Полный текст (2 012 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
فَمتى فُقِد شرطٌ، فهي فاسدةٌ (١)، وحيثُ فَسَدتْ، فالربحُ على قدرِ المالَين، لا على ما شَرطا (٢)، لكنْ يَرجعُ كلٌّ منهما على صاحبِه بأجرِ نصفِ عملِه (٣).
= الشركة، والربح على النصف، أو أقل من النصف أو أكثر من النصف؛ لأن الربح يُستحق بالعمل، وقد يتفاضلان فيه.
(١) أي متى فقد شرط من الشروط المتقدمة فالشركة فاسدة.
(٢) أي في حال فساد الشركة يكون الربح على قدر المال الذي تشاركا به لا على ما شرطاه، فإن تشارك كل واحد منهما بنصف مال الشركة واشتُرط لأحدهما الثلث وللآخر الثلثان فإذا فسدت الشركة انتقل تقسيم الربح إلى قدر المال الذي تشاركا به وهو المناصفة، ومع فسادها فإن التصرف اعتبر صحيحًا؛ لأنه حصل بإذن المالك، وكذا الوضيعة تكون بقدر المالين.
(٣) هذا على فرض أنهم اثنان اشتركا في تجارة وفُقد شرط فأصبحت الشركة فاسدة، فلابد له حينئذ من أجر على العمل الذي قام به، ويكون في مال الآخر، والتقدير يكون بنصف أجرة عمله من أجرة المثل، وهكذا الطرف الآخر، ومن الممكن أن تجرى بينهما مقاصة.
قال في نيل المأرب: (وكيفية ذلك: أن يقال بالنظر لأحدهما: كم يساوي عمله؟ فيقال مثلا عشرة فيرجع بخمسة، ويقال عن الآخر كم يساوي عمله؟ فيقال: عشرون فيرجع بعشرة، ويقاص منها بالخمسة التي استحقها على شريكه يبقى عليه خمسة).
стр. 947
وكلُّ عقدٍ لا ضمانَ في صحيحِه لا ضمانَ في فاسدِه، إلا بالتعدِّي، أو التَّفْريطِ (١)، كالشركةِ، والمضاربةِ، والوكالةِ، والوديعةِ، والرهنِ، والهبةِ (٢).
ولكُلٍّ من الشريكَين أنْ يبيعَ، ويشتري (٣)، ويأخذَ،
(١) هذه قاعدة، وهي: أن العقد - لازما كان أو جائزا - الذي لا يُضمن فيه إلا بالتعدي أو التفريط إذا اختل شرط من شروطه وصار فاسدا لم يضمن كذلك إلا بالتعدي أو التفريط، فما وجب الضمان في صحيحه وجب في فاسده.
قال البهوتي في شرح المنتهى - وأصله لابن رجب كما في الكشاف -: (والحاصل: أن الصحيح من العقود إن أوجب الضمان ففاسده كذلك، وإن كان لا يوجبه فكذلك فاسده. وليس المراد أن كل حال ضمن فيها في الصحيح ضمن فيها في الفاسد، فإن البيع الصحيح لا تضمن فيه المنفعة بل العين بالثمن، والمقبوض ببيع فاسد يجب ضمان الأجرة، والإجارة الصحيحة تجب فيها الأجرة بتسليم العين المعقود عليها، انتفع المستأجر أو لم ينتفع، وفي الإجارة الفاسدة روايتان، والنكاح الصحيح يستقر فيه المهر بالخلوة دون الفاسد).
(٢) هذا تمثيل للقاعدة؛ فالشركة والمضاربة -مثلًا-لا ضمان في صحيحهما إلا بالتعدي والتفريط فكذلك لا ضمان في فاسدهما إلا بالتعدي أو التفريط، وكذا باقي العقود التي ذكرها.
(٣) أي لكل من الشريكين مع الإطلاق أن يبيع ويشتري ويأخذ ويعطي ويطالب ويخاصم ويحيل ويحتال ويرهن ويرتهن ويرد =
стр. 948
ويُعطي، ويُطالبَ، ويُخاصمَ (١)، ويفعلَ كلَّ ما فيه حظٌ للشركةِ.
= بعيب ويفعل كل ما فيه حظ للشركة كحبس غريم.
(١) لأن من ملك قبض شيء ملك المطالبة به والخصومة فيه.
(تتمة): وتبطل شركة العنان: ١ - بموت أحد الشريكين، ٢ - وجنونه المطبق، ٣ - وبالحجر لسفه، ٤ - وبالفسخ من أحدهما، وسائر ما يبطل الوكالة.
стр. 949
فصلٌ (١)
الثاني: المضاربةُ (٢)، وهي: أن يدفعَ مالَه إلى إنسانٍ لِيَتَّجِرَ فيه ويكونَ الربحُ بينهما بحسَبِ ما يتفقان.
وشُروطُها ثلاثةٌ (٣):
أحدُها: أن يكونَ رأسُ المالِ من النقدينِ المضروبين (٤).
(١) أي: فصل في شركة المضاربة.
(٢) المضاربة لغة: مأخوذة من الضرب في الأرض، وتُسمى عند أهل الحجاز: قراضًا، واصطلاحا عرفها المصنف بقوله: " أن يدفع ماله إلى إنسان ليتجر فيه ويكون الربح بينهما بحسب ما يتفقان "، وحكى ابن المنذر الإجماع على جوازها.
وحقيقة المضاربة: أمانة ووكالة، قال في المنتهى وشرحه: (وهي أمانة) بدفع المال (ووكالة) بالإذن في الصرف (فإن ربح) المال بالعمل (فشركة) لصيرورتهما شريكين في ربح المال (وإن فسدت) المضاربة (فإجارة) أي: كالإجارة الفاسدة; لأن الربح كله لرب المال وللعامل أجرة مثله (وإن تعدى) عامل في المال ففعل ما ليس له فعله (ف) ك (غصب) في الضمان لتعديه ويرد المال وربحه ولا أجرة له).
(٣) وبالإضافة إلى الشرط المتقدم (كون الشريكين جائزي التصرف)، فتصبح شروطها أربعة.
(٤) (الشرط الأول): أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين =
стр. 950
الثاني: أن يكونَ مُعيَّنًا معلومًا (١) ولا يُعتبرُ قبضُه بالمجلس (٢) ولا القَبُول (٣).
الثالثُ: أن يَشترطا للعامل جزءًا معلومًا من الربح (٤).
فإنْ فُقِدَ شَرطٌ فهي فاسدة (٥)، ويكون للعامل أجرةُ مثلِه (٦)،
= الذهب والفضة، فلا تصح بالعروض ولا بالفلوس، وتصح بالأوراق النقدية كما تقدم في شركة العنان.
(١) (الشرط الثاني): أن يكون رأس المال معينًا معلوما قدره وصفته، فلا يصح إن كان مبهما، كأن يقول: ضارب بأحد هذين المالين، ولا في الذمة كما تقدم في شركة العنان.
(٢) أي: لا يعتبر لصحة المضاربة أن يقبض العامل المال في المجلس، بل يصح إن كان المال بيد ربه.
(٣) أي: لا يشترط لصحة المضاربة أن يقبل العامل، بل لو باشر العمل - بعد قول صاحب المال: اعمل بهذا المال - اعتبر ذلك قبولا كالوكالة.
(٤) (الشرط الثالث): أن يشترطا للعامل جزءًا مشاعا معلوما كنصف وثلث، وسواء كان هذا الجزء للعامل والباقي لرب المال أو العكس.
(٥) أي إن فقد شرط من الشروط الثلاثة المتقدمة فسدت المضاربة، ويترتب عليه أمران:
(٦) الأمر الأول: يكون للعامل أجرة المثل مقابل عمله سواء ربحت المضاربة أو خسرت، وتصرفه في الشركة الفاسدة صحيح؛ لأنه مأذون له.
стр. 951
وما حصل من خسارة أو ربح فللمالك (١).
وليس للعاملِ شراءُ من يَعتَقُ على ربِّ المال (٢)، فإن فعل عَتَقَ، وضمن ثمنَه (٣)، ولو لم يعلم (٤).
ولا نفقةَ للعامل إلا بشرط (٥)، فإن شُرِطَتْ مُطْلَقَةً واختلفا،
(١) الأمر الثاني: أن ما حصل من خسارة أو ربح في مال المضاربة فلرب المال؛ لأنه نماء ماله.
(٢) أي: يحرم على العامل شراء من يعتق على رب المال بلا إذنه، سواء كان عتقه عليه لقرابة أو تعليق أو إقرار بحريته كما استظهره البهوتي في شرح المنتهى؛ لأن فيه ضررًا عليه، ومن يعتق عليه لقرابة: كل أنثى لا يجوز نكاحها، أو ذكر لو قدر كونه أنثى لم يجز نكاحها.
(٣) أي: إن خالف العامل واشترى من يعتق على رب المال بلا إذنه صح العقد، وعتق على رب المال لتعلق العتق بدخوله في ملكه، ويضمن العامل الثمن الذي اشتراه به.
