(صاف) طائر لا ينام شيئا من الليل أصلا، فإذا أظلم الليل يتدلى من شجرة ويقبض على شيء من أعوادها برجليه منتكسا ولا يزال يصيح حتى يشرق الصبح، قالوا: إنه يخاف من وقوع السماء عليه.
(صقر) هو الجارح المعروف الذي يقال له بالفارسية: جزع، وصيده أعجب من جميع الجوارج وهو أنه إذا أرسل الصفران إلى ظبية نزل أحدهما على رأسه ويضرب عينيه بجناحه، ثم يعلو وينزل الآخر ويفعل مثل ذلك هكذا يشغلانه عن المشي حتى يدركه من يبطش به.
ومن العجب أن الصقر مع صغر جثته يثب على الكركي مع ضخامته ويغلبه؛ وذلك لشجاعته التي خلقها الله تعالى فيه فلم يعبأ بعظم جثة الكركي لضعفه عنه مع زيادة قوته وجثته.
(طاوس) أحسن الطيور جمالا وحسنا وأروقها لونا (١) ولله تعالى في خلقه حكمة في اختلاف ألوانها، فترى في وسط كل ريشة دائرة من الذهب مختلطة بالزرقة والخضرة وغيرهما من الألوان التي يلائم بعضها بعضا؛ ينشأ من تركيبها زيادة حسن فإن الذهب إذا جعلته على الحمرة أو الصفرة أو البياض لا تجد مثل حسنها على الزرقة والخضرة والكحلية.
فانظر إلى قدرة الصانع كيف خلق في بيضه تلك النقوش العجيبة والألوان الحسنة؟! ثم إن الذهب الذي يولدها في الجحر لا يخرج إلاّ بالحيلة الشديدة ولا يصلح للتزويق إلاّ بعد أن يعمل عليها صناع كثر مختلفو الصناعات، وكيف خلق الله في البيضة خاصية يتبين منها لون الذهب، فسبحانه ما أعظم شأنه، وأوضح برهانه.
قالوا: عمر الطاوس خمس وعشرون سنة، وفي هذه المدة يتلون بألوان كثيرة، وفي كل سنة يلقي بريشه وقت الخريف وإذا بدت الأشجار بالأوراق يكتسي الطاوس أيضا بريشه.
قال ابن سينا: من أراد أن يظفر بإبعاد الهوام يقتني طاوسا في مكانه.
فصل: في خواص أجزائه
(مخه) السذاب والعسل ينفع من القولنج وأوجاع المعدة (دمه) من سقي منه يجن (مرارته) يشرب منها وزن دانق بالسكنجبين نافع للمبطون ويذهب بثقل اللسان (لحمه) يزيد في الباه
стр. 352
وينفع من وجع الركبتين (شحمه) يطلى به العضو المبرود يصلح (عظمه) من أخذ معه يأمن من العين السوء (مخلبه) يشد على فخذ صاحبة الطلق تضع في الحال وكذلك لو دخن تحت ذيلها.
(طهوج) لحمه يعقد البطن ويزيد في الباه.
(عصفور) قالوا: الطير ضربان:
أحدهما: بهائم الطيور، وهي التي تلقط الحب، والآخر سباع الطيور وهي التي تتغذى باللحم والعصفور يشبههما جميعا؛ لأنه ليس بذي مخلب ويلقط الحب، وكذلك يأكل اللحم، ويصطاد الجراد والصرصر، ويتخذ وكره في العمران تحت السقوف خوفا من الجوارح، ولو خلت مدينة عن أهلها ذهبت العصافير عنها فإن عاد أهلها عادت.
وبينها وبين الحية عداوة إذا قصدت الحية وكرها اجتمعت العصافير ورفعت شقاشقها ولا تبقى عصفورة سمعت صاحبتها إلاّ جاءت إليها وصاحت معها، وربما تقرض الحية بمنقارها فتجرحها فيجتمع النمل عليها فتكون سببا لهلاك الحية، وإذا نهقت الحمير فسد بيض العصافير، وليس شيء من الحيوان أكثر سفادا من العصفور؛ فلهذا قالوا: عمره قصير.
فصل: في خواص أجزائه
(دمه) يخلط بدقيق العدس ويتخذ بنادق ويطلى به القوب ولا يضع قدمه على الأرض، فإنه يرى شيئا عجيبا من إفراط اللذة وكثرة الشهوة (لحمه) يهيج الباه ويكثر الرياح (بيضها) من يحتسي به يكثر جماعه ويدفن تحت الزبل ثلاثة أيام ثم يخرجه ويطلى به الناصور ينفع نفعا بينا (زرقه) يكتحل به يزيل الغشاوة وإن شربه الإنسان في النبيذ يخر كالميت.
(عقاب) من صغار جوارح الطير يصيد الطير، وصغار الحيوان كالأرنب والثعلب، ويأكل من كل حيوان كبده؛ لأن الكبد ينفعه من أمراضه، قال الجاحظ: لمخلب عقاب خاصية في تقطيع الذئب فينقض على الذئب فيقده نصفين ويتبع العساكر لطمعه في لحوم القتلى.
قال أصحاب القنص: إن العقاب لا يروع الصيد، ولا يعاني ذلك، بل يكون على المرقب الأعلى فإذا رأى شيئا من الجوارح قنص صيدا انقض عليه، فالجارح ينجو بنفسه ويترك الصيد للعقاب ولا يفرخ إلاّ بيضتين والزيادة يرميها؛ لأنها أكولة لا تتفرغ للأولاد الكثيرة؛ لقساوة قلبها وسوء خلقها، وإذا هرمت وعجزت عن الطيران تراعيها أفراخها، وإذا أظلم ضوء عينها
стр. 353
من الهرم تصعد نحو الهواء إلى أن يخرق بريشها، ثم تنزل وتغوص في شيء من عيون الماء فيذهب هرمها وتعود إليها قوتها.
وهو طويل العمر بعيد التسافر يتغذى بالعراق ويتعشى باليمن.
والعرب تقول: فلان أحزم من فرخ العقاب؛ لأن العقاب وسائر فراخ الطير تتخذ أوكارها في عروض الجبل، وربما كان أملس بحيث لو تحرك الفرخ من مجثمه لهوى من رأس الجبل إلى حضيضه (١).
والفرخ يعرف ذلك مع صغره وقلة تجربته لا يتحرك أصلا، ولو وضع شيء من أفراخ الأهليات كالدجاج والحجل والقطا في أوكار الوحشيات لتهافتت في الحال وسقط عنها، وأعجب من هذا أن الفرخ لا يطير حتى تستوي قصبة ريشه، فسبحان من أفهم كل حيوان مصالح نفسه ومفاسده.
فصل: في خواص أجزائه
(مرارته) تنفع من ظلمة العين اكتحالا ويطلى به ثدي النساء اللاتي انعقد اللبن في ثديهن؛ فإن ألمها يسكن في الحال ويفتحها ويكثر لبنها (دمه) يجفف ويخلط بالإهليلة الصفراء مسحوقا ويكتحل به ينفع من جرب العين، ولو طلي به من خراج كان أيضا نافعا (شحمه) يذاب بالزيت ويطلى به رجل المنقرس يزول ألمها، وكذلك وجع المفاصل وشحمه أيضا، يخلط بالصبر والعسل ويجعل على الناصور مرتين أو ثلاثا يصلحه.
(عقعق) طائر معروف كثير الخيانة يسلب الأشياء النفيسة (٢) من الحلي والجواهر ويرميها موضعا آخر ولا يتخذ العش إلا في ظلمة أو تحت سقف، ويأتي بورق الدلب يتركه في عشه كي لا يقصد الخفاش بيضه وكثيرا ما تنسى عشها وأفراخها فما لها ذكاء كما لغيرها من الطيور.
فصل: في خواص أجزائه
(دماغه) يخلط بالغالية ويسعط بها صاحب اللقوة والفالج يذهب ما به من الأذى (دمه) يجفف ويخلط بماء الورد ويسقى إنسانا يبقى ثرثارا مكثارا وطريه يطلى به الموضع الذي فيه نصل
стр. 354
أو شوكة يخرجها بالسهولة (شحمه) يطعم للصبي بالسكر يكون فصيحا حافظا (ريشه) يحرق ويذر في جحر النمل تهرب كلها بحيث لا يبقى منها شيء (مخ رأسها) يكتحل به بعد الخروج من الحمام مرتين أو ثلاثة يزيل بياض العين بالكلية.
(عنقاء) أعظم من الطيور جثة وأكبرها خلقة تخطف الفيل، كما تخطف الحدأة الفأر كان في قديم الزمان يختطف من بيوت الناس؛ فتأذوا منه من في جناياته إلى أن سلب يوما عروسا مجلوة فدعا عليه حنظلة النبي ﷺ ؛ فذهب الله به إلى بعض جزائر البحر المحيط تحت خط الاستواء وهي جزيرة لا يصل إليها الناس وفيها حيوانات كثيرة: كالفيل والكركند والجاموس والنمر والسباع وجوارج الطير والعنقاء لا تصيد منها؛ لأنهم تحت طاعتها، وإذا أتى بشيء من الصيد يأكل منه والباقي تأكل منه الحيوانات التي تحت طاعتها.
ولا تصيد إلاّ فيلا أو سمكا عظيما أو تنينا؛ فإذا فرغ منه يخلي البقية لها ويصعد إلى موضعه ويتفرج على أكلها وعند طيرانه يسمع من ريشه صوت كهجوم السيل أو صوت الأشجار عند هبوب الريح.
وحكى عن بعض التجار قال: ضللنا الطريق في البحر المحيط، وتحيرنا، فإذا نحن بسواد عظيم كغيم مظلم فذكر الملاحون: أنه العنقاء فتبعاه حتى دخلنا تحت ذلك السواد ثم فتحنا اللسان بالدعاء له فلا يزال يمشي بنا حتى وجدنا الطريق ثم غاب عنا.
وذكروا: أن عمر العنقاء ألف وسبعمائة سنة، ويتزاوج إذا أتى عليه خمسمائة سنة فإذا حان وقت بيضها يظهر بها ألم شديد فيأتي الذكر بماء البحر في منقاره ويحقنها به فتخرج البيضة عنها فيحضن الذكر، والأنثى تمشي وتصيد ويفرخ البيض بمائة وخمسة وعشرين سنة، فإذا كبر الفرخ فإن كان أنثى فالعنقاء الأنثى تجمع حطبا كثيرا والذكر يوقد بمنقاره نارا ويضرم ذلك الحطب والأنثى تدخل تلك النار وتحترق والفرخ يبقى زوج الذكر، وإن كان الفرخ ذكرا فالعنقاء الذكر يفعل مثل ذلك ويبقى الفرخ زوج الأنثى.
وقد ذكروا في العنقاء أقوالا عجيبة أعجب مما ذكرنا؛ لكنها لم تكن مستندة إلى قائل يعتمد فاعتمدنا على هذا القدر.
стр. 355
(غراب) طائر الأسفار بعيد التطواف أول ما يطير يسرع في الطيران بعد انبلاج (١) الفجر يحب الجوز يجمع منه كثيرا فيدفن للذخيرة، ويجتمع على كل الحيوانات الكبار بالبادية كالجمل والفرس، وكذا الآدمي ويقصد قلع عينها، ولا يمتنع بالدفع والضرب؛ لشدة جوعه وينقر ظهر السلحفاة فيأكلها والبعير إذا عقر وحدث في ظهره لحم ميت؛ فلا بد من أخذ اللحم الميت من ظهره فيرسلونه إلى الصحراء ليجتمع عليه الغربان وتقلع اللحم الميت من ظهره.
وإذا تفرخ بيضها يكون الفرخ أبيض بلا ريش فتفزع الأم منه وتتركه فيبعث الله تعالى إليه ذبابا كثيرا فيأكل الفرخ منها حتى ينبت ريشه ويسود.
قال مكحول: من دعاء داود النبي ﵊: يا رازق الغراب في عشه.
والفرخ إذا اسود عادت إليه أمه وحينئذ تغيب عنه الذباب والبق.
قال خلف الأحمر: رأيت فرخ الغراب فلم أر صورة أقبح منه، ولا أقذر ولا أنتن، رأيت رأسا كبيرا ومنقارا طويلا، وذلك مع صغر البدن وقصر الجناح وهو أمرط منتن الريح، والغراب إذا مرض يأكل رجيع الإنسان يهدأ، ومن الغربان من يأتي بألفاظ فصيحة أفصح من الببغاء.
فصل: في خواص أجزائه
قال بليناس: الغراب يجفف ويسحق ويسقى الإنسان لا يعطش ولو في تموز (مرارته) تسقى لإنسان في النبيذ يسكر بالقدح الواحد (طحاله) إذا علق على إنسان هاج به العشق رأس الأيقع ينضج ويأكله من به صداع عتيق يزول عنه (دمه) يخلط بشيء من النورة ويطرح في النبيذ ويشربها إنسان يبغضها ولا يرجع إليها (زرقه) يلف في شيء من العهن ويدفع إلى صاحب السعال ينقطع سعاله.
