← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أن ذكر الدليل من الكتاب والسنة أولى، بل إن العقيدة يكتفي فيها غالبا بذكر النصوص وفهمها. قال الشيخ زروق في خاتمة شرحه: «قد جمعت هذه العقيدة نحوا من مائة مسألة من مسائل الاعتقاد، وأتى بها الشيخ مسلمة من غير برهان، اكتفاء بالمعاني على الاصطلاح، ولأن إيمان المقلد عنده صحيح، وهو مذهب جماعة من الأئمة، وادعى بعضهم الإجماع عليه، وبعضهم الإجماع على عكسه، وعلى صحته أئمة المذاهب الأربع، والثوري والأوزاعي وكافة أهل الظاهر وكثير من المتكلمين خلافا لأكثرهم،،،»، انتهى، قلت قلت فريق من الأشعرية لا يصححون إيمان المقلد، لأنهم يقولون إن أول واجب على المكلف هو النظر، وهذا مردود من أكثر من وجه، ثم ليقولوا كم شخصا عرف أنه آمن بالنظر، ويلزم على قولهم هذا أن الأمة فرطت في أول واجبات الدين وتواطأت على ذلك طيلة تاريخها. • أول الواجبات وأعظمها توحيد الله: وأعظم الواجبات على المكلفين توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، فمن وافته المنية موحدا كان من أهل الجنة، فلا يخلد في النار إن دخلها، ومن وافته يشرك بالله شيئا كان من أهل النار خالدا فيها، فإن التوحيد هو الذي خلق الله الإنس والجن له، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧]، وقال ﵊ لمعاذ «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» (١)، وهو طرف حديث في الصحيح. ولما كانت نجاة الإنسان متوقفة على هذا الأمر يسره الله، ونصب الآيات عليه، وأرسل به رسله، وأنزل له كتبه، وجمع معانيه كلها في كلمة واحدة هي لا إله إلا الله، وهكذا كل شيء تشتد إليه حاجة الناس، وتتوقف عليه حياتهم يجعله الله تعالى ميسرا لهم، في متناولهم، فحري بالعاقل أن يجعله أكبر همه، وأعظم شغله، ويعتبر ما عداه وسيلة إليه مذكرا به، ومقويا له، ومن قال إن أول واجب على المكلف هو النظر، أو هو الشك؛ فقد

стр. 107

أبعد النجعة، وخالف ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وما دعوا إليه أقوامهم، وإن كان النظر في أصله واجبا، قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى (١٠)﴾ [إبراهيم: ١٠]، قيل الشك الذي أنكروه عليهم هو الشك في وجوده سبحانه، وقيل بل هو الشك في استحقاقه أن يعبد دون سواه. والصواب: أن كلا منهما لا شك فيه، فمعرفة الله ضرورية في أصلها، وتوحيده وإفراده بالعبادة مرتب على ذلك ولازم له، والنظر في الآيات المرئية والمتلوة مطلوب وهو مما تقوى به المعرفة وتترسخ الحجة: فيا عجبا كيف يعصى الإله … أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية … تدل على أنه الواحد؟. • منهج القرآن والسنة في تعليم العقيدة: ومنهج السنة والقرآن هو الحديث عن التوحيد الذي هو أعظم المقاصد مع كل المقاصد الأخرى من الأحكام، وأخبار الغيب، والقصص، وقد تنفرد بعض السور بذكره كسورة الإخلاص، ولا تخلو سورة من التذكير به، ومن تتبع نصوص السنة في كتبها المصنفة على أبواب الفقه وقف على هذا الذي أقول، والأذكار كلها توحيد لله تعالى، بالثناء عليه، والرغب إليه، والتشويق إلى لقائه، والافتقار إلى نواله، وتأمل كيف أن قصارى ما يدعو به المؤمن في الكرب أن يوحد الله تعالى، ويذكر ربوبيته للسموات والأرض، ولعرشه العظيم، فقد كان النبي ﷺ يدعو عند الكرب يقول: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض، ورب العرش العظيم» (١) وروى أبو داود (٢) عن أسماء بنت عميس قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «ألا أعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب، أو في الكرب؟، الله الله ربي لا أشرك به شيئا»،

стр. 108

والمقصود أنه لم يعلمها دعاء مسألة في هذا الموقف الخطير، بل اكتفى بأن علمها أن تذكر في هذا الموقف نفسها بتوحيد الله تعالى، ونفي الإشراك به، ومن ذلك أن بعضهم قال للنبي ﷺ : «ما شاء الله وشئت»، فصحح له بقوله: «أجعلتني لله ندا؟، قل ما شاء الله وحده» (١)، وقال له جماعة: «أنت سيدنا»، فقال لهم: «السيد الله» (٢)، وقال ﵊: «ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده، وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام،،،»، الحديث (٣)، فابتدأ بعبادة الله وعدم الإشراك به، وذكر طيب النفس مما يعين صاحب الصدقة عليها، والمقصود الاجتهاد في تربية الناس على العقائد الصحيحة كلما أمكن ذلك، وتصحيح فاسد الاعتقاد دون تأجيل باغتنام الفرص. تجد في كناب ربك حصر كل ما أوحي إلى النبي ﷺ في التوحيد، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾ [الأنبياء: ١٠٨]، وغير ذلك، وهذا يوجه بأن ما في القرآن لا يخرج عنه عينا أو تعلقا، فإنه دعوة إلى توحيد الله تعالى بذكر أسمائه الحسنى وصفاته العلى وأفعاله الجميلة وتصرفه الحكيم في خلقه، وبيان آياته المرئية والمتلوة على ذلك، وإيراد ما يلزم ذلك من طاعته والخضوع له سبحانه، وذكر محابه ومراضيه ومساخطه ومعاصيه، وذكر أوليائه، وما وعدهم به من النصر والتمكين، وما أعد لهم في الآخرة من الجنان والنعيم المقيم، وذكر أعدائه وما أوعدهم من الذل والخذلان في الدنيا والنيران في الجحيم، فتبين أن القرآن كله كلام على التوحيد، ببيانه وحقه وذكر أهله وغيرهم من أعدائه، وما أعد للفريقين. فعلى الدعاة أن لا يغفلوا هذا المنهج، حتى وإن أفردوا العقيدة بحلقة خاصة، أو كتب خاصة، وذلك أمر لا بد منه، فإنه قد لجأ العلماء إليه بعد أن حدث في الأمة ما جعلهم يفردون التوحيد بالتأليف، ويخصونه بالتدريس والتصنيف، وقد كان في بداية الأمر ردودا

стр. 109

على ما ذهب إليه أهل الأهواء والابتداع، ومن الأمثلة عليه جواب عبد الله بن عمر ﵄ عندما بلغه إنكار بعض الناس القدر بالبصرة، إذ كان معبد الجهني أول من قال بذلك، فلما قيل لعبد الله بن عمر: إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون (يتتبعون) العلم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنُفُ، كان جوابه: إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم ساق عبد الله بن عمر ﵄ دليل ذلك، وهو حديث جبريل الطويل، والخبر هذا في صحيح مسلم من كتاب الإيمان. فمن اصطنع منهج السنة والقرآن في هذا الزمان، لما تعرفه الدعوة من التضييق عليها في كثير من الأوطان، فإنه لم يأت منكرا، وإن خالف عرفا لا معروفا، وقد أنكر علينا هذا الأسلوب بعض المتعجلين، فباءوا بدون خفي حنين، ومفتاح الأمر كله أن تعلم الناس التسليم لنصوص الكتاب والسنة، فإذا انحلت هذه العقدة عن قلوبهم؛ وهنت بقية العقد وضعفت، ثم تلاشت، فأقبلوا على الحق راضين راغبين مذعنين، وهذا هو المستهدف من تدريس هذه النصوص، فإنها المعين الثر لكل علوم الشرع، ومرجع هذه العلوم كلها توحيد الله تعالى، فإنه حق الله الذي يسبق كل الحقوق، والمقصود أن كل درس من الدروس، حديثا كان أو فقها أو سيرة أو غيرها؛ هو مجال لغرس العقيدة الصحيحة في النفوس، بل ذلك هو المطلوب، كلما أتيحت للمرء الفرصة، وما أكثرما تتاح. بعض مميزات عقيدة السلف وآثارها: - هي مستقاة من الكتاب والسنة، وما أجمع عليه المسلمون، أما ما اختلف في ثبوته من السنة فيلزم القولَ به من صححه، أو اتبع من صححه، ولا تفريق في هذا المجال بين ما تواتر من النصوص وما كان آحادا، إذ لا دليل على الفرق، ولا قال به السلف. - لا مجال في هذه العقيدة للآراء والأقيسة، ولو خضعت العقائد لهذا الأمر لما كان للمؤمن مزية على غير المؤمن، وقد قال الله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٢ - ٣]. - والنصوص في العقيدة مستقلة غالبا، فالعقائد المنصوص عليها في كتاب الله ليست

стр. 110

مفتقرة إلى أن تشرح بالسنة أو تبين كما هو الشأن في غير العقائد من الأحكام، اللهم إلا ما كان من الحاجة إلى تمحيص الروايات، حتى يعتمد أرجحها كما في حديث إن الله تعالى خلق آدم على صورته، أو ما كان من باب زيادة العلم، وقد جاءت النصوص في حق مولانا بالإثبات المفصل والنفي المجمل. - والمطلوب هو إبقاء النصوص على ظاهرها، فإن كانت في صفات الله تعالى أمرت من غير تأويل، ولا تكييف ولا تمثيل، مع اعتقاد التنزيه الذي لا يختلف المسلمون فيه، فالمجهول إنما هو الكيف، أما الكلمات فإنها عربية نعرف معانيها، فلا يصح أن يقال إننا نجهلها، وإلا للزم من ذلك أن يخاطب الناس بما لا يعلم معناه في أعظم ما تجب عليهم معرفته، وكثير مما نتمتع به في حياتنا ونعرف آثاره واستعمالاته ونجني ثمار تطبيقاته نطلق عليه ألفاظا نعرف معانيها ولا ندرك كيفية حصول ما أطلقناها عليه كانتقال الأصوات والكهرباء والصور والرسائل وغيرها، وهي من عالم الشهادة، فلم نضيق ذرعا بعالم الغيب فلا نرتاح إلا إذا أولناه وأخضعناه لعقولنا؟، ولا يخفى أن التأويل ضرب من التعطيل، ويكفينا أن السلف تلقوا النصوص بالقبول والإذعان، ولم يسألوا عن معانيها، وما ذلك إلا لأنها معروفة عندهم، ولا أثارت في نفوسهم شبهة التمثيل، فاعترضوا على ظاهرها، فكيف يظن بهم جهلهم أعظم ما ينبغي أن يعرفوه ثم يسكتوا فلا يسألون عنه؟، وقد كانوا يسألون عن كثير من التفاصيل، فالتفويض إذا ورد في كلام السلف أو في كلام أهل العلم الذين اقتفوا آثارهم يكون المراد به ليس التفويض التام في المعنى والحصول، بل التفويض في كيفية الحصول، وربما جاء ما يعكر به على هذا الذي ذكرته من كلام بعض المتقدمين، ويدل على ذلك قول مالك بن أنس ﵁ لما سئل عن الاستواء فقال: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول»، ولا يخفى أن التفويض في المعنى يلزم منه تجهيل رسول الله ﷺ حاشاه، وكذا السلف الصالح، وكل من قال بإمرار نصوص الكتاب والسنة التي في صفات الباري، ويلزم منه أن أعظم ما في القرآن وهو صفات الله ﵎ لا يفهم القارئ لها معنى، فتكون ألغازا وأحاجي حاشا أن يكون كتاب الله كذلك. وإذا عرفت أن التأويل في العقيدة غير مقبول فاعلم أن الباعث عليه هو ما قام في