(٤) أي: يضمن ثمنه سواء علم أنه ممن يعتق على رب المال أو لم يعلم؛ لأنه إتلاف للمال يستوي فيه العلم والجهل.
(٥) أي: لا نفقة للعامل في المضاربة؛ لأنه دخل على العمل بجزء، فلا يستحق غيرَه، قال في الإقناع: (ولو مع السفر)، إلا بشرط في عقد المضاربة بأن للعامل النفقة، وزاد البهوتي في شرح الإقناع والمنتهى عن ابن تيمية وابن القيم: (أو عادة)، أي: لو جرت العادة بأن العامل يأخذ النفقة من مال الشركة فله ذلك، قال في الإنصاف: (وكأنه أقام العادةَ مقامَ =
стр. 952
فله نفقةُ مثلِهِ عُرفًا من طعامٍ وكِسوة (١).
ويملكُ العاملُ حصَّتَهُ مِنَ الربحِ بظهورِهِ قبلَ القسمةِ كالمالك (٢)، لا الأخذَ منه إلا بإذن (٣).
= الشرط، وهو قويٌّ في النظر).
(١) أي: إن شرطت للعامل نفقة مطلقة ولم يحددا قدرها، واختلفا في قدرها كان له نفقة مثله في العرف من طعام وكسوة.
وهل نفقة العامل من رأس المال أو من الربح؟
تردد فيه ابن نصر الله، واستظهر الشيخ منصور أنها من الربح كما في شرح الإقناع، ثم قال الشيخ عثمان: (فإن لم يكن ربح فلا نفقة فيما يظهر).
(٢) أي: بمجرد ظهور الربح قبل القسمة يملك العامل حصته من الربح، ومن فوائد ذلك: ١ - أن العامل يملك المطالبة بقسمة الربح، ٢ - وأنه لو شرط رب المال على العامل أنه لا يملك نصيبه من الربح إلا بالقسمة لم يصح الشرط لمنافاته مقتضى العقد كما في شرح المنتهى، ويستقر ملكُ العامل في حصته بالمقاسمة كما في الإقناع، وقوله: (كالمالك) أي: يملك رب المال، ويملك رب المال نصيبه من الربح بمجرد الظهور أيضا.
(٣) أي: لا يجوز لأحد أن يأخذ من الربح إلا بإذن الآخر، فلا يملك العامل أن يأخذ من الربح إلا بإذن رب المال؛ لأن ملكه غير مستقر كما أن نصيبه مشاع فلا يقاسم نفسه. فحكم قسمة الربح محرم ما دام العقد باقيا إلا باتفاقهما.
стр. 953
وحيثُ فُسِخَتْ والمالُ عَرْضٌ فَرَضِيَ ربُّه بأخذه قوَّمَهُ، ودفع للعامل حصَّتَهُ (١)، وإن لم يرض، فعلى العاملِ بيعُهُ وقبضُ ثمنِه (٢).
(١) أي: إن فسخت المضاربة ورضي رب المال أن يأخذ مال المضاربة على صفته التي هو عليها قوم مالَ المضاربة ودفع للعامل حصتَه من الربح؛ كأن يكون مال المضاربة سيارات، فيقوم السيارات فإذا هي ب (١٠٠، ٠٠٠) ريال، فإذا كان رأسُ المال (٥٠، ٠٠٠) فيخصم (٥٠، ٠٠٠) رأس المال، ويبقى الربح (٥٠، ٠٠٠) ريال فنصيبهما من الربح (٥٠، ٠٠٠) ريال، وللعامل نصف الربح مثلا فيكون (٢٥، ٠٠٠) ريال فيعطي للعامل هذا المبلغ ويأخذ بالعروض، وإن ارتفع السعر فأصبح (١٥٠، ٠٠٠) ريال فليس للعامل شيء مالم يكن المالكُ فعلَ ذلك حيلةً، قال في المنتهى وشرحه: (فإن ارتفع السعر بعد ذلك لم يطالب العامل رب المال بقسطه كما لو ارتفع بعد بيعه (إن لم يكن) فعل رب المال ذلك (حيلة على قطع ربح عامل كشرائه خزا في الصيف ليربح في الشتاء ونحوه) كرجاء دخول موسم أو قفل (فيبقى حقه) أي: العامل (في ربحه) ; لأن الحيلة لا أثر لها نصا)
(٢) أي: وإن لم يرض ربُّ المال بعد الفسخ بأخذ العروض، فعلى العامل بيعه وقبض الثمن ورده للمالك حتى لو لم يكن ربح كما في الإقناع؛ لأن عليه رد المال ناضا - أي نقدا - كما أخذه.
стр. 954
والعاملُ أمينٌ (١)، يُصَدَّقُ بيمينه في قدر رأس المال (٢)، وفي الربح وعدمه، وفي الهلاك والخسران حتى ولو أقر بالربح (٣).
ويُقبَلُ قولُ المالكِ في قدرِ ما شُرِطَ للعامل (٤).
(١) لأنه قبض المال في حال لا يختص بنفعه.
(٢) أي: يصدق العامل بيمينه إن لم تكن بينة في قدر رأس المال؛ لأنه منكر للزيادة، والأصل عدمها، وإن أقاما بينتين قدمت بينة رب المال قاله البهوتي في شرح المنتهى.
(٣) أي: كذلك يصدق العامل بيمينه في حصول الربح وقدره، وعدم حصوله، وفي هلاك المال - أي تلف رأس المال أو الربح - والخسران أيضا، حتى لو أقر بالربح ثم تراجع وادعى الخسران أو الهلاك، فيقبل قوله بيمينه؛ لأنه أمين، إن لم يكن هناك بينة للمالك تشهد بخلاف ما ذكره العامل فيحكم للمالك بها، قال البهوتي في الكشاف: (ومحل ذلك: إن لم تكن لرب المال بينة تشهد بخلاف ذلك، وإن ادعى الهلاك بأمر ظاهر كلف بينة تشهد به ثم حلف أنه تلف به)، وقال في شرح المنتهى: (قلتُ: فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ رَبِّ الْمَالِ).
(٤) أي: إذا اختلفا في القدر المشروط للعامل من الربح فيقبل قول المالك كأن يقول العامل: شرطت لي النصف، ويقول المالك بل الثلث، فيقبل قول المالك؛ لأنه ينكر السدس الزائد واشتراطَه له والقول قول المنكر، وأما إن كان هناك بينة للعامل وبينة للمالك قدمت بينة العامل بخلاف المسألة السابقة. (فرق فقهي)
стр. 955
فصل
الثالثُ: شركةُ الوجوهِ (١): وهي أن يشتركَ اثنانِ لا مالَ لهما في ربحِ ما يشتريانِ من الناس في ذِمَمِهِمَا (٢).
ويكونُ المِلْكُ والربحُ كما شرطا (٣)، والخسارةُ على
(١) من الجاه، يقال فلان وجيه: أي صاحب منزلة، ففي شركة الوجوه لا يدخل الشركاء بأموالهم، وإنما يشترون السلع في ذممهم بثمن مؤجل بحسب جاههم وثقة الناس بهم، ثم يحددون كم لكل واحد من رأس المال - وهي السلع التي اشتروها -، ثلثها أو نصفها.
قال البهوتي في الكشاف: (وهي جائزة، إذ معناها: وكالة كل واحد منهما صاحبه في الشراء والبيع والكفالة بالثمن، وكل ذلك صحيح لاشتمالها على مصلحة من غير مفسدة).
(٢) أي: ليس هناك مال بل يشتريان في الذمة.
(٣) أي: من شروط هذه الشركة: أنه لابد من تحديد نصيب كل منهما من رأس المال؛ حتى تكون الوضيعة على قدر رأس المال، ولا يحدد رأس المال بحسب الشراء في الذمة بل باتفاقهما على تحديد نصيب كل واحد منهما، ويكون الربح أيضا على ما يتفقان عليه؛ لأنه قد يكون أحدهما أكثر جاها من صاحبه فيجوز أن يشترط زيادة في الربح في مقابل ذلك.
стр. 956
قدر المِلْك (١).
الرابعُ: شركةُ الأبدانِ (٢): وهي أن يشتركا فيما يتملكانِ بأبدانهما من المباح (٣)، كالاحتشاشِ والاحتطابِ والاصطيادِ، أو يشتركا فيما يتقبلانِ في ذِممهما من العمل (٤).
(١) أي: تكون الخسارة - بتلف أو بيع بنقصان عما اشترى به - على قدر نصيب كل واحد منهما من رأس المال سواء كان الربح كذلك أو أقل أو أكثر؛ فمن له من رأس المال ثلثان فعليه ثلثا الوضيعة، ومن له الثلث فعليه ثلثها.
(تتمة): إذن شروطها ثلاثة: ١ - أن يكون كل واحد منهما جائز التصرف. ٢ - أن يحدد نصيب كل واحد منهما من رأس المال والربح. ٣ - الخسارة تكون على قدر الملك.
(٢) سميت بذلك لاشتراكهما في عمل أبدانهما.
