Полный текст (2 012 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
أو يُعيرَهُ دابتَهُ، أو يَقضيَهُ خيرًا منه (١)، فإن فَعلَ ذلكَ بلا شرطٍ (٢)، أو قضى خيرًا منه بلا مُوَاطأةٍ جَازَ (٣).
= ذلك ولا يصح؛ لأن القرض عقد إرفاق وقربة فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه الشرعي.
(١) أي: ومن أمثلة القرض الذي يجر النفعَ أن يشترط المقرضُ على المقترض أن يعيره دابته، أو أن يزيده في الوفاء في القدر - كأن يقضيه خمسين بدل أربعين - أو الصفة- كصحاح عن مكسرة -، ونحوها من الشروط التي تجر نفعا للمقترض بسبب القرض.
(٢) أي: إن فُعِل ما يحرم اشتراطه بعد الوفاء - كما قيده الشارح - جاز؛ أي: أسكنه دارَه أو أعاره دابتَه بعد الوفاء، أما إذا فعل المقترضُ شيئاً من ذلك قبل الوفاء فيحرم على المقرِض قبولُه إلا إذا نوى المقرضُ مكافأةَ المقترضِ على تلك المنافع، أو ينوي احتسابَه من دينه، أو تجري العادةُ بينهما بذلك قبل القرض.
وهل منه ما يفعله المصرف مع العميل من خدمات كإعطائه كروت التخفيضات وغير ذلك؟ وهذا على تكييف أن ما يضعه العميل في المصرف إنما هو إقراض للمصرف، وليس وديعة، وقد جزم الشيخ سعد الخثلان في شرح الدليل بأن هديا البنوك للعملاء محرمة، إلا الهدايا التي لا تختص بالعملاء كالتقاويم التي يوزعها المصرف دعاية للعملاء ولغيرهم.
(٣) أي: لو قضى المقترض خيرا مما اقترضه جاز إذا كان بلا =
стр. 842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= مواطأة بين المقرض والمقترض على أن يفعل المقترضُ ذلك بعد القرض؛ لأن النبي ﷺ استسلف بكرا فرد خيارا رباعيا، وقال: (خيركم أحسنكم قضاء) متفق عليه من حديث أبي رافع ﵁.
وقول المؤلف: (أو قضى خيرا منه): تابع فيه صاحبَ المنتهى والغاية، وهي محتملة للقدر-كزيادة- والصفة -كأجود مما اقترض-، وأما في الإقناع فقد صرح بقوله: (أو قضى أكثر أو خيرا منه في الصفة)، وحمله الشيخ منصور في الكشاف على جواز الزيادة اليسيرة في قضاء القرض الذي يكون من الذهب والفضة خلافا لصاحب المبدع الذي حرم الزيادة مطلقا، وللمغني والكافي اللذين أجازا الزيادة مطلقا، قال في الإقناع وشرحه: (أو قضى) المقترض (أكثر) مما اقترضه جاز، قال في الفصول: وأما الذهب والفضة فيعفى فيهما عن الرجحان في القضاء إذا كان يسيرا انتهى، وقال في المبدع: وإن كان زيادة في القضاء بأن يقرضه درهما فيعطيه أكثرَ منه لم يجز؛ لأنه ربا، وصرح في المغني والكافي: بأن الزيادة في القدر والصفة جائزة؛ للخبر. انتهى، ولعل كلامه في المغني والكافي محمول على الزيادة اليسيرة، بدليل قوله: للخبر، وهو «أنه ﷺ كان يقول للوزان: أرجح» ويقول: «خيركم أحسنكم قضاء» فيوافق كلامَ صاحب الفصول، وعليه يحمل كلام المصنف). (مخالفة الماتن)
قلت: وهل تجوز الزيادة اليسيرة في الوفاء في قضاء القرض =
стр. 843
ومتى بذلَ المقترضُ ما عليه بغيرِ بلدِ القرضِ، ولا مَؤنةَ لحملِهِ، لَزِمَ ربَّهُ قبولُهُ معَ أَمْنِ البلدِ والطَّريقِ (١).
= الذي من الأوراق النقدية بلا شرط قياسا على الذهب والفضة؟ ظاهر الإقناع والمنتهى: الجواز، ويدل عليه حديث أبي رافع ﵁ المتقدم، والله أعلم.
(١) الأصل: أنه لا يجوز أن يشترط المقرضُ على المقترض أن يوفيه القرضَ في بلد آخر، وقيده في المغني بما إذا كان لحمله مؤنة، وجزم به ابن النجار والبهوتي في شرح المنتهى، ويجوز إذا اشترطه عليه ولم يكن لحمله مؤنة كما صححه في المغني أيضا؛ قال في شرح المنتهى: (لأنه مصلحة لهما من غير ضرر، وكذا لو أراد إرسالَ نفقةٍ لأهله فأقرضها؛ ليوفيها المقترضُ لهم جاز)، قال ابن النجار في شرح المنتهى: (وإن شرط القضاء ببلد اخر وليس لحمله مؤنة ففيه روايتان منصوصتان فيمن اقترض دراهم وشرط أن يكتب له بها سفتجة، وقطع في " المغني " بالجواز، لما روي " أن ابن الزبير كان يأخذ من قوم بمكة دراهم ثم يكتب لهم بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق فيأخذونها منه. فسئل عن ذلك ابن عباس فلم ير به بأسا "، ولما روي عن علي " أنه سئل عن مثل ذلك فلم ير به بأسا "، ولكون ذلك مصلحة لهما جميعا). قلت: وقد جزم الأصحاب في كتاب الشركة بجواز السفتجة بإذن الشريك.
وأشار ابن القيم في إعلام الموقعين بأن المنفعة التي لا تختص بالمقرض، بل ينتفع بها المقرض والمقترض بأنها جائزة كما =
стр. 844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= في مسألة السَّفتجة، ويشبهها ما ذكره البهوتي هنا بقوله: (وكذا لو أراد إرسال نفقة لأهله فأقرضها؛ ليوفيها المقترض لهم جاز)، وأصلها في المعونة، والإقناع وزاد قيدا مهما: (إذا لم يأخذ عليها شيئا)، وكأن فيه إشارة إلى تحريم أخذ العمولة التي يأخذها المصرف عندما يحول مبلغا لشخص من بلد إلى آخر، إلا أن يقال: بأن ما يفعله المصرف إنما هو وكالة بجُعل، وليس اقتراضا من العميل، فيجوز أن يأخذ جعلا على تحويل المبلغ، وهو الأظهر. والله أعلم.
(تتمة) لا يفسد عقد القرض بفساد الشرط كما صرح به البهوتي في شرح المنتهى، وأصله لابن النجار في المعونة.
فهم يقررون الحكم الوضعي في القرض المقترن بالشرط الفاسد، وأنه يصح، لكن ما الحكم التكليفي؟ هل يجوز الدخول في قرض مقترن بشرط فاسد؟ كاشتراط زيادة؟ فيه تردد، وإن كان قياسُ ما تقدم في الشروط في البيع الجواز؛ لحديث بريرة ﵂، وأن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: (خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق) متفق عليه، قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى في بيان تأويل الإمام أحمد ﵀ لحديث بريرة ﵂ وأنه يجوز الدخول في العقد المقترن بالشرط الفاسد: (القوم كانوا قد علموا أن هذا الشرط منهي عنه فأقدموا على ذلك بعد نهي النبي ﷺ فكان وجود اشتراطهم كعدمه وبين لعائشة أن اشتراطك لهم الولاء لا يضرك فليس هو أمرا بالشرط؛ لكن إذنا للمشتري في اشتراطه =
стр. 845
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= إذا أبى البائع أن يبيع إلا به وإخبارا للمشتري أن هذا لا يضره ويجوز للإنسان أن يدخل في مثل ذلك. فهو إذن في الشراء مع اشتراط البائع ذلك وإذن في الدخول معهم في اشتراطه لعدم الضرر في ذلك ونفس الحديث صريح في أن مثل هذا الشرط الفاسد لا يفسد العقد. وهذا هو الصواب. وهو قول ابن أبي ليلى وغيره وهو مذهب أحمد في أظهر الروايتين عنه. وإنما استشكل الحديث من ظن أن الشرط الفاسد يفسد العقد وليس كذلك؛ لكن إن كان المشترط يعلم أنه شرط محرم لا يحل اشتراطه فوجود اشتراطه كعدمه؛ مثل هؤلاء القوم. فيصح اشتراء المشتري ويملك المشتري وبلغو هذا الشرط الذي قد علم البائع أنه محرم لا يجوز الوفاء به).
مع التنبيه أنه لو حصل الشرط - كاشتراط منفعة - من المقرض على المقترض ودفعها له فإنه عقد محرم، أما إن اشترطها ولم يقبضها المقترض فهو عقد جائز صحيح، فليحرر، والله أعلم
(تتمة) يجوز أن يطالب المقرضُ المقترضَ بالقرض في غير بلد القرض إذا لم يكن لحمله مؤنة.
