Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
• قوله:
١٥ - «ثم يطوف والبيت على يساره سبعة أطواف، ثلاثة خببا، ثم أربعة مشيا، ويستلم الركن كلما مر به كما ذكرنا، ويكبر».
مما جاء في فضل الطواف بالبيت قول النبي ﷺ : «من طاف بهذا البيت أسبوعا فأحصاه؛ كان كعتق رقبة، لا يضع قدما ولا يرفع أخرى إلا حط الله عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة»، رواه الترمذي والنسائي والحاكم عن ابن عمر، وهو في صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني.
هذا هو طواف القدوم وبأتي به من أفرد الحج، ومن قرن، ويسمى طواف الورود، أما المعتمر فيندرج عنده في طواف العمرة، والثاني طواف الإفاضة، ويسمى طواف الزيارة، وهو ركن من أركان الحج، والثالث طواف الوداع، ويسمى أيضا طواف الصدر.
وطواف القدوم من الواجبات الأحد عشر التي يجبر تركها بالهدي في المذهب، ولا شيء على المراهق أعني من ضاق عليه الوقت بخشيته فوات وقت الوقوف بعرفة، وكذلك الحائض والنفساء، وإنما يطالب به غير المقيم بمكة، أما المحرم بعمرة فيندرج طواف الورود في طوافها الركن.
وللطواف من حيث هو واجبات، وسنن، ومستحبات، فأما الواجبات فقد ذكر المؤلف منها ثلاثة هي أن يجعل البيت على يساره، وهذا مما لا خلاف فيه، وفي حديث جابر بعد ذكره استلام الحجر: «ثم مشى على يمينه … »، وأن يكون سبعة أشواط كاملة، وهذا أيضا لا خلاف فيه وهو مذكور في حديث جابر كما سيأتي، وينبغي له أن يتأكد من بداية طوافه عند الحجر الأسود، ونهايته عنده، وإن شك بنى على اليقين كالصلاة، وإن زاد على السبعة سهوا؛ فلا شيء عليه، فإن تعمد الزيادة؛ بطل طوافه، لأنه عبادة مؤقتة بعدد، فتبطل بالزيادة عمدا كالصلاة، والواجب الثالث الذي ذكره المؤلف هو أن يركع ركعتين
стр. 1122
بعد الطواف، وحكمهما الوجوب إن كان الطواف واجبا أو ركنا، وإلا يكن كذلك؛ فقد اختلف فيهما، فإن تركهما فثمة تفصيل يطلب في الشروح.
وبقي من الواجبات أن يكون الطواف بالبيت كله، فلو طاف داخل الحجر لم يصح طوافه لقول النبي ﷺ لعائشة -رضي الله تعالى عنها-: «صلي في الحجر إذا أردت دخول البيت، فإنما هو قطعة من البيت، فإن قومك اقتصروا حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت»، رواه أبو داود (٢٠٢٨) والترمذي (٨٧٦)، والحجر بكسر الحاء هو الموضع غير المبني من الكعبة إلى جهة الشمال، ومقداره ما بين ستة أذرع إلى سبعة، وسببه أن الكعبة حين هدمها السيل في الجاهلية وبنتها قريش قصرت بهم النفقة عن إقامتها على قواعد إبراهيم، وقد قال النبي ﷺ لعائشة -رضي الله تعالى عنها-: «لولا قومك حديثو عهد بكفر لأقمت الكعبة على قواعد إبراهيم»، وهو في الصحيح، وقد أقامها على قواعد إبراهيم ﵊ عبد الله بن الزبير رضي لله عنهما، ثم هدم ذلك البناء الأمويون، واستشار بعض الخلفاء مالكا في إعادة بنائها على تلك القواعد؛ فنصحه أن لا يفعل حتى لا تكون الكعبة مضحكة للناس، ولو أعيد بناؤها اليوم على قواعد إبراهيم لكان ذلك خيرا، إذ لا مانع منه، وقد ألمح إلى ذلك ابن كثير ﵀، ومن الواجبات أن يكون الطائف محصلا لشرائط صحة الصلاة وهي الطهارتان، وستر العورة، فإن أحدث في أثنائه؛ تطهر واستأنف، ولا يبني على المشهور، ونقل ابن حبيب عن مالك أنه يبني، وفرق بعضهم بين الفرض والنفل، والثاني من الواجبات التي لم يذكرها المؤلف أن يكون الطواف داخل المسجد، والثالث أن يوالي بين الأشواط، فلا يقطعه قطعا طويلا، ولا غير طويل لغير حاجة كالشرب، أو المريض والضعيف يقف للاستراحة قليلا، فإن نسي شوطا، ولم ينتقض وضوؤه؛ عاد إليه بالقرب كما في الصلاة، وإن طال بطل الطواف بالقياس عليها.
واعلم أنه لم يقم الدليل الصحيح الصريح على وجوب طهارة الحدث في الطواف فضلا عن شرطيتها، وحديث الترمذي (٩٦٠) عن عن ابن عباس مرفوعا «الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير»؛ لا دليل فيه على الوجوب، مع ما في ثبوته من الكلام، وقد أطال الكلام في الاستدلال به على الشرطية
стр. 1123
القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة فأجاد، وما كل مجيد يقبل كلامه، ولا يدل على الشرطية ما ثبت من توضئه ﷺ قبل أن يطوف، لأنه مجرد فعل وهو يدل على الاستحباب، وقد سبق الكلام عليه، ولأنه لا خلاف في اشتراط الطهارة للصلاة، والطواف يصلى بعده، ولأن استحباب الطهارة لذكر الله لا خلاف فيه، وفيه النص حيث تطهر النبي ﷺ ليرد السلام.
ومع هذا يتعين القول إن على من أراد الطواف أن يتطهر، فإن انتقض وضوؤه فليتم طوافه، ثم ليتوضأ لصلاة الركعتين، وفي الحديث دليل على استحباب ترك الكلام بغير الذكر والدعاء في الطواف.
وسنن الطواف خمسة: أولها الرمل بفتح الميم في الأشواط الثلاثة الأول كلها، والمشي في باقي الأشواط، لكن هذا إنما يكون في طواف القدوم بخاصة، لا في النفل، ولا في طواف الإفاضة إلا للمراهق، فإنه لما لم يطف؛ كان مطالبا بالرملان، ودليله ما في حديث حجته ﷺ : «فرمل ثلاثا ومشى أربعا»، وأصله قوله ﷺ : «ارملوا بالبيت، ليرى المشركون قوّتكم» رواه أحمد عن ابن عباس، والرمل هو الخبب أيضا بفتح الخاء والباء؛ سير فوق المشي ودون الجري، وإنما يسن في حق الرجال لا النساء.
وثاني السنن المشي، فلا يركب ولا يحمل إلا من عذر، فإن فعل؛ أعاد، فإن رجع إلى بلده؛ فعليه هدي، ومشهور المذهب أن المشي واجب، وهو اللائق بالقول بوجوب الدم على تاركه من غير عذر متى تعذرت إعادته، فيلتقي القولان.
ودليل المشي في الطواف؛ حديث أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: «شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي، فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة»، فطفت ورسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت، وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور»، رواه البخاري (١٦٣٣)، وقولها «أني أشتكي»؛ تعني أني مريضة، من التعبير بالمسبب عن السبب، فدل على أن الإذن بالركوب مقيد بحال المرض، لكن النبي ﷺ قد طاف راكبا على بعيره كما في الصحيح عن جابر وأبي الطفيل، وجاء ذلك عن صفية بنت شيبة، وجاء عن ابن عباس أنه ﷺ قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته … الحديث، رواه أحمد وأبو داود (١٨٨١)، وفيه من لا يحتج
стр. 1124
به، ولو صح لكان فيه بيان لعلة الركوب، فيلتقي مع حديث أم سلمة، لكن التعليل في حديث جابر عند مسلم وأبي داود جاء بأمر آخر، وهو «ليراه الناس وليشرف وليسألوه، فإن الناس غشوه»، فدل على الركوب للحاجة.
والسنة الثالثة الدعاء في الطواف، وهو غير محدود، ولا ينبغي التزام أدعية معينة يظن أنها هي السنة، وليحذر من رفع صوته بالدعاء فيشوش على الناس، وما يفعله كثير منهم من قراءة الأدعية وحده جهرا، أو مع ترديد مرافقيه من ورائه؛ فإنه لا يشرع، وهكذا ما يزعم بعضهم من تخصيص كل شوط بدعاء كما في بعض الكتب، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه دعا بين الركن اليماني والحجر الأسود بقوله: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، رواه أبو داود (١٨٩٢) وغيره عن عبد الله بن السائب، كما كان يدعو بهذا الدعاء في غير الطواف، وهو في صحيح البخاري عن أنس، بل كان ذلك أكثر دعائه كما في مسند أحمد عن أنس، وقال مالك في المدونة (١/ ٣١٨): «ليس من السنة القراءة في الطواف»، وقيل لابن القاسم: «هل كان مالك يوسع في إنشاد الشعر في الطواف»؟، قال: «لا خير فيه، وقد كان مالك يكره القراءة في الطواف، فكيف الشعر»؟.
قلت: لو قرأ الطائف سرا فلا بأس بذلك إن شاء الله، فإن قراءة القرآن خير ما يتكلم به المرء، وفي الحديث المتقدم: «فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير»، وهذا في المباح فكيف بغيره؟، والرابع استلام الحجر الأسود أول طوافه كما تقدم، والخامس استلام الركن اليماني في أول الأشواط.