(٣) شركة الأبدان نوعان: (النوع الأول): اشتراك في تملك المباحات كالاحتشاش والاحتطاب والاصطياد، فيقتسمان ما يُحَّصِلَانِه من ذلك أو المال الناتج عن بيعه على ما اتفقا عليه من تساوٍ أو تفاضل.
(٤) (النوع الثاني): أن يشتركا في تقبل الأعمال - أي: يأخذ كلٌ منهما أعمالًا من الناس كصيانة السيارات وغسيلها ونحو ذلك - في الذمة ولو اختلفت صنائعهما كخياط ونجار، فلا يشترط اتفاق الصنعة، بل ولا معرفتهما، ولو قال أحدهما: أنا أتقبل وأنت تعمل والأجرة بيننا صح، وتقسم أجرة عمل تقبَّلاه أو أحدهما على ما اتفقا عليه من تساوٍ أو تفاضل، وإذا تقبل =
стр. 957
الخامسُ: شركةُ المفاوضةِ: وهي أن يُفوِّضَ كلٌّ إلى صاحبه شراءً وبيعًا في الذمة، ومضاربةً وتوكيلًا ومسافرةً بالمال، وارتهانا (١).
= أحدهما عملا كان لكل واحد منهما طلب الأجرة فيما تقبل صاحبه، ولو تلف شيء عند أحدهما بلا تفريط فهو مضمون عليهما؛ وإن تلف بتفريطه فهو عليه وحده.
(تتمة): يلزم من حصل له عذر يمنعه من العمل كمرض، أو كان لا يعرف الصنعة أن يقيم مقامَه مَنْ يعرف الصنعة إن طلب شريكه ذلك، وإلا لم يلزمه؛ لدخولهما على العمل، فلزمه أن يفي بمقتضى العقد، وللآخر الفسخ إن امتنع أو لم يمتنع، كما في الإقناع وشرح المنتهى.
(١) وهي لغة: الاشتراك في كل شيء، وهي قسمان: (القسم الأول): صحيح، وهو نوعان: [النوع الأول]: (أن يشتركا في كل أنواع الشركة السابقة): وهي أن يُفوِّضَ كلٌّ إلى صاحبه شراءً وبيعًا في الذمة، ومضاربةً وتوكيلًا ومسافرةً بالمال، وارتهانا، فيصح؛ لأن هذه الشركات صحيحة بانفرادها فصحت مجتمعة.
قال ابن عوض - نقلا عن الحفيد -: (ومعنى التفويض: إذنه في ذلك، ولابد فيها من إحضار كل منهما مالا للعنان، ومالا للمضاربة، ودفع مال المضاربة للمضارب، وذكر قدر الربح؛ لأنها شركة تجمع بين عِنان ومضاربة وأبدان ووجوه؛ لأن الشراء في الذمة هو شركة الوجوه، وضمان من يرى من =
стр. 958
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الأعمال هو شركة الأبدان، وما عداهما هو شركة العنان والمضاربة، والوضيعة فيها على قدر المالين).
(تتمة): [النوع الثاني]: أن يشتركا في كل ما يثبت لهما وعليهما دون أن يُدخلا فيها كسبًا نادرًا كميراث ووجدان لقطة وركاز، ولا يُدخلا فيها أيضًا غرامة كضمان غصب، وقيمة متلف، وأروش جنايات كضمان حوادث السيارات.
(القسم الثاني): فاسد وهو مثل النوع الثاني؛ لكنهما يدخلان فيها كسبًا نادرًا لهما أو لأحدهما كأن يشترطا إذا ورث أحدُهُما شيئًا أو وصي له بشيء شاركه الشريك الآخر، وكذا لو أدخلا فيها غرامة عليهما أو على أحدهما كما لو غصب أحدهما شيئًا ضمنه معه شريكه؛ فتفسد؛ لأنه عقد لم يأت الشرع بمثله، ولما فيه من الغرر، ولأنه قد يلزم فيه ما لا يقدر الشريك على القيام به.
(تتمة) في الإقناع: (والشروط في الشركة ضربان: صحيح: مثل أن يشترط ألا يتجر إلا في نوع من المتاع أو بلد بعينه أو لا يبيع إلا بنقد كذا أو لا يسافر بالمال أو لا يبيع أو لا يشتري إلا من فلان.
وفاسد: ١ - كاشتراط ما يعود بجهالة الربح - وتقدم في أول الباب - فهذا يفسد العقد في الشركة. ٢ - وإن اشترط عليه ضمان المال أو أن عليه من الوضعية أكثر من قدر ماله أو الارتفاق في السلع أو لا يفسخ الشركة مدة بعينها أو لا يبيع =
стр. 959
ويَصِحُّ دفعُ دابةٍ أو عبدٍ لمن يعملُ بهِ بجزءٍ من أُجرته (١)، ومثلُهُ خياطةُ ثوبٍ ونَسجُ غزلٍ وحصادُ زرعٍ (٢) ورَضاعُ
= إلا برأس المال أو أقل أو لا يبيع إلا ممن اشترى منه أولا يبيع أو لا يشتري أو لزوم العقد أو خدمة ولو في شيء معين أو قرضا أو مضاربة أخرى أو شرطه لأجنبي أو أيما أعجبه أخذه بثمنه: وهو التولية ونحوها - فهذه شروط فاسدة ولا يفسد العقد …
والشركة: عقد جائز تبطل بموت أحد الشريكين وجنونه والحجر عليه لسفه وبالفسخ من أحدهما) انتهى من الإقناع، وقال في الكشاف: (فهذه شروط فاسدة)؛ لأنها ليست من مصلحة العقد ولا مقتضاه أشبهت ما ينافيه.
(ولا تُفسد) هذه الشروط الفاسدة (العقدَ)؛ لأنه عقد على مجهول فلم تبطله الشروط الفاسدة كالنكاح وهذا ما صححه في الإنصاف وغيره لكن مقتضى القواعد: أنه إذا شرط عليه قرضا أو مضاربة أخرى يفسد العقد؛ لأنه كبيعتين في بيعة المنهي عنه كما يأتي بعضه في المضاربة.
(١) أي: يصح أن تدفع دابة كسيارة أو عبدا لمن يعمل بهما مقابل جزء من أجرته كنصف الأجرة أو ثلثها، والباقي لصاحب الدابة؛ لكن لو جعل له مع الجزء المشاع درهما فأكثر لم يصح نصا قاله البهوتي في شرح المنتهى، وجزم به في الإقناع والغاية.
(٢) كأن يدفع ثوبا لمن يخيطه بجزء مشاع معلوم منه فيجوز، ومثله =
стр. 960
قِنٍّ (١)، واستيفاءُ مالٍ بجزءٍ مُشاعٍ منه (٢)، وبيعُ متاعٍ بجزءٍ من ربحه (٣).
ويَصِحُّ دفعُ دابةٍ أو نحلٍ أو نحوهما لمن يقومُ بهما مدةً
= لو دفع غزلا إلى من ينسجه بجزء مشاع معلوم منه، أو جعله يحصد زرعه بجزء مشاع معلوم من الزرع جاز ذلك.
(١) أي: لو دفع قنه إلى من ترضعه مقابل تملكها جزءًا منه كنصفه وثلثه جاز ذلك.
(٢) بأن يقول له حصل لي هذا المال من فلان ولك ثلثه أو ربعه فيجوز، وهل يدخل في هذا المحاماة؟ بأن يخاصم المدينَ عند القاضي؟ أم هو فيمن لا يحتاج إلى مخاصمة؟ فليحرر.
(تنبيه) هل العقد في الأمثلة السابقة جائز أم لازم؟ يفهم من تعليل البهوتي في شرح المنتهى أنها عقود جائزة؛ حيث قاسها على المساقاة، قال في شرح المنتهى تعليلا للجواز: (لأنها عين تنمى بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها كالشجر في المساقاة والأرض في المزارعة)، والمسألة تحتاج إلى تحرير نوع العقد هل هو شركة أم جعالة أم ماذا؟ ولعله شركة؛ لأنهم يذكرونها في آخر شركة المضاربة، ويدل عليها قوله في الغاية وشرحها: (فروع: يصح تشبيها) بشركة (المضاربة دفع عبد أو) دفع (دابة). والله أعلم
(٣) بأن يقول له بع لي هذه السيارة مثلا أو هذا البيت ولك ربع الربح أو ثلثه.
стр. 961
معلومةً بجزءٍ منهما (١)، والنماءُ مِلْكٌ لهما (٢)، لا إن كان بجزءٍ من النماءِ (٣): كالدَّرِ والنَّسْلِ والصُّوفِ والعَسَلِ، وللعاملِ أُجرةُ مثلِه (٤).
(١) أي: يصح أن يُدفع دابة أو نحلٌ لمن يقوم بهما ويطعمهما مدة معلومة كسنة بجزء منهما أي من عينهما، فتملك بعد سنة مثلا.
(٢) أي: النماء المتحصل من صوف ولبن وعسل ملك للدافع والمدفوع إليه على حسب ملكهما؛ لأنه نماؤه.
