«فمن خلق الله»؟، فإذا وجد ذلك أحدكم فليقرأ: «آمنت بالله ورسله» (١)، فليكن هذا مما يستعين به المؤمن على دفع الوساوس التي قد تنشأ عن اعتقاده أن الباري لم يزل متصفا بصفات الكمال من الخلق والرزق والإحياء والإماتة وغيرها، فيُعصم بذلك أن يهيم في متاهات الرأي ومجاهيل الفكر التي قد تسوق إلى القول بحوادث لا أول لها لكون ذلك من لوازم ما سبق، والله أعلم.
стр. 142
(استحالة إدراك كنه ذات الله تعالى وصفاته)
• قوله:
٣ - «لا يبلغ كنه صفته الواصفون، ولا يحيط بأمره المتفكرون، يعتبر المتفكرون بآياته، ولا يتفكرون في ماهية ذاته»
كنه الشيء في اللغة هو قدره، وغايته، ووجهه، ووقته، كذا في لسان العرب، والصالح من هذه المعاني لتفسير كلام المؤلف ما عدا الأخير، فلا يعرف قدر صفات مولانا وغايتها ووجهها أحد، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢]، أي إليه تنتهي الأمور، وإليه تصير الأشياء بالبعث والنشور، وإلى الله المنتهى في كل حال، فإليه ينتهي العلم، والحكم، وسائر الكمالات.
أما تفسير الكنه بالحقيقة، والقول بأن معنى كلام المؤلف هو «لا يبلغ حقيقة صفته الواصفون» كما هو في شرح أبي الحسن، فالظاهر أن إطلاق الكنه على الحقيقة اصطلاح حادث، وإذا كان كذلك فلا يلتفت إليه، ولو افترضنا وجود هذا المعنى في الكنه لغة لكان اللائق تفسيره بغيره مما سبق، وإن قال ابن ناجي ﵀ نقلا عن غيره: «ويفهم من كلام المصنف أن مذهبه نفي العلم بالحقيقة»، انتهى، بل مذهب المصنف هو مذهب السلف، وهو نفي العلم بالكيف، وإذا جاء عن السلف التفويض فمعناه التفويض في الكيف، وإلا لزم منه جهل أعظم ما في القرآن وهو صفات الباري سبحانه ومن ثم الجهل به والعلم به أعظم العلوم.
стр. 143
نعم إن النزاع في المسألة طويل معقد، بلغ بالمعارضين للقول بالحقيقة إلى نسبة من يقول بها إلى التشبيه، وهم والله برآء منه، وزعموا أن مذهب السلف كان التفويض في الحقيقة، وذلك لأن الفرق دقيق بين إثبات حقائق الكلام كما هي في العربية التي هي لغة القرآن، وبين تنزيل تلك الحقائق على من هي له، فهذا التنزيل هو الذي يختلف، فأنت تكيف في شأن المخلوق الذي تعرفه، وتفوض في شأن خالقك، وقد سبق أن ذكرت أمثلة لبعض الأمور التي ينتفع الناس بها مع أنهم لا يعرفون لها كيفية، فما لهم ينكرون الإقرار بالمعنى في اللغة مع جهل الكيف؟، ولهذا فأهل الحق لا يدفعهم جهل الكيف لا إلى التأويل والقول بالمجاز، ولا إلى التفويض، ومن كان أسير عالم الشهادة قاس عليه عالم الغيب فتخبط.
وقد أخبر الله تعالى عن حور الجنة، وخيامها، وأنهارها، وظلالها، وغرفها، وطعامها، وفاكهتها، وغير ذلك، ومع هذا قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وفي الصحيح عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ذخرا، بله ما اطلعتم عليه» (١)، يعني دع ما عرفتموه، واطلعتم عليه من النعيم الذي في الجنة، مما ذكره الله تعالى لكم، وإنما الذي اطلعنا عليه وعرفناه أسماء الأشياء الدالة على حقائقها، لكن ليس بالضرورة أن تكون كما هي عندنا في الدنيا، والمقصود أنه تعالى نفى علمنا بما لم يذكره لنا، وأثبت اطلاعنا على ما ذكره لنا، فهذا تنظير للمسألة مع ما سبق أرجو أن يتضح به المقام.
وإذا كانت صفات مولانا لا تعلم كيفيتها؛ فالذات المقدسة أولى أن لا يدرك كنهها، فكما أنك تثبت ذات مولانا ، مع أنك لا تعلم كنهها، فكذلك صفاته سبحانه تثبتُها كما جاءت وإن كنت لا تعلم كنهها، وإذا كان الواصفون لا يدركون كيفية صفته؛ فليس لهم أن
стр. 144
يصفوه إلا بما وصف به نفسه، أو رسوله، وعليهم أن لا يجحدوا أو يؤولوا شيئا، بل عليهم أن يمروه كما جاء.
وقوله: «ولا يحيط بأمره المتفكرون»، الإحاطة هي العلم، وقيل ما تعلق منها بالمحسوسات فهو علم وإحاطة، وما تعلق بغير المحسوسات فهو علم لا إحاطة، ويرده قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [آخر فصلت]، وقوله تعالى ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
والمراد بالأمر في قوله ولا يحيط بأمره المتفكرون أعم من الكوني أو الشرعي، فإن كلا منهما منطو على الحكم، والمصالح التي قد يعرف الناس شيئا منها، وكثيرا ما يجهلونها، فأما الأمر الكوني فلا يعلم الناس منه إلا ما أخبرهم الله به بواسطة رسله عليهم الصلاة والسلام، كما يعلمون منه ما يقع مما يمكنهم الاطلاع عليه، فيتعين عليهم التصديق به، ولا يصح أن يتوقف إيمانهم به على قياسه بعقولهم، وضرب الأمثال له، ولم يرد المؤلف بالأمر الذي لا يحاط به ما يدركه الناس بعقولهم وتجاربهم، فإن هذا مرغوب فيه، مرتبط بالتسخير الذي امتن الله به على عباده، وأما الأمر الشرعي فيجب عليهم معرفته بحسب ما كان منه فرض عين، أو فرض كفاية، فيعرفون الأوامر والنواهي بأشخاصها، لا بحكمها ومصالحها، فإن المعرفة الأولى لا بد منها في الامتثال بخلاف الثانية فإن من علم شيئا منها فهو أمر مرغوب من غير لزوم، لكن معرفة الحكمة يزداد بها الاطمئنان ويقوى، ويرسخ بها اليقين، والله تعالى لا يفعل شيئا إلا لحكمة، ولا يشرع فعلا أو يمنع شيئا إلا لحكمة كذلك، لكن تتبع المصالح والمفاسد عسير، ولذلك كانت الأوامر علامة على المصالح، والنواهي علامة على المفاسد، فإذا كانت الأوامر فوق الطاقة جاءت الرخصة، وإذا حصلت الضرورة أباح الله المحظور، فخير للناس أن ينصرفوا إلى الامتثال، وأن يقوموا مقام التسليم.
قوله: «يعتبر المتفكرون بآياته»، الاعتبار العبور من الحالة الحاضرة إلى الغائبة، وهو الاتعاظ أيضا، والآيات كونية وشرعية، وكل منهما دال على الله تعالى، وقد أمر الله
стр. 145
سبحانه بالنظر في الأولى وبتدبر الثانية، والمراد أن الناظر في الآيات الكونية يتوصل بالتأمل فيها إلى معرفة بارئها وخالقها، لكن من اهتدى بهذا وحده قليل كما ترى ذلك في الكفار، فإن علماءهم مع توغلهم في معرفة أسرار المخلوقات لم يهتد منهم بذلك إلا القليل، هم مستغرقون في الصنعة غافلون عن الصانع، فبداية الهداية ترجع إلى ما أنزل الله من الكتب، وما أرسل من الرسل، والنظر برهان على ذلك، قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]، والناظر في الآيات المنزلة يعرف بتدبرها وتأملها صفات ربه وأفعاله، وأحكامه.
قال أبو الحسن: «بآياته العقلية والشرعية، فالعقلية مخلوقاته، وهي العالم بأسره، وهو ما سوى الله، والشرعية آيات كتابه، وأدلة خطابه»، انتهى.
قوله: «ولا يتفكرون في ماهية ذاته»، بينه وبين قوله: «لا يبلغ كنه صفته الواصفون»، مناسبة، فإنه لما نفى إمكان إدراك كنه صفاته سبحانه؛ قفى بنفي مشروعية التفكير في ماهية ذاته العلية، فإنه إذا امتنع إدراك كنه الصفه، فما فائدة التفكير في الذات الموصوفة بتلك الصفة؟، لا ريب أن ذلك أبعد أن يبلغ كنهه.
