← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فَاكِهِينَ (٢٧)﴾ [الدخان: ٢٥): ٢٧]، وقال: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)﴾ [المزمل: ١١]، وكما تطلق النعمة على جلب المنافع والمصالح تطلق على دفع المضار والمفاسد، فإن كلا منهما فيه منفعة، ومن الثاني قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [إبراهيم: ٦]، وقال تعالى عن رسوله يونس ﷺ : ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩)﴾ [القلم: ٤٩]، ومن ذلك اعتبار أن من أصبح آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه بمثابة امتلاكه الدنيا بحذافيرها كما في الحديث الذي رواه الترمذي عن عبيد الله بن محصن الخطمي وحسنه. وقوله: «ويسر المؤمنين لليسرى»، من جملة الكلام على هداية التوفيق، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٥ - ٧]، ومعنى نيسره نسهل له ونوفقه، واليسرى ما لا مشقة فيه ضد العسرى، فكأنها صفة لمحذوف هو المكانة، أو الحالة، وقد فسرت بالجنة، وفسرت بالخير. وقوله: «وشرح صدورهم للذكرى»، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، يعني هل يستوي هو وغيره؟، وأراد المؤلف بذلك أن الله تعالى يوفق بفضله من علم منه الخير من عباده، وهو أعلم بهم إلى الأخذ بالأسباب الموصلة إلى الخير، فيشرح الله صدره للحق، ويؤهله للانتفاع بما يسمع من التذكير والمواعظ، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥]، وقال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١)﴾ [الأعلى: ١٠ - ١١]، وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠]، وقد قيل إن من ثواب الحسنة؛ الحسنة بعدها. وقد أورد ابن كثير في تفسير قوله تعالى من [سورة الأنعام: ١٢٥]: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، قول ابن عباس ﵄ أن المعنى: «يوسع قلبه للتوحيد،

стр. 72

والإيمان به»، ثم ذكر نصوصا مرسلة ومتصلة من رواية ابن أبي حاتم، وأبي جعفر بن جرير الطبري، وعبد الرزاق، منها ما رواه ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: «تلا رسول الله ﷺ هذه الآية، قالوا: يا رسول الله، ما هذا الشرح؟، قال: نور يقذف به في القلب، قالوا يا رسول الله هل لذلك من أمارة تعرف؟، قال: نعم، قالوا: وما هي؟، قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت»، ثم عقب على ما ذكره بقوله: «فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة، يشد بعضها بعضا». وقوله: «فآمنوا بالله: بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مخلصين، وبما أتتهم به رسله وكتبه عاملين»، هذا مرتب على ما قبله من الهداية بأنواعها، وفيه إشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون الكاملو الإيمان، وأن الإيمان يشمل هذه الأمور الثلاثة التي هي الاعتقاد والقول والعمل، وهو ما عليه أهل السنة والجماعة، ويوافق هذا قوله في الباب الأول من هذا الكتاب عاطفا على ما يجب اعتقاده: «وأن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح»، لكنه في الترجمة ذكر النطق والاعتقاد فحسب، وقال بعد ذلك: «من ذلك الإيمان بالقلب، والنطق باللسان»، فرأى بعضهم في كلامه تناقضا، أو إرجاء، والحق أن لا تناقض، فإنه في كل موضع من هذه المواضع الأربعة تحدث عن أمر. ففي المقدمة كان يتحدث عما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون الكاملو الإيمان، وبعده تحدث عن مضمون كتابه، وفيه باب خاص بالعقائد، وباقي أبواب الكتاب للأعمال، واعتبر ذلك كله واجبا من الدين، كما قال: «فإنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة مما تنطق به الألسنة، وتعتقده القلوب، وتعمله الجوارح». وفي ترجمة الباب الأول بين أنه سيذكر أمورا يتعين اعتقادها والنطق بها، وهذا شأن العقائد، فكلمة التوحيد لا إله إلا الله، يعتقد مضمونها وينطق بها، وهناك مايتعين اعتقاده فحسب، ككثير من المسائل التي ذكرها في هذا الباب من صفات الله تعالى، والإيمان بالقدر، وحوض النبي ﷺ . وفي الموضع الثالث بين مسمى الإيمان، وجعله شاملا للأمور الثلاثة، وفي قوله:

стр. 73

«وقد فرض الله سبحانه على القلب عملا من الاعتقادات، وعلى الجوارح الظاهرة عملا من الطاعات»، أدخل القول ضمن العمل لأن اللسان من الجوارح الظاهرة، ولكل مقام مقال. ولذلك فلا وجه لما قالوه: إن في كلامه تخالفا، أو أنه في موضعين فقط جرى على مذهب السلف، وكأنه في غيرهما جرى على غير منهجهم، ولا ما قيل في الجواب عنه: إنه في أول الباب كان بصدد بيان أصل الإيمان، وفي غيره كان يبين الإيمان الكامل، كما في الفواكه الدواني للشيخ أحمد بن غنيم النفراوي: (١/ ٣٠)، وكفاية الطالب الرباني للشيخ أبي الحسن، مع حاشية الشيخ علي الصعيدي العدوي: (١/ ٢٣)، ومن تدبر كلامه كله فهم مراده، ولم يحتج إلى الاعتذار عنه. ولا إشكال في ذكره العمل بما في الكتب كلها، فإن الإيمان يجب بجميع الرسل، ومن عمل بما جاء به نبينا محمد ﷺ فكأنما عمل بما جاءوا به، لأن من جملة ما أوحي إليهم ما أخذ عليهم من الميثاق بتصديق كل ماجاء به الرسل من بعدهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]، ومن كذّب واحدا منهم فكأنما كذّبهم جميعا، ولذلك أسند تكذيب الرسل لمن كذّب واحدا منهم، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ [الشعراء: ١٢٣]، وقال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠)﴾ [الشعراء: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبإ: ٤٥]. وقوله: «وتعلموا ما علمهم، ووقفوا عند ما حد لهم، واستغنوا بما أحل لهم عما حرم عليهم»، وهذا فيه زيادة إيضاح وتأكيد لما تقدم، فإن من عمل بما جاءت به الرسل والكتب؛ لا بد أن يقف عند ما حد له من الأحكام، فيفعل الواجبات والمندوبات، وينتفع بالمباحات، ويجتنب المحرمات والمكروهات، ويستغني بالحلال عن الحرام. وهذا دأب المؤمنين يعرفون دينهم، كل بحسب ما هو مطلوب منه، فإن من العلم ما هو فرض عين، وما هو فرض كفاية، وكل يأخذ ما هو مطلوب منه، والمؤمنون يقفون عند حدود الله لا يتعدونها، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]،

стр. 74

وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، وهم يجتنبون ما حرم الله عليهم، لأن لهم فيما أحل لهم غنية عنه، والحلال بين والحرام بين، ومن الدعاء المأثور: «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك» (١).

стр. 75

• قوله: ٢ - أما بعد: أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه، وحفظ ما أودعنا من شرائعه، فإنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة مما تنطق به الألسنة، وتعتقده القلوب، وتعمله الجوارح، وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن، من مؤكدها ونوافلها، ورغائبها، وشيء من الآداب منها، وجمل من أصول الفقه وفنونه، على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى وطريقته، مع ما سهل سبيل ما أشكل من ذلك من تفسير الراسخين، وبيان المتفقهين، لما رغبت فيه من تعليم ذلك للولدان، كما تعلمهم حروف القرآن، ليسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه ما ترجى لهم بركته، وتحمد لهم عاقبته، فأجبتك إلى ذلك لما رجوته لنفسي ولك من ثواب من علم دين الله أو دعا إليه. أما بعد، عبارة يؤتى بها للفصل بين مفتتح الكلام والغرض منه، وقد صح عن النبي ﷺ استعمالها كما في خطبة الحاجة والرسائل، وأصلها: مهما يكن من شيء بعد ما تقدم من البسملة والحمدلة مثلا، وسائر ما قيل قبلها، فإني أقول: أعاننا الله الخ، فأما نائبة عن أداة الشرط مهما، وبعد؛ قامت مقام المضاف إليه، وكل ذلك للاختصار، ولذلك يجاء بالفاء الرابطة بين الشرط والجواب في أول الكلام الذي يلي أما بعد، ولا تترك هذه الفاء في النثر إلا إذا حذف معها قول، كما أشار إليه ابن مالك في الخلاصة: أما كمهما يك من شيء وفا … لتلو تلوها وجوبا ألفا وحذف ذي الفا قل في نثر إذا … لم يك قول معها قد نبذا وقوله: «أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه»، من محاسن هذا التأليف، وهو أن

стр. 76

صاحبه دعا الله تعالى في مقدمته لنفسه وللسائل ولسائر المسلمين، وذلك دأب الأنبياء والمرسلين والصالحين، وقد كان الغالب على أحوال النبي ﷺ إذا دعا أن يبدأ بنفسه، كما رواه الطبراني عن أبي أيوب قال: «كان إذا دعا بدأ بنفسه»، وهو في جامع الترمذي من حديث أبي بن كعب: «كان إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه»، وفي سورة الفاتحة دعاء مفروض بصيغة الجمع، قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، وفي التشهد بعد التحيات: «السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»، وقال الله تعالى حكاية عن نبيه ورسوله إبراهيم ﷺ : ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١]، وقال تعالى عن نبيه ورسوله نوح ﷺ : ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾ [نوح: ٢٨]. والذي دعا به المؤلف لنفسه ولغيره هو أن يعينهم الله على رعاية ودائعه التي أودعهم إياها، أي حفظها، وقد قرن الله تعالى بين اختصاصه بالعبادة واختصاصه بالاستعانة، فقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، إذ لا حول ولا قوة إلا بالله. والودائع جمع وديعة، وهي ما وضع عند الشخص ليحفظه حتى يسترد منه، تقول أودعته كذا، واستودعته وديعة؛ إذا استحفظته إياها، قال الشاعر: وما المال والأهلون إلا وديعة … ولا بد يوما أن ترد الودائع والمراد هنا الجوارح السبعة وهي السمع والبصر واللسان واليدان والرجلان والبطن والفرج، وحفظها استعمالها وتسخيرها فيما هو مطلوب، كسماع القرآن، وتلاوته، ودروس العلم، والمواعظ، والذكر، وإعانة الناس باليد واللسان، والذهاب إلى الأماكن الفاضلة، والأسفار الواجبة والمستحبة والمباحة، ودفع الظلم، والأكل من الطيبات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم استعمالها في غير ما أذن الله فيه، من سماع الباطل كالغناء، والاغتياب، والنميمة، وشهادة الزور، والكذب، والنظر الحرام، والزنا، وأكل أموال الناس بالباطل، وذلك مقدمة للمحافظة على الشرائع التي شرعها الله لعباده، ولذلك عقبه بدعاء آخر وهو قوله: «وحفظ ما أودعنا من شرائعه»، أي جعله عندنا ودائع،

