← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

• قوله: ٢٩ - «والعمرة يفعل فيها كما ذكرنا أولا إلى تمام السعي بين الصفا والمروة، ثم يحلق رأسه، وقد تمت عمرته». العمرة معناها الزيارة، وحكمها في المذهب السنية كما سيأتي، وقد أمر الله تعالى بإتمامها بقوله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، واتفق أهل العلم على أن من شرع فيها لزمته، فلا يتحلل إلا أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، ما لم يحصر، أو يشترط في إحرامه على ما عليه بعض العلماء، ولها ميقاتان زماني ومكاني، فالزماني العام كله، لكن من أفرد الحج، وأراد أن يعتمر؛ فلا يحرم بها إلا بعد غروب شمس آخر يوم من أيام منى، فإن أحرم قبل ذلك؛ فلا يفعل شيئا من مناسكها إلا بعد ذلك الغروب، والميقات المكاني؛ هو الحل للمقيم داخل الحرم، والمواقيت للآفاقي، ويكره تكريرها في العام الواحد، وهي مثل الحج في الاغتسال، والتجرد من مخيط الثياب، ومحرمات الإحرام، والتلبية، والتفاصيل المتعلقة بالطواف، والسعي، فإذا أكمل المعتمر السعي؛ حلق أو قصر، وقد تمت عمرته، ويجمع ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث يعلى بن أمية أن رجلا أتى النبي ﷺ ، وهو بالجعرانة، وعليه جبة، وعليه أثر الخَلوق، أو قال صفرة، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟،،، الحديث، وفيه جواب النبي ﷺ للرجل: «اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك»، والخلوق بفتح الخاء طيب مركب يتخذ من الزعفران وغيره، فهذا يدل على تماثلهما فيما هو مطلوب في العمرة من أعمال الحج، غير أنها لا وقوف فيها، وهكذا بقية أعمال الحج التي تلي الوقوف.

стр. 1157

• قوله: ٣٠ - «والحلاق أفضل في الحج والعمرة، والتقصير يجزئ، وليقصر من جميع شعره، وسنة المرأة التقصير». المراد بالتقصير أن يأخذ المرء من جميع شعر رأسه ويترك قدر الأنملة منه في الطول، فإن لم يحلق، أو طال الزمن؛ فعليه هدي، لأن الحلق من الواجبات، أما المرأة فتقصر لا غير، بأن تأخذ من جميع شَعْر رأسها قَدْر الأنْمُلة لأن حلق رأسها مثلة، وقد روى أبو داود (١٩٨٤) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير»، وقد حسنه الحافظ في بلوغ المرام، وصححه الألباني. وإنما يكون الحلق أفضل للرجل إذا لم يكن قد لبد رأسه أو عقصه، قالوا لأن التقصير مع ذلك لا يتأتى، والتلبيد أن يجعل في شعره شيئا كالصمغ يجمعه حتى لا يتشعث، وليمنع دخول الغبار والهوام فيه، وما يفعله كثير من الناس اليوم يقاربه لكن الغرض أن تظل شعورهم ذات بريق مصففة منظمة قائمة فلا يحتاجون إلى مشطها وتسريحها!!، والدليل على إلزام الملبد والعاقص بالحلق ليس بالبين، وكون النبي ﷺ كان قد لبد رأسه وحلق؛ لا يدل على الوجوب بمجرده. ولعل عمدة القائل به ما في الموطإ (٩٠٤) عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: «من عقص رأسه أو ضفر أو لبد فقد وجب عليه الحلاق»، والعقص أن يجمع شعره في قفاه، والضفر أن يجعله ضفائر، وقد تقدم معنى التلبيد، كما أن الحلق إنما يكون أفضل في حق من لم يكن في عمرة، وهو يريد أن يحج، وكان الوقت قريبا، فإن هذا الأولى له أن يقصر في التحلل من العمرة، ويستبقي الحلق للتحلل من الحج. ويدل على أفضلية الحلق، وإجزاء التقصير؛ حديث الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهم اغفر للمحلقين»، قالوا: «يا رسول الله، وللمقصرين»، قال:

стр. 1158

«اللهم اغفر للمحلقين»، قالوا: «يا رسول الله، وللمقصرين»، قال: «اللهم اغفر للمحلقين»، قالوا: «يا رسول الله، وللمقصرين»، قال: «وللمقصرين»، فلما رضي بالتقصير بدعائه للمقصرين بعد المرة الثالثة من دعائه للمحلقين؛ دل على إجزائه وعلى أفضلية الحلق، وهو يقتضي حلق جميع الرأس، أو التقصير من جميع الشعر وهو المذهب، لا كما يفعل بعض من يحرص على زينة شعره أكثر من حرصه على أداء نسكه، وإنما يجزئ التقصير لمن كان له شعر يمكن تقصيره، وإلا كان الحلق هو المتعين كالأصلع يمر على رأسه الموسى، وقد ذكر الله تعالى في كتابه الحلق والتقصير فقال: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾ [الفتح: ٢٧].