ومستحباته استلام الحجر في بقية الأشواط على التفصيل المتقدم، واستلام الركن اليماني فيها بوضع اليد عليه، من غير تقبيله ولا تقبيل اليد، فإن لم يتمكن فلا يشير إليه، وقد وروى أبو داود (١٨٧٦) عن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة»، وهو عند أحمد والحاكم نحوه، ومن المستحبات الدنو من البيت للرجال دون النساء كالصف الأول، والدعاء عند الملتزم بعد الفراغ من الطواف وركعتيه، وقيل إن هذا ليس من مستحبات الطواف لأنه يفعل بعد الفراغ منه، وقد انقضى بصلاة الركعتين، والملتزم هو جدار الكعبة الذي يقع بين الحجر الأسود وباب الكعبة،
стр. 1125
فيشرع وضع الصدر والوجه والذراعين عليه، لما رواه البيهقي عن ابن عمرو قال: كان النبي ﷺ يلزق صدره ووجهه بالملتزم، وروى أبو داود وابن ماجة تفسير الملتزم مرفوعا، ووضع الصدر والوجه والذراعين والكفين عليه، قال هبد الواحد بن عاشر في المرشد المعين:
وادع بما شئت لدى الملتزم … والحجر الأسود بعدُ استلم
ومما يسن في الطواف الاضطباع، وهو أن يدخل الرداء من تحت إبطه الأيمن، ويرد طرفه على يساره، فيكون منكبه الأيمن ظاهرا، ومنكبه الأيسر مغطى، وقد دل على ذلك وعلى تفسير الاضطباع ما رواه أبو داود (١٨٨٤) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم قذفوها على عواتقهم اليسرى»، كما دل عليه ما رواه أبو داود (١٨٨٣) والترمذي (٨٥٩) وابن ماجة عن ابن يعلى عن أبيه أن النبي ﷺ طاف بالبيت مضطبعا»، وصح عن عمر ﵁ قوله: «فيم الرملان اليوم والكشف عن المناكب؟، وقد أَطَّأَ الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله، مع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ »، ولا يشرع الاضطباع قبل هذا الطواف ولا بعده، وكثير من الناس يفعلونه طيلة مدة الإحرام!!.
стр. 1126
• قوله:
١٦ - «ولا يستلم الركن اليماني بفيه، ولكن بيده، ثم يضعها على فيه من غير تقبيل»
المشروع في الركن اليماني إنما هو استلامه بوضع اليد عليه في كل شوط، فإن لم يقدر على ذلك؛ فلا يشير إليه بيده كما يفعل مع الحجر الأسود.
وقد جاء عن النبي ﷺ أن الحجر الأسود نزل من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم»، رواه الترمذي (٨٧٧) عن ابن عباس، وقال حسن صحيح، وإذا كان هذا فعل الخطايا في الحجارة؛ فكيف بفعلها في القلوب؟، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطفِّفين: ١٤]، وقد جاء في فضل استلام الحجر الأسود قول النبي ﷺ : «والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق»، رواه الترمذي (٩٦١) عن ابن عباس وحسنه، وعلى في الحديث بمعنى اللام، وقوله بحق؛ أي إيمانا واحتسابا واقتداء بالنبي ﷺ ، وقد قال عمر بن الخطاب وهو يقبله: «إني أقبلك، وأعلم أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك لم أقبلك»، رواه الشيخان والترمذي، وفيه التسليم للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف من معانيها، وبيان أن هذا التقبيل استثناء فلا يقاس عليه، وهي قاعدة عظيمة في اتباع النبي ﷺ فيما عمله، ولو لم يعلم الحكمة فيه»، قاله بعض أهل العلم مع إضافة مني، وجاء في فضل استلام الركنين ما رواه الترمذي (٩٥٩) وحسنه عن ابن عبيد بن عمير عن أبيه أنه قال لابن عمر: «يا أبا عبد الرحمن، إنك تزاحم على الركنين زحاما ما رأيت أحدا من أصحاب النبي ﷺ يزاحم عليه، فقال: إن أفعل؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن مسحهما كفارة للخطايا»، وسمعته يقول: «من طاف بهذا البيت أسبوعا فأحصاه؛ كان
стр. 1127
كعتق رقبة»، وسمعته يقول: «لا يضع قدما ويرفع أخرى؛ إلا حط الله عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة»، والأسبوع معناه سبعة أشواط، ويقال سُبوع أيضا بضم السين، وقوله فأحصاه يعني لم يأت فيه بزيادة ولا نقص، والذي يظهر أنه لا بد مع ذلك من الاحتساب الذي يعني حضور القلب، كما في قوله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة»، فليس المراد مجرد حفظ الأسماء.
стр. 1128
• قوله:
١٧ - «فإذا تم طوافه؛ ركع عند المقام ركعتين».
صلاة الركعتين عقب الطواف، أي طواف كان؛ مطلوبة، قال الزهري: «لم يطف النبي ﷺ سبوعا قط؛ إلا صلى ركعتين»، وهو في مصنفي ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، والسبوع بضم السين؛ الطواف بالبيت لأنه سبعة أشواط، وجاء ذلك في حديث جابر الصحيح، وتصلى الركعتان خلف مقام إبراهيم إن تيسر، وإلا صليتا في أي مكان من المسجد، فإن كان زحام فالأولى أن تصليا حيث يطمئن المصلي ويحضر قلبه، وليجتنب أن يصليهما خلف المقام إذا كان ذلك لا يتم إلا بحراسة من جماعته، يضربون عليه طوقا بأيديهم كأنهم في حرب، ويسن أن يقرأ فيهما بعد أم القرآن بسورتي الكافرون والإخلاص، على ما في حديث جابر أن رسول الله ﷺ لما أتى إلى مقام إبراهيم قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فصلى ركعتين فقرأ فاتحة الكتاب، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد،،،»، وهذا كما ترى يدل على أنه جهر في الصلاة، ولعله فعل ذلك للتعليم كما صنع في ركعتي الفجر شهرا.
стр. 1129
• قوله:
١٨ - «ثم استلم الحجر إن قدر، ثم يخرج إلى الصفا، فيقف عليه للدعاء، ثم يسعى إلى المروة، ويخب في بطن المسيل، فإذا أتى المروة؛ وقف عليها للدعاء، ثم يسعى إلى الصفا، يفعل ذلك سبع مرات، فيقف بذلك أربع وقفات على الصفا، وأربعا على المروة».
هذا الاستلام يكون قبل الشروع في السعي بين الصفا والمروة، وهو معدود في سننه، وقد تركه معظم الحجاج والمعتمرين، إما بسبب الزحام وعسر الرجوع بعد صلاة الركعتين إلى الركن، وإما للجهل بالحكم، لكنه ثابت في حديث جابر الطويل قال: «ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا … ».
والسعي بين الصفا والمروة في كل من العمرة والحج ركن لا ينجبر عند الجمهور، وقد روى الطبراني عن ابن عباس مرفوعا: «إن الله كتب عليكم السّعي فاسعوا»، والمطلوب وصله بالطواف اقتداء بالنبي ﷺ ، وقد عد بعضهم ومنهم ابن عاشر هذا الوصل واجبا، فمن فرق بينهما تفريقا طويلا؛ فعليه هدي، وقيل لا، وقد أطال الحطاب في مواهب الجليل (٣/ ٨٦) الاحتجاج لعدم وجوب الوصل فانظره، ومن الواجب تقديمه في الإفراد والقران على الوقوف بعرفة، فمن أخره من غير المراهق والحائض والنفساء أهدى، وقال أشهب لا شيء عليه، وينبغي أن يذهب للسعي من باب بني مخزوم، ويسمى اليوم باب الصفا، ويشرب من ماء زمزم في طريقه إليه، وقال النبي ﵌: «ماء زمزم لما شُرِب له» رواه أحمد وغيره عن جابر، ويُشرع اصطحاب ماء زمزم كما جاء من فعله في سنن الترمذي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-.
وصفة السعي أن النبي ﷺ لما دنا من الصفا قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ
стр. 1130
شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، أبدأ بما بدأ الله به»، فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بعد ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه؛ رمل في بطن الوادي، حتى إذا صعدنا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا … »، تأمل كيف تلا النبي ﷺ آية السعي بين الصفا والمروة في بداية سعيه كما تلا آية الصلاة في مقام إبراهيم قبل صلاته خلفه، ولعل ذلك ليحمل الحاج والمعتمر نفسه على كمال التسليم لله في اشتراع هذه العبادات، وحتى لا يقيس عليها غيرها برأيه كما يفعل الذين توسعوا في التبرك بالآثار ففتحوا أبوابا خطيرة على الناس في عقائدهم والله الهادي، ومما جاء في الخبب في السعي قول النبي ﷺ : «لا يقطع الأبطح إلا شدا»، رواه ابن ماجة وأحمد والطبراني وهو في الصحيحة برقم (٢٤٣٧).
أما أن السعي سبعة أشواط؛ فلحديث ابن عمر في البخاري (١٦٤٥) وغيره وفيه قصة، قال قدم النبي ﷺ فطاف بالبيت سبعا، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة سبعا،،،»، فالذهاب شوط، والرجوع شوط، مع أربع وقفات على الصفا، وأربع على المروة.
وللسعي في المذهب شروط وسنن ومستحبات، فأما الشروط؛ فأولها الترتيب بينه وبين الطواف في الفعل، فلو بدأ بالسعي؛ رجع فطاف وأعاد السعي، والثاني الموالاة، فإن طال حتى صار كالتارك؛ استأنف سعيه، فإن احتاج إلى الوضوء؛ توضأ وبنى بخلاف الطواف على المشهور كما تقدم، وإن أقيمت عليه الصلاة تمادى إلا أن يخاف خروج الوقت، هكذا تجده في الشروح القديمة، لأن المسعي كان حينها خارج المسجد، فرأوا أن الساعي لبعده عن المسجد الحرام؛ غير مطالب بقطع طوافه لأجل صلاة الجماعة، كما هو شأن الطواف، أما اليوم فالمسعى داخل المسجد، وهذا الموجود في الكتب للعلة التي ذكرتها حمل بعض من اطلع عليه في حج عام (١٤٢٨) أن يأمر مرافقيه بالاستمرار في السعي بعد أقيمت الصلاة، والحال أنهم لا يتمكنون من ذلك كيف والصفوف قد أوقف لأجلها
стр. 1131
السعي، ولعله قد ظن أن السعي أهم من الطواف، فلا يقطع لأجل الصلاة!!، والثالث إكمال الأشواط سبعة، والرابع أن يتقدمه طواف صحيح أي طواف كان، وقيل يشترط أن يكون الطواف الذي يسبقه واجبا، وقد علمت أن السعي يجب تقديمه على الوقوف بعرفة إلا للمراهق، وهو الذي خشي فوات الوقوف بعرفة، ومثله الحائض والنفساء، فإنهم لما كانوا لا طواف عليهم؛ كان تأخيرهم السعي إلى ما بعد طواف الإفاضة لا بد منه.