ويصح ويجوز أيضا أن يبذل المقترضُ للمقرض القرضَ في غير بلد القرض، ويلزم المقرض قبوله بشرطين: الأول: أن لا يكون لحمله مؤنة. والثاني: أن يكون الطريق آمنا. فإذا وجد الشرطان لزم ربه قبوله؛ لأنه لا ضرر على المقرض إذن، قال الشيخ منصور في شرح المنتهى: (قلت: وكذا ثمن وأجرة ونحوهما، فإن كان لحمله مؤنة أو البلد أو الطريق غير آمن لم يلزم قبوله). =
стр. 846
بَابُ الرَّهْنِ (١)
يصحُّ بشروطٍ خمسةٍ:
= (تتمة) إذا كان لكل شخص على الآخر دين مثلُ الذي على الآخر تساقطا ولو بدون رضاهما، قال في الإقناع وشرحه: (ومن ثبت له على غريمه مثل ما له عليه) من الدين (قدرا وصفة حالا أو مؤجلا أجلا واحدا، لا حالا ومؤجلا تساقطا) إن اتفق الدينان قدرا (أو بقدر الأقل) إن كان أحد الدينين أكثر من الآخر (ولو بغير رضاهما) لأنه لا فائدة في اقتضاء الدين من أحدهما ودفعه إليه بعد ذلك لشبهه بالعبث (إلا إذا كانا) أي: الدينان (أو) كان (أحدهما دين سلم) فلا مقاصة (ولو تراضيا)؛ لأنه تصرف في دين السلم قبل قبضه وهو غير صحيح وكذا لو تعلق بأحد الدينين حق كما لو باع الراهن الرهن لتوفية دين المرتهن ممن له عليه حق مثل الثمن الذي باعه به فلا مقاصة لتعلق حق المرتهن به وكما لو بيع بعض مال المفلس على بعض غرمائه بثمن في الذمة من جنس ما له على المفلس فلا مقاصة لتعلق حق باقي الغرماء بذلك).
(١) الرهن لغة: الثبوت والدوام. اصطلاحاً: توثقة دين بعين يمكن أخذه أو بعضه منها إن كانت من جنس الدين، أو من =
стр. 847
- كونُهُ مُنجَّزًا (١)،
- وكونُهُ معَ الحقِ، أو بعدَه (٢)،
= ثمنها إن لم تكن من جنس الدين، ولابد فيه من الإيجاب والقبول، أو ما يدل عليهما كالمعاطاة.
قال في شرح المنتهى: (وأجمعوا على جوازه لقوله تعالى ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣] وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها «أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعاما ورهنه درعه» متفق عليه، ويجوز حضرا وسفرا).
(١) للرهن ستة شروط ذكر المصنف منها خمسة: (الشرط الأول) أن يكون الرهن منجزا، أي: حالاً، فلا يصح معلقاً كالبيع، كأن يقول إذا جاء رمضان فقد رهنتك كذا، فلا يصح.
(٢) (الشرط الثاني) أن يكون الرهن مع عقد البيع أو القرض كأن يقول بعتك هذا الشي بعشرة إلى شهر ترهنني بها هذا العبد، ويصح الرهن بعد العقد لا قبله، لكن هل يُلزم من عليه الحق أن يدفع الرهن بعد العقد؟ كما لو اشترى زيد من عمرو سيارة بمائة ألف إلى شهر، ثم بعد يومين طلب عمرو من المشتري زيد رهنا على ذلك فهل يلزم زيد بإحضار الرهن؟ المذهب أنه يلزم مع الحق، أما بعد الحق فيصح لكن لا يُلزم المشتري به، قال في المعونة معللا صحة اشتراطه مع الحق: (لأن الحاجة داعية إلى جوازه إذن؛ لأنه لو لم يعقده مع الحق لم يتمكن من إلزام المشتري عقده =
стр. 848
- وكونُهُ ممن يصحُّ بيعُهُ (١)،
- وكونُهُ مِلْكَهُ، أو مأذونًا له في رهنِهِ (٢)،
- وكونُهُ معلومًا جنسُهُ، وقدرُهُ، وصفتُهُ (٣).
= بعده، وكان الخيرة له، والظاهر أنه لا يبذله فتفوت الوثيقة بالحق).
(١) (الشرط الثالث) أن يكون الراهن ممن يصح بيعه وهو جائز التصرف، وهو الحر البالغ العاقل الرشيد، ويصح الرهن ولو كان من غير مَنْ عليه الدين.
(٢) (الشرط الرابع) أن يكون الراهن مالكاً للرهن ولو لمنافعه بإجارة، أو يملك الانتفاع به بإعارة، وقوله: (أو مأذونا له فيه) لم أرها في الإقناع ولا في المنتهى، ولا أدري على ماذا تحمل، إلا إنهم يذكرون أنه لابد من إذن المؤجر والمعير في الرهن، ولهما الرجوع في إذنٍ قبل إقباضه، وقد يقال: قوله: (كونه ملكه) أي: يشترط أن يكون الراهن مالكًا لعين الرهن، وقوله: (أو مأذونا له في رهنه) أي: أو يكون المالكُ مالكًا لمنافعه كالمستأجر، أو للانتفاع به كالمستعير بإذن المؤجر والمعير، ويؤيده ما في شرح الغاية لهذه العبارة حيث قال: (أو كونه مأذونا له فيه)؛ أي: الرهن؛ بأن استأجر أو استعار دارا مثلا، وأذن المؤجر أو المعير له برهنها، فرهنها؛ صح). (مخالفة الماتن)
(٣) (الشرط الخامس) أن يكون الرهن معلوم الجنس: كدراهم =
стр. 849
وكلُّ ما صحَّ بيعُهُ صحَّ رهنُهُ، إلا المصحفَ (١)، وما لا يصحُّ بيعُهُ لا يصحُّ رهنُهُ، إلا الثَّمرةَ قبلَ بُدُوِّ صلاحِهِا، والزرعَ قبلَ اشتدادِ حبِّهِ (٢)، والقِنَّ دونَ رَحِمِهِ المحْرَمِ (٣).
= مثلا، والقدر: أي عددها كعشرة دراهم، والصفة: كأن تكون صحاحا.
(تتمة) (الشرط السادس) أن يكون الرهن بدين واجب، وهو الذي يثبت في الذمة بوجود سببه ولا يسقط إلا بالإبراء أو الأداء كثمن مبيع وقرض، أو يكون الدين مآله إلى الوجوب كالمغصوب، والعواري، والمقبوض على وجه السوم.
(١) أي: كل ما صح وجاز بيعُه من الأعيان جاز رهنه، ويستثنى من ذلك: المصحف كما في الإقناع والمنتهى فإنه يحرم ولا يصح رهنه ولو لمسلم؛ لأنه وسيلة إلى بيعه وهو محرم.
(٢) أي: وكل ما لا يصح بيعه فلا يصح رهنه كالكلب، ويستثنى من ذلك: أولا: الثمرة قبل بدو صلاحها، والحب قبل اشتداد حبه بدون شرط القطع فإنه يصح رهنهما - مع أنه لا يصح بيعهما - لكن لو احتيج إلى بيعهما فإنه لا يجوز إلا في الحالات المستثناة في باب الأصول وهي التي بشرط القطع، أو مع أصله، أو لمالك الأصل.
(٣) ثانيا: مما يستثنى من عدم جواز رهن ما لا يصح بيعه: القن دون رحمه المحرم، فإنه لا يجوز بيع القن دون محرمه، لكن يصح رهن أحدهما دون الآخر، أما إذا احتيج إلى بيعه فإنه لا يجوز إلا مع محرمه.
стр. 850
ولا يصحُّ رهنُ مالِ اليتيمِ للفاسِقِ (١).
(١) فإذا احتاج ولي اليتيم أن يقترض لموليه، فطلب المقرض رهنا من مال اليتيم وكان فاسقا فلا يصح رهنه ويحرم، لأنه تعريض للهلاك، لأنه قد يجحده الفاسق أو يفرط فيه، فيضيع. والفاسق: هو من اقترف كبيرة أو داوم على صغيرة.
وقد ذكر في الغاية اتجاها: أنه يحرم ولا يصح إن جعل الرهن تحت يد الفاسق. انتهى. ووافقاه، ويفهم منه أنه إن جعل بيد عدل جاز وصح، وصرح به البهوتي في الكشاف فقال: (فإن شرط جعله بيد عدل جاز).
стр. 851
فصلٌ
وللرَّاهنِ الرجوعُ في الرهن مالم يَقبِضْهُ المرتهنُ (١)، فإن قبضَهُ لَزِمَ (٢)، ولم يَصحَّ تصرُّفُهُ فيه بلا إذنِ المرتهنِ، إلا بالعتقِ (٣)،
(١) أي: يجوز للراهن فسخ الرهن ما لم يقبضه المرتهن؛ لأنه لم يلزم، حتى لو أذن الراهن للمرتهن في قبضه فله الرجوع عن الإذن.