стр. 111

رأس القائل به من أنه يلزم منه التمثيل، والتمثيل لا يختلف المسلمون في نفيه، ولذلك فإن ما يعللون به لجوءهم إليه من أنه طلب للتنزيه لا يمضي، والظاهر أن وراءه عدم قبول عقولهم لمعاني الألفاظ قياسا منهم لعالم الغيب على عالم الشهادة، فهم أسرى الحس، راموا الخروج من ذلك بالتاويل الذي هو في الحقيقة تعطيل. وفي شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد خليل هراس: «إن السلف لم يكونوا يفوضون علم المعنى ولا كانوا يقرؤون كلاما لا يفهمون معناه، بل كانوا يفهمون معاني النصوص من الكتاب والسنة ويثبتونها لله ، ثم يفوضون فيما وراء ذلك من كنه الصفات وكيفياتها»، انتهى، وينبغي أن يعلم أن نفي العلم بالكيفية ليس نفيا للكيفية، ومع هذا فينبغي التفريق بين من اتخذ التأويل منهجا، ومن قال به في بعض الأمور عرضا، إذ رأينا بعض من يرفضه قد يبدر منه في شيء من النصوص، وقد كان هذا هو منهج متقدمي الأشاعرة، ثم توسع متأخروهم فيه، ومع هذا فالحق ترك ذلك كله، فإنه مما لا يعني الإنسان، قال ابن أبي العز في شرح معنى إحاطة الله بكل شيء: «وليس المراد من إحاطته بخلقه أنه كالفلك، وأن المخلوقات داخل ذاته المقدسة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإنما المراد إحاطة عظمته، وسعة علمه وقدرته … »، انتهى. قلت: إن كان هذا تأويلا فهو مما أجمعت الأمة على القول به، فلا يبقى فيه حجة لمن اتخذ التأويل منهجا، كإجماعهم على معنى المعية في آية سورة المجادلة لأنها معية علم. ويحسن أن يذكر هنا حديث أبي سعيد الخدري قال كنا جلوسا ننتظر النبي ﷺ فخرج علينا من بعض بيوت نسائه، قال: فقمنا معه، فانقطعت نعله، فتخلف عليها علي يخصفها، فمضى رسول الله ﷺ ومضينا معه، ثم قام ينتظره، وقمنا معه، فقال: «إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله، فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر، فقال: «لا، ولكنه خاصف النعل»، يعني عليا ﵁ (١).

стр. 112

- الكف عن الخوض في التفاصيل التي لم يرد بها نص من كتاب أو سنة، فإن الكلام في العقائد دون الاهتداء بالنصوص هو عين الكلام المذموم، وإن كان فاعل ذلك يشنع على المتكلمين فإن هذا المسلك يؤدي ولا بد إلى ذاك، وهذا كان موقف السلف من الصحابة والتابعين، ولا يخفى ما في الخوض في ذلك من الأخطار، فإن الفاعل قد يسلك فيمن قال على الله ما لا يعلم، وهو من كبائر الإثم. قال أشهب بن عبد العزيز سمعت مالكا يقول: «إياكم وأهل البدع، قيل: وما البدع؟، قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسمائه وصفاته وكلامه وعلمه، وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون»، أورده الأصبهاني في كتابه الحجة في بيان المحجة. - تلتقي العقيدة السلفية مع فطرة الإنسان التي فطره الله عليها، وقد فسرت الفطرة بالإسلام، ومن ثم كان فهمها في متناول الناس جميعا لخلوها من المصطلحات الكلامية المخترعة، والتعقيدات للفظية، وسائر ما أحدثه أهل الجدل الذين نصبوا حواجز بين كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وبين الناس أن يفهموه. - تتميز بالثبات والاستقرار، إذ لا مجال فيها للتردد كما هو الشأن في الأحكام العملية، وعقائد المتكلمين التي يتداول عليها النقض والإبرام، وفيها صون طاقة الفكر أن تهدر فيما لا فائدة فيه، بل فيما فيه الضرر الكبير. - وينبني على ما تقدم أن العقيدة توحد المسلمين في أعظم أقسام دينهم، وهو توحيد ربهم، ومعرفته بأسمائه وصفاته، وقد كان الصحابة لا يختلفون في شيء منها، وإن اختلفوا في غيرها، وما لم يتقيد بنصوص الكتاب والسنة في العقيدة فإنها لا تجمع الأمة لأنها تصير مسائل كلامية وآراء فيها الحق والباطل، ومن تجرأ على تأويل ما في عالم الغيب كان أكثر جرأة على تأويل ما في عالم الشهادة مما يدخله الرأي والقياس، وهو نصوص الأحكام العملية، ومن فسدت عقيدته كيف يصلح عمله؟

стр. 113

عقيدة أبي الحسن الأشعري ﵀ - وقد كان المالكية أكثر أصحاب المذاهب الأربعة تمسكا بعقيدة الأشعري في طورها الثاني، حتى قيل لا تجد مالكيا إلا وهو أشعري، لكن هل ما عليه الأشعرية هو بالفعل عقيدة أبي الحسن الأشعري التي انتهى إليها؟، ليس الأمر كذلك، ولهذا يتعين بيان عقيدة هذا العالم التي رجع إليها، وهي ما تضمنه كتابه (الإبانة عن أصول الديانة) الذي رجع فيه إلى ما عليه الإمام أحمد ﵀ وغيره من أئمة المسلمين، وهو بين الناس اليوم، والعلماء يرون أن أقوال العالم إذا تعددت أخذ بما علم أنه الأخير منها إذا لم يمكن تنزيلها على حالات مختلفة، فكيف إذا صرح بأن هذه هي عقيدته، وبينها غاية البيان، والإبانة هو الأخير، كما ذكره صاحب شذرات الذهب، وابن كثير وغيرهما، وعزاه ابن تيمية لأصحاب أبي الحسن، بل إن للإمام أبي الحسن الأشعري أربعة تآليف في العقيدة جرى فيها على منهج السلف، قال الذهبي - وهو من أخبر علماء المسلمين بسير الناس -: «رأيت لأبي الحسن أربعة تواليف في الأصول، يذكر فيها قواعد مذهب السلف من الصفات، وقال فيها: تمر كما جاءت، ثم قال: وبذلك أقول، وبه أدين، ولا تؤول» (١). وذكر ابن القيم في بعض ما كتب: «أن أبا الحسن الأشعري وأئمة أصحابه متفقون على إثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن كالاستواء والوجه واليدين، وعلى إبطال تأويلها، وليس للأشعري في ذلك قولان أصلا، ولم يذكر أحد عن الأشعري في ذلك قولين، ولكن لأتباعه قولان في ذلك». قلت: لكن غالب المنتسبين للأشعري ﵀ يظنون أن ما رجع عنه إنما هو الاعتزال، بعد أربعين سنة قضاها فيه، ومن قضى هذه المدة ينافح عن رأي يقضي غالب العادة أن لا يقلع عنه، لولا عناية الله، لكن هذا إنما كان الرجوع الأول، أعقبه ترق آخر في سلم الخير،

стр. 114

وهو قوله بالصفات العقلية السبعة، وتأويل ما عداها، وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، ثم انتهى به المطاف إلى ترق آخر له في الأخذ بالحق، وهو تخليه عن التأويل جملة، وقوله بكل الصفات التي تضمنتها نصوص الكتاب والسنة، من غير تكييف ولا تمثيل، وتمسكه الكامل بمنهج السلف، وهذا ما تضمنه كتابه الإبانة، الذي صدره بما قد يشعر أنه إنما يرد فيه على المعتزلة بخاصة، إذ ذكر عنهم مخالفة رواية الصحابة عن النبي ﷺ في رؤية الله تعالى بالأبصار، وإنكار الشفاعة، وجحود عذاب القبر، وقولهم بخلق الإنسان الشر، وأنه سبحانه يشاء ما لا يكون، وأن من دخل النار لا يخرج منها، ونفوا ما روي عن النبي ﷺ من نزول الله إلى سماء الدنيا، هذا بعض ما ذكره، وهذا إنما قال به المعتزلة دون الأشعرية كما يعرفون اليوم، باستثناء النزول فإن الأشعرية يؤولونه، لكنه قال أيضا: وأنكروا أن يكون له يدان، وأن يكون له عين، ومعلوم أن الأشعرية يؤولون النصوص المتعلقة بهما، ثم أشار إلى أنه يرد على جميع أهل البدع من الجهمية، والمرجئة، والحرورية، أهل الزيغ فيما ابتدعوا وخالفوا الكتاب والسنة، وما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين» (١)، ومعلوم أن الصحابة ما كانوا على شيء من التأويل، ومباحث الكتاب كلها شاهدة بأنه على عقيدة السلف. وقد تقول بعض المتعصبين على الأشعري ما هو منه بريء، إذ زعم أنه إنما قال بعقيدة السلف خوفا على نفسه من الحنابلة كما قال، وهذا كلام باطل لكونه مجرد ظن، بل هو من ظن السوء بالمسلم العالم السني، بنسبته إلى أصحاب التقية، وفي العقيدة لا في غيرها، والحنابلة لم يكونوا ذوي سلطان حتى يخشاهم الأشعري، ولو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم.