ومن سنن السعي اتصاله بالطواف، إلا الزمن اليسير، وقيل إن الاتصال واجب يجبر بالهدي، وهو ما نص عليه ابن عاشر في نظمه، وقد ورد عن الإمام أكثر من رواية كما في النوادر (٢/ ٣٨٢)، مما يدل على أنه لا يرى وجوب ذلك، ومنها بالمعنى أن من طاف ثم تنفل سبوعا أو سبوعين فلا شيء عليه، ومنها أن من أتى ليلا فطاف ولم يسع إلا بعد أن أصبح؛ فإن كان بطهر واحد أجزأه.
وقد ذكر الحطاب في شرحه على مختصر خليل شيئا من هذا، لكن فيه «وطاف نفلا سبعا أو سبعين»، وهذا يوهم أنه طاف سبعا أو سبعين طوافا، وإنما هو سبوع أي سبعة أشواط، أو سبوعين، مثنى سبوع، وقد حصل لبعض وزراء الشؤون الدينية المتشددين في التعصب لمذهب مالك بغير وجه حق؛ أن طاف بالبيت مع بعض النساء في بعض ليالي منى وعجزت النساء عن إتمام الطواف، وخشي فوات المبيت بمنى، فيترتب عليه هدي، فعاد إليها وجاء يسأل هذا الذي يكتب ما تقرؤون فقلت له ممازحا ومذكرا له بتعصبه إن مذهب مالك أن تهدي هديا عنك وعمن معك، ثم أجبته بما كنت مقتنعا به وهو أن يرجع بعد نصف الليل فيسعى مع من معه، ومن سنن السعي تقبيل الحجر الأسود قبل الخروج إلى الصفا، والرقي على الصفا والمروة، والدعاء عليهما، ويستحب فيه طهارة الحدث والخبث، وستر العورة، وعن مالك يقطعه لأجل تحصيل الطهارة، ثم يبني.
واعلم أنه لما ضاق المسعى بالناس وحصل فيه الزحام فقد أحدث فيه الطابق الأول ثم احتاج الناس إلى السعى على السطح، فلما لم يكف ذلك؛ استفتي أهل العلم في مشروعية توسيع المسعى عرضا إلى جهة المشرق، فكان أن اتفق معظم أعضاء اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية على عدم مشروعية ذلك، ورأوا أن السعي يكون في
стр. 1132
حال التوسعة خارجا عن الصفا والمروة، ورأى قليل منهم الجواز، وقد أخذ أولو الأمر بهذا، ونحن في هذه المسألة بين أمرين فإن أخذنا بقول معظم العلماء؛ فلا يصح من أحد حج ولا عمرة بناء على قول الجمهور بوجوب السعي وهو الحق، لفعل النبي ﷺ ذلك، وأمره به في قوله: «إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا»، رواه الطبراني عن ابن عباس، وهو في صحيح الجامع للألباني، وعلى قول الحنفية يكون جميع الحجاج مطالبين بالهدي، لأن السعي يقع باطلا، والذي نراه أنه لما قال بعض أهل العلم بأن المسعى لم يخرج عن أصله بهذه التوسعة، بل كان بعضهم يتمنى ذلك كالمعلمي اليماني في رسالته التي حققها بعض هل العلم الثّقات، وحكم بذلك حاكم؛ فإن السعي صحيح، والله أعلم.
стр. 1133
• قوله:
١٩ - «ثم يخرج يوم التروية إلى منى، فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم يمضي إلى عرفات».
التروية بفتح التاء وسكون الراء وكسر الواو والياء المخففة، يومها هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي كذلك لأنهم كانوا يعدون فيه الماء ليخرجوا به، إذ كان مفقودا بتلك المواضع، فهو من الري بفتح الراء الذي هو سقي الماء، وقد وصل الماء إلى تلك الأماكن منذ عهد هارون الرشيد، قال الحافظ في الفتح (٣/ ٦٤٠): «وقد روى الفاكهي من طريق مجاهد قال، قال عبد الله بن عمر: «يا مجاهد، إذا رأيت الماء بطريق مكة، ورأيت البناء يعلو أخاشبها فخذ حذرك»!.
وقد ثبت هذا الخروج في حديث جابر قال: «لما كان يوم التروية؛ توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ ، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا، حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة،،، الحديث، رواه مسلم، وجاء أيضا عند البخاري (١٦٥٣) من طريق عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنس بن مالك ﵁ قلت: أخبرني بشيء عقلته عن النبي ﷺ أين صلى الظهر والعصر يوم التروية؟، قال بمنى،،، الحديث، ونحوه في الموطإ (٩٠٧) موقوفا على عبد الله بن عمر.
واعلم أن المتمتع الذي لم يجد الهدي؛ يتعين عليه أن يحرم قبل يوم التروية ليتمكن من صوم ثلاثة أيام في الحج، إذ المراد بالحج في الآية على المذهب الإحرام به من المتمتع لا زمانه، ولو أحرم يوم التروية؛ لما بقي له غير يومين، فيصوم بعض أيام التشريق، ومعلوم أن صومها إنما هو كالترخيص لمن لم يصم قبل العيد فتنبه.
والمبيت بمنى ليلة التاسع قيل هو مستحب، وقيل مسنون، وعليه فمن لم يصل بها الظهر والعصر وبات بها؛ فلا دم عليه باتفاق في المذهب، ومن لم يبت كره له ذلك، ولا دم على المشهور،
стр. 1134
ومتمسك القائلين بعدم الوجوب؛ أنه لا يتعلق بهذا المبيت نسك خاص، فكأنه مجرد مرحلة للاستراحة، وهذا رأي محض، ومن الحجة عندهم أن بعض الصحابة كان يبيت تلك الليلة بمكة، كما نقل عن عائشة أنها لم تخرج من مكة يوم التروية حتى دخل الليل وذهب ثلثه، وجاء عن ابن الزبير أنه صلى الظهر يوم التروية بمكة، مع أنه هو القائل: «سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر وما بعدها والفجر بمنى، ثم يغدون إلى عرفة، رواه ابن خزيمة والحاكم كما في فتح الباري (٣/ ٦٤٢)، لكن هذا القول منه ﵁ بمجرده؛ لا يدل على عدم الوجوب كما قد يظن، لأن مراده ليس السنة الاصطلاحية الحادثة، بل المقصود أن النبي ﷺ فعل ذلك، وتخلف عبد الله بن الزبير وعائشة ﵃ قد يكون لعذر، أو لأن ذلك مذهبهما، وفي الموطإ (٩٠٧) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، ثم يغدو إذا طلعت الشمس إلى عرفة، وفي المدونة (١/ ٣٢٠): «أرأيت لو أن حاجا أحرم بالحج من مكة، فأخر الخروج يوم التروية والليلة المقبلة فلم يبت بمنى وبات بمكة، ثم غدا من مكة إلى عرفات أكان مالك يرى عليه لذلك شيئا؟، قال: «كان مالك يكره له ذلك، ويراه قد أساء»، وقال ابن المنذر: «لا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلف عن منى ليلة التاسع شيئا»، الفتح (٣/ ٦٤٢).
قلت: وقد ذهب القاضي أبو بكر بن العربي إلى لزوم الهدي لمن لم يبت بمنى ليلة التاسع، ذكره علي الصعيدي في حاشيته على شرح أبي الحسن، ويظهر أن ترك المبيت بمنى أمر قديم، فقد قال ابن العربي في العارضة (٣/ ١١٠): «مررت من ذات عرق فألفيت الحاج كله بائتا بعرفة ليلة عرفة، وليس على من فعل ذلك شيء، ولكنه ترك فعل رسول الله ﷺ ، وقد خاب من تركه»، انتهى، وأفعال النبي ﷺ في الحج على الوجوب حتى يدل الدليل على خلاف ذلك، اللهم إلا أن يثبت الإجماع على عدم لزوم الهدي كما حكاه النووي، وأشار إليه ابن المنذر، وانظر نيل الأوطار للشوكاني (٥/ ١٣٣)، وقد كره مالك الذهاب إلى منى قبل يوم التروية، كما كره إقامة الحاج بمكة يومها إلا لمن أدركه وقت الجمعة، ولعل ذلك مقيد عنده بمن وجبت عليه لكون حكم السفر قد انقطع عنه.
стр. 1135
• قوله:
٢٠ - «ولا يدع التلبية في هذا كله حتى تزول الشمس من يوم عرفة، ويروح إلى مصلاها».
تقدم هذا للمؤلف حين ذكر قطع التلبية لدخول مكة، وإنما كرره هنا للمناسبة، ونقل هذا عن بعض السلف من الصحابة، لكن ثبت أن النبي ﷺ ما زال يلبي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر، (خ/ ١٦٨٦)، أي انتهى من رميها كما جاء مصرحا به في رواية للنسائي (٥/ ٢٧٦) من حديث أسامة بن زيد، ويعسر أن يقال عن أحد إنه قطع التلبية ما لم يصرح بقوله، وليس من المستبعد أن يحمل القطع على غير ما يظهر كالتكبير بدل التلبية، والانقطاع عنها فترة قد تطول، فهذا مما يجوز أن يحمل عليه فعل بعض الصحابة كعمر وأبي بكر وعلي وعائشة وسعد بن أبي وقاص وغيرهم.