(غرنيق) طائر من طيور الماء قال صاحب المنطق (٢): إن الغرنيق من الطيور القواطع، وإنها إذا أحست بتغير الزمان عزت على الرجوع إلى بلادها، فعند ذلك تتخذ قائدا أو حارسا، ثم تنهض معا فإذا طارت ترتفع في الهواء جدّا؛ كي لا يعرض لها شيء من سباع الطير، وإذا رأت غيما أو غشيها الليل أو سقطت للطعم أمسكت عن الصياح؛ كي لا يحس بها العدو، وإذا أرادت
стр. 356
النوم أدخل كل واحد رأسه تحت جناحه لعلمها أن الجناح أحمل للصدمة من الرأس؛ لما فيه من العين التي هي أشرف الأعضاء والدماغ الذي هو ملاك البدن، ونام كل واحد منهما قائما على إحدى رجليه حتى لا يكون نومها ثقيلا.
وأما قائدها وحارسها فلا ينام شيئا، ولا يدخل رأسه تحت جناحه ولا يزال ينظر من جميع الجوانب، فإن أحس بأحد صاح بأعلى صوته وأخبر أصحابه بالعدو، وأما (زرقه) فيسحق بالماء ويفتل فتائل ويجعل فتلة في الأنف ينفع من كل قرحة تكون في الخيشوم.
(غواص) طائر يقال له بالفارسية: ماهي خوار، يوجد بالبصرة على طرف الأنهار يغوص في الماء معكوسا بقوة شديدة ويلبث تحت الماء إلى أن يرى شيئا من السمك فيأخذه ويصعد به، والعجب للبثه تحت الماء، والماء لا يغلبه مع خفة بدنه.
وحكى بعضهم قال: رأيت غواصا غاص وطلع بسمكة فغلبه الغراب وأخذ الغراب السمكة منه فغاص مرة أخرى وطلع بسمكة، وقربها من الغراب فأخذ الغراب السمكة واشتغل بها فوثب الغواص وأخذ برجل الغراب، وغاص به ووقف به تحت الماء حتى أغرق الغراب وخرج سالما.
قالوا: (دمه) يجفف ويسحق مع شعر الإنسان، فإنه لا يصبر عن هذا الطالب وكذلك عظمه يفعل به مثل هذا.
(فاختة) طائر معروف (١) يتبرك به الناس زعموا أن الحيات تهرب من صوته.
وحكى أن الحيات استولت على أرض فكثرت حياتها؛ فشكوا إلى بعض الحكماء فأمرهم بنقل الفواخت إليهم؛ ففعلوا ذلك فانقطعت الحيات عنهم، (دمه) مع دم الحمام والزفت والقطران أجزاء سواء يتخذ دخنه لا ينام من شمه البتة.
(قبج) طائر يقال له بالفارسية: كبك، يسكن الجبال إذا قصده الصياد يخبئ رأسه تحت الثلج ويحسب أن الصياد لا يراه، كما أنه لا يرى الصياد، ذكورها شديدة الغيرة على إناثها فإذا اجتمع ذكران على أنثى تهارشا، فإذا انهزم أحدهما يتبع الأنثى الآخر الغالب.
стр. 357
ومن أعجب أمرها أن الذكر إذا صاح وحمل الهواء صوته إلى الأنثى يتولد البيض منه، كما أن النخلة إذا حملت الريح إليها رائحة الذكر تحمل من رائحة كافور الفحال، إذا كانت تحت الريح وتبيض خمس عشرة بيضة، وتجعلها في موضعين أحدهما للذكر والآخر للأنثى وكلاهما يحضنان.
وإذا قصده الصياد يريه كأنه ضعيف عن الطيران فالصياد يعدو خلفه ويشتغل به عن فراخه فإذا طارت الفراخ يطير القبج أيضا، ويرجع الصياد خائبا منه والقبج من الطيور التي لا تسافد إلاّ في الجبال ويترك في عشه رءوس القصب؛ لدفع الأعداء ويحب الغناء والأصوات الطيبة وربما وقعت حتما عند سماعها ذلك شوقا فيأخذها الصياد.
فصل: في خواص أجزائه
(مرارته) يسعط بها في كل هلال يجود ذهنه، ويحد بصره، وإذا اكتحل به تنفع من ابتداء نزول الماء (كبده) يشوى ويطعم للصبي يأمن من الصرع (دمه) يكتحل به يأمن من جراحات العين والغشي (لحمه) ينفع من الاستسقاء ويزيد في الباه.
(قنبرة) طائر معروف يقال له بالفارسية: جلودا، ويحب الأصوات المطربة والنغمات اللذيذة على رأسه قنزعة شبيهة بما للطاوس، وهو شديد الاحتياط إذا وقع على شيء لا يزال ينظر يمينا وشمالا ووراء، ومع ذلك هي كثيرة الوقوع في الفخ.
تتخذ عشا عجيبا يعمد على ثلاثة أعواد على شجرة على شكل سفانجة معكوسة، ويأتي بنوع من الحشيش في غاية اللطافة وينسج من تلك الأعواد سليلة لطيفة عجيبة التأليف لا يقدر البشر أن يأتي بمثلها، ثم تضع بيضها فيها والسليلة تكون مستترة بأوراق الشجرة حتى لا يراها الجوارح (لحمها) يؤكل مشويّا ينفع من القولنج نفعا بينا.
(قطا) طائر معروف يتيمن بصوته يقال: فلان أصدق من القطا، تبيض في البراري وتغيب عنها أياما وتعود إليها، يقال: فلان أهدى من القطا، ولا ينام الليل ويأتي الجادة ليكون عنده من المارين خبر، ولها أفحوصة عجيبة في وسط الحشيش، مثّل بها النبي ﷺ في وهنها حيث قال: «من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة» (١).
стр. 358
فصل: في خواص أجزائه
(دمه) يطلى به البدن ينفع داء الثعلب (لحمه) ينفع من الاستسقاء وسدة الكبد، (عظمه) يحرق ويخلط بالزيت ويطلى به الموضع الذي أريد نبات الشعر عليه ينبت شعرا كثيرا، (أحشاؤه) يطلى به العظم المنخلع يرجع إلى مكانه و (مرارته) يكتحل بها تنفع من جراحات العين والغشاء.
(قمري) طائر مشهور يتغنى بصوته، ذكروا: أن إناث القماري إذا مات زوجها لا تزاوج غيره وتنوح عليه إلى أن تموت.
ومن العجب أن بيض القماري يجعل تحت الفواخت، وبيض الفواخت تحت القماري كلاهما يفقسان قماري كافورية مطوقة، وذكروا أن الهوام تهرب من صوت القماري والله الموفق.
(قوقيس) طائر بأرض الهند قال صاحب (تحفة الغرائب): عند التزاوج يجمع حطبا كثيرا للعش ولا يزال الذكر يحك منقار الأنثى حتى تتأجج النار من حكهما في ذلك الحطب وتشتعل ويحرقان منها فإذا سقط المطر على رمادهما يتولد منه الدود، ثم ينبت جناحها ويصير طيرا كالأصل وتفعل فعل الأصل.
(كركي) طائر معروف (١) يقال له بالفارسية: كنك، له اجتماع في الطيران لا يفارق بعضها بعضا وله مقدم تتبعه الجماعة، وذلك بالنوبة ولها حراس بالليل تدور حول الكركي فإذا أحس بعدو زعق ونبّه أصحابه.
والحراسة أيضا بالنوبة فإذا انتهت نوبته يقيم غيره مكانه، والحارث يقوم على إحدى رجليه حتى لا يغلبه النوم.
قال الجاحظ: لا يضع رجليه؛ مخافة أن تخسف به الأرض، وإذا مشى على وجه الأرض يمشي رويدا خائفا.
فصل: في خواص أجزائه
(عينه) تسحق ويكتحل بها الإنسان لا ينام (مرارته) تنفع اكتحالا من نزول الماء (لحمه مع شحمه) يطبخان جميعا ويقطر مرقهما في أذن من به طرش ينفعه (مخه) يذاب بخل العنصل
стр. 359
ويسقى من به وجع الطحال في الحمام ينفعه (قانصته) تجفف وتسحق ويسقى درهما منها لمن به وجع الكليتين والمثانة بماء الحمص ينفعه.
(كروان) شحمه ولحمه يحرك شهوة الباه تحريكا شديدا.
(اللقلق) طائر معروف (١) يأكل الحيات ولا يزال يتبع الربيع، وله وكران: أحدهما بالحروم والآخر بالصرود، ويتحول من أحدهما إلى الآخر ولا يأخذ الوكر إلا في مكان عال كمنارة أو شجرة فيأتي بالأعواد والحشيش ويركب بعضها في بعض تركيبا عجيبا كالبناء، فإذا أراد الإنسان إن يخربها بالمعول يصعب عليه.
قال ابن سينا: من ذكاء هذا الطير أنه إذا أحسن بتغير الهواء وقت حدوث الوباء تترك عشها في أوائل التغير وتهرب من تلك الديار، وربما تركت بيضها أيضا، وقال أيضا: بيض اللقلق خضاب جيد.
(مالك الحزين) طائر طويل الرقبة والرجلين يقال له بالفارسية: لوهماز.
وقال الجاحظ: من عجائب الدنيا أمر (مالك الحزين) فإنه لا يزال يقعد بسوق المياه وإذا انحرقت يحزن عليها ولا يشرب خوفا أن تقل فيعطش فيموت عطشا.
(مكاء) طائر من طيور البادية، يتخذ فحوصة عجيلة من العوسج، ويبيض فيها ورأى بعض الأعراب مكاء بالشام سائرا فحن إلى وطنه، وقال: فدى لك يا مكاء، مالك هاهنا عمارة أفحوص فكيف تبيض مكاء وبينها وبين الحية معاداة؟!؛ لأن الحية تأكل بيضها وفراخها.
وحدث هشام بن سالم أن حية أكلت بيض مكاء فجعل يشرشر على رأسها ويدنو منها حتى إذا فتحت فاها وهمت تريده رخمة ألقت في فيها حسكة فأخذت بحلق الحية وماتت.
(نسر) هو سيد الطيور وله قوة على الطيران؛ حتى قيل: إنه يقطع من المشرق إلى المغرب في يوم واحد وجثته عظيمة؛ حتى قيل: إنه يحمل أولاد الفيلة وله قوة حارة؛ حتى قيل: إنه يشم رائحة الجيفة من مسيرة أربعمائة فرسخ؛ فإذا سقط تباعد الطير هيبة له حتى يفرغ من الأكل.
стр. 360
قيل: إنه لا يأكل حتى يضعف في الحركة، حتى لو أن أضعف الناس إذا أراد مسكه في هذه الحالة مسكه، إذا باض أتى بورق الدلب كما في الأصل، وهو لا يحضن البيض وإنما يبيض في الأماكن العالية ويلقيه في الشمس فتكون حرارتها بمنزلة الحضن.
ومن طبعه أنه لو شم رائحة الطيب مات لوقته وعنده الحزن على فراق إلفه؛ حتى قيل: إنه ليموت أسفا وكمدا، ويقال: للأنثى منه أم قشعم وفي الحديث «أتاني جبريل ﵇ فقال:
يا محمد إن لكل شيء سيدا وآدم سيد البشر وسيد ولده أنت وسيد الروم صهيب وسيد فارس سلمان وسيد الحبشه بلال وسيد الطير النسر وسيد الشهور رمضان وسيد الأيام الجمعة وسيد الكلام العربي القرآن وسيد القرآن سورة البقرة» (١).
والنسر طائر يقال له بالفارسية: كركس، يأكل الجيف حتى لا يقدر على الطيران.
قالوا: يعيش ألف سنة، وأكثر ما يأتي بورق الدلب يتركه في عشه؛ لئلا يأكل الخفاش بيضها.
قال جالينوس: قالوا لنا من علم النسر إذا خاف على بيضها من الخفاش يفرش عشه بورق الدلب حتى لا يقربه الخفاش وهذا يعرفه أكثر الأطباء.
وإذا حان أوان بيضها فالنسر الذكر يمشي إلى بلاد الهند ويأتي بحجر يوجد في بعض جبال في الهند ويتركه تحت الأنثى ليخف عليها الألم، وإذا مرض يأكل من لحم الناس وإذا أظلم ضوء عينيه يمسحهما بمرارة الناس ولا طاقة له على شيء من الطيب وحياتها من النتن، والنسر يتبع العساكر لطعمه من لحم القتلى.
فصل: في خواص أجزائه
(مرارته) تقطر في الأذن يذهب الطرش العتيق ويكتحل بها سبعا ينفع من ظلمة العين والغشاء ويمنع من نزول الماء، (شحمه) يخلط بالعسل ويكتحل به للرمد بيرأ، (لحمه) يطبخ ويخلط بالورس والملح والكمون والعسل ويسقى للسع الهوام، (شحمه) يذاب ويقطر في الأذن أياما متوالية وليالي يزيل الطرش.
