← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30004

فيض الجليل على متن الدليل

أحمد بن ناصر القعيمي

Полный текст (2 012 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فمتى توفَّرتِ الشُّروطُ بَرِئَ المحيلُ من المُدَيَّنِ بمجردِ الحِوالةِ، أَفلَسَ المحالُ عليه بعدَ ذلك، أو ماتَ (١)، ومتى لم تتوفَّرِ الشُّرُوطُ، لم تصحَّ: الحوالةُ، وإنما تكونُ وَكالةً (٢). = رب الدين (أن يحتال على والده)؛ لأنه لا يمكنه إحضاره إلى مجلس الحكم (ولا) يلزم أن يحتال (على من هو في غير بلده)؛ لعدم قدرته على إحضاره مجلس الحكم وقياسه: الحوالة على ذي سلطان لا يمكنه إحضاره مجلس الحكم (ولا يصح أن يحيل) رب الدين (على أبيه)؛ لأن المحيل لا يملك مطالبةَ المحال عليه فَفَرْعُه كذلك). (١) أي: متى توفرت هذه الشروط الخمسة، فإن المحيل يبرأ من الدين بمجرد الحوالة، ويلزم المحتال أن يحتال للحديث المتقدم، وسواء أفلس المحالُ عليه، أو مات - خلف تركة أو لا - فإن ذلك لا يبطل الحوالة. قال في المنتهى وشرحه: (ومتى صحت) الحوالة باجتماع شروطها (فرضيا) أي المحتال والمحتال عليه (ب) دفع (خير منه) أي المحال به في الصفة (أو) رضيا (ب) أخذ (دونه) في الصفة أو القدر (أو) رضيا ب (تعجيله) أي المؤجل (أو) رضيا ب (تأجيله) وهو حال جاز (أو) رضيا ب (عوضه جاز) ذلك; لأن الحق لهما، لكن إن جرى بين العوضين ربا نسيئة بأن عوضه عن موزون موزونا أو عن مكيل مكيلا اشترط القبض بمجلس التعويض). (٢) أي: متى تخلف شرط من شروط صحة الحوالة لم تصح =

стр. 877

بَابُ الصُّلْحِ (١) = الحوالة وتكون وكالة، ثم لا يخلو الحال من أمرين: الأول: إن أحال مَنْ لا دين عليه على مَنْ له عليه دين فيكون وكالة في طلبه وقبضه، قال في الإقناع وشرحه: (فإن أحال من لا دين عليه شخصا على من له عليه دين فهي وكالة) جرت (بلفظ الحوالة) .... (تثبت فيها أحكامها) أي: أحكام الوكالة من عزل الوكيل بموت الموكل وعزله ونحوه) الثاني: أن يحيل من له دين عليه على من لا دين عليه فهي وكالة في الاقتراض وليس حوالة. (١) الصلحُ لغة: التوفيق والسِّلم، وشرعاً: معاقدة يتوصل بها إلى موافقة بين مختلفين. والصلح جائز بالكتاب والسنة والإجماع، فالدليل من الكتاب قوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ [النساء، ١٢٨]، ومن السنة، قوله ﷺ : «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً، أو أحل حراماً»، رواه أبو داود والترمذي، وحكي الإجماع على جواز الصلح. وللصلح خمسة أنواع: ١ - الصلح بين المسلمِين وأهل حرب. ٢ - الصلح بين أهل العدل وأهل البغي. ٣ - الصلح بين زوجينِ خيف شقاق بينهما، أو خافت الزوجةُ إعراضَ الزوج عنها. ٤ - الصلح بين متخاصمين في =

стр. 878

يَصِحُّ مِمَّنْ يصحُّ تبرُّعُهُ (١) معَ الإقرارِ والإنكارِ (٢). فإذا أقرَّ للمُدَّعِي (٣) بدينٍ، أو عينٍ (٤)، ثمَّ صَالحَهُ على = غير المال. ٥ - الصلح بين متخاصمين في المال، وهو الذي اقتصر عليه المؤلف هنا، وهو المقصود بباب الصلح في كتب الفقه. (١) هذا (الشرط الأول) من شروط الصلح: أن يكون الصلح ممن يصح تبرعه، وهو: العاقل البالغ الحر الرشيد المالك لما يصالح به أو عنه، فلا يصح ممن لا يصح تبرعه كمكاتب، وقن مأذون له في تجارة، وولي الصغير والسفيه، وهو شرط في المقِر والمقَر له، وفي صلح الإقرار والإنكار. (٢) أي: يصح الصلح مع الإقرار بالحق، كما يصح مع إنكاره، ويأتي تفصيل كل قسم من أقسام الصلح. (٣) هذا (القسم الأول) من قسمي الصلح: الصلح على الإقرار، وهو نوعان: أحدهما: الصلح على جنس الحق، وهو الذي ذكره المصنف بقوله: (فإذا أقر للمدعي بدين … إلخ)، وصورته: أن يدعي شخصٌ على آخر ديناً أو عيناً في يده كسيارة، فيقر المدعى عليه، ثم يتصالحان على جزءٍ من الدين، أو جزءٍ من العين لأحدهما والباقي للآخر. (٤) كأن يدعي شخص عليه مائة ألف ريال فيقر المدعى عليه، فيتصالحان على خمسين ألف ريال مثلاً يدفعها المدعى عليه للمدعي، أو يدعي عليه أرضاً مساحتها ألف متر مربع، =

стр. 879

بعضِ الدينِ (١)، أو بعضِ العينِ المُدَّعَاةِ (٢)؛ فهوَ هبةٌ (٣)، يصحُّ بلفظِهَا، لا بلفظِ الصُّلحِ (٤). = فيصالحه على ثمان مئة متر مربع مثلاً تكون للمدعي ومائتا متر للمدعى عليه. (١) أي: ثم يصالح المدعي المدعى عليه على بعض الدين، فيضع المدعي المقَرُّ له عن المقِّرِّ بعضَ الدين، فلا يطالبه إلا ببعض الدين الذي أقر له به كخمسين ألف ريال بدل المائة ألف كما تقدم. (٢) أي: أو يصالح المدعي المدعى عليه على بعض العين، فيهب المدعي المقرُّ له للمقِرِّ بعضَ العين، فلا يطالبه إلا بمائتي متر من الأرض التي أقر بها كما تقدم. (٣) أي: يكون ذلك هبة؛ يصح لفظها؛ لأن الإنسان لا يمنع من إسقاط بعض حقه، أو هبته. (٤) (الشرط الثاني) من شروط هذا النوع من الصلح على الإقرار: أن لا يكون بلفظ الصلح، بل بلفظ الهبة، مثل أن يقول: وهبتك بعضَ الدين، أو بعضَ العين؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يصالح نفسه، أي: بما هو حق له. (تتمة) (الشرط الثالث) أن يكون الصلح بلا شرط من المُقَرِّ له، فلا يصح أن يقول له: أبرأتك أو وهبتك بشرط أن تعطيني الباقي؛ لأنها هبة معلقة على شرط مستقبل فلم تصح كالبيع. كما يشترط: ألا يكون بشرط من المقِر المدعى عليه بأن يقول للمدعِي: لا أقر لك بحقك إلا إذا أعفيتني منه قدر الثلث؛ =

стр. 880

وإنْ صَالَحَهُ على عينٍ غيرِ المُدَّعَاةِ (١)؛ فهو بيعٌ (٢)، يصحُّ بلفظِ الصُّلحِ (٣)، وتَثْبُتُ فيه أحكامُ البيعِ (٤). فلو صَالَحَهُ عن الدينِ بعيْنٍ، واتَّفَقَا في عِلَّةِ على الرِّبَا؛ اِشْتُرِطَ قَبْضُ العِوَضِ في المجلسِ (٥)، وبشيءٍ في الذمةِ يَبْطُلُ = لأنه حينئذ من أكل أموال الناس بالباطل. (١) هذا (النوع الثاني) من صلح الإقرار: الصلح على غير جنس الحق: أي: على غير جنس المدعى به، كأن يدعي على شخص مائة ألف ريال فيقر، ويعرض المدعى عليه على المدعي أن يعطيه بدل ذلك بيتا أو منفعة معينة لمدة سنة، ومثله لو أقر له بسيارة ثم صالحه عنها بأرض مثلاً. (٢) أي: إن صالحه على غير العين المدعاة كبيت عن أرض، أو صالحه عنها بنقد أو عكسه فهو بيع، أما إن صالحه بأثمان عن أثمان فهو صرف، وبمنفعة عن نقد فإجارة. (٣) فلا يصح بلفظ الهبة لأنها معاوضة، ولا تصح المعاوضة عن شيء ببعضه. (٤) من العلم به والقدرة على تسليمه وسائر أحكام البيع المتقدمة. (٥) أي: إن صالح المدعي المدعى عليه عن الدين بعين من غير جنسه واتفقا في علة الربا اشترط القبض في المجلس؛ كأن يقر له بخمسين دينار ثم يصالحه عنها بألف درهم معينة يقبضها في مجلس الصلح وإلا فلا يصح، وكذلك لو أقر له بمائة صاع شعير ثم صالحه عنها بخمسين صاع قمح معينة، فلابد من قبض العوض في المجلس، فإن تفرقا قبل القبض لم يصح

