Полный текст (2 012 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
قدرِها لمَن لم يصلِّ (١)، فلا يجزئُ قبلَ ذلكَ (٢).
ويستمرُّ وقتُ الذَّبحِ نهارًا وليلًا (٣) إلى آخرِ ثاني أيَّامِ التَّشريقِ (٤).
= جاز الذبح، أو بعد قدرها بعد حِلِّها في حق من لا صلاة في موضعه، كأهل البوادي من أهل الخيام والخَركاوات ونحوهم).
(١) المراد ب (لمن لم يصلِّ): من هو في غير البلد. فمن كان خارج البلد، كفي البرِّ مثلًا، فلا صلاة عيد عليه، فينتظر حتى يمر قدر صلاة العيد في البلد.
(٢) و يستثنى ما لو فات وقت صلاة العيد بالزوال في موضع تصلى فيه لعذر أو لا فإنه يجوز الذبح لفوات التبعية بخروج وقت الصلاة، وتقضى الصلاة غدًا في وقتها.
(٣) فيجزئ الذبح في الليل، وظاهر عبارة المتن عدم الكراهة وهو ظاهر إطلاق المنتهى كالتنقيح، وكذلك في الفروع، وفي الإقناع ذكر أنه: مع الكراهة؛ للخروج من الخلاف، وتابعه في الغاية، فهل يجزم بأن المذهب ما في الإقناع؛ لأنها زيادة، لأن صاحب المنتهى أطلق فقال بالإجزاء فقط؟ قال في الإنصاف: (والأولى الكراهة ليلًا مطلقًا). (مخالفة الماتن)
(٤) فأيام الذبح على المذهب ثلاثة فقط: يوم العيد، ويومان بعده قال الإمام أحمد: (أيام النحر ثلاثة عن غير واحد من أصحاب الرسول ﷺ ، والقول الثاني: إلى ثالث أيام التشريق، واختاره ابن تيمية.
стр. 667
فإن فاتَ الوقتُ، قضى الواجبَ (١)، وسَقَطَ التَّطوُّعُ (٢).
وسُنَّ لهُ الأكلُ مِنْ هديهِ التَّطوُّعِ (٣)، ومِن أضحيتِهِ،
(١) الذي عيَّنه بأن قال مثلًا: هذه أضحية، فيجب عليه أن يقضيه إذا فات الوقت.
(٢) وهي كل أضحية لم تتعين، ولم تنذر. ومن التطوع: أن يذهب الشخص إلى السوق، ويشتري أضحية، ولا يقول: هذه أضحية، أو: هذه لله، ثم تمضي أيام الذبح كلها. فحينئذ، لا يلزمه ذبحها؛ لأنها تطوع، ولو ذبحها لم تكن أضحية، ولا يحصل على أجرها، قال ابن جاسر: (صفة التطوع الذي يسقط بخروج الوقت: هو أن ينوي الأضحية بشرائها، أو يسوقها بنية الأضحية من غير تعيين … فإذا لم تعين باللفظ فلا تكون واجبة).
(٣) بل السنة أن يثلث في هدي التطوع كالأضحية يهدي، ويأكل، ويتصدق أثلاثا، أما الهدي الواجب بالنذر أو بالتعيين لفوات حج، أو فعل محظور، أو ترك واجب فلا يجوز أن يأكل أو يهدي منه شيئا، فإن فعل ضمنه بمثله لحما، ويستثنى: الهدي الواجب للمتعة والقران فيجوز الأكل منه؛ لأن سببهما غير محظور.
(تتمة) الهدي: ما يهدى للحرم من نعم وغيرها، قال في الإقناع: (يسن لمن أتى مكة أن يهدي هديا)، وفي الغاية: (ويصح هدي كل متمول، وأهدى النبي ﷺ في حجه مائة بدنة)
стр. 668
ولو واجبةً (١).
ويجوزُ مِنَ المتعةِ، والقِرَانِ (٢).
ويجبُ أن يتصدَّقَ بأقلِّ ما يقعُ عليهِ اسمُ اللَّحمِ (٣). ويُعتبرُ تمليكُ الفقيرِ، فلا يكفي إطعامُهُ (٤).
والسُّنَّةُ أن يأكلَ مِنْ أضحيتِهِ ثلثَها، ويُهديَ ثلثَها، ويتصدَّقَ بثلثِها (٥).
ويحرُمُ بيعُ شيءٍ منها (٦)، حتَّى مِنْ شعرِها، وجلدِها (٧).
(١) أي: ولو كانت الأضحية واجبة بنذر، أو تعيين، بخلاف الهدي الواجب.
(٢) فالهدي الواجب لا يجوز الأكل منه إلا إذا كان هدي متمتع أو قارن، فإنه من الهدي الواجب، لكن يجوز الأكل منه؛ لأن سببهما غير محظور، وتقدم.
(٣) الظاهر: تحريم أكل كل الأضحية، أو هدي التطوع قبل أن يتصدق منه، فإن فعل ضمن أقل ما يقع عليه اسم اللحم، ويقدرون ذلك بأوقية وزنها أربعون درهمًا، أي: مئة وتسعة عشر جرامًا، فهذا الذي يجب أن يتصدق به فقط.
(٤) أي: أن يعطيه من اللحم النيء لا المطبوخ، فلا يكفي إطعامه؛ لأن الإطعام إباحة نفع وليس تمليكًا.
(٥) إلا إذا كانت الأضحية من مال يتيم، فلا يجوز الإهداء ولا الصدقة.
(٦) هديًا كانت، أو أضحية ولو كانت تطوعا، قال الشارح: (لأنها تعينت بالذبح).
(٧) بل ينتفع به، أو يتصدق به استحبابًا.
стр. 669
ولا يُعطي الجازرَ أجرتَهُ منها شيئًا (١)، ولهُ إعطاؤُهُ صدقةً، وهديَّةً (٢).
وإذا دَخلَ العشرُ (٣)، حرُمَ على مَنْ يضحِّي (٤)، أو يُضحَّى عنهُ (٥)، أخذُ شيءٍ مِنْ شعرِهِ أو ظفرِهِ إلى الذَّبحِ (٦).
(١) أبهم المؤلف الحكم هنا، وهو: التحريم، كما بيَّنه البهوتي. فلا يجوز أن يعطي الجزار الذي ذبح وسلخ الأضحية أجرتَه من الأضحية، بأن تكون معاوضة عن عمله.
(٢) أي: يجوز له أن يعطيه منها صدقة وهدية؛ لأنه في ذلك كغيره.
(٣) أي: العشر الأول من ذي الحجة، والمراد: من غروب الليلة الأولى من ذي الحجة.
(٤) وهو من يضحي بنفسه.
(٥) ذكر ابن جاسر - وهو الأقرب - أنه إذا ضحى زيد عن غيره، وصيًّا كان - بأن أوصي له أن يضحي -، أو متبرعًا - كأن تبرع بأضحية لأمه أو أبيه -، أو وكيلًا - كأن يقول له شخص: ضحِّ عني -، فإنه لا يجب على زيد أن يمسك عن الأخذ من شعره أو بشرته. وهذا أقرب من كلام عثمان النجدي وعبارته: (وظاهره عن نفسه أو عن غيره .. ، وفي صورة ما إذا ضحى عن غيره فالظاهر من كلامهم الحرمة عليهما جميعا). أما الشيخ ابن عثيمين - كما في رسالة الأضحية -، فإنه وافق ابن جاسر في الوصي والوكيل، فقال: لا يمسك، لكنه خالفه فيمن تبرع بأضحية لغيره، فقال: يجب عليه أن يمسك. (خلاف المتأخرين)
(٦) فإذا كان عنده عدد من الأضاحي، فإن التحريم يزول بذبح أول =
стр. 670
ويسنُّ الحلقُ بعدَهُ (١).
= أضحية، والتحريم من مفردات الحنابلة. في الإقناع وشرحه: (فإن فعل) أي: أخذ شيئا من شعره أو ظفره أو بشرته (تاب) إلى الله تعالى لوجوب التوبة من كل ذنب قلت: وهذا إذا كان لغير ضرورة وإلا، فلا إثم كالمحرم وأولى (ولا فدية عليه) إجماعا سواء فعله عمدا أو سهوا)
(١) قال البهوتي في الكشاف: (قال أحمد: على ما فعل ابن عمر تعظيما لذلك اليوم؛ ولأنه كان ممنوعا من ذلك قبل أن يضحي، فاستحب له ذلك بعده كالمحرم).
стр. 671
فصل في العقيقة (١)
وهِيَ سنَّةٌ في حقِّ الأبِ (٢)،
(١) العقيقة في الأصل - كما في المطلع -: صوف الجذع، وشعر كل مولود من الناس والبهائم الذي يولد وهو عليه، واصطلاحًا: الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم سابعه.
