Полный текст (2 012 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
فصل
ويحرمُ قتلُ أهلِ الذِّمَّةِ، وأخذُ مالِهم (١).
ويجبُ على الإمامِ حِفظُهم، ومنعُ مَنْ يؤذيهم (٢).
ويُمنعونَ:
- مِنْ ركوبِ الخيلِ، وحملِ السِّلاحِ (٣)،
- ومِن إحداثِ الكنائسِ (٤)،
(١) لما يحصل عقد الذمة، ويبذل أهله الجزية، فإنه تكون لهم حقوق، ومنها: أنه يحرم قتلهم، وأخذ مالهم.
(٢) ومن حقوقهم أيضا: أنه يجب على الإمام أن يحفظ أهل الذمة، ويجب عليه أن يمنع من يؤذيهم، حتى لو كان الذي يؤذيهم مسلمٌ، إلا إن كانوا بدار حرب فلا يجب عليه.
(٣) فلا يمكنُّون من ركوب الخيل، ومن حمل السلاح.
(٤) الكنائس: معبد النصارى، فيمنع أهل الذمة من إحداثها وبنائها في بلاد المسلمين. وكذلك يمنعون من إحداث البيَع - وهي: معابد اليهود -، وكل محل يُجتمع فيه للعبادة، سواء كان ذلك الإحداث في الجزيرة العربية أو غيرها من بلاد المسلمين. ومن المؤسف أننا نجد المستأمنين يمكنون من إحداث الكنائس في بعض بلاد المسلمين، وأهل الذمة مستوطنون، ومع ذلك يمنعون منه، بخلاف المستأمنين، فإنهم لا ينوون الاستقرار والاستيطان، بل يقيمون سنوات ثم ينصرفون، فهم أَولى بالمنع.
стр. 702
ومِن بناءِ ما انهدمَ منها (١)،
- ومِن إظهارِ المنكرِ، والعيدِ، والصَّليبِ، وضربِ النَّاقوسِ (٢)،
(١) الأصل: أنه لو فتحت بلادهم وصارت بلد إسلام وفيها كنائس لم يجب هدمها؛ لأن الصحابة ﵃ فتحوا كثيرا من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئا من ذلك، لكن لو انهدمت فإنهم يمنعون من بناء ما انهدم من تلك الكنائس، ولو حصل ذلك الهدم ظلماً، كأن هدم مسلم كنيسة أو جزءاً منها، فإنها لا تعاد، ولا يعاد ذلك الجزء، ولا يزاد في الكنيسة.
(تتمة) في المنتهى وشرحه: (ولا) يمنعون (رمَّ شعثها)، وفي الإقناع: (ولهم رمُّ ما تشعث منها) وفي شرح المنتهى للبهوتي بتحقيق التركي (أي: إزالة ما فيها من الأتربة والأحجار) ولم أر هذه في غير النسخة التي بتحقيق التركي، وفي مقاييس اللغة لابن فارس: (شَعَثَ) الشِّينُ وَالْعَيْنُ وَالثَّاءُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى انْتِشَارٍ فِي الشَّيْءِ. يَقُولُونَ: لَمَّ اللَّهُ شَعَثَكُمْ، وَجَمَعَ شَعَثَكُمْ. أَيْ مَا تَفَرَّقَ مِنْ أَمْرِكُمْ.) فهل يدخل في معنى عبارتهم الترميم؟ أم التنظيف فقط كما في نسخة شرح المنتهى التي بتحقيق التركي فليحرر.
(تتمة) وإن صولحوا على أن الأرض للمسلمين فلهم الإحداث بشرط فقط، وإلا منعوا.
(٢) فيمنعون من إظهار المنكرات التي عندهم، وعيدهم، والصليب. ويمنعون من ضرب الناقوس، وهو - كما قال الشارح -: خشبة =
стр. 703
- ومِنَ الجهرِ بكتابِهم (١)،
- ومِنَ الأكلِ والشُّربِ نهارَ رمضانَ (٢)،
- ومِن شُربِ الخمرِ، وأكلِ الخنزيرِ (٣).
ويُمنعونَ:
- مِنْ قراءةِ القرآنِ،
- وشراءِ المصحفِ، وكتبِ الفقهِ والحديثِ (٤)،
- ومِن تعليةِ البناءِ على المسلمينَ (٥).
= طويلة يَضرب بها النصارى؛ إعلاناً للدخول في صلاتهم.
(١) أي: بالجهر بقراءة التوراة، أو الإنجيل.
(٢) وهذا موجود عندنا في السعودية ولله الحمد.
(٣) أي: يمنعون من إظهار شرب الخمر، ومن إظهار أكل لحم الخنزير. لكنهم لا يمنعون من تناولهما في بيوتهم مثلاً؛ لأنهم يعتقدون حلهما، وإنما يمنعون من إظهار ذلك عند المسلمين.
(تتمة) كل ما ذكر مما يمنعون منه إنما هو في بلاد المسلمين، أما ما صولحوا على أن الأرض لهم على جزية أو خراج لم يمنعوا من شيء، ولا من إحداث شيء؛ لأنهم في بلادهم.
(٤) تنزيهاً لها.
(٥) فيمنعون من ذلك، ولو رضي جاره المسلم بتعليته عليه، ولا يمنعون من إقامة بناء مساوٍ لبناء المسلم، ولا يهدم بناء عال إن ملكوه من مسلم، ولا يعاد عاليا لو انهدم، ولا ينقض بناؤهم إن بنى مسلم دارا عندهم في محلتهم المنفردة عن المسلمين. =
стр. 704
ويلزمُهم التمييزُ عنَّا بلبسِهم (١).
= (تتمة) وكذلك يمنعون من دخول مكة، لا المدينة، فلا يمنعون منها. ويمنعون من الإقامة في جزيرة العرب، وهي - عند الحنابلة -: الحجاز فقط، أي: مكة، وجدة، والمدينة، وينبع، واليمامة فقط. فإذا دخلوها لتجارة، لم يقيموا أكثر من ثلاثة أيام. ويمنعون من دخول المسجد ولو أذِن لهم المسلم، ومع ذلك يقول الحنابلة: إنه يجوز لهم دخول المسجد لعمارته، وفي هذا خلاف.
(١) يلزم أهل الذمة التميز عن المسلمين في أمور كثيرة، منها: اللبس. فيلبسون ثوباً يغاير لونُهُ لونَ بقية ثيابهم، وذلك في العمامة والبدن. فإذا لبس أحدهم عمامة، فلا بد أن يلبس شيئاً في العمامة يكون لونه مخالفاً للون العمامة. وكذلك لو لبس ثوباً، فلا بد أن يلبس عليه ثوباً آخر بلون مغاير للأول.
(تتمة) ومما يلزمهم أيضاً التميز به عنا: القبور، فلا يدفنون موتاهم في مقبرة المسلمين.، قال شيخ الإسلام في الاختيارات: (ولابد أن تكون مقابرُ أهل الذمة متميزة عن مقابر المسلمين تمييزا ظاهرا بحيث لا يختلطون بهم، ولا تشتبه على المسلمين بقبورهم، وهذا آكد من التمييز بينهم حال الحياة بلبس الغيار ونحوه، فإن مقابر المسلمين فيها الرحمة، ومقابر الكفار فيها العذاب، بل ينبغي مباعدة كقابرهم عن مقابر المسلمين، وكلما بعدت عنها كان أصلح). قلت: وهل مثل مقابر الكفار مقابر أهل البدع كالرافضة؟ والأولى ألا يدفنوا موتاهم بجوار مقابر أهل السنة. والله أعلم.
стр. 705
ويكرهُ لنا التَّشبُّهُ بهم (١).
(١) الأصل في المذهب أن التشبه بالكفار مكروه، إلا في مسألتين، فإنه حرام: ١ - تعليق الصليب، فيحرم على المسلم أن يعلقه على صدره، لكن نص في الإقناع على أنه لا يكفر لو فعل. ٢ - ويحرم أيضاً على المسلم أن يتَّزيا بزي خاص بالنصارى، ينفردون به عن المسلمين. قال في الإقناع وشرحه: (ولما صارت العمامة الصفراء والزرقاء والحمراء من شعارهم حرم على المسلم لبسها) … ، وإن تزيا بها مسلم أو علق صليبا بصدره حرم) لحديث «من تشبه بقوم فهو منهم» ويكون قولهم فيما تقدم: يكره التشبه بزي أهل الكتاب ونحوهم: مخصوص بما هنا والفرق ما في هذه من شدة المشابهة (ولم يكفر) بذلك كسائر المعاصي والخبر للتنفير).
لكن يصعب تنزيل هذا الحكم على بعض الألبسة، لكن من الأمثلة الواضحة عليه الآن: الطاقية الصغيرة التي يلبسها اليهود فوق رؤوسهم، فهي خاصة بهم، فيحرم على المسلم أن يلبسها.