стр. 115

عقيدة مالك بن أنس ﵀ - لكن لو سلمنا بأن ما عليه الأشعرية اليوم هو عقيدة أبي الحسن الأشعري التي مات عليها فإن أخذ المالكية بما يظنونه عقيدة له؛ مما يستغرب، فإن من اتبع مالكا ﵁ في الفقه وهو أحكام عملية؛ سواء لاعتقاده أفضليته على غيره، مستدلا على ذلك بالحديث المعروف الذي رواه الترمذي، وهو ضعيف، أو لكونه مجرد مقلد؛ يتعين عليه من باب أولى أن يتبعه في عقيدته، إذ كيف يعتمد مذهب مالك في جانب الفقه، وهو جانب عملي تطبيقي، ولا يعتمد منهجه في الجانب العقدي العلمي، وهو أهم، والنزول في أخذ هذا الجانب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري المتوفى سنة (٣٢٤)، وبين وفاته ووفاة مالك نحو قرن ونصف، وهذه الملاحظة يمكن أن تعم أتباع المذهبين الشافعي والحنفي، وبعض أتباع الإمام أحمد بن حنبل. فإن قيل: إن مالكا لم يدون العقائد، ولا يوجد له فيها كبير قول، قلنا: فما كان معتقد الصحابة وسائر السلف الذين لم يدونوا العقائد؟، أم تظنون أن العقائد لا تثبت إلا إذا كثر حولها اللغط والأخذ والرد وتشقيق الكلام؟، إن معتمد العقائد نصوص الكتاب والسنة، والشأن فيها أن تتلى النصوص التي تضمنتها، وأن تفهم كما يفهم الكلام العربي، وعلى ما فهمها عليه السلف، من غير تأويل، وأن تمر كما هي، ثم إن القول بأن مالكا لم يدون العقائد غفلة من قائلها، فقد كان علم القوم في الغالب محفوظا في الصدور، أكثر من حفظه في السطور، ومن تتبع أقواله وتصرفاته في مظانها أمكنه أن يجمع من ذلك عقيدته ومنهجه، وقد فعل ذلك بعضهم كما ستراه. كان مالك على عقيدة السلف، وهو ما عليه معظم المعاصرين له من أهل السنة، وهم معظم الأمة وسوادها الغالب، حيث كانت العقائد صافية نقية، يعتمد فيها على النصوص في مأمن من غوائل التأويل، ودعاوي التعطيل، ونقائض الكلام، والخوض فيما لا ينبغي أن يخاض فيه، وعقيدة ابن أبي زيد هذه وشرح القاضي عبد الوهاب شاهدان على

стр. 116

ما أقول، وهما بين أيدينا. فإن قيل: مست الحاجة إلى الرد على المبتدعة وأهل الضلال، وقد كثر الزيغان في عهد أبي الحسن الأشعري، فالجواب: أن الحق لا يدافع عنه إلا بالحق، ولو كان هذا حقا لكان ينبغي الاقتصار فيه على من كان في حاجة إليه، فلم نجعله عقيدة الأمة؟، حتى قال عبد الواحد ابن عاشر ﵀: في عقد الاشعري وفقه مالك … وفي طريقة الجنيد السالك ولعل كلمة أبي طالب المكي عن مالك تلخص ما كان عليه هذا الإمام ﵀، قال: «كان مالك أبعد الناس من مذاهب المتكلمين، وأشدهم بغضا للعراقيين، وألزمهم لسنة السالفين من الصحابة والتابعين». وقد أبان عن موقفه من نصوص الصفات في جوابه لذلك الذي سأله عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] كيف استوى؟، فسكت مليا حتى علاه الرحضاء، قال الراوي: وما رأينا مالكا وجد من شيء وجده من مقالته، وجعل الناس ينتظرون ما يأمر به، ثم سري عنه، فقال: «الاستواء معلوم، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، والإيمان به واجب، وإني لأظنك ضال، ا أخرجوه عني»، فناداه الرجل يا أبا عبد الله، والله الذي لا إله إلا هو لقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة والكوفة والعراق فلم أجد أحدا وفق لما وفقت له» (١)، وقد روى هذه القصة عنه ممن حضر مجلسه أكثر من واحد منهم عبد الله بن وهب، ويحي بن يحي التميمي، وأيوب بن صالح المخزومي، وقد حصل هذا لشيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن وغيره، وروي موقوفا على بعض أمهات المؤمنين. ولأهمية جواب مالك هذا لا تكاد تقرأ كتابا ألف في العقيدة إلا وتجد هذه المقولة مسطرة لبيان المنهج الحق المبني على ترك التأويل والتعطيل، والتمثيل والتكييف، وبعد

стр. 117

هذا فلا ضير إذا قيل إن مالكا كان يخشى أن يحدث العوام ببعض النصوص الثابتة من السنة، فما ذلك إلا خوفا من أن يسيئوا فهمها كحديث النزول، وكيف يسوغ القول بعلم الكلام في العقائد وهو لا يثمر غير الشكوك والشبهات، ثم يحاول المحاولون أن يجعلوا ذلك قرينا لمذهب مالك، وقد عرف موقفه من علم الكلام؟. وقال ابن تيمية ﵀ مبينا مذهبه وعقيدته وكونها عقيدة الأئمة الأربعة، وهي التي نعتقدها وندين الله تعالى بها: يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي … رزق الهدى من للهداية يسأل اسمع كلام محقق في قوله … لا ينثني عنه ولا يتبدل حب الصحابة كلهم لي مذهب … ومودة القربى بها أتوسل ولكلهم قدر وفضل ساطع … لكنما الصديق منهم أفضل وأقول في القرآن ما جاءت به … آياته فهو القديم المنزل وجميع آيات الصفات أمرها … حقا كما نقل الطراز الأول وأرد عهدتها إلى نقالها … وأصونها من كل ما يتخيل قبحا لمن نبتذ القرآن وراءه … وإذا استدل يقول قال الأخطل والمؤمنون يرون حقا ربهم … وإلى السماء بغير كيف ينزل وأقر بالميزان والحوض الذي … أرجو بأني ريا منه أنهل وكذا الصراط يمد فوق جهنم … فموحد ناج وآخر مهمل والنار يصلاها الشقي بحكمة … وكذا التقي إلى الجنان سيدخل ولكل حي عاقل في قبره … عمل يقارنه هناك ويسأل هذا اعتقاد الشافعي ومالك … وأبي حنيفة ثم أحمدَ ينقل

стр. 118

فإن اتبعت سبيلهم فموفق … وإن ابتدعت فما عليك معول (١) فإذا أردت شيئا من التفصيل بعد هذا الإجمال لمنهج مالك وعقيدته ذكرت لك ما يلي، وهو مأخوذ باستقراء أقواله وتصرفاته، منقول أصلا باختصار وتصرف عن كتاب عقيدة الإمام مالك للشيخ سعيد بن عبد العزيز الدعجان، وكتاب مناقب الإمام مالك للشيخ عيسى بن مسعود الزواوي المتوفى سنة (٧٤٣)، والسير للذهبي، وكثير منه في ترتيب المدارك للقاضي عياض، وكتاب جامع بيان العلم لابن عبد البر، ولا يتأتى في هذا المقام إثبات تفاصيل ذلك: - كان في الإيمان على عقيدة السلف، فهو عنده قول وعمل، نقل ذلك عنه من يحصل بنقلهم التواتر، ونقل عنه زيادة الإيمان ونقصانه جماعة منهم عبد الله بن نافع وعبد الرزاق وآخرون، وقد قيل إنه كان في بداية الأمر يقول بعدم نقصانه، أو يتوقف فيه، خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج، وكان يأذن في الاستثناء في الإيمان رواه عنه وعن غيره عبد الله بن أحمد في كتابه السنة. - ويقول في باب أسماء الله وصفاته بإمرار النصوص كما جاءت، فتعتقد معانيها، ولا يخاض في كيفيتها، أو تأويلها، ويرى أن المعية معية العلم، فالله في كل مكان بعلمه، وهو في السماء، وروى عنه ابن أبي زمنين في أصول السنة أنه كان يقول: النزول حق، وما روي عنه من تأويل صفة النزول لم يثبت، بل قال عنه كما في مختصر الصواعق: «ينزل كيف شاء بقدرته وعلمه وعظمته، أحاط بكل شيء علما». - ويقول بما ورد في الإيمان باليوم الآخر، وعذاب القبر ونعيمه، وكون الجنة والنار مخلوقتين، ورؤية المؤمنين ربهم بأبصارهم يوم القيامة، وقد سئل عن ذلك فقال: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله بالحجاب»، يعني قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، يقصد المكذبين بيوم الدين، وأثر نحو هذا عن الشافعي أيضا، وقال مجيبا عن هذه المسألة ايضا: بأعينهم، هاتين.

стр. 119

- وكان في الإيمان بالقضاء والقدر على ما عليه أهل السنة، وعرف عنه الإنكار على من يتكل عليه، أو يحتج به في ارتكاب المعاصي. - وهو يقول بكفر من سب الله تعالى، أو سب رسوله ﷺ ، ويرى وجوب قتله، وكذلك الشأن في زوجاته ﷺ ، والأول عليه الجمهور. - ويقول بكفر من سب الصحابة إذا كان السب عائدا إلى الطعن في عقيدتهم أوعدالتهم، كاتهامهم بالظلم أو الفسق، وهذا وجه تكفيره هو وغيره للروافض، فإن كان السب لا يصل إلى ذلك، كوصفهم بالجبن والبخل، أو محبة الدنيا فقائله يستحق التأديب، تجد هذا التفصيل في مناقبه للشيخ عيسى بن مسعود الزواوي المطبوع بهامش المدونة. - وهو يفضل الخلفاء الراشدين على غيرهم، ويرى فضلهم بحسب ترتيبهم في الخلافة، ولا يصح ما نسب إليه بخلاف ذلك. - وهو معروف بحضه على الاتباع وتحذيره من الابتداع، وكان من أشد الأئمة ذما للبدع، وتحذيرا منها، وتنفيرا من أصحابها، وقال الحافظ: «ثبت عن مالك أنه لم يكن في عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر شيء من الأهواء، يعني بدع الخوارج والروافض والقدرية» (١). - وهو ينهى عن التقليد والتعصب للرأي المجرد عن الدليل، ويذم الجدال والخصومات في الدين، ويحذر من علم الكلام وأصحاب الأهواء، مع هجرهم وعدم مكالمتهم، والابتعاد عما لا يندرج تحته عمل من الكلام، قال الشافعي: «سئل مالك عن الكلام والتوحيد، فقال: محال أن نظن بالنبي ﷺ أنه علم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد»، وهو في السير للذهبي. - ومما نسب إليه ولم يثبت عنه جواز التوسل بذات النبي ﷺ . والصواب: عدم قوله بذلك، لما هو معروف عنه من اقتفاء آثار الأولين، ولم يكن معروفا عندهم، كيف وهو يرى عدم لزوم النذر لمن نذر السفر إلى المدينة، إذا لم يكن