(٢) فلا تسن العقيقة في حق غير الأب، حتى المولود نفسه، فإنه لا يسن أن يعق عن نفسه إذا كبُر، فإن فعل، فإنها لا تأخذ أحكام العقيقة، قال في الإقناع وشرحه: (ولا يعق غير الأب، ولا) يعق (المولود عن نفسه إذا كبر) نص عليه؛ لأنها مشروعة في حق الأب، فلا يفعلها غيره كالأجنبي (فإن فعل) أي: عق غير الأب والمولود عن نفسه بعد أن كبر (لم يكره) ذلك (فيهما) لعدم الدليل عليها قلت: لكن ليس لها حكم العقيقة، (واختار جمع يعق عن نفسه) استحبابا إذا لم يعق عنه أبوه منهم صاحب المستوعب والروضة والرعايتين، والحاويين والنظم قال في الرعاية: تأسيا بالنبي ﷺ ومعناه في المستوعب وهو قول عطاء والحسن؛ لأنها مشروعة عنه؛ ولأنه مرتهن بها، فينبغي أن يشرع له فكاك نفسه، (وقال الشيخ يعق عن اليتيم) أي: من ماله (كالأضحية وأولى)؛ لأنه مرتهن بها، بخلاف الأضحية.)
(تتمة) لو مات المولود يسن أن يعق عنه، قال الشيخ =
стр. 672
ولو مُعسرًا (١).
فعَنِ الغلامِ شاتانِ (٢)، وعَنِ الجاريةِ شاةٌ.
ولا تُجزئُ بدنةٌ ولا بقرةٌ، إلا كاملةً (٣).
= النجدي: (يعني: ولو مات الولد قبله - أي: قبل السابع -، ويتوجه: أو الأب) أي: حتى لو مات الأب يسن أن يعق عن المولود، وهذا قد يوافق ما نقله البهوتي عن ابن حجر في الكشاف: (قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: وعند الحنابلة يتعين الأب إلا أن يتعذر بموت أو امتناع)، قلت: أما لو مات الابن فيسن للأب أن يعق عنه وهذا لا إشكال فيه، لكن لو مات الأب فكيف يسن العقيقة عن المولود مع أنه قد تقرر أن المخاطب بها هو الأب، وأنه لو عق غير الأب فلا تأخذ أحكام العقيقة كما قرره الشيخ البهوتي، ونقلت كلامه قريبا.
(١) قالوا: يقترض ويعق، قال ابن النجار في شرح المنتهى: (استحبابا) وقال في الغاية: (ندبا)، قال شيخ الإسلام: (محله لمن له وفاء) قال البهوتي في كشاف القناع: (وإلا فلا يقترض؛ لأنه إضرار بنفسه و غريمه).
(٢) وتكونان قريبتين في السن والشبه. ويشترط فيهما ما يشترط في الأضحية. وإن تعذر عليه ذبح شاتين، كفت واحدة. والظاهر عدم اشتراط الموالاة، فيجوز أن يذبح واحدة في وقت، ثم يذبح الأخرى بعد شهر مثلًا.
(٣) فلا يجزئ الشرك في الدم في العقيقة، أي: لا يجزئ أن يعق بسُبع بدنة أو سُبع بقرة؛ لعدم وروده، فإذا ذبح إحداهما، فإنها =
стр. 673
والسُّنَّةُ ذبحُها في سابعِ يومِ ولادتِهِ، فإن فاتَ، ففي أربعةَ عشرَ، فإن فاتَ، ففي أحدٍ وعشرينَ (١). ولا تُعتبرُ الأسابيعُ بعدَ ذلكَ (٢).
وكُرهَ لطخُهُ مِنْ دمِها (٣).
= تكون جميعها عقيقةً عن المولود.
(تتمة) لو كان عنده سبعة أولاد لم يجزئ أن يعق عنهم ببدنة، قال اللبدي: (وانظر: لو كان لرجل سبعة أولاد فما دون، وأراد أن يعق عنهم ببدنة أو بقرة، هل يجزئه ذلك عنهم أو لا؟ لم أر من تعرض له، وعموم نصوصهم يدل على أنه لا يجزئ، إلا أن يقال: مرادهم فلا يجزئ فيها شرك لغير ذلك فتنبه). قلت: الظاهر: عدم الإجزاء مطلقا؛ للعلة التي عللوا بها: لعدم وروده، والله أعلم.
(تتمة) في حاشية النجدي على المنتهى: (لو اجتمع له عدة أولاد في يوم واحد قال ابن نصر الله: يتوجه: أنه تكفيه عقيقة واحدة بطريق الأولى).
(١) تسن العقيقة في اليوم السابع - ويحسب منه يوم الولادة -، أو الرابع عشر، أو الحادي والعشرين تكون أداءً، ثم تصير بعد الحادي والعشرين قضاءً كما قرره ابن النجار في شرح المنتهى.
(٢) فله أن يعق في اليوم الثاني والعشرين، أو الثالث والعشرين …
(٣) أي: يكره لطخ المولود من دم العقيقة؛ لأنه أذى، وتنجيس له.
стр. 674
ويسنُّ الأذانُ في أُذنِ المولودِ اليمنى حينَ يولدُ، والإقامةُ في اليسرى.
ويسنُّ أن يُحلقَ رأسُ الغلامِ في اليومِ السَّابعِ، ويُتصدَّقَ بوزنِهِ فضةً (١)، ويُسمَّى فيهِ (٢).
وأحبُّ الأسماءِ: عبدُ اللهِ، وعبدُ الرَّحمنِ (٣).
وتحرمُ التَّسميةُ بعبدِ غيرِ اللهِ، كعبدِ النَّبيِّ، وعبدِ المسيحِ (٤).
(١) فبعد حلق رأس الغلام، يأخذ الشعر، ويزنه، ويتصدق بوزنه فضة، ولا يكون ذلك غاليًا جدًا، بل ربما يعادل خمسة ريالات، ونحو ذلك. وهذه سنة في حق الغلام فقط، لا الأنثى.
(٢) أي: يسن أن يسمى المولود في اليوم السابع؛ لحديث سمرة ﵁ مرفوعا: (كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى، ويحلق رأسه) رواه الخمسة، وقيل: يسمى في يوم الولادة قاله في الرعاية؛ لأنه ﷺ فعله، وقال ﷺ : (ولد لي الليلةَ مولودٌ سميته باسم أبي إبراهيم)، رواه مسلم.
(٣) وزاد في الإقناع: كل ما أضيف إلى الله، كعبد القادر، وعبد الرحيم، فهو حسن. وكذلك أسماء الأنبياء. ويسن أن يحسِّن الأب تسمية ابنه.
(تتمة) التسمية حقٌ للأب كما في الإقناع، فيقدم عند التنازع، ما لم يتنازل عن حقه للأم.
(٤) وكذلك تحرم التسمية بأسماء توازي أسماء الله كملك =
стр. 675
وتُكرهُ: بحربٍ، ويسارٍ، ومبارَكٍ، ومفلِحٍ، وخيرٍ، وسرورٍ (١).
= الأملاك، وتحرم التسمية بأسماء لا تليق إلا بالله كخالق وقدوس.
(١) لورود النهي عنه ﷺ كما عند مسلم -، حيث قال ﷺ : (لا تسمِّ غلامك يسارًا، ولا رباحًا، ولا نجيحًا، ولا أفلح؛ فإنك تقول: أثمَّ هو؟ فلا يكون، فتقول: لا). والتسمية بهذه الأسماء مكروهة، وليست محرمة، قال البهوتي في الكشاف: (فربما كان طريقا إلى التشاؤم والتطير فالنهي يتناول ما يطرق إلى الطيرة إلا أن ذلك لا يحرم لحديث عمر «أن الآذن على مشربة رسول الله ﷺ عبد يقال له: رباح») رواه مسلم.
وكذا تكره التسمية بكل ما فيه تزكية كالتقي والزكي.
(تنبيه) قول الماتن: (ومفلح) لم أرها في المنتهى ولا الغاية، ولكن ذكرها في الإقناع نقلا عن ابن القيم، وأصلها في تحفة المودود، وعبارته: (وَفِي سنَن ابْن ماجة من حَدِيث أبي الزبير عَنْ جَابر عَنْ عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنْ عِشْت إِنْ شَاءَ الله لأنهين أمتِي أَنْ يسموا رباحا ونجيحا وأفلح ويسارا، قلت: وَفِي معنى هَذَا مبارك ومفلح وَخير وسرور ونعمة وَمَا أشبه ذَلِك فَإِنْ الْمَعْنى الَّذِي كره لَهُ النَّبِي ﷺ التَّسْمِيَة بِتِلْكَ الْأَرْبَع مَوْجُود فِيهَا فانه يُقَال أعندك خير أعندك سرُور أعندك نعْمَة فَيَقُول لَا فتشمئز الْقُلُوب من ذَلِك وتتطير بِهِ وَتدْخل فِي بَاب الْمنطق الْمَكْرُوه). ويشكل عليه تسمية بعض الحنابلة =
стр. 676
لا بأسماءِ الملائكةِ، والأنبياءِ (١).
وإنِ اتَّفقَ وقتُ عقيقة وأضحيةٍ، أجزأت إحداهما عنِ الأخرى (٢).