стр. 881

بالتَّفَرُّقِ قبلَ القبضِ (١). وإنْ صَالحَ عن عيبٍ في المبيعِ صحَّ (٢)، فلو زالَ العيبُ سريعًا (٣)، أو لم يكنْ، رَجَعَ بما دَفَعَه (٤). ويصحُّ الصُّلحُ عمَّا تَعذَّرَ علمُهُ من دينٍ، أو عينٍ (٥)، (١) أي: وإن لم يتفقا في علة الربا فلا يخلو مما يلي: ١ - أن يصالحه عن النقد بعين معينة في العقد، فيصح التفرق قبل القبض، كما لو صالحه عن خمسين دينار بعشرة آصع من البر معينة. ٢ - أن يصالحه بشيء في ذمته - وهو كل مالم يعين في العقد - بطل الصلح بالتفرق قبل القبض، كما لو صالحه عن خمسين دينار بخمسين صاعًا من البر في ذمته ويتفرقان قبل قبض الخمسين صاعا من البر؛ لأنه يكون بيع دين بدين فلا يصح، وهو المراد بقول الماتن: (وبشيء في الذمة يبطل بالتفرق قبل القبض) (٢) أي: إن ظهر في المبيع عيبٌ فصالحه عنه بنقد أو عين أو منفعة صح ذلك؛ لأن المذهب يخير مَنْ وجد في المبيع عيبا بين الفسخ أو الأرش مع الإمساك. (٣) أي: فإن زال العيبُ سريعا بلا كلفة ولا تعطيل نفعٍ على المشتري كمريض عوفي وأمة مزوجة أبينت، رجع الدافع بما دفعه على المدفوع له. (٤) أي: أو ظنوا عيبا ولم يكن ثمة شيء كانتفاخ بطن أمة ظنوا حملَها فاتضح عدمه، فيرجع الدافع بما دفع لعدم الاستحقاق. (٥) أي: يصح الصلح عما تعذر علمه من دين بشيء معلوم ولا =

стр. 882

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يصح بمجهول، كما لو كان أحدُهما مدينا لآخر بمبلغ من النقود يجهلانه أو من عليه الحق فقط، فيصح أن يتصالحا على مبلغ معين من النقود، ويصح الصلح أيضا عما تعذر علمه من عين بشيء معلوم ولا يصح بمجهول، ومَثَّلَ له الشيخُ البهوتي في شرح المنتهى: (كقفيز حنطة وقفيز شعير اختلطا وطُحنا)؛ لقوله ﵊ لرجلين اختصما في مواريث درست بينهما: (استهما وتواخيا الحق وليحلل أحدُكُما صاحبَه) رواه أحمد وأبو داود، والتصالح عن الأمر الذي يتعذر علمُه يصح بشيء حال أو نسيئة، وهو الموضع الأول الذي يصح فيه الصلح بدين غير مقبوض كما ذكره الشيخ عثمان النجدي. وقول المصنف: (ويصح الصلح عما تعذر … ) يفهم منه: أنه إذا أمكن العلمُ بالدين أو العين لم يصح الصلح، كتركة موجودة تصالح بعضُ الورثة على جزءٍ منها فلا يصح ذلك؛ لأنه يمكن العلم بالمجهول بقسمتها وليس هناك حاجة إلى الصلح وهو ما ذهب إليه صاحب الإقناع، وهذا الذي عليه ظاهر نصوص الإمام أحمد وقطع به الشيخان -الموفق والمجد-، والشارح، وظاهر كلامه في الإنصاف، وذهب صاحب المنتهى إلى صحة الصلح عن المجهول من الدين أو العين اللذين لا يتعذر العلم بهما؛ قال في شرح المنتهى - معللا للصحة -: (لقطع النزاع)، وهو الذي قدمه في الفروع والمبدع، وهو أيضا قول صاحب التنقيح والغاية. وهو المذهب. (مخالفة الماتن)

стр. 883

وأَقِرَّ لي بديني وأُعْطِيكَ منه كذا، فَأَقَرَّ، لَزِمَهُ الدينُ (١)، ولم يَلْزَمْهُ أنْ يُعْطِيَهُ (٢). (١) أي: إن قال المدعي لغريمه أقر لي بديني وأعطيك نصفه مثلا فأقر له بدينه لزم المقر ذلك الدين؛ لأنه يجب عليه أن يقر بدينه. (٢) أي: ولا يلزم المقر له أن يعطي المقر ما وعده؛ لعدم وجوبه عليه، ولأنه لا يباح أخذ العوض عما يجب على المقر أن يفعله فلم يصح الصلح.

стр. 884

فَصْلٌ وإذَا أَنْكَرَ دَعَوى المُدَّعِي (١)، أو سكتَ وهو يَجْهَلُه (٢)، ثمّ صالَحَه، صحَّ الصُّلحُ (٣)، وكانَ إبراءً فِي حَقِّه (٤)، وبيعًا في حقِّ المدَّعِي (٥). (١) (القسم الثاني) الصلحُ على الإنكارِ، وهو يشبه الصلحَ على الإقرارِ إلا أن المدعَى عليه يُنْكِر ما يدعيه خصمُه أو يسكت، لكنه يصالحه إبراءً لذمته، وتنزهاً عن مجالس القضاء (٢) كأن يدعي عليه بسيارة مثلا فينكر المدعى عليه دعواه، أو يسكت فلا يتلفظ بإقرار ولا إنكار وهو يجهل ما ادُّعي به عليه، ثم يصالحه على عشرة آلاف حالة أو نسيئة، وهذا الموضع الثاني الذي يصح فيه الصلح عن دين بدين غير مقبوض. (٣) لعموم قوله ﷺ : «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً، أو أحل حراماً»، سواء كان الصلح بجنس ما يدعيه أو غير جنسه، وهنا يصح بلفظ الصلح حتى لو كان على العين المدعاة، بخلاف الصلح على الإقرار فلا يصح بلفظ الصلح على العين المدعاة. (فرق فقهي) (٤) أي: كان ما دفعه إبراء في حق المدعى عليه - المنكر -؛ لأنه دفع العوض ليس في مقابلة حق عليه، وإنما لدفع الخصومة عن نفسه، فليس له الرد بالعيب ولا الشفعة فيه. (٥) أي: ويكون هذا الصلح بيعا في حق المدعي، ويترتب على =

стр. 885

ومَنْ علمَ بكذبِ نفسِهِ فالصُّلحُ باطلٌ في حقِّه (١)، وما أخذَ = ذلك مسائل: ١ - الرد بالعيب، ومثال ذلك: أن يدعي بكر على عمرو سفينة، فينكر عمرو أن السفينة لبكر، أو يسكت، ثم يصالحه على أن يعطيه مائة ألف ريال مثلاً، فإذا وجد عمرو بعد ذلك عيباً في السفينة لم يكن له أن يرده بهذا العيب؛ لأن الصلح في حقه إبراء لا بيع، بينما لو وجد بكرٌ المالَ الذي أخذه معيباً فله رده؛ لأن الصلح في حقه بيع، ٢ - الشفعة إن كان شقصا مشفوعا، ومثال ذلك: أن يدعي زيدٌ على بكر بيتا، فينكر بكر أن البيت لزيد، أو يسكت، ثم يصالحه على أن يعطيه نصف أرض بينه وبين أخيه مثلاً، فلشريك المدعى عليه أن ينتزع الأرض من المدعي بالشفعة؛ لأنه بيع لكونه أخذه عوضا عما ادعاه كما لو أنه اشترى هذا النصف، إلا إذا صالحه ببعض العين المدعاة، كمن ادعى نصف دار بيد الآخر فأنكره وصالحه على ربعها، فالمدعي منكر ليس له أن يأخذ بشفعة ولا يستحق لعيب شيئا; لأنه يعتقد أنه أخذ بعض عين ماله مسترجعا له ممن هو عنده قاله في المنتهى وشرحه. (١) يشترط لصحة الصلح على الإنكار: أن يعتقد كلٌّ من المدعي والمدعى عليه صدقَ نفسه، وإن كان كاذبا فالصلح في حقه حرام وباطل أما المدعي فلأن الصلح مبني على دعواه الباطلة، وأما المدعى عليه فلأنه مبني على جحده حقَّ المدعي ليأكل ما ينقصه بالباطل، والمراد بالبطلان هنا: عند الله ، لكنه صحيح في الظاهر.