стр. 1159

• قوله: ٣١ - «ولا بأس أن يقتل المحرم الفأرة والحية والعقرب وشبهها والكلب العقور، وما يعدو من الذئاب والسباع ونحوها، ويقتل من الطير ما يتقى أذاه من الغربان والأحدية فقط». ذكر ﵀ هنا ما يجوز للمحرم قتله من الدواب، وهي الفأرة بالهمزة الساكنة، والحية والعقرب والكلب العقور، وهو الذي يعدو فيدخل فيه السبع والكلب والنمر والفهد، ويظهر أن المؤلف لم يدخل ما ذُكر في الكلب العقور، ولهذا عطف قوله: «وما يعدو من الذئاب والسباع»، فما لا يعدو من صغار السباع لا يقتل، وقد فسر مالك في الموطإ الكلب العقور بأنه «كل ما عقر الناس، وعدا عليهم، وأخافهم، مثل الأسد والنمر، والفهد، والذئب، وأما ما كان من السباع لا يعدو مثل الضبع والثعلب والهر وما أشبههن؛ فلا يقتلهن المحرم، فإن قتله فداه، وأما ما ضر من الطير فإن المحرم لا يقتله إلا ما سمى النبي ﷺ الغراب والحدأة، وإن قتل المحرم شيئا من الطير سواهما فداه»، انتهى ببعض اختصار، والغربان جمع غراب وهو طائر أسود غالبا، والصواب في الأحدية: أنها الحدأ بكسر الحاء وفتح الدال، ومفردها حدأة ضبطها كالجمع قال: «وتفني الأولى يستلئمون على الأولى • تراهن يوم الروع كالحدأِ القبل». وقوله فقط؛ مشعر أن ما آذى من الطير من غير ما ذكر لا يقتل، وقد علمت أنه نص قول مالك. وإنما نص العلماء على جواز قتل الحاج ما ذكر؛ لأنه ممنوع من صيد البر، وإلا فإن المذكورات يقتلن في الحل والحرم كما هو نص حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «خمس من الهوام ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور»، وهو في الموطإ (٧٩٢) وعند الشيخين، وروياه أيضا عن عائشة،

стр. 1160

وروى مسلم عن ابن عمر قال حدثتني إحدى نسوة النبي ﷺ أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور،،، وذكر فيه الهوام السابقة قبلُ مع زيادة الحية، والفرق كما ترى واضح بين الحديثين: فالأول فيه رفع الجناح عمن قتلها، وفي الثاني الأمر بذلك، ودلت ألفاظ الأحاديث على أن الإحرام يمنع من ذلك، كما أن الحرم مانع، ودلت الزيادات التي جاءت في أحاديث أخرى على أن مفهوم العدد غير مراعى، وقد جاءت أعداد أخرى منها أربع، قال الشيخ الطاهر بن عاشور في كشف المغطى ص (٢٠٠): «وأحسب أن تخصيص هذه الأنواع بالذكر لأنها لما كان ضرها غير مخطر وكان من الممكن دفعها نبه عليها توسعة على الناس، إذ لا يخفى أن السباع المفترسة والحيات يقتلها المحرم لخطر إضرارها، فليس الشارع بحاجة إلى التنبيه على الإذن بقتلها، وأما سباع الطير فإن ما فيها من النفور من الإنسان ما يكفيه شرها، فإذا هاجمته فلا خلاف في قتلها».

стр. 1161

• قوله: ٣٢ - «ويجتنب في حجه وعمرته النساء والطيب ومخيط الثياب والصيد وقتل الدواب وإلقاء التفث». هذا شروع من المصنف في ذكر محرمات الإحرام، ومن المحرمات ما سببه الإحرام نفسه، ومنها ما يحرم بالحرم ولو من غير المحرم، ومن جملة ما يحرم بالإحرام النساء، أي ترك الجماع وغيره من مقدماته، كان معه إنزال أو لا، قالوا ولو علمت السلامة، وذكروا أنه يختلف عن الصوم لشدة الأمر في الحج، فإن جامع ولو من غير إمناء، أو أمنى بفعله شيئا مما يستدعي ذلك قبل أن يرمي جمرة العقبة أو مضي يوم العيد، وفي العمرة قبل أن ينهي سعيه؛ فقد فسد حجه أو عمرته، وعليه القضاء من قابل مع الهدي، وإن فعل شيئا من مقدمات الجماع ولم ينزل؛ فعليه الهدي، قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، والرفث الكلام الذي يستقبح ذكره كالحديث عن الجماع ودواعيه، والمراد به هنا الجماع والإفحاش بحضرة النساء. ومما يحرم على المحرم الطيب: مذكره ومؤنثه، والمذكر ما ظهر لونه وخفي ريحه كالورد والياسمين، فهذا يكره شمه ولا فدية فيه، ويجوز استصحابه والمكث في الموضع الذي هو فيه، ومؤنثه عكسه كالمسك والعنبر، يكره شمه، ويحرم التطيب به، وفيه الفدية، والمذهب أنه لا يشرع التطيب للإحرام ولا للتحلل الأصغر اعتمادا على ما في حديث يعلى بن أمية حيث أمره النبي ﷺ بإزالة ما عليه من الخلوق، والصواب إن شاء الله: استحباب التطيب للإحرام وللتحلل، فإن الخلوق وإن كان من الطيب إلا أنه طيب فيه زعفران وغيره، وقد ورد النهي عنه لغير المحرم فكيف به له؟، فلا يقاوم الحديث الدال على التطيب، فيحمل على ما عدا الخلوق، ولو استحكم التعارض بين الحديثين؛ لكان المطلوب الأخذ