= بهذا الاسم كابن مفلح صاحب الفروع! وكذا هو منتشر عند الناس، وكذا اسم مبارك.
(١) فلا تكره التسمية بها.
(٢) أي لو اتفق يوم سابع الولادة أو يوم الأسبوع الثاني أو الثالث هو ويوم النحر أو الثاني أو الثالث من أيام التشريق فتجزئ شاة واحدة. فإن ذبح شاة واحدة أجزأت عن العقيقة والأضحية، وأخذ ثوابَهما. وكذا يجوز للمتمتع والقارن أن ينوي بهديهِ الهديَ والأضحية، فيحصل على الثوابَين.
(تتمة) وهل تجزئ شاة واحدة عقيقة وأضحية عن واحد أو اثنين؟ قد سئلت فيها وهذا جوابي: السؤال: ما حكم جعل شاة واحدة عن الأب أضحية وعقيقة عن ولده؟
الجواب:
لم أجد فيها إلا كلام العلامة محمد بن إبراهيم وهو يميل إلى الجواز:
قال ﵀:
لو اجتمع أضحية وعقيقة كفى واحدة صاحب البيت عازم على التضحية عن نفسه فيذبح هذه أضحية وتدخل فيها العقيقة.، في كلام لبعضهم ما يؤخذ منه أن لابد من الاتحاد: أن تكون الأضحية والعقيقة عن الصغير، وفي كلام آخرين: أنه لا يشترط =
стр. 677
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= إذا كان الأب سيضحي فالأضحية عن الأب والعقيقة عن الولد.
الحاصل: أنه إذا ذبح الأضحية عن أضحية نواها وعن العقيقة كفى وهذا مبسوط في التحفة. انتهى كلامه ﵀.
قلت: ويؤيد إجزاء كونها عن الأب -مثلا- أضحية وعقيقة عن الابن:
القِران يجوز أن يجعل عمرته عن شخص والحج عن آخر، فهنا أجزأ عمل واحد عن اثنين.
ويؤيده أيضا: إطلاقهم. والله أعلم.
ثم كتبت تعقيبا: ثم رأيت كلام ابن القيم في التحفة وذكر عن الإمام ثلاث روايات: إجزاؤها عنهما، والثانية: وقوعهما عن أحدهما، الثالثة: التوقف.
وهذه الروايات التي تفيد الإجزاء:
قال الخلال: باب ما روي أن الأضحية تجزئ عن العقيقة:
١ - وأخبرني عبد الملك في موضع آخر قال: ذكر أبو عبد الله أن بعضهم قال فإن ضحَّى أجزأ عن العقيقة.
٢ - وأخبرنا عصمة بن عصام حدثنا حنبل أن أبا عبد الله قال: أرجو أن تجزئ الأضحية عن العقيقة إن شاء الله تعالى لمن لم يعق.
٣ - وأخبرني عصمة بن عصام في موضع آخر قال: حدثنا حنبل أن أبا عبد الله قال: فإن ضحى عنه أجزأت عنه الضحية من العقوق. =
стр. 678
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ٤ - قال: ورأيت أبا عبد الله اشترى أضحية ذبحها عنه وعن أهله وكان ابنه عبد الله صغيرا فذبحها، أراه أراد بذلك العقيقة والأضحية، وقسم اللحم، وأكل منها "
فالروايات الثلاث الأول: تدل على أنه تجزئ الأضحية عن العقيقة عن المولود فحسب، خاصة الثالثة.
وأما الرواية الرابعة: فتشمل ما إذا كانت الأضحية عن المضحي وأهله وعن ابن الإمام عبد الله عقيقة.
قال ابن القيم: ووجه الإجزاء: حصول المقصود منها بذبح واحد، فإن الأضحية عن المولود مشروعة كالعقيقة عنه، فإذا ضحى ونوى أن تكون عقيقة وأضحية وقع ذلك عنهما … إلخ كلامه ﵀.
فكلام ابن القيم ﵀ يدل على كون الشاة أضحية وعقيقة عن المولود فقط.
ولعله الأحوط وهو أن يجعل الشاة أضحية وشاة عن المولود فقط ولا يجعلها أضحية للأب مثلا وعقيقة عن المولود. والله أعلم.
(تتمة) الفروق بين العقيقة والأضحية: ١ - لا يجزئ فيها شرك في دم كالأضحية. ٢ - أن الأولى أن تقطع العقيقة من المفاصل، ولا تقطع مثل الأضحية؛ تفاؤلًا بسلامة المولود. ٣ - لايعتبر التمليك في العقيقة، بل الأولى فيها طبخها، بخلاف الأضحية، فيشترط التمليك. ٤ - يجوز في العقيقة بيع الجلد والرأس والسواقط ويتصدق بثمنه بخلاف الأضحية فلا يجوز بيع شئ منها.
стр. 679
كتاب الجهاد (١)
وهُوَ فرضُ كفايةٍ (٢).
(١) الجهاد لغة: بذل الطاقة والوسع، وشرعاً: قتال الكفار خاصة. أما قتال المسلمين من البغاة، وقطاع الطريق، فلا يسمونه جهاداً.
(٢) للجهاد ثلاثة أحكام، ذكر المؤلف منها اثنين: (الحكم الأول) فرض كفاية، وهو الذي إذا قام به من يكفي، سقط الإثم عن الباقين، وإن لم يقم به من يكفي، أَثِمَ من قدر عليه ولم يفعله، وهم من يجب عليهم دون غيرهم من النساء والأطفال والأرقاء.
وفرض الكفاية في الجهاد ثلاثة أقسام: ١ - أن ينهض إلى الجهاد قوم يكفون في جهادهم، سواء كانوا جنداً لهم دواوين كما هو الواقع في وزارة الدفاع والجيش، أو كانوا أعدوا أنفسهم له تبرعاً، بحيث تحصل المنعة بهم إذا قصدهم العدو. ٢ - أن يكون في الثغور من يدفع عن المسلمين، والمتمثل الآن في سلاح الحدود، وهو الذي يسميه الفقهاء: الرباط. ٣ - ومن فروض الكفاية في الجهاد: أنه يجب على ولي الأمر =
стр. 680
ويُسنُّ معَ قيامِ مَنْ يكفي بِهِ (١).
= أن يبعث كل سنة جيشاً يغيرون على العدو في بلادهم، بعد أن يدعوهم إلى الإسلام.
(تتمة) عَرَّفَ في الإقناع هنا فرض الكفاية فقال: (وفرض الكفاية: ما قصد حصوله من غير شخص معين، فإن لم يوجد إلا واحد تعين عليه)، ثم ذكر بعض فروض الكفاية ومنها:
- دفع ضرر المسلمين كستر العاري، وإشباع الجائع، وفك الأسرى على القادرين إن عجز بيت المال.
- الصنائع المباحة المحتاج إليها غالبا لمصالح الناس الدينية والدنيوية.
- إقامة الدعوة إلى دين الإسلام.
- الفتوى وتعليم الكتاب والسنة وسائر العلوم الشرعية، وما يتعلق بها من حساب ونحوه ولغة ونحو وتصريف وقراءة.
(١) (الحكم الثاني) السنية؛ فيسن - وبتأكُّد، كما في المنتهى، والإقناع، والغاية - إذا قام بالجهاد من يكفي. فيكون إذَن سنة مؤكدة؛ للآيات والأحاديث الواردة فيه.
(تتمة) (الحكم الثالث) فرض عين، فيتعين على المسلم الذي تتوفر فيه الشروط التي سيذكرها المؤلف، وذلك في عدة أحوال، منها: ١ - إذا حضر الصفَّ من هو أهلٌ للجهاد، وهو الذي توفرت فيه الشروط التي سيذكرها المؤلف، ٢ - أو إذا حصره عدو، ٣ - أو إذا حصر بلده عدو، ٤ - أو احتاج إليه بعيدٌ للجهاد، فيتعين عليه إن لم يكن له عذر. ٥ - أو استنفره =
стр. 681
ولا يجبُ إلا على: ذكرٍ، حرٍّ، مسلمٍ، مكلَّفٍ، صحيحٍ، واجدٍ مِنَ المالِ ما يكفيهِ ويكفي أهلَهُ في غَيبتِهِ، ويجدُ مَعَ مسافةِ قصرٍ ما يحملُهُ (١).
وسُنَّ تشييعُ الغازي (٢)،
= مَنْ له استنفاره، وهو الإمام أو نائبه، ولا عذر له، فيتعين عليه الجهاد ولا يجوز له أن يتخلف.
(١) فيشترط فيمن يجب عليه الجهاد وجوباً كفائيًّا، أو وجوباً عينيًّا: ١ - أن يكون ذكراً، فلا يجب على أنثى، ٢ - حرًّا، ٣ - مسلماً، ٤ - مكلَّفاً، وهو البالغ العاقل، ٥ - صحيحاً، سالماً من الأمراض كالعمى، والعرج، ٦ - واجداً من المال ما يكفيه ويكفي أهله في غيبته للجهاد، إما بملك من عنده أو ببذل إمام أو نائبه، قال البهوتي في الكشاف: (وإن بذل له غير الإمام ونائبه ما يجاهد به لم يصر مستطيعا كما تقدم في الحج)، ٧ - ويجد مع مسافة قصر ما يحمله، كدابة.