стр. 886

فَحرامٌ (١)، ومَنْ قالَ: صالحْنِي عن المِلْكِ الذي تدَّعِيه لمْ يكنْ مُقِرَّا (٢)، وإنْ صالحَ أجنبيٌّ عن مُنْكِرٍ للدَّعَوى صحَّ الصُّلحُ (٣)، أَذِنَ له أو لا (٤)، لكنْ لا يرجعُ عليه بدونِ إذنِهِ (٥). (١) أي: ما أخذه كل منهما بسبب الصلح حرام يجب رده؛ لأنه أكل مال الغير بالباطل. (٢) أي: إذا قال المدعى عليه للمدعي صالحني على الملك الذي تدعيه كسيارة مثلا لم يكن مقرا له بها، لاحتمال أنه أراد دفع الدعوى وصيانة نفسه عن التبذل، أو حضور مجلس الحكم. (٣) كما لو ادعى زيد على عمرو بدين أو عين فأنكر عمرو، فجاء بكر فصالح زيدا عن دعواه على عمرو فيصح؛ لجواز قضائه عن غيره بإذنه وبغير إذنه. (٤) أي: سواء أذن له المدعى عليه (المنكر) في الصلح أو لم يأذن له؛ لأنه يجوز له القضاء عن غيره بإذنه وبغير إذنه. (٥) أي: ليس للأجنبي أن يرجع على المنكر إلا إذا أذن له بالصلح أو الدفع أو الاثنين، فيرجع إن نواه، فالرجوع إذن له شرطان: الإذن، والنية من الأجنبي في الرجوع، أما إذا لم يأذن له فلا يرجع؛ لأنه أدى عنه ما لايلزمه أداؤه، فكان متبرعا، كما لو تصدق عنه. قال ان النجار في شرحه للمنتهى: (وعلم مما تقدم أن المنكر إذا أذن للأجنبي في الصلح أو في الأداء: أن له الرجوع إذا أدى بنيته، أما الرجوع مع الإذن في الأداء؛ فظاهر، وأما مع الإذن في الصلح فقط؛ فلأنه يجب عليه الأداء بعقد الصلح، =

стр. 887

ومَنْ صالحَ عن دارٍ أو نحوِهَا فَبانَ العوضُ مستحَقًا رَجَعَ بالدَّارِ مع الإقرارِ (١)، وبالدَّعْوى معَ الإنْكارِ (٢). ولا يَصحُّ الصلحُ (٣) = فإذا أداه فقد أدى واجبا عن غيره محتسبا بالرجوع. فكان له الرجوع على الأصح من الروايتين.). (تتمة): إذا أذن له في الصلح ولم يأذن له في الدفع أو العكس فله أن يرجع، لكن بنية الرجوع. (١) أي: من صالح عن دار، أو نحوها كسيارة أو سفينة بعوض، فبان العوض مستحقا، رجع بالدار ونحوها إن كان الصلح مع الإقرار بالمدعى به، كأن يدعي على شخص بدار فيصالحه صاحبُ الدار على عشرة آلاف، فبانت العشرة آلاف مستحقة لغير صاحب الدار، فللمدعي أن يرجع على المدعى عليه بالدار؛ لأنه بيع وقد تبين فساده لاستحقاق العوض. (٢) أي: وإن كان الصلح مع إنكار المدعى به فإن المدعي يرجع بالدعوى إلى ما كان يدعيه قبل الصلح؛ لتبين فساد الصلح. (٣) شرع المصنف في بيان ما لا يصح الصلح عنه، وقد ذكر في الإقناع ضابطًا لما يصح الصلح عنه وما لا يصح فقال: (ويصح الصلح عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه سواء كان) المصالح عنه (مما يجوز بيعه) من عين ودين (أم لا) يجوز بيعه، كقصاص وعيب مبيع) ويفهم منه: أن ما لايجوز أخذ العوض عنه فلا يصح الصلح عنه، وهو أولى مما ذكره صاحب المنتهى؛ لأنه ذكر أمثلة فقط.

стр. 888

عن خِيَارٍ (١)، أو شُفْعةٍ (٢)، أو حَدِّ قَذْفٍ (٣)، وتسقطُ جميعُهَا (٤)، ولا شارِبًا (٥)، (١) كأن يشتري زيد من عمرو سيارة بمائة ألف ريال بخيار شرطٍ ثلاثة أيام، ثم بعد يوم يطلب عمرو من زيد أن يسقط الخيار مقابل ألف ريال، فلا يصح ذلك؛ لأن الخيار لم يشرع للاعتياض عنه، وإنما شرع للنظر في الأحظ من إمضاء البيع أو فسخه، ويسقط الخيار حينئذ إذا وقع الصلح على عوض، ولا يصح الصلح أيضا، ويستثنى: خيار العيب فيصح الصلح عنه كما تقدم. (٢) أي: لو أن المشتري صالح الشفيعَ على أن يسقط الشفعة، فلا يصح الصلح؛ لأن الشفعة شرعت لجبر الضرر بالشريك الجديد وليس للاعتياض، ويسقط حقُّ الشفيع في الشفعة بهذا الصلح. (٣) أي: لو ادّعى المقذوف على القاذف، ثم صالح القاذفُ المقذوفَ بمبلغ لإسقاط حد القذف فلا يصح الصلح؛ لأن حد القذف شرع للزجر عن الوقوع في أعراض الناس، كما يسقط حد القذف؛ لوجود الرضا من المقذوف لقذفه. (٤) أي: يسقط جميع ما تقدم من خيار وشفعة وحد قذف، لأنه رضي بتركها لإقدامه على الصلح عليها. (٥) أي: لا يصح الصلح مع شاربٍ للخمر في مقابل أن يطلقه، ولا يرفع أمرَه للحاكم، كأن يرى رجلان شخصا يشرب خمرا، فيطلب منهما الصلح على مبلغ معين لكي لا يرفعا أمره =

стр. 889

أو سارِقًا ليُطْلِقَه (١)، أو شاهِدًا ليَكْتُمَ شهادَتَه (٢). = للحاكم فلا يصح الصلح؛ لأنه لا يصح أخذ العوض في مقابلته. (١) أي: لا يصح الصلح مع سارق في مقابل أن يطلقه، ولا يرفع أمره للحاكم، كأن يرى رجلان أو رجل وامرأتان شخصا يسرق من حرز، فيطلب منهم الصلح على مبلغ معين لكي لا يرفعوا أمره للحاكم؛ لأنه لا يصح أخذ العوض في مقابلته، ولا تسقط الحدود بالصلح إلا حد القذف. (فرق فقهي) (٢) أي: لا يصح أن يصالح شاهدا من أجل أن يكتم شهادته ولا يشهد عليه بحق لآدمي أو بحق الله كزكاة ونحوها؛ لأنه لا يجوز أخذ العوض عن ذلك، كما يحرم كتم الشهادة.

стр. 890

فَصْلٌ (١) ويحرمُ على الشخصِ أنْ يَجريَ ماءً في أرضِ غيرِهِ، أوْ سطْحِهِ بلا إذنِهِ (٢)، ويصحُّ الصُّلحُ على ذلك بعوضٍ (٣). ومَنْ له حَقُّ ماءٍ يَجرِي على سطحِ جارِهِ لمْ يَجُزْ لجارِهِ تَعْلِيَةُ سطْحِهِ؛ ليمنعَ جَرْيَ الماءِ (٤). (١) شرع المصنف في هذا الفصل بذكر أحكام الجوار، وهي مناسِبةٌ لباب الصلح؛ لأن النزاع قد يحصل بين الجيران، فيلجؤون إلى الصلح. وجيران الشخص على المذهب أربعون داراً من كل جهة نصا. (٢) أي: يحرم على الشخص أن يجري ماءً في أرض غيره أو سطحه ولو تضرر بتركه بلا إذن رب الأرض والسطح، وكذلك يحرم تمرير الأنابيب على سطح الجار بلا إذنه؛ لأن الهواء تابع للقرار. (٣) فيصح أخذ العوض على ذلك، ثم لا يخلو الحال: ١ - فإن كان مع بقاء ملك رب السطح الذي يجري فيه الماء فهو إجارة، ولا يشترط بيان المدة في الإجارة هنا للحاجة كما في الإنصاف والمنتهى خلافا للإقناع (مخالفة)؛ فإن الأصل أنه لابد من بيان وقت الإجارة إلا في هذه الحالة، ٢ - وإن زال ملك صاحب السطح عنه فبيع. (٤) أي: ليس له تعلية سطحه ولو كثر ضرره بذلك؛ لأن في ذلك =

стр. 891

وحَرُمَ على الجارِ أنْ يُحْدِثَ بملْكِه ما يضرُّ بجارِه (١): كحمَّامٍ (٢)، وكَنِيْفٍ (٣)، ورَحَىً (٤)، وتَنُّورٍ (٥)، وله منعُه من ذلك (٦). ويحرمُ التصرُّفُ في جدارِ جارٍ مُشْتَركٍ (٧) بفتحِ = إبطالا لحق جاره، والضرر لا يزول بالضرر. (١) لحديث (لا ضرر ولا ضرار)، ويضمن ما تلف بسبب ما أحدثه في ملكه؛ لأنه متعد، فلو حفر بئرا في ملكه فانقطع ماءُ بئر جاره أمر بسد بئره ليعود الماء إلى بئر جاره قاله في الإقناع، وعلم من ذلك أنه إن كان هذا الضرر سابقا على ملك الجار لم يلزمه إزالةُ الضرر، كأن يفعل إنسانٌ ذلك في ملكه قبل أن يبني جارُه دارَه بجواره، بأن بنى تنورا مثلا، أو مدبغة فلا يلزمه إزالة ذلك من ملكه؛ لأنه حين فعله لم يحدث في ملكه ما يضر بجاره ذكره في الإقناع وشرحه، وله تعلية داره ولو أفضى إلى سد الفضاء عن جاره قاله الشيخ تقي الدين. (٢) لأن جاره يتأذى بدخانه أو يتضرر حائطه بمائه. (٣) لأن جاره يتأذى بريحه أو يصل إلى بئره. (٤) لأن الجدار يهتز بها. (٥) لأنه يتأذى بتعدي دخان التنور إليه، ومثله دكان حدادة وقصارة يتأذى بدقه بهز الحيطان. (٦) أي: للجار منع جاره مما يتأذى منه ويسبب له ضررا، بخلاف الطبخ والخبز في ملكه فلا يمنع منه؛ لدعاء الحاجة إليه وضرره يسير كما قال البهوتي في شرح المنتهى. =