وقد انتزع المؤلف ﵀ هذه الجملة والتي قبلها أو وافق قول النبي ﷺ : «تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله» (١)، وفي حديث آخر وهو أعم من السابق: «تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله» (٢)، وهما في صحيح الجامع الصغير للمحدث الألباني، وفيهما الأمر بالتفكر في مخلوقات الله عموما، وفي نعمه التي لا تحصى على عباده خصوصا، لأن التفكر فيها يتوصل به إلى الاستدلال على عظمة باريها وبديع صنعه وقدرته وحكمته، ويدعو إلى ذكره وشكره، كما أنه سبيل إلى اكتشاف أسرارها التي أذن الله بإطلاع عباده عليها، فإنه من جملة السبل لتسخير ما أذن الله في تسخيره منها، والانتفاع أكثر بها، وفي ذات الوقت ففي الحديث النهي عن إهدار طاقة الفكر فيما لا يرجع بطائل على الإنسان، وذلك
стр. 146
محاولته التفكر في ذات مولانا و (حقيقة) صفاته وكيفية أفعاله ، حتى إنه ورد في بعض طرق هذا الحديث تعليل هذا النهي بقوله «فتهلكوا»، وقد هلك المتفلسفون بالفعل، بخوضهم فيما لم يؤذن لهم بالخوض فيه، وذلك بكلامهم على ما أسموه بما وراء الطبيعة، تكلموا فيه من غير دليل، ولا خريت يعرف السبيل، ولا دليل هنا إلا النقل الصحيح، فإن المؤمن في دينه لا يخرج عن أشياء: تصديق الخبر، وفعل المأمور، واتناب المحظور، والصبر على المقدور.
стр. 147
(لا علم للخلق إلا ما علمهم الله)
• قوله:
٤ - «ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والارض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم».
المعنى أن أحدا لا يمكنه معرفة شيء من العلم إلا ما شاء الله أن يعلمه إياه، ويمكن أن يكون المراد أن الخلق لا يعرفون شيئا عن ذات مولانا وصفاته إلا ما علمهم إياه في كتبه وعلى ألسنة رسله، فإن هذا هو السبيل الوحيد إلى تلك المعرفة، فيكون استدلالا على ما في الفقرة المتقدمة، أما التأمل في خلقه وهو مطلوب كما تقدم فإنما يدل على وجوده وربوبيته، واستحقاقه عبادة خلقه له، لكن لا يؤخذ من ذلك تفاصيل صفاته، وأفعاله، وأحكامه، ومراضيه، ومساخطه، فهذا هو الفرق بين الانتفاع بالآيات الكونية، والآيات المتلوة المنزلة، وكون الواحد من الناس متعمقا في علم من العلوم الكونية لا يعني ذلك أنه يعرف الله المعرفة الحقة، بل الغالب أن لا يوحد الله أصلا وواقع علماء الدنيا الكفار شاهد على هذا، قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤] قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وهم إذا ذكروا في الكتاب أو السنة فالمراد بهم العلماء بالله وبشرعه، فإذا انضم إلى علمهم هذا علمهم بخلقه فهذا خير، وسياق آية فاطر يشير إلى هذا النوع من العلماء.
قال ابن كثير ﵀: «أي لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا ما أعلمه الله وأطلعه عليه، ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته إلا ما أطلعهم عليه، كقوله ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].
стр. 148
قلت: والمعنى الثاني هو المناسب لمراد المؤلف، لأنه عطفه على ما قبله وهو قوله: ولا يتفكرون في ماهية ذاته، أي وحيث إن الأمر كذلك؛ فإنه لا يمكنهم معرفة صفاته؛ إلا بتعليمه لهم مما شاء أن يعلمهم إياه.
وقوله «وسع كرسيه السموات والارض»، أي لم يضق كرسيه عن السموات والأرض لسعته، فهو أكبر منهن مجتمعات، والكرسي في اللغة واحد الكراسي يجلس عليه، ولذلك قال المؤولون: وهذا مستحيل على الله تعالى، فهو إذن تصوير وتمثيل حسن لعظمته، لأن النفوس البشرية تجد من التعظيم والهيبة عند سماع الأشياء المحسوسة الدالة على الكبرياء والعظمة ما لا تجده عند سماع غير ذلك!!.
قال القرطبي في تفسيره: «وأرباب الإلحاد يحملونهما على عظم الملك، وجلالة السلطان، وينكرون وجود العرش والكرسي، وليس بشيء، وأهل الحق يجيزونهما، إذ في قدرة الله متسع، فيجب الإيمان بذلك».
وقال بعضهم: إن الكرسي هو العرش، فإنه لم يذكر في القرآن إلا في هذه الآية، وذكر العرش مرات، ولم يرد ذكرهما مقترنين حتى يحمل كل منهما على شيء، كما هو الأمر في الإيمان والإسلام مثلا، ولأن العرش في الأصل كرسي يسع أكثر من واحد كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠]، فلما كان الأمر كذلك ساغ اعتبار الكرسي هو العرش.
وكل هذا مخالف للحق، ثم لظاهر كلام المؤلف، لو لم يرد عنه ما يبينه، فكيف إذا جاء من كلامه ما يدل على مراده، وهو قوله في كتاب الجامع: «وأن له كرسيا كما قال: «وسع كرسيه السموات والارض»، وبما جاءت به الأحاديث أن الله يضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء.
وقال مجاهد: كانوا يقولون: «ما السموات والأرض في الكرسي إلا كحلقة في فلاة»، انتهى.
فالحق أن الكرسي غير العرش، وهو مخلوق عظيم، والعرش أعظم منه، فقد جاء في الحديث الذي رواه ابن مردويه عن أبي ذر الغفاري أنه سأل النبي ﷺ عن الكرسي
стр. 149
فقال: «والذي نفسي بيده ما السموات السبع، والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة» (١)، وفيه نص على حجمه قياسا إلى السموات والأرض، وعلى حجم العرش قياسا إلى الكرسي.
وقد جاء عن ابن عباس ﵄ بسند صحيح قال: «الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى» (٢)، والخير في التسليم، وروي عنه تفسيره بالعلم ولم يصح، فضلا عن أنه يلزم منه التكرار، لسبق الكلام على العلم، وإثبات الكرسي والعرش لا يلزم منه تمثيل، ولا تكييف، ويقال فيه ما يقال في العرش، بيد أنه لم يرد في الكرسي من صفات الفعل ما ورد في العرش من الاستواء فيما أعلم.
واختلف في أيهما خلق أولا، العرش أم القلم؟، والصواب: أنه القلم، ومن قال إن العرش أول مخلوق قاله استنباطا ككما أشار إليه الألباني ﵀، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : «إن أول ما خلق الله القلمُ، فقال له: اكتب، قال: رب وما أكتب؟، قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، من مات على غير ذلك فليس مني» (٣)، وقد يكون في الاستدلال بهذا الحديث على كون القلم أول مخلوق شيء لما في إعراب كلمة أول من الاحتمال، لكن الاحتمال المذكور يرفعه قول النبي ﷺ : «إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم، فأمره فكتب كل شيء يكون» (٤).
وقال ابن القيم ﵀ في نونيته:
والناس مختلفون في القلم الذي … كتب القضاء به من الديان
стр. 150
هل كان قبل العرش أو هو بعده … قولان عند أبي العلا الهمداني
والحق أن العرش قبل لأنه … وقت الكتابة كان ذا أركان
وكتابة القلم الشريف تعقبت … إيجاده من غير فصل بيان
وقال أبو الحسن شترح الرسالة عن العرش: «وهو أول المخلوقات على الأصح»، انتهى، فعلق الشيخ علي العدوي عليه قائلا: «ضعيف، بل الذي عليه (المحققون؟) أن أولها نوره ﷺ ، ثم الماء ثم العرش ثم القلم»، انتهى، وهذا القول باطل، قال الألباني: «وحديث عبد الرزاق غير معروف إسناده»، انتهى، والحامل على هذا وما كان مثله هو الأخبار الضعيفة مع العاطفة والمحبة التي لا تنضبط بالشرع، بل كثيرا ما اعتمد عليها لهدم الشرع، وقد نهينا عن إطراء النبي ﷺ فكيف إذا كان بغير حق؟، ومما يؤسف له أن نسمع مثل هذا الباطل كلما جاء شهر ربيع الأول الذي يرجح أن النبي ﷺ ولد فيه.
وقوله: «ولا يؤوده حفظهما»، يقال آده يؤوده إذا أثقله، والمعنى أن ربنا لا يعييه حفظ السموات والأرض، كما لم يعيه خلقهن، لكمال قدرته، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾
[فاطر: ٤١].
وقوله: «وهو العلي العظيم»، فيه إثبات صفة العلو لله تعالى، علو الذات وعلو المنزلة والمكانة والقهر، وهذه الصفة ثابتة بالنصوص الكثيرة، كتابا وسنة، وقام عليها عليها الفطرة.
وقد ذكر ابن أبي العز أن أدلة علو الله تعالى على خلقه لو بسطت لبلغت ألف دليل، وقال ﵀ وأما قوله: «محيط بكل شيء وفوقه»، وفي بعض النسخ: «محيط بكل شيء فوقه»، بحذف الواو من قوله: فوقه، والنسخة الأولى هي الصحيحة، ومعناها أنه تعالى
стр. 151
محيط بكل شيء، وفوق كل شيء، ومعنى الثانية أنه محيط بكل شيء فوق العرش، وهذه والله أعلم إما أن يكون أسقطها بعض النساخ سهوا، ثم استنسخ بعض الناس من تلك النسخة، أو أن بعض المحرفين الضالين أسقطها قصدا للفساد وإنكارا لصفة الفوقية، وإلا فقد قام الدليل على أن العرش فوق المخلوقات، وليس فوقه شيء من المخلوقات، فلا يبقى لقوله محيط، بمعنى محيط بكل شيء فوق العرش والحالة هذه معنى، إذ ليس فوق العرش من المخلوقات ما يحيط به، فتعين ثبوت الواو، ويكون المعنى أنه سبحانه محيط بكل شيء، وفوق كل شيء»، انتهى.