(٣) أي: لا يصح ولا يجوز دفع الدابة مقابل جزء من النماء كخُمس النماء من الدر والنسل والصوف والعسل؛ لأن النماء يحصل بغير عمل من العامل، هكذا عللوا.
(٤) أي: إذا حصل بهذه الكيفية المتقدمة على أن يكون جزء من النماء للعامل، فإن العقد فاسد ويكون للعامل حينئذ أجرةُ مثله؛ لأنه عمل بعوض لم يسلم له، والنماء إنما هو للمالك فقط، لكن الإشكال هنا أن هذه المسألة قريبة من عقد المساقاة، وهي: أن تدفع شجرا مغروسا لمن يعمل عليه بجزء من الثمرة التي هي نماء الشجر، لكن لعل عقد المساقاة مستثنى؛ لورود النص فالله أعلم.
وفي شرح المنتهى بعد تقرير المذهب: (وعنه: بلى) أي: وعنه: يجوز وهي اختيار شيخ الإسلام كما في المطالب.
стр. 962
باب المُساقاة (١)
وهي دفعُ شَجَرٍ لمن يقومُ بمصالحِهِ بجزءٍ من ثمرِهِ بشرطِ كونِ الشجرِ معلومًا (٢)، وأن يكونَ له ثمرٌ يؤكلُ (٣)، وأن يُشْرَطَ
(١) المساقاة لغة: مفاعلة من السقي، أي: سقي الماء، أما شرعًا فعرفها المصنف بقوله: دفعُ شَجَرٍ لمن يقومُ بمصالحِهِ بجزءٍ من ثمرِهِ، ولها ثلاث صور: ١ - دفع الشجر المغروس الذي ليس عليه ثمر لمن يقوم بسقيه والعمل عليه حتى يثمر بجزء من الثمر. ٢ - دفع الشجر وعليه ثمر لمن يعمل على إكماله وإتمامه بجزء من الثمر لا من الشجر. ٣ - دفع الشجر بلا غرس مع أرض لمن يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر بجزء مشاع معلوم من الشجر أو الثمر أو من الشجر والثمر ويسمونها (المغارسة والمناصبة)، وكلها جائزة. والأصل فيها حديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، متفق عليه.
(٢) يشترط لصحة المساقاة شروط منها: (الشرط الأول): أن يكون الشجر معلومًا للمالك والعامل برؤية أو صفة.
(٣) (الشرط الثاني): أن يكون له ثمر يؤكل فيخرج الثمر الذي لا يؤكل كالصنوبر، والشجر الذي ليس له ثمر.
стр. 963
للعامل جزءٌ مُشاعٌ معلومٌ من ثمرِه (١).
(١) (الشرط الثالث): أن يشترط للعامل من الثمرة جزء مشاع غير معين كنصف مثلا والباقي لرب الثمر، أو العكس فيكون الجزء للمالك والباقي للعامل، وقوله: (من ثمره) أي أنه لا يصح أن يكون الجزء المشاع من الشجر.
(تتمة): (الشرط الرابع): أن يكون الشجر من رب الأرض، فلا يصح إذا كان الشجر من العامل وإلا بطلت.
(الشرط الخامس): أن يبقى من العمل ما تزيد به الثمرة أو الزرع، فإذا أتى إلى شخص ليعقد معه عقد مساقاة وقد اكتمل البرتقال مثلا وظهر نضجه فهنا العقد ليس مساقاة بل العقد على الجداد والقطع، فلا تصح المساقاة عليه، وله في ذلك الأجرة فقط، قال في الإقناع وشرحه: (فإن بقي من العمل ما لا تريد به الثمرة) أو الزرع (كالجذاذ ونحوه) كالحصاد (لم يصح) عقد المساقاة ولا المزارعة قال في المغني والمبدع: بغير خلاف).
(الشرط السادس): أن يكون كل من العاقدين جائزي التصرف.
(الشرط السابع): أن تكون المساقاة على ثمر من شجر له ساق فيخرج الثمر الذي ليس له ساق كالطماطم فلا تصح المساقاة عليه بل تصح المزارعة عليه.
(تتمة) قال في الإقناع وشرحه: (وإن ساقاه إلى مدة تكمل فيها الثمرة غالبا فلم تحمل) الثمرة (تلك السنة، فلا شيء للعامل)؛ لأنه دخل على ذلك وكالمضارب).
стр. 964
والمُزارعةُ: دفعُ الأرضِ والحَبِّ لمن يزرعُهُ ويقومُ بمصالحِهِ (١) بشرطِ كونِ البذرِ معلومًا جنسُه (٢) وقدرُه (٣)، ولو لم يُؤكل (٤)، وكونُهُ من ربِّ الأرضِ (٥)، وأن يُشرَطَ للعامل جزءٌ
(١) يزاد على التعريف: (بجزء مشاع معلوم من المتحصل لا من الزرع والأرض) كما قال النجدي. قول المؤلف: (لمن يزرعه) قال في المنتهى: (أو مزروع ليعمل عليه) فيصح حتى لو كان مزروعا ليعمل عليه.
(٢) يشترط لصحة المزارعة: (الشرط الأول): أن يكون البذر معلوما جنسه، هل هو قمح أو شعير أو غير ذلك، وإنما يكون ذلك برؤية أو صفة كشجر في مساقاة، كما في شرح المنتهى.
(٣) (الشرط الثاني): علم قدر البذر الذي سيبذره العامل، وزاد في الإقناع: (وفي المغني: أو تقدير المكان)، يعني: معرفة مساحة المكان الذي سيبذر فيه العامل البذر، وإن لم يعلم قدره.
(٤) أي: ولو لم يكن الثمر مأكولا بخلاف المساقاة. (فرق فقهي)
(٥) (الشرط الثالث): كون البذر من رب الأرض أو مالك نفع الأرض كالمستأجر والموقوف عليه، فلا يصح كونه من العامل؛ لأنهما يشتركان في نمائه فوجب كون رأس المال من أحدهما كالمضاربة، والرواية الثانية: لا يشترط كون البذر من رب الأرض، واختارها الموفق والمجد والشارح وابن القيم وابن تيمية، وقال في الإنصاف: (وهو أقوى دليلًا)؛ لحديث خيبر فلم يرد فيه أن النبي ﷺ جعل البذرَ على المسلمين.
стр. 965
معلومٌ مشاعٌ منه (١).
ويَصِحُّ كونُ الأرضِ والبذرِ والبقرِ من واحدٍ، والعملِ من آخر (٢).
فإنْ فُقِدَ شرطٌ فالمساقاةُ والمزارعةُ فاسدةٌ (٣)، والثمرُ والزرعُ لربِّهِ وللعاملِ أجرةُ مثلِه (٤). ولا شيءَ له إن فَسَخَ أو
(١) (الشرط الرابع): أن يُشرط للعامل جزء مشاع معلوم كنصف وثلث، وقوله: (منه) أي مما يتحصل من الغلة.
(٢) الأصل في المذهب أن البقر والحرث من العامل لكن هذه الصورة يصح فيها كون البقر من رب الأرض.
(٣) قال اللبدي: (الأولى أن يقول فاسدتان)؛ لكن قال ابن عوض: (فاء الخبر على التوزيع؛ فاندفع ما يقال: لم تحصل المطابقة بين المبتدأ والخبر في التثنية)، فالذي يظهر أن كلام المصنف مستقيم خلافًا لما قاله اللبدي.
(٤) أي: إذا فسدت المساقاة والمزارعة، فيكون الثمر في المساقاة لرب الشجر، والزرع في المزارعة لربه، لأنه عين ماله ينقلب من حال إلى حال، ولا يخلو الحال: ١ - إن كان البذر من رب الأرض فالزرع له وعليه أجرة المثل للعامل؛ لأنه بذل منافعه بعوض لم يسلم له فرجع إلى بدله وهو أجرة المثل، ٢ - وإن كان البذر من العامل فالزرع له وعليه أجرة مثل الأرض؛ لأن ربها إنما بذلها بعوض فلما لم يسلم له رجع بعوض منافعها الفائتة بزرعها، وهو أجرة المثل ٣ - وإن كان البذر منهما فالزرع لهما بحسبه.
стр. 966
هَرَبَ قبلَ ظهورِ الثمرة (١). وإنْ فَسَخَ بعدَ ظُهُورِهِا فالثمرةُ بينهما على ما شرطا (٢)، وعلى العاملِ تمامُ العملِ ممّا فيه نموٌّ أو صلاحٌ للثمر (٣).
(١) فلا شيء للعامل إذا فسخ قبل ظهور الثمرة في المساقاة والمزارعة؛ لأنه رضي بإسقاط حقه، كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح.
(تتمة) إن مات العامل أو رب المال، أو فسخ رب المال المساقاةَ قبل ظهور الثمرة وبعد العمل فللعامل أجرة عمله قاله في المنتهى وشرحه (٣/ ٦٠٦)، وكذا لو فسخ العامل في المزارعة فلا شيء له، وإن فسخ المالك فللعامل أجر عمله وما أنفق في الأرض كما في الإقناع وشرحه (٩/ ٣٠).