стр. 892

رَوْزَنَةٍ (١)، أو طَاقٍ (٢)، أو ضَرْبِ وَتَدٍ (٣)، ونحوِه (٤)، إلا بإذنِهِ (٥)، وكذا وَضْعُ الخشبِ، إلا أنْ لا يُمكنُ تسقيفٌ إلا به (٦)، ويُجْبَرُ الجَارُ إنْ أَبَى (٧)، وله أنْ يُسْنِدَ قِمَاشَه (٨)، ويجلسَ في ظلِّ حائِطِ غيرِه (٩)، وينظرُ في ضوءِ سِراجِهِ من غيرِ إذنِهِ (١٠). = (٧) أي: يحرم التصرف في جدار مشترك بين المتصرف وغيره ب: (١) بفتح روزنة، وهي الخرق في الحائط كالنافذة. (٢) أو بفتح طاق، وهو ما عُطف من البنيان كالمحراب؛ لأنه يأخذ من جاره. (٣) أو بضرب وتد ولو لسترة. (٤) كجعل رف فيه. (٥) أي: يحرم التصرف في الجدار المشترك بشيء مما تقدم إلا بإذن شريكه. (٦) أي: وكذا يحرم وضع خشب على جدار دار أو جدار مشترك إلا بشرطين: ١ - أن لا يمكن التسقيف إلا به. ٢ - أن لا يتضرر جدار الجار بوضع الخشب. (٧) لحديث (لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) متفق عليه، والمراد بالوضع هنا: الوضع الدائم، وجدار المسجد واليتيم كجدار الدار لكن بهذين الشرطين؛ لأنه إذا جاز في ملك الآدمي مع شحه، فحق الله تعالى أولى قاله في شرح المنتهى. (٨) أي: للإنسان أن يسند قماشه إلى حائط غيره بلا إذنه. (٩) أي: للجار وغيره أن يجلس في ظل حائط جاره وغيره بلا إذنه؛ لمشقة التحرز من ذلك وعدم الضرر فيه. (١٠) أي: له أن ينظر في ضوء سراجه بغير إذنه، ويقاس عليه =

стр. 893

وحَرُمَ أنْ يتصرفَ في طريقِ نافذٍ (١) بما يضرُّ المارَّ، كإخراجِ دُكَّانٍ، ودَكَّةٍ (٢)، = أضواء اللمبات الآن؛ لمشقة التحرز من ذلك، ولا يتضرر غيره به، وهل مثله شبكة الانترنت لو كانت غير مشفرة؟ فليحرر. (١) الطريق ويسمى الدرب نوعان: ١ - نافذ - ويسمى شارعاً - وهو المفتوح من جهتين بحيث يدخل الشخص من جهة ويخرج من أخرى، ويسلكه كل الناس. ٢ - وغير نافذ وهو مفتوح من جهة ومغلق من جهة أخرى، فيسمى درباً لا شارعاً، ولا يسلكه إلا أصحاب البيوت الذين في هذا الدرب؛ لكونه لا يوصل إلا لها. (٢) قال في القاموس: (الدكة بالفتح، والدكان بالضم: بناءٌ يُسطَّحُ أعْلاهُ للمَقْعَدِ). وقال في موضع آخر: (الدُّكان كرُّمان: الحانوت -البقالة-)، ونقل في المطلع عن أبي السعادات أن الدكان هي الدكة المبنية للجلوس عليها والنون مختلف فيها، ثم نقل عن الجوهري: الدكان واحد الدكاكين وهي الحوانيت، فيحرم إخراج دكة للجلوس عليها، وكذا يحرم بناء دكان في الطريق النافذ، والمراد: بناء دكان في نفس الطريق بحيث يأخذ من مساحة الطريق، قال في الإقناع: (ويحرم أن يبني في الطريق دكانا)، وعبارة المنتهى: (وحرم إخراج دكان ودكة .. )، والدكان سواء كان دكة أو حانوتًا لا يجوز فعلُه في الطريق ولو كان الطريق واسعًا، وسواء أذن الإمام أو لا، =

стр. 894

وجَنَاحٍ (١)، وسَابَاطٍ (٢)، ومِيْزَابٍ (٣)، = وسواء ضرَّ بالمارَّة أو لا؛ لأنه إن لم يضر حالًا فقد يضر مآلًا، بخلاف ما بعده من الجناح والساباط والميزاب؛ لأنه لا تضييق فيها على المار؛ لأنها في العلو بخلاف الدكان قاله في الكشاف. (فرق فقهي) وأما جعل الدكان في البيت وفتح بابه على الطريق النافذ فلا أظن الفقهاء يمنعونه لأنه لا ضرر ولا تضييق على الناس به في مساحة الطريق. وأما الرصيف في الوقت الحالي فلا يضر - في الغالب - لا حالاً ولا مآلاً، وكذا الدكة وهو الذي نسميه درجا أمام باب البيت الآن لا تضر، ولأنها لابد منها للدخول من باب البيت. والله أعلم. (١) أي: رَوْشن، وهو عبارة عن أطراف الأخشاب الممتدة خارج جدار البيت وأصولها في جدار البيت يُستظل بها كالعتبة على الباب، ومثل الجناح في الحُكمِ المظلاتُ التي يضعها بعض الناس ليحصل الظل لسياراتهم. (٢) هو السقف بين حائطين أو بيتين تحته طريق، فيمشي المارةُ في سكة مغطاة من فوق. (٣) وهو الذي تصرف من خلاله مياه الأمطار، وهو حالياً ممنوع عندنا في المملكة العربية السعودية، فلا بد من تصريف المياه إلى المجاري مباشرة. (تتمة) يجوز إخراج جناح وساباط وميزاب بشرطين: ١ - أن =

стр. 895

ويضمنُ ما تلفَ به (١). ويحرمُ التصرفُ بذلك في ملكِ غيرِه، أو هوائِه، أو دَرْبٍ غيرِ نافذٍ إلا بإذنِ أهلِه (٢). = يكون بإذن الإمام أو نائبه، لحديث أحمد " أن عمر اجتاز على دار العباس وقد نصب ميزابا إلى الطريق فقلعه فقال تقلعه وقد نصبه رسول الله ﷺ بيده فقال والله لا تنصبه إلا على ظهري فانحنى حتى صعد على ظهره فنصبه " ولأن العادة قد جرت بذلك. قاله في شرح المنتهى. ٢ - أن لا يضر بالمارة؛ بأن يمكن عبور محمل - ما يوضع على الجمل - من تحته، وإلا لم يجز وضعه، ولا يجوز للإمام إذنه فيه؛ لأنه ليس له أن يأذن فيما ليس فيه مصلحة، وذكر شيخ الإسلام: لو كان الطريق منخفضا وقت وضعه، ثم ارتفع لطول الزمن، فحصل به ضرر؛ وجبت إزالته. (١) أي: يضمن مَنْ فعل شيئا مما تقدم ما تلف به من نفس أو مال؛ لتعديه به. (٢) أي: يحرم إخراج الجناح والساباط والميزاب في ملك الجار أو هوائه إلا أن يأذن له الجار، وكذا يجب استئذان أهل الدرب المشترك من يريد إخراج تلك الأشياء فإن أذنوا جاز، وإلا حرم؛ لأن الدرب ملكهم فلم يجز التصرف فيه إلا بإذنهم. (تتمة) يجوز الصلح عن إخراج دكان ودكة بملك غيره وجناح وساباط وميزاب بهواء غيره والاستطراق في درب غير نافذ بعوض; لأن ذلك حق خاص لمالكه ولأهل الدرب فجاز أخذ =