(تتمة) يرى شيخ الإسلام تحريم التشبه بالكفار، وقد نقل عنه صاحب الإقناع - في باب أحكام أهل الذمة - كلاماً طويلاً، ثم قال: (والتشبه بهم منهي عنه إجماعا) للخبر (وتجب عقوبة فاعله)، أي: المتشبه بالكفار، ولعله متفرع عن قول شيخ الإسلام؛ للمناسبة بين التحريم والعقوبة، لا عن القول بالكراهة، الذي هو المذهب.
стр. 706
ويحرُمُ: القيامُ لهم، وتصديرُهم في المجالسِ (١)، وبداءتُهم بالسَّلامِ، وب «كيفَ أصبحتَ، أو: أمسيتَ؟»، و: «كيفَ أنتَ؟ أو: حالُكَ؟» (٢).
وتحرمُ: تهنئتُهم (٣)، وتعزيتُهم (٤)، وعيادتُهم (٥).
(١) أي: وضعهم في صدر المجلس، والموضع البارز فيه، ويحرم ذلك أيضاً لمبتدع يجب هجره. قال الشيخ منصور في الكشاف: (قلت: ويكره ذلك لمن يسن هجره كمتجاهر بمعصية كعيادته)، فيكره أن يقام له، أو يُصدر في المجلس، وقال أيضاً: (كعيادته): فهي مكروهة أيضاً لمن يسن هجره.
(٢) فيحرم أن يبدأهم المسلمُ بالسلام. أما لو بدأ أحدُهم المسلمَ بالسلام، فإنه يقول له: (وعليك). وكذا يحرم أن يبدأهم بما ذكر المؤلف ك (كيف أصبحت؟)، و (كيف حالك؟).
أما شيخ الإسلام، فإنه يوافق المذهب في عدم جواز بداءتهم بالسلام، لكنه يجوِّز أن يبدأهم المسلمُ ب (أهلاً وسهلاً)، و (كيف أصبحت؟)، ونحو ذلك.
(٣) مطلقاً، أي: في جميع المناسبات، عيداً كانت أو غيره، ويحرم على المسلم أيضاً أن يشهد أعيادَهم، وهذا يتساهل فيه كثير من المسلمين، فيحضرونها مجاملة، أو لغير ذلك من الأسباب، وهذا حرام.
(٤) فتحرم تعزيتهم لو مات أحدهم.
(٥) أي: تحرم زيارة مريضهم. هذا المذهب. والرواية الثانية، واختارها شيخ الإسلام: تجوز عيادة مريضهم إن رجي =
стр. 707
ومَن سلَّمَ على ذمِّيٍّ، ثمَّ علِمَهُ، سُنَّ قولُهُ: «رُدَّ عليَّ سلامِي» (١).
وإن سلَّمَ الذِّمِّيُّ، لزِمَ ردُّهُ، فيقالُ: «وعليكم» (٢).
وإن شمَّتَ كافرٌ مسلماً، أجابَهُ (٣).
وتُكرهُ مصافحتُه (٤).
= إسلامه، فيعرضه عليه، لا أن يعوده لكونه زميله في العمل، ونحو ذلك. والدليل على هذه الرواية أنه ﷺ عاد يهودياً لما مرض، ودعاه إلى الإسلام، فأسلم، فقال ﷺ : (الحمد لله الذي أنقذه بي إلى الإسلام). رواه البخاري.
(١) أي: من سلَّم على ذمي حال كونه لا يعلم أنه ذمي، ثم تبين له أنه ذمي، فإنه يقول له: (رد علي سلامي)، ويقول الذمي: (رددت عليك سلامك).
(٢) وتقدم.
(٣) أي: أجابه المسلم، فيقول له: (يهديكم الله)، كما ذكر الشارح.
(٤) (تتمة) يكره أيضاً أن يستعين المسلم بذمي في أي شيء من أمور المسلمين، ككتابة، وحمالة، إلا وقت الضرورة. وتحرم توليتهم الولايات، من ديوان المسلمين، وغير ذلك. وتحرم الاستعانة بأهل الأهواء كالرافضة في شيء من أمور الدين، كما في الإقناع؛ لأنهم يدعون إلى بدعتهم، أما أن يعملوا بأجرة في الأعمال غير الدينية، فلا بأس به.
стр. 708
فصل
ومَن أبى (١) مِنْ أهلِ الذِّمَّةِ بذلَ الجزيةِ، أو أبى الصَّغَارَ (٢)، أو أبى التزامَ حُكمِنا (٣)، أو زنى بمسلمةٍ (٤)، أو أصابها بنكاحٍ (٥)، أو قطعَ الطَّريقَ (٦)، أو ذَكرَ اللهَ تعالى أو رسولَهُ بسُوءٍ، أو تعدَّى على مسلمٍ بقتلٍ أو فتنةٍ عن دينِهِ، انتقضَ
(١) أي: رفض.
(٢) فيرفض أن يطال وقوفه عند بذل الجزية، أو أن تجر الجزية من يده بالقوة.
(٣) أي: امتنع أن تجري عليه أحكامنا ولو لم يحكم بها عليه حاكمنا كما في الإقناع، فيقول مثلاً: لن أقبل أن تجري علي أحكامكم، من حد الزنا وغيره.
(٤) ونقل في الإقناع والغاية عن شيخ الإسلام أنه لا يشترط في زنا الذمي أربعة شهود كالمسلم، بل يكفي في ثبوت زناه أن يستفيض، وينتشر عند الناس أنه زنى، وينتقض عهده حينئذ، قال البهوتي متعقبا وزائدا: (قال في المبدع: وفيه شيء (أو أصابها) أي: المسلمة (باسم نكاح) وقياس الزنا اللواط بالمسلم على ما ذكره السراج البلقيني الشافعي).
(٥) أي: لو تزوج نصرانيٌّ أو يهوديٌّ مسلمةً، انتقض عهده.
(٦) مطلقاً، أي: سواء قطع الطريق عن المسلمين، أو عن غيرهم في بلادنا.
стр. 709
عهدُهُ (١). ويُخَيَّرُ الإمامُ فيهِ كالأسيرِ (٢)، ومالُهُ فيءٌ (٣).
ولا ينتقضُ عهدُ نسائِهِ، وأولادِهِ (٤).
فإن أسلمَ حرُمَ قتلُهُ، ولو كانَ سبَّ النَّبيَّ ﷺ (٥).
(١) ولا يقف انتقاض عهد الذمي على حكم الحاكم، بل بمجرد أن يفعل أحد هذه الأمور، فإنه ينتقض عهده؛ لأنه ضرر يعم المسلمين أشبه ما لو قاتلهم قاله في شرح المنتهى.
(تتمة) لا ينتقض عهد الذمي بقذفه مسلما، ولا بإيذائه بسحر في تصرفه، ولا إن أظهر منكرا، أو رفع صوته بكتابه؛ لأن هذا ضرر لا يعم جميع المسلمين.
(٢) أي: كما يخير في الأسير الحربي، فيخير بين: القتل، والرق، والمن، والفداء.
(٣) فإذا انتقض عهد الذمي، فإن ماله يصير فيئاً لا لوارثه، فيصرف في مصالح المسلمين، وقد تقدم تفصيل ذلك.
(٤) فلا يؤخذون بجريرة الزوج، أو الأب.
(٥) أي: لو أسلم بعد أن انتقض عهده، فإنه يحرم قتله، واسترقاقه، ولو كان - في حال كفره، وقبل أن يسلم - سبَّ النبيَّ ﷺ ، إلا إن كان سبُّهُ إياه بالقذف، فإنه يقتل ذكره الغاية اتجاها ووافقه الشارح، وذكر نحوه البهوتي في شرح المنتهى، وأيضا ما لم يكن عليه قصاص فيقتل به لأنه حق آدمي، وكما لو زنى بمسلمة وهو محصن فيرجم.
والقول الثاني: يقتل ساب النبي ﷺ بكل حال، قال في الإقناع وشرحه: (وقيل: يقتل سابه) ﷺ (بكل حال) وإن أسلم =
стр. 710
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (اختاره جمع) منهم ابن أبي موسى وابن البناء والسامري (قال الشيخ وهو الصحيح من المذهب) قال في المبدع: ونص عليه أحمد؛ لأنه قذف لميت فلا يسقط بالتوبة).
وذكر نحوه ابن النجار في شرح المنتهى وقال: (وهو ظاهر ما قدمه في الفروع في باب المرتد).
(تتمة) في الحواشي السابغات - مع زيادة -: (تتمة) العقود التي تفيد الأمن للكفار ثلاثة:
١ - عقد الذمة، وتقدم.
٢ - الأمان: وهو إعطاء عهد لمحارب بعدم الاعتداء على نفسه، وعرضه، ودينه، وماله. ويصح الأمان من الإمام الأعظم لجميع المشركين سواءً كانوا يهوداً، أو نصارى، أو مجوساً، أو وثنيّين. ويصح الأمان من آحاد المسلمين لواحد ولقافلة وحصن صغيرَين عرفاً كمئة فأقل، وكذا الشركات الآن لها أن تؤمن على بعض الكفار ليعملوا في بلاد المسلمين، ويسري الأمان إلى ما معه من أهل ومال إلا أن يقول مؤمنه: أمَّنتك وحدك، قاله في الإقناع.