وقد سأل محمد بن أبي بكر الثقفي أنس بن مالك وهما غاديان من منى إلى عرفة: «كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟، قال: «كان يهل المهل منا فلا ينكَر عليه، ويكبر المكبر منا فلا ينكَر عليه»، رواه مالك في الموطإ (٧٤٩) والشيخان (خ/ ١٦٥٩)، لكن الاستدلال بهذا ونحوه على قطع التلبية إذا راح الحاج إلى عرفة كما صنع الحافظ الغماري؛ فيه نظر، بل يستدل به على مشروعية التكبير والتلبية معا في هذا اليوم، وهو ما ترجم به البخاري، ولعل الغماري اغتر بترجمة مالك رحمة الله عليه بقوله قطع التلبية، مع ما أورد معه من الآثار بذلك عن علي وعبد الله بن عمر وعائشة ﵃، وقد عول مالك على فعل عائشة أم المؤمنين، وكانت مرافقة للنبي ﷺ في حجته، لكن يقال إن هذا فعلها، وليس خبرا نقلته عنه ﷺ ، وقد أيد الباجي في المنتقى (٢/ ٢١٦) قطع التلبية عند رمي جمرة العقبة، فقال: «وما تضمنه الحديث أظهر عندي وأقوى في النظر»، وهو رواية عن مالك ذكرها القاضي عبد الوهاب في الإشراف (١/ ٤٧٩)، واستحسن ذلك اللخمي في التبصرة.
стр. 1136
• قوله:
٢١ - «وليتطهر قبل رواحه، فيجمع بين الظهر والعصر مع الإمام، ثم يروح معه إلى موقف عرفة فيقف معه إلى غروب الشمس».
هذا أحد الأغسال الثلاثة التي في الحج، وهو غسل من غير دلك، بل بإمرار اليد فقط، وقد روى مالك في الموطإ (٧٠٩) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية عرفة»، غير أن الاغتسال للإحرام ولدخول مكة ثبتا بالمرفوع من الحديث، وهذا الغسل للوقوف لا للصلاة، وعليه فتخاطب به الحائض والنفساء.
وقد أكد المصنف هنا وفي الإفاضة من عرفة الصلاة وراء الإمام والدفع بدفعه، وهو أمر كان السلف يشددون فيه، لما في تركه من أسباب الخلاف والشقاق، وقد بنى بعض أهل المذهب على الوقوف مع الإمام والدفع معه؛ أن من فعل ذلك يَجمع معه بالمزدلفة، ومن وقف معه وتأخر لعذر؛ فإنه يجمع في أي محل شاء، بخلاف من وقف معه، وتأخر اختيارا؛ فإنه لا يجمع إلا بالمزدلفة، ومن لم يقف معه؛ لا يجوز له الجمع مطلقا، بل يصلي كل صلاة لوقتها، انظر حاشية علي الصعيدي على شرح رسالة ابن أبي زيد لأبي الحسن (٢/ ١٥٨)، وإنما ذكرت هذا لبيان تشددهم في الانتقال مع أمير الحج في المشاعر، لا لأني أقر هذا التفصيل، إذ هو مما لا أعلم عليه دليلا، وهو أمر يتعذر اليوم على غالب الحجاج.
أما الجمع بين الظهر والعصر بعرفة قصرا جمع تقديم؛ فقد ثبت في حديث جابر الطويل، وقد اختلف فيه هل هو جمع للسفر، أو للنسك؟، والأخير هو المذهب، ويكون بأذانين وإقامتين رعاية لأصل التأذين لكل صلاة، فإنه حيث جعل الشارع وقت الصلاتين وقتا واحدا، فلا تكون إحداهما أولى بالأذان من الأخرى، كذا قالوا، وقال ابن القاسم وابن الماجشون وابن المواز بأذان واحد وإقامتين، وانظر شرح الزرقاني على الموطإ (٢/ ٣٥٢)،
стр. 1137
وهو ما دل عليه حديث جابر الواصف لحجة النبي ﷺ ، ويؤذن بعد انتهاء الخطبة، ويقرأ سرا، ومن فاته الجمع مع الإمام جمع في رحله.
وقد نبه المؤلف بقوله: «ثم يروح إلى موقف عرفة»؛ إلى أن السنة أن يكون موضع الصلاة دون عرفة كما هو حال مقدم مسجد نمرة الآن، وكما فعل ذلك النبي ﷺ ، فيسن للحاج أن يصلي خارج عرفة، ثم يروح إليها بعد الصلاة، وقد أرشد إلى ذلك النبي ﷺ بقوله: «وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن عرنة»، وهي بضم العين وفتح الراء، تقع على حدود عرفة مما يلي مزدلفة غربي مسجد نمرة، وليست عرنة ولا نمرة من عرفات، ولا من الحرم، وجاء ذلك من فعله أيضا، كما في حديث جابر أن النبي ﷺ نزل بنمرة، حتى إذا زاغت الشمس؛ أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس، ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم ركب حتى أتى الموقف، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا،،، الحديث، وبطن الوادي المذكور هو عرنة، وذكر الأبي في شرحه على صحيح مسلم (٤/ ٢٥٤) أن عرنة ليست من عرفة إلا عند مالك، وما ذكره حكاه ابن المواز عن مالك أن من وقف في بطن عرنة؛ فقد تم حجه، ويريق دما، وهو في شرح زروق (١/ ٣٥٥).
وقد يُرد ذلك برواية مالك في الموطأ (٨٧٨) بلاغا أن رسول الله ﷺ قال: «عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن محسر»، ووصله عبد الرزاق بنحوه كما في الاستذكار (٤/ ٢٧٤)، وعليه قول خليل مشبها في عدم الإجزاء: «كبطن عرنة، وأجزأ بمسجدها بكره»، وقد وسع المسجد كثيرا إلى جهة عرفة ويقف كثير من الحجاج داخله، ويظهر والله أعلم أن ثمة مواضع هي موضع اشتباه بين عرفة ومزدلفة، وبين مزدلفة ومنى، فينبغي الاحتياط بتجنب الوقوف بها.
والوقوف بعرفة من أعظم أركان الحج، وليس أعظمها كما يتبادر من قول النبي ﷺ : «الحج عرفة»،،، وهو طرف من حديث عبد الرحمن بن يعمر، رواه أصحاب السنن، ومعناه الحج الصحيح المعتبر هو ما وقف فاعله بعرفة، والمراد بالوقوف وجود الحاج بعرفة في جزء من الليل على المذهب سواء كان قائما أو قاعدا أو مارا، لكن يشترط في
стр. 1138
المار القصد، قال خليل: «ولو مر إن نواه»، وهو الركن الذي يفوت الحج بفواته، فأما الوقوف نهارا ابتداء من الزوال؛ فواجب يجبر بالدم، لكن يدل على أن الحج لا يفوت بالوقوف ليلا ما في حديث عروة بن مضرس، قال: أتيت النبي ﷺ يعني بجمع، فقلت: جئت يا رسول الله من جبل طيئ، أكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل؛ إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟، فقال رسول الله ﷺ : «من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفة قبل ذلك ليلا، أو نهارا؛ فقد تم حجه، وقضى تفثه»، رواه أبو داود (١٩٥٠) والترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن صحيح، كما صححه ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ١٣٦)، وقال يلزم الشيخين إخراجه، وقوله هذه الصلاة؛ قيل صلاة الفجر بمزدلفة، والتفث بالتاء والفاء المفتوحتين؛ أصله الوسخ والقذر، والمراد هنا أن من فعل ما ذكر؛ فقد أتى بأغلب المناسك التي تسبق ما يلزم منه عدم قص الظفر، وإزالة الشعر، وتنحية الدرن، وترك الطيب، والتزين، فأطلق المسبب، وأراد السبب، والله أعلم، والمراد الغالب من ذلك، إذ لم يبق على الحاج إلا رمي جمرة العقبة، والحجة منه قوله: ليلا أو نهارا، ويدل عليه أيضا ما في حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: أتيت النبي ﷺ وهو بعرفة، فجاء ناس أو نفر من أهل نجد، فأمروا رجلا فنادى رسول الله ﷺ : «كيف الحج»؟، فأمر رسول الله ﷺ رجلا فنادى: «الحج الحج يوم عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع، فتم حجه، أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه»، رواه أبو داود (١٩٤٩)، وبقية أصحاب السنن، وصححه الترمذي، ويمكن القول إن الوقوف المجزئ هو ما كان بعد الزوال إلى طلوع الفجر بمعية فعل النبي ﷺ ، وقوله هذا، وفعل أصحابه.
وقد جاء في فضل يوم عرفة قول النبي ﷺ : «مامن يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا أو أمة من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: «ما ذا أراد هؤلاء»؟، رواه مسلم (١٣٤٨) والنسائي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، ودنو الله تعالى يُمَرُّ من غير نعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ومما يدل على عظم الوقوف بعرفة وما فيه من الفضل
стр. 1139
بغفران الذنوب؛ حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «وقف النبي ﷺ بعرفات، وقد كادت الشمس أن تؤوب، فقال: «يا بلال، أنصت لي الناس»، فقام بلال فقال: «أنصتوا لرسول الله ﷺ »، فأنصت الناسُ، فقال: «يا معشر الناس، أتاني جبريل آنفا فأقرأني من ربي السلام، وقال: «إن الله غفر لأهل عرفات وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات»، فقام عمر بن الخطاب فقال: «يا رسول الله، هذا لنا خاصة»؟، قال: «هذا لكم، ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة»، فقال عمر بن الخطاب: «كثر خير الله وطاب»، نسبه في الترغيب والترهيب لابن المبارك من غير بيان موضعه، وجعله الحافظ على شرط الشيخين إن ثبت سنده إلى ابن المبارك، وصححه الألباني، والتبعات بفتح التاء وكسر الباء جمع تبعة، قال في لسان العرب: «التبعة والتباعة ما فيه إثم يتبع به، يقال: ما عليه في هذا من الله تبعة، ولا تباعة»، وفي الحديث دليل على مغفرة الكبائر وحقوق الناس، ولا مانع من تقييد ذلك بالعجز عن ردها أو استحلالهم منها، والله أعلم، ومن ذلك قوله ﷺ : «إن الله تطول عليكم في جمعكم هذا، فوهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، ادفعوا باسم الله»، رواه ابن ماجة (٣٠٢٤) بإسناد فيه مجهول كما في الزوائد، وصححه الألباني لشواهده، وتَطَول بفتح التاء والطاء؛ قال ابن الأثير: ومنه الحديث تطاول عليهم الرب بفضله، أي تطول»، انتهى، وفي لسان العرب يقال منه طال عليه، وتطول عليه؛ امتن عليه، انتهى، وهذا هو المناسب هنا.