стр. 77

وبهذا يظهر انتظام كلامه وعدم التكرار فيه، وقد حاول بعضهم دفع التكرار فما أصاب. ولعل دعاءه بحفظ الجوارح منتزع من قوله ﷺ فيما رواه أحمد والترمذي واستغربه والحاكم عن ابن مسعود: «استحيوا من الله تعالى حق الحياء، من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» (١). والشرائع جمع شريعة، وهي في كلام العرب مشرعة الماء، أي مورد الشاربين، يشربون منها ويستقون، ولا تسمى كذلك حتى يكون ماؤها ظاهرا معينا عدا (بكسر العين)، أي لا ينقطع، فلا يحتاج إلى أن يسقى بالرشاء، فيتعنى في استخراجه، بل هي أيسر في السقي من البئر، وأدوم نفعا من ماء المطر، ومن هنا تتبين المناسبة التي بينها وبين المراد بها في الشرع، فإنها ما سن الله لعباده مما أمر به أو نهى عنه أو أباحه، أو أخبر به، ولا ريب أن مصالحهم العاجلة والآجلة فيه وحده، بما فيه من الاعتقاد الحق، والعدل، والإحسان، واليسر، ورفع الحرج، ودفع المفاسد، وجلب المصالح، واطمئنان النفوس. ويخص بعضهم الشريعة بالأحكام العملية، ويقابلها المسائل العلمية، فيقال العقيدة والشريعة، والشرعة مثل الشريعة، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية: ١٨]، وقال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨)]، قال ابن عباس ﵄: سبيلا وسنّة. قوله: «سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة»، الجملة هي الطائفة من المسائل، والمختصرة الموجزة، وهي القليلة اللفظ الكثيرة المعنى، ولا يقدر على الاختصار إلا من كان متقنا بارعا فيما يؤلف فيه، وكلام السلف كان كذلك، فهو قليل اللفظ كثير المعنى، رزقهم الله فيه البركة، وجعل له الأثر الحسن في النفوس، مع السداد وعدم التكلف، فكان فقهاؤهم كثيرين، وخطباؤهم قليلين، ثم قل الفقهاء وكثر الخطباء كما جاء في أثر ابن مسعود ﵁، وهو في الموطإ، وقد وصفت خطبة النبي ﷺ بأنها كلمات

стр. 78

قلائل طيبات كما في سنن أبي داود، وقد خصه الله تعالى بجوامع الكلم، ولهذا كان من علامة فقه الرجل تقصير الخطبة وتطويل الصلاة. والواجب هو أحد الأحكام الخمسة التكليفية التي لا تخرج أفعال المكلفين عنها، وهو في اللغة الساقط، وفي الاصطلاح ما في فعله الثواب وفي تركه العقاب، ويقابله الحرام فإنه ما في تركه امتثالا الثواب، وفي فعله العقاب، والمستحب مثل الواجب، غير أنه لا عقاب في تركه، والمكروه مثل الحرام غير أنه لا عقاب في فعله، والمباح ما ليس في فعله ولا في تركه العقاب بحسب الأصل، والمؤلف وإن لم يذكر الحرام والمكروه والمباح، فإن كتابه تضمنها، ويمكن أن يقال إن الواجب في قوله المراد به المحتم، وهو إما واجب الفعل، أو واجب الترك، والمكروه يندرج تحت المحرم لكونه مطلوب الترك، أما المستحب فقد ذكره، فكأن قوله من واجب أمور الديانة مع ما بعده تضمن الإشارة إلى الأحكام جميعها، والله أعلم. والأحكام الشرعية مما يتعين الاهتمام به والحرص على أن يكون قطب الرحا في كل عمل دعوي، فإن كل ما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى وأفعاله الجميلة وتدبيره الحكيم وما أخبر به عن صالحي عباده، وذكر سيرهم وأخبارهم، وما أعد لهم في جنته من النعيم، وذكر أعدائه وما أوعدهم به من العذاب الأليم وما نصب عليه آياته الكونية الدالة على كمال قدرته وعلمه ومشيئته العامة، كل ذلك مراد به أن تقام به الحجة على لزوم طاعته والإذعان لحكمه، ولهذا لا بد من بيان ما يعبد به ويطاع مما يقوي عظمته في النفس ويرسخها، ولهذا كان السلف يحذرون من الإخباريين والقصاص الذي لا يعرفون الأحكام. قوله: «مما تنطق به الألسنة وتعتقده القلوب وتعمله الجوارح وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن من مؤكدها ونوافلها ورغائبها، وشيء من الآداب منها وجمل من أصول الفقه وفنونه». هذا بيان للواجب في قوله «من واجب أمور الديانة»، إذ الواجب يكون اعتقادا ونطقا كالشهادتين، ويكون نطقا فقط كألفاظ الأذان والإقامة وكالأمر بالمعروف والنهي عن

стр. 79

المنكر، وتجتمع فيه الثلاثة كما في الصلاة والحج، وكذلك غير الواجب من السنن والمندوبات. والسنة الطريقة حسنة كانت أو سيئة، وفي اصطلاح المحدثين هي أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته وصفاته الخلقية والخلقية. وعند الفقهاء وأهل الأصول ما ليس بواجب، وهي متفاوتة في التوكيد عند الأولين، ومن ثمة كانت لهم فيها اصطلاحات: فأطلقها المالكية البغداديون على كل ما ليس بفرض، فالتقوا مع الشافعية وأهل الأصول، وغير البغداديين يفصلون، ولبعض تفصيلهم ما يدعمه من النصوص، فيقولون: سنة، وسنة مؤكدة، ونافلة، ورغيبة، وتطوع. قال الشيخ زروق ﵀: «وقد اضطرب أهل المذهب في ذلك، بما يفهم منه أن ذلك راجع إلى الاصطلاح، وهو لا يتقيد بغير قصد واضعه». فالسنة المؤكدة عندهم ما فعله النبي ﷺ وداوم عليه، واقترن به ما يدل على أنه ليس بفرض، كصلاة العيدين، والوتر، والاستسقاء، أو فهم منه المداومة عليه، وإن لم يداوم عليه بالفعل، لعدم وجود موجبه كصلاة الكسوف، فإنها لم تفعل إلا مرة واحدة عندهم، وقيل ما فعله وأظهره في جماعة وداوم عليه، ويسميها بعضهم سنة واجبة. والنافلة في اللغة الزيادة، وعندهم ما فعله النبي ﷺ ولم يحدد له ثوابا، ولم يأمر به، والرغيبة كل ما حض على فعله، ورغب فيه، بذكر ما فيه من الثواب، وتطلق على ما داوم عليه بصفة النفل، لا بصفة المسنون، يعنون بذلك أنه لم يفعله في جماعة، والمثال البارز عندهم للرغيبة صلاة الفجر، بل لا رغيبة عندهم غيرها. ومما يترادف عندهم في هذا الباب الفضيلة والمندوب والمستحب، فكلها مما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه. والتطوع عند الجمهور يرادف المستحب، وأراد به فريق من المالكية ما يختاره المرء من الأوراد المأثورة ونحوها، قال في مراقي السعود: فضيلة والندب والذي استحب … ترادفت ثم التطوع انتخب

стр. 80

رغيبة ما فيه رغب النبي … بذكر ما فيه من الأجر جبي أو دام فعله بوصف النفل … والنفل من تلك القيود أخل والأمر، بل أعلم بالثواب … فيه نبي الرشد والصواب وسنة ما أحمد قد واظبا … عليه والظهور فيه وجبا وبعضهم سمى الذي قد أكدا … منها بواجب فخذ ما قيدا وقد أشار المؤلف إلى بعض هذا التفصيل كما ترى، وجعله كله متصلا بالواجب، ومعنى اتصاله به إما لأنه يفعل بعده أو قبله كالرواتب، أو معه كبعض أفعال الصلاة والصوم والحج، أو لأنه ينزل عنه في درجة المطلوبية، والعناية بما يتصل بالواجب مما يسهل المحافظة على الواجب، الذي هو رأس المال، وقد قال عبد الواحد بن عاشر: ويحفظ المفروض رأس المال … والنفل ربحه به يوالي والنفل مما يجبر به الخلل الذي قد يكون في الفرائض في الآخرة من أي نوع كانت بأمر الله تعالى كما ورد بذلك الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة، وهذا من رحمة الله بعباده في الآخرة، وقد جاء أن الجزء من المائة الذي أنزله الله في الدنيا يضم إلى التسعة والتسعين في الآخرة، والتنفل من موجبات محبة الله تعالى لعبده كما جاء في الحديث القدسي الذي رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁: «وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» (١). وقوله: «وشيء من الآداب منها»، الآداب جمع أدب، وأصله الدعاء، ولذلك قيل في تعريفه: إنه ما يأدب الناسَ، أي يدعوهم إلى المحامد وينهاهم عن المقابح، ولما كان لا بد مع العلم من الأدب، بل لا بد من الأدب قبل العلم، أفرده المؤلف أحسن الله إليه بالذكر، وهو وإن كان من جملة ما يتعلم، بل إن ما يطلق عليه الأدب هو من جملة الأحكام الشرعية، إلا أنه يفرد بالذكر في كتب وأبواب كما هو صنيع البخاري في صحيحه، وفي