стр. 120

يقصد مسجد رسول الله ﷺ ؟. - وقد نسب إليه جواز الاستماع للغناء ولم يصح عنه، بل صح عنه ذم رقص المتصوفة، وتعجب من فعلهم، وسأل أمجانين هم؟، والخبر عنه بذلك في المدارك للقاضي عياض وغيره، ويدل عليه أيضا أن مذهبه عدم التطريب في قراءة القرآن. - وكان يرى جواز تعليق التمائم إذا كانت من القرآن، وبعد نزول البلاء، وهو قول عدد من علماء السلف وغيرهم، مما يعني أنهم يرون ذلك مستثنى من التمائم المنهي عن تعليقها، والصواب إن شاء الله: ترك تعليق التمائم مطلقا سدا للذريعة والاقتصار على الرقية المتفق عليها، والله أعلم. - وقد بين موقفه من مخالفة الكتاب والسنة اعتمادا على التقليد أو العرف أو الكشف أو غير ذلك، حيث قال: «كان رسول الله إمام المسلمين، وسيد العالمين، إذا سئل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء، فإذا كان رسول رب العالمين لا يجيب إلا بالوحي، وإلا لم يجب، فمن الجرأة العظيمة إجابة من أجاب برأيه، أو قياس، أو تقليد من يحسن الظن به، أو عرف، أو عادة، أو سياسة، أو ذوق، أو كشف، أو منام، أو استحسان، أو خرص، والله المستعان على كل من يبدل دينه»، أورده الفلاني في كتابه (إيقاظ همم أولي الأبصار)، كما ذكره صاحب كتاب عقيدة الإمام مالك، وعندي أن هذا لا يشبه كلام مالك ﵀، لكني لا أشك أن هذا هو منهجه.

стр. 121

باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات أخبر ﵀ أن ما ذكره هنا هو ما يعتقد فقط، أو يعتقد ويقال، وهو من الواجبات، فليس في العقائد ما ليس بواجب، ولذلك بين الحكم بقوله من واجب أمور الديانات. قال الشيخ أحمد بن غنيم النفراوي في كتابه الفواكه الدواني: «وهذا الباب عقده المصنف لبيان ما يجب على المكلف معرفته من علم التوحيد، وقدمه على فن الفقه لتقدمه في الوجوب،،،». وقال الشيخ عبد المحسن العباد البدر في شرحه عقيدة ابن أبي زيد: «وما ذكره من التنصيص على قول اللسان واعتقاد القلب بين يدي هذه العقيدة؛ لأن ما يعتقد مطلوب فيه أن يكون في القلب، وأن يكون على اللسان، ولا يقال: إنه لم يذكر الأعمال فيشابه مرجئة الفقهاء، لأنه قد ذكر في هذه المقدمة أن الإيمان يكون بالقلب واللسان والعمل» (١). قلت: إن هذا الباب معقود لبيان الأمور العلمية الاعتقادية، وليست إلا قولا أو اعتقادا أو هما معا، فترجم له بما رأيت من ذكر ما يعتقد ويقال، وسيأتي في كتابه الحديث عما يعمل بالجوارح، فلا حاجة إلى تكلف الإجابة كما ذهب إليه بعض الشراح عما يقال: كيف لم يذكر العمل؟، وأهل السنة يعتبرونه من جملة الإيمان، ولأنه سيذكر أن الإيمان يشمل تلك الأمور الثلاثة. وقد تفطن لهذا المعنى القاضي عبد الوهاب حيث قال: «وإنما القصد من الكلام في

стр. 122

شرح هذه المقدمات بيان أصول الملة، وما يلزم القلوبَ اعتقادُه، والألسنةَ النطقُ به،،،»، كما أشار إليه الشيخ زروق في شرحه إذ قال: «ومقصود الشيخ في هذا الباب ذكر ما يجب نطقا واعتقادا على الجمع والتفكيك». ومرجئة الفقهاء يراد بهم من قال إن العمل لا يدخل في الإيمان، وإن كانوا يتفقون مع غيرهم على أن مرتكب الكبيرة مؤاخذ إلا أن يتوب أو يعفو الله عنه، وقال فريق منهم إن القول ليس ركنا في الإيمان، ويقال مرجئة الفقهاء في مقابلة غلاة المرجئة الذين لا ينفون دخول عمل الجوارح في الإيمان فحسب، بل يرون أنه لا يضر مع المعرفة معصية. والتريث قبل إطلاق الأوصاف على الناس واجب، لا بد من التأكد من موجب وصفهم بها، فإن مثل هذه الأوصاف لا تطلق بمجرد صدور كلمة من الشخص قد تكون زلة لسان، أو مما يحتمله قوله، ومن آداب النقد أن لا تتصيد الهنات ليعتمد عليها في تصنيف الناس، فإن الوَرِعَ يتمنى أن لا يضطر دينا إلى وصف أحد بما يقدح فيه، لا أن يتصيد هناته، كما نرى عند بعضهم، وإنما يسوغ وصف الشخص من العلماء بشيء من ذلك إذا صار ما وصف به له منهجا وقاعدة، أما إن كان الأمر دون ذلك فالمطلوب هو التنبيه برفق على الخطإ ممن هو أهل لذلك.

стр. 123

(لا إله إلا الله) • قوله: ١ - «من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان أن الله إله واحد، لا إله غيره، ولا شبيه له ولا نظير له، ولا ولد له، ولا والد له، ولا صاحبة له، ولا شريك له». صدر عقيدته بمعنى كلمة التوحيد، وذكر بعد ذلك سبع جمل مما يجب أن يعتقد من المنفيات، وهو أحد الأقسام التي أوردها في هذه العقيدة، أعني القسم المستحيل على الله تعالى، ووجه تقديمه على غيره أنه لما افتتح كلامه بالتوحيد، وأعقبه بنفي الإلهية عن غير الله تعالى؛ ناسب أن يعطف على ذلك النفي بعض ما يمتنع في حقه سبحانه، والقسمان الآخران هما ما يجب له سبحانه، وما يجوز عليه ، والعقيدة لا بد فيها من هذه الأقسام، مع قيد الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات كما سيأتي، وهذه الأمور قد رتبت في هذه العقيدة إجمالا على النحو الآتي: ا - المستحيل على الله تعالى من أول الكلام إلى أن اختتمه بشطر من آية الكرسي، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ب - الواجب لله ، ويبتدئ من قوله «العالم الخبير المدبر القدير»، وينتهي عند قوله: «رب العباد ورب أعمالهم والمقدر لحركاتهم وآجالهم ". ج - الجائز في حقه تعالى، ويبتدئ من قوله: «الباعث الرسل إليهم لإقامة الحجة عليهم»، إلى نهاية العقيدة، وهذا التقسيم وإن كان فيه شيء، لكن إن اعتمد في هذه الأقسام على الدليل، بحيث لا ينفى عن الله تعالى ولا يثبت له إلا ما أثبته لنفسه أو أتبته له رسوله ﷺ ، وكذلك الحال في الجائز عليه.

стр. 124

وكلمة التوحيد مما يجب اعتقاده والنطق به، فلا يكفي أحدهما عن الآخر، وقد أكذب الله المنافقين إذ حكى قولهم ثم رده، فقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقين: ١]، وذلك لأن نطقهم مخالف لاعتقادهم. وبشهادة أن لا إله الله وأن محمدا رسول الله يدخل الكافر الإسلام، فتعصم بها الدماء والأموال والأعراض، كما ورد في قول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله » (١)، وإنما قيل حتى يشهدوا لأن الشهادة الإخبار بالشيء عن علم به واعتقاد لصحته وثبوته، قال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. وكلمة التوحيد شطران نفي وإثبات، لا بد منهما معا قولا واعتقادا وتطبيقا، وقد جمع الله تعالى بين الكفر بالطاغوت والإيمان به في مواضع كثيرة منها قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر: ١٧]، والطاغوت كل ما عبد من دون الله، وقد فسره عمر ﵁ بالشيطان، قال ابن كثير: «ومعنى قوله في الطاغوت إنه الشيطان قوي جدا، فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية، من عبادة الأوثان، والتحاكم إليها، والاستنصار بها»، انتهى، فالتوحيد ينافي التعديد، والضدان لا يجتمعان ولا يرتفعان، فإما كفر وإما إيمان. وعبادة الله وحده أول ما دعا النبيون إليه أقوامهم، فما منهم من أحد إلا وابتدأ بذلك، وقد حكى الله هذا عن كثير من أنبيائه، ومنهم نوح ﵇: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].

стр. 125

ولذا كانت كلمة التوحيد أفضل ما قاله النبيون، قال رسول الله ﷺ : «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيئون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له» (١). ومما ورد في فضلها أن «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (٢)، ومعنى الحديث أنه يدخل الجنة بفضل الله ولا بد، وإن لم يدخلها ابتداء، وذلك والله أعلم أن المرء إذا قال لا إله إلا الله في حال وفاته لا بد أن يقولها موقنا بها خالصا قلبه بها، لأن حالة الاحتضار يكون القلب فيها معلقا بالله سبحانه، قال المناوي ﵀: «لأنها شهادة شهد بها عند الموت، وقد ماتت شهواته، وذهلت نفسه لما حل به من هول الموت، وذهب حرصه ورغبته، وسكنت أخلاقه السيئة، وذل وانقاد لربه فاستوى ظاهره وباطنه فغفر له بهذه الشهادة لصدقه،،،»، انتهى، وحتى يعان المحتضر على هذا الخير، ويذكر به؛ قال النبي ﷺ : «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» (٣)، وإنما اقتصر عليها وحدها لأن الذي يلقن مسلم، فأمرنا أن نذكره بها ليموت عليها فيحصل له ذلك الفضل، بخلاف الكافر فلا يسلم إلا بالشهادة مع ذلك لسيدنا محمد ﷺ بالرسالة. فلما كانت أفضل ما يقال، وأصل كل ما يعتقد، ومباحث التوحيد كلها ترجع إليها، وهي الأصل الذي تتفرع عنه كل الأعمال الصالحة، وكانت النجاة منوطة بالعيش عليها، والموت عليها؛ يسر الله تعالى معانيها للناس، وجمعها في كلمة وجيزة، وهذا من رحمة الله بخلقه، ييسر لهم ما تشتد حاجتهم إليه في دنياهم أو في أخراهم، أو فيهما معا، فمن قال هذه الكلمة وفقه معناها، ولم يمت على ما يناقضها كان من أهل السعادة، ولهذه المعاني صدر بها المؤلف هذه العقيدة، قال عبد الواحد بن عاشر ﵀ مبينا جمع هذه الكلمة لمعاني التوحيد كلها:

стр. 126

وقول لا إله إلا الله … محمد أرسله الإله يجمع كل هذه المعاني … كانت لذا علامة الإيمان وهي أفضل وجوه الذِّكر … فاشغل بها العمر تفز بالذخر وقوله: «الله إله واحد» أي لا شريك له في الربوبية كالخلق والرزق والإحياء والإماتة، ولا في الألوهية، وهي كونه المعبود وحده سبحانه، ولا في الصفات ككونه يعلم الغيب، وهو سبحانه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله. وقوله: «لا إله غيره» توكيد للجملة الأولى، لكن الثانية أبلغ، لأنها تنفي الإلهية عن غير الله تعالى، ثم تثبتها له وحده، والأولى إثبات مجرد بمنطوقها، لكن لا مانع أن تتضمن النفي أيضا بالمفهوم، فلا يستقيم قول من قال «إن الجملة الأولى لا تشعر بنفي إله غيره»، بل هي مشعرة بذلك بالمفهوم، والجملتان مأخوذتان من قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. قال القرطبي في تفسيره عند هذه الآية: «لما حذر تعالى من كتمان الحق بين أن أول ما يجب إظهاره ولا يجوز كتمانه أمر التوحيد، ووصل ذلك بذكر البرهان، وعلم طريق النظر، وهو الفكر في عجائب الصنع، ليعلم أنه لا بد له من فاعل لا يشبهه شيء»، انتهى. ومن جنس هذا أن يوسف ﷺ حين طلب منه صاحبا السجن تعبير الرؤيا لم يعبرها حتى بين لهما عقيدة التوحيد الحقة، وأنه عليها، وأن ما هما عليه كفر وشرك، وأن تعبيره الرؤيا من فضل الله وهو مما علمه إياه، لأنه اتبع ملة آبائه من قبله، قال تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف: ٣٩ - ٤٠]. واسم الجلالة الأصل فيه الإله بالتعريف، فعال بمعنى مفعول أي مألوه، «مشتق من ألَه يألَه بفتح اللام فيهما إلاهة إذا عبد، وقيل من أله يألَه من باب فرح إذا تحير أو سكن أو

стр. 127

فزع أو ولع، وكل منهما يرجع إلى معنى هو ملزوم للخضوع والتعظيم» (١)، وعلاقته بالأول أظهر، ولفظ الألوهية مصدر صناعي كالربوبية، ولفظ الإلهية نسبة للإله، أما مصدر أله يأله فهو إلاهة بكسر الهمزة. قال الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسير سورة الفاتحة: «وأحسب أن اسمه تعالى تقرر في لغة العرب قبل دخول الإشراك فيهم، فكان أصل وضعه دالا على انفراده بالألوهية إذ لا إله غيره، فلذلك صار علما عليه، وليس ذلك من قبيل العلَمَ بالغلبة، بل من قبيل العلمَ بالانحصار مثل الشمس والقمر»، انتهى. فمعنى لا إله غيره لا معبود سواه، ولما كانت المعبودات في الواقع كثيرة تعين أن يقال لا معبود بحق غيره، أو لا إله حق غيره، إبعادا لمعنى هذه الكلمة الشريفة عن اللبس والغموض الذي قد يؤخذ مما لو قلنا إن المعنى لا إله موجود، إلا أن يكون غرض القائلخدمة الباطل بهذا التقدير، وتجريد هذه الكلمة مما دلت عليه والله أعلم. لكن قد يقال إن الإله في أصل وضعه هو المعبود بحق، والذين أطلقوه على غير الله حرفوا معناه، وما ورد في القرآن من تسمية ما كان العرب يعبدونه من دون الله بالآلهة فمجاراة لهم في تلك التسمية بحكاية أقوالهم ومزاعمهم، ثم الكر عليها بالإبطال في مواطن الحجاج، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠]، فإنه استفهام إنكاري، وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وهو عموم لا سيما وقد دخل على النكرة حرف الجر، وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، والجميع متفقون على أنه في هذه المواضع لا يقدر وصف محذوف. وقد قال إسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني المتوفى سنة (٥٣٥) قي كتابه (الحجة في بيان المحجة): «وقول القائل «لا إله إلا الله»، معناه لا معبود غير الله، وإلا بمعنى غير، لا بمعنى الاستثناء»، انتهى، والمقصود أن قول من قال: «المعنى لا إله موجود غير الله» متجه، لولا تلك الشبهة، فيقال إن تقدير ما لا شبهة معه أولى، وإنما ذكرت هذا لما رأيت

стр. 128

في قول بعضهم من التشنيع على من قال المعنى لا إله موجود من غير تفصيل. ولما كانت كلمة التوحيد مشتملة على لفظ الإله، وهو المعبود بحق تعين على المكلف أن يعرف ثلاثة أمور: معنى العبادة، حتى لا يصرف شيئا منها لغير الله، لأنه إن فعل فهو غير موحد، وما يلزم من كون الله تعالى هو المعبود لا غيره، وهو أمران توحيده في ربوبيته، وتوحيده في أسمائه وصفاته، وما ينبغي أن يتصف به من صفات الكمال، وينزه عنه من صفات النقص. • معنى العبادة: وما أعظم جهل كثير من الناس بمعنى العبادة، منهم من لم يفقهوا منها إلا الصور والأشكال، ولم يبقوا منها لله إلا ذلك، وصرفوا لغيره لبها وروحها، وإدراك المسلم معناها كفيل بتنفيره من أن يشرك بالله شيئا، فإن المسلمين جميعا متفقون على أن لا يعبد إلا الله، وإنما أُتي بعضهم من جهلهم بالمقصودَ من لفظ العبادة، لكن أي عذر للمرء أن يجهل معناها، وهي المهمة التي خلق لها، والحكمة التي وجد لأجلها؟، فينبغي أن يعتني العاملون في حقل الدعوة عناية خاصة بإيصال هذا المعنى إلى الناس، وأن لا يملوا من تكريره والتنبيه عليه. خذ مثلا، ترى بعض الناس يستغيثون بغير الله لظنهم أن ذلك جائز، وقد يعتمدون على من يجوز ذلك بضرب من التأول، فلو علموا أن الاستغاثة عبادة وبين لهم ذلك فقد يبتعدون عنها، فإنها إذا كان المقصود منها أن يطلب من المخلوق ما هو لائق به وفي إمكانه فهي مشروعة، بل هي من جملة الأسباب المشروعة لجلب النفع ودفع الضر، كأن يستعان بالحاضر القادر على دفع صائل، او إنقاذ من نازلة ونحو ذلك، وإن كان المقصود منها أن يطلب من المخلوق ما لا يليق به كأن يستغاث بالميت أو الغائب أو العاجز فهذا النوع خاص بالله تعالى، فمن استغاث بغيره فيه فقد أشرك شركا أكبر، فالاستغاثة المقيدة بما ذكر تجوز بالمخلوق، والخالق سبحانه يستغاث به في هذا وهذا، ويقال هذا في الاستعانة والاستنصار أيضا. قال ابن تيمية ﵀: «ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوز مطلق الاستغاثة بغير الله، ولا أنكر على من نفى مطلق

стр. 129

الاستغاثة عن غير الله، وكذلك الاستعانة أيضا، فيها ما لا يصلح إلا لله، وهي المشار إليها بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، فإنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله، وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه، وكذلك الاستنصار، قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢] والنصر المطلق هو خلق ما به يغلب العدو، ولا يقدر عليه إلا الله (١)، انتهى. لم يكلفنا الله تعالى بمعرفته المجردة، بل أمرنا بعبادته، وعبادته تعالى تتضمن معرفته، فهي تنطوي على العلم به والطاعة له معا، وكيف يذل المرء له ويحبه ويخضع له وهو لا يعرفه؟، وعبادته بهذا المعنى أعظم ما يتلذذ به المؤمن في دنياه، والنظر إليه تعالى أعظم ما يتلذذ به في أخراه، فيكتنفه نعيمان: نعيم كلف به، ونعيم جوزي به، ولذلك أثر عن ابن عباس ﵄ تفسير توحيد الله بعبادته، فمعنى اعبدوا الله وحدوا الله، فليس المطلوب عبادة الله فحسب، بل عبادته وحده، ولذلك كان أساس دعوات الرسل إفراد الله تعالى بالعبادة لا مجرد العبادة. أما المعرفة المجردة فإن مثال إبليس حاضر لا يجهله أحد، فإنه (عارف) بالله، لكنه استكبر، كما قال الله تعالى ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]، ومن العجيب أن يتواطأ بعض الناس على هذا الوصف عنوانا على رفعة المكانة في طاعة الله تعالى، فيقولون العارف بالله، ومع ذلك كثيرا ما يقول هذا العارف بحلوله تعالى في خلقه أو اتحاده بهم، أو يحوم حول هذا الأمر، إن المنزلة العظيمة عند الله تعالى تؤدي إلى مزيد الطاعة والخضوع والتواضع لله، وأعلم الخلق بالله هم الأكثر تقوى له، وقد قال رسول الله ﷺ : «إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» (٢)، ولذلك نفى الله تعالى عن الملائكة الكرام الاستكبار في أكثر من موضع في القرآن، يعني وهم من هم في علو المنزلة وعظم الخلق، وما أوكل الله إليهم من التصرف في شؤون خلقه؟، قال