(تتمة) يشترط أيضاً: ٨ - أن يكون ذلك فضلا عن قضاء دينه، وأجرة مسكنه، وكل حوائجه.
(٢) التشييع: يقال شيَّع الضيفَ، إذا تبعه عند رحيله إكراماً له، وهو التوديع. فيسن تشييع الغازي ماشياً، أي: أن يودعه إذا أراد أن يذهب للغزو. والغزو - كما في المطلع -: (قصد العدو في داره)، فيذهب إلى بلده ليغزوه. وقد ورد عن الصديق ﵁ أنه شيّع يزيد بن أبي سفيان ماشياً حين بعثه إلى الشام رواه مالك وغيره، صححه الألباني. وذكر في الفروع =
стр. 682
لا تلقِّيهِ (١).
وأفضلُ متطوَّعٍ بِهِ: الجهادُ (٢)، وغزوُ البحرِ أفضلُ (٣).
وتكفِّرُ الشَّهادةُ جميعَ الذُّنوبِ، سوى الدَّينِ (٤).
= أنه تتوجه أيضاً: سنية تشييع الحاج إذا ذهب للحج، فيودعه، وفي الفنون: تحسن التهنئة بالقدوم للمسافر كالمرضى، ذكره في شرح المنتهى.
(١) أي: لا يُسن تلقي الغازي إذا عاد؛ لأن فيه تهنئة له بالسلامة من الشهادة، وهو غير لائق، فالشهادة أفضل من عودته سالماً، ذكره ابن النجار في شرح المنتهى، ومثله في الكشاف.
(٢) لأن غير الجهاد لا يساويه في نفعه، وخطره، فلا يساويه إذن في فضله. وهذه المسألة قد تقدمت في باب (صلاة التطوع).
(٣) أي: أفضل من غزو البر؛ لأن شهادة البحر تكفر كل ذنب حتى الدين، والغزو كما تقدم: قصد العدو في دارهم كما في المطلع.
(٤) فالشهادة - سواء كانت في البر أو البحر - تكفّر جميع الذنوب، سوى الدَّيْن، قال ابن النجار في شرحه: (وقال الآجري بعد أن ذكر الخبر: إن الشهادة تكفر غير الدين، قال: هذا إنما هو لمن تهاون بقضاء دينه، أما من استدان دينا، وأنفقه في غير سرف ولا تبذير ثم لم يمكنه قضاؤه فإن الله يقضيه عنه مات أو قتل).
وكما قرر الخلوتي أن شهادة البحر تكفر حتى الدين أخذا من =
стр. 683
ولا يَتطوَّعُ بِهِ مدينٌ لا وفاءَ لهُ (١) إلا بإذنِ غريمِهِ (٢)، ولا
= حديث أبي أمامة ﵁ مرفوعا: (ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ويغفر لشهيد البحر الذنوب والدين) رواه ابن ماجه وإسناده ضعيف.
ونقل في الفروع عن شيخ الإسلام - وهو في شرح ابن النجار والبهوتي -: (وغير مظالم العباد كقتل وظلم، وزكاة وحج أخرهما) فالشهادة حتى ولو كانت في البحر لا تُكفر هذه الأمور كالدين.
(١) والحكم هنا مُبهم، والظاهر أنه: مُحرم. فيحرم أن يتطوع بالجهاد من هو مدين لآدمي، حالا كان الدين أو مؤجلا، ولا وفاء له؛ لأن الجهاد يقصد منه الشهادة، فتفوت به النفس، فيفوت الحق. أما المدين لله تعالى كالذي عليه كفارة، أو زكاة مثلاً، فلا يحرم عليه أن يتطوع بالجهاد، وكذا لو كان دينا لآدمي وله وفاء. (فرق فقهي)
(٢) فإن أذن له غريمه في الجهاد جاز له أن يتطوع بالجهاد، وكذا لو كان الدين برهن يحرز - أي: يمكن وفاؤه منه -، وكذا لو كان عنده كفيل مليء بالدين فيجوز إذن؛ لأنه لا ضرر على رب الدين.
قال البهوتي: (فإن تعين عليه الجهاد فلا إذنَ لغريمه؛ لتعلق الجهاد بعينه، فيقدم على ما في ذمته، كسائر فروض الأعيان، ويستحب له أن لا يتعرض لمظان قتل، كمبارزة ووقوف في أول مقاتلة).
стр. 684
مَنْ أحدُ أبويهِ حرٌّ مسلمٌ إلا بإذنِهِ (١).
ويسنُّ الرِّباطُ، وهو: لزومُ الثَّغرِ للجهادِ (٢).
وأقلُّهُ: ساعةٌ، وتمامُهُ: أربعونَ يوماً (٣). وهو أفضلُ مِنَ المُقامِ بمكَّةَ (٤). وأفضلُهُ: ما كانَ دَّ خأشوفاً (٥).
(١) أي: يحرم أيضاً على من أحد أبويه حر مسلم أن يتطوع بالجهاد، إلا بإذنه. فلا يشترط أن يكون كلا أبويه مسلمين، بل يكفي أحدهما.
(تتمة) خرج بقوله (يتطوع): لو كان الجهاد واجباً وجوباً كفائيًّا أو عينيًّا، فلا يستأذِن غريمَه، ولا والديه إلا أن الظاهر أنه يستأذن والديه في الجهاد الكفائي؛ لأن طاعتهما فرض عين، فهي مقدمة على الواجب الكفائي، والله أعلم.
(٢) الرباط لغة: الحبس، واصطلاحاً - كما ذكر المؤلف -: لزوم الثغر للجهاد. والثغر: كل مكان يخيف أهلُه العدو، أو يخيفهم العدوُّ.
(تنبيه): قد تقدم أن وجود المجاهدين في الحدود من فروض الكفاية، فيحمل قوله: (ويسن الرباط): على ما لو قام بالرباط من يكفي، فيكون الرباط في حق غيرهم مسنوناً، كما قرره الخلوتي.
(٣) الساعة: هي برهة من الزمن، ولو لحظات. فهذا أقل الرباط. أما تمامه، فهو أربعون يوماً، كما روي عن ابن عمر، ﵄.
(٤) ذكر ذلك شيخ الإسلام، وحكاه إجماعاً.
(٥) أي: أفضل مكان يرابط فيه الإنسان ما كان الخوف فيه أكثر =
стр. 685
ولا يجوزُ للمسلمينَ الفرارُ مِنْ مثلَيهم - ولو واحداً مِنِ اثنينِ (١) -،
= من غيره؛ لأن مقامه به أنفع، وأهله أحوج.
(١) فإذا التقى المسلمون بالكفار، نظرنا، فإن كان الكفار مثلَي المسلمين - أي: ضعفهم -، حرم الفرار، ولو كان مسلماً واحداً ضد كافرين. قال الشارح: (ولو مع ظن تلف)، أي: حتى لو ظن أنه سيموت ويتلف، فلا يجوز له الفرار. أما قبل لقاء الكفار، فلا يحرم الفرار. (فرق فقهي)
ويستثنى من ذلك حالتان ذكرهما الله في القرآن: ١ - إذا فرَّ متحرفاً لقتال، أي: متحيزاً إلى موضع يكون القتال فيه أَمكن كأن ينحاز من ضيق إلى سعة، وكانحرافه عن مقابلة الشمس مثلاً، أو عن مقابلة الريح، فيجوز التحيز. ٢ - إذا تحيز إلى فئة وهو: أن ينضم إلى فئة المسلمين؛ ليكون معهم ويتقوى بهم، ولو بعُدت تلك الفئة التي أراد الانحياز لها؛ لحديث ابن عمر مرفوعا: (إني فئة لكم) رواه أبوداود وغيره، وكانوا بمكان بعيد منه، ولقول عمر ﵁: (أنا فئة لكل مسلم) رواه سعيد بن منصور، وكان في المدينة، وجيوشه في مصر، والشام، والعراق. فإذا كان المجاهدون في مصر، وهربوا من الكفار للتحيز إلى ولي الأمر - وهو في المدينة مثلاً -، فإن ذلك جائز.
(تنبيه) عدم جواز الفرار في هذه الحالة فيما لو كان بعد اللقاء مع الكفار، أما قبل اللقاء فيجوز الفرار وإن كان =
стр. 686
فإن زادوا على مثلَيهم، جازَ (١).
والهجرةُ واجبةٌ على كلِّ مَنْ عجَزَ عن إظهارِ دِينِهِ بمحلٍّ يغلبُ فيهِ حكمُ الكفرِ (٢)،
= المسلمون أكثر من نصفهم، قال ابن النجار في شرح المنتهى: (ومتى حصر العدو بلداً للمسلمين فلأهله التحصن منهم وإن كانوا أكثر من نصفهم؛ ليلحقهم مدد او قوة، ولا يكون ذلك توليا ولا فرارا، إنما التولي بعد اللقاء).