(٢) أي: يلزم في حق الراهن بعد قبضه لأن الحظ فيه لغيره فلزم من جهته، كالضمان في حق الضامن، وأما المرتهن فهو جائز في حقه؛ لأن الحظ فيه له وحده فكان له فسخه كالمضمون له كما قال البهوتي في الكشاف.
وإنما يلزم بأمرين: ١ - إذن الراهن في قبضه، ٢ - قبضه من قبل المرتهن، أو وكيله، أو من اتفقا عليه، والقبض له يكون كقبض مبيع، واستدامته شرط للزومه للآية: (فرهان مقبوضة).
(٣) فلا يجوز ولا يصح تصرف الراهن في الرهن بعد قبض المرتهن له، ويستثنى من ذلك: إن تصرف الراهن في الرهن بالعتق، بأن كان عبدا فأعتقه، فإنه يصح مع الإثم.
قال في الإقناع وشرحه: (وتصرف راهن في رهن لازم) أي: مقبوض (بغير إذن مرتهن بما يمنع ابتداء عقده، كهبة ووقف وبيع ورهن ونحوه) كجعله عوضا في صداق أو طلاق (لا يصح)؛ لأنه تصرف يبطل حق المرتهن من الوثيقة، وليس =
стр. 852
وعليه قيمتُهُ تكونُ رهنًا مكانَهُ (١).
وكَسْبُ الرهنِ ونماؤُهُ رهنٌ (٢).
وهو أمانةٌ بيدِ المرتهنِ، لا يضمنُهُ إلا بالتفريط (٣)، ويُقبَلُ
= بمبني على السراية والتغليب، فلم يصح بغير إذن المرتهن كفسخ الرهن (إلا العتق مع تحريمه) لما فيه من إبطال حق المرتهن من الوثيقة (فإنه ينفذ)
(١) أي: يجب على الراهن في حال العتق - مع تحريمه - أن يعطي المرتهنَ قيمةَ العبد وتكون رهنا مكانه.
(تتمة) إذا أذن المرتهن للراهن أن يتصرف في الرهن فحكم التصرف صحيح وجائز، ويصبح الرهن غير لازم كأن يسلم المرتهنُ الراهنَ السيارةَ المرهونة، فللراهن التصرفُ فيها ببيع وغيره.
ثم لا يخلو مما يلي: ١ - إن تصرف بإجارته أو إعارته فلزومه باق. ٢ - إن تصرف بهبته ونحوه صح تصرفه وبطل الرهن. ٣ - إن تصرف ببيعه والدين حال أُخذ ثمنه رهناً، وإن كان مؤجلا؛ فإن شرط عليه أن يجعل ثمنه مكانه لزمه ذلك، وإلا بطل الرهن.
(٢) متصلا كان أو منفصلا، كصوف ولبن وولد وأرش جناية عليه، وهو رهن مع أصله يباع معه في وفاء الدين.
(٣) فلا يضمنه إلا بالتعدي أو التفريط، والتعدي: هو فعل ما لا يجوز مثل أن يؤجر الرهن أو يعيره بدون إذن الراهن، والتفريط: تركُ ما يجب مثل أن يجعل الرهن في غير حرز =
стр. 853
قولُهُ بيمِيِنِه [في تَلَفِهِ] (١)، وأنه لم يُفرِّطْ (٢)، وإن تَلِفَ بعضُ الرهنِ فَبَاقِيهِ رهنٌ بجميعِ الحقِّ (٣)، ولا يَنفكُّ منه شيءٌ حتى يَقضِيَ الدينَ كلَّهُ (٤).
وإذا حّلَّ أجلُ الدينِ، وكانَ الراهنُ قد شَرَطَ للمرتهنِ أنه إن لم يأتِهِ بحقِّهِ عندَ حُلُولِ الأجلِ، وإلا فالرهنُ له، لم يصحَّ الشرطُ (٥)،
= مثله. وفي حالة تعديه أو تفريطه يلزم بالبدل، ولا يبطل الرهن بتفريطه وتعديه.
(١) أي: يقبل قول المرتهن - في التلف - بيمينه إن لم يكن هناك بينة؛ لأنه أمين.
(٢) لكن يستثنون مسألة: وهي ما لو تلف الرهن بأمر ظاهر مثل حريق أو غيره فلا بد له من أن يقيم بينةً ثم يقبل قوله بأن الرهن تلف بهذا الأمر؛ لأنه أمر ظاهر لا يتعذر إقامة البينة عليه.
(٣) أي: إذا تلف بعضُ الرهن جعل باقيه رهنا، كما لو رهن سيارتين مثلا على دين قدره ألف ريال، وتلفت إحداهما، فالسيارة الباقية رهن على الألف ريال؛ لأن الدين كله متعلق بجميع أجزاء الرهن.
(٤) فإذا كان المدين يقضي شيئا فشيئا، لم ينفك الرهن حتى يقضي الدين كله.
فائدة: لا يشترط أن يكون الرهن مساويا لقيمة الدين، فلو كانت قيمته أقلَّ صح ذلك.
(٥) لأن هذا الشرط ينافي مقتضى العقد، وفيه تعليق للبيع فلا يصح الشرط، وعقد الرهن صحيح، قال في الإقناع: (لكن إذا =
стр. 854
بل يلزمُهُ الوفاءُ (١)، أو يأذن للمرتهنِ في بيعِ الرهنِ، أو بيعِهِ هو بنفسِهِ؛ ليوفِّيَهُ حقَّهُ (٢)، فإن أبى حُبِسَ، أو عُزِّرَ (٣)، فإن أَصرَّ باعَهُ الحاكمُ (٤).
= لم يكن الرهن مقبوضا فغير لازم).
(١) بل يلزم الراهن المدين على وفاء دينه.
(٢) أي: إذا لم يوف الراهنُ الدينَ فعليه أن يأذن في بيع الرهن ليستوفي الدين، أو يبيع الراهن الرهن بنفسه ليوفي دينَه.
(٣) فإن أبى المدينُ وفاءَ الدين، أو الإذنَ للمرتهن في بيع الرهن أو بيعه هو بنفسه حبسه الحاكمُ، أو عزره حتى يفعل أحد هذه الأمور.
(٤) أي: فإن أصر على الامتناع، أو كان غائبا مسافة قصر باعه الحاكم ووفى الدينَ، قال ابن النجار في شرح المنتهى: (وظاهر ما تقدم: انه ليس للمرتهن بيعه بغير إذن ربه أو الحاكم، وهو المذهب).
(تتمة) ثم إذا باعه الحاكم فلا يخلو الحال: ١ - أن يكون الثمنُ مساويا للدين فيعطى كله للدائن، ٢ - وإن كان ثمن الرهن أكثر من الدين أعطي الدائن دينه والباقي يُرد للمدين، ٣ - وإن كان ثمن الرهن أقل من الدين أعطي الدائن، والباقي دين في ذمة المدين.
стр. 855
فصلٌ
وللمرتهنِ رُكُوبُ الرهنِ، وحَلْبُهُ بقدرِ نفقتِهِ بلا إذنِ الراهنِ (١)،
(١) هذا القسم الأول في الانتفاع بالرهن: فللمرتهن أن يركب الرهن إذا كان مركوبا -كفرس-، ويحلبه إذا كان محلوبا -كبقرة -بقدر نفقته عليه؛ لحديث: (الرهنُ يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبنُ الدَّرِ يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يأكل ويشرب النفقة) رواه البخاري،، ويجب أن يتحرى في ذلك أن يكون الركوب والحلب بقدر النفقة، ويشترط أن ينوي المنفق الرجوع وإلا لم يكن له ركوبهن ولا حلبهن، قال البهوتي في شرح المنتهى: (ومحله إن أنفق بنية الرجوع، وإلا لم ينتفع به).
قال في الغاية وشرحها: (ويتجه باحتمال) قوي: (ولا يضمن) المرتهنُ تلفَ دابةٍ مرهونةٍ ركبها بنفقتها إذا لم ينهكها بذلك؛ لأنه مأذون فيه شرعا. وهو متجه.) ووافقه الشطي أيضا.
لكن يستثنى من هذا الانتفاع ما إذا كان سبب الدين قرضا فلا يجوز للمرتهن أن يركب ويحلب الرهنَ ولو بقدر نفقته؛ لجره النفع، في الحواشي السابغات: (تنبيه) إن كان سببُ الدين قرضاً، فلا يحل للمرتهن أن يركب أو يحلب مقابل نفقته؛ لأنه يكون قرضاً جر نفعاً، كما في حاشية النجدي على المنتهى أخذاً من عبارة المنتهى، قلت: وفيه نظر. الله أعلم). =
стр. 856
ولو حاضرًا (١)، وله الانتفاعُ به مجانًا بإذنِ الراهنِ (٢)، لكن يصيرُ
= ثم وجدتُه من كلام الشيخ منصور البهوتي ﵀ في حاشية المنتهى، وعبارته: (قوله: (ما لم يكن الدين قرضًا) قاله في المبدع عقب الكلام على أن للمرتهن ركوب المرهون وحلبه، هذا كله إذا كان الدين غير قرض، فإن كان قرضًا لم يجز، نص عليه حذرًا من قرض جر منفعة. انتهى، فصريح هذا مع كلام المؤلف هنا يقتضي: أن قوله: (ما لم يكن الدين قرضًا) قيدٌ في المسألتين).، فلا وجه لقولي في الحواشي السابغات هنا في الطبعة الأولى والثانية والثالثة: (وفيه نظر). والله أعلم.