стр. 361
(نعامة) حيوان مركب من خلقة الطير والجمل (١) يقال له بالفارسية: استرموع، أخذ من البعير العنق والوظيف والمنسم، ومن الطير المنقار والجناح والريش وهو صحيح حاسة الشم والسمع، يأكل الحصاة وتذوب في قانصته حتى يصير كالماء لخاصية خلقها الله تعالى فيه، كما أنا نرى جوف الكلب يذيب العظام دون النوى، وأيضا تبلع الجمر ولا يضرها وتحمي صنجة مائة درهم من الحديد حتى تحمر وترمى إلى النعامة فتبلعها وتستمرئها.
وإذا باضت تدفن البيضة تحت التراب؛ لئلا يقع عليها الذباب والبق والنمل وغيره وإذا عدت النعامة أرخت جناحها إلى رجليها فلا يسبقها شيء من الحيوانات، ومن العجب أنها إذا استقبلت الريح كان عدوها أشد مما إذا استدبرتها.
وسئل أبو عبيدة عن ذلك فقال: إذا عدا كان بين الوثب والحفز والطيران كالريح إذا عصفت من خلفه، وإذا استقبلها وضع عنقه على ظهره ثم خرق الريح لا يخاف أن يكبه على وجهه.
وإذا دخل الصيف وابتدأ البسر بالحمرة ابتدأ لون النعامة بالحمرة أيضا ولا يزالان يزدادان حمرة إلى أن تنتهي حمرة البسر، ولا مخ لعظمها فإذا أصاب إحدى رجليها آفة وقفت لا تقوم على الأخرى، وإذا باضت تبيض عشرين بيضة أو أكثر فتجعلها ثلاثة أقسام تدفن ثلثها في التراب، وتترك ثلثها في الشمس، وتحضن ثلثها فإذا خرجت أفراخها كسرت ما كان في الشمس وغذتها بما فيها من الرطوبات التي ذوّبتها الشمس ورققتها.
فإذا اشتدت فراريجها وقويت أخرجت المدفون، وفتحت لها ثقبا فيجتمع عليها الذباب والبق والنمل وغيرها من الهوام فتأكلها فراريجها إلى أن تقوى فغدت ورعت.
فانظر إلى هذه التربية العجيبة من غير تعليم من أستاذ ولا آباء، فسبحانه من حكيم ما أعظم شأنه.
стр. 362
فصل: في خاصية أجزائه
(مرارتها) تنفع من ظلمة العين اكتحالا، (لحمه) يزيل الرياح الكريهة إذا داوم على أكله ويدفع الثآليل والحكة، (شحمه) يطلى به الأورام يردعها، (قشر بيضه) يلقى في القدر ينضج سريعا.
(هدهد) (١) طير نتن الرائحة، عن النبيّ ﷺ «لا تقتلوا الهدهد فإنه كان دليل سليمان ﵇ على قرب الماء وبعده، وأحب أن يعبد الله ولا يشرك به شيئا في أقطار الأرض».
وحكى أن الهدهد قال لسليمان ﵇: أريد أن تكون في ضيافتي قال: أنا وحدي؟ قال لا بل العسكر كله في جزيرة كذا وكذا في يوم كذا؛ فحضر سليمان ﵇ بجنوده هناك فصاد الهدهد جرادة خنقها ورماها في البحر وقال: كلوا يا نبي الله من فاته اللحم نال من المرق.
فضحك سليمان وجنوده من ذلك حولا كاملا والهدهد يلطخ عشه برجيع الإنسان فيحتمل أن يكون نتنه من ذلك، وتراه في الربيع فاتحا فاه يخرج الذباب من حلقه ويطير.
وكل مكان به الهدهد لا يوجد به الأرضة وإذا مرض الهدهد يأكل العقارب الجبلية ويزول مرضه.
فصل: في خواص أجزائه
(قنزعته) تعلق على من به وجع الرأس يبرأ.
قال بليناس: إذا أخذت (عينه) وجففتها وجعلتها في دهن ودهنت به وجهك لم يرك أحد إلاّ أحبك، وتجعل عينه تحت رأس إنسان يغلب عليه السهر ما دامت تحت رأسه، وإذا شددتها على أحد يذكر جميع ما نسيه، ويعلق في رقبة صاحب الجذام ينفعه نفعا بينا، (لسانه) يأخذه الإنسان معه لا يظفر به عدو البته مادام اللسان معه، ولو علق على إنسان مع عينيه يدفع عنه غلبة النسيان، وإذا سقى إنسانا زاد في علمه وفهمه وذكائه، (قلبه) يعلق على إنسان يزيد في قوة الباه، ولو شوي ودق مع السكر وجعل فوق رغيف وأطعمه شخصين يتحابان بحيث لا يصبر أحدهما عن الآخر (مرارته) يسعط بها صاحب اللقوة ثلاثة أيام، ويقعد في مكان مظلم ينفعه
стр. 363
نفعا بينا (جناحه اليمنى) يجعل تحت رأس النائم يثقل نومه ولو ضممت إليه سنا قلعت من الألم يطول نومه.
ولو دخن بجناح الهدهد في برج ينفر عنه الحمام، ولو وضع على أذنه ريشة من الهدهد وخاصم تكون الغلبة له (لحمه) يقدد في الظل ويسحق ويخلط بالدقيق ويتخذ منه خبيصا ويطعم لمن أراد فإنه يحبه محبة عظيمة (عظمه) يدخن به البيت يموت من دخانه الأرضة والنمل والعقرب وأشباهها ولا ترى الهوام في ذلك الموضع إلى مدة مديدة، (أظافيره) تحرق وتدق للمرأة فإنها تحبل إذا باشرها زوجها بإذن الله تعالى.
(وطواط) (١) طائر يقال له بالفارسية بالواية.
قال بليناس: إن غرق الوطواط في ماء ومات فمن شرب من ذلك الماء لم ينم البتة، وإن أخذ وطواط وعلق في عنقه شعر إنسان وأرسل حتى يطير لا ينام ذلك الإنسان حتى يموت ذلك الوطواط أو يؤخذ الشعر من عنقه.
فصل: في خواص أجزائه
(رأسه) إذا جعل في حشو مخدة فمن وضع رأسه عليها نام، (دماغه) يكتحل به مع العسل ينفع من نزول الماء ويطبخ بدهن ورد يدهن به عرق النساء يسكن وجعه.
(يراعة) طائر صغير إن طار في النهار كان كبعض الطيور، وإن كان في الليل فكأنه شهاب ثاقب أو مصباح طائر.
النوع السابع: من الحيوانات الهوام والحشرات
هذا النوع لا يمكن ضبط أصنافه لكثرته. قال بعض المفسرين: من أراد أن يعرف تحقيق قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] فليوقد نارا في وسط غيضة بالليل وينظر ما يغشى تلك النار من الحشرات، فإنه يرى صورا عجيبة وأشكالا غريبة لم يكن يظن أن الله تعالى خلق شيئا من ذلك، على أن الخلق الذي يغشى ناره مختلف باختلاف مواضع الغياض والجبال
стр. 364
والسهول والبراري فإن في كل بقعة من هذه البقاع ألوانا من المخلوقات مخالفة لما في البقعة الأخرى.
ومن الناس من يقول: أي فائدة في هذه الهوام مع كثرة ضررها؟
ولم يدر أن الله تعالى يراعي المصالح الكلية كإرسال المطر فإن فيه مصالح البلاد والعباد وإن كان فيه خراب بيت العجوز؛ فهكذا خلق هذه الحشرات من المواد الفاسدة والعفونات الكامنة لتصفو لحومها ولا يعرض لها الفساد الذي هو سبب الوباء وهلاك الحيوان والنبات، وإن كان يتضمن لسع الذباب، والبق.
والذي يحقق ذلك أنا نرى الذباب والديدان والخنافس في دكان القصّاب والدباس أكثر ما يرى في دكان البزار والحداد الوباء، ثم جعل صغاره مأكولا لكبارها وإلا امتلأ وجه الأرض منها فليس في ملكوته ذرة إلاّ وفيها من الحكمة ما لا يحصى.
وأعجب من هذا أن كل ما جعل سببا لهلاك حيوان جعل لحمه سببا لدفع ذلك السم فإن الأطباء الأقدمين جعلوا في لحم الحية قوة تقاوم سمها فأدخلوا لحمها في الترياق.
والتجربة تشهد أن من لدغه العقرب يلطخ الموضع برطوبة العقرب يسكن ألمها في الحال.
ثم إن هذا النوع من الحيوانات يختلف حالها عند الشتاء؛ فمنها ما يموت من برد الهواء كالديدان والبق والبراغيث، ومنها ما يكمن في الشتاء ولا يأكل شيئا كالحيات والعقارب، ومنها ما يدخر ما يكفيه لشتائها كالنحل والنمل؛ فإنها لا تعيش بلا طعم.
ولنذكر بعضها مرتبا على حروف المعجم إن شاء الله تعالى، والله الموفق للصواب.
حرف الألف (أرضه) دودة بيضاء صغيرة تبني على نفسها أزجا شبه دهليز؛ خوفا من عدوها كالنمل وغيره وإذا أتت عليها سنة بنبت لها جناحان طويلان تطير بهما، وهي التي دلت الشياطين على موت سليمان ﵇ وإذا خرب أزجها اجتمعت كلها على إعادته، ولها مشفران حادان تثقب بهما الحجارة والآجر والنمل عدوها، وهي أصغر من الأرضة جثة فيأتي من خلفها ويحملها ويمشي بها إلى جحره وإذا أتاها مستقبلا لها لا يغلبها؛ لأنها تقاومه.
стр. 365
قال صاحب المنطق: فأفسدت الأرضة على كثير من أهل القرى منازلهم وأكلت كل ما لهم إلى أن سلّط الله تعالى عليها النمل فأتت عن آخرها.
(أفعى) حية قصيرة الذنب من أخبث الحيات عيناها طولانية، مخالفة لصور سائر الحيوانات وحدقتها بارزة كالجراد إذا فقئت عينها تعوض ولا تغمض عينها البتة.
قالوا: تختفي في التراب أربعة أشهر البرد، ثم تخرج وقد أظلمت عيناها تطلب شيئا من الرازايانج وتحك عينها به يرجع إليها ضوؤها ولو قطعت ذنبها يرجع إليها كما نبت ولو قلع نابها رجع إليها أيضا بعد ثلاثة أيام، ولو ذبحت تبقى تتحرك ثلاثة أيام وهي أعدى عدو للإنسان والبقر الوحشي يأكلها أكلا ذريعا.
(وحكي) أنها نهشت ناقة في مشفرها ولها فصيل فرضعها فمات الفصيل في الحال قبل موت أمه وإذا مرضت أكلت ورق الزيتون.
فصل: في خواص أجزائه
(دمها) يكتحل به يحد البصر ويمنع الغشا (شحمها) يذاب يمنع من نزول الماء اكتحالا وينتف شعر الإبط ويطلى بشحم الأفعى لا يرجع ينبت (قلبها) يجفف ويشد على إنسان لا يؤثر فيه السحر ويذهب حمى الربع (لحمها).
قال أبقراط: من أكله أمن من الأمراض الصعبة، ويقوي الأعصاب ويبطئ الشيب.
حكى عمر بن يحيى العلوي قال: كنّا في طريق مكة فأصاب رجلا منا الاستسقاء والعياذ بالله، فسلب العرب قطارا فيه ذلك الرجل العليل، ورجعنا بعد الحج إلى الكوفة؛ فإذا هو بالكوفة معافى فسألته عن حاله؛ فقال: إن الأعراب لما سلبوا القطار ساقوه إلى مسكنهم، وكان على فراسخ فطرحوني في أواخر بيوتهم، وكنت أتمنى الموت إلى أن رأيتهم يوما قد أخرجوا أفعى صادوها؛ فقطعوا رأسها وذنبها وشووها، وكانوا يأكلون منها.
فقلت في نفسي: هؤلاء قد اعتادوا أكل هذا فلا يضرهم فلعلي أنا إن أكلت منه مت فاسترحت فاستطعمتهم فرمى إليّ بعضهم واحدة وزنها أرطال فأكلتها فأخذني نوم ثقيل فانتبهت وقد عرقت عرقا شديدا واندفعت طبيعتي فقمت في يومي وليلتي أكثر من مائة مرة فتقطعت قوتي.
стр. 366
وقلت: هذا طريق الموت وأقبلت أتشهد وأدعو الله المغفرة إلى أن أصبحت فوجدت بطني قد ضمرت، وانقطع الألم فطلبت منهم مأكولا فأطعموني، وأقمت عندهم إلى أن وثقت من نفسي ثم أخذت الطريق مع بعضهم وأتيت الكوفة، ولحمها أيضا ينفع من الجذام والله الشافي.
(وحكى) بعضهم قال: فتحت بستوقة خضراء فيها شراب وهي مطينة الرأس فلما فتحت رأسها رأيت فيها أفعى قد تهرى لحمها، وكان ثم مجذوم يتمنى الموت لشدة ما به؛ فحملت تلك البستوقة إليه ليتخلص من الألم؛ فلما شربها انتفخ انتفاخا عظيما وبقي على ذلك أياما، ثم انسلخ من جلده الخارج وظهر الجلد الداخل الأحمر، وصلب وعاش بعد ذلك زمانا طويلا.