стр. 896

ويُجْبَرُ الشريكُ على العمارةِ مع شريكِه في الملكِ والوقفِ (١). وإنْ هَدَمَ الشريكُ البناءَ وكان لخوفِ سقوطِه فلا شيءَ عليه (٢)، وإلا لَزِمَه إعادتُه (٣)، وإنَ أهملَ شريكٌ بناءَ حائطِ بستانٍ اتَّفقا عليه فَما تَلِفَ من ثمرتِه بسببِ إهمالِه ضَمِنَ حصَّةَ شريكِه (٤). = العوض عنه كسائر الحقوق، ويشترط لذلك علم مقدار خروج الجناح أو الساباط ونحوه وعلوه قاله في المنتهى وشرحه. (١) العمارة: كل ما يحفظ البناء من الهدم، وإصلاح ما يحتاج لإصلاح؛ لإطالة الانتفاع به أو بأجرته، فيجبر الشريك على العمارة مع شريكه في العين المشتركة - ملكا كانت أو وقفا على الشركاء - في كل ما يحفظ البناء من زوال المنفعة المقصودة منه، أو زوال بعضها، مثل: لو اشترك ورثة في منزل وكان هذا المنزل يحتاج لترميم فيجبرون على الترميم، ونصيب كل واحد في الدفع على حسب إرثه وحقه، فإن كان إرثه وحقه الثلث فعليه ثلث العمارة وهكذا، وإن أبى الشريك أُخذ من ماله إن كان معه مال، فإن تعذر اقترض عليه الحاكم، وإن بنى الشريك بإذن شريكه أو بإذن الحاكم أو بدون إذنهما ونوى الرجوع رجع بما صرفه على الشريك بقدر حصته. (٢) لأنه يجب هدمه، فهو محسن لا ضمان عليه لشريكه. (٣) أي: وإن لم يكن هدم البناء لخوف سقوطه لزمه إعادته؛ لأنه متعد على حصة شريكه. (٤) أي: لو كانا شريكين في بناء واتفقا على عمارته فأهمل =

стр. 897

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أحدُهما، أي: بنى أحدهما وأهمل الآخر ما عليه بناؤه، فما هلك من الثمرة بسبب إهماله وعدم عمارته فإنه يضمن حصةَ شريكه، والمراد هنا الملك المشاع لا الملك المعين، وهذه من المسائل ذكرها في الإقناع عن تقي الدين. قال في الإقناع وشرحه: (ولو اتفقا) أي الشريكان (على بناء حائط بستان فبنى أحدهما) ما عليه وأهمل الآخر (فما تلف من الثمرة بسبب إهمال الآخر ضمنه) أي ضمن نصيب شريكه منه (الذي أهمل قاله الشيخ) لتلفه بسببه). وذكرها في المنتهى في أول كتاب الحجر، قال في المعونة: (وإن أهمل شريك بناء حائط بستان) بين اثنين فأكثر، وقد (اتفقا) أي: الشريكان (عليه) أي: على البناء. (فما تلف من ثمرته) أي: البستان (بسبب ذلك) أي: بسبب إهماله بترك البناء مع شريكه: (ضمن حصة شريكه منه) أي: من التالف. ذكره الشيخ تقي الدين أيضاً، واقتصر عليه في " الفروع "؛ لأن بناء حصته مع شريكه واجب عليه وقد حصل التلف بسبب تفريطه بترك الواجب فضمنه). وظاهر الإقناع والمنتهى أنه لا يضمن الشريك إلا إذا اتفقا على بنائه، فلو لم يتفقا على البناء وتلف شيء فلا ضمان على المهمل، وزاد في الغاية اتجاها حالة ثانية فقال: (ويتجه: أو طلب منه فأهمل) أي: فيضمن بالطلب ولو لم يتفقا على البناء لوجوبه عليه بالاتفاق وبدونه قاله الحفيد كما في حاشية ابن عوض. والله أعلم.

стр. 898

كتاب الحجر وهو: منعُ المالكِ منْ التصرُّفِ في مالِهِ (١)، وهو نوعان: الأولُ: لحقِّ الغيرِ؛ كالحجرِ على مفلسٍ (٢)، (١) الحَجْرُ لغة: التضييق والمنع، وشرعًا ذكره المصنف فقال: هو منعُ المالك من التصرف في ماله، ويزاد عليه: أو في ماله وذمته، وسواء كان المنع من قبل الشارع أو من الحاكم، والحجر نوعان يأتي تفصيلهما في كلام المصنف، والأصل في مشروعية الحجر قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ [النساء: ٥]، أي: أموالهم، وإنما أضيفت الأموال إلى الأولياء؛ لأنهم قائمون عليها مدبرون لها، وقوله تعالى: (وابتلوا اليتامى) الآية] النساء: ٦ [، وإذا ثبت الحجر على هذين، ثبت على المجنون من باب أولى قاله البهوتي في الكشاف. (٢) أي: الحجر بالمعنى الاصطلاحي نوعان: (النوع الأول): الحجر لحظ الغير؛ كالحجر على مفلس لحق الغرماء، وهو: منع حاكم منْ عليه دين حالٌّ يعجز عنه من تصرفه في ماله الموجود مدة الحجر. (تتمة) المدينون ثلاثة، وهم: ١ - الغني: وهو من ماله قدر دينه أو أكثر منه. ٢ - والمفلس - وهو المراد غالبا في باب =

стр. 899

وراهنٍ (١)، ومريضٍ (٢)، وقِنٍّ، ومُكَاتَبٍ (٣)، ومُرتدٍ (٤)، ومُشْترٍ بعدَ طلبِ الشفيعِ (٥). = الحجر -: وهو مَنْ دينُه أكثرُ من ماله، وله أحكام أربعة سيأتي ذكرها. ٣ - والمعسر: وهو من لا مال له. (١) أي: الحجر على الراهن من التصرف بالعين المرهونة بعد لزومه؛ لحق المرتهن. (٢) أي: مرض الموت المخوف يحجر عليه بما زاد على الثلث من ماله لحق الورثة، فيتصرف بثلث ماله فقط. (٣) أي: يحجر على القن والمكاتب من التصرف لحظ سيدهما. (٤) لأن تركته فيء يمنع من التصرف في ماله لحق المسلمين لئلا يفوته عليهم. (٥) أي: أن الشفيعَ إذا طلب الشفعةَ فإنه يحجر على المشتري أن يتصرف في الشقص، وتبع في ذلك المنتهى، لكن المذهب أن الشفيع بمجرد طلب الشفعة فإن الشقص يدخل في ملكه، وبذلك لا يتأتى الحجر على المشتري من التصرف في الشقص المشفوع بعد طلب الشفيع؛ لأنه لم يَعُد المشتري مالكًا للشقص، والحجر إنما هو منعٌ للتصرف فيما يملكه كما سبق، لكن المؤلف هنا تابع المنتهى. (مخالفة الماتن) قال البهوتي في حاشية المنتهى: (قوله: ومشتر بعد طلب شفيع، يعني: إذا قيل إن الشفيع لا يملك الشقص بالطلب، والمذهب: أنه يملكه بالطلب، فمنع المشتري من التصرف فيه لزوال ملكه لا للحجر عليه فيه)، قال الخلوتي: (قوله: =

стр. 900

الثاني: لحظِّ نفسِهِ (١)، كَعلى صغيرٍ، ومجنونٍ، وسفيهٍ (٢). ولا يُطالبُ المدينُ، ولا يُحْجرُ عليه بدينٍ لم يحلّ (٣)، = (ومشترٍ بعد طلب شفيع) قال شيخنا: هذا لا ينطبق عليه حدُّ الحجر إلا على القول الضعيف في الأخذ بالشفعة، وأما على المذهب من أنه يملكه الشفيع بمجرد الطلب فليس شيء مما نحن فيه؛ لأنه ليس باقيًا على ملكه حتى يقال إنه ممنوع من التصرف فيه للحجر عليه، تأمل). (تتمة): الحجر على المحجور عليه لحظ الغير يكون في عين أمواله لا في ذمته، وتصرفُه في ذمته صحيح، فلو اشترى المحجور عليه في ذمته سيارة فتصرفه صحيح، وأما المحجور لحظ نفسه فهو محجور عليه من التصرف في أمواله وذمته. (١) (النوع الثاني): الحجر لحظ النفس، كالحجر على صغير ومجنون وسفيه؛ لأن مصلحته عائدة إليهم، والحجر عليهم عام في أموالهم وذممهم كما تقدم. (٢) قال في المطلع: (السفه: أصله الخفة والحركة، وهو: ضعف العقل وسوء التصرف، وسمي السفيه سفيهًا؛ لخفة عقله، ولهذا سمى الله تعالى النساءَ والصبيانَ سفهاء فقال تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم … )، لكن المرأة وإن كان فيها من السفه لكنه لا يحجر عليها. (٣) أي: أن المدين بدين مؤجل لا يطالب بالدين المؤجل الذي لم يحل وهذا (الحكم الأول) والحكم هنا مبهم كما هو الحال في المنتهى والغاية، ولكن بين في الإقناع أنه للتحريم فقال: =