(تتمة) السيارة لا تلحق بالمركوب ولو مع وضع الزيت والبنزين؛ لأنها لا تحتاج إلى نفقة، بخلاف الحيوان المركوب والمحلوب، قال في الإقناع وشرحه: (ولا يجوز للمرتهن أن يتصرف في) الرهن (غير المركوب والمحلوب فلا ينفق على العبد والأمة ويستخدمها بقدر النفقة) قصرا للنص على مورده).
(١) أي: للمرتهن الركوب والحلب ولو كان الراهن حاضرا يستطيع المرتهنُ استئذانه ولم يفعل.
(٢) هذا القسم الثاني في الانتفاع بالرهن: وهو الانتفاع بغير المركوب والمحلوب، أو بهما لكن يريد الانتفاع بغير الركوب والحلب كالحرث، فيشترط لجواز الانتفاع إذنُ الراهن، سواء مجانا أو بعوض ولو حاباه الراهنُ بالأجرة، لكن ما لم يكن الدين قرضا، فإن كان حرم الانتفاع؛ لجره النفع.
ويجوز للراهن الانتفاع بالرهن بإذن المرتهن.
стр. 857
مضمونًا عليه بالانتفاعِ (١).
ومَؤُنَةُ الرهنِ، وأُجرةُ مَخْزَنِهِ (٢)، وأجرةُ ردِّهِ من إِبَاقِهِ على مالكِهِ (٣).
وإن أَنفقِ المرتهنُ على الرهنِ بلا إذنِ الراهنِ مع قدرتِهِ على استئذانِهِ فمتبرعٌ (٤).
(١) يعني: إذا انتفع المرتهنُ بالرهنِ صار مضمونا عليه؛ لأنه تحول إلى عارية وهي مضمونة مطلقا، وهذا في حالة الانتفاع المجاني، أما لو انتفع بالرهن مقابل أجرة فإن يده تصير يد أمانة، لا يضمن إلا إن تعدى أو فرط.
(٢) أي: مؤنة الرهن من طعام ومسكن وكسوة وكفن إن مات، ومؤنة مخزنه إن كان مخزونا على الراهن؛ لأنه ملك للراهن فكان عليه نفقته.
(٣) أي: وأجرة رده إن كان عبدا وهرب على الراهن.
(٤) هذا في غير المركوب والمحلوب، فإذا أنفق المرتهن على الرهن وأراد الرجوع على الراهن فله أحوال: ١ - أن ينفق على الرهن بلا نية رجوع، أو بنية التبرع فلا يرجع. ٢ - أن ينفق بنية الرجوع فلا يخلو من: أ- إن استأذن الراهنَ فله الرجوع بالنفقة على الراهن. ب- وإن لم يستأذنه مع إمكانه فلا رجوع له عليه. ج- وإن لم يستأذنه لعدم إمكانه فله الرجوع، ولو لم يستأذن الحاكم، والرجوع يكون بالأقل مما أنفقه ونفقة مثله.
стр. 858
فصلٌ
من قبضَ العينَ لحظِّ نفسِهِ (١)،
(١) هذه قاعدة في المذهب - في رد العين لصاحبها - ذكرها ابن رجب وغيره وهي: أنَّ مَنْ قَبَضَ عينَ غيرِه فلا يخلو الحال: الأول: أن يقبضها لحظ نفسه فقط - كالمستعير والغاصب والمرتهن والأجير والمستأجر والمشتري والبائع والملتقط والمضارب - فلا يقبل قوله في رد العين لمالكها إلا ببينة.
والثاني: أن يقبض العين لحظ غيره فقط - كالمودَع والوكيل والوصي والدلال - فلا يخلو الحال فيها: أ- إن كان قبضها بجعل وادَّعى الردَّ فلا يقبل قوله إلا ببينة؛ لأن في قبض كل واحد منهم نفعا لنفسه أشبه المستعير كما في شرح المنتهى، ب- وإن كان قبضها بغير جعل فيقبل قوله بيمينه.
قال ابن النجار في شرح المنتهى: (وجملة الأمناء على ضربين:
أحدهما: من قبض المال لنفع مالكه لا غير؛ كالمودَع والوكيل المتبرع. فيقبل قوله في الرد؛ لأنه لو كلف البينه عليه لامتنع الناس من دخولهم في الأمانات مع الحاجة فيلحقهم الضرر بذلك.
الضرب الثانى: من ينتفع بقبض الأمانة؛ كالوكيل بجُعل والمضارب والمرتهن ونحوهم فلا يقبل قوله في الرد على الأصح، نص عليه الإمام في المضارب في رواية ابن منصور؛ =
стр. 859
كمرتهنٍ (١)، وأجيرٍ (٢)، ومستأجرٍ، ومشترٍ، وبائعٍ، وغاصبٍ، ومُلتقِطٍ، ومُقترِضٍ، ومُضارِبٍ، وادَّعَى الرَّدَّ للمالكِ، فَأَنْكَرَهُ، لم يُقبَلْ قولُهُ إلا ببينةٍ (٣)، وكذا مُودَعٌ (٤)، ووكيلٌ (٥)، ووصيٌ، ودَلَّالُ بجُعْلٍ إذا ادَّعَى الرَّدَّ (٦)، وبلا جُعْلٍ فَيُقبَلُ قولُهُ بيمينِهِ.
= لأن في قبضه نفعاً لنفسه، فلا يقبل قوله في رده؛ كالمستعير).
(١) لأنه قبض الرهن لحظ نفسه وغيره.
(٢) كما لو أعطيت خياطا ثوبك ليخيطه، ثم ادعى الرد لم يقبل قوله إلا ببينة، لكن قيده في المنتهى بالأجير المشترك، فيفهم منه قبول قول الأجير الخاص في الرد، وأطلقه في الإقناع فلم يقيده بالمشترك فلا يقبل قول الأجير الخاص ولا المشترك في الرد، وقال به في الغاية اتجاها قال الشطي: (ومال إليه البهوتي والخلوتي واستظهراه). (مخالفة)
(٣) أي: وادعى كل من تقدم الردَّ لمالكه فأنكر ذلك لم يقبل قوله إلا ببينة.
(٤) بفتح الدال وهو من قبض الوديعة، كما لو أعطيت شخصا وديعة ليحفظها مقابل جُعْل فلا يقبل قوله في ردها إلا ببينة، فإن كان متبرعاً فيقبل بيمينه.
(٥) أي: وكذا الوكيل بجعل إذا ادعى رد المال للموكل لم يقبل إلا ببينة، أما لو كان متبرعا قبل مع اليمين.
(٦) أي: وكذا الدلال - وهو من يدل المشتري على البيع كالسمسار - إذا ادعى ردَّ العين للبائع لم يقبل قوله إلا ببينة إن كان عمله بجعل، وبغير جعل يقبل قوله بيمينه.
стр. 860
باب الضمان (١) والكفالة
يَصِحَّان: تنجيزًا، وتعليقًا (٢)، وتوقيتًا (٣) ممن يصحُّ
(١) لغة: مشتق من الضم أو من التضمن؛ لأن ذمة الضامن تتضمن الحق. وشرعاً: التزام من يصح تبرعه برضاه ما وجب على آخر مع بقائه - يعني: على المضمون عنه - أو ما سيجب غير جزية. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ٧٢﴾ [يوسف، ٧٢]، يعني: ضمين، وفي الحديث: «الزعيم غارم»، رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وحكى ابن المنذر وابن حزم الإجماعَ على جوازه. وصورته: أن يقول الضامنُ للدائن ونحوه: أضمن ما وجب على فلان، أو ما سيقترضه منك فلان - وهذا فيما سيجب في المستقبل -. ويصح بلفظ: ضمين وكفيل وقبيل ونحوها من كل ما يؤدي معنى التزامه ما على غيره.
(٢) أي: يصح أن يكون الضمان منجزا، أي: حالا كأن يقول ضمنت لك دين زيد الواجب عليه الآن، كما يصح أن يكون الضمانُ معلقا، كإذا جاء رأس الشهر فقد ضمنت لك دينَ فلان، والكفالة كالضمان في التنجيز والتعليق.
(٣) أي: يصح توقيت الضمان، ويصح أيضا توقيت الكفالة.
وظاهر كلام الماتن صحة توقيت الضمان، مثل أن يقول: =
стр. 861
تبرُّعُهُ (١).