(٢) أي: إن فسخ عقد المساقاة بعد ظهور الثمرة فهي بينهما كما شرطا في العقد، لكن يجب على العامل - كما ذكره المصنف - أن يتم عمله حتى يكتمل نمو الثمرة.
(٣) كالسقي والتشميس وإزالة الحشائش المضرة وجميع ما يؤدي إلى صلاح ونمو الثمرة، فإن قيل ما فائدة الفسخ إذن؟، قال ابن نصر الله (فائدته: لو حدثت ثمرة بعده، كان للعامل أجرة عمله فيها، لا حصته منها كما لو انفسخت قبل ظهور الثمرة) ذكره ابن عوض.
(تتمة): الواجب على رب الأرض (كل ما فيه حفظ الأصل من سد الحيطان وإجراء الأنهار وحفر الآبار)، فإن شرط أحدهما على الآخر ما يلزمه أو بعضه، فالشرط فاسد مفسد =
стр. 967
والجَذَاذُ (١) عليهما بقدر حصَّتِهِمَا (٢)، ويتَّبعان العُرفَ في الكُلَفِ السُّلْطَانِيَّةِ (٣)، ما لم يكن شرطٌ فيُتَّبَع (٤)
= للعقد؛ لأنه شرط يخالف مقتضى العقد فأفسده.
(١) يصح بالذال والدال، وهو: قطع الثمر سواء على الأشجار أو الزروع.
(٢) أي أن قطع الثمر عليهما - إن لم يشترط على العامل - بقدر حصتيهما، فإن كان نصيب كل واحد منها النصف كان على كل واحد منهما قطع نصف الثمر وهكذا؛ لأنه إنما يكون بعد تكامل الثمرة وانقضاء المعاملة فكان عليهما، كنقل الثمرة إلى المنزل، ونظر فيه الشيخ منصور فقال في الكشاف: (هكذا عللوه وفيه نظر فإن نقل الثمرة إلى الجرين والتشميس والحفظ ونحوه، تقدم أنه على العامل مع أنه بعد الجذاذ)، وقال في شرح المنتهى: (وفيه نظر، وعنه على العامل).
(٣) وهي الكلف السلطانية التي يأخذها السلطان، وهي من المكوس المحرمة، فإن كان العرف أن الكلف تؤخذ من العامل أخذت من نصيبه، وإن كانت في العرف تؤخذ من رب المال فعليه.
(٤) أي: يكون مرجع هذه الكلف إلى العرف ما لم يكن شرط بينهما في بداية العقد من الذي يتحملها، فإن شرطت على أحدهما فهي عليه وإن خالفت العرف.
стр. 968
بابُ الإجارةِ (١)
(١) الإجارة لغة: المجازاة، يقال: آجره الله على عمله، إذا جازاه عليه. وهي شرعًا: عقد على منفعة مباحة معلومة مدة معلومة من عين معينة، أو موصوفة في الذمة، أو عمل معلوم بعوض معلوم.
(تتمة) ما يستثنى من اشتراط العلم بالمدة في الإجارة: يستثنى من قولهم: (مدة معلومة) صورتان ذكرهما في الإقناع وشرحه أول الإجارة، وكذا في المنتهى، قال مع شرحه: (ويستثنى من شرط المدة: ١ - صورة تقدمت في الصلح) وهي أن يصالحه على إجراء مائه في أرضه أو سطحه فلا يعتبر فيها تقدير المدة للحاجة كنكاح، (و) يستثنى منه أيضا ٢ - (ما فعله) أمير المؤمنين (عمر رضي الله تعالى عنه فيما فتح عنوة ولم يقسم) وما ألحق به كأرض مصر والشام وسواد العراق حيث وقفها وأقرها بأيدي أربابها بخراج ضربه عليها في كل عام أجرة لها ولم يقدر مدتها؛ لعموم المصلحة)، وعلة هاتين الصورتين: الحاجة، وعموم المصلحة، وهل يجوز القياس عليهما؟، وزاد الخلوتي صورتين، فقال: (٣ - وكذا مسألة وضع الخشب على جدار =
стр. 969
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= غيره المذكورة في الصلح أيضًا، فتنبه!، وذكرها المص في هذا الباب أيضًا مع مسألة .... ٤ - وهي إجارة دار تجعل مسجدًا، وسيأتي حكمها آخر الباب) وهي: إذا أجر أرضا وبنى بها مسجدا ونحوه كقنطرة فلا يهدم ولا يتملك وتلزم الأجرة إلى زواله؛ لأنه العرف؛ إذ وضع هذه للدوام قاله في الإقناع وشرحه، وهناك صورة خامسة ذكروها في الصلح أيضا وهي: ٥ - أن يضع بناءه أو خشبه على علو غيره إجارة مدة معينة، وإذا مضت المدة بقي البناء والخشب، قال في الغاية: (وجوبا)، ولمالك العلو أجرة المثل وليس له مطالبة صاحب البناء والخشب بإزالة بنائه وخشبه، قال البهوتي في شرح المنتهى: (لأنه العرف فيه؛ لأنه يعلم أنها لا تستأجر كذلك إلا للتأبيد، ومع التساكت له أجرة المثل، ذكر معناه ابن عقيل في الفنون)، ثم قاس البهوتي على هذه المسألة مسألة سادسة فقال: ٦ - (قلت: وعلى قياسه الحاكورة المعروفة)، والحكورة هي: اتفاق ناظر الوقف أو مالك العقار مع عاقد، على أن يدفع له بدلا يسمى حِكرا، أو أجرة، أو بدل الحِكر، مقابل انتفاعه بالعقار، من غير تقدير مدة العقار. هكذا عرفه الدكتور صالح الحويس في بحثه "الحكر"، وذكر أنه زاد وكثر في الدولة العثمانية، وإلا فهو معروف عند الفقهاء من قديم، وذكرها شيخ الإسلام في عدة فتاوى سئل عنها، ومما ذكره - في معرض تقريره =
стр. 970
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لجواز بيع الوقف للمصلحة الراجحة: (ثم يقال لهم: بيعه في عامة المواضع لم يكن إلا مع قلة نفعه؛ لا مع تعطل نفعه بالكلية؛ فإنه لو تعطل نفعه بالكلية لم ينتفع به أحد؛ لا المشتري ولا غيره. وبيع ما لا منفعة فيه لا يجوز أيضا. فغايته أن يخرب ويصير عرصة وهذه يمكن الانتفاع بها بالإجارة بأن تكرى لمن يعمرها. وهو الذي يسميه الناس الحِكْر).
ويفهم من كلام الشيخ البهوتي أن عقد الحِكر عقد إجارة غير محدد المدة، وهو عقد صحيح لازم للعاقدين، لأن ما يضعه المستأجر في الأرض إنما هو للتأبيد والدوام مقابل أجرة يدفعها كل شهر أو كل سنة وتسمى حِكرا كما في الحجاز، وغالب هذه الأراضي أوقاف، فإن احتيج إلى بيعها أو نقل الوقف وفيها بناء أو غرس قومت الأرض مبنية أو مغروسة ثم خالية منهما فما بينهما فهو قيمة البناء أو الغرس، كما ذكروه فيما لو انتهت المدة وفي الأرض بناء أو غرس للمستأجر. انظر: شرح المنتهى (٤/ ٧٤) فلو قومت مبنية أو مغروسة بألف، وبدونهما بثمانمائة، فقيمة البناء أو الغرس مائتان، ولو قومت خالية منهما بثمانمائة، وبما فيها من بناء أو غرس بخمسائة، فقيمتهما ثلاثمائة، والله أعلم.
والأصل في الإجارة قوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق، ٦]، وحديث أبي هريرة ﵁ في الصحيح: «قال الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة» الحديث، وفيه: =
стр. 971
شروطُهَا ثلاثةٌ:
معرفةُ المنفعةِ (١)،
= «ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره». وحكى ابن المنذر الإجماع على جواز الإجارة، والحاجةُ تدعو إليها.
وأركانها خمسة: العاقدان، والعوضان، والصيغة، وتنعقد بلفظ: إجارة وكراء وما بمعناهما، وبلفظ: بيع إن لم يضف إلى العين قاله في المنتهى.
(تتمة) العقد في الإجارة متسلط على النفع، فهي بيع منافع لكنه مؤقت وليس إلى الأبد، وبهذا تفارق البيع، قال البهوتي في الكشاف: (فعلمت أن المعقود عليه هو المنفعة لا العين، خلافا لأبي إسحاق المروزي؛ لأن المنفعة هي التي تستوفى والأجر في مقابلتها ولهذا تضمن دون العين وإنما أضيف العقد إلى العين؛؛ لأنها محل المنفعة ومنشؤها، كما يضاف عقد المساقاة إلى البستان والمعقود عليه الثمرة، والانتفاع تابع ضرورة أن المنفعة لا توجد إلا عقبه).