стр. 901

لكنْ لو أرادَ سفرًا طويلًا فَلِغَريمِه منعُه (١) حتى يُوثِّقَه برهنٍ = (ومن لزمه دين مؤجل حرمت مطالبته به قبل أجله)، والعلة: لأن من شروط صحة المطالبة لزوم الأداء وهو لا يلزم أداؤه قبل الأجل، ولا يحجر عليه بسببه وهذا (الحكم الثاني)؛ لأنه إذا لم تجز مطالبته فلا يحل الحجر عليه من أجل هذا الدين المؤجل، لكن يستثنى في المذهب دين القرض، فإنه حالٌّ ولو أُجِّل. (١) (الحكم الثالث): أنه لو أراد المدينُ السفرَ ولم يمنعه غريمه، فله السفر مطلقًا قصيرا كان أو طويلًا، لكن لو منعه من السفر فقد قال المصنف: (لكن لو أراد سفر طويلًا فلغريمه منعه .... )، والمنع هنا لو كان الدين مؤجلًا سواء حل الدين قبل قدومه أو بعده، والمقصود بالسفر الطويل: مسافة قصر فأكثر. وقوله: (سفرًا طويلًا) تبع فيها الإقناع والغاية وعليه ليس له منعه من السفر القصير، وهو رأي الموفق والشارح، قال في الإنصاف: (ولعله أولى)، وأما في المنتهى والتنقيح فأطلقا الحكم، فيفهم منه جواز المنع من السفر الطويل والقصير، قال البهوتي في الكشاف: (ولعله أظهر) انتهى. (مخالفة الماتن)، ويستثنى من المنع من السفر: ١ - الجهاد الواجب، فلا يجوز للمدين منع الدائن من السفر إليه. ٢ - تحليل المدين من إحرامه إن أحرم؛ لأنه واجب عليه إتمامه، حتى لو كان نفلا، قال الشيخ تقي الدين: وله منع عاجز حتى يقيم كفيلا ببدنه. قال في الفروع: "وهو متجه". انتهى، ومعناه: أن لرب الدين إذا كان المدين عاجزا عن وفائه =

стр. 902

يُحْرزُ (١) أو كفيلٍ مليءٍ (٢). ولا يَحلُّ دينٌ مؤجلٌ بجنونٍ (٣) ولا بموتٍ إن وثَّقَ ورثتُه بما تقدَّمَ (٤). = وأراد سفرا: منعه منه حتى يقيم كفيلا ببدنه؛ لأنه قد تحصل له ميسرة، ولا يتمكن من مطالبته لغيبته عن بلده إلا بطلبه من الكفيل- ذكره ابن النجار في المعونة-. (تتمة): ذكر في الإقناع والمنتهى: أن الدين لو كان حالًا وهو قادر على الوفاء وطلب منه الدين فسافر قبل وفائه فلا يجوز له أن يترخص برخص السفر؛ لأنه عاص بسفره. (تتمة): هل يجب على المدين أن يستأذن الدائن كلما أراد السفر؟ لا، لا يجب، لكن لو علم الدائنُ بسفره فله منعه، هذا الظاهر. (١) أي: يوفي منه جميع الدين -كما عبر ابن النجار في المعونة-، وعبر الحجاوي في الإقناع ب (يفي) فقال: (رهن يفي به). (٢) وهو: القادر بقوله وفعله وماله، وسبق بيانه في باب الحوالة. (٣) (الحكم الرابع): لا يحل الدين على المدين إذا جُن، سواء كان عنده ما يفي به أم لا، وسواء وثق ورثته الدين أم لا. (٤) (الحكم الخامس) لا يحل الدين بموت المدين، لكن بشرط أن يوثق ورثتُه الدينَ برهن محرز أو كفيل مليء، وإلا فإن الدينَ يحل بموته. (تتمة): (الحكم السادس): لا يحل دينٌ مؤجل بفلس المدين، وثمرة ذلك: أن مال المفلس لا يقسم إلا على الغرماء ذوي =

стр. 903

ويجبُ على مدينٍ قادرٍ وفاءُ دينٍ حالٍّ فورًا بطلبِ ربِّه (١)، وإن مَطَلَه حتى شكاه وجبَ على الحاكمِ أمرُه بوفائِه (٢)، فإن أَبَى = الديون الحالة دون مَنْ ديونهم مؤجلة، ولا يبقى لهم شيء من مال المحجور عليه ليأخذوه عند حلول الأجل. (١) شرع المصنف في الكلام عن المدين القادر على وفاء دينه سواء كان ماله قدر الدين أو أكثر، فقال: (ويجبُ على مدينٍ قادرٍ وفاءُ … ) فيجب على المدين القادر الوفاء بالدين إذا طلبه ربه، وإذا لم يطلبه فلا يجب الوفاء، وهذا ما مشى عليه في المنتهى والإقناع والغاية؛ لحديث: «مطل الغني ظلم» متفق عليه، وإنما يكون مماطلًا بعد المطالبة، وزاد الإقناعُ حالةً أخرى يجب فيها الأداء، وهي: إن حل الدين المؤجل ولو لم يطالب به الدائن ونقله البهوتي في الكشاف قولَ ابن رجب، وظاهر المنتهى والتنقيح خلافه - وهو المذهب -، وإن كان الحجاوي تعقب المنقح في اقتصاره على الحالة الأولى والتي هي الطلب فقط، وصرح في الغاية بالمخالفة فقال: (بطلب ربه، فلا يجب بدونه ولو عُيِّن وقت وفاء، خلافًا له). (مخالفة الماتن) (٢) أي: يجب على الحاكم أمر المدين القادر على وفاء دينه بوفائه؛ لأنه متعين عليه لما فيه من فصل القضاء المنتصب له، وإن تحمل الدائنُ تكلفةً لأخذ ماله من المدين - كأن يوكل محامياً -، فإن تكلفة ذلك تكون على المدين، قال في الإقناع وشرحه: (ولو مطل) المدين رب الحق (حتى شكا عليه فما غرمه) رب الحق (فعلى) المدين (المماطل) إذا كان غرمه على =

стр. 904

حبسَه (١)، ولا يُخْرجُه حتى يتبيّنَ أمرُه (٢)، = الوجه المعتاد ذكره في الاختيارات لأنه تسبب في غرمه بغير حق)، قال في المنتهى وشرحه: (وما غرم) رب دين (بسببه) أي سبب مطل مدين أحوج رب الدين إلى شكواه (فعلى مماطل) لتسببه في غرمه). (١) أي: إن أبى القادر على الوفاء فإن الحاكم يجب عليه حبسه؛ لحديث: «لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته» رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، قال أحمد: قال وكيع: " عرضه ": شكواه، " وعقوبته ": حبسه، قال الموفق ابن قدامة في المغني: (إذا امتنع الموسرُ من قضاء الدين، فلغريمه ملازمته، ومطالبته، والإغلاظ له بالقول، فيقول: يا ظالم، يا معتدي)، ونحو ذلك؛ لقول رسول الله ﷺ : «ليُّ الواجدِ، يحل عقوبتَه وعرضَه» رواه الإمام أحمد وأبو داود. فعقوبتُه: حبسه، وعرضُه: أي يحل القول في عرضه بالإغلاظ له. وقال: النبي ﷺ : «مطل الغني ظلم». وقال: «إن لصاحب الحق مقالا» رواه البخاري. (٢) أي: لا يجوز للحاكم أن يخرجه حتى يتبين له أنه غير مستحق للحبس كأن يكون معسرا؛ لأنه ليس له تخليته بغير رضا صاحب الدين أو إبرائه منه، أما إن تبين أنه غير معسر وقادر على الوفاء وجب على الحاكم تعزيره ولا يزيد على عشر جلدات في كل يوم، ويكرر حبسه وتعزيره حتى يقضي الدين، فإن أصر على عدم القضاء باع الحاكم مالَه وقضى الدينَ؛ لما روى كعب بن مالك " أن النبي ﷺ حجر على معاذ ماله وباعه =

стр. 905

فإن كانَ ذو عُسْرةٍ وجبَ تَخْلِيَتُه، وحرُمَتْ مطالبتُه (١)، والحجرُ عليه ما دامَ مُعسرًا (٢). وإن سألَ غُرماءُ مَنْ له مالٌ لا يَفِي بدينِه الحاكمَ الحجرَ عليه لَزِمَه إجابتُهم (٣). = في دين كان عليه " رواه الدارقطني. وقد أشار الشيخ سعد الخثلان إلى أن العمل عندنا في السعودية هو الخصم من راتب المدين شهريا للدائن، وهو عمل حسن، لكن أحيانا يكون المبلغ المقطع قسطا يسيرا لدين كبير، فيتضرر الدائن كثيرا، وهذا إنما يُلجأ إليه إن تعذر بيع مال فاضل للمدين، والله أعلم. (١) أي: إن تبين أنه معسر وجب على الحاكم تخليتُه رضي غريمه أو لا، وحرمت مطالبتُه، سواء من الحاكم أو المدين، كما يحرم ملازمة الغريم له. (تتمة) يثبت إعساره بثلاثة شهود إن عرف بالغنى، وإن لم يعرف له مال سابق فيكفي اثنان. (٢) أي: ويحرم الحجر عليه كذلك ما دام معسرا؛ لقوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) [البقرة: ٢٨٠]، ولقوله ﷺ لغرماء الذي كثر دينه: (خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك) رواه مسلم، وفي إنظاره فضل عظيم؛ لحديث بريدة ﵁ مرفوعا: «من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله - أي الدين - صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة» رواه الإمام أحمد بإسناد جيد. (٣) أي: إن سأل غرماءُ مَنْ لا يفي مالُه بدينه -وهو المفلس-، =

стр. 906

وسُنَّ إظهارُ حجرٍ لفلسٍ (١). = أو سأل بعضُهم الحاكمَ الحجرَ عليه وجب عليه إجابتهم؛ لحديث كعب بن مالك: " أن رسول الله ﷺ حجر على معاذ وباع ماله " رواه الدارقطني، وهذا هو المذهب أنه لا يحجر عليه إلا بسؤالهم الحاكم ذلك، والرواية الثانية: إن ضاق ماله عن ديونه صار محجورًا عليه بغير سؤال الغرماء ولا حكم حاكم واختارها ابن تيمية، قال في الإنصاف: (واختار الشيخ تقي الدين ﵀ إن ضاق ماله عن ديونه، صار محجورا عليه بغير حكم حاكم. وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀)، وفائدة هذه الرواية أنه تترتب عليه الأحكام الآتية من عدم صحة التصرف في ماله من غير حكم حاكم، لكن هناك إشكال في عدم علم الناس بالحجر عليه ليحذروا التعاملَ معه، وإن لم يكن بحكم الحاكم فمن يُظهر الحجر؟ لكن قال ابن عثيمين: إنه يحرم عليه هو التصرف ويأثم بذلك. (١) أي: يسن إظهار الحجر لفلس لكي يعلم الناس فيحذروا من التعامل معه، كما يسن الإشهاد على الحجر؛ لأنه ربما عُزِل الحاكمُ أو مات فيثبت عند من قام مقامه فيمضيه. قاله في المعونة.