= ضمنتُ لك ما على عمرو لمدة سنة، وهو وجه في المذهب، ذكره المرداوي في تصحيح الفروع، واستظهر الشيخ منصور في شرح المنتهى أنه لا يصح توقيت الضمان، وعبارته في شرح المنتهى: (وأما توقيت الضمان فالظاهر أنه لا يصح)، وتابعه الخلوتي والنجدي، ونبه على ذلك اللبدي في حاشيته على نيل المآرب، والشيخ سلطان العيد في تحقيقه على الدليل. قال النجدي: (فيطلب الفرق بين الضمان والكفالة مع أنها نوع منه، كما أسلفه الشارح. انتهى. محمد الخلوتي، قد يجاب بأن الضمان أضيق من الكفالة؛ لأنه إذا ضمن الدين، لم يسقط إلا بأداء وإبراء، بخلاف الكفالة بالبدن، فإنها تسقط بهما وبموت المكفول، ولا يلزم من كون شيء نوعا من شيء آخر، مساواة أحدهما للآخر في الحكم، بل قد يختلفان، كما في السلم مع البيع. فتدبر). (خلاف المتأخرين وفرق فقهي)
وأما توقيت الكفالة فصحيح على المذهب كأن يقول: إذا قدم الحاج فأنا كفيل بزيد شهرا.
(١) هذا الشرط الأول لصحة الضمان، وعبر المصنف بكون الضامن ممن يصح تبرعه كتعبير الإقناع والمنتهى حيث قالا (التزام من يصح تبرعه) وهو جائز التصرف وهو: الحر المكلف الرشيد، قال البهوتي في شرح المنتهى: (وهو جائز التصرف فلا يصح من صغير ولا مجنون ولا سفيه; لأنه إيجاب مال بعقد فلم يصح منهم كالشراء). =
стр. 862
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (تتمة) لم يذكر المصنف بقيةَ شروط الضمان وهي: ٢ - رضى الضامن، ٣ - كون الدين المضمون واجباً معلوماً، أو يؤول إليهما؛ فلا يصح ضمنت أحدَ دينيك ٤ - كون العين مضمونة على صاحب اليد، فلا يصح ضمان الأمانات إلا بالتعدي أو التفريط فيها ٥ - ألا يشترط الضامنُ الخيار، وإلا فسد عقد الضمان.
في الحواشي السابغات: (مسألة الضمان بجُعل: المذهب أنه لا يجوز، قال في الإقناع وشرحه في باب القرض - وذكره البهوتي في شرح المنتهى في باب القرض أيضاً -: (لا إن جعل له جُعلا على ضمانه له) فلا يجوز نص عليهما؛ لأنه ضامن، فيلزمه الدين، وإن أداه وجب له على المضمون عنه، فصار كالقرض، فإذا أخذ عوضاً صار القرض جاراً للمنفعة، فلم يجز). وظاهره: يحرم الجعل على الضمان ولو لم يؤد الضامنُ عن المضمون شيئا. والله أعلم.
والله أعلم.
(تتمة) خطاب الضمان الذي يصدره أحد المصارف لمن أراده لا يخلو:
١ - إن كان مغطى ممن يريده، بأن وضع مبلغا من المال في المصرف، وأعطاه المصرفُ خطابَ ضمان، فهذا يشبه الرهن إن أعطاه للمرتهن، وعليه: فيجوز للمصرف أن يأخذ أجرة أو جعلا على حفظه.
٢ - وإن كان غير مغطى فهو ضمان لا يجوز أخذ الجعل عليه. =
стр. 863
ولربِّ الحقِّ مطالبةُ الضامنِ، والمضمون معًا (١)، أو أيِّهِما شاءَ (٢)؛ لكن لو ضَمِنَ دينًا حالًّا إلى أجلٍ معلومٍ؛ صحَّ، ولم يُطالَبِ الضامنَ قبلَ مُضيِّهِ (٣).
ويصحُّ: ضمانُ عُهدةِ الثمنِ، والمثمنِ (٤)، والمقبوضِ على
= (تنبيه): هل تصح الكفالة بجعل؟ قد صرح البهوتي على عدم جوازه، قال في شرح المنتهى في باب القرض: (وله أخذ جعل على اقتراض له بجاهه، لا على كفالته).
(١) أي: لصاحب الدين أن يطالب الضامن والمضمون عنه، حتى لو كان المضمون عنه باذلاً كما في الإقناع؛ لقوله: ﷺ «الزعيم غارم» رواه أبو داود والترمذي وحسنه.
(٢) أي: وللمضمون له أن يطالب من شاء من الضامن أو المضمون، لأن الحق ثابت في ذمتيهما، فلا يبرأ المضمونُ عنه بمجرد الضمان.
(٣) صورة ذلك: أن يضمن دينا حالا على شخص إلى شهر مثلا، أو يكون الدين مؤجلا إلى سنة فيضمنه إلى سنتين، فيصح ذلك، لكن ليس لرب الحق مطالبة الضامن قبل مضي الشهر في المثال الأول، والسنتين في المثال الثاني، قال البهوتي في شرح المنتهى: (فلو كان الدين مؤجلا إلى شهر، وضمنه إلى شهرين لم يُطالب قبل مضيهما).
(٤) العهدة: كتاب الشراء - كما في المطلع -، قال البهوتي في شرح المنتهى: (عهدة المبيع لغة: الصك يكتب فيه الابتياع)، واصطلاحا: عبارة عن الدَّرَك وضمان الثمن. وهذا المعنى هو =
стр. 864
وجِهِ السَّومِ (١)،
= المراد هنا قاله ابن النجار في شرح المنتهى، وضمان العهدة ينقسم إلى قسمين: ١ - ضمان العهدة عن المشتري للبائع: بأن يضمن ضامنٌ - للبائع - الثمنَ الواجبَ على المشتري قبل تسليمه؛ أو يضمن للبائع الثمنَ إن ظهر مستحقا، أو معيبا، ٢ - ضمان العهدة عن البائع للمشتري: بأن يضمن ضامنٌ - للمشتري - الثمنَ الذي أخذه البائع من المشتري إن استُحِق المبيعُ، أو رُدَّ المبيعُ بعيب، فضمان العهدة في الموضعين ضمان الثمن كله أو بعضه عن أحدهما للآخر كما في الإقناع وشرح المنتهى والمعونة، وأما قول المؤلف (ضمان عهدة الثمن والمثمن) ففيه نظر لأن الضمان منصب على الثمن للبائع أو المشتري، وإن كان القياس لا يمنع من ضمان العهدة في المثمن كالثمن. والله أعلم.
(١) ساومه: قال النجدي: (ساومه: أي طلب شراءها أو استئجارها)، وللمسألة ثلاث صور: الأولى: أن يساوم شخص على عين ويقطع ثمنها: مثل أن يقول: تبيعني هذا بخمسة فيقول البائع نعم، ثم يطلب المشتري من البائع أن يأخذ المبيعَ ليريَه أهله، فيشترط البائع ضامنا فيصح الضمان، الثانية: أن يساوم على عين ولا يقطع ثمنها: مثل أن يقول تبيعني هذا، فيقول البائع: نعم، ولا يقطع بثمنه، ثم يطلب من يريد الشراء أن يأخذ المبيع ليريه لأهله إن رضوه وإلا رده فيطلب مالكُها ضامنا فيصح الضمان، والعلة في صحة الضمان هاتين الحالتين: أنها أعيان مضمونة على من هي بيده مطلقا؛ =
стр. 865
والعينِ المضمونةِ كالغصبِ والعاريةِ (١).
ولا يصحُّ: ضمانُ غيرِ المضمونةِ، كالوديعةِ (٢)،
= لأنها مقبوضة على وجه البدل والعوض، فهي كمقبوضة بعقد فاسد. هكذا في الكشاف وشرح المنتهى، وعليه فلو تلفت في تلك المدة فإنها مضمونة على من هي بيده، كمن ساوم سيارة وقطع ثمنها مثلا، فأخذها، فإنها إن تلفت في تلك لمدة فهي من ضمانه مطلقا.
الثالثة: أن يأخذ السلعة ليريها أهله بدون أن يساوم عليها، فهذه الحالة لا يصح فيها ضمان السلعة؛ لأن يده يد أمانة؛ لأنه لا سوم فيها، والأمانات لا يصح ضمانها إلا أن يضمن التعدي فيها.
(١) أي: يصح ضمانُ الأعيان التي هي مضمونة على من هي بيده، كالعين المغصوبة مضمونة مطلقا على الغاصب إذا تلفت سواء فرط أو تعدى أو لا، وكذا العين المستعارة يضمنها قابضها مطلقاً سواءً فرط أو لا، وهذه الأعيان يصح ضمانها.
قال البهوتي في شرح المنتهى: (ومعنى ضمان غصب ونحوه ضمان استنقاذه والتزام تحصيله، أو قيمته عند تلفه) وأصله في الإنصاف.