стр. 1162

بما دل عليه حديث عائشة لكونه في حجة الوداع سنة عشر، والحديث الآخر سنة ثمان. ومن محرمات الإحرام على الرجال؛ لبس الثياب المخيطة كالقميص والسراويل والبرنس والخف والعمامة، فعن ابن عمر ﵄ أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : عما يلبس المحرم من الثياب»؟، فقال رسول الله ﷺ : «لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحدا لا يجد نعلين؛ فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا شيئا من الثياب مسه الزعفران أو الورس»، رواه مالك (٧١٤) والشيخان (خ/ ١٥٤٢) وأصحاب السنن عن ابن عمر، وقد أجاب ﷺ السائل عما لا يلبس لأنه أقرب إلى الحصر بخلاف ما يلبس، وقوله العمائم ذكرها لأنها هي التي كان الرأس يغطى بها، فلا مفهوم لها، فضلا عن كونها لقبا، فتغطية المحرم رأسه محرمة غطاه بعمامة أو بغيرها، وسينص عليه المؤلف، وأبى مالك في الموطإ أن يلبس السراويل من لم يجد الإزار قياسا على من لم يجد النعل فيلبس الخف بعد قطعه. ومما يحرم على المحرم؛ صيد البر سواء كان لأجل الأكل أو لغيره، كأن يصيد قردا أو خنزيرا أو غيرهما، كما يحرم عليه أكله إن صيد له لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، ويحل له صيد البحر لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦]، ومن خالف ذلك فعليه الجزاء وسيذكره المؤلف. وقول المؤلف «وقتل الدواب وإلقاء التفث»؛ يريد ما كان في جسم المحرم منها كالقمل، فيحرم عليه قتلها، وكذا إلقاؤها إن كان ذلك سببا في قتلها، بخلاف ما لا يتسبب إلقاؤه في قتله كالبرغوث، كما يحرم عليه إلقاء التفث، وأصله ما تأنف منه النفس وتكرهه، والمراد قص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وتقليم الظفر، وإزالة الدرن من الجسم، وجامعها أنها مما يترفه بإزالتها فيستبقيها الحاج طلبا للشعث طيلة إحرامه.

стр. 1163

• قوله: ٣٣ - «ولا يغطي رأسه في الإحرام، ولا يحلقه إلا من ضرورة، ثم يفتدي بصيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين مدين لكل مسكين بمد النبي ﷺ ، أو ينسك بشاة يذبحها حيث شاء من البلاد». تغطية المحرم رأسه لا تجوز، وكذلك حلق شعر رأسه كله أو إزالة شيء منه، أو من بقية جسده، ودليل الأول قول النبي ﷺ فيمن وقصته ناقته وهو محرم: «ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا»، وجه الدلالة أنه علل النهي عن تغطية الرأس بأنه يبعث ملبيا، والذي يلبي إنما هو المحرم، وقد احتج به بعض المالكية على منع المحرم من تغطية رأسه، وهو غير متجه ممن لم يقل بما تضمنه من عدم تغطية رأس من مات محرما لما في ذلك من التناقض، وقد عول مالك فيما ذهب إليه من تغطية رأس من مات محرما على أن الحكم خاص بمن خرج الحديث عليه لأن القيامة غيب، ودعم ذلك بأثر عن ابن عمر ﵄ وهو في الموطإ (٧٢٢) حيث قال عن ابنه واقد وقد كفنه وخمر رأسه ووجهه: «لولا أنا حرم لطيبناه»، ومن النظر الذي اعتمده قوله: «وإنما يعمل الرجل ما دام حيا، فإذا مات فقد انقضى العمل»، انتهى، والحق أن عمل الميت انقضى، لكن غيره وهو الحي مكلف بذلك، كما كلف بتغسيله وترا وتكفينه وترا ونحو ذلك، وقد كثرت الأحاديث التي فيها بعث الناس على أوصاف معينة محمودة أو مذمومة، فلا خصوص لهذا. ودليل المنع من الحلق حال الإحرام؛ قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فجعل غاية المنع من الحلق النحر، فهذا هو الأصل وهو فعل النبي ﷺ ، لكن دل قوله ﷺ على أن من خالف فلم يرتب لا حرج عليه، وقد تقدم. أما جواز الحلق من ضرورة كالمرض والضرر اللاحق بسبب الهوام؛ فللقاعدة المقطوع بها في الشرع، وهي أن الضرورات تبيح المحظورات، ثم لحديث كعب بن عجرة