وقد ذكر ابن كثير ﵀ أن آية الكرسي اشتملت على عشر جمل، كما اشتمل قوله تعالى في سورة [الشورى: ١٥]: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ الآية على عشر جمل.
قلت: وقد خص بعض العلماء آية الكرسي بالتأليف، وهي أعظم آية في القرآن الكريم، وفيها اسم الله الأعظم كما صح بذلك الخبر، وأنا أشير هنا إلى ما د لت عليه كل جملة من تلك الجمل باختصار:
١ - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: دلت على انفراد الله تعالى بالإلهية، والمقصود إبطال أن يستحق العبادة ما عبد من دونه، ولذلك جاءت الفقرات التي بعدها تؤكد مضمونها، أو تبين لوازمها.
٢ - ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: وصف ربنا نفسه بالحياة والقيومية على خلقه، فهو تقرير لمضمون الجملة قبله، لأنها دالة على كمال حياته بخلاف غيره، فإنهم جميعا محتاجون مفتقرون إليه.
٣ - ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: نفى عن نفسه سبحانه نقص الحياة ممثلا في السنة والنوم، ومثلهما الغفلة والذهول والسهو والنسيان والخطأ، وإنما نص على نفي النوم لأن نفي السنة لا يستلزم نفيه، لأنها أوله، فاقتضى ذلك اتصافه بالحياة الكاملة التي ليست لغيره، فكان تدبيره لخلقه دائما مستمرا، سبحانه جل شأنه، وعز سلطانه.
٤ - ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: هو مالك السموات والأرض وما فيهما، وهذا
стр. 152
يقتضي انفراده بالإلهية، كما أنه تعليل لاتصافه بالقيومية، فإن من كانت هذه المخلوقات ملكا له، فهو حقيق أن يكون قيومها وألا يهملها.
٥ - ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: فيها إبطال حق الإدلال عليه، لكونه مالكا للسموات والأرض، فلا يجرؤ أحد على طلب الشفاعة عنده بمكانته أو جاهه كما هو شأن الناس، ولذلك استثنى من يأذن له، فهو ليس كغيره يشفع عنده بغير إذنه شفاعة الحق أوشفاعة الباطل، فهذا إبطال لما كانت العرب تعتقده في آلهتهم، يرون أنهم يعبدونها لتقربهم من الله وتشفع لهم عنده.
٦ - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: هو العليم بخلقه ظواهرهم وبواطنهم سرهم وعلانيتهم، ما مضى من أعمالهم، وما يأتي منها، فلذلك لا تكون الشفاعة عنده إلا بإذنه، إذ هو أعلم بمن يستحقها فيأذن في الشفاعة له، ممن لا يستحقها فلا يأذن.
٧ - ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾: لا سبيل للخلق إلى شيء من العلم علما يقينيا تاما، أو علم شيء عن ذاته أوصفاته وأفعاله إلا ما علمهم، فأنى لهم أن يصفوه من عند أنفسهم؟.
٨ - ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: فيها بيان سعة ملكه سبحانه، فهذه السموات والأرضون على سعتها ليست شيئا ذا بال إلى جانب كرسيه فكيف بعرشه؟.
٩ - ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾: وعلى سعة هذه السموات والأرض لا يلحق ربنا نصب ولا مشقة في حفظ مخلوقاته وتدبير شؤونها
١٠ - ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾: هو العلي على خلقه علو ذات ومكانة ومنزلة وقهر، العظيم أي أعظم من كل شيء.
стр. 153
(من أسماء الله الحسنى)
• قوله:
٥ - «العالم الخبير، المدبر القدير، السميع البصير، العلي الكبير».
اعلم أن هذه الصفات كلها صيغ مبالغة باستثناء المدبر، وكذا العالم على إحدى النسختين من نسخ الرسالة، والمؤلف لما ختم الفقرة السابقة بذكر اسمين من أسمائه سبحانه؛ ناسب أن يذكر بعضها، فذكر منها ستة، وقد وردت في القرآن كما ذكرها اثنين اثنين باستثناء المدبر، فقوله: «العالم الخبير»، جاء في بعض النسخ العليم وهو المناسب هنا لاقترانهما كذلك في القرآن، كما قال تعالى: ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣].
والعليم: صيغة مبالغة من العلم، ويقرن بالخبير من الخبرة وهي المعرفة ببواطن الأمور، وخبير بما تعملون عالم بأخبار أعمالكم، وقيل عالم ببواطن أموركم، قاله الراغب، فلعل وجه الجمع بينهما هو ما ألمح إليه الراغب، فيصرف كل وصف إلى معناه، بخلاف ما إذا انفردا كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٣]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [آخر الأنفال]، فإن كلا منهما يشمل المعنيين، والله أعلم.
فإن قلت: قد جاء تعليق علم الله تعالى في بعض المواضع بالاختبار والتكليف، وهما حادثان، فكيف يلتقي هذا مع كون صفات مولانا أزلية؟، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة: ١٦]، فالجواب: هو أن المراد أن الله تعالى لا يؤاخذ عباده بمجرد علمه بما هو كائن منهم وصادر عنهم، بل يثيبهم ويعاقبهم بصدور الأفعال عنهم، وإلا ما
стр. 154
احتاج الأمر إلى خلق وتكليف، فالعلم المعلل به في تلك النصوص علم الوقوع والحصول طبقا للعلم الذي هو صفة من صفات الله الأزلية.
وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، قال ابن كثير: «إنما شرعت لك يا محمد التوجه أولا إلى بيت المقدس ثم صرفناك عنها إلى الكعبة ليظهر حال من يتبعك ويطيعك، ويستقبل معك حيثما توجهت ممن ينقلب على عقبيه».
وقوله: «المدبر القدير»، أي المتصرف في شؤون خلقه بقدرته سبحانه.
قال الراغب: «التدبير التفكير في دبر الأمور، يعني في عواقبها ونهاياتها»، انتهى، ومن يعرف عواقب الأمور ومآلاتها كيف لا يعرف حالها؟.
وقال صاحب المنار: «التدبير في أصل اللغة التوفيق بين أوائل الأمور ومباديها، وأدبارها وعواقبها، بحيث تكون المبادئ مؤدية إلى ما يريد من غاياتها، كما أن تدبر الأمر أو القول هو التفكر في دبره، وما وراءه، وما يراد منه، وينتهي إليه» (١).
قال الشيخ العباد: «وأما المدبر فلا أعلم ما يدل على أنه من أسماء الله، وقد جاء وصف الله تعالى بالتدبير كما قال الله : ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [الرعد: ٢]، وهو في مواضع عدة من كتاب الله، ومجيء صفة الفعل في الكتاب او السنة كما هنا لا يسوغ أخذ اسم منها لله تعالى»، انتهى، قلت: هذا لا يفبل في المخلوق، فإنه لا يقال لمن يأكل آكل، ولا لمن يشرب شارب، ومثله قائم ونائم، بحيث يصير ذلك اسما له لا مجرد وصف له يعتريه، ويفارقه، فكيف يشتق للخالق سبحانه من فعله اسما دائما له؟.
وقال الشيخ علي الصعيدي العدوي: قوله قال تعالى: «يدبر الامر»، أتى به دليلا على أن منها (يعني أسماء الله تعالى) المدبر، وفيه نظر، لأن الصحيح أنه لا يكفي في صحة الإطلاق ورود الفعل ولا المصدر، نَعَم، لا اعتراض على المصنف لأنه ورد في السنة اسم المدبر كما في الجامع الصغير»، انتهى، وهذا الذي قاله ﵀ بخصوص عدم الاكتفاء
стр. 155
بمجيء الفعل والمصدر حق جزاه الله خيرا، وهو يشير إلى حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة» (١) ثم سردها وذكر منها المدبر.
وقد يقال إن هذا من باب الإخبار، وهو أوسع من باب الأسماء التوقيفية كما سبق القول في وصف القديم، لكن تصريح الشارح بقوله: ومنها ينفي أن يكون هذا قصده.
والقدير: قال الراغب القدرة إذا وصف بها فاسم لهيئة بها يتمكن من فعل شيء ما، وإذا وصف بها الله تعالى فهي نفي العجز عنه، ومحال أن يوصف غير الله بالقدرة المطلقة معنى، وإن أطلق عليه لفظا، بل حقه أن يقال قادر على كذا، ومتى قيل قادر فعلى سبيل معنى التقييد، ولهذا لا أحد غير الله يوصف بالقدرة من وجه إلا ويصح أن يوصف بالعجز من وجه، والقدير هو الفاعل لما شاء على قدر ما تقتضي الحكمة، لا زائدا عليه ولا ناقصا عنه، ولذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله تعالى، انتهى.
وقوله: «السميع البصير» دال على صفتي السمع والبصر، وقد جمعا في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وكثيرا ما يجمع بينهما في القرآن كقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]، فجاء وصفه تعالى بالسمع بصيغة الفعل الماضي، وبالمضارع، وبالوصف مقرونا بالبصر، وسمع الله تعالى محيط بكل المسموعات، كما أن بصره محيط بكل المبصرات.