(١) يشترط لصحة الإجارة ثلاثة شروط: (الشرط الأول): معرفة المنفعة المعقود عليها. ويحصل ذلك بأحد أمرين: ١ - بالوصف، كأن يستأجره لبناء حائط ويصفه له، ٢ - أو بالعرف - قال البهوتي في شرح المنتهى: (أي: ما يتعارفه الناس بينهم) -: كأن يستأجر دارًا للسكنى، فكيفية السكنى معلومة بالعرف، قال في الإقناع وشرحه: (فإذا كان لهما عرف أغنى عن تعيين النفع و) عن تعيين (صفته وينصرف الإطلاق =
стр. 972
ومعرفةُ الأُجرةِ (١)،
= إليه) أي: إلى العرف؛ لتبادره إلى الذهن).
(١) (الشرط الثاني): معرفة الأجرة: فلابد أن يبين مقدارها عند العقد، وتصح أن تكون معينة كهذه الريالات، وفي الذمة كعشرة ريالات موصوفة، ويستثنى من ذلك: الأجير والظئر - أي: المرضعة -، فلو استؤجر أحدُهما مقابل إطعامه أو كسوته صح، وفي شرح المنتهى: وإن لم يوصفا. انتهى، فالأجرة هنا غير معلومة، ويرجع في تقديرها إلى العرف، ويستثنى أيضا: لو دفع إنسان ثوبه إلى قصار أو خياط ونحوهما كصباغ لعمله، - ولو لم تكن له عادة بأخذ - ولم يعقدا عقد إجارة صح وله أجرة مثله حيث كانوا منتصبين لذلك، وإلا لم يستحقوا أجرا إلا بشرط أو عقد أو تعريض. قاله في الإقناع وشرحه.
(تتمة) هل للمؤجر زيادة الأجرة على المستأجر لو وجد ما يقتضيها كارتفاع قيمة الإيجارات؟ لم أر فيها كلاما إلا لشيخ الإسلام وهو يمنع منه، قال ﵀ في الفتاوى الكبرى: (إذا كان المستأجر ساكنا في الدار فإنه لا تجوز الزيادة على ساكن الدار، وإذا وقعت الإجارة صحيحة فهي لازمة من الطرفين ليس للمؤجر الفسخ لأجل زيادة حصلت باتفاق الأئمة)، وقال أيضا: (ولا عبرة بما يحدث في أثناء المدة من ارتفاع الكراء أو انخفاضه)، قلت: وهذا فيما لو أجره مدةً معلومةً كخمس سنوات، كل يوم أو كل شهر أو كل سنة بكذا، أما على الصورة الآتية، فللمؤجر الزيادة في الأجرة أول كل يوم أو شهر أو سنة.
=
стр. 973
وكونُ النفعِ مُباحًا، يُسْتَوفَى دونَ الأَجْزاءِ (١).
= (تتمة) التأجير كل مدة بكذا: يصح أن يكون عقد الإجارة بأن يجعل لكل يوم أو شهر أو سنة كذا، كأن يؤجر السيارة أو الدار كل يوم أو شهر أو سنة بكذا، ولكلٍ الفسخ أول كل يوم أو شهر أو سنة في الحال، فإذا لم يفسخ أحدهما بعد دخول اليوم أو الشهر أو السنة على الفور فإنه يلزمهما حكم الإجارة بنفس الأجرة، وللمؤجر أن يفسخ في أول كلٍّ ويزيد في الأجرة، وكذا لو استأجره ليسقي له كل دلو بتمرة؛ لما روي عن علي قال: «جعت مرة جوعا شديدا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة فإذا أنا بامرأة قد جمعت بذرا، فظننت أنها تريد بله، فقاطعتها كل ذنوب بتمرة، فمددت ستة عشر ذنوبا، فعدت لي ست عشرة تمرة، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فأكل معي منها» رواه أحمد.
بخلاف ما لو آجر السيارة أو الدار خمس سنوات بعشرة آلاف، في كل سنة ألفان، فإنه ليس لأحدهما أن يفسخ إلا بعد مضي المدة، وليس للمؤجر أن يزيد في الأجرة إلا بعد انقضاء المدة، قال في الإقناع وشرحه: (و) إن قال: (آجرتك داري عشرين شهرا) من وقت كذا (كل شهر بدرهم صح) العقد قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه؛؛ لأن المدة والأجرة معلومان وليس لواحد منهما الفسخ؛؛ لأنها مدة واحدة، أشبه ما لو قال: آجرتك عشرين شهرا بعشرين درهما). (فرق فقهي)
(١) (الشرط الثالث): كون المنفعة المعقود عليها مباحة مطلقًا: ويشترط في النفع سبعة قيود - كما عدها النجدي -: ١ - كونه =
стр. 974
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= مباحًا، كما ذكر المصنف، ٢ - وكون الإباحة مطلقة، أي: بلا ضرورة، بخلاف جلد الميتة فلا تصح إجارته؛ لأنه يباح في حال دون حال، ٣ - وكون النفع مقصودًا عادة، ٤ - وكونه متقومًا أي: له قيمة عند الناس، فلا تصح إجارة تفاحة لشمها؛ لأنه ليس له قيمة، ٥ - وكونه يستوفى دون استهلاك أجزاء العين، فلا تصح إجارة الشمع لأنها تذهب بأجزاء الشمع، ويستثنى من هذا القيد الظئر -المرضع - فهي تستوفى منها الأجزاء -أي اللبن- ومع ذلك يصح عقد الإجارة عليها، ٦ - والقدرة على تسليمه، بخلاف استئجار الديك ليوقظه لصلاة الفجر مثلا، فالنفع هنا ليس مقدورًا عليه، ٧ - وأن يكون النفع للمستأجر فلا يصح استئجار دابة لركوب مؤجر.
(تتمة) في مسائل في المنفعة: استجدت منافع للناس لها قيمة عندهم، فما حكم دفع عوض فيها؟ وسأذكر ما تيسر منها:
١ - أخذ الأجرة على عقد النكاح: في حاشية العنقري: (وأجاب الشيخ عبد الله البابطين ﵀: وأما أخذ الجُعل على عقد النكاح، فلا بأس به، إذا أعطي بغير شرط، فإن كان بشرط، فلا أدري وأنا أكرهه)، وحرم الأخذ الشيخ السعدي فقال عندما سئل عن حكم أخذ الأجرة على عقد النكاح: (لا يجوز، فإن عقد لهم، وأعطوه بدون شرط، فلا بأس أنه يقبل، والأولى: أنه لا يقبل؛ لأنه ينقص الأجر)، وفي الحقيقة لا أدري، ولم يتبين لي وجه المنع من الأخذ! وهل هو عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة؟ ثم إن العقد إنما ينعقد =
стр. 975
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بتلفظ الولي بالإيجاب، والزوج بالقبول، لا بتلقين العاقد بينهما لهما الإيجاب والقبول.
٢ - أخذ الأجرة أو الجعل على التفرج: نص في المنتهى وغيره على جواز استئجار كتاب لنظر- أي: مراجعة المسائل- وقراءة، وهذا يدل على جواز دفع أجرة مقابل النظر، وأنه مما له قيمة عندهم، وقد استجدت هذه الأيام أشياء يدفع الناس فيها قيمة للتفرج عليها والأنس بالنظر إليها، ويقال: إن كان المتفرجُ عليه يباح النظر إليه فيباح دفع مقابل له وإلا فلا يجوز، ومن ذلك حديقة الحيوانات، وأولًا يقال: هل جوز اقتناء الحيوانات للتفرج عليها؟ صرح في الإقناع في البيع: (ويصح (بيع طير لقصد صوته كبلبل وهزار)؛ لأن فيه نفعا مباحا)، والتفرج على الحيوان نفع مباح، وصرح أيضا في كتاب البيع: بأنه لا يجوز اقتناء الخنزير والكلب إلا كلب ماشية أو صيد أو حرث، لكنه صرح بعدم جواز بيع سباع البهائم ولا جوارح طير التي لا تصلح للصيد، وفي النفقات قال: (ولا يحل حبس شيء من البهائم لتهلك جوعا)، وهذا يدل على جواز حبس البهائم إذا أطعمها ولو كان لغرض التفرج عليها، وفي كلام ابن المنجا في شرح المقنع إشارة إلى جواز اقتناء كل الحيوانات ما عدا الكلب، قال في معرض كلامه عن إباحة بيع البهائم التي تصلح للصيد: (وفارق الكلب من حيث إنها يجوز اقتناؤها مطلقاً بخلاف الكلب فإنه لا يجوز إلا لأحد أسباب ثلاثة)، فقوله: (مطلقا) يدل على جواز اقتناء =
стр. 976
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= كل الحيوانات لأي غرض سوى الكلب، فيجوز بذل عوض للتفرج على الحيوانات؛ وفي المنتهى وشرحه ما يفهم منه وجود شيء من ذلك في زمانهم والتكسب به، حيث قال: (ولا) يشترط للشهادة (كون الصناعة) أي صناعة الشاهد (غير دنيئة عرفا، فتقبل شهادة حجام وحداد وزبال) يجمع الزبل، (وقمام) يقم المكان من زبل وغيره، (وكناس) يكنس الأسواق وغيرها، (وكباش) يربي الكباش، (وقراد) يربي القرودَ ويطوف بها للتكسب، (ودباب) يفعل بالدب كما يفعل القراد)، فقوله: (للتكسب) محتملة للتفرج عليها والأنس بها بمقابل، ومحتمل أن يكون للعمل بها للرفع والحط ونحو ذلك فالله أعلم؛ وعبارة الإقناع: (وكباش وهو الذي يلعب بالكبش ويناطح به، ودباغ، وقرَّاد وهو الذي يلعب بالقرد ويطوف به في الأسواق ونحوها متكسبا بذلك، وحداد، ودباب إذا حسنت طريقتهم في دينهم)، وذكرهم لهذا العمل يدل على جواز ملامسة هذه الحيوانات النجسة كالقرد والدب، وأنه ليس بمعصية؛ بدليل قبول شهادتهم، ولكن يجب على من لامسها أن يتطهر منها إذا أراد أن يصلي.