والأصل في الأمان قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه).
وصيغته: يصح بكل ما يدل عليه من قول، وإشارة مفهومة، ورسالة، وكتاب، قاله في الإقناع.
وشروط عهد الأمان: ١ - أن يكون العاقد له مسلماً عاقلاً =
стр. 711
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ولو مميزاً أو أنثى؛ لحديث: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم) رواه البخاري فلا يصح من كافر، ولا من طفل ومجنون، ٢ - وأن يكون مختاراً، ٣ - وأن لا يسبب تأمينه ضرراً على المسلمين، ٤ - وأن لا تزيد المدة على عشر سنين، قال الخلوتي: (لأنهم ربما تغلبوا بالذرية وهي إنما يظهر بأسها بعد العشر)، فإن زادت عن العشر فيبطل ما زاد فقط.
وينتقض الأمان بالخيانة وبِرَدِّه من مستأمن، ويقيمون مدة الأمان بغير جزية.
ما يحرم بالأمان: قتل، ورق، وأسر، وتعرض لما معه من مال.
والأصل في الكفار الموجودين الآن: أنهم كالمستأمنين. فإذا كان كذلك، حرم على المسلم قتلهم، واسترقاقهم، وأسرهم، والتعرض لهم، وإخافتهم.
وهناك أحوال يجب فيها تأخير الجهاد كالتي نحن فيها الآن؛ لأن المسلمين ليس عندهم قدرة على الجهاد. ولا يعني ذلك تسليم الأمر للكفار، بل يجب إعداد العدة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال، ٦٠]. وهذه أمور معقدة وخطيرة جداً، فلا يُستعجل في تنزيل كلام الفقهاء على الواقع.
٣ - الهدنة: أصلها: السكون، وشرعا: هي العقد على ترك =
стр. 712
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= القتال مدة معلومة بقدر الحاجة، ولو بعوض مِنَّا أو منهم. فلا بأس بإعطاء عوض لبلاد كافرة - ولو من الزكاة -؛ لكف شرها عن بلاد المسلمين.
والأصل فيها: قوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، ولأن النبي صلى الله عليه صالح قريشا على وضع القتال عشر سنين. رواه البخاري وغيره،
وشروط الهدنة: ١ - أن تكون في حال يجوز فيها تأخير الجهاد، فمتى رأى الإمام المصلحة في عقدها؛ لضعف المسلمين عن القتال، أو لمشقة الغزو قاله في الإقناع، ٢ - وأن تكون صادرة من الإمام أو نائبه فقط؛ لأنه يتعلق بنظر واجتهاد، ٣ - وأن تكون لمدة معلومة وإن طالت، فلا تكون مطلَقَة بلا مدة، ولا بمدة مجهولة. أما شيخ الإسلام فاختار صحة الهدنة غير المقيدة بزمن، لكنها تكون جائزة لا لازمة.
حكمها: العقد لازم لا يبطل بموت الإمام أو عزله.
ما يؤخذون به: قال في المنتهى وشرحه: (ويؤاخذون) أي المهادنون زمن هدنة (بجنايتهم على مسلم من مال وقود وحد) قذف وسرقة لأن الهدنة تقتضي أمان المسلمين منهم وأمانهم من المسلمين في النفس والمال والعرض ولا يحدون لحق الله تعالى لأنهم لم يلتزموا حكمنا).
يجب على الإمام حماية من هادنه من المسلمين وأهل الذمة دون غيرهم كأهل الحرب. =
стр. 713
كتاب البيع (١)
= متى ينتقض عهدهم: قال في الإقناع وشرحه: (وإن نقضوا) أي: المهادنون (العهد بقتال أو مظاهرة) أي: معاونة عدونا علينا (أو قتل مسلم أو أخذ مال انتقض عهدهم وحلت دماؤهم وأموالهم وسبي ذراريهم)؛ لأنه ﷺ " قتل رجال بني قريظة حين نقضوا عهده وسبى ذراريهم وأخذ أموالهم " ولما هادن قريشا فنقضوا عهده حل له منهم ما كان حرم عليه منهم)، والله أعلم.
(١) البيع لغة: مأخوذ من الباع؛ لأن كل واحد من المتبايعين يمد يده للآخر أخذًا وإعطاءً.
وأمَّا في الاصطلاح فهو: مبادلة عين مالية، أو منفعة مباحة مطلقا، بإحداهما أو بمال في الذمة، للملك على التأبيد غير ربا وقرض.
وأركانه: العاقد، والمعقود عليه، والصيغة.
(تتمة) في مقدمات في العقود:
المقدمة الأولى: في معنى العقد في اللغة والاصطلاح: لم أر تعريفا للحنابلة للعقد إلا ما ذكره ابن عقيل الحنبلي في =
стр. 714
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الواضح في أصول الفقه، وفي الحقيقة كلامه رائع متقن متين، وحاصله: أن العقد: ارتباط بين اثنين في معاملةٍ ما، فالارتباط في البيع بين البائع والمشتري في المبيع والثمن، وفي القرض بين المقرض والمقترض في القرض، وفي الضمان بين الضامن والمضمون له في الدين الذي على المضمون، وفي الشركة بين الشريكين في مال الشركة، ونحو ذلك.
قال ابن عقيل الحنبلي ﵀ في كتاب الواضح في أصول الفقه: (فصل في العَقْدِ: هو في أصلِ اللغة عبارةٌ عن: ارتباطِ طرفينِ أحدهما بالآخرِ، ومنه: عَقْدُ ما بين طَرَفَي الحَبْلِ، أو عَقْدُ ما بين حَبْلَيْنِ.
وهو في الفقهِ: عبارةٌ عن ارتباطِ عَهْدَيْنِ وعِدَتَيْنِ فيما وقعَ العهد به بين متعاهدَيْنِ أو متعاقدَيْنِ- وهما المتلافظانِ - بما قَصداه من صِلَهٍ ما بين شخصينِ بنكاحٍ، أو بَيْعٍ، أو شَركَةٍ، أو إجارةٍ. فالإِيجاب: قولُ الباذلِ، والقَبول: قول القابل، والقَبُولُ عِنوانُ الرضى، واللزومُ حكمُ ما تأكَدَ منها، والجوازُ حَكم ما تُرِكَ منها.
فصل: واللزومُ: وصفٌ للعقد، وهو عِبارة عن وقوعِه على وجه لا يُمكن لواحدٍ منهما الخروجُ عنه، ولا فَسْخُه، وذلك كعقدِ النَكاحِ، والبيعِ المُطْلَقِ بعد التَفَرقِ، والإِجارةِ، والخُلْعِ.
فصل: والجوازُ: وَصفٌ في العَقْدِ، وهو أن يقعَ على وجهٍ لكل واحد منهما الخروجُ عن حكمِه؛ كالشَرِكةِ والمضَارَبةِ، =
стр. 715
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والوَكالَةِ في أصل الوَضْعِ، والبيعِ مع خيارِ الشَّرْطِ، والكِتابةِ في جانب العَبْدِ.
والوصفانِ لُطْفانِ من اللهِ سبحانه للتخليصِ من الإِضْرارِ والضرَرِ.
فصل: وقد يقعُ العَقْدُ بوصفِ اللُّزُوم، فيَعْتَرِضُ سببُ الجوازِ للتخلُّصِ؛ كالعثورِ على عَيْبِ في المبِيع والَمَنْكُوحَةِ، فيملِكُ المستضِرُّ بالعيب فسخَ العقدِ.
وقد يَعْتَرِضُ اللزومُ بَعدَ الجوازِ بانقضاء مُدةِ الاستدراكِ في خِيارِ الثلاثِ، والتفرُّقِ عن المَجْلِسِ، أو بحصولِ الرضى بإسقاطِ حَقِّ الاستدراكِ، وهو التصريحُ بالإِلزامِ. ويدخلُ في ذلك عقدُ الذَمَّةِ والهُدْنَةَ بين أُمةٍ وأُمةٍ أو نائِبيهما، وهو على ما ذكرنا من الحدً والشروطِ.
فصل: ومن جُمْلَةِ ذلك عَقْدٌ بينَ العبدِ وبين اللهِ سبحانه، وهو النَّذْرُ، فالوفاءُ به لازمٌ، إما بوجودِ الشرطِ، إن كان مشروطاً بأمرٍ قد يحصلُ، أو كان مُطْلَقاً، فيلْزَمُ بإطلاقِ العقدِ.
ومن جملةِ ذلك عقدُ الِإحرام، والصلاةِ، والصِّيامِ، وذلك يَلْزَمُ الوفاءُ به بالشروعِ فيه، وهو كالَنَّذْرِ عند قومٍ، وهو جائزٌ كالعقودِ الجائزةِ عند قومٍ).