والله تعالى عالم بعلم، سميع بسمع، بصير ببصر، قادر بقدرة، والمعتزلة يقولون إنه سبحانه لا علم له، ولا سمع، ولا بصر، وأنها أسماء أعلام، ويظنون ذلك توحيدا، فيزعمون أنه عالم بذاته، قادر بذاته، وهكذا، وقد حكي عن عمرو بن عبيد رأس المعتزلة في وقته أنه بينما كان يقول إن الله تعالى عالم بذاته، لا بعلم قام به، وقف عليه أعرابي فسمع كلامه، فأنشأ يقول، والقصة وإن كان الوضع باديا عليها إلا أن ما فيها حق، قال:
стр. 156
أراك سقيم الفهم يا عمرو جاهلا … عديم الحجا والعلم مسترذل النظر
أترضى إذا ما قال يا عمرو قائل … أبوك عليم دون علم ولا نظر؟
حليم بلا حلم تقي بلا تقى … سميع بلا سمع بصير بلا بصر
جواد بلا جود وفي بلا وفا … جميل بلا حسن حيي بلا خفر
مديحا تراه أو هجاء وسبة … فما أنت إلا في ضلال على خطر
وقد بين القاضي عبد الوهاب أنه أدرك من يقول بأن الله عالم بغير علم، قادر بغير قدرة، حيث قال: «ولقد قلت مرة لداعية من دعاتهم عندنا ببغداد: ما تقول في رجل قال: أنا كافر برب لا علم له ولا قدرة؟، فقال: إن كان من أهل العلم والاجتهاد، وفيه فضل للبحث والنظر أطلقنا عليه القول بأنه كافر بالله، وهو عندنا كقول من قال: أنا كافر برب لا زوجة له ولا ولد، فهو كافر بالله لا محالة، لأن استحالة أن يكون لله علم وقدرة كاستحالة أن يكون له والد أو ولد»، انتهى، ومما سجله من كلامه: «إن أردت أنك كافر برب ليس بعالم ولا قادر، أو لا يعلم ولا يقدر، فلست بكافر بالله، لأن الله تعالى بخلاف الصفة التي علقت الكفر بوجودها به، وإن أردت أنك كافر برب ليس له صفة قديمة هي علم وقدرة على حسب ما يقوله من خالفنا من أصحابنا في المسألة من أهل السنة والأثر، قال: فنقول: قد كفرت بالله تعالى، ثم علق على ذلك بقوله: «فما قولك في قوم هذا اعتقادهم في الله وصفاته»؟.
وقد أثبت من يزعمون أنهم يتبعون أبا الحسن الأشعري ﵀ سبع صفات لكون العقل قد دل عليها، وهي القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، أما القدرة فلأن المخلوقات لا توجد إلا بها، فلا بد في الخلق منها، وأما الإرادة فلأنها لازمة للتخصيص وهو موجود في المخلوقات، نحو الإغناء والإفقار والطول والقصر والعلم والجهل وغير ذلك، ولا بد أن يكون القادر المريد عالما، أما الحياة فلأن القادر المريد العالم لا يكون ميتا، ومن كان حيا كان سميعا بصيرا متكلما، أما غير هذه الصفات فإنهم يؤولونها لأنها توهم التشبيه كما يزعمون، أو يفرون من التأويل إلى التفويض، فهم بين
стр. 157
شرين، وهذه قاعدة عامة عندهم في صفات الله تعالى، وهي باطلة مخالفة للحق، وهي التي أشار إليها صاحب الجوهرة بقوله:
وكل نص أوهم التشبيها … أوله أو فوض ورم تنزيها
ويقال لهم إذا كانت هذه الصفات التي أثبتموها لا توهم التمثيل او التشبيه كما تقولون فلم كان غيرها موهما له؟، والحال أنه وارد في كلام الله وكلام رسوله ﷺ كالمحبة والبغض والفرح والغضب والعجب والنزول والمجيء والدنو، فهل هذا إلا تحكم؟، ويقال لهم إنكم تثبتون لله الذات فلم لم يلزم من ذلك التمثيلُ ولزم من إثبات الصفات، فلجأتم إلى تأويلها أو قلتم بنفويض معناها، والكلام على الصفات فرع الكلام على الذات؟، فالواجب على كل مسلم هو تصديق خبر الله ورسوله وطاعة أمرهما ونهيهما، والإيمان بكل ما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من أسماء الله وصفاته وسائر ما صح الخبر به، والكف عن كثرة الكلام، ولا يلزم من شيء من ذلك تمثيل، حتى يلجأ إلى التأويل، وما حمل القائل به عليه إلا توهم التمثيل وتحكيم العقل فيما لا سبيل إليه، مع أن الذكر سابق عليه، فكيف يقدم عليه؟.
وقوله: «العلي الكبير» اجتمع ذكر هاتين الصفتين في قوله من سورة سبإ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]، واقترن العلي بوصف العظيم كما في آية الكرسي وقد تقدم، وقال تعالى في سورة [الشورى: ٤]: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾، وهو علو ذات، وعلو مكانة، وعلو قهر، فلا يجوز تأويله، وقد كثرت النصوص الدالة على علو مولانا، ودلت الفطرة على ذلك أيضا، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٦١]، وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقال النبي ﷺ للجارية: أين الله»، فلما قالت في السماء، وأقرت بنبوته قال: «اعتقها فإنها مؤمنة» (١)، وهو في الصحيح، ولا يلزم من إثبات كون الله تعالى فوق خلقه القول بأنه في جهة مخلوقة، فإن الذي نعتقده أنه سبحانه مستو على عرشه فوق خلقه مباين لهم.
стр. 158
(استواء الله تعالى على العرش)
• قوله:
٦ - «وأنه فوق عرشه المجيد بذاته، وهو في كل مكان بعلمه».
الذي في كتاب الله تعالى أنه سبحانه استوى على العرش، فالتعبير به أجود، وإن كان ربنا قد وصف نفسه بالفوقية، لكن لا بقيد كونها على العرش، وهذا المعنى هو الذي دفع القاضي عبد الوهاب إلى القول: «هذه العبارة الآخرة التي هي قوله (على العرش) أحب إلي من الآولى التي هي قوله: «وأنه فوق عرشه المجيد بذاته»، لأن قوله: (على عرشه) هو الذي ورد به النص، ولم يرد النص بذكر فوق، وإن كان المعنى واحدا، وكأن المراد بذكر الفوق في هذا الموضع أنه بمعنى على، إلا أن ما طابق النص أولى بأن يستعمل»، انتهى، وهذا يدلك على ما كان عليه الناس في وقته من التقيد بما في النصوص عند الحديث عن العقائد، ولا سيما صفات الباري .
وقد ذكر المؤلف هذا عقب ذكره صفة العلو ليبين أن علوه تعالى على الحقيقة لا على المجاز كما يقول المؤولة، وقوله بذاته أضافها لرد دعوى المجاز الذي ذهب إليه من ذهب من المؤولين، ولينفي ما قيل بوجوده في كل مكان كما ذهب إليه أصحاب الحلول، ولذلك ذكر بعده قوله: «وهو في كل مكان بعلمه»، وذكر في الجامع هذه العبارة غير أنه أضاف إليها كلمة «دون أرضه» حسما لتأويل من قد يتأول كلامه، أو يتبع المتشابه من النصوص، فجزاه الله خيرا، قال ﵀ في الجامع: «وأنه فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وأنه في كل مكان بعلمه»، انتهى، وإنما قلت هذا لأنه سيأتي له ذكر الاستواء على العرش، فحمل كلامه الظاهر التكرار على وجه يستفاد منه جديد خير من اعتباره تكرارا
стр. 159
محضا، وإن كان كثيرا في رسالته هذه.
والصواب: أن (المجيد) في كلامه مخفوض على أنه صفة للعرش، وزعم بعضهم أن قول المؤلف بذاته متعلق بالمجيد، وضمير الغائب المضاف إليه على كل من القولين يرجع إلى الله تعالى.
والمجيد من المجد وهو الشرف الواسع، وهو صفة للعرش، فيكون المعنى العظيم العالي على جميع الخلائق كما قالت العرب: «في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار»، أي عظما، والمرخ والعفار شجران يكثر قدح النار من زندهما، وقد وصف العرش بذلك في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ [النمل: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ [البروج: ١٤ - ١٥]، قرئ المجيد بالرفع على أنه صفة لله تعالى، وبالجر على أنه صفة للعرش، ووقف ابن أبي جمعة الهبطي على (العرش) ليتعين رفع المجيد على الابتداء، وقد تقدم كلام الشيخ بكر أبي زيد في بيان الدافع لبعض الأئمة إلى إضافة كلمات في العقائد من أجل التوضيح سعيا منهم للرد على المؤولين، ومن ذلك قول المؤلف هنا بذاته، وقول بعضهم بالحقيقة، وقولهم مباين لخلقه، إلى ذلك من المعاني الصحيحة.
وجمعه بين ذكر علوه تعالى بذاته، وكونه في كل مكان بعلمه هو دفع في نحور متبعي المتشابهات، المعرضين عن المحكمات، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ [المجادلة: ٧]، فإن جمهور العلماء على أنها معية علم، يدل على ذلك سابق السياق ولاحقه، وهذا قول السلف، وهو أيضا قول مالك ﵀، فعن عبد الله بن نافع قال كان مالك بن أنس يقول: الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء، وتلا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [المجادلة: ٧] الاية»، ويدل على ذلك أيضا ما أكرم الله تعالى به أنبياءه ورسله وصالحي
стр. 160
عباده حيث خصهم بأنه معهم كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]، فمعية العلم عامة لخلقه وهذه معية خاصة بأوليائه، وإلا ما كان لهذه المعية خصوصية.