стр. 81

الأدب المفرد له، وفي سنن أبي داود وغيرها؛ لكونه ينصرف إلى ما له علاقة بين المرء وغيره غالبا، وإن كان الشيخ زروق قال عنه: «وإن كانت (يريد السنن) منوطة بالفوائد كالأكل والشرب واللباس والسفر ونحوه فهي الآداب»، فإن هذا بحسب الغالب. والمرء قد يحوز العلم ولا يكون متأدبا، ولذلك ينبغي أن يسبق، وقد ابتدأ النبي ﷺ به، ثم عطف عليه العلم، فلنبدأ بما بدأ به إذ قال: «ثلاثة لهم أجران، إلى أن قال: «ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها» (١)، وفي رواية لمسلم: غذاها فأحسن غذاءها، وحيث لم يذكر التعليم، فقد دخل في الأدب، لأنهما يشملهما التعليم، فجمع في هذا الحديث بين ما يصح به الجسم، وهو الغذاء، وما يسلم به العقل، وهو العلم، وما يصلح به السلوك وهو الأدب، وقدم الغذاء لأنه سابق، فلم نترك هذا ونقول الحكمة اليونانية: العقل السليم في الجسم السليم؟. وقد كان الناس يطلقون على المعلمين المؤدبين والمربين، قال مالك ﵁: «كانت أمي تعممني، وتقول لي: اذهب إلى ربيعة، فتعلم من أدبه قبل علمه»، وقد قيل: كان يجتمع في مجلس الإمام أحمد بن حنبل خمسة آلاف أو يزيدون، نحو خمسمائة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت: والعلم إن لم تكتنفه شمائل … تعليه كان مطية الإخفاق لا تحسبن العلم ينفع وحده … ما لم يتوج ربه بخلاق والمتأدب يدعو الناس بأدبه إلى ما هو عليه من أقوال وأفعال، فهو ركن أساس في الدعوة، وإذا افترضنا أن الناس لم يتابعوا الداعي على ما هو عليه، فإنهم في الغالب لا يتعرضون له مواجهة. وقوله: «وجمل من أصول الفقه وفنونه»، الأصول؛ جمع أصل، وهو ما يُبنى عليه غيره، حسا أو معنى كالأساس بالنسبة للجدار، وأسفل الشجرة بالنسبة لأعلاها، وقروع الفقه بالنسبة لأصوله.

стр. 82

والفقه الفهم، يقال فقه بالكسر يفقَه بالفتح إذا فهم، وفقه بالضم إذا صار الفقه له سجية. وفي الاصطلاح معرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، فهو أخص من العلم. وأصول الفقه يراد به عند أهله القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، والمؤلف لا يريد به هذا المعنى، فإنه لم يتعرض له، بل أراد إما أمهات المسائل التي ذكرها، وهي غالب ما في كتابه، وهي أصول بالنسبة إلى ما يتفرع عنها، وعلى هذا تكون الفنون التي هي جمع فن مرادا بها الفروع، وقيل أراد بأصول الفقه الأدلة من الكتاب والسنة، وبالفنون ما يؤخذ منها، وكل ذلك محتمل، والأول أولى. وقوله: «على مذهب الإمام مالك بن أنس -رحمه الله تعالى- وطريقته»، يعني أن هذا الذي طلب منه بيانه من واجب أمور الديانة إلى آخر المطلوبات؛ مقيد بكونه على مذهب مالك وطريقته، ولم يفرق المؤلف كما ترى فيما نسبه لمالك بين ما تعتقده القلوب، وتنطق به الألسنة، وتعمل به الجوارح، والمقصود أن مالكا ﵁ كان على عقيدة السلف كما سيأتي إن شاء الله. والمذهب مصدر ميمي يطلق على الزمان والمكان والحدث، ويتعين واحد منها بالقرينة، والمراد هنا ما ذهب إليه مالك من الأحكام الشرعية سواء اعتمدت وأخذ بها أم لا، وإن كان المصنف قد يختار قولا من قولين أو أقوال غالبا، ويخصه بعضهم بما يذهب إليه العالم من المسائل الاجتهادية، والحق أن الاجتهاد كما يكون في غيبة النص أو غيره من الأدلة يكون في فهمها، وما أكثر ما يعتمد أهل العلم على الدليل الواحد ثم يختلفون في فهمه بانفراده أو بمعية غيره. أما الطريقة فالمراد بها القول بالشيء بناء على الأصول والقواعد التي بنى عليها مالك مذهبه، فيقاس المجهول حكمه من الأشياء على المعلوم منها، كسد الذرائع، وعمل أهل المدينة، والأخذ بالمرسل من الأخبار، وقاعدة الثلث، وعدم التحديد، ومراعاة المقاصد والنيات والعرف، ونحو ذلك مما هو منسوب لمالك القول به، وغالبه غير

стр. 83

منصوص عليه منه، وقد مارس ذلك ابن أبي زيد نفسه، قال في الجامع: «ومنه شيء يحضرني، أستنبطه على معنى أصولهم واحتجاجهم». وقيل المذهب ما أفتى به الناس، والطريقة ما أخذ به في نفسه، ومثاله سجوده في سورة العلق، مع عدم الإفتاء به، وعدم رفعه يديه في الدعاء، وغير ذلك. وصاحب المذهب هو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي ﵁، ولد سنة (٩٣)، وتوفي سنة (١٧٩)، عاش في المدينة المنورة، من الذين أخذ عنهم محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري، وأيوب السختياني، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحي بن سعيد، وموسى ابن عقبة، ونافع بن أبي نعيم القارئ، كان متحريا في الرواية، متمسكا بالسنة، شديدا على أهل البدعة، أهم ما خلفه موطأه الذي مارسه تدريسا أزيد من أربعين سنة، وكتب أخذت عنه من أبرزها المدونة التي رواها عنه عبد الرحمن بن القاسم، ثم اشتهرت نسبتها لسحنون رحمهما الله، ورسالته إلى ابن وهب في القدر، ورسالته إلى هارون الرشيد في الآداب والمواعظ، ومن الأصول التي اختص بها تقديم عمل أهل المدينة على أخبار الآحاد، في تفصيل لا يذكر هنا، والتوسع في سد الذرائع والأخذ بالمصالح. وقوله: «مع ما سهل سبيل ما أشكل من تفسيرالراسخين، وبيان المتفقهين»، أراد به أن كتابه لا يقتصر على أقوال الإمام والقياس على أصوله فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تفسيرها وشرحها، وأنه يستعين على إزالة ما قد يكون فيها من إشكال بما قاله من تقدمه من أهل العلم، وهم نوعان: الراسخون، وهم الثابتون في العلم من العلماء المجتهدين، وقد قيل إنه أراد الصحابة الذين فهموا معنى القرآن والحديث، ولا يظهر لي ذلك فإنه لم يذكر أقوالهم، ولا يصح أن يكون في أقوالهم ما يزيل الإشكال مما في مذهب مالك وطريقته، وإنما أراد أن يبين أن العلماء الذين اعتمد أقوالهم ليسوا في منزلة واحدة، فإن المتفقهين دون الراسخين، والمراد بالجميع الفقهاء ممن اتبعوا مالكا كعبد الرحمن بن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وابن الماجشون، ومطرف، وابن حبيب، وسحنون، وغيرهم، على أنه هو نفسه قد تولى توجيه كلام العلماء الذين تقدموه، فقد قال في كتاب

стр. 84

الجامع: «وما كان فيه يريد كذا، أو بغير كذا، فهو تنبيه وتفسير على ما فهمت وعلمت من معنى ذلك في قولهم ومذهبهم». والمتفقه قد يكون فقيها وقد لا يكون، قال صاحب الصحاح: «وتفقه إذا تعاطى ذلك»، يعني الفقه، وقد سمى الخطيب البغدادي أحد كتبه الفقيه والمتفقه، ففرق بينها، وصيغة الفقيه أدل على الرسوخ في الفقه من صيغة المتفقه، فإن التفقه التفهم، وهو أعم من أن يكون صاحبه فقيها أو لا، فيمكن أن يكون هذا مراد المؤلف من ذكر الراسخين والمتفقهين، ولذلك كان المطلوب من المرء أن يتفقه، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وقال النبي: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (١)، ودعا النبي ﷺ لعبد الله بن عباس بقوله: «اللهم فقهه في الدين»، وفي رواية زيادة: وعلمه التأويل (٢). والإشكال معناه الالتباس، يقال أشكل الأمر إذا التبس، والتفسير بيان المراد من اللفظ، والبيان التعبير عن هذا المراد بعبارة جلية، وقد أسند التفسير إلى الراسخين، والبيان للمتفقهين، لكون الأول كما قالوا أشرف من الثاني، فأنزل كلا منهما منزلته. قوله: «لما رغبت فيه من تعليم ذلك للولدان كما تعلمهم حروف القرآن، ليسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه ما ترجى لهم بركته، وتحمد لهم عاقبته»، الولدان هم الصغار من الذكور والإناث، والمبادرة إلى تعليمهم أمر مطلوب مرغوب فيه لاعتبارات: أولاها: أن التعلم في الصغر أسهل على المرء، وأرسخ في النفس، ولذلك قال الحسن: «طلب الحديث في الصغر كالنقش في الحجر»، وقال نفطويه: أراني أنسى ما تعلمت في الكبر … ولست بناس ما تعلمت في الصغر وما العلم إلا بالتعلم في الصبا … وما الحلم إلا بالتحلم في الكبر