المقدمة الثانية: في العقود التي يذكرها العلماء الحنابلة في كتاب المعاملات:
١ - البيع، ويدخل فيه: الصرف، وبيع الأصول والثمار، والسلم. =
стр. 716
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ٢ - وعقد القرض،
٣ - والرهن،
٤ - والضمان،
٥ - والكفالة،
٦ - والحوالة،
٧ - والصلح،
٨ - والوكالة،
٩ - والمساقاة والمزارعة،
١٠ - والإجارة،
١١ - والمسابقة،
١٢ - والعارية،
١٣ - والشفعة،
١٤ - والوديعة،
١٥ - والجعالة.
ويلحق بها عقد الوقف، والهبة والوصايا، والنكاح.
المقدمة الثالثة: العقود التي تنقل الملك: البيع والسلم والقرض والهبة والوقف والوصية، والعقد الذي يراد للملك هو الرهن كما ذكروه في باب أحكام أمهات الأولاد.
المقدمة الرابعة: تقسيم العقود من حيث اللزوم والجواز ثلاثة أقسام:
القسم الأول: العقود اللازمة وهي التي لازمة للعاقدين =
стр. 717
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لا يملك أي واحد منهما فسخها وهي: البيع والسلم -وهو نوع من البيع- والقرض والإجارة.
القسم الثاني: العقود اللازمة من طرف، وجائزة من الطرف الثاني، فالتي لازمة من طرفه لا يملك الفسخ، والتي جائزة من طرفه يملك الفسخ وهي: الرهن في حق الراهن، والضمان والكفالة في حق الضمين والكفيل، والوقف في حق الواقف.
القسم الثالث: العقود الجائزة من الطرفين يملك كل واحد من العاقدين الفسخ وهي: الوكالة والشركة والمساقاة والعارية والوديعة والجعالة.
المقدمة الخامسة: تقسيم العقود من حيث المعاوضة وغيرها:
القسم الأول: عقود معاوضات: وهي التي يكون العوض فيها من العاقدين كالبيع والسلم والقرض والإجارة والجعالة.
القسم الثاني: عقود توثقات: وهي التي توثق بها الديون كالرهن والضمان والكفالة.
القسم الثالث: عقود تبرعات: وهي العقود التي تبذل فيها الأعيان والمنافع بلا عوض كالوقف والهبة والوصية.
المقدمة السادسة: تقسيم العقود من حيث ما يجوز تعليقه وما لا يجوز: تنقسم العقود في هذا إلى ما يلي:
١ - ما لا يصح تعليقه: كالبيع، ويشمل هذا الصرف، وبيع الأصول والثمار، والسلم، والرهن، وكالإجارة، والوقف =
стр. 718
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والهبة - إلا إذا علق الوقف والهبة على الموت وتكون وصية -، والإبراء، وكذا النكاح، والخلع.
٢ - ما يصح تعليقه كالقرض، والضمان والكفالة والوكالة، والإيداع، وشركة المضاربة - كما في الكشاف-، والجعالة - على ما يظهر لي - والعارية، والوصية، ويصح أيضا تعليق ولاية قضاء وإمارة بشرط، وكذا النذر. ويمكن أن يقال أن الضابط في العقود التي لا يصح تعليقها على شرط مستقبل هي: عقود المعاوضات اللازمة، فلابد أن تكون عقد معاوضة، ويكون عقدا لازما، كالبيع والإجارة والسلم والقرض والرهن والنكاح - فإنهم نصوا على أنه عقد معاوضة - بخلاف الضمان والكفالة والعارية والوكالة والجعالة.
ويدل على أنه عقود المعاوضات ما ذكروه في باب الكتابة، قال في المبدع - في باب الكتابة -: (ولا يجوز تعليقها على شرط مستقبل) كسائر عقود المعاوضات)، وقال ابن رجب في القاعدة الثالثة والسبعين: (فإن قاعدة المذهب أن الهبة لا تقبل التعليق وكذلك عقود المعاوضات). ويدل على أنه عقود لازمة ما ذكره في الغاية في باب الكتابة أيضا، قال الغاية وشرحها: (ولا يصح تعليقها) أي: الكتابة (على شرط مستقبل) كإذا جاء رأس الشهر فقد كاتبتك: (كبقية العقود اللازمة)، وذكره الشيخ منصور أيضا في شرح المنتهى - في باب الكتابة -: (ولا يصح تعليقها على شرط مستقبل) كإذا جاء رجب كاتبتك على كذا كباقي العقود اللازمة)، وأصل ذلك لابن النجار في معونة أولي النهى في باب الكتابة قال: (ولا يصح تعليقها على شرط مستقبل)؛ كقوله: إذا جاء رأس الشهر فقد كاتبتك على كذا؛ =
стр. 719
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= كبقية العقود اللازمة).
ويلحق بعقود المعاوضات من غيرها: العقود اللازمة كالوقف، والهبة، والنكاح.
المقدمة السابعة: تقسيم العقود من حيث ما يصح توقيته وما لا يصح: تنقسم إلى ما يلي:
١ - العقود التي لا يصح توقيتها: البيع وما يدخل فيه، والرهن، والضمان على ما استظهره البهوتي خلافا لمرعي هنا في دليل الطالب-، والوقف، والهبة إلا في العُمْرى والرُّقْبَى وتكون مؤبدة.
٢ - العقود التي يجوز توقيتها: القرض، والكفالة، والوكالة، والشركة، والمساقاة والمزارعة، والإجارة، والعارية.
المقدمة الثامنة: العقود التي يذكرها الفقهاء معلومة في كتاب المعاملات، لكن هل هي محصورة في هذه العقود؟ أم يجوز إحداث عقود لم يذكرها الفقهاء، وتكون عقودا مستقلة لها أركانها وشروطها الخاصة بها، فعقد السلم عقد بيع لكن له أحكام تخصه، وعقد القرض معاوضة لكن له أحكام تخصه تختلف عن البيع.
وفي الحقيقة نحتاج لقواعد على المذهب نعرض عليها العقود =
стр. 720
وينعقدُ (١) - لا هَزْلًا (٢) - بالقولِ الدالِ على البيعِ
= الحديثة فينظر هل هي جائزة أم محرمة؟ وقد حاول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في كتابه (الإرشاد) وضعَ سبع قواعد إذا وجدت في العقد حرمته وشرحها، وأطال فيها، وهي:
- قاعدة الربا.
- قاعدة الغرر والميسر.
- قاعدة التغرير والخِداع.
- صدور المعاملة عن رضى شرعي من المتعاملين.
- أن نفع العقود من مالك لها أو من يقوم مقامه.
- إذا تضمن العقد ترك واجب فهو حرام غير صحيح.
- إذا تضمن العقد انتهاك محرم فإنه حرام غير صحيح.
ثم قال:: (الأصل في المعاملات كلها الإباحة والتوسعة والسهولة إلا ما ضر الناس في أديانهم أو أخلاقهم أو دنياهم).
(١) للبيع صيغتان: صيغة قولية: وهي الإيجاب والقبول، والإيجاب: هو اللفظ الصادر من البائع، والقبول: هو اللفظ الصادر من المشتري، ولا تنحصر في لفظ بعينه، بل كل ما أدى معنى البيع فإنه ينعقد به البيع، بخلاف النكاح فإن له صيغة معينة لا يصح بغيرها كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وصيغة فعلية: وهي ما عبر عنها بالمعاطاة.
(٢) أي: لو وقع هزلا بلا قصد لحقيقته فلا ينعقد، ويقبل قولُ =
стр. 721
والشراءِ (١)، وبالمعاطاةكَ"أَعْطِني بهذا خبزًا"، فَيُعْطِيه ما
= العاقد أن البيع وقع هزلا بقرينة مع يمينه كما في الإقناع والغاية.
(١) يشترط في الصيغة القولية عدة شروط: ١ - أن يكون القبول على وفق الإيجاب في القدر، والنقد، والصفة، والحلول، والأجل. ٢ - أن لا يتشاغل العاقدان بما يقطع البيع عرفا، كسكوت طويل، وحينئذ لابد من إنشاء إيجاب جديد. ٣ - الاتصال بين الإيجاب والقبول ولو تراخى ما داما في المجلس.
(تتمة) البيع بالكتابة: قال في الحواشي السابغات: (أما البيع بالكتابة، فقد نص صاحب الإقناع - وتابعه الغاية - على جوازه وصحته - قلت: ولعله فيما يصح السلم فيه، وإلا فلا يصح -، ومثاله: أن يكتب البائع في بلد ما: بعتك سيارة كذا بثمن كذا، فإذا وصلت الرسالة إلى المشتري يقول: قبلت؛ لكن البهوتي اعترض على الإقناع في الكشاف: (بأن ظاهر كلام أكثر الأصحاب خلافه)؛ لأن الاتصال شرط، وهو ينتهي بالتفرق قبل القبول، وبالمراسلة ينقطع القبول عن الإيجاب، وظاهر المنتهى عدم صحته، وقال ابن عبد الهادي في زينة العرائس (١/ ٣٥٠): (البيع لا يصح بالكتابة بلا خلاف فيه، والله أعلم).