стр. 1164

الآتي، لكن من حلق لعذر؛ فعليه الفدية لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ولما رواه البخاري وغيره عن عبد الله بن معقل قال قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - فسألته عن فدية الصيام فقال: حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟، فقلت: لا، قال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك»، فنزلت في خاصة، وهي لكم عامة»، ورواه مالك في الموطإ (٩٤٨) نحوه، وظاهر هذه الرواية الترتيب بين النسك بشاة من جهة، وبين الإطعام والصوم من جهة أخرى، وظاهر الآية التخيير بين الخصال، فيكفي ذلك، وإن كان النسك بالشاة أولى. وقوله يذبحها حيث شاء من البلاد»؛ فدية الأذى لا يتقيد فعلها بمكان، حتى ولو كانت نسكا بشاة، لأنها نسك وليست بهدي، فلذلك لم يروا في قول الله تعالى ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ حجة على لزوم ذبحه بها، إلا إذا قلدها أو أشعرها، فإنها تعطى حكم الهدي، فيلزم ذبحها بمنى إن أوقفها بعرفة، وإلا ذبحها بمكة، ولا يأكل منها بعد المحل لبراءة ذمته منها ببلوغها إياه، بخلاف ما إذا عطبت قبل، فإن له أن يأكل منها لأن عليه البدل، وقد بين مالك في الموطإ قوله في هذه المسألة فقال: «ما كان ذلك هديا؛ فلا يكون إلا بمكة، وما كان من ذلك نسكا؛ فهو يكون حيث أحب صاحب النسك». وقد اتخذ أهل المذهب حديث كعب بن عجرة قاعدة في كل ما يرتكبه المحرم من المخالفات مما يترفه به أو يزيل أذى، فإن كان معذورا فعليه الفدية ولا إثم عليه، وإلا أثم مع الفدية، كما اتخذوا هدي التمتع وبدله وهو الصيام قاعدة في كل ما ترك من الواجبات، قال خليل: «وغير الفدية والصيد مرتب،،،».

стр. 1165

• قوله: ٣٤ - «وتلبس المرأة الخفين والثياب في إحرامها، وتجتنب ما سوى ذلك مما يجتنبه الرجل». تختلف المرأة عن الرجل في بعض محرمات الإحرام، ويتساويان في بعضها، والحكمة في ذلك؛ أنها مطلوب منها التستر والصيانة، لذلك أبقى الشرع على لباسها المعتاد، حتى تستر جميع جسدها، فيجوز لها لبس الخفين، وثيابها المخيطة، وإنما منعها من الانتقاب ولبس القفاز على ما سيأتي؛ لأن كفيها ووجهها ليسا بعورة، وفي ذلك نزاع. كما منعها ما يمنع على الرجل من الطيب والصيد والرفث وإلقاء التفث وقتل الدواب لأصل المساواة، ولأنه لا حاجة إلى استثنائها هنا، وقد جاء الدليل على مخالفة الرجال النساءَ فيما رواه أبو داود (١٨٢٧) عن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ ينهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفرا، أو خزا، أو حليا، أو سراويل، أو قميصا، أو خفا»، وفيه محمد بن إسحاق لكنه صرح بالتحديث، وبعض ألفاظه لا يشبه كلام النبي ﷺ . واعلم أن الحديث قد دل على جواز لبس المرأة السراويل وغيرها من الثياب التي ذكرت معه، وذلك لأنها غير مطالبة بالتجرد كالرجل، ولا يعني ذلك قطعا لبسها السروال وحده، فهذا لا أحسب مسلما يقول به، لكن صاحب كتاب فقه العبادات وأدلته على مذهب السادة المالكية!! (ص ٤٥٧) استدل بهذا على جواز لبس المرأة السراويل الساتر لزينتها!! في الحج وفي غيره، وعدم وجوب لبس الجلباب الوارد في الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، وهذا من الباطل الذي لا يرتاب فيه، ولو كان الأمر كذلك؛ فلم لم ينزل دركة أخرى فيقول يجوز لها لبس الحلي والاكتفاء به عن غيره من اللباس، وهكذا يقال في القميص والخف، وكل ما جوزه

стр. 1166

الشرع لهن، ثم قال: وفي الحديث الأول دليل على عدم وجوب لبس القفاز والنقاب للمرأة في الحج وفي غير الحج»، انتهى، ولعلك علمت الخلل الذي في العبارة، فإن الحج يمتنع فيه لبس القفاز والنقاب، وغير الحج والعمرة قد يؤخذ من الحديث عدم وجوب ذلك فيه، أما عدم الاستحباب فأين السبيل إليه، وإني أحذر من الاستماع للرجل وقراءة كتبه، وقد) أتحفنا (بعض المصريين الذين لا يفتأون يجتهدون في إبطال السنن والعبادات، وحشرها في خانة العادات بكتاب زعم فيه كاتبه أن النقاب عادة وليس عبادة، وقد قال ذلك بعضهم عن توفير اللحية، فهي عنده من سنن العادة، وقال ذلك آخرون عن الخفاض للنساء، فهو عنده قسوة، وقال غيره عن أخذ الناس الزيادة على ما يودعون في البنوك إنه ليس هو الربا المحرم، وقال آخرون بعدم فرضية الجهاد الطلبي، فالله حسبنا وهو ولينا وناصرنا: يا ناطح الجبل العالي ليوهنه … أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل

стр. 1167

• قوله: ٣٥ - «وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، وإحرام الرجل في وجهه ورأسه». معنى كون إحرام المرأة والرجل في شيء عدم جواز تغطيته، فلا تستر المرأة وهي محرمة وجهها بنقاب، ولا كفيها بقفازين، وقد جاء في حديث ابن عمر السابق فيما يلبسه المحرم زيادة هي: «ولا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبس القفازين»، (د/ ١٨٢٥)، لكن لها أن تسترهما بما تسدله عليها من فوق رأسها، ويتأكد ذلك إذا خالطت الرجال كما هو الحال الآن، وقد كانت النساء تفعل ذلك على عهد النبي ﷺ ، كما هو في سنن أبي داود (١٨٣٣) عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا؛ سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزنا كشفناه»، لكن فيه يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف. أما الرجل فيحرم عليه تغطية رأسه وقد تقدم، أما وجهه فقد اختلف فيه، والمذهب منع تغطيته، وقد روى مالك في موطإه آثارا مختلفة عن ابن عمر من قوله بالمنع، حيث اعتبر الوجه من الرأس لكونه فوق الذقن، وعن عثمان من فعله بالجواز، ثم اختار المنع مراعاة لأصله، وهو أن ما اختلف فيه الصحابة شأنه عنده الاجتهاد لا الاختيار، وقد روى فيه عن ابن عمر أنه كفن ابنه واقدا ومات وهو بالجحفة محرما وخمر رأسه ووجهه، وقال: لولا أنا حرم لطيبناه»، وعلق مالك على ذلك بقوله الذي سبق ذكره، يريد أن المحرم وإن كان ممنوعا من تغطية الوجه والرأس والطيب؛ إلا أنه بموته زال المنع بزوال سببه، ولذلك لم يعمل أهل المذهب بظاهر الحديث الذي جاء فيمن وقصته ناقته، ورأوا أنه واقعة حال لا عموم فيها، ولأن التعليل الذي فيه بأنه يبعث يوم القيامة ملبيا مما لا يعرف إلا بالوحي، وليس بجيد، والصواب: جواز تغطية المحرم وجهه للحاجة وقد جاء ذلك من فعل النبي ﷺ .

стр. 1168

• قوله: ٣٦ - «ولا يلبس الرجل الخفين في الإحرام إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين». جاء هذا في حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ سئل: ما يلبس المحرم من الثياب؟، قال: «لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحدا لا يجد نعلين؛ فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا شيئا من الثياب مسه الزعفران، ولا الورس»، رواه الشيخان (خ/ ١٥٤٢) وهذا لفظ مسلم عن بلوغ المرام، وانظر (د/ ١٨٢٣)، وهو في الموطإ كما تقدم، وإنما أمر النبي ﷺ بقطع الخفين أسفل من الكعبين لأنهما يصيران حينئذ نعلين، والفرق بينهما أن الخف يغطي الكعب، والنعل لا يغطيه، وما يلبسه المرء لوقاية رجله ليس إلا الخف أو النعل، فمن قيد النعل الجائز لبسه للمحرم بكونه على الشكل الفلاني، أو كونه من نعال التكرور، أو كونه لا يغطي ظاهر الرجل؛ فعليه الدليل من الوحيين، أو من اللغة، أقول هذا مع علمي أن معظم العلماء اشترطوا عدم تعطية ظاهر الرجل، وجاء في الحديث الصحيح ما يدل على أن الخفين لا يقطعهما من لم يجد النعلين، وهذا هو الموافق لمقاصد الشرع من حفظ الأموال، واجتناب إتلافها، وأهل المذهب كالجمهور على خلافه، واعتبروه من باب حمل المطلق على المقيد.