(طبيخ الأفعى)، قال بليناس: نافع من الجذام ومن ظلمة البصر وهيجان شهوة الجماع فإن طبخ بالزيت وطلي به موضع من البدن لا ينبت الشعر فيه، وهو أنفع شيء للسع الأفاعي والحيات (جلدها مع رأسها) يعلق على الحبلى تأمن من إسقاط الجنين.
قال ابن سينا: جلدها محرقا دواء جيد لداء الثعلب.
وقال: تشق الأفعى وتوضع على نهش نفسه يسكن وجعه.
وذكروا أن من أخذ خيطا أنجوانيّا أو أرعوانيّا وشد به حلق أفعى لتختنق، ثم شد ذلك الخيط على صاحب الخناق ينفتح في الحال بإذن الله تعالى.
(برغوث) هو أسود أحدب ضامر إذا وقع نظر الإنسان عليه أو أحس به، فيثب تارة إلى اليمن وتارة إلى الشمال حتى يغيب عن نظر الإنسان.
قال الجاحظ: إنها تبيض وتفرخ، قالوا: عمره خمسة أيام، وزعموا أن البراغيث من الخلق الذي يعرض له الطيران فيصير بقّا كما يعرض للدعاميص الطيران فتصير فراشا.
وذكروا أن البراعيث تأكل القمل الذي يكون في الثياب ويموت من رائحة ورق الدفلى، والله أعلم.
(بعوض) حيوان في غاية الصغر على صورة الفيل، فكل عضو خلق للفيل فللبعوض مثله مع زيادة جناحين (١)، فسبحان من قسّم له الأعضاء الظاهرة والباطنة والقوى كذلك كما
стр. 367
للحيوان الكبير فانظر إلى صغر جسمه فإن الطرف يدركها بالشدة لصغره، ثم إلى رأسه؛ لأن رأسه لم تكن من جسمه، وفيه القوة الباصرة والسامعة ثم إلى دماغه.
وانظر كم يكون دماغه من رأسه فإن فيها القوى الباطنة الخمسة؛ لأن فيها الحس المشترك؛ لأنها ترى الحيوانات فتمشي إليها، وفيها الخيال؛ لأنها إذا وقعت على الحيوان تغمس خرطومها، وإذا وقعت على الحائط لا تفعل ذلك، وفيها الوهم؛ لأنه يفرق بين من يقصدها فتهرب وبين من لا يقصدها فتبقى، وفيها الحافظة؛ لأنها تجذب الدم وتهرب في الحال لعلمها بأنها أوجعت فيأتيها صدمة المتألم، وفيها المفكرة؛ لأنها إذا أحست بحركة يد الإنسان تهرب لعلمها أنها مهلكة وإذا سكنت يده عادت إلى مكانها لعلمها أن المنافي ذهب، وأن محل الغذاء قد خلا، ولها خرطوم أدق شيء يمكن أن يقال، ومع دقته مجوف حتى يجري فيه الدم الرقيق، وخلق في رأس الخرطوم قوة يضرب بها جلد الفيل والجاموس ينفذ فيهما، والفيل والجاموس يهربان من البعوض في الماء فسبحان من لا يعرف دقائق حكمه إلاّ هو.
يؤخذ من البعوض ثلاث وشيء من الصمغ ويحبب، ويجعل في كل حبة منه واحدة ويبلعها صاحب حمى الربع يوم النوبة، ولا يضع قدمه على الأرض فإنها تزول بإذن الله تعالى.
(ثعبان) حيوان عظيم الهيئة ذو شكل هائل ومنظر مهاب.
قال ابن سينا: أصغر أصنافها على ما ذكر خمسة أذرع، وأما الكبار فمن ثلاثين ذراعا إلى ما فوق ذلك، ويكون له عينان كبيرتان وتحت الفك الأسفل شعر كالذقن وله أنياب كثيرة.
وقال قوم: إنها تكثر بناحية النوبة والهند، والهندية كبيرة جدّا ولها وجوه صفر وسود وأفواه شديدة اللسعة وحواجب تغطي عيونها وأعناقها مفلسة.
قال ابن سينا: قد رأينا من هذا القبيل ما على حاجبها ورقبتها شعر غليظ، وذكورها أخبث من إناثها تبتلع ما تجده من الحيوانات فربما كان في الشي الذي ابتلعته عظم فيأتي جرم شجرة أو حجرا شاهقا فينطوي عليه انطواء شديدا فيتكسر ذلك العظم، وإذا صار إلى الماء يعيش فيه ويصير مائيّا وإذا صار إلى البر صار بريّا، بعد أن طال مكثه في الماء، ويأوي إلى الجبال الشامخة ليستروح ببرد الهواء من شدة وهج حرارة السم.
стр. 368
فصل: في خواص أجزائه
(قلبه) إذا أكل يورث الشجاعة، وفي بلاد الهند يأكلونه لذلك.
قيل: من أكل قلبه تسخر له الحيوانات، (جلده) يشد على العاشق يزول عشقه، ومن استصحب منه شيئا تسخر له الحيوانات، (رأسه) تدفن في موضع تتوجه إليه الخيرات.
(جراد) (١) هو صنفان: أحد الصنفين يطير في الهواء ويقال له: الفارس، والآخر: ينزو نزوانا ويقال له: الراجل فإذا رعت أيام الربيع طلبت أرضا طيبة التربة رخوة، ونزلت هناك وحفرت بأذنابها حفرا وباضت فيها كل واحد مائة بيضة إلاّ بيضة، وطارت وآفتها الطيور والبرد، ثم إذا أتت أيام الربيع واعتدل الزمان يفقس ذلك البيض المدفون، ويظهر مثل الذباب الصغار على وجه الأرض وأكلت زرعها حتى قويت ثم تنهض إلى أرض أخرى وباضت كما فعلت في عامها الأول، وهكذا دأبها ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦] [يس: ٣٨] [فصلت: ١٢].
قال صاحب الفلاحة: إذا رأيت الجرادة مقبلة نحو القرية فليتوار أهلها عنها بحيث لا يظهر أحد منهم، فإذا لم ير الناس جاوزت القرية، ولم يقع بها شيء منها، وإذا أحرقت شيئا منها فإن البقية تعدل عن القرية إذا شمت قيادها أو تسقط وتموت.
والجراد الطوال (الأرجل) تشد على رقبة صاحب الحمى الربع تزول حماه، ويدخن بها صاحب البواسير ينفعه وكذلك صاحب عسر البول (رماده) ينفع من الناصور.
قال ابن سينا: (أرجلها) تقلع الثآليل فيما يقال.
(حرباء) هو حيوان أعظم من العظاية يقال له بالفارسية: أقباب برشت، يدور مع الشمس ووجهه لها كيفما دارت حتى تغرب، ويكون رمادي اللون ثم يصفر (٢)، وإذا أثرت فيه حرارة الشمس احمر، وقيل: يختلف لونه باختلاف ساعات النهار كل ساعة لون، وإذا رأى من يقصده كبر نفسه وليس فيه شيء من الضرر.
قال الجاحظ: سمعنا ذلك في الورل، ولم نسمعه في الحرباء، وتجعل الحرباء في وسط الطين وتترك تحت النار ثلاثة أيام بلياليها ثم تشد على رقبة المصروع يزول صرعه.
стр. 369
فصل: في خواص أجزائها
(جلدها) يطاف به خارج القرية والمزرعة، ثم يعلق على وسط القرية أو المزرعة؛ فإنها تأمن من آفة البرد والجلود (أحشاؤها) يجمع في كوز جديد ويعرض على النار حتى يجف، ثم يشد في خرقة ويعلق على المسحور أو على من ظن أنه مسحور فإنه ينحل بإذن الله تعالى.
(حلزون) دودة في جوف أنبوبة حجرية، تنبت على الصخرة (١) التي في سواحل البحار وشطوط الأنهار، وتلك الدودة تخرج نصف بدنها من جوف تلك الأنبوبة الصدفية وتمشي يمنة ويسرة تطلب مادة تتغذى بها، فإذا أحست برطوبة ولين انبسطت إليها، وإذا أحست بخشونة أو صلابة انقبضت وغاصت في جوف تلك الأنبوبة حذرا من المؤذي لجسمها، وإذا انسابت جرّت بيتها أيضا معها.
قال ابن سينا: تطلى الجبهة بالحلزون تمنع انصباب المواد إلى العين.
(حية) من أعظم الحيوانات خلقة، وأشدها بأسا، وأقلها عددا، وأطولها عمرا.
قالوا: ليس من حيوانات البر شيء أعظم من التنين ولا شيء يقتل نهشه أسرع من الحية؛ ولهذا أمر النبي ﷺ بقتلها في الحل والحرم، وقال النبي ﷺ : «من قتل حية فله عشر حسنات».
ولما حرمت الحية آله الهرب أعطاها الله تعالى سلاحا تدفع عن نفسها، فلأجل ذلك إذا سمع الإنسان بوجودها في بقعة هرب منها ولا يقربها، ولولا نابها لاتخذها الناس حبلا ولعبت بها الصبيان.
وذكروا: أن الحية تتولد من شعر الإنسان إذا وقع في الماء وأثرت الشمس فيه، وأنها يكثر اختلاف أصنافها في الكبر والصغر والتعرض للإنسان والهرب منه؛ فمنها ما لا يؤذي إلاّ إذا وطئها واطئ، ومنها ما لا يؤذي إلاّ إذا وطئ حماها، ومنها ما لا يؤذي إلاّ على بيضها وفرخها، ومنها ما لا يؤذي إلاّ إذا آذاها الناس مرة.
ومنها الأسود الذي يحفر ويمكن حتى يدرك الفرصة، ومنها الحفاف وهي دابة تشبه الحية ولها نفخ ورعيد وتقريب، وهي أشر هيئة من الأفعى والثعابين، وإنها لا تضر ولا تنفع والحيات
стр. 370
تقتلها، ومنها حية ويقال لها: الملكية، طولها شبر وأكثر، وعلى رأسها خطوط بيض تشبه التاج، فإذا انسابت على الأرض أحرقت كل شيء مرت عليه، وإن طار طائر فوقها يسقط عليها، وإذا بدت تنساب هرب من بين يديها جميع الدواب، وإذا صفرت يموت من صفيرها كل حيوان سمع ذلك بعدما ينتفخ ويسيل منه الصديد، وإن أكل من تلك الجيفة شيء من السباع يموت.
قال جالينوس: إنها حية شقراء على رأسها ثلاث قبازع مثل التاج وهي قليلة الظهور للناس.
وزعموا أن الحية تعيش ألف سنة وأكثر، وكل سنة تسلخ جلدها، وكلما انسلخ يظهر على قفاها نقطة، فنقط قفاها عدد سنيها، وإذا دخل بعضها في الجحر وبقي بعضها خارجا لا يمكن جذبها إلى خارج البتة، حتى لو شد البقر في ذنبها ينقطع ولا تنجذب، وتبيض ثلاثين بيضة على عدد أضلاعها، فيجتمع عليها النمل والبق فيفسدها ولا يصلح منها إلاّ القليل، وإن لدغتها العقرب ماتت إن لم تجد ملحا تنام عليه، وإن وجدت سلمت.
وقالوا: من الحيات حية إن ضربت بعصا مات الضارب.
ومن عجائب الحية أنها إذا علمت أنها مقتولة احترزت على رأسها، وانطوت أشد الانطواء على الرأس، وجعلت بدنها وقاية للرأس، ولا تزال تفعل ذلك حتى تصيب الضربة رأسها.
وذكروا أن في تربة الأهواز حية حمراء دقيقة إذا رأت الإنسان وثبت عليه كالطير ولسعته فيموت في الحال.
وذكروا أيضا أن الحية عند انتصاف النهار، واشتداد الحر، وامتناع الحافي من الأرض والمنتعل يغور ذنبها في الرمل، وتنتصب كأنها عود مركوز أو ثابت، فإذا رأى الطائر عودا مركوزا كره الوقوع إلى الأرض من شدة الحر ووقع على رأس الحية على أنها عود فتقبض عليه.
فصل: في خواص أجزائها
(نابها) يقع حال حياتها ويشد على صاحب حمى الربع تزول عنه الحمى، قال ابن سينا:
يقوى القوة ويحفظ الحواس والشباب وينفع من الجذام وداء الثعلب، وقال محمد بن زكريا: ذكر الأوائل أن المستسقي إذا أكل من لحم حية عتيقة لها مؤن سنين يبرأ. وقال أبقراط: (لحم الحية) أمان من الأمراض الصعبة.
стр. 371
(شحمها) يذاب ويطلى به البواسير مع الملح ينفعه نفعا بينا.