(تتمة) وهل ينعقد البيع بالإشارة المفهومة: أما من الأخرس فينعقد البيع منه، ولم أقف لهم على كلام هنا؛ لكن صرح به البهوتي في كتاب النكاح، قال في المنتهى وشرحه في الكلام =
стр. 722
يُرْضِيهِ (١).
= عن عدم صحة عقد النكاح بالكتابة والإشارة إلا من الأخرس: (ولا يصح إيجاب ولا قبول ب (كتابة) ولا (إشارة مفهومة إلا من أخرس) فيصحان منه بالإشارة. نصا، كبيعه وطلاقه)، وذكروا صحة التبرعات من الأخرس بإشارة مفهومة من الأخرس كالوقف والهبة والوصية، وأما غير الأخرس، فهل يصح البيع منه بالإشارة المفهومة؟
(١) وهي المناولة كما في المطلع، وتصح من جانبين كما تصح من جانب دون الآخر، مثل أن تأتي إلى المخبز وتضع ريالًا ثم تأخذ خبزا وتمشي، ويشترط لها شرط واحد وهو معاقبة القبض للطلب من البائع، ومعاقبة الإقباض للطلب من المشتري، قال في الحواشي السابغات: (ذكر في الإقناع لصحة المعاطاة: الفورية بين القبض والإقباض، فقال: (ويعتبر في المعاطاة معاقبة القبض أو الإقباض للطلب)، قال البهوتي: (وظاهره أن التأخير في المعاطاة مبطل ولو كان بالمجلس، لم يتشاغلا بما يقطعه؛ لضعفها عن الصيغة القولية)، بخلاف الصيغة القولية، فيجوز التراخي حتى يتفرقا من المجلس أو يتشاغلا بما يقطعه كما سيأتي)، ولم يذكر في المنتهى هذا الشرط، وأخذه البهوتي من عبارة المنتهى: (كأعطني بهذا خبزا فيغطيه ما يرضيه)، وذكره في الغاية مقدما له، ثم خالفه باتجاه، وأن البيع يصح بقبض متأخر عن الطلب، قال في الغاية وشرحها: (ويتجه هذا)؛ أي: اعتبار القبض، أو الإقباض: =
стр. 723
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (لصحة البيع إذن)؛ أي: وقت التناول، (وإلا؛ فيصح) البيع (بقبض متأخر) عن التناول- وإن تراخى القبض - لعموم البلوى بذلك)، وقال ابن العماد: (بقبض متأخر) عن الطلب)، ووافقه الرحيباني والشطي، ونبه على أنه بيع جديد من حين الإقباض إن حصل معاقبة القبض أو الإقباض للطلب، وإن حصل التراخي بينهما فمتى يبدأ العقد؟ ثم رأيت كلامَ ابن العماد في بغية أولي النهى قال: (وتكون حينئذ بمعاطاة جديدة)، وذكره عنه الشطي، وظاهره: مطلقا، تراخى القبض عن الطلب أو لا، ويؤيد اتجاه الغاية، ما ذكره في المعونة: (وظاهر هذه الصورة ولو لم يكن المالك حاضرًا). والله أعلم. (خلاف المتأخرين)
(تتمة) قال ابن النجار في المنتهى وشرحه -بعد مسائل المعاطاة في البيع-: (ونحوه) أي: نحو هذه الصور (مما يدل على بيع وشراء) في العادة، وكذا الحكم في الهبة والهدية والصدقة. فإنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه استعمال إيجاب ولا قبول في شيء من ذلك، وقد أهدي إلى رسول الله ﷺ من الحبشة وغيرها، و" كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة " -. متفق عليه، وروى البخاري عن أبي هريرة قال: " كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام سأل، عنه أهدية أم صدقة؛ فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: كلوا ولم يأكل، وإن قيل هدية ضرب بيده فأكل معهم "، ولم ينقل قبول =
стр. 724
وَشُرُوطُهُ سَبْعَةٌ:
أحدُهَا: الرِّضَى (١)، فلا (٢) يَصحُّ بيعُ المُكرَهِ بغير حقٍّ (٣).
الثَّاني: الرّشْدُ (٤) فَلا يَصِحُّ بَيْعُ المميِّزِ (٥) والسَّفِيهِ (٦) ما لم
= ولا أمر بإيجاب، وإنما سأل ليعلم هل هو صدقة أو هدية، ولو كان الإيجاب والقبول شرطا في هذه العقود لشق ذلك، ولكان أكثر عقود المسلمين فاسدة، وأكثر أموالهم محرمة).
(١) شروط البيع سبعة: (الشرط الأول) الرضا من المتبايعين، وهو أن يأتيا به اختيارا، لقول الرسول- ﷺ : "إنما البيع عن تراض" رواه ابن ماجه، ما لم يكن بيع تلجئة_ وهو أن يظهرا بيعا لم يريداه باطنا خوفا من ظالم ونحوه، فالبيع باطل وإن لم يقولا في العقد: تلجئة.
(٢) (تنبيه): إذا ذكر العالم مسألة ثم عطف عليها مسألة بحرف الفاء؛ فإنه يعتبر تفريعًا على المسألة التي قبلها.
(٣) يترتب على اشتراط الرضا أنه لا يصح بيع المكره بغير حق، أما إذا كان بحق فيصح، كالذي يكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه فبيعه صحيح.
(٤) (الشرط الثاني): الرشد، والمراد به أن يكون العاقد جائز التصرف، وهو الحر الرشيد المكلف، وقد تابع المصنف بهذه العبارة المنتهى، لكن قال الخلوتي في حاشيته على المنتهى: (لو عبر بجائز التصرف -كما فعله غيره- لكان أولى).
(٥) هو من استكمل سبع سنوات.
(٦) السفه كما قال في المطلع: (هو ضعف العقل، وسوء =
стр. 725
يأذنْ وليُّهُمَا (١).
الثَّالثُ: كونُ المبيعِ مالًا (٢)؛ فلا يَصحُّ بيعُ
= التصرف، وسمي سفيهًا لخفة عقله)، والسفيه والمميز لا يصح منهما العقد بلا إذن وليهما إلا في اليسير.
(١) ويحرم إذنه لهما لغير مصلحة، وفي حالة إذنه لهما لغير مصلحة فقد قال النجدي أنه لا يصح، والقول الثاني: أنه العقد صحيح ويضمن الولي، وهو أقوى وأقرب؛ لأنه باشر العقد في حال كونه مأذونا له، وهذا ما فهمته من كلام الغاية: (ويحرم بلا مصلحة، ويتجه: ويضمن) يعني: أنه يصح العقد لكن يضمن الولي؛ لكن كأن في شرح الرحيباني ما يفيد عدم صحة العقد، حيث قال: (ويضمن) ما أتلفاه من مالهما بفعلهما؛ لأنه المسلط لهما على ما يعود ضرره عليهما)، قال الشطي عن الاتجاه: (وهو ظاهر قولهم: يحرم ولا يصح، لما فيه من إضاعة المال) وبتفسير كلام الغاية بأن العقد لا يصح لا توجد مخالفة بينه وبين الشيخ عثمان. والله أعلم.
قال في الحواشي السابغات: (أما السفيه والصغير - ولو غير مميز - فلا يصح البيع منهما إلا في حالتين: (الحالة الأولى) إذا كان في شيء يسير كرغيف ونحوه ولو من غير مميز، ولو لم يأذن له وليه، أو (الحالة الثانية) إذا أذن له وليه في المال، فيصح بيعه في القليل والكثير).
(٢) (الشرط الثالث): أن يكون المبيع مالا، والمال: هو كل عين =
стр. 726
الخمرِ (١) والكلبِ (٢) والميتةِ (٣).
= مباحة النفع من غير حاجة ولا ضرورة كالبغل والدار والسيارة، قال البهوتي في شرح المنتهى: (فخرج ما لا نفع فيه كالحشرات وما فيه نفع محرم كخمر، وما لا يباح إلا عند الاضطرار كالميتة، وما لا يباح اقتناؤه إلا لحاجة كالكلب) والمال إما عين كالسيارة، أو منفعة كممر الدار، قال في الحواشي السابغات: (أما العين، فيشترط فيها شرطان: ١ - أن يكون فيها منفعة، فأخرج ذلك ما لا منفعة فيه كالحشرات، ٢ - وأن تكون المنفعة مباحة مطلقاً، أي في جميع الأحوال من غير حاجة ولا ضرورة، فلا تباح في حال دون حال. أما الكلب فلا يسمى مالاً؛ لأنه لا يباح اقتناؤه إلا لحاجة صيد، وماشية، وزرع فقط. وكذا جلد الميتة على المذهب لا يباح استعماله إلا في اليابسات بعد دبغه، فليس مالاً ولا يجوز بيعه.
وأما المنفعة، فيشترط: كونها مباحة، ويمثِّلون لها ببيع منفعة الممر في الدار، ومنفعة ممر الماء على سطح البيت، فيجوز بيع ذلك، ومثله لو اشترى منفعة مرور أسلاك كهربائية مثلاً في أرضه، ونحو ذلك).
(١) لأن منفعته وعينه محرمة.