стр. 130

تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠]، وهكذا قال تعالى عن المسيح ﵇ ردا لإفك النصارى باتخاذه إلها: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]. قال أبو عبيد القاسم بن سلام يردُّ على مذاهب المبتدعة الذين يقولون إن الإيمان مجرد المعرفة: «وهذه الأصناف يكسر قولهم ما وصفنا به باب الخروج من الإيمان بالذنوب، إلا الجهمية فإن الكاسر لقولهم قول أهل الملة وتكذيب القرآن إياهم حين قال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، فأخبر الله عنهم بالكفر إذ أنكروا بالألسنة، وقد كانت قلوبهم بها عارفة، ثم أخبر عن إبليس أنه كان من الكافرين، وقد كان عارفا بالله بقلبه ولسانه أيضا، في أشياء يطول ذكرها، كلها ترد قولهم أشد الرد، وتبطله أقبح الإبطال». وفي القاموس: «ومعنى العبادة في اللغة الطاعة مع الخضوع، ومنه طريق معبد إذا كان مذللا بكثرة الوطء، وقال في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: نطيع الطاعة التي يخضع معها»، فتفسير العبادة بالطاعة مع الخضوع أصوب من تفسيرها بمطلق الطاعة، فإنها قد تقتصر على الظاهر. وقال الراغب في مفرداته: «العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها، لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولهذا قال: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠]. وقال ابن كثير في تفسير سورة الفاتحة: «وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف»، وهذا يشمل كل ما شرعه الله ليعبد به، ولبعضهم: «إنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال الظاهرة والباطنة». وقال أيضا: «والعبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل، فالحب الخلي عن الذل؛

стр. 131

والذل الخلي عن الحب؛ لا يكون عبادة، وإنما العبادة ما يجمع الأمرين» (١). وقال ابن جرير الطبري في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، قال: لك اللهم نخشع ونذل ونستكين، إقرارا لك بالربوبية لا لغيرك، ثم قال: والعبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمي الطريق المذلل الذي قد وطئته الأقدام، وذللته السابلة معبدا». وقال الشيخ محمد رشيد رضا: «هي ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية، ناشئ عن استشعار القلب عظمة للمعبود لا يعرف منشأها، واعتقاده بسلطة له لا يدرك كنهها»، انتهى، لكن القول بعدم معرفة منشإ عظمة المعبود سبحانه، وعدم إدراك كنه سلطته فيه شيء، إن لم يكن التعبير بالسلطة فيه شيء أيضا. فأنت ترى أن للعبادة ركنين هما كمال المحبة، وكمال الخضوع، ولهذين الأمرين لوازم وتوابع، فمن حاز كمال المحبة أطاع الطاعة التامة، فعظم من أحبه، وتقرب إليه، ودعاه، واستغاث به ورجاه، وتوكل عليه، ورغب فيما عنده، ومن خضع له خافه، ففعل ما يرضيه واجتنب ما يغضبه. وعرف العبادة أهل الأصول تعريفا يميزها عما عداها فقالوا: «هي ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي»، فالحاصل أن مرد العبادة إلى الشرع لا دخل فيها لغيره من العرف او العقل قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١]. وقد اعتبر المتصوفة العبودية أعلى من العبادة، فإن ما كان من الطاعات عندهم لخوف من عقاب، أو لطمع في ثواب، فهو عبادة، وإن كان لمجرد التشرف بعبادة الله والانتساب إليه، فهو عبودية، وأعلاها أن يعبده لكونه إلها خالقا مستحقا للعبادة لا غير. وهذا لو كان اصطلاحا لما كان مقبولا، لأنه لا داعي إليه، فكيف وقد رتبوا عليه من الغلو ما سمعت؟، فإن أنبياء الله ورسله وملائكته يدعون ربهم رغبا ورهبا، وخوفا وطمعا، يرجون رحمته، ويخافون عذابه، وقد أمر الله عباده بالرغب إليه، والرهب منه، فقال:

стр. 132

﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقال: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١]، والتقوى تتضمن الخوف، وقال عن أنبيائه ورسله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، والنصوص في هذا المعنى كتابا وسنة لا تخفى على عوام المسلمين فضلا عن غيرهم أما تفضيل لفظ العبودية على العبادة، فإن كان بسبب التركيب؛ فلا ضير، لأن المعروف في العربية أن الأوصاف التي تلحقها ياء النسب؛ يقصد بها المبالغة في الوصفية، وذلك لأنها اجتمع فيها طريقان في التوصيف، وهي على كل حال من المصادر الصناعية، وما اختاره الله خير، وقد تقدم قول الراغب الذي يرى لفظ العبادة أقوى في المقصود. ومما يعين على الإدراك الجيد لمعنى العبادة أن تقرأ هذه الفقرة لبعض أهل العلم، قال: «إن الله تعالى إنما شرع الدين لأمرين أصليين: - أحدهما: تصفية الأرواح وتخليص العقول من شوائب الاعتقاد بالسلطة الغيبية للمخلوقات، وقدرتها على التصرف في الكائنات، لتسلم من الخضوع والعبودية لمن هم أمثالها، أو لما هو دونها في استعدادها وكماله. - وثانيهما: إصلاح القلوب بحسن القصد في جميع الأعمال، بإخلاص النية لله و (للناس؟)، فمتى حصل هذان الأمران انطلقت الفطرة من قيودها العائقة لها عن بلوغ كمالها، وهذان الأمران هما روح المراد من كلمة الإسلام، وأما العبادات فإنما شرعت لتربية هذا الروح الأمري في الروح الخلقي،،،»، انتهى، والتعبير بإخلاص النية للناس فيه شيء (١). والتذلل والحب من الأعمال القلبية التي هي أصل الدين وقوامه، أما العبادات الظاهرة على الجوارح كالسجود والركوع والطواف والإنفاق والأذكار ونحوها، فإن روحها هو الشعور بسلطان الله تعالى على الإنسان، وهو غيب وراء الأسباب العامة التي في مقدور الناس، كما أن لبها تلك المحبة والتذلل والخشوع والخضوع، فإذا فقد ذلك لم

стр. 133

تنفع العبادة صاحبها، لكنه أهون مما إذا صرف ذلك لغير الله فإنه الشرك به سبحانه. المقصود بالعبادات خدمة التوحيد في نفس العابد، وتذكيره به، وترسيخه في نفسه، ولهذا كانت النية شرطا في صحتها، نية العبادة الخاصة، ونية التقرب إلى الله، وهي النية العامة، على خلاف في اشتراطها، ثم وسع الشرع الأمر إلى سائر الأعمال غير المفتقرة في صحتها إلى النية، فجعل الثواب عليها متوقفا عليها، فيتأتى أن يكون المسلم عابدا لله بكل عمل مشروع يأتيه. وقد اتضح بهذا أن المرء إذا صرف هذا الشعور الذي هو أصل العبادة وروحها لغير الله تعالى فإنه لم يعبده، أو قل لم يوحده، ولو كان يصلي ويصوم ويفعل سائر الطاعات، وهذا كثير في الأمة، وهكذا لو صرف لغير الله شيئا من الأعمال الظاهرة التي لا تكون إلا له كالذبح والنذر والسجود والاستغاثة والاستعانة والإقسام بغيره، ومن الباطل أن يقال إن فلانا يصلي ويصوم ويحج، ويأتي من أعمال البر كذا وكذا، فكيف يقال إنه يفعل ما يناقض التوحيد؟، إنه لا بد مع فعل الطاعات أن لا يصرف شيئا من تلك الأعمال الباطنة لغير الله تعالى، ولهذا جاء في غير آية الأمر بعباده الله مقرونا بالنهي عن الإشراك به، ما تقول في شخص صرف تلك المعاني الباطنة لغير الله تعالى، ومنها اعتقاده أن فلانا ينفع أو يضر، وقد يقف عند ضريحه مرتجفا خائفا، لكنه يصلي صلاة خالية من هذا الشعور، ويحج ويعتمر وينفق، ألا يكون قد عبد غير الله تعالى بأعظم مما عبد به الله؟، ولا يقال في مثل هذا إنه قد أشرك بالله فحسب، فإن الإشراك بالله يتم بأقل من هذا بكثير، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]. • أقسام التوحيد: إفراد الله تعالى بالعبادة هو توحيد الألوهية، وهو أحد أقسام التوحيد الثلاثة التي أخذت بالاستقراء من الكتاب والسنة، وأخذ اثنان منها باللزوم لمعنى الإله كما تقدم، وثانيها توحيد الربوبية، وثالثها توحيد الأسماء والصفات.

стр. 134

والأول: هو الذي أنزل الله من أجله الكتب، وأرسل الرسل ليزيل الأعذار عن خلقه، وما من نبي إلا وجاء به قبل غيره، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وهو الذي خلق الله له الجن والإنس كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي يوحدون، وهذا التوحيد هو توحيد الله بفعل العبد الذي هو عبادته دون سواه، ويناقضه الشرك في الألوهية أو العبودية، بأن يعبد مع الله غيره أيا كان المعبود، نبيا من الأنبياء أو صالحا أو غير ذلك بأن يدعوه أو يستغيث به، وهذا الشرك كثير في الأمة. ولما كانت مشاغل الحياة تصد المرء عما خلق له جمع الله مع هذا الذي خلق الخلق له ضمانه الرزق لعباده فقال: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٧ - ٥٨]، كما جمع بينهما في سورة طه، وسورة النور، وسورة الجمعة. والثاني: توحيد الربوبية، وهو توحيد الله بفعله، أي اعتقاد كونه هو الرب، الخالق، الرازق، المحيي، المميت، الضار، النافع، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ويناقضه الشرك في الربوبية كأن يعتقد أن مع الله خالقا آخر، أو مدبرا غير الله للكون، أو من يحلل أو يحرم غيره سبحانه، ونحو ذلك مما هو خاص بالله. والثالث: توحيد الأسماء والصفات، وهو إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من غير تأويل، ولا تعطيل، ولا تمثيل، ولا تكييف، ويناقضه أن يوصف أحد من الخلق بما هو خاص بالله تعالى كعلم الغيب مثلا، أو يشبه الله تعالى بشيء من خلقه، ويخرمه بل يناقضه أن تؤول صفاته أو بعضها طلبا للتنزيه، وإن تفاوت الناس فيه. ولكون توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية كثر في القرآن الاحتجاج به على المشركين، ولا سيما في السور المكية، ومن أجمع الآيات في ذلك قوله تعالى ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ

стр. 135

لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ [النمل: ٥٩ - ٦٤] وفيه دليل على أن توحيد الربوبية لا يخرج المرء من دائرة الكفران، إلى دائرة الإيمان، الذي ينجي صاحبه من الخلود في النيران، فكيف إذا كان هذا التوحيد غير متكامل كما كان عليه العرب؟، فلا ينبغي أن يوصفوا بأنهم موحدون توحيد الربوبية، كما يردده كثير من الناس، بل بعض الدعاة، نعم كانوا يقرون بأن الله تعالى هو الخالق كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزخرف: ٨٧]، لكن مفردات توحيد الربوبية ليست الخلق وحده كما لا يخفى. وبهذا يتبين أن الذين شنعوا على من قسم التوحيد هذه الأقسام لم يصيبوا الحق، لأن الغرض منه رفع هذا اللبس الذي عليه كثير من الناس في زماننا وفيما قبله، فإن الناس مطبقون على أن الله هو الرب الخالق إلا من شذ، ومع ذلك فإن أكثرهم كافرون، لأنهم لم يوحدوه، فإذا ثبت هذا فيقال إن هذا الرب المعبود وحده ها هي ذي صفاته وأسماؤه، فلا شريك له فيها، وإن وقعت الشركة في الألفاظ، كما أنه لا شريك له في ربوبيته ولا في ألوهيته، والحق يقبل من أي كان موافقا كان أو مخالفا، ومن الحق الذي يقبل أن العقائذ لا ينبغي أن يكثر فيها الكلام. وقوله: «ولا شبيه له ولا نظير»، لعله رجع في هذا إلى قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وهي أجمع آية في النفي والإثبات، النفي المجمل، والإثبات المفصل، أولها رد على المشبهة، وآخرها رد على المؤولة، فإن التنزيه لا ينافى الإثبات. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، قال علي بن أبي طلحة

стр. 136

عن ابن عباس: هل تعلم له مثلا، أو شبيها؟، وهو مروي عن غير واحد من أئمة التفسير، وقد جاء في صيغة الاستفهام الإنكاري الذي معناه النفي، وذلك بعد إثبات ربوبيته، وألوهيته، قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥]، أي هل تعلم له شبيها في ألوهيته، وربوبيته، وقيل المعنى هل تعلم من تسمى باسمه كقوله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧]، وليس هناك من تَسَمَّى الله، فلا يستحق غيره ما يستحقه سبحانه، ومثلهما في الجمع بين الإثبات والنفي سورة الإخلاص، فإن آخرها قوله تعالى ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤]، فإنه جاء بعد وصفه سبحانه بالأحدية والصمدية، ونفي الوالد والولد عنه، فهذه الآيات الثلاثة تضمنت تنزيه الله تعالى عن أن يشبهه شيء من خلقه بإجمال، وفيها وصفه بصفات الكمال، والأولى من سورة مريم فيها إشارة إلى ذلك التقسيم الذي شنع به بعضهم، فقد ذكرت فيها ربوبية الله تعالى والأمر بعبادته وإنكار أن يكون له شبيها. والشبيه والنظير والمثيل أوصاف متقاربة، يقال هذا شبهه بكسر الشين وسكون الباء وشبيهه، قال في مختصر الصحاح: «ونظير الشيء مثله»، وللسيوطي كلام نقله عنه الشيخ علي الصعيدي العدوي في حاشيته ذكر فيه الفرق بين الثلاثة، خلاصته أن المثيل هو المساوي من كل وجه، والشبيه المشارك في أكثر الوجوه، والنظير المشارك في بعضها، وعلى هذا فنفي كل من الشبيه والنظير يستلزم نفي ما فوقهما، وهو المثيل، دون العكس، ولو صح هذا في اللغة فلا يجوز الاحتجاج به ليقال إنما نفت آية الشورى المثل، فلا يلزم منه نفي غيرهما، وذلك لاشتراك بعض أوصاف المخلوقات مع الخالق في اللفظ، إذ يقال فلان حكيم، وخبير، وكريم، ورحيم، فكيف إذا دلت على نفي مثل المثل كما قيل؟. وقوله: «ولا ولد له، ولا والد، ولا صاحبة، ولا شريك»، هذا كله ورد في كتاب الله، للرد على من زعم من اليهود والنصارى ومشركي العرب أن لله ولدا، فإن العرب يقولون الملائكة بنات الله، والنصارى يقولون المسيح بن الله، واليهود يقولون عزير بن الله، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦]، وقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ

стр. 137

لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠٠ - ١٠١]، إذ لو كان له ولد لكان له صاحبة، فإن الولد لا يكون إلا كذلك، ولو كانت له صاحبة لما كان خالقا، لكنه هو الخالق سبحانه وهم يعترفون بهذا، وحيث إنه ليست له صاحبة فما وجه أن يجعل واحد من خلقه ولدا له دون غيره؟، فعاد الأمر إلى أن الجميع خلقه، وقال تعالى حكاية عن الجن: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾ [الجن: ٣]، أي؛ تعالى جلاله وعظمته وأمره، فكيف يتخذ الصاحبة والولد؟. وقوله: «ولا شريك له»، مرجع مادة الشرك إلى الخلط والضم، ويشمل الحسيات والمعنويات، واجتماع الشركاء في شيء لا يعني تساوي أنصبائهم منه، فيثبت اسم الشريك بالنصيب ولو كان ضئيلا، والمراد من نفي الشريك عن الله تعالى نفي الشريك له في ربوبيته وألوهيته وصفاته، وقد تقدم، كما أن المراد من نفي الشبيه نفيه عنه في ذاته وصفاته وأفعاله. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٢ - ٢٣]، ففي هذه الآية نفي لأنواع من الشرك المقتضية نفي استحقاق غير الله أن يدعى أو يعبد، وهي مرتبة ترتيبا تنازليا كما يقول المعاصرون: - ففيها نفي ملك غير الله شيئا من السموات والأرض استقلالا. - ونفي مشاركة غيره له سبحانه في شيء منهما شياعا. - ونفي وجود معين له سبحانه في شيء من شؤون خلقه. - ونفي وجود من يتقدم بين يديه يُدلي بجاهه لتخليص أحد بشفاعته. وقد بين الشيخ مبارك الميلي ﵀ أن هذه الآية جعلت أقسام الشرك أربعة، وهي على الترتيب شرك الاحتياز، وشرك الشياع، وشرك الإعانة، وشرك الشفاعة (١)، لكن من المعلوم أن الشرك لا ينحصر في هذه الأقسام، وإنما نفيت هذه الأنواع منه وأبطلت للاحتجاج على توحيد الألوهية كما علمت، وهو يقصد بشرك الشفاعة الشفاعة التي لا يأذن بها الله كما هو معتاد الناس في

стр. 138

الدنيا، وهي التي نفاها كتاب الله مطلقا، أو نفاها إلا بإذن الله. وقال ابن تيمية عن هذه الآية: «فهذه الأربعة هي التي يمكن أن يكون لهم بها تعلق، الأول: ملك شيء ولو قل، الثاني شركهم في شيء من الملك، فلا ملك وشركة ولا معاونة يصير بها ندا، فإذا انتفت الثلاثة بقيت الشفاعة فعلقها بالمشيئة» (١)، انتهى. واعلم أن نفي هذه الأمور السبعة التي ذكرها المؤلف عن الله تعالى يتضمن نسبة كمال ضد كل منها له ، وهكذا كل ما ينفى عنه سبحانه، فإن نفي الشبيه عنه والنظير؛ يعني تفرده بصفات الكمال، ونفي الشريك؛ يعني كمال قيوميته على خلقه وكمال قدرته، فلا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، ونفي الوالد والولد والصاحبة؛ يعني أن وجوده تعالى لذاته، غير متوقف على غيره، وأنه غير محتاج إلى سواه من الولد والصاحبة لتكميله كما هو شأن خلقه، فإن الزوجية شأن المخلوقات، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾ [الذاريات: ٤٩]، أما الله سبحانه فوتر يحب الوتر. والنفي الصرف لا مدح فيه، ولذلك كان من طريقة أهل الحق اتباعا منهم للكتاب والسنة النفي المجمل، والإثبات المفصل، عكس طريقة أهل الكلام المغرقين في النفي، كقولهم إن الله تعالى ليس بجسم، ولا عرض، ولا شبح، ولا صورة، ولا لحم، ولا دم، ولا جوهر … الخ، فهؤلا المغرقون في النفي يعبدون عدما، ويقابلهم المشبهون الذين يعبدون صنما. قال ابن أبي العز ﵀: «وهذا النفي مع أنه لا مدح فيه، فيه إساءة أدب، فإنك لو قلت للسلطان: أنت لست بزبال ولا كساح ولا حجام ولا حائك لأدبك على هذا الوصف وإن كنت صادقا، وإنما تكون مادحا إذا أجملت، فقلت: أنت لست مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجل، فإذا أجملت في النفي أجملت في الأدب» (٢)، انتهى.

стр. 139

(الله هو الأول والآخر) • قوله: ٢ - «ليس لأوليته ابتداء، ولا لآخريته انقضاء» هاتان الجملتان منتزعتان من قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣]، وفيها إثبات أربعة أسماء لله تعالى، فاسمه الأول يدل على القدم والأزلية، والآخر يدل على البقاء والأبدية، والظاهر على العلو والعظمة، والباطن على القرب والمكانة، قاله الشيخ هراس في شرحه للواسطية. وجاء في شرح معنى هذه الأسماء (١) قول النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه: «اللهم رب السموات السبع ورب الأرض، رب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين وأغنني من الفقر». ومعنى كلام المصنف أن الله تعالى لم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، والمخلوقات كلها وجدت بعد أن لم تكن بإيجاد الله تعالى إياها، ثم تفنى، فلها بداية ونهاية، ولا اعتراض على هذا بدوام الجنة والنار وأهلهما، لأن بقاء الله تعالى لازم لذاته، وبقاء غيره بمشيئته سبحانه وإرادته، والجنة والنار من عالم الغيب، وهما مخلوقتان. قال الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله: وقول ابن أبي زيد: «ليس لأوليته ابتداء،

стр. 140

ولا لآخريته انقضاء» أولى من قول الطحاوي: «قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء»، لتعبيره بما يطابق اسمي الله الأول والآخر»، انتهى. قلت: القديم عند العرب هو المتقدم على غيره، ولا يدل على أنه غير مسبوق بعدم، كما قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ [يس: ٣٩]، والعرجون أصل العنقود من الرطب، إذا يبس وانحنى، والقديم البالي، وعبر به لأن القدم في المخلوقات كالملازم للبلى. ولم يرد القديم في جملة أسماء الله تعالى، فلا ينبغي إطلاقه عليه ، لكن قد يذكر هذا الوصف بأن يقال عن بعض صفاته إنها قديمة من باب الإخبار، يقولون علم الله القديم، أو الإرادة صفة قديمة، فباب الإخبار لا يراد به أن هذا اسم لله تعالى مع ذلك فالتحفظ هنا خير، والله أعلم (١). وقال ابن أبي العز في شرح قول الطحاوي السابق: «والعلم بثبوت هذين الوصفين مستقر في الفطر، فإن الموجودات لا بد أن تنتهي إلى واجب الوجود لذاته قطعا للتسلسل، فإنا نشاهد حدوث الحيوان والنبات والمعادن وحوادث الجو كالسحاب والمطر وغير ذلك، وهذه الحوادث وغيرها ليست ممتنعة، فإن الممتنع لا يوجد، ولا واجبة الوجود بنفسها، فإن واجب الوجود بنفسه لا يقبل العدم، وهذه كانت معدومة ثم وجدت، فعدمها ينفي وجوبها، ووجودها ينفي امتناعها، وما كان قابلا للوجود والعدم لم يكن وجوده بنفسه، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور: ٣٥]،،،». وقال رسول الله ﷺ : «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: «من خلق كذا؟، من خلق كذا؟، من خلق كذا؟، حتى يقول: «من خلق ربك»؟، فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته» (٢)، وقال رسول الله ﷺ : «إن أحدكم يأتيه الشيطان فيقول: «من خلقك»؟، فيقول: «الله»، فيقول:

стр. 141

«فمن خلق الله»؟، فإذا وجد ذلك أحدكم فليقرأ: «آمنت بالله ورسله» (١)، فليكن هذا مما يستعين به المؤمن على دفع الوساوس التي قد تنشأ عن اعتقاده أن الباري لم يزل متصفا بصفات الكمال من الخلق والرزق والإحياء والإماتة وغيرها، فيُعصم بذلك أن يهيم في متاهات الرأي ومجاهيل الفكر التي قد تسوق إلى القول بحوادث لا أول لها لكون ذلك من لوازم ما سبق، والله أعلم.