стр. 85

فلو فلق القلبَ المعلم في الصبا … لِأَلْفي فيه العلم كالنقش في الحجر ما العلم بعد الشيب إلا تعسف … إذا كل قلب المرء والسمع والبصر وما المرء إلا اثنان عقل ومنطق … فمن فاته هذا وهذا فقد دمر وثانيتها: أن النفس إذا سبق إليها الخير في الصغر، وارتاضت عليه؛ كان أيسر عليها أن تواظب عليه في الكبر، وأبعد لها عن الملل والضجر. والولد إذا بلغ سن التمييز صار أهلا لمجالسة العلماء وسؤالهم ومذاكرتهم والأخذ عنهم، والاعتداد بروايته متى اداها بالغا، وفي أصح كتب الإسلام بعد القرآن روايات حفظها أفراد وهم في سن الطفولة، استنبطت منها أحكام، ومن أمثلتها حديث محمود بن الربيع في المجة، وحديث ابن عباس في مبيته عند خالته ميمونة، وحديث عمر بن أبي سلمة، والنعمان بن بشير، وغيرهم. وقد اعتبر الشرع أعمال الصغار، وبين أنهم يجزون عليها كيفما كانت أعمارهم، حتى قال بعض أهل العلم إنهم مطالبون بالأعمال على وجه الاستحباب، وحتى اختلفوا في إمامة الصغير المميز هل تصح مطلقا أو في النفل دون الفرض؟، وقد ثبت ائتمام بعض الصحابة بعمرو بن سلمة وعمره سبع أو ثمان سنين، لأنه كان أكثرهم حفظا للقرآن، وإنما أخذه مما كان يسمع من الذين يفدون على رسول الله ﷺ . وقد قالت امرأة للنبي ﷺ عن طفل كانت تحمله ألهذا حج؟، قال: «نعم، ولك أجر» (١)، وقد كان النبي ﷺ يسلم على الصغار، ويقربهم، ويقبلهم، ويلاعبهم، وقد حمل أمامة بنت زينب بنته -رضي الله تعالى عنها- في الصلاة، كما في الموطأ والصحيحين من حديث أبي قتادة، وأخباره مع محمود بن الربيع، ومع أبي عمير، ومع سبطيه الحسن والحسين والربيع بنت معوذ بن عفراء وغيرهم ﵃ معروفة. وانظر إلى عمر بن الخطاب ﵁ كيف كان يحرص على أن يجلس عبد الله بن عباس مع كبار الصحابة وعمره يومئذ قد لا يبلغ السادسة عشرة، قال ابن عباس: فكأن

стр. 86

بعضهم وجد في نفسه فقال لم يدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟، فقال عمر: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾] النصر: ١]؟، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟، فقلت: لا، فقال: ما تقول؟، فقلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله، قال ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾] النصر: ١]، فذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ٣]، فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول» (١)، وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، حدثوني ما هي؟، فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، قال عبد الله: فاستحييت، فقالوا: «يا رسول الله أخبرنا بها»، فقال رسول الله ﷺ : «هي النخلة»، قال عبد الله: «فحدثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: «لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا، وكذا» (٢). وثالثتها: أن المعلم عليه أن يضع علمه حيث ينتفع به، وعليه أن يؤثر النفع الأكثر، والنفع يكون أكثر كلما كان المتعلم أصغر، فإن المرء إذا كبر ثقل عليه الفهم، وعسر عليه التحول عما ألف واعتاد إلا من رحم الله، وسيأتي قول المؤلف: «وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليه»، وقد قال رسول الله ﷺ في جملة السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله «وشاب نشا في طاعة الله» (٣). والمراد من تشبيه تعليمهم الفرائض وغيرها من الأحكام بتعليمهم القرآن؛ الحرص على هذا كالحرص على الآخر، أو العناية بالبيان والتوضيح بحيث لا يبقى لبس، والظاهر أن المصنف قد انتزع هذا التشبيه من قول جابر كما جاء في الصحيح عنه: «كان رسول الله

стр. 87

ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن» (١)، وقول ابن عباس وهو في الصحيح أيضا: «كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن» (٢)، فهذا مراد المؤلف من التشبيه، ولا داعي لتكلف غير ذلك. أما أن تعليمهم الأحكام أوكد من تحفيظهم القرآن كما قالوا؛ فنعم، فإن الواجب تعلمه عينا من القرآن إنما هو الفاتحة، والباقي من فروض الكفاية، على القول بعدم وجوب ما زاد على الفاتحة في الصلاة، وفيه نظر، فإن الظاهر من الحديث وجوب الزيادة ما لم يأت الإجماع على خلافه، والمراد بحروف القرآن كلماته أو آياته، ولا ينبغي الاشتغال بكلام من فسرها بالحروف الهجائية قائلا: «إن الولدان أول ما يعلمون الحروف ليتوصلوا إلى القرآن»، فإنها وإن كانت صالحة لإطلاقها عليها، فإنها غير مرادة هنا، إذ أن تعليم الحروف الهجائية لا يختص بكونها حروف القرآن، والحرف يطلق على القراءة، وقد قال النبي ﷺ : «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه» (٣)، ومما جمع الأمرين قوله ﷺ : «لا أقول ألم حرف، ولكن أقول ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (٤). وهذا يبين أن الناس في عهد المؤلف كانوا يهتمون بتحفيظ أولادهم القرآن الكريم، وذلك مما دأب المسلمون عليه منذ عهد الصحابة، فقد مكث عبد الله بن عمر ﵄ على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها، رواه مالك بلاغا في موطئه، وقد كانوا يتعلمون العلم والعمل جميعا. لكن من المطلوب أن يرفق الولي بالصبي بحيث لا يكلفه من العمل ما لا يطيقه، قال أشهب في سماعه من كتاب الجامع: «وسمعته يسأل عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن، قال: ما أرى هذا ينبغي، قال ابن رشد: «إنما قال هذا لا ينبغي؛ من أجل أن ذلك لا

стр. 88

يكون إلا مع التشديد عليه في التأديب والتعليم وهو صغير جدا، وترك الرفق به في ذلك». قلت: بل إن أخذ العلم على غير تدرج ومهل قد يؤدي إلى فساد المتعلم، وقد ورد في ذلك أثر بخصوص العجلة والتسرع في حفظ القرآن وهو أصل العلوم فكيف بغيره؟، فالمصلحة أن يؤخذ العلم على التدريج. روى عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة عن ابن عباس أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب، فأخذ يسأله عن أحوال الناس، فأخبره بأن كثيرا منهم قد حفظ القرآن، فقال ابن عباس: والله ما أحب أن يتسارعوا فيه يومهم هذا هذه المسارعة، قال: فقال عمر مه، وزبرني، فانصرفت إلى منزلي حزينا، ثم إنه استأذن علي، فخرجت، فأخذ بيدي فقال: ما كرهت مما قال الرجل آنفا؟، فقلت: يا أمير المؤمنين متى تسارعوا فيه هذه المسارعة يحتقوا، ومتى ما يحتقوا يختصموا ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا، فقال: لله أبوك، ما زلت لها كاتما حتى جئت بها»!!. قال ابن عبد البر: «طلب العلم درجات ومناقل ورتب، لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف ﵏ ومن تعدى سبيلهم عامدا ضل، ومن تعداه مجتهدا زل، فأول العلم حفظ كتاب الله ، وتفهمه، وكل ما يعين على فهمه واجب طلبه معه، ولا أقول إن حفظه كله فرض، لكني أقول إن ذلك واجب لازم على من أحب أن يكون عالما،،، فمن حفظ قبل بلوغه، ثم فرغ إلى ما يستعين به على فهمه من لسان العرب، كان له ذلك عونا كبيرا على مراده منه، ومن سنن رسول الله ﷺ ، ثم ينظر في ناسخ القرآن ومنسوخه وأحكامه، ويقف على اختلاف العلماء واتفاقهم في ذلك، وهو أمر قريب على من قربه الله عليه،،،» (١). قوله: «فأجبتك إلى ذلك لما رجوته لنفسي ولك من ثواب من علم دين الله أو دعا إليه»، هذا بيان من المؤلف للغرض الذي دعاه إلى الاستجابة لطلب الشيخ محرز ﵀، وهو ما يرجوه من الثواب من الله تعالى على بث علم الشرع والدعوة إلى الله لنفسه ولمن

стр. 89

اقترح عليه. والدعوة إلى الله أعم من أن تكون بالتعليم أو بغيره، فإن المعلم للحق داع، والعامل به داع، والآمر بالمعروف داع، والناهي عن المنكر داع، والمؤذن داع، والرجل بسمته ودله داع، والدعوة كما تكون بالقلم تكون باللسان وبالسنان، ولكل وقت وآن، وما أحوج الدعوة في هذا العصر إلى أن تعنى بالجوانب العملية في الحياة العامة للتمكين للشرع في شتى أحكامه، بعد أن تخلى الحكام عن ذلك في معظم البلدان، وقد بينت مرادي من هذا في غير ما موضع مما كتبت، ومن ذلك رسالتي المسماة (الجمعيات من وسائل الدعوة إلى الله)، والفصل الأول من كتابي (كيف نخدم فقه مالك)؟، وغيرهما، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]، وقال تعالى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وقال النبي ﷺ : «من دعا إلى خير فله مثل أجر فاعله» (١)، وقال ﷺ لعلي ﵁: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» (٢)، والعبرة منه أنه أعطاه الراية بعد أن استعصت حصون خيبر على المسلمين، وكان المنتظر في هذا الحال أن بحضه على القتل والقتال، لكنه ذكره بما هو أهم في القتال وهو هداية الناس. والمرء إذا سئل عن علم يعلمه فلا يحل له كتمانه، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وهاتان الآيتان وإن كانتا في أهل الكتاب وهم كفار فليس بممتنع أن يستدل بهما على من كتم العلم من المسلمين، ووعيد كل بحسبه، وقد كان أبو هريرة يذكر أن الأولى منهما مانعته من الكتمان، فجاء في الصحيح عنه: «لولا آية من كتاب الله ما حدثت أحدا شيئا»، وقال النبي ﷺ : «من كتم علما عن أهله ألجم يوم

стр. 90

القيامة بلجام من نار»، فهذا في الكاتم الذي لم يسأل، فكيف بمن سئل؟. نعم قد يتفاوت أمر العلم المطلوب إذاعته، وقد يسكت العالم عن الشيء لمصلحة يراها، أو يترك شيئا ليقوم بما هو أهم منه، فهذه مقاصد قد تشفع له، أما الكتمان لا لشيء فلا، وقد ورد فيمن سئل قوله ﷺ : «من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار» (١)، وهذه منزلة أخف من الأولى، لكن إذاعة العلم لا مانع أن تقيد بما إذا لم يخش المرء على نفسه ما لا قبل له به، أو اتضح له عدم حاجة السائل إلى ما سأل عنه، أو ظهر تعنته في سؤاله، كما يتقيد بما إذا لم يكن ثمة غيره ممن يكفيه، وما سئله المصنف ليس من هذا القبيل، بل هو من المستحبات والفضائل، أو من فروض الكفايات، وقد كان المتقدمون كثيرا ما يقترحون على أهل العلم أن يؤلفوا في موضوع يرون الحاجة ماسة إليه، فيستجيبون، ورسالة ابن أبي زيد ﵀ يبدو أن الحاجة كانت ماسة إليها، كما تقدم في بيان المحيط الذي كتبت فيه. وطلب العلم وبثه لا ينبغي أن يكون إلا لوجه الله تعالى، فقد قال رسول الله ﷺ : «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» (٢)، أي ريحها، والعرف بفتح العين. بل إن الخلط في طلب العلم بين الدنيا والآخرة مما يذم، فكيف إذا كان خالصا للدنيا، وقد قال الشوكاني ﵀: وطالب الدنيا بعلم الدين أي بائس … كمن غدا لنعله يمسح بالقلانس!!