(٢) أي لا يصح بيع الكلب ولو كان يباح اقتناؤه ككلب الصيد، لقول الرسول- ﷺ : (ثمن الكلب خبيث) رواه مسلم، ولا يباح اقتناء الكلاب إلا كلب الماشية والحرث والصيد.
(٣) لأنها محرمة، ولا تباح إلا في حال الضرورة. قال الشارح =
стр. 727
الرَّابعُ: أَنْ يكونَ المبيعُ مِلكًا للبائعِ أو مأذونًا له فيه (١)
= في نيل المآرب: (ولو لمضطر إلا سمكا وجرادا وجُندبا؛ لحل أكلها).
(١) (الشرط الرابع): أن يكون المبيع ملكا للبائع وقت العقد أو مأذونا له فيه كالوكيل وولي الصغير، وكذا يشترط أن يكون الثمن مملوكا للمشتري؛ لحديث: (لا تبع ما ليس عندك) رواه الأربعة، ولو ظن المالكُ أو المأذونُ له عدمَ الملك والإذنَ له في بيعه، لأن الاعتبار في المعاملات بما في نفس الأمر لا بما في ظن المكلف.
(تتمة): هناك بعض الأشياء لا تملك على المذهب وبالتالي لا يصح بيعها:
١ - الأراضي التي فتحت عنوة كمصر والشام والعراق، فهي موقوفة وتصح إجارتها، لكنها لا تُملك ولا يصح بيعها إلا إذا رأى الإمام مصلحة في بيع شيء منها.
٢ - رِباع مكة، وهي: المنازل، ودور الإقامة، وكل الحرم، وبقاع المناسك كمنى وعرفات ومزدلفة. فهذه لا تملك، ولا يصح بيعها، ولا إجارتها؛ لأنها موقوفة على جميع المسلمين. ومن أَجبر غيرَه على الإجارة، فالإثم عليه.
٣ - الأوقاف التي لا يزال نفعها باق، فلا تملك، وتصح إجارتها.
٤ - الماء العِدّ الذي له مادة لا تنقطع، فلا يملك حتى مِنْ مالك الأرض. والناس شركاء فيه قبل حيازته، أي: ما دام في =
стр. 728
وقتَ العقدِ (١)،
= البئر أو العين أو الأرض، لكن لا يجوز لهم دخول الأرض بغير إذن مالكها. أما من حاز هذا الماء في خزان مثلاً، فإنه يملكه.
٥ - المعادن الجارية كالنفط والبترول، فلا تُملك بملك الأرض؛ لكنها تُملك بالحيازة.
(١) أي حال مباشرة العقد، وهذا الشرط إنما هو في المبيع المعين، فلا يجوز أن تبيع شيئا معينا لا تملكه، كأن تقول بعتك سيارة فلان، على أن تذهب وتشتريها منه وتعطيها المشتري منك، فهذا لا يصح، ويدخل في الحديث المتقدم: (لا تبع ما ليس عندك)، إلا إذا كان مبيعا موصوفا غير معين كما سيأتي، قال ابن النجار في المعونة (٥/ ١٤): (ولا) يصح (بيع ما) أي: بيع معين (لا يملكه) البائع، (إلا موصوفاً) بصفات السلم و (لم يعين): فيصح (إذا قبض) المبيع (أو ثمنه بمجلس عقد. لا بلفظ سلف أو سلم) فإنه يكون سلما، ولا يصح أن يكون السلم حالا)، وقال في الغاية وشرحها (٣/ ٢٠): (ولا) يصح (بيع ما)؛ أي: شيء معين (لا يملكه) البائع، ولا أذن له فيه (كحر، ومباح قبل حيازته)؛ لحديث حكيم بن حزام مرفوعا: «لا تبع ما ليس عندك» رواه ابن ماجه والترمذي، وصححه، (إلا موصوفا) بصفات سلم (لم يعين)؛ فيصح؛ لقبول ذمته للتصرف)
(تتمة مهمة) يستثنى من هذا الشرط ما يلي: بيع الموصوف غير =
стр. 729
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= المعين فيصح بيعه ولو لم يملكه البائع، وبهذا عبر في المنتهى فقال: (ولا بيع ما لا يملكه إلا موصوفا لم يعين .. إلخ)، ولبيع الموصوف على المذهب صورتان: الصورة الأولى: بيع الموصوف غير المعين كبعتك عبدا تركيا صفته كذا وكذا، ويشترط لصحته: ١ - أن يكون المبيع مما يصح السلم فيه وهو الذي يمكن ضبطه بالصفة، ٢ - أن يُقبض المبيعُ أو ثمنه بمجلس العقد قبل التفرق، ٣ - ألا يكون بلفظ السلم. قال في الإقناع: (فهذا في معنى السلم، فمتى سلم البائعُ إليه عبدا على غير ما وصفه له فرده .... لم يفسد العقد).
الصورة الثانية: بيع الموصوف المعين كبعتك عبدي التركي، ويستقصي صفاته، قال في الإقناع: (سواء كانت العين المعينة غائبة .... أو حاضرة مستورة كجارية منتقبة، وأمتعة في ظروفها، أو نحو ذلك)، وقال أيضا: (فهذا النوع ينفسخ العقد عليه برده على البائع، وبتلفه قبل قبضه، ويجوز التفرق قبل قبض الثمن، وقبل قبض المبيع كحاضر)، والظاهر من قولهم: (ويجوز التفرق قبل قبض الثمن، وقبل قبض المبيع) فيما لو كان الثمن والمبيع معينا أو موصوفا معينا، أما لو كان أحدهما موصوفا غير معين فلا يجوز التفرق قبل قبض أحد العوضين. (فرق فقهي)
(تنبيه) لا يصح تصرف مشتري المبيع الموصوف المعين قبل قبضه مطلقا، أما المبيع الموصوف غير المعين، فيجوز =
стр. 730
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لمشتريه أن يبيعه ويهبه - قبل قبضه - لمن هو عليه فقط، بشرط دفع المشتري ثمنَه لبائعه وإلا صار بيع العينة، ولا يجوز بيعه وهبته لغير من هو عليه. فمثلا: لو اشترى زيدٌ من عمرو سيارات صفتها كذا وكذا، ودَفَعَ زيدٌ ثمنَها لعمرو، فيجوز لزيد أن يبيع، أو يهب السيارت - قبل أن يقبضها من عمرو - على عمرو فقط، ولا يجوز أن يبيعها، أو يهبها لغير عمرو. (فرق فقهي).
(تتمة) تقدم في التتمة السابقة أنه يجوز التفرق قبل القبض للثمن وللمبيع في بيع الموصوف المعين، ومن باب أولى يجوز التفرق قبل القبض في بيع المعين، كبعتك هذه السيارة بهذه الألف ريال، فينعقد العقد، وإن لم يقبِض البائعُ الثمن، والمشتري المبيع.
وهل يجوز التفرق قبل القبض في عقد الإجارة إذا كانت على عين، أو منفعة في الذمة؟ الظاهر: نعم، وتحتاج لمزيد بحث ونظر، فليحرر.
(تتمة) حكم بيع المرابحة للآمر بالشراء: وهو أن يأتي شخص لآخر، فيقول له اشتر لي السلعة الفلانية، واشتريها منك بربح، والغالب أن شراءها منه بربح بثمن مؤجل، والغريب أن مثل هذه المعاملة موجودة في كلام السابقين إلا إنها لا تكاد تذكر عند الفقهاء أصحاب المذاهب خاصة الحنابلة، وسأنقل هنا ما وقفت عليه من كلامهم، قال عبد اللَّه بن الإمام أحمد: حدثني عبد الأعلى في حديثه عن =
стр. 731
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= حماد قال: وكان حميد -يعني: الطويل- لا يرى بأسًا أن يقول الرجل للرجل: إني أريد متاعًا، كذا وكذا، فإذا دفع عندك فأعلمني فإني أريد نحوه، ولا تقولن: اشتر كذا وكذا حتى أشتريه منك؟ فسألت أبي عن ذلك؟ فقال: مثل قول حميد، وقال: لا بأس به. "مسائل عبد اللَّه" (١٠٤٦)، وظاهر هذه الرواية المنع منها؛ لأنه قال: (ولا تقولن: اشتر كذا وكذا حتى أشتريه منك)، لكن جاء في مسائل إسحاق الكوسج ما يوضح هذه الرواية حيث قال: (قلت: بيع ما ليس عندك؟ أن يقول لصاحبه: اشتر كذا وكذا اشتريه منك؟ قال: أكرهه، قال إسحاق: كما قال، وهو أن يبيع الرجل الشيء كيلاً، أو وزناً، وليس عنده أصله)، وهذا يدل على أن كراهة الإمام أحمد إنما هو فيمن قال لغيره اشتر كذا وكذا وأشتريه منك، ثم يعقد معه العقد، فيذهب البائع ويشتريه ويعطيه المشتري، وهذا هو الذي فيه بيع ما ليس عنده، أما لو قال له: اشتر كذا وكذا اشتريه منك ولم يعقد معه حتى اشتراه البائع، ثم عقد مع الآمر بالشراء عقدا جديدا فالظاهر أنه غير مقصود في كلام الإمام ﵀؛ لأن المأمور لم يبع ما ليس عنده. والله أعلم.