(وسلخها) يطبخ بالخل ويتمضمض به ينفعه من وجع السن، وإذا أحرق في إناء نحاس وسحق نفع من أوجاع العين كلها ويسود العين الزرقاء، وقد اشتهر بين الناس أن من أكل منها فلسا لا يرمد سنة، ومن أكل فلسين لا يرمد سنتين وهكذا، وإن علق على صاحبة الطلق وضعت في الحال.
(جلدها) يحرق ويكتحل برماده ينفع من السبل وتقاطر الماء في العين ويذهب الظلمة.
وقال جالينوس: مرق الحية يقوي البصر.
(وبيض الحية) يسحق في الهاون ويطلى به المرض يزول.
(خراطين) دودة طويلة حمراء تسمى شحمة الأرض (١)، توجد في المواضع الندية تشوى وتؤكل بالخبز، تفتت الحصاة من المثانة وتجفف وتعطي صاحب اليرقان تذهب صفرته، وتجفف وتسقى باللبن للتي تعسرت ولادتها تضع في الحال بإذن الله.
(ورمادها) يخلط بدهن والورد ويطلى به رأس الأقرع ينبت شعره، ويحنك مع العسل ينفع من الخناق، وإذا أخذت هذه الدودة وشددتها في مقنعة امرأة حملت وهاجت بها شهوة الجماع.
(خنفساء) هي الدويبة السوداء التي تتولد في الأرواث ذات الرائحة النتنة.
تغلى بالزيت ويطلى به محل البواسير يذهبه، وإذا كسرت خنفساء نصفين وغمست ميلا في رطوبتها واكتحلت به ينفع من الرمد ويبرأ سريعا، ويطبخ بشيء من الأدهان، ويقطر في الأذن يزيل الطرش، والبعير إذا أكل خنفساء في علفه يموت، وتوجد الخنفساء في بطن حية ومنها صنف يقال له: الجعل يدور على السرجين إن ألقيت في الورد سكنت كأنها ميتة، وإن ألقيتها في الورث عادت إلى حالها.
(وحكي) أن رجلا رأى خنفساء فقال: ماذا يريد الله من خلق هذه، حسن شكلها أو طيب رائحتها؟ فابتلاه الله بقرحة حتى عجز الأطباء عنها فترك العلاج فسمع ذات يوم صوت طبيب من الطرقيين، ينادي في الدرب فقال: هاتوه حتى ينظر في أمري، فقالوا له: ماذا تصنع برجل طرقي وقد عجز عنك حذاق الأطباء؟ فقال: هاتوه نسمع قوله، وليس فيه ضرر، فلما رأى
стр. 372
الطبيب القرحة وسأل عنها فقال: عليّ بالخنفساء، فضحك الحاضرون من قوله، فتذكر العليل القول الذي سبق منه فقال: هاتوا ما طلب فإن الرجل على بصيرة فأحرقها وذر رمادها على القرحة فبرأت بإذن الله تعالى، فقال للحاضرين: إن الله أراد أن يعرفني أن أخس الأشياء أعز الأدوية.
(دودة القز) دويبة إذا شبعت من الرعي طلبت مواضعها من الأشجار والشوك ومدت من لعابها خيوطا رقاقا ونسجت على نفسها كنا مثل الكيس؛ ليكون حرزا لها من الحر والبرد والرياح والأمطار ونامت إلى وقت معلوم، كل ذلك بإلهام من الله تعالى.
وأما كيفية اقتنائها فمن عجائب الدنيا وهي أنهم أول الربيع يأخذون البزر ويشدونها في خرقة، وتجعل تحت ثدي امرأة ليصل إليها حرارة البدن إلى أسبوع، ثم ينثر على شيء من ورق التوت المقصوص بالمقراض فتتحرك الدودة وتأكل من ذلك الورق، ثم لا تأكل ثلاثة أيام، ويقال: إنها في النوبة الأولى، ثم ترجع إلى الأكل فتأكل أسبوعا، ثم تترك الأكل ثلاثة أيام، ويقال: إنها في النوبة الثانية هكذا في المرة الأخرى، ويقال: إنها في النوبة الثالثة وبعد النوبات يطلق لها العلف لتأكل أكلا كثيرا وتسرع في عمل الفيلجة، فيظهر عند ذلك على جسمها مثل نسج العنكبوت ويزداد شيئا فشيئا، فإذا مطر في هذا الوقت مطر تلين الفيلجة من رطوبة النداوة، ويثقبها الدود، ويخرج منها وقد نبت لها جناحان، فتطير ولا يحصل شيء من الإبريسم (١)، وإذا فرغت الدودة من عمل الفيلجة، عرضت على الشمس؛ لتموت الدودة فيها ويحصل من الفيلجة الإبريسم، ويترك بعض الفيلجة ليثقبها الدود ويخرج ويبيضو وبيضها يحفظ للسنة الآتية في ظرف نقي من الخرقة أو الزجاج، والثياب الإبريسمية تنفع من الحكة والجربو ولا يتولد القمل لمن يلبسها، والله الموفق.
(ديك الجن) دويبة توجد في البساتين. قال بليناس: يلقى في خمر عتيق حتى يموت، ويترك في فخارة ويشد رأسها، ويدفن في وسط الدار، فإنه لا يرى فيها شيء من الأرضة أصلا، والله الموفق للصواب.
(ذباب) هي أصناف كثيرة تتولد من العفونة، لم يخلق لها أجفان لصغر حدقتها. ومن شأن الأجفان، تصقيل الحدقة من الغبار فخلق لها يدان يقومان مقام الأجفان، فلهذا ترى الذباب على
стр. 373
الدوام يمسح بيديه حدقتيه وله خرطوم يخرجها إذا أراد مص الدم، ويدخلها إذا وري ولها بطن، وفيها يجري الصوت كما يجري في العصب من النفخ، ولا يقدر على المشي إذ ليس له مفصل، وخلق رءوس أرجلها خشنة؛ لئلا تنزلق إذا وقعت على الأشياء الملسة، والذباب يصيد البق فلذلك لا يرى البق إلاّ في الليل عند سكون الذباب.
قال الجاحظ: لولا أن الذباب يأكل البق ويطلبها في زوايا البيت، لما كان لأهلها فيها قرار وإذا أصاب الحيوان جراحة، وسقط عليها الذباب فيفضي إلى هلاكها إن لم يكن في موضع يصل إليه فم الحيوان؛ لأن الذباب إذا وقع على الجراحة ونم عليها يتولد من ونيمها الدود، والجراحة إذا تولد فيها الدود أهلكت، وونيم الذباب على الأبيض أسود وعلى الأسود أبيض، وونيمه ذو لونين كزرق العصفور فيظهر على كل لون ما يخالفه قالوا: تؤخذ ذبابة ويفصل رأسها عن بدنها ويدلك بها لسع الزنبور يسكن وجعه ويحرق الذباب ويسحق ويخلط بعسل ويطلى به داء الثعلب، ينبت الشعر ويجفف الذباب ويسحق مع الكحل ويكتحل به ينفع من وجع العين، ويزيد في الضوء وينبت شعر الأهداب، والذباب يشوى ويؤكل يفتت حصاة المثانة، وقال ﷺ : «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» (١) ويدق الذباب في اللبن ويطلى به لدغ العقرب يزول وجعه.
ومنها صنف يقال له: ذباب الحمر، كبير جدّا لا يقع إلاّ على الحمير، وصنف أخر يقال له:
ذباب الكلاب لا يقع إلاّ على الكلاب، وصنف آخر يقال له: ذباب الأسد لا يقع إلاّ على الأسد، وإذا رأت بالأسد دما أو خدشا لا تنقلع عنه حتى تهلكه كما ذكرنا في الذر مع الحية فإنه يهلكها.
(الدرحرج) هي دويبة مبرقشة بحمرة وسواد يقال: إنها سم، من أكلها تقرحت مثانته ويسد بوله، ويظلم بصره، ويتورم القضيب والعانة وويعرض مع ذلك اختلاط في العقل. قال ابن سينا: من سقي منها يجد في فمه رائحة القطران والزفت.
والدراريج تموت من الرائحة الطيبة والتي هي شديدة الحمرة، تشد على صاحب حمى الربع ثلاث مرات يوم النوبة، تزول حماه، والتي يوجد منها في المقبرة يطلى بها الكلف تزيله،
стр. 374
والتي توجد في وسط الورد تلقى في زيت وتترك حتى تتلاشى ويطلى بها المناجل التي يقع بها الكروم، فإنها لا يصيبها دودة ولا دابة مضرة.
قال ابن سينا: الدراريج دواء للجرب والقوابي ويقلع الثآليل، ويزيل البهق والبرص طلاء بالخل، ويطلى بالخردل ينبت الشعر، ويطلى به على السرطان يحلله.
(رتيلاء) قال ابن سينا: هي دويبة تشبه العنكبوت (١) التي يسمى الفهد وهو صياد الذباب، وأصنافها كثيرة، وشرها المصرية، وهي ذات رأس وبطن كبيرين، وقالوا: يعرض لمن لسعته وجع شديد وصفرة لون، وربما يعرض للملسوع توتر القضيب والنعوظ وقذف المني من غير إرادة، وأما المصرية فإنه يعرض لملسوعها صداع شديد وسبات ويعقبها الموت الحي.
وذكر الأطباء أن دواء لسعتها رجيع الإنسان، وقد لسعت الرتيلاء الجلال الريحاني وكان طبيب عظيم المنظر أزبك بن محمد صاحب أذربيجان، فخافوا عليه الهلاك فأمر أزبك أن يسقى رجيع الإنسان، فقال الجلال: إن كان ولا بد فهاتوا رجيع أبيك الأنابيلي، وكان مملوكا مثل القمر فسقي منه وعوفي وعاش بعد ذلك مدة طويلة.
(زنبور) يشبه النحل في أكثر حالاته وإذا جاء الشتاء يدخل بيته ولا يخرج حتى يعتدل الهواء ويصيد الذباب، وإذا تعرض أحد لبيتها تقوم كلها عليه وتلسعه ولا تكاد تتعرض لمن يقصدها فإذا ألقي في الدهن يبقى كالميت، فإذا رش عليه الخل يتحرك، قالوا: الشيء الذي يتخذ الزنابير منه بيوتها كالكاغد (٢) لم تعرف أي شيء هو ومن أي شيء أخذته، فإذا أحست بمجيء الشتاء ذهبت إلى المواضع الدافئة وتنام فيها طول الشتاء كالميتو ولا تجمع القوت للشتاء بخلاف النحل، فإذا جاء الربيع وقد صارت من مقاساة البرد وعدم الغذاء كالخشب اليابس، نفخ الله في تلك الجثث الحياة فعاشت وخرجت وبنت البيوت وباضت وأخرجت أفراخها مثل العام الأول، وذاك دأبها أبدا بتقدير العزيز العليم.
(سام أبرص) هو الوزغ الصغير الرأس الطويل الذنب. قال يحيى بن يعمر: لأن أقتل مائة وزغة أحب إليّ من أن أعتق مائة رقبة، وإنما قال ذلك؛ لأنها دابة سوء، زعموا أنها تشرب من المياه وتمج في الإناء فينال الإنسان من ذلك مكروه عظيم. قالوا: إنها تشد على من به حمى الربع
стр. 375
يبرأ، وإن شدت على امرأة لا تحبل، ويقتل سام أبرص، ويقلى في جحر الحيات تهرب جميعها، وسام أبرص إذا تمكن من الملح تمرغ فيه فيصير مادة لتولد البرص، ولا يدخل بيتا فيه الزعفران، ويسحق ويجعل على موضع النصل والشوك يخرجهما ويدق ويضمد به الثآليل المسمارية يقلعها، ويجفف ويسحق ويخلط بالزيت ينبت الشعر على القرع.
فصل: في خاصية أجزائه
(دمه) عجيب في فتق الصبيان ويطلى لداء الثعلب والقرع ينبت الشعر.
(كبده) يسكن وجع الرأس.
(شحمه) يوضع على لسع العقرب ينفع نفعا بينا.
(جلده) يوضع على موضع الفتق يذهب.
(سلحفاة) يقال لها بالفارسية: كشف، وهو حيوان بري بحري (١) قالوا: إذا خيف على زرع أو بستان من البرد تؤخذ سلحفاة، وتلقى على ظهرها بحيث تلقى رجلاها شائلة نحو السماء، فإن البرد لا يضر بذلك الموضع وتؤخذ سلحفاة كبيرة برية ويخرج حشوها ويجعل الصبر في جوفها مكان الحشو تعلق على المصروع يزول صرعه.
فصل: في خواص أجزائه
زعموا أن كل عضو يتألم من الإنسان يشد عليه مثل ذلك العضو من السلحفاة يسكن ألمه، (مرارته) يسعط بها صاحب الصرع ينفعه، ويستعمل لطوخا للخناق، ومنها ما ينفع من الصرع نشوقا، وهو جيد لهش الهوام، وإذا جعلت غطاء للقدر لا يغلى ولو أوقدت تحتها حطبا كثيرا، (رجلها) تشد على صاحب النقرس يزول وجعه، اليمين على اليمين واليسرى على اليسرى، (بيضها) نافع لسعال الصبيان والصرع أيضا.