стр. 1169

• قوله: ٣٧ - «والإفراد بالحج أفضل عندنا من التمتع ومن القران». تقدم أن أنواع الإحرام ثلاثة، وقد اتفق المسلمون على جواز أي منها، والخلاف إنما هو في أفضلها، والمذهب أفضلية الإفراد، وعن مالك في قول آخر أن التمتع أفضل، وهو في حاشية علي الصعيدي على شرح أبي الحسن، فلينظر من أين استقاه ووثقه، وإنما كان الإفراد أفضل عندهم لأمرين: أولهما ما ثبت من حديث عائشة، وجابر بن عبد الله، وابن عباس ﵃ أن النبي ﷺ أفرد الحج، وهؤلاء هم من خواصه الذين كانوا قريبين منه في حجته، وهم من العارفين بشأنه، ومن هذا القبيل ما جرى عليه الخلفاء الراشدون في عملهم بإفراد الحج غير علي بن أبي طالب الذي نقل عنه هذا وهذا، والأمر الثاني أن كلا من القارن والمتمتع يلزمه الهدي، وهو للجبران كما قالوا، والمفرد لا هدي عليه، وما لا يلزم معه الهدي أولى مما يلزم معه. ويبدو أن الشارع متشوف إلى إفراد كل من النسكين بسفر لمن تيسر له، فأشهر الحج خاصة به، لكنه اختصاص كمال وفضيلة، وليس هو بالاختصاص الذي يمنع من غيره، وقد كنت أحوم حول هذا المعنى ثم رأيت أبا بكر ابن العربي ذكره في المسالك، وقد عدوا عمارة المسجد الحرام من فروض الكفاية، ولهذا فرض الشارع الهدي على من اعتمر وحج من عامه، أو قرن العمرة بالحج، وهذا ما كان يراه عمر بن الخطاب ﵁ إذ قال: «افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإنه أتم لحجكم»، وهو في الموطإ، وهذه معان تقوي أفضلية الإفراد، ولمن ذهبوا إلى أفضلية التمتع أجوبة قوية يحسر معها هذا النظر، كما أن لهم ما يعارض ما عند الأولين من الأثر، ورأوا أن ما فعله النبي ﷺ هو الأفضل، وقد رأيتَ الاختلاف فيما فعله، وبعضهم رأى الأفضل فيما تمناه، ورده ابن العربي قائلا: «كيف يفوته الله تعالى الأكمل، ويرده إلى الدون»؟، والناظر بعين الإنصاف في الأدلة قد يوفقه الله تعالى

стр. 1170

إلى الإقرار بأن النبي ﷺ كان قارنا، وإنما لم يتحلل بعمرة كما فعل أصحابه لأنه ساق الهدي كما هو صريح قوله فيما ثبت عنه، وعليه فيكون القران خيرا لمن معه هديه، والتمتع مقدم لمن كان خلافه، والإفراد لمن اعتمر أو كان مقيما بمكة وأحرم منها، وقد رجح ابن العربي أنه كان قارنا وقال في المسالك (٤/ ٣١٦) ما رآه جامعا للروايات التي ظاهرها التعارض فيما أحرم به النبي ﷺ ، وقوله شبيه بما جمع به ابن عباس ﵄ بين الروايات الواردة في موضع إهلاله ﷺ ، مع أن فيه شيئا من التعمل، وممن ذهب إلى أنه كان قارنا القرطبي في تفسيره، وقد أطنب ابن كثير في بيان ذلك في قسم السيرة من البداية والنهاية فانظره.

стр. 1171

• قوله: ٣٨ - «فمن قرن أو تمتع من غير أهل مكة؛ فعليه هدي، يذبحه أو ينحره بمنى، إن أوقفه بعرفة، وإن لم يوقفه بعرفة؛ فلينحره بمكة بالمروة، بعد أن يدخل به من الحل، فإن لم يجد هديا؛ فصيام ثلاثة أيام في الحج، يعني من وقت يحرم إلى يوم عرفة، فإن فاته ذلك؛ صام أيام منى، وسبعة إذا رجع». سيأتي للمؤلف صفة كل من القران والتمتع، وإنما تكلم هنا على ما يلزم من أحرم بواحد منهما من الهدي أو بدله عند العجز عنه، وينبغي أن تعلم أن لفظ التمتع يصح أن يشمل القران أيضا، لأن كلا منهما تمتع بإسقاط أحد السفرين، إما السفر للحج، أو لأجل العمرة، ولو ترك الأمر لهذا لكان القران أولى بالتسمية لما فيه من إسقاط السفر وتوحيد الفعل، بيد أن فيه استمرار الإحرام، وقيد من غير أهل مكة مخرج لأهلها إذا قرنوا أو تمتعوا، فإنه لا هدي عليهم، وهو نص القرآن، وجعل مثل أهل ذي طوى ممن لا هدي عليهم، لكونهم على مسافة يلزم من كان بها صلاة الجمعة. والهدي يكون من الإبل والبقر والغنم حسب الشروط المذكورة في الأضحية والعقيقة، والأفضل هنا الإبل فالبقر فالغنم، لأن المقصود سد حاجة المساكين، ينحر هديه أو يذبحه نهارا بمنى بعد الفجر، ولا يجزئ ليلا لفعله ﵊، وللأخذ بمفهوم الأيام في كلام الله تعالى، وسيأتي الحديث عن ذلك في الضحايا والهدايا،. ولصحة النحر بمنى شروط: أن يكون قد أوقف هديه هو أو نائبه بعرفة، وأن يكون النحر في أيام منى، وهي يوم النحر واللذان بعده لا الرابع، وأن يكون النحر في حجة لا في عمرة، فإذا اكتملت هذه الشروط؛ فلا يجوز النحر بمكة ولا بغيرها، وإن فقد بعضها؛ تعين نحره بمكة وما وليها من البيوت، وهذا ما عناه بقوله: «وإن لم يوقفه بعرفة؛ فلينحره بمكة