стр. 907

فصلٌ وفائدةُ الحجرِ أحكامٌ أربعةٌ (١): الأولُ: تعلُّقُ حقِّ الغرماءِ بالمالِ، فلا يصحُّ تصرُّفُه فيه بشيءٍ (٢)، (١) أي: فائدة الحجر أنه يتعلق بالمفلس أحكام أربعة. (٢) (الحكم الأول): تعلق حق الغرماء بماله، أي: ارتباط حقهم بالأموال الموجودة عنده والحادثة له بنحو إرث، فلا ينفذ ولا يصح تصرفه في ماله ببيع أو شراء بعد الحجر. ويستثنى من ذلك: ١ - التصرف بالوصية، فتصح؛ لأنه لا تأثير لذلك إلا بعد الموت وخروجها من الثُّلث. ٢ - تدبير العبد وهو: تعليق عتقٍ بموته، كأن يقول له: أنت حر دبر حياتي؛ لأنه لا يعمل بذلك إلا بعد الموت. ٣ - الصدقة باليسير التافه، كما اتجهه في الغاية قياسًا على التدبير، وكذلك ذكره ابن النجار في المعونة عن المستوعب والشيخ منصور في الشرح، وقال في الإقناع: لا يجوز ولا يصح. واختاره الشيخ ابن عثيمن. (مخالفة) (تنبيه): المراد بالتصرف الذي لا ينفذ: التصرف المستأنف بكل ما ينقل عين ماله أو منافعه من بيع أو إجارة أو رهن أو نحوها، أما التصرف غير المستأنف كالفسخ لعيب فيما اشتراه قبل الحجر أو الإمضاء، أو الفسخ فيما اشتراه قبله بشرط =

стр. 908

ولو بالعتقِ (١). وإن تصرَّفَ في ذمته بشراءٍ (٢)، أو إقرارٍ (٣)، صحَّ، وطُولِبَ به بعدَ فكِّ الحجرِ عنه. = الخيار فيصح؛ لأنه إتمام لتصرف سابق حجره فلم يُمنع. (١) أي: لا يصح تصرفُهُ ولو كان هذا التصرف بالعتق، وفي ذلك إشارة للرواية الثانية: أنه يصح التصرف بالعتق؛ لأنه صدر من مالك رشيد صحيح، أشبه عتق الراهن؛ ولأن الشارع يتشوف إلى العتق. قال صاحب النهاية: لعل الأول -أي عدم صحة التصرف بالعتق- أولى؛ لأن الحاكم لم ينشئ الحجر إلا للمنع من التصرف، وفي صحة العتق إبطال لذلك. (٢) هذا المستثنى الرابع من عدم صحة تصرف المفلس المحجور عليه: تصرفه بشراء شيء في ذمته فيصح؛ لأنه أهل للتصرف، والحجرُ متعلق بماله لا بذمته، لكن لا يطالب بالثمن إلا بعد فك الحجر عنه، سواء علم البائعُ حجرَه أو لا، وليس له مشاركةُ الغرماء؛ لأنه إن كان يعلم بالحجر فقد رضي بالتأخير، وإن كان غير عالم بالحجر فقد فرط كما في الإقناع وشرحه، أما إن ثبت عليه حق لزمه قبل الحجر ببينة، فإنه يشارك صاحبُه الغرماءَ. (٣) هذا المستثنى الخامس من عدم صحة تصرف المفلس المحجور عليه: لو أقر في ذمته بشي أنه لغيره - بعد الحجر عليه- فيصح هذا الإقرار؛ لأنه أهل للتصرف، لكن لا يطالب بما أقر به إلا بعد فك الحجر عنه.

стр. 909

الثاني: أنْ مَنْ وجدَ عينَ ما باعَه، أو أَقْرضَه، فهو أحقُّ بها (١)، بشرطِ: - كونِه لا يعلمُ بالحجرِ (٢)، - وأن يكونّ المفلسُ حيًّا (٣)، - وأن يكونَ عوضُ العينِ كُلُّهُ باقيًا في ذمتِهِ (٤)، - وأن تكونَ كلُّها في ملكِهِ (٥)، (١) (الحكم الثاني): أن من وجد عين ما باعه أو أقرضه فهو أحق به؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «من أدرك متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به» متفق عليه. وإنما يكون أحق بمتاعه بستة شروط: (٢) [الشرط الأول]: أن يكون من يملك الرجوع لا يعلم بالحجر على المفلس؛ لأنه إن كان عالما بحجره لم يملك الرجوع؛ لأنه دخل على بصيرة، ويتبع ببدلها بعد فك الحجر عنه. (٣) [الشرط الثاني]: أن يكون المفلس حيا إلى أخذه لحديث؛ " وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء" رواه مالك وأبو داود مرسلا. (٤) [الشرط الثالث]: أن يكون عوضُ العينِ كله باقيًا في ذمة المفلس؛ لحديث: (ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا) رواه أبو داود، ولأنه إن بقي بعضه فقط أدى ذلك إلى التشقيص والإضرار بالمفلس والغرماء، وهذا إن كان المبيع عينا واحدة، أما إن كان عينين أو أكثر، فتلفت واحدة فله الرجوع في الباقي بالقسط من الثمن. (٥) [الشرط الرابع]: أن تكون العين كلها باقية في ملك المفلس، =

стр. 910

- وأن تكونَ بحالِها (١)، ولم تتغيرْ صفتُها بما يُزيلُ اسمَها (٢)، - ولم تزدْ زيادةً متصلةً (٣)، ولم تُخلطْ بغيرِ متميزٍ (٤)، -ولم يتعلقْ بها حقٌّ للغيرِ (٥)، فمتى وُجِدَ شيءٌ من ذلك = فإن بقي البعضُ، بأن تلف جزء منها، أو بيع أو وقف أو وهب فليس له الرجوع؛ لأنه لم يدرك متاعَه وإنما أدرك بعضه، سواء رضي بالباقي أو لا؛ لفوات الشرط. (١) [الشرط الخامس]: أن تكون العين بحالها بأن لم تنقص ماليتُها لذهاب صفة مع بقاء عينها، بأن لم توطأ بكر، ولم يجرح قن جرحا تنقص به قيمته، فإن حدث هذا امتنع الرجوع؛ لذهاب جزء من العين له بدل. (٢) كنسج غزل، وخبز دقيق، وعمل زيت صابونا، وقطع ثوب قميصا، ونجر خشب أبوابا، وغير ذلك، فيمتنع الرجوع؛ لأنه لم يجد متاعه بعينه. (٣) [الشرط السادس] ألا تزيد العين زيادة متصلة كسمن وكِبر وتعلم صنعة وكتابة وحمل، فإن وجد شيء من ذلك امتنع الرجوعُ؛ لأن الزيادة من حق المفلس؛ لأنها وجدت في ملكه فلم يملك أخذَها منه، وأما إن ولدت فلا يمتنع الرجوع؛ لأنه زيادة منفصلة. (٤) بأن تكون العين لم تختلط بما لا يتميز، كزيت بزيت، وقمح بقمح، فلا رجوع حينئذ؛ لأنه لم يجد عين ماله. (٥) [الشرط السابع]: أن تكون العينُ لم يتعلق بها حقٌّ للغير من شفعة أو رهن، فلا رجوع للبائع، ويكون أسوة الغرماء؛ لسبق =