(١) أي: إن كان الكفار في العدد أكثر من مثلَي المسلمين، جاز الفرار؛ ثم لا يخلو الحال: ١ - إن ظنوا مع ثباتهم التلف فالفرار أولى من الثبات، ٢ - وإن ظنوا مع ثباتهم الظفر وعدم التلف فالثبات أولى من الفرار قال في الإقناع: (بل يستحب)، ٣ - إن ظنوا الهلاك في الفرار والثبات فالمستحب أن يقاتلوا ولا يستأسروا، وإن استأسروا جاز، قال الإمام أحمد كما في الإقناع: (ما يعجبني أن يستأسروا)، وقال: (يقاتل أحب إلي؛ الأسر شديد، ولابد من الموت)، وقال: (يقاتل ولو أعطوه الأمان قد لا يفون)، أي: يقاتل حتى يُقتل ولو أعطوه الأمان؛ لأنَّهم قد لا يوفون بذلك العهد.
(٢) الهجرة: هي الخروج من دار أهل الكفر إلى دار أهل الإسلام. وهي واجبة على كل من عجز عن إظهار دينه، كما ذكر المؤلف. لكن قوله كغيره: (إظهار دينه) لم أجد له ضابطاً واضحاً، فهل المراد به القدرة على إظهار كل الشعائر الإسلامية، أو بعضها؟ فهل تجب الهجرة من الدول التي تمنع =
стр. 687
والبدعِ المضلَّةِ (١). فإن قدَرَ على إظهارِ دينِهِ، فمسنونةٌ (٢).
= المرأةَ من تغطية وجهها - مثلا -؟
(١) المحل الذي يغلب فيه حكم الكفر، هو الذي يكون حكم الكفر فيه هو الغالب، وهو الذي يحكم الناس. وكذلك المكان الذي فيه بدع مضلة، كالبلاد التي يظهر فيها الاعتزال، وبلاد الرافضة، والتي يظهر فيه سب أبي بكر وعمر وعثمان، والاستغاثة بالحسين، وغير ذلك من الأمور البدعية، فإذا عجز الإنسان عن إظهار دينه ومذهبِ أهل السنة في تلك البلاد، وجبت عليه الهجرة.
والوجوب مقيد هنا بالقدرة على الهجرة، فإن لم يستطع، لم تجب عليه.
(٢) أي: فالهجرة في حقه مسنونة؛ ليتخلص من تكثير الكفار، ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم، وأما الهجرة من بين أهل المعاصي فلا تجب قال البهوتي في الكشاف: (ولا تجب الهجرة من بين أهل المعاصي لكن روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿ألم تكن أرض الله واسعة﴾ [النساء: ٩٧] أن المعنى " إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرجوا منها " وقاله عطاء، ويرده ظاهر قوله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره» الخبر).
(تتمة) ذكر صاحب الإقناع في باب أحكام أهل الذمة حكمَ السفر لبلاد الكفار، ولم أره عند غيره، قال ﵀: (وتكره التجارة والسفر إلى أرض العدو، وبلاد الكفر مطلقا وإلى بلاد الخوارج والبغاة والروافض والبدع المضلة ونحو ذلك وإن =
стр. 688
فصل
والأسارى مِنَ الكفَّارِ على قسمَينِ:
قسمٌ يكونُ رقيقاً بمجرَّدِ السَّبيِ، وهم: النِّساءُ، والصِّبيانُ (١).
وقسمٌ لا، وهم: الرِّجالُ البالغونَ المقاتِلونَ (٢).
= عجز عن إظهار دينه فيها فحرام سفره إليها).
ولم أقف على ضابط إظهار الدين من عدمه فالله أعلم.
(١) فبمجرد أن يقع هؤلاء في السبي، فإنهم يكونون أرقاء، وسواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم كما في الإقناع. ويستثنى من ذلك: ما لم يسلموا قبل السبي، فإنهم يكونون مسلمين أحراراً، ولا يجوز استرقاقهم. ومثل النساء والصبيان: الزمن، والأعمى، والشيخ الفاني، والراهب بصومعة، فإنهم يكونون أرقاء بمجرد السبي، ويحرم قتلهم، ويضمنهم قاتلهم بعد السبي لا قبله؛ لأنهم لم يصيروا مالا.
(٢) فإذا أَسَرَ المسلمُ أحدا منهم في معركة، فإنه يحرم عليه أن يقتله، ويجب عليه أن يأتي به إلى الإمام إذا استطاع ولو بإكراه، وضرب وسحب. فإذا أُتي الإمام بالأسرى، فهو الذي يُخير فيهم بين ما ذكره المؤلف. وهذا في الكافر الأصلي، فكيف بالخوارج في عصرنا الذين يقتلون المسلمين؟!
فإن لم يستطع الإتيان به لا بضرب ولا غيره، أو كان مريضا =
стр. 689
والإمامُ فيهم مخيَّرٌ بينَ: قتلٍ، ورِقٍّ، ومَنٍّ، وفداءٍ بمالٍ أو بأسيرٍ مسلمٍ (١).
ويجبُ عليهِ فعلُ الأصلحِ.
ولا يصحُّ بيعُ مسترَقٍّ منهم لكافرٍ (٢).
= أو جريحا لا يمكنه المشي فله قتله؛ لأن في تركه حيا ضررا على المسلمين، وتقوية للكفار.
(١) وهذا تخيير مصلحة، لا تخيير تشهٍ. فيخير في الأسير بين الأصلح من: ١ - قتله؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٩]، ٢ - أو استرقاقه ولو كان ممن لا تقبل منه الجزية، ويكون حكمه حكم الغنيمة، ٣ - أو أن يمن عليه، أي: يطلق سراحه مجاناً، ٤ - أو يفديه إما بالمال، فيطلب مقابل إطلاق سراحه مالاً، ويكون المال في حكم الغنيمة، وإما مقابل إطلاق سراح بعض المسلمين. فإن تردد نظره، فالقتل أَولى.
(تتمة): فإن أسلم هذا الأسير بعد أسره، فإنه يسقط من التخيير القتلُ فقط، وتبقى الأمور الثلاثة الأخرى يخير فيها الإمام، وهي: استرقاقه، أو المن عليه أو يفديه، ويجوز للإمام أن يأخذ منه فداء؛ ليتخلص من الرق، ويجوز أن يمن عليه بلا مقابل، ويحرم رده للكفار.
وإن أسلم واحد منهم قبل الأسر فكمسلم أصلي.
(٢) أي: لا يصح بيع مسترق من هؤلاء الأسرى لكافر، فلا يباع الأسير - ولو كافراً - لكافر.
стр. 690
ويُحكمُ بإسلامِ مَنْ لم يبلغ (١) مِنْ أولادِ الكفَّارِ عندَ وجودِ أحدِ ثلاثةِ أسبابٍ (٢):
أحدُها: أن يُسلمَ أحدُ أبويهِ خاصَّةً (٣).
الثَّاني: أن يُعدَمَ أحدُهما بدارِنا (٤).
الثَّالثُ: أن يسبِيَهُ مسلمٌ منفرداً عن أحدِ أبويهِ (٥).
فإن سباهُ ذمِّيٌّ، فعلى دينِهِ، أو سُبيَ معَ أبويهِ، فعلى دينِهما (٦).
(١) طفلاً كان، أو مميزاً، أو مراهقاً.
(٢) فيكفي وجود أحدها فقط ليُحكم بإسلام الولد الذي أُسِر.
(٣) أي: إذا أسلم أحد أبويه، فإنه يحكم بإسلامه. وقوله (خاصة): أي: دون غيرهما، كجده، وجدته، وعمه.
(٤) وذلك بموته مثلاً، أو لكونه مفقوداً. فإذا فَقَدَ الولدُ أحدَ أبويه بدارنا، فوُجد مثلاً مع أمه فقط، أو مع أبيه فقط، فإنه يحكم بإسلامه، ومثله ما لو زنت ذمية ولو بكافر فولدها يحكم بإسلامه؛ لأن الزاني لا يكون أبا له.
(٥) فإذا سبى الولدَ غير البالغ مسلمٌ، وكان هذا الولد منفرداً عن أحد أبويه، فإنه يحكم بإسلامه. وهذا من المفردات، والعلة: انقطاع تبعيته لأحد أبويه، ومن باب أولى: لو سُبي منفردا عن أبويه، وظاهر كلامهم: ولو وجدنا أباه الآخر، أو أبواه فيما بعد.
(٦) أي: إذا سبى الولدَ ذميٌّ، فإنه يكون على دينه، وإذا أُسر الولدُ مع أبويه، فإنه على دينهما.
стр. 691
فصل
ومَن قَتَلَ قتيلاً في حالةِ الحربِ، فلَهُ سلبُهُ (١)، وهو: ما عليهِ مِنْ ثيابٍ، وحليٍّ، وسلاحٍ، وكذا دابَّتُهُ الَّتي قاتلَ عليها، وما عليها (٢).