стр. 91

• قوله: ٣ - قوله: «واعلم أن خير القلوب أوعاها للخير، وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليه، وأولى ما عني به الناصحون، ورغب في أجره الراغبون؛ إيصال الخير إلى قلوب أولاد المؤمنين ليرسخ فيها، وتنبيههم على معالم الديانة وحدود الشريعة ليراضوا عليها، وما عليهم أن تعتقده من الدين قلوبهم، وتعمل به جوارحهم، فإنه روي أن تعليم الصغار كتاب الله يطفئ غضب الله، وأن تعليم الشيء في الصغر كالنقش في الحجر». هذا كما قال ﵀، فإن من سبق الشر إلى نفسه احتاج إلى أمرين التخلية بالإقلاع عنه، والتطهر منه، وتصفية النفس من كدوراته، ثم تحليتها بتعلم الحق، وحمل النفس عليه للعمل به، وما أسرع النتن إلى الثوب الجديد إذا لبس على درن البدن، وتتفاوت عملية الانتقال بحسب التوغل في الباطل، ونوع الخلان والأصدقاء، والنفس تميل غالبا إلى ما سبق إليها، ولهذا كان تعليم الولدان مقدما لنجاعته غالبا، ولا سيما مع كثرة ما يشغل، وقد قيل: ومن منح الجهال علما أضاعه … ومن منع المستوجبين فقد ظلم وقد عاد المؤلف إلى الحديث عن تعليم الأطفال في سن مبكرة لأهميته عنده، وشدة اهتمامه به، وكلامه واضح، وقوله (عُنيَ) هو من الأفعال اللازمة للبناء لما لم يسم فاعله، يقال عُنيت بحاجتك أُعنى بها عناية إذا اهتممت بها، والمعالم جمع معلم، وأصله الأثر يستدل به على الطريق، والمراد هنا الأمور البارزة في الدين كأركان الإسلام الخمسة، والمعلوم من الدين بالضرورة، وقد جاء في بعض روايات حديث جبريل الذي رواه مسلم عن عمر بن الخطاب في بيان أقسام الدين الثلاثة عند ابن ماجه: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم

стр. 92

معالم دينكم»، وقول المؤلف: «ليراضوا عليها»، يقال رضت الدابة أروضها رياضا ورياضة، إذا علمتها الركوب، ودربتها على السير، والمراد أنهم إذا علموا معالم الدين تعوّدوها فيسهل عليهم التزامها. وقد أورد المؤلف معنى حديثين مستدلا بهما على أهمية تعليم الولدان: لفظ الأول: «إن الله لا يغضب، فإذا غضب سبحت الملائكة لغضبه، فإذا اطلع إلى الأرض ورأى الولدان يقرؤون تملى ربنا رضى» (١). والحديث الثاني أخرجه الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ مثل الذي يتعلم العلم في الصغر كالنقش في الحجر، ومثل الذي يتعلم العلم في كبره كالذي يكتب على الماء» (٢). وقال السخاوي: روي معناه مرفوعا: «من تعلم علما وهو شاب كان كوشم في حجر، ومن تعلم بعد ما يدخل في السن كان كالكاتب على ظهر الماء»، وبعد أن ذكر حديثا آخر قال: «ولا يصح واحد منهما» (٣). ومهما يكن؛ فليس في هذا الحديث ما يستدل به على الترغيب عن طلب العلم في أي سن كان، بل المراد منه لو صح؛ الحث على التبكير في طلبه، والترغيب عن تأجيل ذلك وتسويفه، والله أعلم. وقد أورد المصنف الحديثين بصيغة التمريض، وكثير من أهل الفقه ﵏ لم

стр. 93

يلتزموا عند ذكرهم الأحاديث ما اصطلح عليه أهل الفن في كيفية إيرادها، من صيغ التمريض والجزم، ونحا نحوهم بعض المحدثين، إما للاختلاف في الأحاديث، وإما لأن هذا الاصطلاح لم يكن قد فشا الأخذ به في الناس، أو كانوا لا يرون التقيد به لازما، وقد يكون لبعض هذا علاقة باختلاف نظرة الفقهاء عن نظرة المحدثين في تصحيح الحديث وتضعيفه.

стр. 94

• قوله: ٤ - «وقد مثلت لك من ذلك ما ينتفعون إن شاء الله بحفظه، ويشرفون بعلمه، ويسعدون باعتقاده، والعمل به، وقد جاء أن يؤمروا بالصلاة لسبع سنين، ويضربوا عليها لعشر، ويفرق بينهم في المضاجع، فكذلك ينبغي أن يعلموا ما فرض الله على العباد من قول وعمل قبل بلوغهم، ليأتي عليهم البلوغ وقد تمكن ذلك من قلوبهم، وسكنت إليه أنفسهم، وأنست بما يعملون من ذلك جوارحهم، وقد فرض الله سبحانه على القلب عملا من الاعتقادات وعلى الجوارح الظاهرة عملا من الطاعات». ذكر هنا أنه جمع في تأليفه ما يحتاجه الولدان اعتقادا وعلما وعملا وحفظا، وما أحسن ما صنع، حيث فرق بين هذه الأمور، وأسند لكل منها ما يناسبه، فإن المرء إنما ينتفع الانتفاع الكامل بالعلم إذا حفظ، كما قال في الرحبية «فاحفظ فكل حافظ إمام»، والعلم إنما يراد للعمل وذلك من جملة الانتفاع به بل هو أصله، ولذلك تعوذ النبي ﷺ في جملة ما تعوذ منه من علم لا ينفع. وإنما يحصل له الشرف والرفعة في الدنيا بالعلم، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١]. كما أن الإنسان إنما يسعد في الآخرة بالاعتقاد الصحيح المصحوب بالعمل، إذ السعادة الأبدية للموحدين. وبين أن تعليمهم هذه الأمور قبل سن التكليف مرغوب فيه، كي يعتادوها فلا يأتي عليهم البلوغ إلا وقد سكنت إليها نفوسهم، وارتاضت عليها جوارحهم، وذلك مقيس على

стр. 95

أمرهم بالصلاة والتفريق بينهم في المضاجع كما ورد في الحديث الذي رواه أبو داود (١) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع»، وقد تضمن الحديث أمرين: أولهما: الصلاة، يؤمرون بها إذا بلغوا سبع سنين، فإذا مرت ثلاث سنوات من معاودة الأمر عليهم ولم يمتثلوا؛ ساغ ضربهم عليها ضربا غير مبرح، والتشديد عليهم فيها، فإن الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي من أشق العبادات على النفس، لكونها تتكرر في اليوم مرات، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥]، وينبغي أن يكون المربي حازما مع التدرج والأناة وحسن السياسة، وقد قال رسول الله ﷺ : «علقوا السوط حيث يراه أهل البيت فإنه لهم أدب» (٢)، فإذا شب الأولاد على الصلاة منذ الصغر لا تثقل عليهم إذا كبروا، فلهذا أرشد الشارع إلى التبكير بإلزامهم بها حتى يرتاضوا عليها ويألفوها، وقال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]، وأخبر عيسى ﷺ في المهد أن الله تعالى أوصاه بها: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]، ووصف الله نبيه إسماعيل ﷺ بقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٥٥]. وثانيهما: وقايتهم مما يفسد أخلاقهم بتنبيه غرائزهم قبل وقتها المعتاد، ومن ذلك أن لا يترك أحدهم يفضي إلى غيره في الفراش الواحد، وقد كثر في هذا العصر ما يفوت هذه الصيانة للأولاد بانتشار العري والاختلاط وفشو التصوير أجهزة التلفاز التي لا يكاد يخلو منها بيت، وجاء ما هو أشد من ذلك وأنكى وهو الهواتف التي تستقبل ما يجول في الفضاء مما يرسل ويذاع فيدخلها كل شيء من غير استئذان رغب المستقبل أو كره، وينفرد المرء باستعمالها في أي موضع كان، ومن العسير منع الأولاد منها لأن كثيرا من المصالح مرتبطة بها، فإن لم يعرفوها تعطلت مصالحهم وصاروا كالأميين في عالمهم هذا، والمنتظر أن يزداد هذا الأمر إيغالا وانتشارا، فلم يبق من سبيل إلا تحصين الفرد من الداخل بعقيدته

стр. 96

ليكون ذلك جنة له ووقاية. ويظهر أن ما ذهب إليه المصنف من قياس غير الصلاة عليها في قوله: «فكذلك ينبغي أن يعلموا ما فرض الله على العباد من قول وعمل قبل بلوغهم»؛ هو الحق، وفي الحديث ما يشهد له، لاسيما والعلة ظاهرة بالاستنباط، فإن الصلاة وإن كانت لها تلك الخصوصية التي ذكرتها فلا تنفرد بمطلوبية التدريب والترويض، وما ذهب إليه بعضهم من أن الصوم لا يندب في حق الصبي، ولا يجوز للولي إلزام الصبي به لما فيه من المشقة والتعذيب، وإذا صام فلا ثواب له، لكون الثواب في فعل المطلوب، لا في فعل المباح ولا المنهي عنه؛ كل ذلك فيه نظر، بل بعضه منتقض بالنص على حج الصبي، وسيأتي الكلام على هذا في الصيام. ومن تراجم البخاري عليه الرحمة في صحيحه قوله: باب صوم الصبيان، وأورد فيه قول عمر بن الخطاب ﵁ الذي رواه سعيد بن منصور أن عمر أتي برجل شرب الخمر في رمضان، فلما دنا منه جعل يقول: «للمنخرين والفم»!! وعند البغوي: فلما رفع إليه عثر، فقال عمر: «على وجهك ويحك؛ وصبياننا صيام»!!، فهذا كاف في الدلالة على أنه في عهد الصحابة كان الصبيان يصومون. بل روى البخاري عن الربيع بنت معوذ قالت: «أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطرا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائما فليصم، قال: فكنا نصومه بعد، ونصوم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك، حتى يكون عند الإفطار». وقوله فيه قال: «فكنا نصومه بعد، ونصوم صبياننا» الخ، القائل هو خالد بن ذكوان الراوي عن الربيع بنت معوذ، وهو من صغار التابعين، فهو يدل على شيوع هذا الأمر في عهد التابعين أيضا بعد شيوعه في عصر الصحابة، أما أنه مرفوع حكما فلا، وفي كلام الحافظ ﵀ ما يوهم أنه مرفوع (١). ثم استدركت فقلت: هذا بناء على تذكير ضمير «قال»، في الحديث كما هو في

стр. 97

النسخة التي نشرتها دار السلام الطبعة الثالثة سنة (١٤٢١)، وهي التي رقمها الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي، وفي نسخ أخرى قالت فكنا،،، الخ، والضمير فيها راجع للربيع -رضي الله تعالى عنها-، وهي من صغار الصحابة.