ومثل حديقة الحيوانات حديقة الطيور والزهور والفراشات ونحوها.
لكن ما صفة عقد التفرج عليها؟ هل هو إجارة أو جعالة؟ يحتاج لتحرير.
٣ - اللعب فيما يسمى بالملاهي للأطفال: اللعب للأطفال =
стр. 977
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= جائز، ويجوز بذل العوض فيها، وهذه منفعة مباحة، ويجوز عقد الإجارة عليها؛ لأنها غالبا تحدد بزمن معين ككل عشر دقائق بعشرة ريالات ونحو ذلك، ما لم تحتو على مجسمات مصورة فلا تجوز، والله أعلم.
٤ - الدخول في المنتزهات والحدائق: تجوز المعاوضة على الدخول في المنتزهات والحدائق للاستمتاع فيها بالجلوس فيها ورؤية المناظر الحسنة.
٥ - الاستفادة من الصالات الرياضية ونحوها: فتجوز المعاوضة للدخول فيها والاستفادة من الأجهزة الرياضية ومرافق الصالة الأخرى للتمرن وغيره، ومما يشبهه في زمن الفقهاء الدخول للحمام، قال في الإقناع وشرحه في معرض الكلام جواز دخول الحمام بأجرة المثل: (وكذا دخول حمام وركوب سفينة ملاح وحلق رأسه وتغسيله، وغسل ثوبه وبيعه له) شيئا (وشربه منه ماء) أو قهوة ونحوها من المباحات، وما يأخذه البائع عن الماء أو القهوة ونحوها، وأجرة الآنية والساقي والمكان، قياسا على المسألة بعدها، (وقال في التلخيص: ما يأخذه الحمامي أجرة المكان والسطل والمئزر ويدخل الماء تبعا)؛ لأنه لا يصح عقد الإجارة عليه، وهذا بخلاف مسألة الشرب؛ فإن الماء مبيع، ولا ينبغي لمن دخل الحمام أن يستعمل فوق المعتاد؛؛ لأنه غير مأذون فيه لفظا ولا عرفا بل يحرم عليه كاستعماله من الموقوف فوق القدر المشروع، أخذا من قولهم: يجب صرف الوقف للجهة التي عينها الواقف).
стр. 978
فتَصِحُ إجارةُ كُلِّ مَا أمكنَ الانتفاعُ بهِ معَ بقاءِ عَيْنِهِ (١) إذَا قُدِّرَتْ منفعتُهُ بالعملِ (٢)، كرُكوبِ الدَّابةِ لمحلٍّ مُعينٍ، أوْ قُدِّرَتْ بالأمَدِ (٣) وإنْ طالَ حيثُ كانَ يغلِبُ علَى الظَّنِّ بقاءُ العَيْنِ (٤).
(١) أي: يصح إجارة كل ما يمكن الانتفاع به وتبقى عينه كالدور والسيارات والحيوانات، وتقدير المنفعة في الإجارة له صورتان: ١ - أن يحدد بالعمل. ٢ - أن يحدد بالزمن.
(٢) هذه (الصورة الأولى): تقدير المنفعة بالعمل، ولها شرطان: ١ - العلم بالعمل كتأجير دابة لركوبها أو حمل شيء عليها. ٢ - ضبط العمل بما لا يختلف، كقدر ما يحمل عليها ونوعه.
(٣) هذه (الصورة الثانية) تقدير المنفعة بالزمن، ويشترط لها شرطان: ١ - أن يغلب على الظن بقاء العين في مدة الإجارة، فلو أجر جملًا لثلاثين سنة مثلا لم يصح؛ لأن الجمل أكثر عمره (٢٥) سنة، ٢ - العلم بالأمد كشهر أو شهرين.
(٤) أي: لا يتقيد الزمن بحد معين وإنما يشترط بقاء العين أو يغلب على الظن بقاؤها في مدة الإجارة؛ لأن المعتبر كون المستأجر يمكنه استيفاء المنفعة من تلك العين غالبا، فإن ظن عدم بقائها إلى نهاية الإجارة لم تصح في المدة كلها.
стр. 979
فَصْلٌ
وَالإجارةُ ضَرْبَانِ:
الأوَّلُ: على عينٍ (١)، فإنْ كانَتْ موْصُوفَةً، اشتُرِطَ فيهَا استِقْصاءُ صِفاتِ السَّلَمِ (٢)، وكيْفيَّةُ السَّيرِ مِنْ هِمْلَاجٍ وغيرهِ (٣)، لا الذُّكُورَةِ والأُنُوثةِ والنَّوعِ (٤).
(١) الإجارة ضربان: (الضرب الأول): إجارة عين: وهي نوعان: إما موصوفة في الذمة أو معينة:
(٢) (النوع الأول): إجارة عين موصوفة في الذمة، ويشترط لصحتها: استقصاء الصفات التي تكفي في السلم ويحصل بها معرفة العين المؤجرة كالمبيع. فمن استأجر سيارة موصوفة اشترط أن يعرفها المستأجر برؤية أو بوصف، فإن لم تحصل المعرفة بالصفة، أو لا تتأتى الصفة فيها كالدار والعقار من بساتين ونخيل، فلا تكفي الصفة في إجارته، بل لابد من رؤيته وتحديده.
(فائدة): وقف المنافع وهبتها لا يصح وكذلك قرضها ورهنها، أما الوصية بالمنافع فيصح. (فرق فقهي)
(٣) أي: لو وصف الدابةَ فيصف كيفية سيرها من هملاج، والهملاج: المشية السهلة في سرعة -كما قال ابن عوض-.
(٤) أي: لا يشترط ذكر كون المركوب ذكرا أو أنثى، كما لا يشترط ذكر نوعه كعربي أو فارسي أو برذون، لأن الاختلاف في ذلك يسير.
стр. 980
وإنْ كانَتْ مُعيَّنةً، اشتُرطَ مَعرِفَتُهَا (١)، والقُدرَةُ على تَسْليمِهَا (٢)، وكوْنُ المؤَجِّرِ يَمْلِكُ نفعَهَا (٣)،
(١) (النوع الثاني): إجارة عين معينة، ويشترط لصحتها شروط: [الشرط الأول]: معرفة العين للعاقدين برؤيتها أثناء العقد أو برؤية متقدمة إن كانت لا تنضبط بالصفات، كالدار والحمام، أو بصفة يحصل بها معرفة المبيع بصفات تكفي في السلم؛ لكن قال البهوتي في الكشاف: (وإن جرت الإجارة في الموصوفة في الذمة بلفظ سلم اعْتُبِر قبضُ أجرة بمجلس عقد وتأجيل نفع، فيجري السلم في المنافع كالأعيان).
وعليه فلا تصح الإجارة بالاتصال على صاحب الفندق، أو ببرنامج (البوكنق) لأن العين المؤجرة غير معلومة لا برؤية ولا بالصفة؛ لأنها لا تتأتى فيها الصفة أي: لا يصح العلم بها بالصفة بل لابد من مشاهدتها، قال في الإقناع وشرحه: (فإن لم تحصل) المعرفة (بها) أي الصفة بأن لم يذكر من صفاته ما يكفي في السلم (أو كانت) الصفة (لا تأتي فيها) أي المؤجرة (كالدار والعقار) من بساتين ونخيل وأرض وعطفه على الدار من عطف العام على الخاص (فتشترط مشاهدته وتحديده. انتهى)، لكن إن أتى المستأجرُ واستلم العينَ المؤجرةَ صحت بعقد إجارة مستأنف والله أعلم.
(٢) [الشرط الثاني]: أن يقدِر المؤجر على تسليم العين للمستأجر، فلا تصح إجارة الجمل الشارد، والطير في الهواء.
(٣) [الشرط الثالث]: أن تكون منفعة العين ملكًا للمؤجر أو مأذونًا =
стр. 981
وصحَّةُ بيعِهَا (١) سِوَى حُرٍّ، ووقفٍ، وأُمِّ وَلِدٍ (٢)، واشْتِمَالُهَا علَى النَّفْعِ المَقصُودِ مِنهَا (٣) فلا تَصِحُ في زَمِنَةٍ لِحَمْلٍ (٤)، وسَبِخَةٍ لِزرعٍ (٥).