стр. 161
(قرب الله تعالى من خلقه)
• قوله:
٧ - «خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وما تسقط من ورقة الا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين».
قوله هذا إشارة إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦]، فالله تعالى هو خالق الإنسان المحيط بجميع أموره حتى إنه يعلم ما في باطنه مما لا يعلمه غيره وهو خواطره وأفكاره وما توسوس به نفسه من الخير والشر، كما يعلم سائر مخلوقاته، ومقصود المؤلف لزوم اعتقاد إحاطة علم الله تعالى بجميع الأشياء ظاهرها وخفيها، دقها وجلها، ما كان منها موجودا، وكل ما هو كائن فالله تعالى يعلمه، كما قال تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣]، وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣].
والوسوسة ما يجول في النفس من الخواطر، والعزائم، وهي كلمة جامعة لكثير مما يجري في باطن الإنسان، لذلك عبر بها بدل التعبير بالفكر، والظن وغيرهما.
وإضافة الحبل إلى الوريد بيانية، أي حبل هو الوريد، وهو واحد الحبال، والأوردة هي الشرايين، وهي عروق غليظة، الوريد أحدها، وفي الجسد وريدان يكتنفان العنق.
والقرب إما قرب علم كما تقدم في الكلام على المعية في آية المجادلة، وإما قرب الملائكة، وبالقولين فسرت الآية، وقد جاء التعبير بنحوه فيما علم أن المراد به يقينا غير الله
стр. 162
تعالى، قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)﴾ [هود: ٧٤]، فإن الذين جادلهم إبراهيم إنما هم الملائكة، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩]، والذي قرأ على النبي ﷺ إنما هو جبريل ﵇، وقال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾ [الواقعة: ٨٥]، وكما جاء التعبير عن قبض الأرواح تارة بإسناده إلى الملائكة، كقوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١]، وتارة إلى ملك الموت كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وربما فر بعضهم من هذا المعنى الذي لا يختلف في صوابه فوقف على لفظ (الملائكة) من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾ [الأنفال: ٥٠]، كما فعل ابن أبي جمعة الهبطي، فيقال: وما ذا يفعل بالآيات التي أسندت التوفية فيها إلى الملائكة نصا كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨].
وقوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هي آية من سورة الأنعام: ٥٩]، وفيها دليل على أن الله تعالى عالم بكل الأشياء من غير فرق بين الكليات والجزئيات، ولا بين المعقولات والمحسوسات، وقد ذهب إلى التفصيل الفلاسفة، فأنكروا إحاطة علم الله بالمخلوقات، وقوله «إلا يعلمها»، أي يعلمها علم وقوع كما تقدم، وإلا فهو عالم بكل ما يكون في الأزل، والكتاب المبين هو اللوح المحفوظ، والمراد ضبط تلك المعلومات، وعدم تبدلها أو تغيرها عما هي عليه في علم الله تعالى.
فإن قيل: العلم هنا متعلق بالمحسوسات فأين دليل العلم بالمعقولات والإرادات؟، قيل: بل السياق شامل للجميع، لأن قبله قوله سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [سورة الأنعام: ٥٩] وقال: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وقال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)﴾ [النبأ: ٢٩].
стр. 163
وإحاطة علم الله تعالى بالأشياء كلها من المعلوم من الدين بالضرورة، وقد خالفت فيه الفلاسفة فقالوا إن الله لا يعلم الجزئيات، ولكن يعلم الكليات، وقسموا الأمور أربعة أقسام، باعتبار التشكل والتغير، فأثبتوا علم الله تعالى لقسم واحد، ونفوه عن ثلاثة، زاعمين أنه إنما يعلم منها ما كان غير متشكل ولا متغير، أما ما كان فيه واحد منهما فلا يعلمه، لتوقف إدراك الجسمانيات على آلات جسمانية، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
وهذا أحَدُ أمور ثلاثة خالف فيه الفلاسفة أو بعضهم ما عليه المسلمون، والثانية إنكار حشر الأجساد، والثالثة القول بقدم العالم، وهي كفر من القائل بها.
وقد قال بعضهم في تلك الثلاثة:
بثلاثة كفر الفلاسفة العدا … إذ أنكروها وهي حقا مثبته
علم بجزئي حدوث عوالم … حشر لأجساد وكانت ميته
وهناك فرق بين القول بقدم العالم الذي هو كفر، وبين القول بأن الله تعالى لم يزل حيا قادرا فعالا لما يريد متكلما إذا شاء، وأن الفعل والكلام من صفات كماله التي لا يجوز تعطيله عنها، فهذا معتقد أهل الحق من السلف والخلف.
قال ابن القيم في نونيته ذاكرا مذهب المعطلة:
وقضى بأن الله كان معطلا … والفعل ممتنع بلا إمكان
ثم استحال وصار مقدورا له … من غير أمر قام بالديان
بل حاله سبحانه في ذاته … قبل الحدوث وبعدها سيان
стр. 164
• قوله:
٨ - «على العرش استوى، وعلى الملك احتوى».
تقدم القول في العرش عند الحديث على الكرسي، وأنه غيره، وجمع المؤلف بين هاتين الجملتين بالعطف للرد على من فسر الاستواء بالاستيلاء مستدلا بقول بعضهم:
قد استوى بشر على العراق … من غير سيف أو دم مهراق
والذي يتعين قوله أنه لا ينبغي الاستدلال بمثل هذا الشعر لإثبات صواب إطلاق الاستيلاء على الاستواء، حتى ولو صح في اللغة، إذ القرآن لا يفسر بالاعتماد عليها وحدها، بل المرجع في ذلك أولا إلى القرآن نفسه، ثم إلى السنن المرفوعة، ثم إلى أقوال من نزل فيهم، وهم الصحابة، ثم من جاء بعدهم من القرون المفضلة، فكيف إذا تعلق الأمر بصفات الله؟.
ولو فهم المؤولون قول مالك ﵀ ما وقعوا فيما وقعوا فيه من التعطيل، فقد سئل عن ذلك، فقال: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة»، والمشهور أن هذا القول له، وقد نسب إلى غيره، وإلى بعض أزواج النبي ﷺ ، ولم يصح مرفوعا، ومعناه أن الاستواء معلوم في لغة العرب التي نزل بها القرآن، لكنه مجهول الكيفية كسائر صفات الله تعالى، ولا يصح أن يقول إنه معلوم، ثم يقول القائل إنه غير معلوم الحقيقة، فالواجب إمراره على الظاهر وعدم تكييفه، ثم ذكر أن السؤال عنه بدعة، إذ لم يؤثر عن الناس مثله، مع توفر الدواعي إلى نقله لو حصل، مع الحاجة إليه لكونه متعلقا بأعظم أمور الدين شأنا، وهو معرفة الله تعالى بصفاته، فتبين أن الناس كانوا يفهمونه على ظاهره، ولا يبحثون عن كيفيته، بل إن الكفار لم يؤثر عنهم الاعتراض على مثل هذا مع حاجتهم إليه.
قال الشيخ عبد الله بن يوسف الجديع في العقيدة السلفية: «ومن تأمل جواب الإمام مالك ﵀ لمن سأله عن كيفية الاستواء على العرش، تبينت له عدة أمور:
стр. 165
الأول: كيفية الصفات مجهولة للعباد، والثاني: معاني الصفات معلومة من لسان العرب ولغتها، والثالث: الإيمان بالصفة كما أخبر الله بها مع الجهل بكيفيتها، والعلم بمعناها واجب، لأنه داخل في عموم الإيمان بالله تعالى، والرابع: أن الزيادة والنقص بالسؤال والخوض فيها بدعة مذمومة، لم تعرف عن السلف، لما تتضمن من القول على الله تعالى بغير علم»، انتهى.
وقال الشيخ أبو الحسن: «لا يرد على هذا اللفظ ما ورد على قوله قبل (فوق عرشه) لأن القرآن أتى به، وهو من المتشابه، فمن العلماء كابن شهاب ومالك من منعوا تأويله، وقالوا نؤمن به، ولا نتعرض لمعناه، ومنهم من أجاز تأويله قصدا للإيضاح، فمعنى استوائه على عرشه استيلاؤه عليه استيلاء ملك قادر قاهر، ومن استولى على أعظم الأشياء؛ كان ما دونه في معناه، ومنطويا تحته، وقيل الاستواء بمعنى العلو، أي علو مرتبة ومكانة، لا علو مكان!!، انتهى.
ولا يخفى عنك أن هذا التأويل لا حاجة إليه، بل إنه مخالف للصواب، وتعليل غير مقنع، ولا ينبغي التمثيل لمن رفض التأويل بمالك وابن شهاب كأنهم قلة في هذا الأمر، فإنه هو الذي عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم، والمؤولون هم القلة يومئذ، وإن كثروا فيما بعد فقد خالفوا ما عليه سلفهم، والقول بأن مالكا لم يتعرض للمعنى غير مقبول، فإنه قال الاستواء معلوم، وقوله هذا منصرف إلى ما سئل عنه من كلام الله، وإنما المجهول هو الكيف، فالآية ليست من المتشابه، وإلا لكانت كل آيات الصفات وأحاديثها من هذا القبيل، فيكون أعظم ما يكلف به المرء وهو معرفة الله لا يعرف له معنى.
