ منِّي، وإن حبسَنِي حابسٌ، فمحِلِّي حيثُ حبستَنِي» (٢).
(١) فيُسَّنُ لمن أحرم أن يُعيِّن النسك، ويتلفظ به، فيقول مثلًا: لبيك عمرة، أو: لبيك حجًّا وعمرة، أو: نويتُ حجًّا، أو: أردتُ حجًّا وعمرة.
(٢) فيُسَنُّ لمن أحرم أن يشترط. ولا بد في الاشتراط من القول، ولا تكفي النية، بخلاف الإحرام. والشرط هو قوله: (وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني) لحديث ضباعة بنت الزبير ﵂.
فإن حبسه حابس، فهل يكون في حكم المحل مباشرة، أو يُخيَّر أن يبقى على إحرامه حتى يزول هذا الحابس ويكمل النُسُك؟ الظاهر أنه يُخيَّر، ولا يتحلل بمجرد حصول ما يحبسه.
стр. 597
باب محظورات الإحرام
وهِيَ سبعةُ أشياءَ (١):
أحدُها: تعمُّدُ لُبسِ المخِيطِ على الرِّجالِ، حتَّى الخفَّينِ (٢).
(١) محظورات الإحرام: هي ما يمتنع على المحرم فعله بسبب الإحرام، وعدّها المؤلف هنا سبعة، خلافًا لصنعه في الغاية، حيث عدها تسعة، وفاقًا للمنتهى والإقناع، لكن الخلاف إنما هو في العد فقط، وإلا فقد استوعب المؤلفُ هنا جميعَ المحظورات في ثنايا كلامه.
(٢) (المحظور الأول) تعمد لبس المخيط على الرجال. والمخيط - كما في الإقناع وشرحه -: كل ما يخاط على قدر الملبوس عليه كالقميص والسراويل والبرنس) والقباء وكذا الدرع ونحوه مما يصنع من لبد ونحوه على قدر الملبوس عليه وإن لم يكن فيه خياطة)، وقال في موضع آخر: (لبس الذكر المخيط قل أو كثر في بدنه أو بعضه) مما عمل على قدره أي: قدر الملبوس فيه من بدن أو بعضه (من قميص وعمامة وسراويل وبرنس ونحوها ولو درعا منسوجا أو لبدا معقودا ونحوه) مما يعمل على قدر شيء من البدن).
ومما يحرم على المُحرِم لبسه: الخفان، كما ذكر المؤلف. ويستثنى من ذلك: من لم يجد إزارًا، فإنه يلبس السراويل، =
стр. 598
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ولا فدية. وكذلك من لم يجد نعلين، فإنه يجوز له أن يلبس الخفين - ويحرم قطعهما - حتى يجد نعلين، ولا فدية خلافًا للجمهور؛ لأن حديث ابن عمر الذي فيه الأمر بالقطع متفق عليه في المدينة، وحديث ابن عباس الذي ليس فيه الأمر بالقطع متفق عليه في مكة فلو كان واجبا لبينه النبي ﷺ للجمع الغفير الذي لم يحضر أكثرهم ذلك بالمدينة، وقول المخالف: المطلقُ يقضي عليه المقيدُ، محلُهُ: إذا لم يمكن تأويله. قاله في شرح المنتهى.
وفي الإنصاف: (قال الخطابي: العجب من الإمام أحمد في هذا يعني في قوله " بعدم القطع " فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقلَّت سنة لم تبلغه اه. قال الزركشي: قلت: والعجب كل العجب من الخطابي في توهمه عن أحمد مخالفة السنة، أو خفائها، وقد قال المروذي: احتججت على أبي عبد الله بقول ابن عمر عن النبي ﷺ ، وقلت: هو زيادة في الخبر، فقال: هذا حديث، وذاك حديث، فقد اطلع على السنة، وإنما نظر نظرا لا ينظره إلا الفقهاء المتبصرون، وهذا يدل على غايته في الفقه والنظر. انتهى.)