стр. 911

امتنعَ الرجوعُ (١). الثَّالثُ: يلزمُ الحاكمَ قَسْمُ مالِه الذي مِنْ جنسِ الدينِ، وبيعُ ما ليسَ من جنسِه (٢)، ويقسمُه على الغرماءِ بِقدرِ = حقِّ الشفيع في الشفعة؛ لكون حقه ثبت بالبيع، والبائع ثبت حقه بالحجر، ولأن المفلس في الرهن قد عقد قبل الحجر عقدًا منع به نفسه من التصرف فيه؛ فمنع باذله الرجوع فيه كالهبة، ولأن رجوعه إضرارٌ بالمرتهن، ولا يزال الضرر بالضرر. كما في شرح المنتهى. (تتمة): [الشرط الثامن] زاده الإقناع والغاية: أن يكون البائع حيًا إلى حين الرجوع، وثمرة ذلك: أن البائع لو مات فإن الورثة يكونون أسوة الغرماء، وتعقبه البهوتي بما يفيد عدمَ اشتراطه، ولورثة البائع أخذ السلعة، وقدمه في الفروع والإنصاف وهو المذهب، [الشرط التاسع]: أن يكون جاهلًا بالحجر، وإلا لم يطالبه بها حتى ينفك حجره. (١) أي: إن وجد شيء مما ذكر من الشروط امتنع الرجوع، وإن كملت الشروط أخذ مَنْ وجد عينَ متاعِه. (٢) (الحكم الثالث): يجب على الحاكم أن يقسم مال المفلس الذي من جنس الدين، ويبيع ما ليس من جنسه؛ لأن النبي ﷺ لما حجر على معاذ باع ماله في دينه وقسم ثمنه بين الغرماء، ويجب أن يكون على الفور، وأما من كان دينُه ليس من جنس المال الموجود ورضي بالأخذ من الموجود جاز ذلك، فيبدأ ببيع ما يفسد بطول بقائه كالفواكه، ثم الحيوان، ثم الأثاث، =

стр. 912

ديونِهم (١)، = ثم العقار -كما في الإقناع-. (١) ويدخل النقص على جميعهم كالعول، فيقسم الحاكم المال على الغرماء الذين حل دينهم، ولا يوقف شيء لمن ديونهم مؤجلة، ويبدأ في القسم: بمن جنى عليه قن المفلس، ثم بمن له عين مال عند المفلس، ثم يقسم الباقي على قدر ديون من بقي. في الحواشي السابغات: (وكيفية قسمة دين المفلس كما يلي: ١ - إما على طريقة النسبة: فلو أن مفلسًا له ٥٠٠ ريال، وعليه ١٠٠٠ ريال دينًا: ٥٠٠ من محمد و ٥٠٠ من صالح، فيكون لمحمد نصف المال، أي: ٢٥٠ ريالًا، ومثل ذلك لصالح. ٢ - وإما على الطريقة الحسابية وهي كما يلي: ١ - نجمع الديون التي على المفلس، ٢ - ثم نقسم المال الذي عنده على مجموع ديون الغرماء، ٣ - ثم نضرب الناتج في مقدار دين كل غريم لنحصل على مقدار ما يأخذه من المال. فلو أن مفلسًا له ٢٠٠٠ ريال، وعليه ديون: ٢٥٠٠ ريال من علي و ١٠٠٠ ريال من أحمد و ٥٠٠ ريال من سفيان، فطريقة العمل كما يلي: ١ - نجمع الديون فنجد: ٤٠٠٠ ريال. ٢ - نقسم ماله على مجموع الديون فنجد: ٠، ٥ ٣ - نصيب كل غريم هو: الناتج مضروبًا في مقدار دينه، فنصيب علي: ٠، ٥× ٢٥٠٠ = ١٢٥٠ ريالًا، ونصيب أحمد: =

стр. 913

ولا يلزمُهم بيانُ أنْ لا غريمَ سواهم (١)، ثم إنْ ظهرَ ربُّ دينٍ = ٥، ٠× ١٠٠٠ = ٥٠٠ ريال، ونصيب سفيان: ٥، ٠× ٥٠٠ = ٢٥٠ ريالًا. وهذه طريقة مطَّردة، ولله الحمد). (تتمة) لو بقي على المفلس بقية فيجبر المفلس على التكسب لإيفاء بقية دينه، قال في الإقناع وشرحه: (وإن بقي على المفلس) بعد قسم ماله (بقية) من الدين (أجبر المحترف على الكسب و) على (إيجار نفسه فيما يليق بمثله) من الصنائع (لقضاء ما بقي عليه) من الديون لأنه ﷺ «باع سُرَّقًا في دينه بخمسة أبعرة» رواه الدارقطني، وسُرَّقُ رجلٌ دخل المدينةَ، وذكر أن وراءه مالًا، فداينه الناسُ وركبته ديونٌ، ولم يكن وراءه مالٌ فسماه سُرَّقًا، والحر لا يُباع فعُلِم أنه باع منافعَه، إذ المنافعُ تجري مجرى الأعيان في صحة العقد عليها، وتحريمِ أخذ الزكاةِ فكذا هنا، ولأن الإجارة عقدُ معاوضةٍ فأجبر عليها، كبيع ماله (مع) بقاء (الحجر عليه إلى الوفاء) أو حكم الحاكم بفكه ويأتي، (و) يجبر أيضا على (إيجار موقوف عليه) يستغني عنه (و) على إيجار (أم ولده إن استغنى عنها) لأنه قادر على وفاء دينه فلزمه، كمالك ما يقدر على الوفاء منه (لا إن لزمه حج وكفارة) ونحوهما من حقوق الله تعالى، فلا يجبر على إيجار نفسه ووقفه وأم ولده في ذلك لأن ماله لا يباع فيه فنفعه أولى (ولا يجبر) المدين مطلقا (على قبول هبة وصدقة) وعطية، (ووصية ولو كان المتبرع ابنا) له لما فيه من الضرر عليه بتحمل المنة التي تأباها قلوب ذوي المروآت). (١) أي: لا يلزم الغرماء الحاضرين بيان أنه لا يوجد غريم آخر =

стр. 914

حالٍّ، رجعَ على كلِّ غريمٍ بقسطِه (١). ويجبُ أنْ يَتْرُكَ له ما يحتاجُه (٢) من مسكنٍ، وخادمٍ، وما يَتَّجِرُ به، وآلةَ حِرْفةٍ (٣)، ويجبُ له ولعيالِه أَدْنى نفقةِ مثلهم من مَأْكلٍ، ومشْربٍ، وكُسْوةٍ (٤). = غيرهم بخلاف الورثة فإنه يلزمهم أن يبينوا أنه لا يوجد وارث سواهم. (فرق فقهي) (١) لا يخلو بعد القسمة: ١ - إن ظهر ربُّ دينٍ حالٍّ فإن القسمة لا تنقض، ويرجع على كل غريم بقسط دينه، والذي يظهر من كلام المصنف وغيره أنه هو الذي يرجع عليهم بنفسه ولعلهم يقصدون عن طريق الحاكم والله أعلم، ٢ - وإن ظهر غريمٌ، دينُه مؤجلٌ فلا يحل الدين المؤجل بالفلس، ولا يوقف له، ولا يرجع على الغرماء إذا حل دينُه؛ لعدم ملكه المطالبة به حين القسمة. (٢) أي: يجب على الحاكم أن يترك للمفلس من ماله ما يحتاجه من مسكن وخادم صالحين لمثله، فإن كان له بيتٌ يفوق حاجةَ مثلِه فإنه يباع ويشترى له مسكنُ مثلِه، ولو كان له سيارتان يستغني بإحداهما بيعت الأخرى. (٣) أي: يجب على الحاكم أن يترك له ما يتجر به لمؤنته ومؤنة عياله، ويجب أن يترك له آلة حرفة إن كان له صنعة. (٤) أي: يجب عليه أن يترك للمفلس ولعياله من ماله قبل القسمة أدنى نفقة مثلهم إن لم يكن له كسب يفي بالنفقة، وتكمل إن كان كسبه أقل منها.

стр. 915

الرَّابعُ: انقطاعُ الطلبِ عنه (١)، فمن باعَه، أو أَقْرضَه شيئًا عالِمًا بحجرِه، لم يَمْلكْ طَلَبَه حتى ينفكَّ حجرُه (٢). (١) (الحكم الرابع): انقطاع الطلب عنه؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠] وقوله ﷺ لغرماء معاذ: «خذوا ما وجدتم ثم ليس لكم إلا ذلك». (٢) يفهم منه أنه إذا كان جاهلًا بالحجر فله أن يطالبه به، وهو وجه ذكره المرداوي عن المبهج، لكن معتمد المذهب أنه لا يطالبه إن كان جاهلًا؛ لتفريطه. ولم يقيد بهذا القيد -أي: (عالما بحجره) - في الإقناع ولا المنتهى، بل قال في الغاية (ولو غير عالم بالحجر) (مخالفة الماتن)، لكن يستثنى من هذا ما لو وجد دائنٌ عينَ ماله؛ فإنه يعود بعين ماله ولو كان جاهلًا بالحجر، وأما مع علمه به فلا، نبه عليه البهوتي في حاشيتَيْه على المنتهى والإقناع، وكذا الخلوتي في حاشية المنتهى. قال الشيخ منصور في حاشيته على المنتهى: (قوله: لم يملك طلبه، أي ببدل القرض، ولا بثمن المبيع، سواء علم الحجر عليه، أو جهله لتعلق حق الغرماء بماله، ومنْ علم فقد رضي، ومن جهل فقد فرط، وأما من وجد عين مالِه، وكان جاهلاً بالحجر عليه، فله الرجوع بها، لعموم الخبر كما مر).
следующие страницы →