стр. 98

• قوله: ٥ - «وسأفصل لك ما شرطت لك ذكره بابا بابا، ليقرب من فهم متعلميه إن شاء الله تعالى، وإياه نستخير، وبه نستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا». اعلم أن تجزئة الكلام إلى فقرات، وأبواب، وفصول، مما يقربه إلى الفهم، ويشجع الدارس على مواصلة الطلب، ولذلك نص المؤلف ﵀ على هذا الأمر وبين فائدته، لكنه وهو يسلك سبيل الاختصار في هذه الرسالة لم يترجم على حدة لكل المسائل التي يترجم لها عادة أصحاب التصانيف، بل أدمج بعض الأبواب مع بعض، كقوله باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار واللعان والإيلاء والخلع والرضاع، فذكر ثمانية أمور في باب واحد، وفعل ذلك في غير هذا الموضع، قال زروق ﵀: «وجملتها ثمانية وأربعون ترجمة، منها بغير لفظ الباب نحو من ثمانية، وباقيها مبوب». قلت: وما ذكره قريب مما هو مطبوع من هذا المصنف، بل إن شرح زروق نفسه وهو الذي بين عدد التراجم لا يوجد في فهرس شرحه إلا (٤٥) ترجمة، ومثله شرح أبي الحسن والنفراوي. وقوله: «إن شاء الله»، هذا الإستثناء مطلوب من المؤمن كلما قال سأفعل كذا، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، وهو إنما يشرع في الإخبار عن فعل يستقبل، لا فيما فعل، أو في الطلب، وقد جاء في المرفوع عند الترمذي في المواقيت مع الأمر، فحمله بعض العلماء على أن المراد منه التبرك لا الاستثناء المطلوب. والاستثناء عند الإخبار بفعل ما يستقبل؛ هو الاستثناء الذي قال عنه عبد الله بن عباس ﵄ إنه يصح أن يأتي به المرء ولو بعد سنة، لأنه إذا نسيه أتى به متى ما ذكره،

стр. 99

فيخرج من مخالفة النهي بعدم استثنائه، وليس المراد أنه ينفعه في الحلف بعد تلك المدة وقوله: «وإياه أستخير»، بين بهذا أن الاستخارة لا تكون إلا من الله، فإنه سبحانه هو وحده الذي يعلم عواقب الأمور ومآلاتها، ولهذا قدم المعمول على العامل في كل من الاستخارة والاستعانة. والاستخارة طلب الخيرة في الأمور المباحة بطريق مخصوص، وكلام المؤلف لا يعتبر بذاته استخارة، وإن كان الدعاء بذلك مشروعا، يقال استخر الله يخر لك، أي يعطك ما هو خير لك، والمراد هنا يدلك عليه، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]. أما الاستخارة التي هي العبادة الخاصة، لا مطلق الدعاء؛ قد صح الحديث فيها عن جابر قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم يقول: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري؛ فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري؛ فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به، ويسمي حاجته» (١). وقول جابر ﵁: «في الأمور كلها»، يعني مما هو صالح للاستخارة، فيكون من العام الذي أريد به الخاص، فإن الواجب والمحرم والمكروه والمستحب لا استخارة في واحد منها، لأن ما أوجبه الله أو ندب إليه فيه مصلحة للخلق، فهو مما اختاره الله شرعا ليفعل، وما نهى عنه فقد اختار لعبده شرعا أن لا يفعله، ويمكن أن يكون المستحب المخير بين أفراده وكذلك الواجب محلا للاستخارة، والله أعلم. ومما يقضى منه العجب ان يسألك عن دعاء الاستخارة من لا يصلي يريد بها أن يصل بها إلى مصلحته الدنيوية كما يراها، مع أن الاستخارة شأنها عظيم وفيها تمام التسليم

стр. 100

لله تعالى، لأن ما أباحه الله هو مخير فيه، ومع ذلك يرجع إليه يدعوه أن يهديه لما هو خير له مقرا بجهله بمصالحه، فكيف يجتمع هذا المعنى مع ترك ما اختار الله تعالى لعبده شرعا وتكليفا أن يفعله بل ألزمه به أو اختار له تركه بل ألزمه بتركه؟. والاستعانة طلب العون، ولا يكون على الحقيقة إلا من الله، فلا ينافي ذلك أن يستعين المرء بالشخص الحاضر القادر، فإنه من جملة الأسباب المشروعة، قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة/ ٥]، وقال ﵊ لعبد الله بن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» (١). أما قوله لا حول ولا قوة إلا بالله فمن خير الأذكار، ومن قالها عارفا بها فقد استسلم لقضاء الله وقدره، وسيأتي الحديث عن معناها، وعن الختم بالصلاة على النبي ﷺ إن شاء الله.

стр. 101

(عقيدة ابن أبي زيد) • بعض ما لحقها من التأويل والتحريف: أكرر هنا ما ذكرته قبل من أن جل شارحي هذه الرسالة شرحوا عقيدتها على طريقة الخلف، وهي تأويل النصوص التي توهم التشبيه كما يظنون، طلبا منهم للتنزيه كما يزعمون، ومنهم الشيخ زروق وابن ناجي وأبو الحسن وابن غنيم وغيرهم، وسلك القليل منهم طريقة السلف، وهي إمرار النصوص كما هي من غير تأويل، ومنهم القاضي عبد الوهاب، ومحمد ابن موهب المقبري، وبعض المتأخرين، فهذه منزلة التأويل. وهناك منزلة أخرى، وهي البحث عن وجه من الإعراب لكلام المصنف يماشي ما يراه الشارح، أو القول بالوقف على جملة معينة بدل وصلها بما بعدها، حتى يؤخذ منها معنى مختلف فيما لو وصلت. وأخطر هذه المنازل هو تغيير كلام المصنف بإدخال الزيادة فيه والنقص، لتمرر العقائد بواسطته، وكل هذا جرى لرسالة ابن أبي زيد كما نال غيرها من العقائد، وستمر بك أمثلة عنه. قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀ في تقديمه للرسالة مع نظمها للشيخ أحمد بن مشرف الإحسائي:»،،، ولا يستنكر هذا، فإن المذهب ينتسب إليه طوائف مخالفون لصاحب المذهب في كثير من مسائل الاعتقاد، كما حصل في المنتسبين إلى الأئمة الأربعة، ومن أمثلة ذلك كتاب الفقه الأكبر المنسوب إلى أبي حنيفة ﵀، فقد شرحه أبو منصور الماتريدي وغيره، فمشوا فيه على التأويل، والله المستعان». وأقتصر في ذكر التأويل الذي أدخل على عقيدة ابن أبي زيد وهو كثير على مثالين: أولهما: قول الشيخ زروق وهو يشرح قول المؤلف: «وأنه فوق عرشه المجيد بذاته»، قال: «يريد فوقية معنوية، كما يقال السلطان فوق الوزير، والمالك فوق المملوك،

стр. 102

والشريف فوق الدني»، انتهى، وقال الشيخ ابن ناجي، هي: «فوقية معنى وجلال وعظمة»، انتهى، لكن لما وجدوا كلمة «بذاته»، وسيأتي الحديث عن زيادتها، ولعل المؤلف إنما أضافها قطعا لدابر التأويل؛ سعوا في تأويل مراده منها، فجعل الشيخ زروق ﵀ قوله (بذاته) متعلقا بالمجيد الذي هو وصف للعرش، فقال: «لكن رفعته وجلاله إنما هي بجعل من الله له، لا بذاته، ولا لذاته، ولا من ذاته»، انتهى، فهذا من التكلف الذي لا يخفى على المبتدئ، وهل يتصور مؤمن أن العرش خلق نفسه، أو اكتسب صفة العظمة والمجد من نفسه، حتى يحتاج إلى هذه القيود؟. وذهب بعضهم إلى رفع كلمة (المجيد) باعتبارها خبرا لمبتدإ محذوف، وهذا حتى لا يحتاج إلى ذلك التأويل المتعسف، الظاهر التكلف، ويزال عن كلمة بذاته ما أراده المؤلف منها، قال الشيخ زروق: «والمجيد يقال بالخفض على أنه صفة للعرش، وبالرفع صفة لله تعالى، وهو الأظهر»، انتهى، ومن هنا كان ضبط كلمة (المجيد) بالضمة، وكتابة فاصلة بينها وبين كلمة (عرشه)، كما في متن الرسالة المصحوب بكتاب غرر المقالة، وما أظن أنه حصل دون قصد، فكتبت هكذا: «وأنه فوق عرشه، المجيدُ بذاته». وثانيهما: أن يأتي بعضهم إلى قول المؤلف: «وهو في كل مكان بعلمه، خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه … » الخ، فيجعل فاصلة بين كلمتي (مكان)، و (بعلمه)، فتصبح الجملتان هكذا: «وهو في كل مكان، بعلمه خلق الإنسان»، حتى يعرب قوله بعلمه جارا ومجرورا متعلقا بخلق، ولعل الحامل لصاحب هذا التحريف أن يجد مستندا لما يذهب إليه أهل الحلول، نعوذ بالله من كفرهم، ولا أظن أنه حدث دون قصد، فهذا مثال لما لحق هذه العقيدة من التأويل. لكن هذا يعتبر هينا إذا قورن بما لحقها من التحريف، وإن صرح فاعله بأنه سيزيد ألفاظا، وتجد مثالا على ذلك فيما أدخله الشيخ عبد الفتاح أبو غدة على هذه العقيدة من الزيادة والنقصان والاستبدال والتأويل فيما نشره بعنوان: (العقيدة الإسلامية التي ينبغي أن ينشأ عليها الصغار)، فهذه لو كانت من تاليفه فهو شيء يخصه، أما إن كان المقصود أنها عقيدة ابن أبي زيد فهي خيانة لأمانة العلم، وقد تولى الشيخ بكر أبو زيد كشف ذلك، إذ