والدعاء في عرفة أفضل الدعاء فقد قال رسول الله ﷺ : «أفضل الدعاء؛ دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيئون من قبلي؛ لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، رواه مالك في الموطإ (٩٥٥) عن طلحة بن عبيد بن كريز مرسلا، لكنه جاء مسندا كما بينه ابن عبد البر في التمهيد، وانظر الصحيحة (١٥٠٣)، والحديث دال على فضل يوم عرفة على سائر أيام العام، وعلى أن أفضل الدعاء فيه التهليل، وذكر ابن عبد البر من دعاء النبي ﷺ في عرفة ما رواه علي بن أبي طالب ﵁ أنه دعا يوم عرفة بعرفة فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في
стр. 1140
قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، أعوذ بك من وساوس الصدر، وفتنة القبر، ومن شر ما تهب به الرياح، ومن شر ما ياتي به الليل والنهار»، وإنما ذكرته لأنبه على أن محققي كتاب الاستذكار قد نسباه إلى البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وهو ليس عند واحد منهم، وبعض ألفاظه في الصحيح، فانظر باب جامع الحج من الاستذكار.
стр. 1141
• قوله:
٢٢ - «ثم يدفع بدفعه إلى مزدلفة فيصلي معه بالمزدلفة المغرب والعشاء والصبح».
إذا غربت الشمس يفيض الحاج من عرفة إلى مزدلفة، وتسمى جمعا بفتح الجيم وسكون الميم، قيل لاجتماع آدم فيها بحواء، كما تسمى المشعر الحرام، وقيل هو جزء منها، وهو جبل قزح في آخرها جهة مكة، فإذا وصلها صلى المغرب والعشاء جمعا وقصرا بأذانين وإقامتين كما تقدم في الجمع بعرفة.
وقد جاء الجمع بأذانين وإقامتين عن ابن مسعود من فعله في صحيح البخاري (١٦٧٥) من حديث عبد الرحمن بن يزيد، كما صح عن عمر ﵁، فالظاهر أن مالكا اعتمد فيما ذهب إليه من الأذانين والإقامتين فعل عمر، وجاء عن ابن عمر الأمران، فكأنه كان يرى في الأمر سعة، لكن جاء في حديث جابر بأذان وإقامة، فيكون هو الأولى، وإنما حج النبي ﷺ مرة واحدة.
والمذهب أن النزول بالمزدلفة واجب، والمبيت بها مستحب، والظاهر وجوب المبيت، يدل عليه أنه إنما رخص في تركه للمعذور، وقد قال بلزوم الهدي لمن لم يبت القاضي عبد الوهاب في كتابه الإشراف (١/ ٤٨٣).
وقد روى مالك في الموطإ (٩٠٩) والبخاري (١٦٦٧) عن كريب مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد أنه سمعه يقول: «دفع رسول الله ﷺ من عرفة، حتى إذا كان بالشعب؛ نزل فبال، فتوضأ، فلم يسبغ الوضوء، فقلت له: «الصلاة يا رسول الله»، فقال: «الصلاة أمامك»!!، فركب، فلما جاء المزدلفة؛ نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصل بينهما شيئا»، وفي هذا الحديث المبادرة بصلاة المغرب بمجرد الوصول، وفيه الفصل بين
стр. 1142
الصلاتين المجموعتين باليسير من العمل، وأن ذلك لا يضر، وترك الصلاة بينهما.
ومما رأيته ما يفعله الحجاج من النزول في أول مزدلفة، فيسدون الطريق على من أراد المرور إلى المواضع الفارغة في بقية الجهات إلى القبلة، فيحصل بذلك اضطراب كثير، وازدحام وإيذاء للنائمين والمصلين، ولو ساروا إلى نهاية مزدلفة لما حصل شيء من ذلك، فيتعين على أولي الأمر التنبه لهذا.
стр. 1143
• قوله:
٢٣ - «ثم يقف معه بالمشعر الحرام يومئذ بها، ثم يدفع بقرب طلوع الشمس إلى منى، ويحرك دابته ببطن محسر».
هذا الوقوف يكون بعد صلاة الصبح إلى أن يسفر جدا كما جاء ذلك في حديث جابر أنه ﷺ بعد الصلاة «اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام استقبل القبلة، فدعا الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا،،، الحديث، وقد كانت العرب لا تفيض من المزدلفة حتى تشرق الشمس، ويقولون أشرق ثبير، وهو جبل عال إلى يمين الذاهب إلى منى، فخالفهم النبي ﷺ كما جاء ذلك عن عمر في سنن الترمذي، وما في حديث جابر مبين لما في كتاب الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وفيه أن المشعر الحرام يؤتى بعد الوقوف بعرفة، وفيه الأمر بذكر الله عنده، ومن ذكره إقامة صلاتي المغرب والعشاء والصبح، والتلبية وسائر الأذكار، ومنها التي تكون بعد صلاة الصبح من يوم العيد، وقد بين حديث جابر أن المشعر الحرام غير عموم المزدلفة.
وبطن محسر هو واد بين مزدلفة ومنى، سمي بذلك لأن الفيل الذي جاء به الأحباش لهدم الكعبة حسر فيه أي أعيا فيه وكل، وحصل في هذا الموضع لأصحاب الفيل ما حصل، فلما كان موضع عذاب؛ كان مستحبا أن يسرع الحاج فيه السير إشعارا للنفس بكراهية مواطن العذاب كما هو الشأن في ديار ثمود، ومن حديث جابر: «،،، فدفع قبل أن تطلع الشمس، حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا،،،».
وفي حديث علي ﵁ عند الترمذي في وصف حجته ﷺ : «،،، حتى انتهى إلى وادي محسر فقرع ناقته، فخبت حتى جاوز الوادي،،،».
стр. 1144
• قوله:
٢٤ - «فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات مثل حصى الخذف، ويكبر مع كل حصاة».
الذي يفعل يوم العيد هو أربعة أشياء من السنة فعلها مرتبة، وهي رمي جمرة العقبة، فالنحر، فالحلق، فطواف الإفاضة، فإن أخل بالترتيب؛ ففي الأمر تفصيل، فإن قدم الحلق على الرمي؛ لزمته فدية، وفي تقديم الإفاضة على الرمي روايتان: أولاهما الإجزاء مع الهدي، والثانية عدم الاعتداد بالطواف فيعيده، أما الترتيب في غير هاتين الصورتين؛ فمندوب، قال خليل: «وتقديم الحلق أو الإفاضة على الرمي، لا إن خالف في غير»، انتهى، لكن ظاهر ما في الموطإ لزوم تأخير الحلق عن الذبح، وقد استدل مالك على ذلك بحديث كعب بن عجرة حيث ترجم عليه بقوله: (فدية من حلق قبل أن ينحر)، ثم ساق الحديث، وقال في باب الحلاق: «الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن أحدا لا يحلق رأسه ولا يأخذ من شعره؛ حتى ينحر هديا إن كان معه، ولا يحل من شيء حرم عليه؛ حتى يحل بمنى يوم النحر، وذلك أن الله ﵎ قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ودلالة الآية على وجوب الترتيب واضحة، إلا أن يحمل بلوغ الهدي محله على وصوله إلى المحل، لا على نحره أو ذبحه بالفعل، وقد جاء هذا التأويل لمعنى الآية عن مالك من رواية ابن القاسم إذ قال لأن الهدي قد بلغ محله، وذلك يوم النحر، فانظر الاستذكار أول الأحاديث في باب جامع الحج، والظاهر فيمن لم يرتب هذه الأمور الأربعة ناسيا أو جاهلا أنه لا شيء عليه، لما صح عن النبي ﷺ أنه قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: «لا حرج»، رواه البخاري (١٧٣٤) عن ابن عباس.
وأخرج مالك (٩٥١) والبخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه، فقال رجل لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح، فقال:
стр. 1145
«اذبح ولا حرج»، فجاء آخر فقال: «لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي»، فقال: «ارم ولا حرج»، فما سئل عن شيء قدم ولا أخر؛ إلا قال «افعل ولا حرج»، والشعور هنا هو العلم، ويدخل فيه النسيان لأن العلم حال النسيان محجوب عن المرء، ولهذا فالظاهر عدم دخول العامد في رفع الحرج، الذي يعني الاعتداد بالفعل مع عدم ترتب شيء على المخالفة، لأن في تعميم ترك الترتيب من اختلال أعمال الحج ما فيه من انخرام نظامه.
فإن قيل: إن قوله ﷺ : «افعل ولا حرج»؛ يدل على جواز ذلك في المستقبل، وقد لا يكون نسيانا ولا جهلا، فكأنه استثناء من قاعدة لتأخذوا عني مناسككم؛ فالجواب: أن حمله على معنى إتمام ما بقي على السائل من غير عود إلى فعل ما لم يرتبه؛ أولى من حمله على تعمد عدم ترتيب ما بقي مما شأنه الترتيب ممن كان عالما به، فكأنه ﷺ قال للسائل افعل ما بقي عليك مما كان مرتبا ولم ترتبه، وذلك بين إن شاء الله.