ثم إن الله تعالى هو خالق العرش وغيره، والخالق للشيء لا يحتاج أن يقال إنه استولى عليه، وإنما يقال هذا في حق من كان الشيء ليس تحت سلطانه، ثم صار تحته، والأمور كلها مستوية في قدرة الله، فلا يقال إن ما دون العرش أولى بالاستيلاء، إلا على وجه الاحتجاج على المنكر، كما احتج الله تعالى على منكري البعث بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)﴾ [العنكبوت: ١٩]، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وقال: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا
стр. 166
يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]، لكنه احتج عليهم بما يعلمون على ما ينكرون، وليس الأمر في الاستواء كذلك، فإنهم لا يعلمون مقدار العرش، وعليه فتعليل المؤولين لتفسيرهم استوى باستولى من قبيل: السماء أعلى من سقف الدار، والجبل أثقل من الحصا، والسيف خير من العصا.
стр. 167
(لله الأسماء الحسنى والصفات العلى)
• قوله:
٩ - «وله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، لم يزل بجميع صفاته وأسمائه، تعالى أن تكون صفاته مخلوقة، وأسماؤه محدثة».
الاسم هو ما دل على الذات كاسم الجلالة، والصفة ما دل على ذات موصوفة بتلك الصفة، لكنك قد علمت أن اسم الجلالة من أله يأله إذا عبد، فأسماؤه تعالى كلها مشتقة.
قال القاضي عبد الوهاب: «فيه رد على المبتدعة والرافضة وغيرهم من ضروب المبتدعة النافين لصفات ذاته تعالى من علمه وقدرته، وسائر صفاته، والزاعمين أنه لا علم له، ولا قدرة، ولا حياة،،،»، انتهى.
واعلم أن المؤلف قد قدم إثبات الأسماء الحسنى والصفات العلى لله تعالى على الرد على المخالفين من القائلين بحدوث بعض الصفات، أو النافين لها، وهذا هو المطلوب في التعليم: يبين الحق أولا، ثم يرد على المخالف، وقد لا يحتاج مع بيان الحق إلى هذا الرد، ولا سيما في المحيط المناوئ، والمخالفون في هذه المسألة متفاوتون، فإن منهم من نفى الصفات، ومنهم من أثبتها، لكن جعل بعضها محدثا.
قال القاضي عبد الوهاب: «واعلم أن الكلام في أن صفات ذاته تعالى غير مخلوقة ولا محدثة يجب أن يتأخر عن الكلام في إثباتها والرد على نافيها»، أي لأن النافي شر من القائل بالحدوث، فيقدم الأهم على المهم، وإن كان كل منهما مخالفا للحق.
والحسنى، مؤنث الأحسن، والعُلى جمع العُليا بضم العين، لا العَلياء الممدودة كما في حاشية الشيخ علي الصعيدي، وهما أفعل تفضيل.
стр. 168
والمراد أن أسماء الله تعالى كلها بالغة كمال الحسن ومنتهاه، وليست حسنة فحسب، فهي حسنى فيما دلت عليه من المعاني، وصفاته عُلَى، فهي على غير ما يوصف به غير الله، مما يلتقي فيه اللفظ والرسم، ويختلف المعنى كالرؤوف والرحيم والخبير والحكيم، فهذا مما يوصف به الله ويوصف به غيره، والمخلوق إذا قيل عنه عالم فعلمه معه الجهل، وقد سبق به، وإذا قيل عنه إنه قادر على كذا، فقدرته معها العجز، وهكذا فلا وصف فيه على الكمال والتمام، بخلاف المولى ، ومن الأسماء ما لا يوصف به ولا يسمى به غير الله، كاسم الجلالة الذي هو علم على الذات المقدسة، والرحمن.
وأسماء الله تعالى توقيفية يقتصر فيها على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإذا ورد شيء من الصفات بصيغة الفعل فلا يصح أن يصاغ له تعالى منه اسم، ولا يتجاوز ما ورد فيها بالتصرف والاشتقاق، فإذا ورد الفعل لم يشتق له منه الاسم، وكذلك المصدر، وما ورد منها مضافا لا يذكر مقطوعا عن الإضافة، نحو خير الماكرين، وأسرع الحاسبين.
وهي مشتقة، بمعنى أن الرحيم يدل على وجود صفة الرحمة، والسميع يدل على صفة السمع، والبصير يدل على صفة البصر، والقدير على القدرة، وهكذا.
وأسماؤه تعالى لا تنحصر في عدد، وما ورد في الحديث الصحيح من أن لله تعالى تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة، لا يدل على أنها لا تزيد على ذلك، لأن ذلك إنما أخذ من مفهوم العدد، وقد اختلف فيه، فكيف إذا عارضه المنطوق وهو أقوى منه كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١) عن عبد الله بن مسعود قال، قال رسول الله ﷺ : «ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ريع قلبي ونور صدري وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وهمه، وأبدل مكانه فرحا،،، الحديث».
стр. 169
ولعلّ وجه اختصاص التسعة والتسعين بتلك المزايا لكونها هي الذي وردت في القرآن وفي السنة، وقد تتبعه بعض أهل العلم وأحصوه منهما، فهو الذي في إمكان الناس معرفته، والله أعلم.
أما الأسماء المذكورة في الحديث فمدرجة، قال الحافظ: «ولم يقع في شيء من طرقه سرد الأسماء إلا في رواية الوليد بن مسلم عند الترمذي، وفي رواية زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عند ابن ماجة،،،» (١)، انتهى المراد منه، فالأسماء المذكورة عند المحققين إنما ألحقها بعض الرواة وأهل العلم، ومعظمها هي أسماء لله تعالى، وبعضها لم يصح فيه خبر، ولا هو في كتاب الله، وإن كان معناه صحيحا ومنه الباعث، والباقي، والوالي، والمعز، والصبور، وبعضها لا يصح أن يوصف الله به، مثل الضار، ومنها الثابت بالكتاب أو السنة ولم تذكر في الحديث كالمسعر والمنان والأعلى والطيب، ولعل بعضهم وقف على أسماء في حديث لم يصح، أو رأى صحة أخذ الاسم من الفعل أو غيره، وقد يكون بعضهم وقف على أسماء في السنة ولم يثبتها فيما جمع لأمر رآه كالمسعر، والصواب: خلافه، ومهما يكن فالصحيح من الحديث هو ذكر العدد وما يترتب على إحصائه من الثواب، ومما يؤسف له أن هذه الأسماء قد اعتقد كثير من المسلمين بل وكثيرمن أهل العلم أنها كلها أسماء الله، فدعوا الله تعالى بها قرونا، وهذا كله من شؤم التقليد، والتقليد ليس علما، ولجأ كثير منهم إلى كتابتها على جدران المساجد يزخرفونها بها، ويعلقونها في البيوت يتبركون بها، وهذا خلاف الصواب لو كانت أسماء لله حقا، فكيف وفيها ما ليس كذلك؟، والله تعالى لا يسأل ولاينادى إلا بأسمائه لقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فيقال يا عزيز، ياعظيم، يا حليم، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي ياقيوم، ولا ينادى بما لم يثبت من ذلك، فإنه قد يشمله الإلحاد في أسمائه، فإن معناه الميل، ومنه تعطيل معانيها، أو تأويلها على غير اللائق بكونها حسنى، أو تسميته سبحانه بما لم يسم
стр. 170
نفسه به
واختلف في المراد بإحصاء أسماء الله على أقوال، لعل أقربها إلى الحق أن ذلك الثواب يحصل لمن جمع أمورا ثلاثة هي إحصاء ألفاظها، وفهم معانيها، ودعاء الله تعالى بها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وأسماؤه تعالى وصفاته أزلية، فلم يكتسب الله تعالى صفة الخالق بالخلق، ولا صفة الرازق بالرزق، لكنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فهو الخالق أزلا، وهو يخلق ما يشاء، وهو الرازق أزلا، ويرزق عباده ما شاء متى شاء، ويجيء يوم القيامة والملك صفا صفا، وينزل كل ليلة إذا كان ثلث الليل الأخير.
وصفات الباري منها ما هو صفات للذات، ومنها ما هو صفات للأفعال، والفرق بينهما أن صفات الذات كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام قديمة أزلية، وصفات الأفعال يفعلها الله تعالى متى شاء كيف شاء، فهو يتكلم ويرضى ويغضب ويضحك وينزل ويدنو ويجيء متى شاء، ومن الصفات ما هو قديم النوع، لكنه حادث في بعض الأفراد كالكلام.
وقد قيل في الفرق بين صفات الذات وصفات الفعل، أن كل اسم دخله التضاد فهو من صفات الأفعال، نحو يرزق، ويعطي، ويخلق، وصفات الذات لا تضاد فيها ككونه سبحانه سميعا، بصيرا، عليما، حكيما.
والكلام على صفات مولانا فرع الكلام على ذاته، فكما أننا لا نعرف كنه ذاته، ولم يقم ذلك حجة في نفيها إذ هو كفر، فكذلك نثبت ما وصف الله تعالى به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تأويل، ومن أثبت بعض الصفات دون تأويل، وأول بعضها بحجة التنزيه فقد تحكم وتناقض، ولأن القول بالمجاز هنا لا يستقيم، إذ المجاز يصح نفيه، فيقال زيد ليس أسدا، ولا يصح أن يقال لم يستو الله على عرشه، أو لا ينزل كل ليلة، أو لا يجيء يوم القيامة.
стр. 171
(تكليم الله تعالى موسى ﷺ -)
• قوله:
١٠ - كلم موسى بكلامه الذي هو صفة ذاته، لا خلق من خلقه، وتجلى للجبل فصار دكا من جلاله، وأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد، ولا صفة لمخلوق فينفد».