(صرصر) هو بنت وردان، قال ابن سينا: إنه مع قردمانا نافع من البواسير والنافض وسموم الهوام، يحرق ويسحق ويضاف إلى الإثمد ويكتحل به يحد البصر، ومع مرارة البقر ينفع من ظلمة العين اكتحالا.
стр. 376
(صناجة) حيوان لا يقبل وصفه كثير ما لم يره، قالوا: ليس شيء من حيوانات الأرض أكبر من صناجة، قالوا: يوجد بأرض التبت يتخذ بيتا لنفسه قرب فرسخ.
ومن خواصه أن نظره إذا وقع على حيوان مات ذلك الحيوان، وإذا وقع نظر شيء من الحيوان عليه تموت الصناجة أيضا، ثم إن الحيوانات عرفت ذلك في تلك البلاد فتعرض نفسها على الصناجة غامضة عليها ليقع نظر الصناجة عليها فتموت فتبقى طعمة للحيوانات زمانا طويلا، والله أعلم.
(ضب) يقال له بالفارسية: سوسمار، وهو حيوان كيس إلاّ أنه كثير النسيان، ومن كيسه أنه لا يتخذ البيت إلاّ في موضع صلب؛ لئلا ينهال عليه من حوافر الدواب، ولما علم أنه ينسى لم يتخذ البيت إلاّ عند أكمة أو صخرة عظيمة أو شجرة يستدل بها على بيته إذا غاب وتباعد عنه، وإذا أرادت أن تبيض حفرت في الأرض حفرة ترمي فيها ثمانين بيضة وتدفنها في التراب، وبيضها مثل بيض الحمام وتدعها أربعين يوما، ثم يأتي والحسول قد خرجت منها يتعادون فيأكل منها ما قدر عليه.
وإذا لسعتها العقرب أكلت من حشيشة تسمى آذان الفأر يزول عنها اللسع، وإذا جاعت تتعرض للنسيم وتعيش به ويكون ذلك عذاءها.
قالوا: إذا خرج ضب من بين رجلي الإنسان لا يقدر على مباشرة النساء، وقيل: ينتفخ ذلك الإنسان.
فصل: في خاصية أجزائه
(عينه) إذا سقي إنسان عينه بماء السذاب يقطع عنه مادة المني وينقصه (قلبه) من أكله يذهب عنه الحزن والخفقان، (طحاله) من أكله يمنع عنه وجع الطحال ويأمن منه أبدا، (دمه) يطلى به الكلف مع البورق يزيله ويصفى لون الوجه، (لحمه) ينفع من الأمراض المزمنة مقليّا، ويزيد في ضوء البصر ويقوي البدن ويعين على الباه، (شحمه) يذاب ويطلى به القضيب يقوي شهوة الباه، ومن أكل منه لا يعطش زمانا طويلا (خصيته) من استصحبها تحبه الخدم محبة شديدة، (كعبه) يشد على وجه الفرس لا يسبقه شيء من الخيل عند المسابقة، (جلده) يتخذ على نصال سيف يشجع صاحبه ويتخذ طرفا للعسل من لعق منه تهيج شهوته، ويورث إنعاظا
стр. 377
شديدا، (بعره) ينفع من البرص والكلف والحزازة طلاء، ومن بياض العين اكتحالا ومن نزول الماء أيضا والأعراب يداوون به وجع الظهر.
(ظربان) دويبة كالهرة (١) منتنة الريح ليس في الدنيا نتن أشدّ من نتنها، لو شمت الإبل رائحتها في منامها شردت وتفرقت بحيث يصعب جمعها ولو فست على ثوب لا تزول عنه الرائحة إلى أن يبلى ولو غسل خمسين مرة، وهو عدو الضب.
قال الجاحظ: إذا أراد الظربان أكل الضب وحسولها يدخل جحر الضب مستديرا ويلتمس أضيق موضع فيه حتى يحول بينها وبين النسيم، ثم يفسو عليه فلا يتجاوز ثلاث فسوات حتى يغشى على الضب فيأكلها بحسولها.
(عقرب) أخبث الهوام العقارب يلدغ كل شيء يلقاه، عينها على بطنها وولدها يخرج من ظهرها، فإذا ولدت ماتت وإذا لسعت هربت ولا تقف.
والعقرب إذا خرجت من بيتها أول الليل ولها نشاط أول شيء لقيته ضربته، قال بعضهم:
لقيت العقرب قمقما فضربته بإبرتها فسال منه الماء.
والعقرب إذا لقيت الحية لدغتها والحية تسعى في طلبها فإذا وجدتها أكلتها تبرأ، وإن لم تجدها تموت الحية.
والعقرب إذا لدغت يمسح مكان لدغها برطوبتها يسكن ألمها في الحال، وتجعل العقرب في فخارة مسدودة الرأس وتترك في تنور مسجر حتى تصير رمادا ويسقى من ذلك من به حصاة المثانة تفتتها.
والعقرب إذا لسعت صاحب الحمى العتيقة تقلع عنه الحمى، وإذا لدغت المفلوج يزول عنه الفالج، وإذا حرقت عقرب ودخن بها البيت لم يبق في البيت عقرب إلاّ هلك أو هرب، ويشق بطنها ويوضع على موضع اللسعة، فإنه ينفع في الحال وإذا أخذت عقربا كبيرا أسود وجففتها بالخل وطلي به أبرص أزاله ورماده يذاب بدهن ويطلى به ينبت الشعر.
(عنكبوت) فائدة: نسج العنكبوت على ثلاثة مواضع: على غار النبي ﷺ ، وعلى غار عبد الله بعثه النبي ﷺ لخالد الهمداني، فقتله وحمل رأسه ودخل في غار
стр. 378
خوفا من أهله، ونسج على زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين لما صلب عريانا، وقيل: إنها نسجت مرتين على نبيين: داود حين كان يطلبه جالوت، وعلى النبي ﷺ في الغار.
والعنكبوت أصنافه كثيرة لكل صنف فعل عجيب؛ منها الطويلة الأرجل فإنها لما عرفت ضعف قوائمها وأنها تعجز عن الصيد أعدت للصيد مصايدا وحبالا من الخيوط؛ فعمدت إلى فرجة بين حائطين متقاربين وتلقى لعابها الذي هو خيطها ليلصق به، ثم يعدو إلى الجانب الآخر ويحكم الخيط في الطرف الآخر وهكذا ثانيا وثالثا، وهذا هو السدي ثم يحكم لحمته حتى يتم النسج (١) وكل ذلك على تناسب هندسي حتى يصح النسج، ثم يقعد في زاوية مترصدا وقوع الصيد فيها فإذا وقع فيها شيء من الذباب على شبه صيد الفهد؛ وذلك أنه يكمن في زاوية فإذا طارت ذبابة بقربه وثب إليها، وربما مد خيطا من السقف وعلق نفسه فيه منكسا فإذا طار ذباب بقربه رمى بنفسه إليه وأخذه.
ومنها صنف آخر يقال له: الليث وله ست عيون، فإذا رأى الذبابة لطئ بالأرض ثم وثب ولم تخطئ وثبته وهو آفة الذباب.
ومنها صنف يقال له: الرتيلا، إذا مشى على الإنسان يموت الإنسان من لعابه وقد مر ذكره ويسمى عقرب الثعبان؛ لأنه يقتل الثعبان.
ومنها صنف دقيق الصنعة يهيئ نسجه ويصيد بيته فإذا وقعت في مصيدته ذبابة يضرب فيها فتمشي إليها وتمص رطوبتها، والذباب يطن من الألم إلى أن يموت ويحملها إلى خزانته للذخيرة، وأكثر ما يقع في مصيدته في غيبوبة الشمس.
وزعم بعضهم أن العناكب الإناث هي العوامل والذكور لا تعمل شيئا.
стр. 379
ومنهم من قال: إن السدى من الإناث، واللحمة من الذكور؛ لأن اللحمة أقوى من السدى، وهما كالشريكين في العمل، أو هما كالأستاذ مع تلميذه.
قالوا: وإذا شددت عنكبوتا في خرقة سوداء وعلقتها على صاحب الحمى تزول عنه، وزعموا أنه مجرب، قال بليناس: يسحق العنكبوت وسقى في شيء من الأشربة لصاحب الحمى البلغمة تزول من ساعتها (مجرب).
(رجل العنكبوت) تشد على من يحم بالليل تذهب عنه
(نسجه) يوضع على الموضع الذي يسيل منه الدم يقطعه، وإن بخر منه طرد البق من البيت.
(فأر) حيوان كثير الفساد، كثير الحيلة (١) من الفواسق الخمس، أمر النبي ﷺ بقتلها في الحل والحرم، وربما يجذب الفتيلة من السراج ويحرق بذلك الدور بما فيها من الحيوان والأموال ويقرض دفاتر الحساب والعلوم والوثائق والصكاك فتفوت حقوق الناس، وتقرض الثياب النفيسة والجراب والزق فيسيل ما فيها، ويأكل المائعات ويرمي فيها بعره حتى يفسدها على الناس، وربما وقعت في بئر فماتت فيها فتحوج الناس إلى مشقة عظيمة.
وإذا خدش الإنسان نمر أو سبع يطلب الفأر، فإن كان من النمر يذر عليه التراب، وإن كان من الكلب يبول عليه؛ فإن ذلك الإنسان يموت عاجلا، وذهب بعضهم إلى أن الفأرة عدمت قوة الحافظة؛ لأنها تخرج من بيتها ترى لسنور فترجع ثم تخرج عقبها، ولم يبق معها علم أن السنور على باب بيتها.
وقال بعضهم: كيف يصح أن يقال: لا حافظة لها مع لطائف حبها وشدة اهتمامها بأمر المعيشة وادخارها ليوم الحاجة وعلمها بأن الغلال لا تترك في الآبار فتأخذ منها ما تقدر عليه لوقت عجزها عن الكسب.
ومن لطائف حيلها أن الدهن إذا كان في قارورة ضيقة الرأس تجعل ذنبها فيها وتلطخه بالدهن حتى تلحس جميع ما فيها، ومنها أن الدهن إذا كان في القارورة إلى نصفها ترمي فيها الحصاة حتى يخرج إلى رأسها وتشربه، ومنها إذا أرادت أخذه البيضة تحضن البيضة وتمسكها بأربعتها، وتأخذ فأرة أخرى بذنبها تجذبها إلى البيت، ومنها إذا أرادت أخذ الجوز تأخذها فأرة
стр. 380
وتجعلها على ظهر أخرى وتلف عليها ذنبها وتحفظها بالذنب وتمشي بها إلى بيتها، ومنها أن إحداها إذا وقعت في ظرف فيه ماء لا تقدر على الخروج منه فتأتي الأخرى وتمسك بيدها طرف الإناء وترسل ذنبها إليها حتى تتعلق بها وتخرج، ولم تر قتالا بين بهيمتين ولا سبعين أشد مما يجري بين جرذين إذا ربط أحدهما في طرف خيط والآخر في الطرف الآخر فعند ذلك يظهر لهما الخدش واللغط فإذا انحل الخيط ولّى كل واحد منهما عن صاحبه.
ومنها صنف يقال له: العربي يحب الدراهم والدنانير، ويلعب بها، وكثيرا ما يخرجها واحدا واحدا، وتمرّغ عليها ويعيدها واحدا واحدا.
(وحكى) بعضهم: أنه كان في بيته فأرة لقي منها التباريح، قال: فنصبت لها مصيدة فوقعت فيها فانتظرت سنورا يصطادها فاستبطأ زوجها رجوعها فخرج خلفها في طلبها فرآها في المصيدة فعاد وأتى بدينار وتركه عند المصيدة، ثم تأخر وانتظر ساعة ثم ذهب وأتى بآخر وتأخر وهكذا كلما أتى بدينار لبث زمانا يطمع أني آخذ الدنانير وأخلصها له فلما رآني لم أخلصها أتى بآخر حتى أتى في المرة الأخيرة بخرقة، فعلمت أنه أخرج جمع ما كان عنده من الدنانير فخلصتها، وأخذت الدنانير.
ومنها نوع يقال له: اليربوع وهو الفأر البري صاحب النافقاء والقاصعاء يحفر جحرا ذا عطفات كثيرة يمينا وصعودا ونزولا تخفى مكانها فإن دخل عليها ابن عرس، أو نصب، أو ظربان لا يظفر بها؛ لكثرة عطفاتها واعوجاجها، وبجحرها أبواب كثيرة، ولليرابيع رئيس يخرج من البيت أولا ويرى الفضاء فإن لم يكن عدو صاح حتى يخرج الفأر كلها، وإن رأى عدوّا عاد وأخبر الباقين حتى لا يخرج شيء منها، وإن لم يكن عدو خرج الرئيس وصعد موضعا عاليا كالديوان والفأر تخرج بعده وتذهب يمينا وشمالا تطلب القوت فما حصل لها تأتي منه بنصيب للرئيس، وإذا رأى الرئيس عدوّا صاح برفع صوته حتى يرجع الفأر إلى بيوتها، فإن غفل الرئيس حتى أتى العدو وأخذ منها شيئا بغتة اجتمعت الفأر كلها على الرئيس وأكلته.