وجمرة العقبة هي الجمرة الأخيرة مما يلي نهاية منى إلى جهة مكة، وسميت الجمرات كذلك باسم ما يرمى فيها، فإن الجمار هي الحجارة، ويبتدئ وقت رمي جمرة العقبة من طلوع الفجر، وينتهي بغروب الشمس، فهذا وقت الأداء، والليالي والأيام الموالية لزمن أداء جمرة العقبة وغيرها كلها قضاء، تتنهي بغروب شمس اليوم الرابع، فمتى غربت شمسه فلا خلاف في لزوم الهدي، أما من فاته وقت الأداء وانتهاؤه في كل يوم بغروب الشمس فقد اختلف في وجوب الهدي عليه، والمشهور الوجوب.
ومع أن وقت رمي جمرة العقبة يبتدئ من طلوع الفجر؛ إلا أنه يندب أن لا يرمي حتى تطلع الشمس، لكن جاء في حديث ابن عباس ﵄ قال: «بعثني رسول الله ﷺ في ثَقَل من جمع بليل، وقال: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس»، لفظ الترمذي (٨٩٣)، وصححه، وحسنه الحافظ في الفتح (٣/ ٦٦٧)، وانظر سنن أبي داود (١٩٤١)، والثقَل بفتح الثاء والقاف هو حشم المسافر ومتاعه، والنهي كما ترى موجه إلى من كانوا مع ابن عباس من النساء والضعفة، وقد حمله الجمهور على خلاف الأولى اعتبارا بترخيصه ﷺ للضعفة بالإفاضة من مزدلفة بالليل، وما جاء من رميهم كما في حديث ابن عمر وعائشة الصحيحين، لكن يقال لا يلزم من الترخيص بعدم المبيت تقديم الرمي، فكيف إذا نهوا عن
стр. 1146
ذلك؟، وكيف بغيرهم؟.
ومن السنة أن يكبر مع كل حصاة من الحصيات السبع، وحجمها مثل حصى الخذف، والخذف هو الرمي، أي أنها بمقدار ما يرمى بإصبعين، كانوا يرمون بها على وجه اللعب، تجعل بين السبابة والإبهام من اليسرى، وتقذف بسبابة اليمنى، فحولها الشرع إلى عبادة!!، وحجمها فوق حبة الحمص ودون حبة الفول، وقال في الموطإ (٩٢٤)، إنه سمع بعض أهل العلم يقول: «الحصى التي يرمى بها الجمار مثل حصى الخذف»، قال مالك: «وأكبر من ذلك قليلا أعجب إلي»، وقوله هذا يحمل على أنه لم يبلغه ما في حديث جابر أنه ﷺ سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر،،،»، لأنه لو بلغه ذلك؛ ما نسب القول به إلى أهل العلم، ولا استحب ما هو أكبر قليلا من حصى الخذف، والعلم عند الله.
ولا بد في الرمي من العدد وهو سبع حصيات، وتكون من الحجر ونحوه لا من الطين والمعادن كالحديد، وأن تكون مثل حصى الخذف، وقد جاء في الحديث عن ابن عباس أن النبي ﷺ أمره أن يلتقط له حصى الجمار فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه، وقال: «بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»، رواه النسائي وابن ماجة (٣٠٢٩).
واعلم أن الحصيات التي ترمى بها الجمرات لم يرد في موضع التقاطها شيء، فيجوز أن تلتقط من أي مكان، والأصل أن تلتقط من منى، لأن في خلاف ذلك تكلفا ومشقة، وفي المذهب الأفضل التقاط حصى جمرة العقبة من مزدلفة والأوْلى تركه، وينبغي أن تكون طاهرة، في الحجم المتقدم، وقد رأيت بعضهم يغالون في الأمر، فيلتقطون عدد الجمار التي يرمى بها في الأيام كلها من المزدلفة، ولا يخفى ما فيه من التشدد والتلكف والحرج.
وإذا رمى الحاج جمرة العقبة تحلل التحلل الأصغر، فيباح له ما كان محظورا عليه ما عدا النساء والصيد، ويكره له التطيب على المذهب، والظاهر عدم كراهته لقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولإحلاله قبل
стр. 1147
أن يطوف بالبيت»، وهو في الموطإ (٧٢٥) وفي الصحيحين وسنن أبي داود (١٧٤٥)، لكنه معارض عند مالك بحديث يعلى بن أمية أن رجلا أتى النبي ﷺ ، وهو بالجعرانة، وعليه أثر خلوق، أو قال صفرة، وعليه جبة، فقال: «يا رسول الله كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي»؟، فأنزل الله ﵎ على النبي ﷺ الوحي، فلما سري عنه قال: «أين السائل عن العمرة»؟، قال: «اغسل عنك أثر الخلوق»، أو قال: أثر الصفرة، واخلع الجبة عنك، واصنع في عمرتك ما صنعت في حجك»، وهو في الصحيحين وسنن أبي داود (١٨١٩)، ولما بين هذا الحديث وحديث عائشة من التعارض؛ أورده مالك مرسلا عن عطاء بن أبي رباح عقب حديثها وفيه تطييبها النبي ﷺ ، ولأهل المذهب تأويلات لحديثها ومعارضات، ولا أحسب أن شيئا من ذلك ناهض، فإذا طاف طواف الإفاضة وسعى بين الصفا والمروة إن كان عليه سعي؛ فقد تحلل التحلل الأكبر، غير أن قربان النساء بعد رمي جمرة العقبة، أو خروج وقت أدائها؛ لا يفسد الحج، وإن كان يلزم من فعله الهدي.
стр. 1148
• قوله:
٢٥ - «ثم ينحر إن كان معه هدي، ثم يحلق، ثم يأتي البيت فيفيض ويطوف سبعا، ثم يركع».
المراد بالنحر ما هو أعم منه ومن الذبح من هدي واجب بسبب تمتع بالعمرة إلى الحج، أو قران، أو جبران نقص بترك واجب، أو جزاء صيد، أو تطوع، فهذا ينحر بعد الرمي في أي موضع من منى، مما ليس وراء جمرة العقبة، كما قال النبي ﷺ : «ومنى كلها منحر»، وإنما ينحره بمنى إن كان قد أوقف هديه بعرفة هو أو وكيله ليلة النحر، وإلا فلينحره بمكة، فإن نحر بمكة ما ينحر بمنى؛ أجزأه، وإن خالف لم يجزئه، ولعل ذلك لقول الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، إذ هو الأصل فيه، لكن في عدم الإجزاء نظر، وبعد النحر يحلق أو يقصر إن كان رجلا، ما لم يكن قد لبد رأسه أو عقصه، فإن كان كذلك؛ لم يجزه غير الحلق، وقد نسب القول به لعمر ﵁ وسيأتي، والملبد هو الذي يجعل عليه الصمغ ونحوه لمنع تفريقه ودخول الهوام فيه وبعد الحلق يطوف بالبيت طواف الإفاضة، وإن لم يكن قد سعى من قبل لكونه مراهقا، أو لأنه أحرم من مكة؛ فإنه يسعى بين الصفا والمروة، وهو ركن من أركان الحج، ويجوز تأخير طواف الإفاضة عن موعده المذكور، وقيل إنه لا يفوت إلا بخروج شهر ذي الحجة، غير أنه يستحب له على المذهب أن يطوف في ثوبي إحرامه، والظاهر أن من لم يعجل الطواف في وقته؛ يبقي عليه ثوبي إحرامه حتى يطوف لقول النبي ﷺ : «إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا من كل ما حرمتم منه إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت؛ صرتم حرما لهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به»، رواه أبو داود (١٩٩٩) عن أم سلمة، وأمره ﷺ لوهب بن زمعة ولمن معه أن ينزعا عنهما القميصين لكونهما لم يطوفا، وهكذا تشبيهه حالتهم الثانية بحالتهم الأولى في الإحرام ينبئ عن الوجوب لا الاستحباب، قال البيهقي لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به، وذكر ابن حزم أنه مذهب عروة بن الزبير، وقال به الألباني.
стр. 1149
• قوله:
٢٦ - «ثم يقيم بمنى ثلاثة أيام، فإذا زالت الشمس من كل يوم منها؛ رمى الجمرة التي تلي منى بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ثم يرمي الجمرتين كل جمرة بمثل ذلك، ويكبر مع كل حصاة، ويقف للدعاء بإثر الرمي في الجمرة الأولى والثانية، ولا يقف عند جمرة العقبة، ولينصرف».
أي يقيم بمنى ثلاثة أيام بلياليها، فإن ترك المبيت بها جل ليلة؛ فعليه هدي، وأيام منى الثلاثة ذكرها الله تعالى في كتابه إذ قال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وبعضها هو المراد عند أهل العلم على أحد القولين في قوله سبحانه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] ومن جملة ذكره الذي أمر به رمي الجمار، وما يصحب ذلك من التكبير، والدعاء الذي بعد الجمرتين، والتكبير أدبار الصلوات وغيرها، والرمي وغيره من المناسك إنما شرع لذكر الله وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله»، رواه أبو داود (١٨٨٨) والترمذي (٩٠٢) عن عائشة، وهو ضعيف.
فإن قيل: إن غير الطواف والسعي ورمي الجمار من العبادات إنما تفعل لذكر الله، فما وجه اختصاص هذه به؟، فالجواب: أن هذه العبادات أبيح فيها الكلام، وفيها أعمال غير معهودة كالرملان، والاضطباع، وتقبيل الحجر، ورمي الجمار، والمكث في أماكن معينة في زمن معين مما يشبه الأعمال العادية، فقد يتمسك الفاعل بالصورة والشكل، ويغفل عن المقصود، فكان هذا بيانًا للغرض من هذه الأعمال حتى لا تغدو مجرد أشكال
стр. 1150
وصور خالية من المعاني التي رمى إليها الشرع، وأعظمها ذكر الله، وقد غدت كذلك عند كثير من الناس كما لا يخفى.