وأمَّا نفقتُهُ (٣)، ورَحلُهُ (٤)، وخيمتُهُ (٥)، وجنيبُهُ (٦): فغنيمةٌ.
(١) المراد: أن يقتله وهو مبارزٌ له - ولو بغير إذن الإمام -، أو في حال الحرب وهي قائمة، لا قبل الحرب ولا بعدها. والدليل قوله ﷺ : (من قتل قتيلاً، فله سلبه) متفق عليه.
أما لو قتله وهو مشتغل بأكل أو نائم، أو رماه بسهم من صف المسلمين، أو في حال كونه مثخنا بالجراح فلا يستحق سلبه.
(٢) فالسلب وهو: ١ - ما على المقتول من ثياب، ٢ - وما عليه من حلي - بفتح الحاء، وضمها -، ٣ - ودابته التي قاتل عليها، ولو أسقطه منها، ثم قتله على الأرض كما في شرح المنتهى، ٤ - وما على تلك الدابة التي قاتل عليها.
(٣) كالأموال، والنقود التي تكون مع المقتول.
(٤) الرحل - كما في المطلع -: هو الأثاث الذي معه.
(٥) أي: لو كانت معه خيمة.
(٦) المراد بالجنيب: الدابة التي معه وترافقه في القتال، لكنه ليس راكباً عليها، فتكون غنيمة، لا سلباً.
стр. 692
وتُقسمُ الغنيمةُ بينَ الغانمينَ (١)، فيُعطى لهم أربعةُ أخماسِها:
للرَّاجلِ سهمٌ (٢)، وللفارسِ على فرسٍ هجينٍ سهمانِ (٣)،
(١) الغنيمة لغة: مشتقة من الغُنم، وهو الربح، واصطلاحاً: ما أُخذ من مال حربي قهراً بقتال، وما ألحق به. وقولنا (ما ألحق به): أي: ما ألحق بالمأخوذ بالقتال، كفدية أسرى، وهدية أهديت لأمير في الجيش أو غيره بدار حرب، فتكون من الغنيمة.
وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب، ويكون الترتيب فيها على ما يلي: ١ - يبدأ بدفع الأسلاب، ٢ - ثم أجرة الحمالين والحافظين لها، وجُعْل مَنْ دَلَّ على مصلحة واشْتُرط له ذلك ابتداء قبل قسم الغنيمة، ٣ - ثم يخمس الباقي، ويؤخذ منه خمس ويخمس خمسة أقسام وهذه ذكرها المؤلف، ٤ - ثم يبدأ بالنَّفَل، وهو الزائد على السهم لمصلحة كتنفيل السرايا بالثلث والربع، ويرضخ لمن لا سهم له كالمميز والمرأة والقن على ما يراه الإمام من التسوية أو التفضيل، ٥ - ثم يقسم الباقي بين من شهد المعركة؛ لقصد القتال على ما ذكره المؤلف بقوله: (وتقسم الغنيمة بينة الغانمين .. إلخ).
(٢) الراجل: هو الذي يمشي على رجليه، وليس معه شيء يركبه. فله سهم واحد فقط.
(٣) سهم له، وسهم لفرسه. والفرس الهجين: هو الذي يكون أحد أبويه عربياً، دون الآخر.
стр. 693
وعلى فرسٍ عربيٍّ ثلاثةٌ (١).
ولا يُسهمُ لغيرِ الخيلِ (٢).
ولا يُسهم إلا لمن فيهِ أربعةُ شروطٍ: البلوغُ، والعقلُ، والحرِّيَّةُ، والذُّكورةُ (٣).
فإن اختلَّ شرطٌ (٤)، رُضخَ لهُ، ولم يُسهم (٥).
ويُقسمُ الخُمسُ الباقي خمسةَ أسهمٍ:
- سهمٌ للهِ ولرسولِهِ، يُصرفُ مصرفَ الفيءِ (٦)،
(١) أي: ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه.
(٢) فمن جاهد على غير الخيل كالإبل، والفيلة، والبغال، فلا يسهم لتلك البهائم. وقد كانت الإبل موجودة في زمن الرسول ﷺ ، ولم ينقل أنه أسهم لها.
(٣) فلا يشترط فيمن يُسهم له أن يكون مسلماً. والأصل أنه لا يجوز أن يقاتل الكافر مع المسلمين إلا في حال الضرورة، وبإذن الإمام. فإن قاتل بإذن الإمام، فإنه يُسهم له، وإلا فلا، لكن قد يرضخ له الإمام في تلك الحالة.
(٤) أي: من الشروط الأربعة.
(٥) الرضخ: هو العطاء دون السهم لمن لا سهم له من الغنيمة. فيعُطى ذلك الشخص أقل من السهم.
(٦) فالخُمس الباقي بعد ما يُعطى للغانمين يُقسم خمسة أقسام أيضاً: (الخمس الأول) لله ورسوله ﷺ ، وذُكر فيه اسم الله تبركاً. ويصرف مصرف الفيء، أي: في مصالح المسلمين كالمساجد، والمدارس، والمستشفيات، والشوارع.
стр. 694
- وسهمٌ لذوي القربى، وهم: بنو هاشمٍ، وبنو المطَّلبِ، حيثُ كانوا، للذَّكرِ مثلُ حظِّ الأنثيَينِ (١)،
- وسهمٌ لفقراءِ اليتامى، وهم: من لا أبَ لَهُ، ولم يبلُغ (٢)،
- وسهمٌ للمساكينِ (٣)،
- وسهمٌ لأبناءِ السَّبيلِ (٤).
(١) (الخمس الثاني) لذوي القربي، وهم: بنو هاشم وبنو المطلب، بخلاف الزكاة، فإنه يُعطى منها بنو المطلب، دون بني هاشم. (فرق فقهي)، ويجب في قسمة هذا الخمس: تعميم ذوي القربى في كل مكان، ويعطون للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأنهم يستحقونه بالقرابة، فكان فيه شبه بالميراث.
(٢) (الخمس الثالث) لفقراء اليتامى. واليتيم إنما يطلق على من لا أب له، ولم يبلغ، كما ذكر المؤلف.
(٣) (الخمس الرابع) للمساكين، ويدخل فيه الفقراء من باب أَولى.
(٤) (الخمس الخامس) لأبناء السبيل. وابن السبيل: هو المسافر المنقطع عن بلده، فيُعطى من هذا الخمس ما يوصله إلى بلده.
(تتمة) يشترط في هؤلاء الأربعة - أي: ذوو القربى، واليتامى، والمساكين، وأبناء السبيل - ليعطوا من الخُمس: أن يكونوا مسلمين، فلا حق في الخمس لكافر؛ لأنه عطية من الله تعالى فلم يكن لكافر فيه حق كالزكاة.
стр. 695
فصل
والفيءُ: هُوَ ما أُخذَ مِنْ مالِ الكفَّارِ بحقٍّ مِنْ غيرِ قتالٍ (١): كالجزيةِ (٢)، والخراجِ (٣)، وعُشرِ التِّجارةِ مِنَ الحربيِّ، ونصفِ العُشرِ مِنَ الذِّمِّيِّ (٤)،
(١) هذا تعريف الفيء اصطلاحاً، أما لغة، فأصل الفيء: الرجوع، يقال فاء الظل إذا رجع نحو المشرق.
(٢) وستأتي.
(٣) الخراج: هو ما يؤخذ - كأجرة - على الأرض الخراجية التي فتحها المسلمون، وأوقفوها، وكانت صالحة للزراعة. ومن الأراضي الموقوفة: مصر كلها، والشام، والعراق، لكن الخراج إنما يكون على الأرض الزراعية أو التي قابلة للزراعة.
(٤) فالحربي إذا دخل بلاد المسلمين بالأمان، وتاجر عندنا، فإنا نأخذ منه عُشر تجارته، فنقسم ما عنده على عشرة. أما الذمي - وسيأتي فصل خاص بهم -، فإنا نأخذ من تجارته نصف العُشر فنقسم على عشرين وهو مقيد بما إذا اتجر في غير بلده التي هو مستوطن فيها ولم يؤخذ نصف العشر في بلد تجارته، أما لو اتجر في بلده فلا يؤخذ منه شيء، أما المسلم، فلا يؤخذ منه ذلك، ويحرم أن يؤخذ منه شيء غير الزكاة.
(تتمة) والنصاب المعتبر في الحربي والذمي: عشرة دنانير، =
стр. 696
وما تركوهُ فَزَعاً (١)، أو عَنْ ميِّتٍ ولا وارثَ لَهُ (٢).
ومصرفُهُ في مصالحِ المسلمينَ (٣).