ومنها صنف يقال له: الخلد خلقه الله تعالى أكمه يكون في البراري، حاسة سمعها شديدة إذا أحست بشيء عادت إلى بيتها، وذكروا أن الخلد الأنثى إذا حبلت يموت الذكر، وإذا أرادوا صيده تركوا على باب بيتها شيئا من البصل فإنها تخرج لرائحته فيأخذها الصياد.
ومنها صنف يقال له: الفأرة المسك توجد في أرض تبت في موضع يقال له: الدفر، سرة هذه الفأرة مسك كما للغزلان؛ فالصياد إذا صادها يشد صرتها حتى يجتمع فيها الدم، وذلك خير من مسك الغزال حتى قالوا: يساوي عشرة من أمثالها؛ لما فيها من طيب الرائحة وحدتها.
стр. 381
ومنها صنف يقال له: ذات النطاق وهي فأرة مشهورة منطّقة ببياض أعلاها أسود شبهوها بالمرأة ذات النطاق، وهي التي تلبس قميصين ملونين وتشد وسطها ثم ترسل الأعلى على الأسفل.
ومنها صنف يسمى: فأرة البيش قال بعضهم: إنها دويبة تشبه الفأر وليست تسكن إلا منابت البيش تأكل منه وتتغذى به، والبيش: سم قاتل منه شيء يسير وهو حشيش ينبت بأرض الهند.
ومنها صنف يقال له: اليربوع وهو الفأر البري صاحب القاصعاء والنافقاء يحفر جحرا فيه عطفات كثيرة، ويحفرها إلى أسفل مستقيمة ثم يذهب يمينا وشمالا وصعودا ونزولا ويخفي مكانه فيه بسبب اعوجاجه وعطفاته فإذا قصده شيء من أعدائه كابن عرس، أو ضب، أو ظربان لا يظفر به؛ لأنه متى أحس بالشر من جهة ذهب إلى خلاف تلك الجهة، ولجحره أبواب، ولليرابيع رئيس إذا أرادت اليرابيع الخروج من أجحرتها خرج الرئيس أولا ونظر فإن لم ير عدوّا رفع صوته؛ ليخرج الآخرون، وإن رأى عدوّا رجع إلى جحره ومنعها من الخروج، وإذا خرج يصعد موضعا عاليا كالديوان، واليرابيع تسعى يمينا وشمالا تطلب القوت فما وقع بيده من الحب وغيره يأتي بنصيب منها للرئيس، وإذا رأى الرئيس عدوّا رفع صوته حتى يرجع كل واحد بيته فإن غفل الرئيس عن العدو حتى أتاه العدو بغتة وأخذ من اليرابيع شيئا هربت البقية وعادت إلى أماكنها سالمة، ثم اجتمعت على عزل رئيسها وإهلاكه ونصّبت رئيسا غيره.
ومنها صنف يقال له: سمندل يشبه الفأر وليس بفأر يوجد ببلاد غور تدخل النار ولا تحترق ثم تخرج من النار وقد ذهب وسخها، وصفا لونها وزاد بريقها ولا يتأذى شعرها ولا جلدها ولا لحمها من النار، فسبحان من لا يعرف دقائق حكمته ولطائف صنعه إلا هو، والملوك يتخذون من جلودها منديل الغمر؛ لأنه في غاية النعومة يمسحون به أيديهم فإذا توسخ يلقونه في النار؛ ليذهب وسخه ويخرج نظيفا.
وذكروا أن من أخذ جرذا (١) وقطع ذنبه وأخصاه، ثم أطلقه يأكل الجرذان والفيران أكلا ذريعا لا يغلبه شيء حتى الهرة وابن عرس، وتحدث فيه شجاعة وجراءة وإقدام.
وأصحاب الأنابير والبيادر عرفوا ذلك فيأخذونه ويقطعون ذنبه، ويسيبونه فلا يترك جرذا ولا فأرا، ومن شق فأرة وجعلها على موضع النصل أو الشوك يخرجه، وتحرق الفأرة وتسحق وتخلط بالدهن، ويطلى به الموضع الصلع ينبت الشعر.
стр. 382
فصل: في خواص أجزائه
(رأسه) يشد في خرقة كتان على رأس المتألم يسكن وجعه وينفع من الصرع. (عينه) تشد على قلنسوة إنسان يسهل عليه المشي، وإذا دخل على أحد يغفل عنه أكثرهم، وإذا علقت على من به حمى الربع أبرأته، مرارة السمندل تسقى لمن به جذام يزول عنه.
(دمه) يطلى به القضيب يقوى على الباه تقوية عظيمة، دم الفأر ينتف الشعر الذي على الأجفان، ويطلى بهذا الدم لا يرجع ينبت.
(شحمه) يذاب ويخلط بدهن الورد ويطلى به الكلف يزيله.
(لحمه) إذا شوي وأطعم لصبي انقطع سيلان اللعاب من فمه.
(خصيته) تشد على المرأة لا تحبل ما دامت معها.
(ذنبه) يشد على المصروع يزيله.
(جلد الفأر) يحشى بالتبن ويعلق على البيت يهرب الفأر عنه.
(بعره) يحل بالزيت ويطلى به الرأس يذهب بداء الثعلب، ويتخذ من بعر الفأر والحنظل والبورق والسكر الأحمر أشياء يحتمله صاحب القولنج ينفتح في الحال، بعر الفأر مع العسل يطلى به على الطفرة التي في عين الفرس تزول بالكلية، ويسقى الصبي الذي في مثانته حصاة يفتتها، ويسقى صاحب عسر البول يطلق، وإذا اكتحل ببعر الفأر نفع من بياض العين.
(سؤر الفأر) يورث النسيان كما قال ﷺ : «خمس تورث النسيان» وعد منها سؤر الفأر، والله أعلم.
(فراش) هو الحيوان الذي يتهافت على السرج ويحترق (١) زعموا أنها دعموص في أول أمرها فإذا نبتت أجنحتها صارت فراشا. والدعموص: هو العلق الصغير. وقال آخرون: إنها دودة حمراء توجد في البقل يقال لها: اليرسوع تنسلخ فتصير فراشا؛ وسبب وقوعها على النار ما ذكر بعضهم أن بصرها ضعيف، فإذا رأت السراج تظن أنها في بيت مظلم، وأن السراج كوة في البيت المظلم إلى الموضع المضيء، فلا تزال تطلب الضوء وترمي نفسها إلى الكوة فإذا جاوزتها ورأت الظلام ظنت أنها لم تصل الكوة فتعود إليها مرة ثانية فتفعل ذلك إلى أن تحترق.
стр. 383
حدّث خفيف السمرقندي صاحب المعتضد بالله أمير المؤمنين: أنه كثر الفراش على الشمع المسرح بين يدي الخليفة في بعض الليالي فجمعناه فكان مكوكا، ثم ميزناه فكان اثنين وسبعين شكلا.
(فسافس) قال الشيخ الرئيس: هو حيوان كالقراد يكون في الأسرة شديد النتن جدّا، يشبه أن يكون المعروف عندنا بالبق قال: إذا أشرب بالخل أخرج العلق المتشبث في الحلق، وإذا شمت المرأة منه نفع من اختناق الرحم، وإذا سحقت وجعلت في ثقب الإحليل نفعت من عسر البول، وإذا أخذت منها سبعا وجعلتها في باقلا، وابتلعت قبل نوبة حمى الربع نفعت، أو إن جعلت من غير باقلا نفعت من لسع جميع الهوام.
(قمل) يتولد من العرق والوسخ في بدن الإنسان إذا علاه ثوب أو شعر؛ لأن العرق يتعفن من دفاء الثوب أو الشعر فيتولد منه القمل، ثم القمل يبيض وبيضه الصئبان فإذا باضت التصقت بيضتها بالموضع التصاقا لا يمكن إزالتها إلا بالشدة، ويتولد في الشعر الأسود قمل أسود، وفي الشعر الأبيض قمل أبيض، وفي الشعر الأحمر قمل أحمر، وفي الأشمط شيء أسود وشيء أبيض، وإذا تولد في شعر رأس الإنسان يصفر لونه.
قالوا: من أراد أن يعلم ما في بطن الحامل غلاما أو جارية يحلب شيئا من لبنها على الكف ويلقى فيه قملة، فإن لم تقدر على الخروج ففي بطنها غلام، وإن قدرت على الخروج ففي بطنها جارية؛ لأن لبن الغلام غليظ، ولبن الجارية رقيق لا يمنع القمل من الخروج.
(قنفذ) (١) الحيوان الذي يقال له بالفارسية: خاربشت، سلاحه على ظهره وهو الشوك الذي عليه ويتقنع بحيث لا يبين من أطرافه شيء ويستطيب الهواء ويتخذ لمسكنه بابين: أحدهما مستقبل الشمال، والآخر مستقبل الجنوب، ويعادي الحية فإن ظفر بقفاها قتلها بأسهل طريق وإن ظفر بذنبها عض ذنبها، ويتقنع ويعطي الحية ظهره ويمضغ ذنبها، والحية تضرب نفسها على شوكه حتى تهلك، ويصعد الكرم ويرمي حبات العناقيد إلى الأرض، ثم ينزل ويتمرغ فيه؛ ليدخل شوكه في الحبات فيحملها ويذهب بها إلى أولاده.
ومنها صنف يقال له: الدلدل هو أكبر جسما من القنفذ وأطول جسما، نسبته إلى القنفذ كنسبة الجاموس إلى البقر.
стр. 384
قالوا: أي موضع أراد أن يرمي إليه شوكة من شوكه يرميه كرمي النشاب، ولا يخطئ شيئا فتمر الشوكة كمر السهم المشدد، وتثبت فيه.
فصل: في خواص أجزائه
(عينه اليسرى) تقلى بالزيت وتؤخذ بطرف الميل وتصب في أذن الأطرش يزول طرشه.
(مرارته) ينتف الشعر ثم يطلى موضعه بها فإن الشعر الذي عليه لا ينبت أبدا، وتخلط هذه المرارة بشيء من الكبريت ويطلى به البهق يزيله.
(وطحاله) يشوى ويطعم المطحول فإنه على قدر ما يطعم منه يخف طحاله. (كليته) تجفف وتسحق ويسقى منها قدر درهم بماء الحمص الأسود المغلي المصفى فإنه ينفع لعسر البول.
(دمه) يطلى به عضة الكلب؛ فإنه يسكن ألمه ويأمن من صاحبه من الموت.
(لحمه) قال الشيخ الرئيس: المصلح منه ينفع من داء الفيل والجذام، وهو جيد لمن يبول في الفراش من الصبيان، وينفع من نهش الهوام كلها، ومن البرص والسل والتشنج والرياح كلها
(جلده) يحرق ويخلط بالزفت ينفع من داء الثعلب.
(خصيته) إن كانت من الدلدل يؤخذ نضيجا، وتخلط بالعسل الشهد وتؤكل فإنها تزيد في الباه وتعين عليه.
(وظفره) من يده اليمنى يدخن به تحت ذيل صاحب حمى الربع تزول حماه، ورماد القنفذ إذا أحرق كما هو ويحشى به الناصور فإنه يبرأ.
(نبر) (١) دويبة إذا دبت على البعير تورم جلده وينتفخ، وربما يكون ذلك سبب هلاكه، ولما أراد الشاعر أن يذكر مسمن إبله قال:
حمر تحقنت النجيد كأنما … بجلودهن مدراج الإنبار
(نحل) حيوان ذو هيئة ظريفة وخلقة لطيفة وبنية نحيفة، وسط بدنه مربع مكعب ومؤخره مخروط ورأسه مبسوط، وركب في وسط بدنه أربعة أرجل ويدين متناسبة المقادير كأضلاع الشكل المسدس في الدائرة، وقد جعل في هذا النوع الملك المطاع يقال له: اليعسوب يتوارث الملك عن آبائه وأجداده؛ فإن اليعاسيب لا تلد إلا اليعاسيب.
стр. 385
ومن العجيب أن اليعسوب لا يخرج من الكور؛ لأنه إن خرج خرج معه جميع النحل فيقف العمل، وإن هلك اليعسوب وقفت النحل لا تعمل شيئا فتهلك عاجلا، واليعسوب أكبر جثة يكون بقدر نحلتين وهو يأمرهم بالعمل يرتب على كل أحد ما يليق به، يأمر بعضها ببناء البيت، ويأمر بعضها بعمل العسل، ومن لا يحسن العمل يخرجها من الكور ولا يخليها في وسط النحل، وينصّب بوابا على باب الخلية؛ ليمنع دخول ما وقع على شيء من القاذورات.