وما ذكره من رمي الجمار في الأيام الثلاثة إذا زالت الشمس بسبع حصيات، والتكبير مع كل حصاة، والدعاء بعد رمي الجمرة الصغرى والوسطى؛ هو الوارد عن النبي ﷺ في حديث ابن عمر من فعله، وقال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل»، وهو في مسند أحمد وصحيح البخاري (١٧٥١).
وروى أبو داود (١٩٧٣) وغيره عن عائشة قالت: «أفاض رسول الله ﷺ من آخر يوم حين صلى الظهر، ثم رفع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى، وعند الثانية، فيطيل القيام، ويتضرع، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها»، قال الألباني صحيح إلا قوله «حين صلى الظهر»، فإنه منكر».
قلت: قال في عون المعبود: «فيه دلالة على أنه صلى الظهر بمنى، ثم أفاض»، انتهى، ويدل على أنه صلى الظهر بمنى قول ابن عمر: «أفاض رسول الله ﷺ يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى»، رواه مسلم، وأبو داود (١٩٩٨)، وعلقه البخاري لكن خالفهما حديث جابر أن رسول الله ﷺ انصرف إلى المنحر، فنحر ثم ركب، فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، رواه مسلم، وقد جمع بينهما العلماء بأنه صلى بمكة الظهر أول الزوال، وهو ما دل عليه حديث جابر، وأعادها بمن لم يصلها من أصحابه في منى، وهو ما دل عليه الحديثان الآخران، فإن كان ولا بد من الترجيح؛ فكونه ﵊ صلاها في منى أقوى لاعتبارات رآها شيخ الإسلام ابن تيمية، وانظر عون المعبود (٥/ ٣٣٢).
ووقت رمي الجمار في اليوم الثاني والثالث والرابع من الزوال إلى غروب الشمس، على المذهب، والليل كله قضاء، يلزم من أخر إليه الهدي، كما يلزم ذلك من ترك مبيت ليلة أو جلها بمنى، أو ترك رمي جمرة، أو حصاة واحدة، أو رمى الجمار كلها غير أنه لم
стр. 1151
يرتب رميها، كمن ابتدأ بالجمرة الصغرى، كل ذلك فيه الهدي.
وحد منى من وادي محسر جهة المزدلفة إلى جمرة العقبة، ويليها المحصب، وقد رخص النبي ﷺ للعباس في المبيت بمكة من أجل السقاية، كما جاء في حديث ابن عمر ﵄ أن العباس ﵁ استأذن رسول الله ﷺ ليبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له»، رواه البخاري (١٧٤٥)، كما صح الترخيص في عدم المبيت للرعاة وهو في الموطإ (٩٢٩) عن أبي البداح بن عاصم بن عدي أخبره عن أبيه أن رسول الله ﷺ أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة خارجين عن منى، يرمون يوم النحر، ثم يرمون يوم الغد، ومن بعد الغد ليومين، ثم يرْمُون يوم النفر، وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول ﷺ : «الراعي يرمي بالليل، ويرعى بالنهار» رواه البيهقي، وهذا حيث يمكن.
والوقوف للدعاء مستقبلا القبلة إنما يكون عقب الجمرة الصغرى والوسطى، ولا يقف عند جمرة العقبة، ويشرع فيه رفع اليدين كما صح ذلك عن النبي ﷺ ، ولم ير مالك رفع اليدين فيه، ولا في بقية المشاعر، فيكون دليلا على أن الحديث لم يبلغه، وهو مشعر بشدة حرصه على الاقتداء، ولأن العبادات الأصل فيها المنع وضيق نطاق القياس، فلم يأخذ بالمطلقات، ولا قاس بعضها على بعض، وقد ذكرته في كتابي المسمى (درء الشكوك عن أحكام التروك)، لكنه رؤي رافعا يديه في الاستسقاء، وقد جعل بطونهما إلى الأرض، وقال: إن كان الرفع؛ فهكذا»، انظر كفاية الطالب الرباني (٢/ ١٦٦).
وقوله ولينصرف؛ يعني لا يقف للدعاء، قال أبو الحسن: «يعني يمضي أمامه، ولا يرجع خلفه، لأنه يمنع الذي يأتي الرمي، قاله الخرشي»، وهذا الذي نبه عليه أهل العلم ﵏ منذ قرون؛ ما زال بعض الحجاج يفعلونه، فتسقط بسببه عشرات الأنفس قتلى وجرحى، وقد أحدث أولو الأمر في السنوات الأخيرة ما يمنع الرجوع من الطريق الذي يذهب منه إلى الجمرات، ووسعوا المرمى، وجعلوه على هيئة مستطيل بحيث يرمي الحجاج من جهتين ويمضون بعد أن كان على شكل دائري يتواجه فيه الرماة من الحجاج وقد يقذف بعضهم
стр. 1152
بعضا، وزودوا جداره بما يمنع رجوع الجمار على الناس بعد رميها، وتجري الأشغال بالجمرات منذ سنتين لإحداث طوابق جديدة حسب الجهات التي يأتي منها الحجاج إلى الجمرات، فاطمأن الناس في الرمي، وصاروا يذكرون الله فيه، ويقفون للدعاء بعد أن كان هم معظمهم فيه أن ينجو من الموت والأذى، فلله الحمد والمنة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وجزى الله القائمين على ذلك خيرا.
стр. 1153
• قوله:
٢٧ - «فإذا رمى في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر؛ انصرف إلى مكة، وقد تم حجه، وإن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصرف».
يجب الرمي في اليوم الثالث بعد يوم النحر على من بات بمنى، لأن المبيت إنما شرع للرمي في النهار، فمن أراد أن يتعجل؛ فعليه أن يخرج من منى قبل الغروب، إلا أن يمنعه مانع قهري؛ فلا شيء عليه إذا لم يبت ويرم في اليوم الرابع من العيد، وقد خير الله تعالى عباده في الرمي في هذا اليوم بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، ولا ريب أن المبيت خير لأن فيه زيادة طاعة وعبادة، لكن المدار على التقوى، لأنها المقصودة من صور العبادات كيفما كانت، وإنما الصور منبهة عليها ومذكرة بها.
ويستحب لغير المتعجل إذا أنهى رمي الجمار في أيام منى؛ أن ينزل بالمحصب، ويسمى الأبطح، فيصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويقصر الرباعية، لأن المحصب من تمام المناسك، ويدخل مكة ليلا، لفعل النبي ﷺ ، ولا شيء على من تركه، وفي المدونة أن من يقتدى به لا يدع النزول به، وسع لمن لا يقتدى به في تركه، وكان يفتي به سرا»، والمحصب هو الموضع الذي تحالفت فيه قريش على مقاطعة بني هاشم، وإخوانهم بني المطلب حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ ، وقد قال: «ننزل غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر»، رواه مسلم (١٣١٤) عن أبي هررة، وعن ابن عمرو ﵁: «من السّنّة النزول بالأبطح عشية النفر» وهو في الصحيحة. لكن المحصب الآن هو طريق يتعذر الإقامة به إلا على الأفراد القلائل.
стр. 1154
• قوله:
٢٨ - «فإذا خرج من مكة طاف للوداع وركع وانصرف».
يستحب في المذهب - وقيل يسن - للحاج والمعتمر وغيرهما ممن يريد مغادرة مكة ما لم يكن ممن يتردد عليها؛ أن يطوف طواف الوداع، بحيث يكون آخر عهده بالبيت، فإذا طال مكثه بعد فعله؛ أعاده، ومن تركه؛ فلا شيء عليه، ومرجع ذلك إلى ما رواه الشيخان وأبو داود (٢٠٠٢) عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت»، وفيه كما ترى النهي عن الخروج من مكة حتى يطوف طواف الصدور، والنهي عن الشيء أمر بضده، وقد جاء الحديث مصرحا فيه بالأمر كما رواه الشيخان (خ/ ١٧٥٥) عن ابن عباس قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض»، فاجتمع على طواف الوداع الأمر به، والنهي عن تركه، مع فعله ﷺ ، ومن ذلك قوله في الحديث خفف، فإن التخفيف لا يكون غالبا إلا من واجب، فإنه في المستحب قائم بأصله، فيلزم أهل المذهب الذين بلغهم الحديث القول بوجوب طواف الوداع، ولكنهم لم يقولوا به، كما لم يقولوا بالوجوب على المشهور في المبيت بمزدلفة مع أنه إنما رخص في تركه للمعذور، وقد يستدل على استحبابه بعدم إلزام من تركه للعذر بما يجبر به من هدي أو غيره، مع أن بعض أعمال الحج من أفعال أو أقوال أو مناه قد ألزم تاركها المعذور بالهدي، ومن ذلك من حلق رأسه للعذر، فإن الله تعالى أوجب عليه الفدية.
واعلم أن أهل المذهب يرون أن طواف الوداع ليس من أعمال الحج، ولا من أعمال العمرة، وإنما شرع رعاية لحرمة البيت، فكما قالوا إن دخول مكة لا يكون بغير إحرام على ما تقدم؛ ذهبوا إلى إن طواف الوداع يطالب به كل من أراد الخروج من مكة، لا فرق بين معتمر وحاج وغيرهما، إلا من خرج للموضع القريب كالتنعيم، فإن خرج ليقيم
стр. 1155
طولب به، وإنما يستثنى المتردد على مكة، ولو كان سفره بعيدا، ودليلهم عموم قوله ﷺ : «لا ينفرن أحد،،،».