(٢) أي: لا يصح ضمان الأعيان التي ليست مضمونة على من هي بيده كالوديعة؛ لأنها غير مضمونة على صاحب اليد فكذا ضامنه، أما إن توجه الضمان للتعدي والتفريط فيها صح ذلك؛ لأنها مع التعدي تكون مضمونة كالغصب. وهذا المستثنى الأول مما يصح ضمانه، وهو الأمانات. =
стр. 866
ونحوها (١)، ولا دينِ الكتابةِ (٢)، ولا بعضِ دينٍ لم يُقدَّر (٣).
= ومن هو الأمين؟ في الحواشي السابغات: (وضابط الأمين: كل من قبض عيناً بإذن ربها ولا يختص بنفعها، والعين التي لا يختص الإنسان بنفعها قسمان: ١ - ما يختص المالك بنفعها كالوديعة، ٢ - ما ينتفع بها المالك والقابض، كالعين المستأجرة ينتفع المستأجر باستعمالها والمؤجر بأجرتها. ومفهوم هذا الضابط: أن من قبض عيناً واختص بنفعها، فإنه يكون ضامناً لها مطلقاً فرط أو لم يفرط كالعارية).
(١) كمال الشركة، والمضاربة، والعين المؤجرة، بل يصح ضمان التعدي فيها كما تقدم.
(٢) أي: لا يصح ضمان دين الكتابة؛ وهو الدين الذي يكون على العبد لسيده مقابل تحرير رقبته، فلا يصح أن يشترط السيد على العبد أن يأتيه العبدُ بضامن؛ لأنه عقد غير لازم فلا يؤول إلى الوجوب. وهذا المستثنى الثاني مما يصح ضمانه، وهو دين الكتابة.
(٣) هذا المستثنى الثالث مما يصح ضمانه وهو بعض دين لم يقدر، فلا يصح ضمانه لجهالته حالاً ومآلًا، وكذا لو ضمن أحد دينيه، قال ابن عوض - نقلا عن الصالحي-: (وعلم منه: أنه يصح ضمان معين من الدين كنصفه أو ثلثه ونحوه).
(تتمة) المستثنى الرابع مما يصح ضمانه الجزية، فلا يصح ضمانها عن أهل الكتاب؛ لتفويت المقصود من الصغار والذلة، فلا بد أن يؤديها من هي عليه بنفسه.
стр. 867
وإن قضى الضامنُ ما على المديون، ونوى الرجوعَ عليه، رَجَعَ (١)، ولو لم يأذنْ له المدينُ في الضمانِ والقضاءِ (٢)، وكذا كفيلٌ، وكلُّ من أدَّى عن غيرِه دينًا واجبًا (٣).
(١) أي: إن قضى الضامنُ الدينَ الذي على المدينِ المضمونِ عنه، ونوى الرجوع على المضمون عنه بما دفعه لرب الحق فله الرجوع.
(٢) أي: للضامن أن يرجع على المدينِ ولو لم يأذن له في الضمان والقضاء أو أحدهما؛ لأنه قضاء مبرئ من دين واجب، فكان من ضمان من هو عليه كالحاكم إذا قضاه عنه عند امتناعه. قاله في شرح المنتهى، ولكن يشترط أن ينوي الرجوع، ولها ثلاثة أحوال: ١ - أن ينوي الرجوع فله أن يرجع. ٢ - أن ينوي عدم الرجوع فليس أن يرجع. ٣ - أن يذهل عن نيته فلا ينوي الرجوع ولا عدمه، فهذا ليس له أن يرجع.
(تتمة) إذا رجع الضامن عن المضمون بعد الأداء فإنه يرجع بأقل مما قضاه أو قدر الدين، فإن كان الدين أقل مما قضاه رجع بالدين فقط، وإن كان الذي قضاه أقل من الدين رجع بما قضاه فقط.
(٣) أي: وكذلك الكفيل إذا أدى الدينَ عن المكفول ونوى الرجوعَ فله أن يرجع، وإذا لم ينو الرجوع أو ذهل عنه فليس له الرجوعُ، وكذلك كل من أدى ديناً عن غيره فله الرجوع إن نواه، يستثنى من ذلك: ما يفتقر فيه إلى نية الْمُخْرَجِ عنه كالزكوات والكفارات، فلا يرجع على من أدى عنه ولو نوى =
стр. 868
وإن بَرِئَ المديون بَرِئَ ضامنُهُ، ولا عكسَ (١).
ولو ضمنَ اثنان واحدًا، وقال كلٌّ: ضمنتُ لكَ الدينَ، كان لربِّهِ طَلَبُ كلِّ واحدٍ بالدينِ كلِّهِ (٢)، وإن قالا: ضمنَّا لكَ الدينَ، فبينهما بالحصصِ (٣).
= الرجوع؛ لأنها لا تجزئ عن المؤدى عنه. (فرق فقهي)
(١) أي: إن برئ المديون سواء بالقضاء أو الإبراء برئ ضامنُه؛ لأنه تبع له، بخلاف ما لو أُبرئ الضامن فقط فإن المديون لا يبرأ؛ لعدم تبعيته له.
(٢) هذه المسألة ذكرها في المنتهى في آخر الكفالة، والعلة: لأنهما اشتركا في الالتزام بالدين منفردين، فكان كل منهما ضامنا لجميع الدين.
(٣) أي: وإن قال الضامنان: (ضمنا لك) فإنه يطالب كلٌ منهما بالحصة الذي التزمها إذا عيّنا كالنصف والربع، وإلا فبينهما نصفين. والله أعلم
стр. 869
فصل
والكفالةُ (١): هي أن يلتزمَ بإحضارِ بدنِ من عليه حقٌ ماليٌ إلى ربِّهِ.
ويُعتبَرُ رضى الكفيلِ، لا المكفولِ، ولا المكفولِ له (٢).
(١) لغة: مصدر كفل بمعنى: التزم وتحمل، وكفلت عنه: أي: تحملت، وشرعا عرفها المصنف بقوله: (هي أن يلتزمَ بإحضارِ بدنِ من عليه حقٌ ماليٌ إلى ربِّهِ). والفرق بين الكفالة والضمان أن الضمان يلتزم بإحضار المال الذي على المدين، وأما في الكفالة فيلتزم بإحضار بدن من عليه الدين إلى رب الحق.
قال البهوتي في شرح المنتهى: (والجمهور على جوازها؛ لحديث: (الزعيم غارم) رواه أبو داود والترمذي، وقال في الكشاف: (ولأن الحاجة داعية إلى الاستيثاق بضمان المال أو البدن وضمان المال يمتنع منه كثير من الناس فلو لم تجز الكفالة بالنفس لأدى إلى الحرج، وعدم المعاملات المحتاج إليها).
(٢) أي: لا يشترط رضا المكفول ولا المكفول له بل يشترط رضا الكفيل، وهذا هو الشرط الأول من شروط الكفالة، وبقية الشروط لم يذكرها المصنف، وهي: ٢ - أن يكون الكفيل جائز التصرف. ٣ - العلم بالمكفول فلا تصح كفالة مجهول. ٤ - إذا كانت مؤقتة فلا يصح إلى أجل مجهول، بل لابد أن =
стр. 870
ومتى سلَّمَ الكفيلُ المكفولَ لربِّ الحقِّ بمحَلِّ العقدِ (١)، أو سلَّمَ المكفولُ نفسَهُ (٢)، أو ماتَ بَرِئَ الكفيلُ (٣).
= يكون معلوماً. ٥ - عدم شرط الخيار وإلا فسدت. ٦ - أن يكون الحق الذي على المكفول يمكن استيفاؤه من الكفيل عند عجزه عن إحضار المكفول بأن تكون ببدن من عنده حق مالي، أو عين مضمونة دون الأمانات إلا أن يكفل في التعدي فيها، فلا تصح الكفالة في حد ولا قصاص؛ لأنها - في هاتين - لا يمكن الاستيفاء فيها من الكفيل.
(١) حالات براءة الكفيل: الحالة الأولى: أن يسلم الكفيل المكفول، وذلك بقيود: ١ - أن يكون بمحل العقد، ٢ - أن لا يكون هناك ضرر في قبضه، قال في المعونة: (والضرر مثل: أن تكون حجة الغريم غائبة، او لم يكن يوم مجلس الحكم، أو الدين مؤجل عليه لا يمكنه اقتضاوه منه)، ٣ - أن لا تكون هناك يد حائلة ظالمة بين رب الحق والمكفول، فإن تخلف قيد لم يبرئ الكفيل.
(٢) الحالة الثانية: أن يسلم المكفولُ نفسه في محل التسليم والأجل.
(٣) الحالة الثالثة: إذا مات المكفولُ برئ الكفيلُ، لكن لو مات الكفيلُ فلا تبرأ ذمته، بل تؤخذ من تركته إن تعذر إحضار المكفول من قبل الورثة.
(تتمة) الحالة الرابعة: تلف العين المضمونة التي تكفل ببدن من هي عنده قبل طلب، إذا كان التلف بفعل الله تعالى أما إذا تلفت بفعل آدمي فلا يبرأ.
стр. 871
وإن تَعذَّرَ على الكفيلِ إحضارُ المكفولِ، ضمنَ جميعَ ما عليه (١).