стр. 142

(استحالة إدراك كنه ذات الله تعالى وصفاته) • قوله: ٣ - «لا يبلغ كنه صفته الواصفون، ولا يحيط بأمره المتفكرون، يعتبر المتفكرون بآياته، ولا يتفكرون في ماهية ذاته» كنه الشيء في اللغة هو قدره، وغايته، ووجهه، ووقته، كذا في لسان العرب، والصالح من هذه المعاني لتفسير كلام المؤلف ما عدا الأخير، فلا يعرف قدر صفات مولانا وغايتها ووجهها أحد، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢]، أي إليه تنتهي الأمور، وإليه تصير الأشياء بالبعث والنشور، وإلى الله المنتهى في كل حال، فإليه ينتهي العلم، والحكم، وسائر الكمالات. أما تفسير الكنه بالحقيقة، والقول بأن معنى كلام المؤلف هو «لا يبلغ حقيقة صفته الواصفون» كما هو في شرح أبي الحسن، فالظاهر أن إطلاق الكنه على الحقيقة اصطلاح حادث، وإذا كان كذلك فلا يلتفت إليه، ولو افترضنا وجود هذا المعنى في الكنه لغة لكان اللائق تفسيره بغيره مما سبق، وإن قال ابن ناجي ﵀ نقلا عن غيره: «ويفهم من كلام المصنف أن مذهبه نفي العلم بالحقيقة»، انتهى، بل مذهب المصنف هو مذهب السلف، وهو نفي العلم بالكيف، وإذا جاء عن السلف التفويض فمعناه التفويض في الكيف، وإلا لزم منه جهل أعظم ما في القرآن وهو صفات الباري سبحانه ومن ثم الجهل به والعلم به أعظم العلوم.

стр. 143

نعم إن النزاع في المسألة طويل معقد، بلغ بالمعارضين للقول بالحقيقة إلى نسبة من يقول بها إلى التشبيه، وهم والله برآء منه، وزعموا أن مذهب السلف كان التفويض في الحقيقة، وذلك لأن الفرق دقيق بين إثبات حقائق الكلام كما هي في العربية التي هي لغة القرآن، وبين تنزيل تلك الحقائق على من هي له، فهذا التنزيل هو الذي يختلف، فأنت تكيف في شأن المخلوق الذي تعرفه، وتفوض في شأن خالقك، وقد سبق أن ذكرت أمثلة لبعض الأمور التي ينتفع الناس بها مع أنهم لا يعرفون لها كيفية، فما لهم ينكرون الإقرار بالمعنى في اللغة مع جهل الكيف؟، ولهذا فأهل الحق لا يدفعهم جهل الكيف لا إلى التأويل والقول بالمجاز، ولا إلى التفويض، ومن كان أسير عالم الشهادة قاس عليه عالم الغيب فتخبط. وقد أخبر الله تعالى عن حور الجنة، وخيامها، وأنهارها، وظلالها، وغرفها، وطعامها، وفاكهتها، وغير ذلك، ومع هذا قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وفي الصحيح عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ذخرا، بله ما اطلعتم عليه» (١)، يعني دع ما عرفتموه، واطلعتم عليه من النعيم الذي في الجنة، مما ذكره الله تعالى لكم، وإنما الذي اطلعنا عليه وعرفناه أسماء الأشياء الدالة على حقائقها، لكن ليس بالضرورة أن تكون كما هي عندنا في الدنيا، والمقصود أنه تعالى نفى علمنا بما لم يذكره لنا، وأثبت اطلاعنا على ما ذكره لنا، فهذا تنظير للمسألة مع ما سبق أرجو أن يتضح به المقام. وإذا كانت صفات مولانا لا تعلم كيفيتها؛ فالذات المقدسة أولى أن لا يدرك كنهها، فكما أنك تثبت ذات مولانا ، مع أنك لا تعلم كنهها، فكذلك صفاته سبحانه تثبتُها كما جاءت وإن كنت لا تعلم كنهها، وإذا كان الواصفون لا يدركون كيفية صفته؛ فليس لهم أن

стр. 144

يصفوه إلا بما وصف به نفسه، أو رسوله، وعليهم أن لا يجحدوا أو يؤولوا شيئا، بل عليهم أن يمروه كما جاء. وقوله: «ولا يحيط بأمره المتفكرون»، الإحاطة هي العلم، وقيل ما تعلق منها بالمحسوسات فهو علم وإحاطة، وما تعلق بغير المحسوسات فهو علم لا إحاطة، ويرده قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [آخر فصلت]، وقوله تعالى ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. والمراد بالأمر في قوله ولا يحيط بأمره المتفكرون أعم من الكوني أو الشرعي، فإن كلا منهما منطو على الحكم، والمصالح التي قد يعرف الناس شيئا منها، وكثيرا ما يجهلونها، فأما الأمر الكوني فلا يعلم الناس منه إلا ما أخبرهم الله به بواسطة رسله عليهم الصلاة والسلام، كما يعلمون منه ما يقع مما يمكنهم الاطلاع عليه، فيتعين عليهم التصديق به، ولا يصح أن يتوقف إيمانهم به على قياسه بعقولهم، وضرب الأمثال له، ولم يرد المؤلف بالأمر الذي لا يحاط به ما يدركه الناس بعقولهم وتجاربهم، فإن هذا مرغوب فيه، مرتبط بالتسخير الذي امتن الله به على عباده، وأما الأمر الشرعي فيجب عليهم معرفته بحسب ما كان منه فرض عين، أو فرض كفاية، فيعرفون الأوامر والنواهي بأشخاصها، لا بحكمها ومصالحها، فإن المعرفة الأولى لا بد منها في الامتثال بخلاف الثانية فإن من علم شيئا منها فهو أمر مرغوب من غير لزوم، لكن معرفة الحكمة يزداد بها الاطمئنان ويقوى، ويرسخ بها اليقين، والله تعالى لا يفعل شيئا إلا لحكمة، ولا يشرع فعلا أو يمنع شيئا إلا لحكمة كذلك، لكن تتبع المصالح والمفاسد عسير، ولذلك كانت الأوامر علامة على المصالح، والنواهي علامة على المفاسد، فإذا كانت الأوامر فوق الطاقة جاءت الرخصة، وإذا حصلت الضرورة أباح الله المحظور، فخير للناس أن ينصرفوا إلى الامتثال، وأن يقوموا مقام التسليم. قوله: «يعتبر المتفكرون بآياته»، الاعتبار العبور من الحالة الحاضرة إلى الغائبة، وهو الاتعاظ أيضا، والآيات كونية وشرعية، وكل منهما دال على الله تعالى، وقد أمر الله

стр. 145

سبحانه بالنظر في الأولى وبتدبر الثانية، والمراد أن الناظر في الآيات الكونية يتوصل بالتأمل فيها إلى معرفة بارئها وخالقها، لكن من اهتدى بهذا وحده قليل كما ترى ذلك في الكفار، فإن علماءهم مع توغلهم في معرفة أسرار المخلوقات لم يهتد منهم بذلك إلا القليل، هم مستغرقون في الصنعة غافلون عن الصانع، فبداية الهداية ترجع إلى ما أنزل الله من الكتب، وما أرسل من الرسل، والنظر برهان على ذلك، قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]، والناظر في الآيات المنزلة يعرف بتدبرها وتأملها صفات ربه وأفعاله، وأحكامه. قال أبو الحسن: «بآياته العقلية والشرعية، فالعقلية مخلوقاته، وهي العالم بأسره، وهو ما سوى الله، والشرعية آيات كتابه، وأدلة خطابه»، انتهى. قوله: «ولا يتفكرون في ماهية ذاته»، بينه وبين قوله: «لا يبلغ كنه صفته الواصفون»، مناسبة، فإنه لما نفى إمكان إدراك كنه صفاته سبحانه؛ قفى بنفي مشروعية التفكير في ماهية ذاته العلية، فإنه إذا امتنع إدراك كنه الصفه، فما فائدة التفكير في الذات الموصوفة بتلك الصفة؟، لا ريب أن ذلك أبعد أن يبلغ كنهه. وقد انتزع المؤلف ﵀ هذه الجملة والتي قبلها أو وافق قول النبي ﷺ : «تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله» (١)، وفي حديث آخر وهو أعم من السابق: «تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله» (٢)، وهما في صحيح الجامع الصغير للمحدث الألباني، وفيهما الأمر بالتفكر في مخلوقات الله عموما، وفي نعمه التي لا تحصى على عباده خصوصا، لأن التفكر فيها يتوصل به إلى الاستدلال على عظمة باريها وبديع صنعه وقدرته وحكمته، ويدعو إلى ذكره وشكره، كما أنه سبيل إلى اكتشاف أسرارها التي أذن الله بإطلاع عباده عليها، فإنه من جملة السبل لتسخير ما أذن الله في تسخيره منها، والانتفاع أكثر بها، وفي ذات الوقت ففي الحديث النهي عن إهدار طاقة الفكر فيما لا يرجع بطائل على الإنسان، وذلك
следующие страницы →