стр. 1172

بالمروة، والمذابح الآن محددة لا يمكن الذبح خارجها ولا يتولى الحاج والمعتمر ذلك بنفسه غالبا، وإنما شأنه التوكيل، وقوله بعد أن يدخل به من الحل؛ معناه أن الهدي لا بد أن يجمع فيه بين الحل والحرم كما هو الشأن في الإحرام بالحج والعمرة، وقد تقدم ما فيه، فمن اشترى هديا من مكة؛ لا يجزئه على هذا أن ينحره بمكة حتى يخرجه إلى الحل، وإن اشتراه من الحل؛ فلا ينحره به حتى يدخله إلى الحرم. فمن لم يكن عنده ثمن الهدي، أو لم يجده؛ تعين عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج تبتدئ من وقت إحرامه إلى يوم عرفة بدخول الغاية، فإن لم يفعل صام أيام منى، ويصوم السبعة إذا رجع إلى أهله، وعند مالك هو الرجوع إلى مكة، والظاهر من الآية الرجوع إلى سكناه في أفقه، ولذا فضلوا تأخيرها إلى الرجوع إلى أهله للخروج من الخلاف، وقد فسرها ابن عباس (بالرجوع إلى أمصاركم) علقه البخاري عنه بصيغة الجزم، بل رواه (١٦٩١) مرفوعا عن ابن عمر، فإن قدم السبعة في الحج قاصدا المخالفة للتقسيم لم تجزئه، ولا يحسب منها شيئا، وإن قدم العشرة كلها فصامها في الحج فليحسب منها ثلاثة، ويكون مطالبا بالباقي، وإن أخر الجميع إلى ما بعد الحج من غير عذر فالظاهر أنه يأثم ويجزئه، والله أعلم. ودليل لزوم الهدي أو بدله للمتمتع والقارن؛ قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦].

стр. 1173

• قوله: ٣٩ - «وصفة التمتع؛ أن يحرم بعمرة، ثم يحل منها في أشهر الحج، ثم يحج من عامه، قبل الرجوع إلى أفقه، أو إلى مثل أفقه في البعد، ولهذا أن يحرم من مكة إن كان بها، ولا يحرم منها من أراد أن يعتمر حتى يخرج إلى الحل». ذكر هنا شروط لزوم الهدي لمن اعتمر أو أتى بالنسكين جميعا، وهي سبعة شروط يمكن أن تنتزع من كلامه: ١ - أن يقدم العمرة على الحج، لأنه إن قدم الحج؛ فلا يشرع له أن يعتمر إلا بعد انتهاء أيام منى على ما سيأتي، ويؤخذ هذا من قوله «وصفة التمتع أن يحرم بعمرة». ٢ - أن تكون العمرة كلها أو بعضها في أشهر الحج، فلو فرغ منها بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان؛ كان متمتعا، والمعتبر في ذلك الركن لا الحلق مثلا، يؤخذ هذا من قوله في أشهر الحج. ٣ - أن يحل من عمرته قبل الإحرام بالحج، وقد أشار إلى هذا الشرط بقوله ثم يحل منها، لكن هذا الشرط إنما اعتبروه لإخراج القران وفيه الهدي أو بدله كما علمت، فلا فرق بينهما من هذه الحيثية. ٤ - أن تكون العمرة والحج في عام واحد، لأنه بذلك يحصل حقيقة التمتع، وإليه الإشارة بقوله ثم يحج من عامه، ولا يعزبن عنك أنه يمكن أن يأتي المرء بالعمرة في أشهر الحج، ثم يحرم بالحج بعد ذلك غير أنه لا يأتي به إلا في العام القابل على القول بجواز الإحرام بالحج قبل أشهره كما تقدم، وهو مرجوح، فلا يلزمه هدي على هذا. ٥ - أن لا يعود إلى أفقه أو لمثل أفقه في البعد بعد انتهاء عمرته، لأنه إن فعل لم يتمتع بسقوط أحد السفرين كما تقدم.

стр. 1174

٦ - أن لا يكون مقيما بمكة وما قاربها كذي طوى وقت أداء النسكين، وهذا نص القرآن. ٧ - أن تكون العمرة والحج عن واحد، فإن كان أحد النسكين عن نفسه، والآخر عن غيره؛ فالأشهر سقوط الدم، لأنه لم تحصل له حقيقة التمتع، وهذا ينتزع من قوله وصفة التمتع؛ لأن الكلام مفروض في شخص واحد لا في متعدد، وقيل أن الراجح لزوم الدم.