الثَّانِي: علَى مَنفعةٍ في الذِّمَّةِ (٦)، فيُشتَرِطُ ضبطُهَا بمَا لا
= له فيها بطريق الولاية كالحاكم وولي السفيه.
(١) [الشرط الرابع]: أن تكون العين المؤجرة يصح بيعها كثوب ودابة، بخلاف نحو الكلب والخنزير.
(٢) أي: لا يصح إجارة ما لا يصح بيعه، ويستثنى من ذلك: الحر، والحرة، والوقف، وأم الولد فتصح إجارتهم مع إنه لا يصح بيعهم.
(٣) [الشرط الخامس]: اشتمال العين على النفع المقصود منها والذي استؤجرت من أجله.
(٤) الزمانة -كما قال الشيخ عثمان- هو: مرض يدوم طويلًا، فالدابة الزمنة لا يصح إجارتها للحمل ولا للركوب؛ لعدم اشتمالها على النفع المقصود منها.
(٥) أي: الأرض السبخة غير الصالحة للزرع لا يصح إجارتها للزراعة؛ لأنه لا يمكن تسليم هذه المنفعة المقصودة، أما لو استأجرت للبنيان فيصح.
(تتمة): [الشرط السادس]: ألا تستهلك أجزاء العين المستأجرة، فلا تصح إجارة الطعام للأكل. ويستثنى من ذلك: الظئر، فإنها تُستأجر للإرضاع مع كون الحليب جزءًا من أجزائها.
(٦) (الضرب الثاني): إجارة على منفعة في الذمة كخياطة ثوب =
стр. 982
يختَلفُ (١): كخياطةِ ثوبٍ بصفةِ كذَا، وبناءِ حائِطِ يَذْكُرُ طُولَهُ وعَرضَهُ وسَمْكَهُ (٢) وآلَتَهُ (٣)، وأنْ لا يَجْمعَ بينَ تقديرِ المُدةِ والعملِ (٤): ك"يَخِيطُهُ في يَومٍ"، وكونُ العملِ لا يُشترَطُ أن يكونَ
= وبناء حائط، فالمنفعة هنا غير موجودة ولكنها توجد في المستقبل شيئا فشيئا.
(١) يشترط للإجارة على منفعة في الذمة شروط: [الشرط الأول]: ضبط المنفعة بأوصاف لا يقع الخلاف فيها، فلو استأجره لخياطة ثوب فلابد أن يذكر صفة الخياطة ومقاسات الثوب ونحو ذلك، وكذا لبناء حائط لابد من ذكر صفته بذكر طوله وعرضه ونحو ذلك.
(٢) السَمْك: الثخانة، وقال ابن عوض: السَمْك -بفتح السين-: العلو.
(٣) أي: مادته التي يبنى منها الحائط من طين أو طوب ونحو ذلك.
(٤) [الشرط الثاني]: أن يكون تقدير المنفعة بعمل أو مدة، فإما أن يستأجره لبناء حائطٍ ويصفه، أو يستأجره للبناء مدة يومين مثلا، ولا يصح على المذهب في الإجارة في الذمة الجمعُ بين المدة والعمل كبناء حائط صفته كذا في يومين؛ قال في الكشاف: (لأن الجمع بينهما يزيد الإجارة غررا لا حاجة إليه لأنه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء اليوم فإن استعمل في بقيته فقد زاد على ما وقع عليه العقد وإن لم يعمل كان تاركا للعمل في بعضه فهذا غرر أمكن التحرز منه).
(تتمة): يصح الجمع بين تقدير المدة والعمل جعالة: قال =
стр. 983
فاعِلُهُ مُسلِمًا (١)؛
فلا تصحُّ الإجَارةُ: لأذَانٍ وإقامةٍ وإمامةٍ وتعليمِ قرآنٍ وفقهٍ وحديثٍ ونيابةٍ في حجٍ (٢) وقضاءٍ (٣)، ولا يقعُ إلا قربةً لفاعلِهِ (٤)
= البهوتي في شرح الإقناع: ((ويصح) الجمع بين تقدير المدة والعمل (جعالة)؛ لأنه يغتفر فيها ما لا يغتفر في الإجارة، فإذا تم العمل قبل انقضاء المدة لم يلزمه العمل في بقيتها، كقضاء الدين قبل أجله. وإن مضت المدة قبل العمل، فإن اختار إمضاء العقد طالبه بالعمل فقط، كالمسلم إذا صبر عند التعذر، وإن فسخ قبل العمل سقط الأجر والعمل، وإن كان بعد عَمَلِ بعضِه فإن كان الفسخ من الجاعل فللعامل أجر مثله، وإن كان من العامل فلا شيء له، هذا مقتضى كلامهم، لكن لم أره صريحًا).
(١) [الشرط الثالث]: أن يكون العمل المعقود عليه لا يشترط لصحته أن يكون فاعلُه من أهل القُربة - وهو المسلم كما في الإقناع - كالأمثلة التي مثل بها المؤلف كالأذان وما بعده، أما العمل الذي يصح من المسلم والكافر فتجوز الإجارة عليه كتنظيف المسجد مع كون إدخال الكافر المسجد حرامًا على المذهب، ويصح الأخذ بلا شرط.
(٢) وكذا النيابة في العمرة.
(٣) أي: لا يصح للقضاء والمراد به: الفصل في الأحكام كما قاله النجدي.
(٤) أي: أن الأذان وما بعده لا يقع إلا قربة لفاعلها فلا يصح عقد الإجارة عليها.
стр. 984
ويَحرُمُ أخذُ الأُجْرةِ عليهِ (١)، وتجوزُ الجِعَالةُ (٢).
(١) لحديث: (واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا) رواه الترمذي وحسنه، قال في نيل المآرب: (لأن من شرط هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى، فلم يجز أخذ الأجرة عليها كما لو استأجر إنسانا يصلي خلفه الجمعة أو التراويح).
(٢) أي: يصح في كل ما تقدم العقد عليه جعالة، فكل ما لا يصح عقد الإجارة عليه يصح عقد الجعالة عليه بشرط كون النفع فيها متعديًا: فلا يصح عقد إجارة على تعليم القرآن، والإمامة، والقضاء، وتعليم العلوم الدينية كالفقه والحديث، والنيابة في الحج، لكن يجوز أخذ الرزق من ولي الأمر عليها، وكذلك يصح عقد الجعالة عليها، لكن يشترط تعدي نفع هذه الأعمال إلى الغير، قال ابن عوض نقلا عن الحفيد: (ولا يحرم أخذ رِزق- بكسر الراء: اسم للمرزوق - من بيت المال، أو من وقف عليه على متعد بنفعه كقضاء. انتهى)، فلو قال شخص لآخر: إن صليت خمسة فروض في المسجد، أو حججت عن نفسك فلك كذا، فلا يصح ذلك إجارة، ولا جعالة، ولا من باب الرزق من بيت المال، لكن يصح بذل مال إن كان من باب الوعد بالهدية.
(تتمة) ما لا يجوز أخذ الأجرة عليه، يجوز فيه أخذ شيء على عمله في ثلاثة أحوال: الجعالة، والرزق، والأخذ بلا شرط، وذكر في الإقناع وشرحه هذه الأحوال فقال في الإقناع وشرحه: (ويحرم ولا تصح إجارة على عمل يختص فاعله أن =
стр. 985
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يكون من أهل القربة وهو المسلم ولا يقع) ذلك العمل (إلا قربة لفاعله كالحج أي النيابة فيه) أي في الحج.
(والعمرة والأذان ونحوها كإقامة وإمامة صلاة، وتعليم قرآن وفقه حديث وكذا القضاء قاله ابن حمدان) لما روى عبادة قال: «علمت ناسا من أهل الصفة القرآن فأهدى لي رجل منهم قوسا فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: إن سرك أن يقلدك الله قوسا من نار فاقبلها» رواه أبو داود بمعناه وعن أبي بن كعب «أنه علم رجلا سورة من القرآن فأهدى له خميصة أو ثوبا فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: إنك لو لبستها ألبسك الله مكانها ثوبا من نار» رواه الأثرم، ولأن من شرط هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى فلم يجز أخذ الأجرة، كما لو استأجر قوما يصلون خلفه.
(ويصح أخذ ١ - جعالة على ذلك ك) ما يجوز
٢ - (أخذه) عليه (بلا شرط وكذا) حكم (رقية) لحديث أبي سعيد الخدري وأما حديث القوس والخميصة فقضيتان في عين فيحتمل أن النبي ﷺ علم أنهما فعلا ذلك خالصا فكره أخذ العوض عنه من غير الله تعالى، ويحتمل غير ذلك قاله في المغني على أن أحاديثهما لا تقاوم حديث أبي سعيد، ففي إسنادهما مقال.
٣ - (وله أخذ رزق على ما يتعدى نفعه) كالقضاء والفتيا والأذان والإمامة، وتعليم القرآن والفقه والحديث ونحوها (ك) ما يجوز أخذ (الوقف على من يقوم بهذه المصالح) المتعدي =
следующие страницы →