في هذه الفقرة حديث عن صفة الكلام الواجبة لله تعالى، وهي مرتبطة بما سبق من إثبات أسمائه وصفاته تعالى، وأنها ليست مخلوقة، ولا مكتسبة، وإنما أفرد المؤلف ﵀ الحديث على صفة الكلام بخاصة لكثرة الخلاف فيها، حتى قيل إن ما عرف بعلم الكلام سبب نشأته الخلاف حولها، وقد ميز المؤلف في إثبات صفة الكلام بين أمرين:
- الأول: الكلام باعتباره صفة فعل له تعالى، فهو يتكلم متى شاء، ومن ذلك تكليمه موسى ﷺ ، ومن ذلك قوله إذا كان ثلث الليل الأخير من كل ليلة: «هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه، هل من سائل فأعطيه؟» (١)، وتكليمه أهل الجنة، وغير ذلك.
- والثاني: هو كلامه الأزلي الذي هو صفة ذاته كما قيل في صفة العلم والقدرة وغيرهما، والمقصود أن المؤلف بين أن الكلام صفة أزلية النوع، وأنه تعالى يتكلم متى شاء.
فأما تكليم الله تعالى موسى ﷺ فهو ثابت بالقرآن وبالسنة، قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، أي خاطبه من غير واسطة، فهذه مزية له ﷺ ، فإن الله
стр. 172
تعالى قد بين في كتابه درجات تكليمه أنبياءه، فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١]، وتكليمه موسى ﷺ من النوع الثاني.
وقد أكد الفعل بالمصدر ليدل على تحقق الكلام، فإن قوله تكليما مفعول مطلق مؤكد لعامله كما يقول النحاة، فانتفى أن يكون مجازا عند من يثبت المجاز في القرآن، وقال تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤].
والكلام كان من الله تعالى لا من الشجرة، ولا من غيرها، وسمعه موسى ﵇ بأذنه، فإن هذا هو الأصل، ولا ينبغي أن يقال إنه خاطبه بغير حرف ولا صوت، فإن الكلام الذي نعرفه لا يكون إلا كذلك، وإثبات الحرف والصوت لا يلزم منه التمثيل، كما في إثبات سائر الصفات، ومن الأدلة على ذلك قول الله تعالى: ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ [النمل: ٩ - ١٠]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [القصص: ٣٠ - ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ [مريم: ٥٢]
قال الحافظ ابن كثير: روى الحافظ أبو بكر بن مردويه أن رجلا جاء إلى أبي بكر ابن عياش فقال: سمعت رجلا يقرأ: «وكلم الله موسى تكليما»، (يعني بنصب اسم الجلالة)، فقال أبو بكر: «ما قرأ هذا إلا كافر،،،»، ثم قال ابن كثير: «وإنما اشتد غضب أبي بكر بن عياش ﵀ على من قرأ كذلك، لأنه حرف لفظ القرآن ومعناه»، انتهى المراد منه.
وذكر أيضا أن أحد المعتزلة نفاة تكليم الله موسى ﷺ قرأ على بعض المشايخ: «وكلم الله موسى تكليما»، فقال له: «يا ابن اللخناء!!، كيف تصنع بقوله تعالى: «ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه»؟، انتهى، وجاء في الحديث الصحيح قول آدم لموسى عليهما الصلاة والسلام: «أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه،،،» (١).
وقد احتاج المؤلف إلى زيادة كلمة (بذاته) في كتاب الجامع للرد على من قالوا إن
стр. 173
الله خلق كلاما في الشجرة إلى آخر تلك التخرصات، كما زادها في استوائه على عرشه، فقال: «وأن الله كلم موسى بذاته، وأسمعه كلامه، لا كلاما قام في غيره»، وهذا يدحض قول من أرهق نفسه في رد هذه الكلمة لما لم يفهم مراد المؤلف منها، أو فهم مراده وتعصب، وهو يدل على إحساس المؤلف بالحاجة إلى مثل ذلك فيما تأخر من تآليفه، وفيه الرد أيضا على هؤلاء الذين ينسبون كل من بين شيئا ووضحه إلى الإحداث في الدين، كما زعم صاحب كتاب جذور البلاء، وما البلاء إلا فيما كتبه.
وقال القاضي عبد الوهاب فيه رد على: «الجاعلين كلامه من صفات فعله، وأنه بمثابة سائر الأعراض التي تبيد وتفنى، وأنه من جنس كلام البشر ولغات الأمم،،،»، انتهى، وهذا حق إذا كان المراد منه الرد على من قال بأن كلامه تعالى مخلوق، أما إن كان المقصود عدم تكلمه تعالى متى شاء فلا، فإن الأدلة متظافرة على ذلك، وتكليم الله موسى من هذا القبيل.
وموسى ﷺ حين أكرمه الله بمزية تكليمه وخصه بها؛ تاق إلى رؤية ربه، فإن العادة جارية أن من يكلم أحدا يراه، وللعيان؛ أثره على الإنسان، حتى قيل: وليس الخبر كالمعاينة، وقيل:
ولكن للعيان كبير معنى … له طلب المكالمة الكليم
ولهذا سأل الرؤية فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فجاءه الجواب من الله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فعلق سبحانه رؤيته على أمر ممكن، هو استقرار الجبل، ودل على إمكانية تجليه أي ظهوره سبحانه للجبل وهو جماد، بيد أنه حين تجلى له جعله دكا، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي مستويا من عظمة الله وجلاله، فكان ذلك إيذانا بعدم إمكانية رؤية موسى ﷺ ربه في الدنيا، لكون ما علقت عليه لم يحصل، وقد كنت في مجلس فيه بعض المتحذلقين بوهران وهو دكتور في جامعتها فجرى ذكر نبي الله موسى ﷺ ، فقال هذا الدكتور إن من قلة الحياء أن يطلب موسى رؤية الله!! فرددت عليه بما رأيته مناسبا، وهو أن الانبياء أعرف الناس بالله فلا يسألونه محالا، وعنفته على قبح كلامه، فتراجع،
стр. 174
واعتبر بعض الحاضرين أني عكرت صفو مجلس عقد النكاح بما قلت، وأي صفو هذا الذي يصحبه الطعن في الأنبياء؟.
وقد دلّ الدليل على أن الله تعالى لا يرى في الدنيا كما في الحديث الذي رواه مسلم والنسائي مرفوعا: «تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت» (١)، تعلموا فعل ملازم لصيغة الأمر عند النحاة بمعنى اعلموا، والغاية في هذا الحديث دالة على أن ما بعد الموت مختلف عما قبلها، فنفي الرؤية في الآية إنما انصب على الدنيا، فلا يتعدى إلى ما بعدها، وقد دل كتاب الله في غير ما آية بالمفهوم والمنطوق، وكذا حديث رسوله ﷺ على رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة، نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يكرمهم بالنظر إلى وجهه الكريم.
قال ابن نافع وأشهب يزيد أحدهما على الآخر قلت: يا أبا عبد الله وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة، ينظرون إلى الله؟، قال نعم بأعينهم هاتين، قلت له: فإن قوما يقولون لا ينظر إلى الله، إن ناظرة بمعنى منتظرة إلى الثواب، قال كذابون، بل وإنما ينظرون إلى الله، أو ما سمعت قول موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾، أفترى موسى سأل ربه محالا؟، فقال الله «لن تراني»، لأنها دار فناء، ولا ينظر ما يبقى بما يفنى، فإذا صاروا إلى دار البقاء نظروا بما يبقى إلى ما يبقى، وقال الله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطفِّفين: ١٥] (٢).
وزعم الزمخشري أن لن تفيد تأبيد النفي، وهو كلام مردود، فقد قال الله تعالى عن تمني أهل الكتاب الموت: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾ [البقرة: ٩٥]، ومع أنه مؤكد بقوله (أبدا) فقد دل الدليل على أنهم يتمنونه يوم القيامة للنجاة من عذاب النار، وأنى لهم ذلك؟، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [آخر سورة النبأ]، وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ [الزخرف: ٧٧]، فيقطع مع هذا بأن لن حتى وإن قيل إنها تفيد تأبيد النفي، فإنما ذلك في الدنيا، وللآخرة أحكامها الخاصة.
стр. 175
أما ما روي من رؤية نبينا محمد ﷺ ربه ليلة المعراج فإن الصحابة قد اختلفوا فيه، إذ نفته أم المؤمنين عائشة، وأثبته ابن عباس ﵃، والظاهر ما قالته الصديقية، فقد صح عن النبي ﷺ أنه حين سئل عن رؤيته ربه قوله: «نور أنى أراه؟» (١)، والله أعلم.
وأما اتصاف الله تعالى بصفة الكلام، وأنها صفة أزلية ليست مخلوقة ومنها القرآن، فهذا باتفاق أهل السنة والجماعة.
قال القاضي: «هو إجماع كافة أهل السنة وأئمة الملة قبل الجهمية ومن نشأ بعدهم من أتباعهم المبتدعة»، انتهى.
والجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان منكر صفات الباري تعالى، كان يقول بخلق القرآن، وأن الله تعالى في الأمكنة كلها، وأن الإيمان عقد بالقلب، وإن تلفظ بالكفر، وقد قتل سنة (١٢٨).