стр. 103

نشر هذه الرسالة ونظمها للشيخ الإحسائي المالكي، وقال مجملا ذلك التحريف الذي ألحق بها: «فرأيت (هذا المعتني) بها قد تناولها بقلم غير قلم ابن أبي زيد، وبعقيدة تخالف عقيدته، فوظف التحريف بما سولت له نفسه في نص هذه العقيدة ومعناها، ففتح فيها ثلما، وغشاها من عقيدة التفويض والتحريف ما غشى، تفريطا في الحق وهو بين يديه، وتعديا على الخلق وهو بين أيديهم، فصار على من علم كشف تلك الدسائس، ودفع هذا التعدي البائس، نصرة لعقيدة السنة وأهلها، وحماية لعقائدهم من دخولات المخالفين لها». ثم فصل الشيخ بكر ما ألحقه بها الشيخ أبو غدة من الفساد بالزيادة على النص في ستة مواضع، واستبدال كلمة بأخرى في موضع واحد، وبالحذف في موضعين، وقد أوضح أنه انتهى إلى هذا بعد مقارنة النص الذي طبعه أبو غدة مع اثنتي عشرة طبعة للرسالة مستقلة أو مع الشروح قديمها وحديثها. وأستطرد إلى ما اعتنى به الشيخ بكر أبو زيد في تعليقه هذا، وهو ما أخذوه على ابن أبي زيد من زيادة كلمة (بذاته) كما تقدم، فقد أسهب في بيان الدافع للمؤلف إلى ذلك، وبين أن علماء السلف وهم يواجهون المذاهب المبتدعة والأقوال الباطلة اضطُروا إلى بيان بعض العقائد بألفاظ تفسيرية محدودة، هي من دلالة ألفاظ نصوص الصفات على حقائقها ومعانيها لا تخرج عنها، لأن هؤلاء المخالفين لما تجرءوا على الله، فتفوهوا بالباطل وجب على أهل الإسلام الحق، الجهر بالحق، والرد على أهل الباطل جهرة بنصوص الوحيين لفظا ومعنى ودلالة، بتعابير عن حقائقها ومعانيها لا تخرج عنها البتة، وانتشر ذلك بينهم دون أن ينكره منهم أحد، وقد ذكر أمثلة لهذه الألفاظ التفسيرية التي أضافها العلماء للسبب المذكور، ومنها (بذاته)، ومنها (بائن من خلقه)، و (حقيقة)، و (في كل مكان بعلمه)، و (غير مخلوق)، ثم سرد أسماء ستة عشر من العلماء الذين استعملوا كلمة بذاته، بعضهم من المتقدمين على ابن أبي زيد. ومهما يكن فإن الأولى في هذا المقام تلاوة النصوص، والتزام ما دل عليه ظاهرها حسب كلام العرب، مع ترك التأويل والتكييف، في كل ما يرجع إلى مولاما من ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وندبيره لخلقه، لأن الحاجة إلى التوضيح قد لا تنتهي عند حد مع

стр. 104

مرور الأيام وفشو الجهل وكثرة الكلام والردود والخصام. • معنى العقيدة: لفظ العقيدة لم يرد له ذكر في معاجم اللغة وقواميسها فيما علمت، وقد كان اللفظ الذي يراد به معناها عند المتقدمين هو لفظ السنة، والإيمان، والشريعة، وبهذا كان العلماء يسمون الكتب التي تذكر معتقد أهل السنة والجماعة كالسنة للالكائي، وابن أبي عاصم، والإيمان لابن أبي شيبة، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وأصول السنة للإمام أحمد، والحميدي، وشرح السنة للبربهاري، والشريعة للآجري وغيرها، لكن التشنبع على العلماء الذين شهدت لهم الأمة بالخير ووسمهم بأنهم ابتدعوا باستعمال هذه الكلمة وغيرها من الأمور التي فصلوها للحاجة إليها فيه تجن عليهم وظلم لهم، وفاعله صاحب حظ من الدنيا يسعى إليه بحب الظهور، له أن يدعو إلى ترك هذه الكلمة في أدب ولطف، والله الهادي. وللعقيدة علاقة بالعَقد الذي يلتقي مع الربط، والجزم، والإبرام، وهو خلاف الحل، والنقض، والنكث، فكأنها فعيلة بمعنى مفعولة، لأن القلب ينعقد عليها، فتستقر فيه وترسخ، ولهذا أسند المؤلف الاعتقاد إلى الأفئدة جمع فؤاد، وهو القلب، فالعقائد من أعمال القلوب، وأعمال القلب هي الأصل لأعمال البدن، لكن لا يكتفى بهذه عن تلك. قال البخاري ﵀ في أحد أبواب كتاب الإيمان: باب قول النبي ﷺ أنا أعلمكم بالله، والمعرفة عمل القلب لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، انتهى. والمراد أن الآية أثبتت للقلب كسبا، لكن معرفة الله المجردة ليست هي المراد، فلا تنجي صاحبها، وإلا فقد عرف إبليس ربه، ومع ذلك فهو من أهل النار، وقال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ [النمل: ١٤]، فالمعرفة التي تترتب عليها آثارها هي المقصودة، قال البخاري ﵀: والمعرفة عمل اللقب. ويراد بالعقيدة أحيانا جنس ما على المسلم أن يعتقده مستيقنا إياه، ومن هذا القبيل

стр. 105

إطلاقها على الكتب التي تضمنت ذلك، كما يقال العقيدة الطحاوية، أو الواسطية، أو الأشعرية، كما تطلق على أفراد ما يجب على المسلم اعتقاده، فالإيمان بالله عقيدة، والإيمان بالملائكة عقيدة، والإيمان بالكتب والرسل واليوم الآخر وبالقدر وبالميزان كل منها عقيدة، ومن هذا ما قيل من أن المؤلف ذكر في هذا الباب نحو مائة عقيدة. • هل معرفة الدليل شرط في صحة الإيمان؟ الواجب على الناس أن يؤمنوا إيمانا عاما مجملا بكل ما جاء به الرسول ﷺ ، من غير أن يطالبوا بإقامة الحجة عليه كما يراها المتكلمون الذين يقولون إن الإيمان لا يكفي فيه التقليد. والصواب: أنه يكفي فيه الاتباع، فهذه المعرفة الإجمالية فرض على كل مسلم، أما معرفة ما جاء به الرسول ﷺ على التفصيل فمن فروض الكفاية، لأن ذلك داخل في تبليغ ما بعث به رسول الله ﷺ وحفظه، وكيف يبلغ ويحفظ إذا لم يتعلم؟. قال الشوكاني ﵀ في كتابه (إرشاد الفحول، الفصل الثاني في التقليد وما يتعلق به) معقبا على قول من اشترطوا في الأصول والعقائد معرفة الدليل من الشخص كيفما كان، وتكفير بعضهم من لم يعرف الدليل وقول بعضهم بتفسيقه مع صحة إيمانه، قال: «فيا لله العجب من هذه المقالة التي تقشعر لها الجلود، وترجف عند سماعها الأفئدة، فإنها جناية على جمهور هذه الأمة المرحومة، وتكليف لها بما ليس في وسعهم، ولا يطيقونه، وقد كفى الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله ﷺ وهو بين أظهرهم بمعرفة ذلك، ولا أخرجهم من الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته، وما حكاه الأستاذ أبو منصور عن أئمة الحديث من أنه مؤمن وإن فسق فلا يصح التفسيق عنهم بوجه من الوجوه،، بل مذهبهم سابقهم ولاحقهم الاكتفاء بالإيمان الجملي وهو الذي كان عليه خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم،،،». قلت: ولهذا أورد ابن أبي زيد عقيدته التي استقاها من نصوص الكتاب والسنة وإجماع المسلمين مرسلة عن الدليل، لأن هذا شأن الكتب المختصرة، لكن لا يختلف في

стр. 106

أن ذكر الدليل من الكتاب والسنة أولى، بل إن العقيدة يكتفي فيها غالبا بذكر النصوص وفهمها. قال الشيخ زروق في خاتمة شرحه: «قد جمعت هذه العقيدة نحوا من مائة مسألة من مسائل الاعتقاد، وأتى بها الشيخ مسلمة من غير برهان، اكتفاء بالمعاني على الاصطلاح، ولأن إيمان المقلد عنده صحيح، وهو مذهب جماعة من الأئمة، وادعى بعضهم الإجماع عليه، وبعضهم الإجماع على عكسه، وعلى صحته أئمة المذاهب الأربع، والثوري والأوزاعي وكافة أهل الظاهر وكثير من المتكلمين خلافا لأكثرهم،،،»، انتهى، قلت قلت فريق من الأشعرية لا يصححون إيمان المقلد، لأنهم يقولون إن أول واجب على المكلف هو النظر، وهذا مردود من أكثر من وجه، ثم ليقولوا كم شخصا عرف أنه آمن بالنظر، ويلزم على قولهم هذا أن الأمة فرطت في أول واجبات الدين وتواطأت على ذلك طيلة تاريخها. • أول الواجبات وأعظمها توحيد الله: وأعظم الواجبات على المكلفين توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، فمن وافته المنية موحدا كان من أهل الجنة، فلا يخلد في النار إن دخلها، ومن وافته يشرك بالله شيئا كان من أهل النار خالدا فيها، فإن التوحيد هو الذي خلق الله الإنس والجن له، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧]، وقال ﵊ لمعاذ «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» (١)، وهو طرف حديث في الصحيح. ولما كانت نجاة الإنسان متوقفة على هذا الأمر يسره الله، ونصب الآيات عليه، وأرسل به رسله، وأنزل له كتبه، وجمع معانيه كلها في كلمة واحدة هي لا إله إلا الله، وهكذا كل شيء تشتد إليه حاجة الناس، وتتوقف عليه حياتهم يجعله الله تعالى ميسرا لهم، في متناولهم، فحري بالعاقل أن يجعله أكبر همه، وأعظم شغله، ويعتبر ما عداه وسيلة إليه مذكرا به، ومقويا له، ومن قال إن أول واجب على المكلف هو النظر، أو هو الشك؛ فقد