وفي كلام ابن القيم ما يدل على جوازها، قال في إعلام الموقعين في ضمن تعداده للحيل الجائزة: (رجل قال لغيره: " اشتر هذه الدار - أو هذه السلعة من فلان - بكذا وكذا، وأنا أربحك فيها كذا وكذا " فخاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يريدها، ولا يتمكن من الرد، فالحيلة أن يشتريها على أنه =
стр. 732
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بالخيار ثلاثة أيام أو أكثر، ثم يقول للآمر: قد اشتريتها بما ذكرت، فإن أخذها منه، وإلا تمكن من ردها على البائع بالخيار، فإن لم يشترها الآمر إلا بالخيار فالحيلة أن يشترط له خيارا أو نقص من مدة الخيار التي اشترطها هو على البائع؛ ليتسع له زمن الرد إن ردت عليه)، وفي مثال ابن القيم هنا أمران: الأمر الأول: ظاهر كلامه أنه يجوز أن يشتريها الآمر بالشراء نسيئة وبثمن حال، واعترضه أحدهم بأن ابن القيم يمنع من كون الرجل لا يبيع إلا نسيئة أخذا من قول الإمام أحمد، قال في تهذيب السنن: (وللعينة صورة رابعة وهي أخت صورها، وهي: أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا نسيئة، ونص أحمد على كراهة ذلك، فقال: العينة أن يكون عنده المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة، فإن باع بنسيئة ونقد فلا بأس)، فأخذ الباحثُ من هذا أن بيع الآمر بالشراء - بعد شراء البائع له ما أراد شراءه- نسيئة لا يجوز، ويجوز بثمن حال، ويرد على هذا ما يلي:
١ - ما ذكره ابن مفلح في الفروع بأن ما روي عن الإمام أحمد في كراهة كون الرجل لا يبيع ما عنده إلا نسيئة إنما هو مكروه مع جوازه، قال في الفروع: (وكره أحمد ﵁ أن لا يبيع الرجل إلا نسيئة، مع جوازه)، وهذه الرواية عن الإمام لم أرها عند أحد من المتأخرين من الإنصاف وما بعده إلا في حاشية ابن قاسم نقلها عن ابن القيم، ولعل ابن مفلح أخذ الجواز من كلام صاحب المغني حيث قال: (وقد روي عن أحمد أنه قال العينة أن يكون عند الرجل المتاع، فلا يبيعه =
стр. 733
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= إلا بنسيئة، فإن باعه بنقد ونسيئة فلا بأس. وقال: أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة لا يبيع بنقد. وقال ابن عقيل إنما كره النسيئة لمضارعتها الربا، فإن الغالب أن البائع بنسيئة يقصد الزيادة بالأجل، ويجوز أن تكون العينة اسما لهذه المسألة وللبيع بنسيئة جميعا، لكن البيع بنسيئة ليس بمحرم اتفاقا، ولا يكره إلا أن لا يكون له تجارة غيره).
وقد ذكر في الإقناع مسألة ما لو باعه بعشرة نقدا أو عشرين نسيئة لم يصح ما لم يتفرقا على أحدهما.
٢ - أنه لو قيل بأنه لا يجوز أن يشتريها الآمر بالشراء إلا بثمن حال، فما الفائدة من قوله لغيره اشترها وأربحك فيها؟! وبدل أن يُربِح المأمورَ بالشراء له، يذهب الآمرُ بالشراء ويشتريها بدون الربح الذي وَعَدَ به المأمورَ بالشراء.
الأمر الثاني: أن ما قرره ابن القيم من اشتراط البائعِ المأمورِ بالشراء الخيارَ؛ لكي يضمن إرجاع السلعة لبائعها إذا لم يشترها الآمر بالشراء غير متأت على المذهب، فالمذهب لو اشترى شيئا واشترط فيه الخيار ثم عرضه للبيع سقط خياره، قال في المنتهى وشرحه: (وتصرف مشتر) في مبيع شرط له الخيار فيه زمنه (بيع بوقف أو بيع أو هبة أو لمس) لأمة مبتاعة (لشهوة ونحوه) كتقبيلها (وسومه) أي المشتري للمبيع، بأن عرضه للبيع وهو عطف على تصرف (إمضاء) للبيع خبر تصرف (وإسقاط الخيارة) ; لأنه دليل الرضا بالبيع). =
стр. 734
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والحاصل: أن الذي يظهر من كلام الإمام أحمد وابن القيم جواز بيع المرابحة للآمر بالشراء، وقد حرم الشيخ ابن عثيمين مسألة بيع المرابحة للآمر بالشراء وغلظ فيها وجعلها من الربا، ولم يظهر لي في المذهب ما يدل على تحريمها، فليحرر، وفي بيع المرابحة للآمر بالشراء شبه بالتورق وهو أن يحتاج إلى نقد فيشتري ما يساوي مائةً بمائةٍ وخمسين، فالمستورق اشترى شيئا بالأجل؛ ليتوسع بثمنه، والآمرُ بالشراء اشترى شيئا بالأجل ليتوسع بملكه ومنفعته، فالمستورق قصده النقد، والآمر بالشراء قصده العين، وكلاهما عاجز عن تحصيل ما يريده بغير ما فعله، وينبه هنا أنه في مسألة بيع الرابحة للآمر بالشراء مراعاة يلي: ١ - عدم إلزام الآمر بالشراء بالعقد، ولو بعد شراء المأمور للسلعة التي أمر بشرائها؛ لأنه يصبح بهذا كأنه اشتراها من المأمور قبل تملكه لها، ٢ - ألا يبيع المأمورُ بالشراء السلعة إلا بعد أن يتملكها وقبض ما يشترط لصحة التصرف فيه قبضه.
وإن استغنى المسلمُ عن عقد بيع المرابحة للآمر بالشراء، ولجأ إلى التورق خروجا من خلاف من حرمها كان أولى وأحوط، والله أعلم.
(تتمة) مسألة التورق المنظم: وهو أن يأتي شخص للمصرف ويشتري منه سلعةً بثمن مؤجل، ثم يوكله في بيعها بثمن حال أقل مما اشتراها به بالثمن المؤجل.
وفي هذا العقد عدة إشكالات، منها: أن المصرف أحيانا =
стр. 735
فلا يصحُّ بيعُ الفُضُوليِّ ولو أُجِيزَ بَعْدُ (١).
= لا يملك السلعة، فيشتريها، وقبل أن يقبضها يبيعها للعميل، ومنها: أنه على فرض أن المصرف ملك السلعةَ فإنه يبيعها على العميل بثمن مؤجل بالصفة، ثم يوكل العميلُ المصرفَ في بيعها، والمذهب يحرم بيع الموصوف قبل قبضه إلا الموصوفَ غيرِ المعين، فيجوز بيعه على من هو عليه فقط لكن بعد قبض بائعه لثمنه كما تقدم، ومنها: أن المصرف إذا وكل في بيع السلعة من العميل، فإنه يبيعها أحيانا لشركاتٍ للمصرف فيها حصةٌ، وهذا لا يجوز ويكون من بيع العينة، أن كثيرا من المصارف تجعل عندها سلعا كالحديد والخشب ونحوهما وتعقد عليها عدة عقود لعدة عملاء وتبيعها قبل قبضها، وهذا هو عين التحايل على الربا.
فإن اشترى العميلُ السلعةَ وقبضها قبضًا معتبرًا، ثم باعها بنفسه حلَّت، وقد قال الشيخ سعد بن تركي الخثلان في شرح الدليل: إن من أفضل الطرق للحصول على سيولة نقدية من غير وقوع في المحاذير الشرعية: التورق في الأسهم المباحة؛ لأن التملك فيه واضح، والقبض واضح، كأن تقول للمصرف: اشتروا لي ألف سهم في شركة كذا وكذا من الشركات المباحة، فيشتريها المصرف وتدخل الأسهم في محفظة المصرف، ثم تدخل في محفظتك، ثم تدخل في محفظة المشتري منك. انتهى، ذَكَرَه في شرحه للدليل، قلت: وهو حسن. والله أعلم.
(١) الفضولي هو مَنْ يبيع الإنسان ملكَ غيرِه بلا إذنه، أو يشتري =
стр. 736
الخَامسُ: القُدرةُ على تسلِيمِهِ (١) فلا يصحُّ بيعُ الآبِقِ والشَّارِدِ (٢) ولو لقادرٍ على تحصيلِهِمَا (٣).
= بعين مال غيره بلا إذنه، فلا يصح لأنه وقت العقد ليس مالكا ولا مأذونا له، فعلى المذهب لا يصح بيع عقد الفضولي ولو أجيز بعد العقد إلا بقيدين: ١ - أن يشتري لغيره في ذمته، ٢ - أن ينوي الشراء لشخص لم يسمه في العقد فيصح ثم إن أجازه مَنِ اشْتُرِيَ له ملكه من حين الشراء، وإن لم يجزه وقع العقد لمشتر ولزمه حكمه.