وقد اختلف الناس في كلام الله تعالى على أقوال أوصلها شارح الطحاوية ابن أبي العز ﵀ إلى تسعة، منها الصريح في الباطل والكفر، ومنها ما فيه لبس شيء من الحق بالباطل، أبرزها أن كلام الله هو ما يفيض على النفوس من معان، وهذا قول المتفلسفة والصابئة وهو كفر، ومنها أنه مخلوق خلقه الله منفصلا عنه، وهذا قول المعتزلة، ومنها أن كلامه معنى واحد قائم بنفسه، هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار، وهو قرآن إن كانت لغته عربية، وتوراة إن كانت لغته عبرانية، وأبرز من قال بهذا ابن كلاب ومن تابعه كأبي الحسن الأشعري، ولعل ذلك قبل رجوعه إلى منهج السلف، فأما الذي عليه أئمة الحديث والسنة الموافق لما دلت عليه النصوص فهو أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو يتكلم بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديما (٢).
وقوله: «لا خلق من خلقه»، يحتمل أن يكون معطوفا على (صفة) فيكون مراده أن
стр. 176
كلامه سبحانه ليس مخلوقا، وهذا هو الأقرب، ويحتمل أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في الفعل كلم، فيكون قصده أن الذي كلم موسى إنما هو الله تعالى لا غيره من الملك، ولا أنه خلق الكلام في الشجرة، ولا غير ذلك، وقد رأيت أنه أتى به صراحة في الجامع، وكلا الأمرين قال بهما المؤولة لكن الأول أخطر.
وقوله: فيبيد معناه يهلك ومعنى ينفد يفنى، قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وقد بين الفاكهاني وجه تنويع العبارة فقال: «لأن الأجسام تفنى أصالة، فناسب قوله يبيد، والأعراض يخلف بعضها بعضا فناسب ينفد».
وقد دلّ كتاب الله تعالى على أن كلامه سبحانه لا يحد بعدد، ولا يحصر في مقدار، وهذا شأن صفاته كلها، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان: ٢٧].
стр. 177
(الإيمان بالقدر)
• قوله:
١١ - «والإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وكل ذلك قد قدره الله ربنا، ومقادير الأمور بيده، ومصدرها عن قضائه، علم كل شيء قبل كونه، فجرى على قدره».
١ - معنى كلامه أنه يجب الإيمان بالقدر خيره وشره، فإنه أحد أركان الإيمان الستة التي جاء معظمها مجموعا في كتاب الله تعالى، كما في قوله سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
وجمع أركان الإيمان كلها قول رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح في قصة مجيء جبريل ﵇ وسؤاله له عن الإيمان والإسلام والإحسان التي هي معالم الدين (١): «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وتؤمن بالقدر: خيره وشره».
٢ - أما معنى القدر في اللغة فإنه يقال قدَر الشيءَ يقدره قدرا وقدرا (من باب ضرب) إذا أحاط بمقداره، وهذا هو المناسب هنا، فأما قدره يقدره (من باب أكل) فمعناه عرف قدره وعظمه قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]، والقدر بالفتح والسكون ما يقدره الله من القضاء.
стр. 178
قال في شرح الواسطية: «والمراد به في لسان الشرع أن الله علم مقادير الأشياء وأزمانها أزلا، ثم أوجدها بقدرته ومشيئته على وفق ما علمه منها، وأنه كتبها في اللوح قبل إحداثها».
وقال الراغب: «تقدير الله الأشياء على وجهين: أحدهما بإعطاء القدرة، والثاني بأن يجعلها على مقدار مخصوص، ووجه مخصوص، حسبما اقتضت الحكمة، وذلك أن فعل الله تعالى ضربان: ضرب أوجده بالفعل، ومعنى إيجاده بالفعل أنه أبدعه كاملا دفعة لا تعتريه الزيادة والنقصان، إلى أن يشاء أن يفنيه أو يبدله كالسموات وما فيها، ومنها ما جعل أصوله موجودة بالفعل وأجزاءه بالقوة، وقدره على وجه لا يتأتى منه غير ما قدره، كتقديره في النواة أن ينبت منها النخل دون التفاح،،،».
٣ - وقد اختلف الأشعرية والماتريدية في تعريف القدر، فقالت الأشاعرة: «هو إيجاد الله الأشياء على قدر مخصوص، وتقدير معين، في ذواتها وأحوالها طبق ما سبق به العلم القديم»، انتهى، فهو عندهم صفة فعل، وقالت الماتريدية: «هو تحديد الله تعالى أزلا كل مخلوق بحده الذي يوجد به من حسن وقبح، وغير ذلك»، فهو عندهم تعلق القدرة والإرادة بالحد الذي يوجد
وقال عبد الله بن مقداد الأقفهسي: «الصحيح أنه مجموع ثلاثة أشياء: العلم، والقدرة، والإرادة»، انتهى، يعني أنه مركب من هذه الثلاثة، كما فهمه الشيخ علي الصعيدي في حاشيته، وهذا أقرب كما سترى.
٤ - والذي ورد وجوب الإيمان به إنما هو القدر، وقد علمت معناه، وستعرف إن شاء الله ما يتوقف الإيمان به عليه، وهو شامل لمعنى القضاء، لكن لما كان التعبير يجري بذكر القضاء والقدر معا في بعض كتب العقائد كان من المناسب معرفة المراد من ذكرهما إذا قرنا.
قال الراغب: «القضاء فصل الأمر قولا كان ذلك أو فعلا»، وفي لسان العرب قال الزهري: «القضاء في اللغة على وجوه: مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أحكم عمله، أو أتم، أو ختم، أو أدي أداء، أو أوجب، أو أعلم، أو أنفذ، أو أمضى، فقد قضى، ومنه القضاء المقرون بالقدر، والمراد بالقدر التقدير، وبالقضاء الخلق».
стр. 179
وعرف بعضهم القضاء بأنه «إرادة الله تعالى المتعلقة بالأشياء»، وقيل: «علمه تعالى للأشياء على ما هي عليه»، وهذا يؤدي إلى ترادفه مع العلم.
وقال بعضهم: إن القضاء «هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل»، والقدر «جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله»، ذكره الشيخ زروق عن غيره.
وقد نظم بعضهم معنى القضاء والقدر في أبيات فقال:
إرادة الله مع التعلق … في أزل قضاؤه فحقق
والقدر الإيجاد للأشيا على … وجه معين أراده علا
وبعضهم قد قال معنى الأول … العلم مع تعلق في الأزل
والقدر الإيجاد للأمور … على وفاق علمه المقدور
ومهما يكن فالقضاء داخل في معنى القدر إذا أفرد، وهكذا العكس، فإن جمعا فالذي أراه أن يصرف معنى القضاء إلى الإمضاء والخلق، ومعنى القدر إلى تقدير الأمور على ما تكون عليه أزلا، دل على ذلك قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾ [الأنعام: ٢]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ [سبأ: ١٤] وغيرهما من الآيات، وقد يراد بالقضاء المقضي، أي الحاصل من فعل الله تعالى، كما في تعوذه ﷺ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء» (١).
٥ - ويؤخذ من قول الأقفهسي الذي سبق؛ أن الإيمان بالقدر يقتضي اعتقاد أمور أربعة، مع ملاحظة أنه لم يذكر الكتابة، لأنها داخلة في العلم، وهذه الأمور هي:
أ - أن الله علم كل ما هو كائن، فلا يعزب عن علمه شيء، كما قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [آخر سورة الطلاق]، وقال: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [آخر سورة فصلت].
стр. 180
ب - وأن كل ما علمه الله كائنا هو في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)﴾ [النبأ: ٢٩]، وقال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ [القمر: ٥٢ - ٥٣]، وقال النبي ﷺ : «إن أول ما خلق الله القلم قال له اكتب، قال: وما أكتب؟، قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» (١).
ج - وأن كل ما هو كائن من الذوات والأفعال قد شاءه الله وأراده، فلا يقع في ملكه إلا ما أراد، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [آخر سورة التكوير]، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن»، ومعناه مجمع عليه، وهو عموم.
د - وأن الله تعالى يخلق ما علمه كائنا بمشيئته ذواتا كان أو أفعالا، فلا خالق لشيء غيره، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٨].
ولتعلم أن هذا التقسيم للقدر بهذا التفصيل قد قيل إنه لم يكن معروفا قبل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقد فصل القول فيه ابن القيم ﵀ في كتابه المسمى (شفاء العليل، في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل)، لكن زعم بعضهم أنه من البدع، فيقال: إن المتقدمين إذا لم يذكروه بهذا التفصيل؛ فهو داخل فيما يعنونه بالقدر بلا ريب، فإن القدر الذي هو التقدير للأشياء على وجه مخصوص لا بد أن يكون مطابقا للعلم، وعلم الله تعالى من صفاته الذاتية وهي أزلية، وقد دل الدليل على كتابة كل شيء هو كائن، فلا بد أن يكون ما علمه الله وقدره مكتوبا سلفا، وما قدره وكتبه سبحانه؛ لا بد أن يكون قد شاءه وأراده، ثم أوجده على النحو الذي علمه وكتبه وأراده، فهذه المفردات التي هي العلم بما هو كائن، وكتابته، وإرادته، وإيجاده، يتعين الإيمان بها بلا خلاف، وقد تبين وجه تعلقها بالقدر، فلا حرج في هذا التقسيم لأجل التوضيح، وقد علمت زيادة على ذلك أن ابن تيمية