ومن كفلَهُ اثنان فسلَّمَهُ أحدُهُمَا، لم يَبرأْ الآخرُ (٢)، وإن سلمَ نفسَهُ بَرِئَا (٣).
(١) أي: إذا تعذر على الكفيل إحضار المكفول مع بقاء المكفول بأن توارى أو غاب عن البلد ومضى زمن يمكن كفيلا رد المكفول فيه، فإنه يضمن ما عليه من حق مالا أو عوض عين، لكن هذا مقيد في المذهب بما إذا لم يشترط الكفيلُ البراءةَ من المال إذا تعذر عليه إحضاره، فلا يلزمه الحق لحديث: (المسلمون على شروطهم). قال في الإقناع وشرحه: (إلا إذا شرط) الكفيل (البراءة منه) أي: من الدين فلا يلزمه، عملا بشرطه؛ لأنه إنما التزم الكفالة على هذا الشرط فلا يلزمه سوى ما اقتضاه التزامه، (وكذا عوض العين المكفول بها) يلزم الكفيل إذا تعذر عليه إحضار المكفول به ليسلمها (إذا لم يشرط) الكفيل (أن لا مال عليه بتلفها) أي: بسبب تعذر ردها).
(٢) وثمرة ذلك: أنه إذا هرب بعد ما سلمه الأول فلرب الحق أن يطالب الكفيلَ الثاني.
(٣) لأن المكفول أصل لهما فيبرءان ببراءته. قاله الفتوحي في شرح المنتهى.
стр. 872
بابُ الحَوَالةِ (١)
وشُروطُهَا خمسةٌ (٢):
أحدُهَا: اتفاقُ الدَّينَيْن في الجنسِ، والصفةِ، والحلولِ، والأجلِ (٣).
(١) الحوالة: مشتقة من التحول، وشرعاً: انتقال حق من ذمة إلى ذمة أخرى، والأصل فيها حديث: «وإذا أتبع أحدكم على مليٍّ فَلْيتَّبِع»، متفق عليه، قال في الإقناع وشرحه: (وهي عقد إرفاق) منفرد بنفسه ليس محولا على غيره (لا خيار فيه وليست) الحوالة (بيعا)؛ لأنها لو كانت بيعا لكانت بيع دين بدين ولما جاز التفرق قبل القبض … وليست أيضا في معنى البيع؛ لعدم العين فيها (بل) الحوالة (تنقل المال) المحال به (من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه) … وتلزم بمجرد العقد) انتهى.
(وتصح (بلفظها) أي الحوالة، كأحلتك بدينك، (أو بمعناها الخاص) بها، كأتبعتك بدينك على زيد، ونحوه) انتهى من المنتهى وشرحه.
(٢) أي: شروط صحة الحوالة خمسة.
(٣) (الشرط الأول) اتفاق الدين المحال به والمحال عليه في الجنس كريالات على ريالات ودراهم على دراهم، والصفة =
стр. 873
الثَّاني: علمُ قدرِ كلٍّ من الدَّينَين (١).
الثَّالثُ: استقرارُ المالِ المحالِ عليه، لا المحالُ به (٢).
= فلا يصح صحيحة على مكسرة، والحلول بأن يكون كلا الدينين حالين؛ فلا يصح إن كان أحدهما حالا والآخر مؤجلا، والأجل بأن يكون كلاهما مؤجلين أجلا واحدا فلا يصح إن كان أحدهما مؤجلا إلى ربيع الأول والآخر إلى ربيع الثاني مثلا، والعلة: أنها إرفاق، فلو جوزت مع الاختلاف لكان المطلوب منها الفضل فتخرج عن موضوعها.
(١) (الشرط الثاني) علم قدر كل من الدينين، فلا يصح بمجهول على معلوم أو بالعكس، كما يشترط اتفاق قدرهما، فلا يصح بخمسة على عشرة ولا عشرة على خمسة، ويصح أن يحيل بخمسة من عشرة على خمسة، أو بخمسة على خمسة من عشرة، ولا يشترط اتفاق سبب الدينين.
(٢) (الشرط الثالث) استقرار المال المحال عليه، لا المحال به، والمراد به: الدين المحال عليه، في الحواشي السابغات: (والدين المستقر - وهو الدين الواجب -: هو الدين الذي يثبت في الذمة بمجرد وجود سببه، ولا يسقط إلا بالإبراء أو الأداء كثمن المبيع وقيمة المتلف. أما الديون غير المستقرة كالمسلَم فيه، والأجرةِ قبل مضي مدة الإجارة، والصداق قبل الدخول - لأن نصفه عرضة للسقوط بالطلاق - فلا تصح الحوالة عليها. ولا يشترط استقرار الدين المحال به، فتصح الحوالة بدين غير مستقر على دين مستقر). والعلة في اشتراط =
стр. 874
الرَّابعُ: كونُهُ يصحُّ السَّلمُ فيه (١).
الخَّامسُ: رضى المحيلِ لا المحتالِ، إنْ كانَ المحالُ عليه مَلِيئًا (٢)، وهو مَنْ له القدرةُ على الوفاءِ، وليس مُمَاطِلًا، ويُمْكنُ
= هذا الشرط: أن غير المستقر عرضة للسقوط ومقتضى الحوالة إلزام المحال عليه بالدين مطلقا.
(تنبيه) عبارة الماتن قريبة من عبارة المنتهى، ومثله في الغاية، وأما في الإقناع والمقنع فقالا: (أن يحيل على دين مستقر في ذمة المحال عليه)، فقولهما: (على دين) يخرج ما لو أحال على غير دين، كعلى عين من وديعة أو مضاربة فإنها لا تصح؛ لأنه لم يحل على دين قاله في الكشاف. (مخالفة الماتن)
(١) (الشرط الرابع) كون المحال به مما يصح السلم فيه من مثلي كمكيل وموزون، ومن غير مثلي كمذروع ومعدود مما ينضبط بالصفة، فلا تصح على ما لا يصح السلم فيه ممنا لا ينضبط بالصفة كالجواهر.
(٢) (الشرط الخامس) رضا المحيل، قال في المبدع: (بغير خلاف)، ولا يشترط رضا المحتال إذا أحيل على مليء، أما إن أحيل على غير مليء فيشترط رضاه؛ لأن النبي ﷺ قال: «وإذا أتبع أحدكم على ملي فليتبع»، متفق عليه، فيجب عليه أن يتحول ويجبر، فإن امتنع أجبره الحاكم، والمليء: هو القادر بماله وقوله وبدنه، أما القدرة بالمال: فعرفها المصنف بقوله (من له القدرة على الوفاء)، وأما القادر بالقول فعرفه: (بأن لا يكون مماطلاً)، وأما القادر بالبدن: فعرفه: (بأن =
стр. 875
حضورُهُ لمجلسِ الحكمِ (١).
= يمكن حضوره إلى مجلس الحكم).
(تتمة) إن أُحيل على مَنْ ظنه مليئاً أو جهله فبان مفلساً، فلا يخلو: ١ - إن كان اشترط الملاءة في المحال عليه صح شرطه ويرجع على المحيل، وينبغي للمحتال أن يحتاط لنفسه ويشترط الملاءة لكي يعود على المحيل إن لم يستطع أخذ دينه من المحال عليه، قال البهوتي في شرح المنتهى: (ويؤخذ منه: صحة هذا الشرط لما فيه من المصلحة) ٢ - وإن لم يشترط الملاءةَ ورضي بالحوالة ابتداءً على مَنْ ظنه مليئاً، أو جهله فبان مفلساً، فليس له الرجوع.
(١) أي: يمكن إحضار المحال عليه لمجلس الحكم، ويذكرون للذين لا يمكن إحضارهم إلى مجلس الحكم أربع صور: ١ - أن يحيل شخص على والد المحال، فلا يلزم المحتال أن يرجع على أبيه (المحال عليه)، لأنه ليس للابن أن يطالب أبيه بدينه. ٢ - أن يحيل على شخص غير موجود في البلد، فلا يلزمه أن يحتال عليه. ٣ - أن يحيل على ذي سلطان كأمير مما لا يمكن إحضاره إلى مجلس الحكم، ذكرها الشيخ منصور في الكشاف وفي الغاية اتجاها. ٤ - أن يحيل الابن على أبيه، فلا يلزمه أن يحتال؛ لأنه ليس للولد أن يطالب أبيه بغير النفقة الواجبة، وتختلف عن الصورة الأولى بأنه هنا هو المحيل الذي صدرت منه الحوالة، بخلاف المسألة الأولى فهو المحتال والحوالة صدرت من شخص آخر.
قال في الإقناع وشرحه تفريعا على القادر بالبدن: (فلا يلزم) =
стр. 876
فمتى توفَّرتِ الشُّروطُ بَرِئَ المحيلُ من المُدَيَّنِ بمجردِ الحِوالةِ، أَفلَسَ المحالُ عليه بعدَ ذلك، أو ماتَ (١)، ومتى لم تتوفَّرِ الشُّرُوطُ، لم تصحَّ: الحوالةُ، وإنما تكونُ وَكالةً (٢).