ويُبدأُ بالأهمِّ فالأهمِّ: مِنْ سدِّ ثغرٍ (٤)، وكفايةِ أهلِهِ (٥)، وحاجةِ مَنْ يدفعُ عن المسلمينَ (٦)، وعمارةِ القناطرِ (٧)، ورِزقِ
= فإذا تاجر بعشرة دنانير فأكثر، وجب أن يؤخذ منه العُشر أو نصف العُشر. وعشرة دنانير = ٤٢، ٥ جم ذهب تقريباً، فلو كان الجرام من الذهب يساوي ١٥٠ ريالاً مثلاً، فالنصاب: ٦٣٧٥ ريالاً.
ويمنع نصف العشر على الذمي: دين كزكاة إن ثبت ببينة، ويؤخذ منهما العشر أو نصفه كل عام مرة، ولا يعشر ثمن خنزير وخمر تبايعوه.
(١) أي: ما تركه الكفار للمسلمين فزعاً من المسلمين، فيكون من الفيء.
(٢) من مات - مسلماً كان، أو كافر -، وخلف تركة، ولا وارث له، فإنها تكون فيئاً.
(٣) وليست كمصارف الزكاة، بل تكون لإصلاح الشوارع، وبناء المستشفيات، والمدارس، وفي أي مصلحة كانت.
(٤) أي: عمارته بمن فيه كفاية.
(٥) أي: كفاية أهل الثغور، من نفقة، وسلاح.
(٦) فيُصرف من الفيء في الأسلحة، والدبابات، والطائرات.
(٧) وهي الجسور. وكذا يُصرف منه للشوارع، والمساجد … كما ذكرنا.
стр. 697
القضاةِ والفقهاءِ (١)، وغيرِ ذلكَ (٢)، فإن فضَلَ شيءٌ (٣)، قُسمَ بينَ أحرارِ المسلمينَ غنيِّهم، وفقيرِهم (٤).
وبيتُ المالِ ملكٌ للمسلمينَ (٥)، يضمنُهُ متلفُهُ، ويحرمُ الأخذُ منهُ بلا إذنِ الإمامِ (٦).
(١) وكذا رزق الأئمة والمؤذنين.
(٢) أي: غير ما سبق مما يعود نفعه على المسلمين.
(٣) أي: إن فضل شيء بعد ما صُرف في مصالح المسلمين.
(٤) هذا المذهب. وفي الرواية الأخرى: يقدم المحتاج، واختاره شيخ الإسلام ﵀، وقال: (وهو أصح عن أحمد). ولا حظ للرافضة في الفيء، فلا يُعطون منه، كما ذكر صاحب الإقناع، حيث قال: (واختار أبو حكيم والشيخ - أي: شيخ الإسلام -: لا حظ للرافضة فيه)، وقال: (وذكره في الهدي - أي: زاد المعاد - عن مالك، وأحمد).
(٥) كل ما في بيت المال ملك للمسلمين، فلو سرق أحد منه، لم يُقطع.
(٦) أي: إمام ذلك الوقت كما في المعونة، ومن الأخذ منه بلا إذن: استعمال ممتلكات الدولة في غير ما صُرفت له، كاستعمال سيارة العمل في الحاجات الشخصية بلا إذن، واستهلاك البنزين لذلك، وتصوير الأوراق الشخصية لأولاده مثلاً بمستلزمات المكتب الذي يعمل فيه في دائرة حكومية، ومثل ذلك الأوقاف، لا يجوز أن يستفاد منها إلا فيما وُضعت له فقط، وما يفعله بعضُ الناس من شحن هواتفهم في المساجد، ونحو ذلك.
стр. 698
باب عقد الذمة (١)
لا تُعقدُ (٢) إلا لأهلِ الكتابِ، أو لِمَنْ لَهُ شبهةُ كتابٍ، كالمجوسِ (٣).
ويجبُ على الإمامِ عقدُها حيثُ أَمِنَ مكرَهم (٤)، والتزموا لنا بأربعةِ أحكامٍ:
(١) الذمة لغة: العهد، والضمان، والأمان. وفي الاصطلاح: هي إقرار بعض الكفار على كفرهم - بأن يسمح لهم أن يبقوا كفاراً - بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام الملة. والكفار الموجودون في هذه البلاد الآن ليسوا أهل ذمة، بل لهم مسميات أخرى سيأتي بعضها في ثنايا الكلام إن شاء الله.
(٢) أي: يحرم ولا يصح كما في الإقناع وشرح المنتهى.
(٣) فلا تُعقد الذمة إلا لأهل الكتاب - وهم: اليهود، والنصارى -، والذين لهم شبهة كتاب، وهم المجوس، ولا يذكرون غيرهم.
(٤) أي: يأمن أنهم لو عاشوا في بلاد المسلمين، فإنهم لا يلحقون الضرر بالمسلمين.
(تتمة) في المنتهى: (ولا يصح إلا من إمام أو نائبه، وصفته: أقررتكم بجزية واستسلام، أو يبذلون ذلك فيقول: أقررتكم عليه أو نحوهما).
стр. 699
أحدُها: أن يُعطوا الجزيةَ (١) عن يدٍ، وهُم صاغرونَ (٢).
الثَّاني: أن لا يذكروا دينَ الإسلامِ إلا بخيرٍ (٣).
الثَّالثُ: أن لا يفعلوا ما فيهِ ضررٌ على المسلمينَ (٤).
الرَّابعُ: أن تجريَ عليهم أحكامُ الإسلامِ في: نفسٍ، ومالٍ، وعِرضٍ، وإقامةِ حدٍّ فيما يحرِّمونَهُ كالزِّنا، لا فيما يحلُّونَهُ كالخمرِ (٥).
(١) الجزية: هي مال يؤخذ من أهل الذمة على وجه الصغار كل عام، بدلاً عن قتلهم، وإقامتهم بدارنا. والمرجع في قدرها إلى اجتهاد الإمام، فهو الذي يقرر كم يأخذ منهم كمئة ريال، أو خمسين مثلا، وتؤخذ الجزية عند انقضاء كل سنة كما في المنتهى.
(٢) ويطال وقوفهم. وكذلك تجر أيديهم عند أخذها وجوبا، ومعناه: أن الجزية تؤخذ منهم بالقوة.
(٣) ولا يذكروه بسوء.
(٤) كالقتل مثلاً، أو الزنا، أو السب والشتم، ونحو ذلك.
(٥) أي: أن يوافقوا ويرضوا بأن تجري عليهم أحكام الإسلام في: ١ - نفس، فيما لو قتلوا مثلاً، ٢ - ومال، فيما لو سرقوا، ٣ - وعرض، فيما لو اعتدى أحدهم على عرض مسلم، فيقام عليه حد القذف، ٤ - وإقامة حد فيما يعتقدون تحريمه فقط كالزنا. ولا يقام عليهم الحد فيما يعتقدون حله كالخمر.
(تتمة) ما تقدم متعلق بأهل الذمة. أما من هم في حكم المستأمنين كالموجودين في بلدنا الآن، لو زنا أحدهم، وثبت =
стр. 700
ولا تُؤخذُ الجزيةُ مِنِ امرأةٍ، وخنثى، وصبيٍّ، ومجنونٍ، وقِنٍّ (١)، وزَمِنٍ، وأعمى، وشيخٍ فانٍ، وراهبٍ بصومعةٍ (٢).
ومَن أسلمَ منهم بعدَ الحولِ، سقطت عنهُ الجزيةُ (٣).
= زناه، فإنه لا يقام عليه الحد؛ لأنَّه لم يلتزم بأحكام الإسلام. وهذا هو المذهب، لكن هل يعزر؟ أما أهل الذمة، فرضوا أن تجري عليهم أحكام الإسلام، فيقام عليهم حد الزنا؛ لأنهم يعتقدون تحريمه.
(١) ويفهم منه: أن الجزية تؤخذ من الرجل الذمي المكلف الحر الغني.
(٢) فلا تؤخذ منهم الجزية؛ لأنهم لا يُقتَلون.
والراهب: هو الذي حبس نفسه، وتخلى عن الناس في دينهم ودنياهم. والراهب الذي في صومعته لا يجوز قتله، مع كونه يتعبد على دين باطل، فكيف بمن يقتل المسلمين في مساجدهم؟ لا شك أنه أشد إثماً. ويفهم مما سبق - كما في الإقناع عن شيخ الإسلام -: أن الراهب إذا لم يكن مقيماً في الصومعة، بل يتردد بين الناس، ويخالطهم، ويبيع، ويشتري، ويتكسب، فإنه تؤخذ منه الجزية.
(٣) بخلاف الزكاة، فإن من كفر بعد أن حال الحول على ماله، فإن الزكاة لا تسقط عنه. (فرق فقهي)
(تتمة) ولا تسقط الجزية إن مات أو جن، وتؤخذ من تركة الميت ومال المجنون الحي، وتؤخذ عن انقضاء كل سنة هلالية كما في الإقناع وغيره.
стр. 701
فصل
ويحرمُ قتلُ أهلِ الذِّمَّةِ، وأخذُ مالِهم (١).
ويجبُ على الإمامِ حِفظُهم، ومنعُ مَنْ يؤذيهم (٢).