(تتمة) مسائل في لباس المحرم:
الأولى: يحرم على المحرم عقد الرداء أو غيره، ولا يخله بشوكة أو إبرة أو خيط، ولا يزره في عروة، إلا إزاره وهميانا فيه نفقة مع حاجة لعقد.
الثانية: نصوا على جواز لبس الرداء الموصل، والظاهر أن =
стр. 599
الثَّاني: تعمُّدُ تغطيةِ الرَّأسِ مِنَ الرَّجلِ (١)، ولو بطِينٍ، أو
= المراد: أن توصل خرقة بخرقة من جهة واحدة لا من جهتين حتى لا يكون مخيطا.
الثالثة: نص في الإقناع على جواز الإزار الموصل، والظاهر فيه كما مضى في الرداء وإلا كان مخيطا على قدر أعضائه.
الرابعة: يجوز لبس النعال على أي هيئة صنعت، قال في المغني: (فأما النعل، فيباح لبسها كيفما كانت، ولا يجب قطع شيء منها؛ لأن إباحتها وردت مطلقا)، قال في الإنصاف: (يباح النعل كيفما كانت على الصحيح من المذهب؛ لإطلاق إباحتها، وقدمه في الفروع).
والظاهر تحريم لبس ما يسمى بالجزمة والكنادر على الْمُحْرِمِ، قال في الإقناع وشرحه: (وإن لبس مقطوعا) من خف وغيره (دون الكعبين مع وجود نعل) حرم كلبس الصحيح؛ لأن قطعه كذلك لا يخرجه عن كونه مخيطا (وفدى) للبسه كذلك).
ويجوز لبس النعال التي تسمى بالصندل وهي التي يكون لها سير على العقب، قال في الإقناع وشرحه: (ويباح) للمحرم (النعل) لمفهوم ما سبق وهي الحذاء وهي مؤنثة وتطلق على التاسومة قاله في الحاشية (ولو كانت) النعل (بعقب، وقيد وهو السير المعترض على الزمام) للعمومات).
(١) (المحظور الثاني) تعمد تغطية الرأس كله أو بعضه، ومنه الأذنان والبياض فوقهما. وهذا الحكم مختص بالرجل دون المرأة.
стр. 600
استظلالٍ بمحمَلٍ (١)، وتغطيةُ الوجهِ مِنَ الأنثى، لكن تسدِلُ على وجهِها لحاجةِ (٢).
(١) الْمَحْمِل: كمَجْلِس، وهو شيء يحمل فيه الإنسان ويوضع على البعير، لا إن حمل على رأسه شيئا أو نصب حياله شيئا، كجدار أو ثوبا يستره فلا شيء عليه.
(٢) من المحظورات أن تغطي المرأة وجهها، فيحرم عليها ذلك. لكنها تسدل الثوب على وجهها للحاجة. والحاجة - كما يمثل به عامة الحنابلة -: مرور الرجال الأجانب. ولا يضر لو مسَّ المسدولُ بشرةَ وجهها، ويؤخذ من هذا الحكم وجوب تغطية المرأة وجهها عند الرجال الأجانب؛ لأن الْمُحَرَّمَ وهو تغطية وجه المرأة المحرمة لم يزل إلا بواجب وهو تغطية الوجه عن الرجال الأجانب، والله أعلم.
(تتمة) تغطية وجه الرجل المحرم: يفهم من كلام المتن: جواز تغطية وجه الرجل وهو صحيح جزم به في المنتهى والإقناع والغاية وغيرها، وقيده الرحيباني في المطالب بقوله: (بلا مخيط) أي: أنه لا محظور في تغطية وجه الرجل بغطاء ليس مخيطا للوجه، فإن كان مخيطا للوجه أو بعضه حرم وفدى، لكني بعد البحث الطويل لم أجد له في هذا القيد سابقا ولا متابعا، وكل عباراتهم التي وقفت عليها غير مقيدة فيجوز تغطية المحرم الذكر وجهه بمخيط أو غيره إلا أن يقال بأن هذا القيد مقصود لهم بدليل أن البدن مثلا يجوز للمحرم تغطيته لكن لا يجوز بمخيط، فليحرر، ثم وجدتُ سابقا =
следующие страницы →