= رب الدين (أن يحتال على والده)؛ لأنه لا يمكنه إحضاره إلى مجلس الحكم (ولا) يلزم أن يحتال (على من هو في غير بلده)؛ لعدم قدرته على إحضاره مجلس الحكم وقياسه: الحوالة على ذي سلطان لا يمكنه إحضاره مجلس الحكم (ولا يصح أن يحيل) رب الدين (على أبيه)؛ لأن المحيل لا يملك مطالبةَ المحال عليه فَفَرْعُه كذلك).
(١) أي: متى توفرت هذه الشروط الخمسة، فإن المحيل يبرأ من الدين بمجرد الحوالة، ويلزم المحتال أن يحتال للحديث المتقدم، وسواء أفلس المحالُ عليه، أو مات - خلف تركة أو لا - فإن ذلك لا يبطل الحوالة.
قال في المنتهى وشرحه: (ومتى صحت) الحوالة باجتماع شروطها (فرضيا) أي المحتال والمحتال عليه (ب) دفع (خير منه) أي المحال به في الصفة (أو) رضيا (ب) أخذ (دونه) في الصفة أو القدر (أو) رضيا ب (تعجيله) أي المؤجل (أو) رضيا ب (تأجيله) وهو حال جاز (أو) رضيا ب (عوضه جاز) ذلك; لأن الحق لهما، لكن إن جرى بين العوضين ربا نسيئة بأن عوضه عن موزون موزونا أو عن مكيل مكيلا اشترط القبض بمجلس التعويض).
(٢) أي: متى تخلف شرط من شروط صحة الحوالة لم تصح =
стр. 877
بَابُ الصُّلْحِ (١)
= الحوالة وتكون وكالة، ثم لا يخلو الحال من أمرين: الأول: إن أحال مَنْ لا دين عليه على مَنْ له عليه دين فيكون وكالة في طلبه وقبضه، قال في الإقناع وشرحه: (فإن أحال من لا دين عليه شخصا على من له عليه دين فهي وكالة) جرت (بلفظ الحوالة) .... (تثبت فيها أحكامها) أي: أحكام الوكالة من عزل الوكيل بموت الموكل وعزله ونحوه) الثاني: أن يحيل من له دين عليه على من لا دين عليه فهي وكالة في الاقتراض وليس حوالة.
(١) الصلحُ لغة: التوفيق والسِّلم، وشرعاً: معاقدة يتوصل بها إلى موافقة بين مختلفين. والصلح جائز بالكتاب والسنة والإجماع، فالدليل من الكتاب قوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ [النساء، ١٢٨]، ومن السنة، قوله ﷺ : «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً، أو أحل حراماً»، رواه أبو داود والترمذي، وحكي الإجماع على جواز الصلح. وللصلح خمسة أنواع: ١ - الصلح بين المسلمِين وأهل حرب. ٢ - الصلح بين أهل العدل وأهل البغي. ٣ - الصلح بين زوجينِ خيف شقاق بينهما، أو خافت الزوجةُ إعراضَ الزوج عنها. ٤ - الصلح بين متخاصمين في =
стр. 878
يَصِحُّ مِمَّنْ يصحُّ تبرُّعُهُ (١) معَ الإقرارِ والإنكارِ (٢).
فإذا أقرَّ للمُدَّعِي (٣) بدينٍ، أو عينٍ (٤)، ثمَّ صَالحَهُ على
= غير المال. ٥ - الصلح بين متخاصمين في المال، وهو الذي اقتصر عليه المؤلف هنا، وهو المقصود بباب الصلح في كتب الفقه.
(١) هذا (الشرط الأول) من شروط الصلح: أن يكون الصلح ممن يصح تبرعه، وهو: العاقل البالغ الحر الرشيد المالك لما يصالح به أو عنه، فلا يصح ممن لا يصح تبرعه كمكاتب، وقن مأذون له في تجارة، وولي الصغير والسفيه، وهو شرط في المقِر والمقَر له، وفي صلح الإقرار والإنكار.
(٢) أي: يصح الصلح مع الإقرار بالحق، كما يصح مع إنكاره، ويأتي تفصيل كل قسم من أقسام الصلح.
(٣) هذا (القسم الأول) من قسمي الصلح: الصلح على الإقرار، وهو نوعان:
أحدهما: الصلح على جنس الحق، وهو الذي ذكره المصنف بقوله: (فإذا أقر للمدعي بدين … إلخ)، وصورته: أن يدعي شخصٌ على آخر ديناً أو عيناً في يده كسيارة، فيقر المدعى عليه، ثم يتصالحان على جزءٍ من الدين، أو جزءٍ من العين لأحدهما والباقي للآخر.
(٤) كأن يدعي شخص عليه مائة ألف ريال فيقر المدعى عليه، فيتصالحان على خمسين ألف ريال مثلاً يدفعها المدعى عليه للمدعي، أو يدعي عليه أرضاً مساحتها ألف متر مربع، =
стр. 879
بعضِ الدينِ (١)، أو بعضِ العينِ المُدَّعَاةِ (٢)؛ فهوَ هبةٌ (٣)، يصحُّ بلفظِهَا، لا بلفظِ الصُّلحِ (٤).
= فيصالحه على ثمان مئة متر مربع مثلاً تكون للمدعي ومائتا متر للمدعى عليه.
(١) أي: ثم يصالح المدعي المدعى عليه على بعض الدين، فيضع المدعي المقَرُّ له عن المقِّرِّ بعضَ الدين، فلا يطالبه إلا ببعض الدين الذي أقر له به كخمسين ألف ريال بدل المائة ألف كما تقدم.
(٢) أي: أو يصالح المدعي المدعى عليه على بعض العين، فيهب المدعي المقرُّ له للمقِرِّ بعضَ العين، فلا يطالبه إلا بمائتي متر من الأرض التي أقر بها كما تقدم.
(٣) أي: يكون ذلك هبة؛ يصح لفظها؛ لأن الإنسان لا يمنع من إسقاط بعض حقه، أو هبته.
(٤) (الشرط الثاني) من شروط هذا النوع من الصلح على الإقرار: أن لا يكون بلفظ الصلح، بل بلفظ الهبة، مثل أن يقول: وهبتك بعضَ الدين، أو بعضَ العين؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يصالح نفسه، أي: بما هو حق له.
(تتمة) (الشرط الثالث) أن يكون الصلح بلا شرط من المُقَرِّ له، فلا يصح أن يقول له: أبرأتك أو وهبتك بشرط أن تعطيني الباقي؛ لأنها هبة معلقة على شرط مستقبل فلم تصح كالبيع. كما يشترط: ألا يكون بشرط من المقِر المدعى عليه بأن يقول للمدعِي: لا أقر لك بحقك إلا إذا أعفيتني منه قدر الثلث؛ =
стр. 880
وإنْ صَالَحَهُ على عينٍ غيرِ المُدَّعَاةِ (١)؛ فهو بيعٌ (٢)، يصحُّ بلفظِ الصُّلحِ (٣)، وتَثْبُتُ فيه أحكامُ البيعِ (٤).
فلو صَالَحَهُ عن الدينِ بعيْنٍ، واتَّفَقَا في عِلَّةِ على الرِّبَا؛ اِشْتُرِطَ قَبْضُ العِوَضِ في المجلسِ (٥)، وبشيءٍ في الذمةِ يَبْطُلُ
= لأنه حينئذ من أكل أموال الناس بالباطل.
(١) هذا (النوع الثاني) من صلح الإقرار: الصلح على غير جنس الحق: أي: على غير جنس المدعى به، كأن يدعي على شخص مائة ألف ريال فيقر، ويعرض المدعى عليه على المدعي أن يعطيه بدل ذلك بيتا أو منفعة معينة لمدة سنة، ومثله لو أقر له بسيارة ثم صالحه عنها بأرض مثلاً.
(٢) أي: إن صالحه على غير العين المدعاة كبيت عن أرض، أو صالحه عنها بنقد أو عكسه فهو بيع، أما إن صالحه بأثمان عن أثمان فهو صرف، وبمنفعة عن نقد فإجارة.
(٣) فلا يصح بلفظ الهبة لأنها معاوضة، ولا تصح المعاوضة عن شيء ببعضه.
(٤) من العلم به والقدرة على تسليمه وسائر أحكام البيع المتقدمة.
(٥) أي: إن صالح المدعي المدعى عليه عن الدين بعين من غير جنسه واتفقا في علة الربا اشترط القبض في المجلس؛ كأن يقر له بخمسين دينار ثم يصالحه عنها بألف درهم معينة يقبضها في مجلس الصلح وإلا فلا يصح، وكذلك لو أقر له بمائة صاع شعير ثم صالحه عنها بخمسين صاع قمح معينة، فلابد من قبض العوض في المجلس، فإن تفرقا قبل القبض لم يصح
следующие страницы →