(وأما) اتخاذ بيوتها مسدسة فمن أعجب الأشياء، والغرض من المسدسات المتساوية الأضلاع لخاصية يقصر فهم المهندس عن إدراكها، ولا توجد تلك الخاصية في المربع وفي المخمس ولا في المستدير، وهي أن أوسع الأشكال وأجودها المستدير وما يقرب منه، أما المربع فيخرج منه زوايا ضائعة، وشكل النحل مستدير فترك المربع حتى لا تضيع الزوايا فتبقى خالية، ولو بناها مستديرة لبقي خارج البيت فرج ضائعة؛ فإن الأشكال المستديرة إذا جمعت لا تجتمع متراصة ولا شكل من الأشكال ذوات الزوايا يقرب في الاحتواء من المستدير، ثم تتراص الجملة منه بحيث لا تبقى بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس، فانظر كيف ألهمها الله تعالى ذلك وجعل لها اتخاذ هذه الأشكال المتساوية الأضلاع بحيث لا يزيد ضلع على ضلع ولا ينقص، ويعجز عن هذا التساوي المهندس الحاذق بالفرجار والمسطرة فتعمل النحل في فصلين في الربيع والخريف، فتأخذ بالأيدي والأرجل من ورق الأشجار وزهر الثمار والرطوبات الدهنية التي تبني به بيوتا، ولها شفران حادان تجمع بهما من ثمرة الأشجار رطوبات.
(لطيفة) عجزت عقول الأكثرين عن معرفتها على طبائع، وخلق في جوفها قوة طابخة تصير تلك الرطوبات عسلا حلوا لذيذا غذاء لها ولأولادها، وما فضل عن غذائها تجعله مخزونا في بعض البيوت، وتغطي رأسها بغطاء رقيق من الشمع حتى يكون الشمع محيطا به من جميع جوانبه كأنه رأس البرنية مسدودة بالقراطيس وآخر ذلك الوقت الشتاء.
وتبيض في بعض البيوت وتحضن وتفرخ وتأوي إلى بعض بيوتها، وتنام فيها أيام الصيف والشتاء ويوم المطر والريح والبرد، وتتقوت من ذلك العسل المخزون هي وأولادها يوما فيوما لا إسرافا ولا تقتيرا إلى أن تنقضي أيام الشتاء، ثم تأتي أيام الربيع ويطيب الزمان ويخرج النّور والزهر فترعى منه وتفعل كما فعلت في العام الأول، ولم يزل هذا دأبها بإلهام من الله تعالى، كما قال: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ [النحل: ٦٨،
стр. 386
٦٩]. فسبحان من جعل فضائل غذائها سببا لشفاء الأبدان، وجعل وسخ غذائها ضياء في ظلم الليالي، ومن العجب أن الخلية إذا دخن عليها لأخذ العسل أحست النحل بذلك وبادرت إلى أكل العسل تأكله أكلا ذريعا.
(وحكى) بعضهم أن خلية من خلايا العسل مرض نحلها، فجاء خلية أخرى يقاتلها على العسل الذي في بيوتها يريد إخراجها من الخلية؛ ليستولي على عسلها فأقبل قيم الخلايا يعاون النحل المريض فكان يلسعه النحل الغريب دون المريض، كأنها عرفت أنه يدفع عنها.
أما العسل فإنه رطوبة في أعماق الأنوار ولطيف الثمار يرشفها النحل يتغذى ببعضها، ويدخر بعضها لأيام الشتاء وقت لا يجد الغذاء خارجا. وقالوا: إن العسل الأبيض عمل شبانها، والأصفر عمل كهولها، والأحمر عمل شبابها وهو شفاء للناس على ما قاله تعالى، فالمحرور المزاج يتخذه مع غيره؛ لدفع الحرارة كالسكنجبين، والمبرود المزاج يتخذه وحده؛ لدفع البرد.
(ومن خواص العسل) أن كل شيء يتسارع الفساد إليه إذا تركته فيه يبقى بحاله ولا تتعفن ولا يؤثر فيه الفساد، ويؤخذ العسل الذي لم يصبه ماء ولا دخان ويخلط بشيء من المسك يمنع من نزول الماء اكتحالا، والتلطخ به يقتل القمل والصئبان، ولعقه علاج لعضة الكلب الكلب، والمطبوخ منه نافع للسموم القاتلة (١).
стр. 387
ومن العسل صنف حريف قالوا: إنه سم وشمعه يذهب العقل فكيف أكله؟
وأما الشمع فإنه حدرات بيوت النحل التي تبيض وتفرخ فيها وتجعلها خزانة للعسل، وأما الموم فإنه وسخ كور النحل من خاصيته جذب السلاء والشوك وزعموا أن من استصحب الموم يورثه الغم ولا يحتلم.
(نمل) حيوان حريص على جمع الغذاء، ولغاية حرصه يحمل ما يكون أثقل منه ويعاون بعضها بعضا على الجذب، ويجمع من الغذاء ما يكفي سنين لو عاش ولكن عمره لا يكون أكثر من سنة قال النسابة البكري: للنمل جدان فارز، وعقفان، ففارز جد السود، وعقفان جد الحمر.
ومن عجائبه اتخاذ القرية تحت الأرض، وفيها منازل ودهاليز وغرف وطبقات ومنعطفات يملؤها حبوبا وذخائر للشتاء، وتجعل بعض بيوتها منخفضا؛ لينصب إليها الماء وبعضها مرتفعا.
عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تقتلوا النمل؛ فإن سليمان ﵇ خرج ذات يوم يستسقي فإذا هو بنملة قائمة على رجليها باسطة يديها تقول: اللهم أنا خلق من خلقك ولا غنى لنا عن فضلك اللهم لا تؤاخذنا بذنوب عبادك
стр. 388
الخاطئين، واسقنا مطرا ينبت لنا شجرا وتطعمنا منه ثمرا، فقال سليمان ﵇ لقومه:
ارجعوا فقد سقيتم بغيركم» ومن عجائبه أنه مع لطافة جسمه وشخصه وخفة وزنه لم شم ليس لشيء من الحيوان مثل ذلك، فإذا وقع شيء من يد الإنسان في موضع لا يرى فيه شيء من النمل فلا يلبث أن يقبل النمل كالخيط الأسود الممدود إلى ذلك الشيء، وإذا وجدت واحدة شيئا لا تقدر على حمله أخذت منه قدر ما تقدر عليه، وأخبرت الباقين فتجتمع عليه جماعة يجرونه بجد وعناء.
وإذا جمعت الحب في بيتها خافت أن ينبت فتقطع كل حبة قطعتين؛ لتذهب عنها قوة النبت، وتقطع حبة الكزبرة أربع قطع؛ لأن نصفها ينبت، وإذا كان عدسا أو شعيرا أو باقلا تقشرها ولا تكسرها؛ فإن التقشير يذهب عنها قوة النبت، ثم تأتي بقطعها وتبسطها في الشمس؛ حتى تزول عنها النداوة فلا يتعفن، وإذا أحست بالغيم ردتها إلى مكانها خوفا من المطر، وإذا ابتل شيء منها بالمطر تنشرها يوم الصحو؛ لتزول عنه النداوة.
ومن عجائبه أنه لا يتعرض لجعل ولا جرادة ولا صرصر ولا عقرب ما لم يكن به عقر أو قطع يد أو رجل، فإن أصابه شيء منه وثبت عليه وهو حي ولا يفارقه حتى يقتله، وهكذا تفعل بالحيات والثعابين إذا أصابها خدش أو جراحة، وإذا أحرق النمل يموت من دخانها الباقي أو تهرب، وعند هلاكها ينبت لها جناحان؛ لأن العصافير يصطادها.
ومن سقي من بيظ النمل نصف درهم لا يملك أسفله، ويغلبه الضراط وإذا طلي البدن بمسحوقه مخلوطا بالماء ينبت الشعر وإذا نثرت بيظ النمل بين قوم تفرقوا شذر مذر.
(ورل) هو الحيوان العظيم من أشكال الوزغ (١)، وسام أبرص طويل الذنب الصغير الرأس، وهو سريع السير خفيف الحركة عدو للضب، والحية يدخل بيتها ويأكلها وليس شيء أقوى على قتل الحيات منه، ولا يحتفر لنفسه بيتا بل يغتصب من كل حيوان بيته؛ لأنه أي بيت دخله هرب ساكنه، ويغصب بيت الحية من الحية كما تغتصب الحية بيت سائر الأجناس الأخر.
فصل: في خواص أجزائه
(لحمه وشحمه) يسمن طبقات النساء، وفيه قوة جذب للسلا والشوك، جلده يحرق ويخلط رماده بدردي الزيت ويطلى به العضو الخدر يذهب عنه ذلك.
стр. 389
(زبله) ينفع من الكلف والنمش، ويكتحل به ينفع من بياض العين، ويقلع الثآليل، والله الموفق للصواب بمنه وكرمه.
خاتمة في حيوانات عجيبة الأشكال
وهي حيوانات يخالف أشكالها الحيوانات المعهودة أذكر بعضها في أقسام ثلاثة:
(القسم الأول أمم غريبة الأشكال) خلقها الله تعالى في أكناف الأرض وجزائر البحار.
(منها) يأجوج ومأجوج وهم أمم لا يحصيهم إلا الله تعالى طولا، أحدهم نصف قامة رجل، ولهم أنياب كما للسباع ومخاليب مكان الأظافر وهلب عليه شعر.
(ومنها) منسك وهم في جهة المشرق بقرب يأجوج ومأجوج لهم آذان مثل آذان الفيلة كل أذن، مثل: كساء يفترش أحدهم إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى.
ومنها أمة في بعض الجبال بقرب سد الإسكندر قصار القدود، عراض الوجوه، سود الجلود فيها نقط بيض وصفر، طول كل واحد خمسة أشبار يتوحشون من الخلائق ويتسلقون الأشجار.
(ومنها) أمة بجزيرة الزنج على صورة الإنسان يتكلمون بكلام لا يفهم، ويأكلون ويشربون كالإنسان ولهم أجنحة يطيرون بها وهم بيض وسود وخضر.
(ومنها) أمة بجزيرة الرامني عراة لا يفهم كلامهم شبيهة بالصفير، طول أحدهم أربعة اشبار ولهم شعور وغب أحمر.
(ومنها) أمة في بعض جزائر الزنج قاماتهم قدر ذراع واكثرهم عور وعورهم لمحاربة الغرانيق تأتيهم وتحاربهم كل سنة فتقتل منهم ما شاء الله.
(ومنها) أمة في جزائر البحر وجوههم كوجوه الكلاب، سائر بدنهم كبدن الناس يتقوتون بثمار أشجار تلك الجزيرة فإن وجدوا شيئا من الحيوانات أكلوه.
стр. 390
(ومنها) أمة في هذه الجزيرة على صورة الناس كأحسن ما يكون، ولا عظم في أرجلهم فيزحفون زحفا فإذا وجدوا إنسانا ماشيا قفزوا على رقبته ولوى من على الرقبة رجليه على ذلك الماشي فإذا عاجله طرحه وخمشه في وجهه، وسخره كما يسخر الإنسان دابته.
(ومنها) أمة في بعض الجزائر لها أجنحة وخراط دقيقة وشعور، يمشي على رجلين وعلى أربعة، ويطير أيضا قيل: إنهم صنف من الجن.
(ومنها) أمة طوال القدود، زرق العيون ذوات أجنحة خفاف النهضة رءوسهم كرءوس الخيل، وأبدانهم كأبدان الناس.
(ومنها) أمة لها رأسان وثماني أرجل رأس وأربع نحو الأرض، ورأس وأربع نحو الهواء.
(ومنها) أمة على صورة النساء لها شعور وثدي لا فحل فيهن يلقحن من الريح، ويلدن أمثالهن، ولهن أصوات مطربة يجتمع عليهن الحيوانات؛ لطيب أصواتهن.
(ومنها) أمة رءوسها رءوس الناس وأبدانها أبدان الحيات.
(ومنها) أمة في بعض جزائر الصين لا رأس لأبدانهم، وأفواههم وعيونهم على صدورهم، وسمعت أن واحدا من هذه الأمة جاء رسولا إلى عظيم التتار.
(ومنها) أمة لها وجوه كوجه الإنسان، وظهورهم كظهر السلحفاة، وعلى رءوسها قرون طوال.
(ومنها) أمة يقال لها النسناس لأبدانهم نصف رأس ونصف بدن ويد ورجل واحدة كأنه إنسان قدّ نصفين يقفز قفزا شديدا، وإنه يوجد في غياض أرض اليمن وهو ناطق، والله الموفق.
(القسم الثاني: في الحيوانات المركبة)
التي تتولد من حيوانين مختلفي النوع، ولذا يكون شكلا عجيبا بين هذا وذاك، فاعتبر حال البغل؛ فإنه ما من عضو منه إلا وهو دائر بين عضو الفرس وعضو الحمار فإذا كان الذكر حمارا كان بالفرس أشبه، وإن كان الذكر فرسا كان بالحمار أشبه.
(ومنها) المتولد بين الضبعان والناقة والبقر الوحشية، وهو الزرافة فإنه متولد بين هذه الثلاثة وقد جرى ذكرها في ذكر الحيوانات فلا نعيده.
(ومنها) المتولد من الخيل وبقر الوحش وقد رأيته وكان بغلة في غاية الحسن.