وهل للمشتري أن يعدل بعد شرائه لغيره، ويجعله لنفسه بدون عرضه لمن اشتراه له؟
صرح النجدي بأنه ليس له ذلك قبل عرضه على من اشتراه له قال: (قوله: (وإلا وقع لمشتر) مفهومه: لو أجاز البعض، لم يلفت إليه، ثم إنه لا يتصرف المشتري فيه قبل عرضه على من نواه له، فإن تعذر، فماذا؟)، وأصله لابن النجار في المعونة، والبهوتي في شرح المنتهى وحاشيته، قال: (وليس له التصرف فيه قبل عرضه على من اشترى له).
(١) (الشرط الخامس): القدرة على تسليم المبيع؛ لأن ما لا يقدر على تسليمه فهو كالمعدوم.
(٢) فلا يصح بيع العبد الآبق، والجمل الشارد، سواء علم مكانه أو جهله.
(٣) ولو كان البيع لقادر على تحصيلهما، لأنه مجرد توهم، ولا يصح بيع السمك بالماء إلا إذا كان مرئيا بمحوز يسهل أخذه =
стр. 737
السَّادسُ: معرفةُ الثَّمنِ والمُثْمَنِ (١) إِمَّا بالوصفِ (٢) أو المشاهدةِ (٣)
= منه، ولا يصح بيع مغصوب إلا لغاصبه أو لقادر على أخذه من غاصبه، وله الفسخ إن عجز.
(١) (الشرط السادس): معرفة البائع والمشتري الثمن والمثمن حال العقد، ويكون ذلك بطريقتين:
(٢) (الطريقة الأولى): بالوصف: والبيع بالوصف مخصوص بما يجوز السلم فيه، وهو المكيل والموزون والمعدود والمذروع مما يمكن ضبط صفاته.
(٣) (الطريقة الثانية): بالمشاهدة: فيما يحتاج لمشاهدة جميعه، أو بعضه إذا كان يدل على بقيته، ولا يشترط فيه معرفة العدد، وهو الموضع الوحيد الذي لا يشترط فيه معرفة العدد.
(تتمة) وكذا يعرف المبيع باللمس والشم والذوق فيما يعرف بهذه الأمور؛ لحصول العلم بحقيقة المبيع.
(تنبيه) البيع بثمن المثل: المذهب كما يقرره الأصحاب هنا يشترط العلم بالثمن عند العقد، وإلا فلا يصح ولو بثمن المثل، خلافا لشيخ الإسلام الذي يجوز البيع بثمن المثل كما في الاختيارات وهو قياس المذهب في الإجارة حيث صححوها فيما له أجرة مثل، ولعل قول الشيخ ﵀ إنما يتأتى فيما له ثمن مثل، أما ما ليس له ثمن مثل فلا يصح بيعه بدون العلم بثمنه عند العقد، وقد جوز الحنابلةُ البيعَ بثمن المثل في كتاب الغصب في مسألة تقع بصورة معينة وهي ما يأخذه =
стр. 738
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= المشتري من بَقَّال في أيام، ثم يحاسبه بعد ذلك بثمن المبيع يومَ أخذه ولا يجوز في غير هذه الصورة، قال في الإقناع وشرحه: (فإن دخل) التالف (في ملكه) أي ملك متلفه (بأن أخذ معلوما بكيل أو وزن أو) أخذ (حوائج من بقال ونحوه) كجزار وزيات (في أيام) ولم يقطع سعرها (ثم يحاسبه بعد) ذلك (فإنه يعطيه بسعر يوم أخذه؛ لأنه ثبتت قيمته) في ذمته (يوم أخذه) لتراضيهما على ذلك ولا يَرُّدُ المثلَ ومقتضى قولهم: "فإن دخل في ملكه" أن العقد في ذلك صحيح، وإلا لما ترتب عليه الملك ولذلك أخذ منه الشيخ تقي الدين صحةَ البيعِ بثمن المثل، وعلى هذا يدخل في ملكه، وهذا العقد جارٍ مجرى الفاسد؛ لكونه لم يعين فيه الثمن؛ لكنه صحيح إقامة للعرف مقامَ النطق، وهذا - وإن كان مخالفا لما تقدم من أنَّ البيع لا يصح إلا مع معرفة الثمن - أولى من القول بأنه فاسد يترتب عليه الملك؛ لأن الفاسد لا يترتب عليه أثره، بل يُدعى أن الثمن في هذه معلومٌ بحكم العرف فيقوم مقامَ التصريح به). وعبارته في المنتهى وشرحه: (فلو دخل) تالف في ملك متلفه (بأن أخذ) من آخر شيئا (معلوما بكيل أو وزن، أو) أخذ (حوائج) متقومة. كفواكه وبقول ونحوهما (من بقال ونحوه) كجزار وزيات (في أيام ثم يحاسبه) على ما أخذ بعد ذلك (فإنه) لا يجب عليه المثل في المثلي ولا القيمة في المتقوم، بل (يعطيه بسعر يوم أخذه) لتراضيهما على ذلك. ومقتضاه =
стр. 739
حالَ العقدِ أو قبلَهُ بيسيرٍ (١).
السَّابعُ: أَنْ يكونَ مُنَجَّزًا (٢) لا مُعَلَّقًا كَ"بِعْتُكَ إذا جاءَ رأسُ الشهرِ" (٣) أو "إِنْ رَضيَ زيدٌ" (٤) ويصحُّ "بعتُ"، و" قبلتُ إنْ
= صحة البيع بثمن المثل)، ونص على المسألة في الغاية، وأصلها نص الإمام أحمد، قال في المبدع: (ولو أخذ حوائج من بقال ونحوه في أيام، ثم يحاسبه، فإنه يعطيه بسعر يوم أخذه، نص عليه)، ولعل سبب تصحيحها: جريان العرف بين الناس بمثل تلك المعاملة، ومنع الناس منها فيه حرج ومشقة عليهم فجُوزت للحاجة، وكما ذكرتُه سابقا من أنها إنما تصح فيما له ثمن مثل فحسب، والله أعلم.
(١) بأن تكون معرفة المبيع وقت العقد أو قبله بزمن يسير لا تتغير فيه العين تغيرا ظاهرا، فإن مضى زمن يتغير فيه المبيع تغيرا ظاهرا فلا يصح البيع.
(تتمة) في المنتهى وشرحه: (ثم إن وجد) مشترٍ (ما وصف) له (أو تقدمت رؤيته) العقد بزمن لا يتغير فيه المبيع تغيرا ظاهرا (متغيرا فلمشتر الفسخ) ; لأن ذلك بمنزلة عيبه)، وسيأتي في القسم السادس من أقسام الخيار
(٢) (الشرط السابع): أن يكون المبيع منجزا في الحال، فلا يصح تعليقه، وهذا الشرط ليس موجودا في المنتهى ولا في الإقناع في هذا الموضع، ولكنه موجود في باب الشروط في البيع.
(٣) فلا يصح تعليقه بالزمن، كبعتك هذه السيارة إذا رأس الشهر.
(٤) أي: لا يصح تعليقه بالرضا، كبعتك هذا الجوال إن رضي =
стр. 740
شاءَ اللهُ" (١).
ومن باعَ معلومًا، ومجهولًا (٢)، لم يتعذَّرْ عِلْمُهُ صحَّ في المعلومِ بقسْطِهِ (٣) وإنْ تعذَّرَ معرفةُ المجهولِ ولم يُبَيَّنْ ثمنُ
= زيد، وذلك لأن البيع عقد معاوضة يقتضي نقل الملك في الحال، والشرط ينافيه.
(١) هذا استثناء من شرط التعليق، فالأصل أنه لا يصح تعليق العقود إلا إذا علِّق الإيجاب والقبول على مشيئة الله تعالى، فيصح قول البائع بعتك هذه السيارة إن شاء الله، وقول المشتري قبلت شرائها إن شاء الله، لأن قصدهما في ذلك التبرك.
(تتمة): هناك شرطان آخران للبيع أضافهما الشيخ مرعي وتفرد بهما في كتابه غاية المنتهى:
(الشرط الثامن): خلو ثمن ومثمن ومتعاقدين عن موانع صحة: كاشتراط قرض في البيع، أو بيع ما لا يصح بيعه كالأضحية الواجبة إلا بخير منها، وبيع الوقف الذي نفعه باق، وبيع الرهن بلا إذن المرتهن، ويأتي تفصيل ذلك.
(الشرط التاسع): ألا يكون مؤقتا كقوله بعتك هذه السيارة سنة، وهذا يذكرونه في تعريف البيع عند قولهم "مؤبدا".
(٢) هذه صورة من صور تفريق الصفقة، وتفريق الصفقة: هي أن يجمع بين ما يصح بيعه وما لا يصح بيعه صفقة واحدة بثمن واحد، وللصورة التي ذكرها المؤلف حالتان:
(٣) (الحالة الأولى): هي أن يبيع معلوما ومجهولا بثمن واحد، =
следующие страницы →