ويُمنعونَ:
- مِنْ ركوبِ الخيلِ، وحملِ السِّلاحِ (٣)،
- ومِن إحداثِ الكنائسِ (٤)،
(١) لما يحصل عقد الذمة، ويبذل أهله الجزية، فإنه تكون لهم حقوق، ومنها: أنه يحرم قتلهم، وأخذ مالهم.
(٢) ومن حقوقهم أيضا: أنه يجب على الإمام أن يحفظ أهل الذمة، ويجب عليه أن يمنع من يؤذيهم، حتى لو كان الذي يؤذيهم مسلمٌ، إلا إن كانوا بدار حرب فلا يجب عليه.
(٣) فلا يمكنُّون من ركوب الخيل، ومن حمل السلاح.
(٤) الكنائس: معبد النصارى، فيمنع أهل الذمة من إحداثها وبنائها في بلاد المسلمين. وكذلك يمنعون من إحداث البيَع - وهي: معابد اليهود -، وكل محل يُجتمع فيه للعبادة، سواء كان ذلك الإحداث في الجزيرة العربية أو غيرها من بلاد المسلمين. ومن المؤسف أننا نجد المستأمنين يمكنون من إحداث الكنائس في بعض بلاد المسلمين، وأهل الذمة مستوطنون، ومع ذلك يمنعون منه، بخلاف المستأمنين، فإنهم لا ينوون الاستقرار والاستيطان، بل يقيمون سنوات ثم ينصرفون، فهم أَولى بالمنع.
стр. 702
ومِن بناءِ ما انهدمَ منها (١)،
- ومِن إظهارِ المنكرِ، والعيدِ، والصَّليبِ، وضربِ النَّاقوسِ (٢)،
(١) الأصل: أنه لو فتحت بلادهم وصارت بلد إسلام وفيها كنائس لم يجب هدمها؛ لأن الصحابة ﵃ فتحوا كثيرا من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئا من ذلك، لكن لو انهدمت فإنهم يمنعون من بناء ما انهدم من تلك الكنائس، ولو حصل ذلك الهدم ظلماً، كأن هدم مسلم كنيسة أو جزءاً منها، فإنها لا تعاد، ولا يعاد ذلك الجزء، ولا يزاد في الكنيسة.
(تتمة) في المنتهى وشرحه: (ولا) يمنعون (رمَّ شعثها)، وفي الإقناع: (ولهم رمُّ ما تشعث منها) وفي شرح المنتهى للبهوتي بتحقيق التركي (أي: إزالة ما فيها من الأتربة والأحجار) ولم أر هذه في غير النسخة التي بتحقيق التركي، وفي مقاييس اللغة لابن فارس: (شَعَثَ) الشِّينُ وَالْعَيْنُ وَالثَّاءُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى انْتِشَارٍ فِي الشَّيْءِ. يَقُولُونَ: لَمَّ اللَّهُ شَعَثَكُمْ، وَجَمَعَ شَعَثَكُمْ. أَيْ مَا تَفَرَّقَ مِنْ أَمْرِكُمْ.) فهل يدخل في معنى عبارتهم الترميم؟ أم التنظيف فقط كما في نسخة شرح المنتهى التي بتحقيق التركي فليحرر.
(تتمة) وإن صولحوا على أن الأرض للمسلمين فلهم الإحداث بشرط فقط، وإلا منعوا.
(٢) فيمنعون من إظهار المنكرات التي عندهم، وعيدهم، والصليب. ويمنعون من ضرب الناقوس، وهو - كما قال الشارح -: خشبة =
стр. 703
- ومِنَ الجهرِ بكتابِهم (١)،
- ومِنَ الأكلِ والشُّربِ نهارَ رمضانَ (٢)،
- ومِن شُربِ الخمرِ، وأكلِ الخنزيرِ (٣).
ويُمنعونَ:
- مِنْ قراءةِ القرآنِ،
- وشراءِ المصحفِ، وكتبِ الفقهِ والحديثِ (٤)،
- ومِن تعليةِ البناءِ على المسلمينَ (٥).
= طويلة يَضرب بها النصارى؛ إعلاناً للدخول في صلاتهم.
(١) أي: بالجهر بقراءة التوراة، أو الإنجيل.
(٢) وهذا موجود عندنا في السعودية ولله الحمد.
(٣) أي: يمنعون من إظهار شرب الخمر، ومن إظهار أكل لحم الخنزير. لكنهم لا يمنعون من تناولهما في بيوتهم مثلاً؛ لأنهم يعتقدون حلهما، وإنما يمنعون من إظهار ذلك عند المسلمين.
(تتمة) كل ما ذكر مما يمنعون منه إنما هو في بلاد المسلمين، أما ما صولحوا على أن الأرض لهم على جزية أو خراج لم يمنعوا من شيء، ولا من إحداث شيء؛ لأنهم في بلادهم.
(٤) تنزيهاً لها.
(٥) فيمنعون من ذلك، ولو رضي جاره المسلم بتعليته عليه، ولا يمنعون من إقامة بناء مساوٍ لبناء المسلم، ولا يهدم بناء عال إن ملكوه من مسلم، ولا يعاد عاليا لو انهدم، ولا ينقض بناؤهم إن بنى مسلم دارا عندهم في محلتهم المنفردة عن المسلمين. =
стр. 704
ويلزمُهم التمييزُ عنَّا بلبسِهم (١).
= (تتمة) وكذلك يمنعون من دخول مكة، لا المدينة، فلا يمنعون منها. ويمنعون من الإقامة في جزيرة العرب، وهي - عند الحنابلة -: الحجاز فقط، أي: مكة، وجدة، والمدينة، وينبع، واليمامة فقط. فإذا دخلوها لتجارة، لم يقيموا أكثر من ثلاثة أيام. ويمنعون من دخول المسجد ولو أذِن لهم المسلم، ومع ذلك يقول الحنابلة: إنه يجوز لهم دخول المسجد لعمارته، وفي هذا خلاف.
(١) يلزم أهل الذمة التميز عن المسلمين في أمور كثيرة، منها: اللبس. فيلبسون ثوباً يغاير لونُهُ لونَ بقية ثيابهم، وذلك في العمامة والبدن. فإذا لبس أحدهم عمامة، فلا بد أن يلبس شيئاً في العمامة يكون لونه مخالفاً للون العمامة. وكذلك لو لبس ثوباً، فلا بد أن يلبس عليه ثوباً آخر بلون مغاير للأول.
(تتمة) ومما يلزمهم أيضاً التميز به عنا: القبور، فلا يدفنون موتاهم في مقبرة المسلمين.، قال شيخ الإسلام في الاختيارات: (ولابد أن تكون مقابرُ أهل الذمة متميزة عن مقابر المسلمين تمييزا ظاهرا بحيث لا يختلطون بهم، ولا تشتبه على المسلمين بقبورهم، وهذا آكد من التمييز بينهم حال الحياة بلبس الغيار ونحوه، فإن مقابر المسلمين فيها الرحمة، ومقابر الكفار فيها العذاب، بل ينبغي مباعدة كقابرهم عن مقابر المسلمين، وكلما بعدت عنها كان أصلح). قلت: وهل مثل مقابر الكفار مقابر أهل البدع كالرافضة؟ والأولى ألا يدفنوا موتاهم بجوار مقابر أهل السنة. والله أعلم.
стр. 705
ويكرهُ لنا التَّشبُّهُ بهم (١).
(١) الأصل في المذهب أن التشبه بالكفار مكروه، إلا في مسألتين، فإنه حرام: ١ - تعليق الصليب، فيحرم على المسلم أن يعلقه على صدره، لكن نص في الإقناع على أنه لا يكفر لو فعل. ٢ - ويحرم أيضاً على المسلم أن يتَّزيا بزي خاص بالنصارى، ينفردون به عن المسلمين. قال في الإقناع وشرحه: (ولما صارت العمامة الصفراء والزرقاء والحمراء من شعارهم حرم على المسلم لبسها) … ، وإن تزيا بها مسلم أو علق صليبا بصدره حرم) لحديث «من تشبه بقوم فهو منهم» ويكون قولهم فيما تقدم: يكره التشبه بزي أهل الكتاب ونحوهم: مخصوص بما هنا والفرق ما في هذه من شدة المشابهة (ولم يكفر) بذلك كسائر المعاصي والخبر للتنفير).
لكن يصعب تنزيل هذا الحكم على بعض الألبسة، لكن من الأمثلة الواضحة عليه الآن: الطاقية الصغيرة التي يلبسها اليهود فوق رؤوسهم، فهي خاصة بهم، فيحرم على المسلم أن يلبسها.
(تتمة) يرى شيخ الإسلام تحريم التشبه بالكفار، وقد نقل عنه صاحب الإقناع - في باب أحكام أهل الذمة - كلاماً طويلاً، ثم قال: (والتشبه بهم منهي عنه إجماعا) للخبر (وتجب عقوبة فاعله)، أي: المتشبه بالكفار، ولعله متفرع عن قول شيخ الإسلام؛ للمناسبة بين التحريم والعقوبة، لا عن القول بالكراهة، الذي هو المذهب.
следующие страницы →