قلت: ومن حيث النظر؛ فإن طواف الوداع لما كان يطالب به المرء ولو طال مكثه بمكة كأن لا يخرج منها حتى ينقضي شهر ذي الحجة؛ قوي ما رأوه من عدم ارتباطه بالحج والعمرة، وقد وجدت القاضي عبد الوهاب أشار إلى هذا في كتابه المعونة، لكن جاء في حديث الحارث بن عبد الله بن أوس قال: أتيت عمر بن الخطاب فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ثم تحيض، قال: ليكن آخر عهدها بالبيت، قال فقال الحرث: كذلك أفتاني رسول الله ﷺ ، قال: فقال عمر: «أربت عن يديك، سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله ﷺ كيما أخالف!!، رواه أبو داود (٢٠٠٤)، وللترمذي: «من حج هذا البيت أو اعتمر؛ فليكن آخر عهده بالبيت»، فقال له عمر: «خررت من يديك!!، سمعتَ هذا من رسول الله ﷺ ولم تخبرنا به؟، وفي سند الترمذي الحجاج بن أرطاه، لكن قوله أو اعتمر، زيادة غير محفوظة كما قال المباركفوري والألباني، وقول عمر: «خررت من يديك»، وفي رواية أبي داود «أربت عن يديك»، قال ابن الأثير: «كأنه أراد؛ أصابك خجل أو ذم»، انتهى، أنكر عليه سؤالَه عن الحكم وعنده سنة من النبي ﷺ ، وقد ثبت الترخيص للحائض بترك طواف الوداع، فيكون حديث الحارث منسوخا، هكذا قيل، ولا يلزم لاحتمال تمسك عمر والحارث بالعموم من غير أن يكون هناك تنصيص من النبي ﷺ على لزوم الوداع للحائض، وفي الحديث كما ترى جعل طواف الوداع على من حج وحده، فيحمل عليه عموم قوله ﷺ : «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت»، والعلم عند الله.
стр. 1156
• قوله:
٢٩ - «والعمرة يفعل فيها كما ذكرنا أولا إلى تمام السعي بين الصفا والمروة، ثم يحلق رأسه، وقد تمت عمرته».
العمرة معناها الزيارة، وحكمها في المذهب السنية كما سيأتي، وقد أمر الله تعالى بإتمامها بقوله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، واتفق أهل العلم على أن من شرع فيها لزمته، فلا يتحلل إلا أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، ما لم يحصر، أو يشترط في إحرامه على ما عليه بعض العلماء، ولها ميقاتان زماني ومكاني، فالزماني العام كله، لكن من أفرد الحج، وأراد أن يعتمر؛ فلا يحرم بها إلا بعد غروب شمس آخر يوم من أيام منى، فإن أحرم قبل ذلك؛ فلا يفعل شيئا من مناسكها إلا بعد ذلك الغروب، والميقات المكاني؛ هو الحل للمقيم داخل الحرم، والمواقيت للآفاقي، ويكره تكريرها في العام الواحد، وهي مثل الحج في الاغتسال، والتجرد من مخيط الثياب، ومحرمات الإحرام، والتلبية، والتفاصيل المتعلقة بالطواف، والسعي، فإذا أكمل المعتمر السعي؛ حلق أو قصر، وقد تمت عمرته، ويجمع ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث يعلى بن أمية أن رجلا أتى النبي ﷺ ، وهو بالجعرانة، وعليه جبة، وعليه أثر الخَلوق، أو قال صفرة، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟،،، الحديث، وفيه جواب النبي ﷺ للرجل: «اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك»، والخلوق بفتح الخاء طيب مركب يتخذ من الزعفران وغيره، فهذا يدل على تماثلهما فيما هو مطلوب في العمرة من أعمال الحج، غير أنها لا وقوف فيها، وهكذا بقية أعمال الحج التي تلي الوقوف.
стр. 1157
• قوله:
٣٠ - «والحلاق أفضل في الحج والعمرة، والتقصير يجزئ، وليقصر من جميع شعره، وسنة المرأة التقصير».
المراد بالتقصير أن يأخذ المرء من جميع شعر رأسه ويترك قدر الأنملة منه في الطول، فإن لم يحلق، أو طال الزمن؛ فعليه هدي، لأن الحلق من الواجبات، أما المرأة فتقصر لا غير، بأن تأخذ من جميع شَعْر رأسها قَدْر الأنْمُلة لأن حلق رأسها مثلة، وقد روى أبو داود (١٩٨٤) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير»، وقد حسنه الحافظ في بلوغ المرام، وصححه الألباني.
وإنما يكون الحلق أفضل للرجل إذا لم يكن قد لبد رأسه أو عقصه، قالوا لأن التقصير مع ذلك لا يتأتى، والتلبيد أن يجعل في شعره شيئا كالصمغ يجمعه حتى لا يتشعث، وليمنع دخول الغبار والهوام فيه، وما يفعله كثير من الناس اليوم يقاربه لكن الغرض أن تظل شعورهم ذات بريق مصففة منظمة قائمة فلا يحتاجون إلى مشطها وتسريحها!!، والدليل على إلزام الملبد والعاقص بالحلق ليس بالبين، وكون النبي ﷺ كان قد لبد رأسه وحلق؛ لا يدل على الوجوب بمجرده.
ولعل عمدة القائل به ما في الموطإ (٩٠٤) عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: «من عقص رأسه أو ضفر أو لبد فقد وجب عليه الحلاق»، والعقص أن يجمع شعره في قفاه، والضفر أن يجعله ضفائر، وقد تقدم معنى التلبيد، كما أن الحلق إنما يكون أفضل في حق من لم يكن في عمرة، وهو يريد أن يحج، وكان الوقت قريبا، فإن هذا الأولى له أن يقصر في التحلل من العمرة، ويستبقي الحلق للتحلل من الحج.
ويدل على أفضلية الحلق، وإجزاء التقصير؛ حديث الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهم اغفر للمحلقين»، قالوا: «يا رسول الله، وللمقصرين»، قال:
стр. 1158
«اللهم اغفر للمحلقين»، قالوا: «يا رسول الله، وللمقصرين»، قال: «اللهم اغفر للمحلقين»، قالوا: «يا رسول الله، وللمقصرين»، قال: «وللمقصرين»، فلما رضي بالتقصير بدعائه للمقصرين بعد المرة الثالثة من دعائه للمحلقين؛ دل على إجزائه وعلى أفضلية الحلق، وهو يقتضي حلق جميع الرأس، أو التقصير من جميع الشعر وهو المذهب، لا كما يفعل بعض من يحرص على زينة شعره أكثر من حرصه على أداء نسكه، وإنما يجزئ التقصير لمن كان له شعر يمكن تقصيره، وإلا كان الحلق هو المتعين كالأصلع يمر على رأسه الموسى، وقد ذكر الله تعالى في كتابه الحلق والتقصير فقال: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾ [الفتح: ٢٧].
стр. 1159
• قوله:
٣١ - «ولا بأس أن يقتل المحرم الفأرة والحية والعقرب وشبهها والكلب العقور، وما يعدو من الذئاب والسباع ونحوها، ويقتل من الطير ما يتقى أذاه من الغربان والأحدية فقط».
ذكر ﵀ هنا ما يجوز للمحرم قتله من الدواب، وهي الفأرة بالهمزة الساكنة، والحية والعقرب والكلب العقور، وهو الذي يعدو فيدخل فيه السبع والكلب والنمر والفهد، ويظهر أن المؤلف لم يدخل ما ذُكر في الكلب العقور، ولهذا عطف قوله: «وما يعدو من الذئاب والسباع»، فما لا يعدو من صغار السباع لا يقتل، وقد فسر مالك في الموطإ الكلب العقور بأنه «كل ما عقر الناس، وعدا عليهم، وأخافهم، مثل الأسد والنمر، والفهد، والذئب، وأما ما كان من السباع لا يعدو مثل الضبع والثعلب والهر وما أشبههن؛ فلا يقتلهن المحرم، فإن قتله فداه، وأما ما ضر من الطير فإن المحرم لا يقتله إلا ما سمى النبي ﷺ الغراب والحدأة، وإن قتل المحرم شيئا من الطير سواهما فداه»، انتهى ببعض اختصار، والغربان جمع غراب وهو طائر أسود غالبا، والصواب في الأحدية: أنها الحدأ بكسر الحاء وفتح الدال، ومفردها حدأة ضبطها كالجمع قال:
«وتفني الأولى يستلئمون على الأولى • تراهن يوم الروع كالحدأِ القبل».
وقوله فقط؛ مشعر أن ما آذى من الطير من غير ما ذكر لا يقتل، وقد علمت أنه نص قول مالك.
وإنما نص العلماء على جواز قتل الحاج ما ذكر؛ لأنه ممنوع من صيد البر، وإلا فإن المذكورات يقتلن في الحل والحرم كما هو نص حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «خمس من الهوام ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور»، وهو في الموطإ (٧٩٢) وعند الشيخين، وروياه أيضا عن عائشة،
стр. 1160
وروى مسلم عن ابن عمر قال حدثتني إحدى نسوة النبي ﷺ أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور،،، وذكر فيه الهوام السابقة قبلُ مع زيادة الحية، والفرق كما ترى واضح بين الحديثين: فالأول فيه رفع الجناح عمن قتلها، وفي الثاني الأمر بذلك، ودلت ألفاظ الأحاديث على أن الإحرام يمنع من ذلك، كما أن الحرم مانع، ودلت الزيادات التي جاءت في أحاديث أخرى على أن مفهوم العدد غير مراعى، وقد جاءت أعداد أخرى منها أربع، قال الشيخ الطاهر بن عاشور في كشف المغطى ص (٢٠٠): «وأحسب أن تخصيص هذه الأنواع بالذكر لأنها لما كان ضرها غير مخطر وكان من الممكن دفعها نبه عليها توسعة على الناس، إذ لا يخفى أن السباع المفترسة والحيات يقتلها المحرم لخطر إضرارها، فليس الشارع بحاجة إلى التنبيه على الإذن بقتلها، وأما سباع الطير فإن ما فيها من النفور من الإنسان ما يكفيه شرها، فإذا هاجمته فلا خلاف في قتلها».
следующие страницы →