стр. 107

أبعد النجعة، وخالف ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وما دعوا إليه أقوامهم، وإن كان النظر في أصله واجبا، قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى (١٠)﴾ [إبراهيم: ١٠]، قيل الشك الذي أنكروه عليهم هو الشك في وجوده سبحانه، وقيل بل هو الشك في استحقاقه أن يعبد دون سواه. والصواب: أن كلا منهما لا شك فيه، فمعرفة الله ضرورية في أصلها، وتوحيده وإفراده بالعبادة مرتب على ذلك ولازم له، والنظر في الآيات المرئية والمتلوة مطلوب وهو مما تقوى به المعرفة وتترسخ الحجة: فيا عجبا كيف يعصى الإله … أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية … تدل على أنه الواحد؟. • منهج القرآن والسنة في تعليم العقيدة: ومنهج السنة والقرآن هو الحديث عن التوحيد الذي هو أعظم المقاصد مع كل المقاصد الأخرى من الأحكام، وأخبار الغيب، والقصص، وقد تنفرد بعض السور بذكره كسورة الإخلاص، ولا تخلو سورة من التذكير به، ومن تتبع نصوص السنة في كتبها المصنفة على أبواب الفقه وقف على هذا الذي أقول، والأذكار كلها توحيد لله تعالى، بالثناء عليه، والرغب إليه، والتشويق إلى لقائه، والافتقار إلى نواله، وتأمل كيف أن قصارى ما يدعو به المؤمن في الكرب أن يوحد الله تعالى، ويذكر ربوبيته للسموات والأرض، ولعرشه العظيم، فقد كان النبي ﷺ يدعو عند الكرب يقول: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض، ورب العرش العظيم» (١) وروى أبو داود (٢) عن أسماء بنت عميس قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «ألا أعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب، أو في الكرب؟، الله الله ربي لا أشرك به شيئا»،

стр. 108

والمقصود أنه لم يعلمها دعاء مسألة في هذا الموقف الخطير، بل اكتفى بأن علمها أن تذكر في هذا الموقف نفسها بتوحيد الله تعالى، ونفي الإشراك به، ومن ذلك أن بعضهم قال للنبي ﷺ : «ما شاء الله وشئت»، فصحح له بقوله: «أجعلتني لله ندا؟، قل ما شاء الله وحده» (١)، وقال له جماعة: «أنت سيدنا»، فقال لهم: «السيد الله» (٢)، وقال ﵊: «ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده، وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام،،،»، الحديث (٣)، فابتدأ بعبادة الله وعدم الإشراك به، وذكر طيب النفس مما يعين صاحب الصدقة عليها، والمقصود الاجتهاد في تربية الناس على العقائد الصحيحة كلما أمكن ذلك، وتصحيح فاسد الاعتقاد دون تأجيل باغتنام الفرص. تجد في كناب ربك حصر كل ما أوحي إلى النبي ﷺ في التوحيد، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾ [الأنبياء: ١٠٨]، وغير ذلك، وهذا يوجه بأن ما في القرآن لا يخرج عنه عينا أو تعلقا، فإنه دعوة إلى توحيد الله تعالى بذكر أسمائه الحسنى وصفاته العلى وأفعاله الجميلة وتصرفه الحكيم في خلقه، وبيان آياته المرئية والمتلوة على ذلك، وإيراد ما يلزم ذلك من طاعته والخضوع له سبحانه، وذكر محابه ومراضيه ومساخطه ومعاصيه، وذكر أوليائه، وما وعدهم به من النصر والتمكين، وما أعد لهم في الآخرة من الجنان والنعيم المقيم، وذكر أعدائه وما أوعدهم من الذل والخذلان في الدنيا والنيران في الجحيم، فتبين أن القرآن كله كلام على التوحيد، ببيانه وحقه وذكر أهله وغيرهم من أعدائه، وما أعد للفريقين. فعلى الدعاة أن لا يغفلوا هذا المنهج، حتى وإن أفردوا العقيدة بحلقة خاصة، أو كتب خاصة، وذلك أمر لا بد منه، فإنه قد لجأ العلماء إليه بعد أن حدث في الأمة ما جعلهم يفردون التوحيد بالتأليف، ويخصونه بالتدريس والتصنيف، وقد كان في بداية الأمر ردودا

стр. 109

على ما ذهب إليه أهل الأهواء والابتداع، ومن الأمثلة عليه جواب عبد الله بن عمر ﵄ عندما بلغه إنكار بعض الناس القدر بالبصرة، إذ كان معبد الجهني أول من قال بذلك، فلما قيل لعبد الله بن عمر: إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون (يتتبعون) العلم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنُفُ، كان جوابه: إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم ساق عبد الله بن عمر ﵄ دليل ذلك، وهو حديث جبريل الطويل، والخبر هذا في صحيح مسلم من كتاب الإيمان. فمن اصطنع منهج السنة والقرآن في هذا الزمان، لما تعرفه الدعوة من التضييق عليها في كثير من الأوطان، فإنه لم يأت منكرا، وإن خالف عرفا لا معروفا، وقد أنكر علينا هذا الأسلوب بعض المتعجلين، فباءوا بدون خفي حنين، ومفتاح الأمر كله أن تعلم الناس التسليم لنصوص الكتاب والسنة، فإذا انحلت هذه العقدة عن قلوبهم؛ وهنت بقية العقد وضعفت، ثم تلاشت، فأقبلوا على الحق راضين راغبين مذعنين، وهذا هو المستهدف من تدريس هذه النصوص، فإنها المعين الثر لكل علوم الشرع، ومرجع هذه العلوم كلها توحيد الله تعالى، فإنه حق الله الذي يسبق كل الحقوق، والمقصود أن كل درس من الدروس، حديثا كان أو فقها أو سيرة أو غيرها؛ هو مجال لغرس العقيدة الصحيحة في النفوس، بل ذلك هو المطلوب، كلما أتيحت للمرء الفرصة، وما أكثرما تتاح. بعض مميزات عقيدة السلف وآثارها: - هي مستقاة من الكتاب والسنة، وما أجمع عليه المسلمون، أما ما اختلف في ثبوته من السنة فيلزم القولَ به من صححه، أو اتبع من صححه، ولا تفريق في هذا المجال بين ما تواتر من النصوص وما كان آحادا، إذ لا دليل على الفرق، ولا قال به السلف. - لا مجال في هذه العقيدة للآراء والأقيسة، ولو خضعت العقائد لهذا الأمر لما كان للمؤمن مزية على غير المؤمن، وقد قال الله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٢ - ٣]. - والنصوص في العقيدة مستقلة غالبا، فالعقائد المنصوص عليها في كتاب الله ليست

стр. 110

مفتقرة إلى أن تشرح بالسنة أو تبين كما هو الشأن في غير العقائد من الأحكام، اللهم إلا ما كان من الحاجة إلى تمحيص الروايات، حتى يعتمد أرجحها كما في حديث إن الله تعالى خلق آدم على صورته، أو ما كان من باب زيادة العلم، وقد جاءت النصوص في حق مولانا بالإثبات المفصل والنفي المجمل. - والمطلوب هو إبقاء النصوص على ظاهرها، فإن كانت في صفات الله تعالى أمرت من غير تأويل، ولا تكييف ولا تمثيل، مع اعتقاد التنزيه الذي لا يختلف المسلمون فيه، فالمجهول إنما هو الكيف، أما الكلمات فإنها عربية نعرف معانيها، فلا يصح أن يقال إننا نجهلها، وإلا للزم من ذلك أن يخاطب الناس بما لا يعلم معناه في أعظم ما تجب عليهم معرفته، وكثير مما نتمتع به في حياتنا ونعرف آثاره واستعمالاته ونجني ثمار تطبيقاته نطلق عليه ألفاظا نعرف معانيها ولا ندرك كيفية حصول ما أطلقناها عليه كانتقال الأصوات والكهرباء والصور والرسائل وغيرها، وهي من عالم الشهادة، فلم نضيق ذرعا بعالم الغيب فلا نرتاح إلا إذا أولناه وأخضعناه لعقولنا؟، ولا يخفى أن التأويل ضرب من التعطيل، ويكفينا أن السلف تلقوا النصوص بالقبول والإذعان، ولم يسألوا عن معانيها، وما ذلك إلا لأنها معروفة عندهم، ولا أثارت في نفوسهم شبهة التمثيل، فاعترضوا على ظاهرها، فكيف يظن بهم جهلهم أعظم ما ينبغي أن يعرفوه ثم يسكتوا فلا يسألون عنه؟، وقد كانوا يسألون عن كثير من التفاصيل، فالتفويض إذا ورد في كلام السلف أو في كلام أهل العلم الذين اقتفوا آثارهم يكون المراد به ليس التفويض التام في المعنى والحصول، بل التفويض في كيفية الحصول، وربما جاء ما يعكر به على هذا الذي ذكرته من كلام بعض المتقدمين، ويدل على ذلك قول مالك بن أنس ﵁ لما سئل عن الاستواء فقال: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول»، ولا يخفى أن التفويض في المعنى يلزم منه تجهيل رسول الله ﷺ حاشاه، وكذا السلف الصالح، وكل من قال بإمرار نصوص الكتاب والسنة التي في صفات الباري، ويلزم منه أن أعظم ما في القرآن وهو صفات الله ﵎ لا يفهم القارئ لها معنى، فتكون ألغازا وأحاجي حاشا أن يكون كتاب الله كذلك. وإذا عرفت أن التأويل في العقيدة غير مقبول فاعلم أن الباعث عليه هو ما قام في
следующие страницы →