стр. 1175

• قوله: ٤٠ - «وصفة القران أن يحرم بحجة وعمرة معا، ويبدأ بالعمرة في نيته، وإذا أردف الحج على العمرة قبل أن يطوف ويركع؛ فهو قارن». هذه صفة القران، والقارن إنما يقوم بنسك واحد يقوم مقام النسكين، فليس عليه إلا طواف بعده سعي، ثم يطوف طواف الإفاضة يوم العيد أو بعده، والإحرام بالقران يكون بأن يقصد الحج والعمرة معا، فإذا نطق استحب له أن يقدم العمرة على الحج، والصورة الثانية أن يحرم بالعمرة وحدها، ثم يردف الحج عليها، وهذه تحتها أقسام، فإن كان ذلك قبل أن يعمل من أعمال العمرة شيئا، كأن أدرف قبل أن يشرع في الطواف؛ فلا خلاف في كونه قارنا، وإن كان بعد الشروع في الطواف؛ فالمشهور جواز الإرداف أثناءه، ويصح كذلك بعد كماله، وقبل الركوع مع الكراهة، فإذا صلى الركعتين؛ فات الإرداف، فإن أردف بعد السعي؛ لم يكن قارنا بالاتفاق، لكنه يلزمه الاستمرار على الإحرام بالحج، ولا يجوز له الحلق، ومع ذلك يفتدي لتأخيره، وقد أشار المؤلف إلى جميع صور القران، لأنه قيده بما قبل الطواف والركوع معا، بخلاف ما ذكره أبو الحسن.

стр. 1176

• قوله: ٤١ - «وليس على أهل مكة هدي في تمتع ولا قران». تقدم هذا في شروط لزوم الهدي للمتمتع، لكن الخلاف قائم في القارن إذا كان من حاضري المسجد الحرام، والمشهور عدم اللزوم، وذهب ابن الماجشون واللخمي إلى وجوب الهدي على أهل مكة إذا قرنوا، ووجهه؛ أنهم وإن لم يتمتعوا بإسقاط أحد السفرين؛ فقد أدخلوا نسكا في غيره، وأتوا بواحد أجزأهم عن اثنين.

стр. 1177

• قوله: ٤٢ - «ومن حل من عمرته قبل أشهر الحج، ثم حج من عامه؛ فليس بمتمتع». المقصود بالحل من العمرة الفراغ من أركانها، فمن لم يحلق إلا بعد ظهور هلال شوال؛ فليس بمتمتع، وهذا معلوم مما تقدم من مفهوم قوله في المتمتع ثم يحل منها في أشهر الحج»، لكنه أعاده زيادة في البيان.

стр. 1178

• قوله: ٤٣ - «ومن أصاب صيدا؛ فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل من فقهاء المسلمين، ومحله منى إن وقف به بعرفة، وإلا فمكة، ويدخل به من الحل، وله أن يختار ذلك، أو كفارة طعام مساكين: أن ينظر إلى قيمة الصيد طعاما، فيتصدق به، أو عدل ذلك صياما: أن يصوم عن كل مد يوما، ولكسر المد يوما كاملا». المحرم بأحد النسكين ممنوع عنه صيد البر، وكذا غير المحرم إذا كان في الحرم، سواء ما كان منه مأكول اللحم، أو غير مأكوله، إلا ما أذن الشرع في قتله من الفواسق الخمسة، فمن قتل صيدا أو نتف ريشه الذي لا يقدر معه على الطيران، أو جرحه، ولم تتحقق سلامته، أو تسبب في ذلك ولم يباشر؛ لزمه الجزاء، ولو لم يتعمد ذلك على المشهور، ولا فرق في هذا بين الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد، كما أنه يحرم عليه أكل لحمه إذا صيد من أجله، وأصل ذلك قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة: ٩٥]، والجزاء ثلاثة أمور على التخيير: ١ - ما يماثل الحيوان البري المقتول من الحيوان المستأنس، والمثلية تكون في الصورة والمساواة في القدر، أو القرب من المساواة، فمن قتل فيلا؛ فعليه بدنة خراسانية ذات سنامين، ومن قتل نعامة؛ فعليه بدنة، ومن قتل أيلا، أو بقرة وحشية، أو حمارا كذلك؛ فعليه بقرة، ومن قتل ظبية أو ضبعا أو ثعلبا أو حماما من حمام مكة والحرم أو يمامهما؛ فعليه شاة، وفي حمام غير مكة ويمامها حكومة أي تحكيم، ولا بد من الرجوع في المثلية

стр. 1179

إلى حكم ذوي عدل من فقهاء المسلمين، ولا يشترط فيهما أن يكونا فقيهين في كل أبواب الفقه، بل فيما يحكمان فيه، فإن أخرج الجزاء قبل حكمهما؛ فلا يجزئه، ولو وافق حكمهما ما أهداه، ولا يستثنى من ذلك إلا حمام مكة لخروجه كما قالوا بالدليل. ويشترط في الجزاء ما يشترط في الهدي من السن والصفة، والجمع بين الحل والحرم، لأن الله تعالى سماه هديا، فما ثبت للهدي؛ ثبت له، وما ذكره المؤلف بخصوص موضع ذبح هدي الجزاء إنما هو فيمن كان حاجا، أما المعتمر فمحل نحر هديه مكة. ٢ - أن يقوم الصيد بالطعام، فيخرج ذلك بأن يعطي لكل مسكين مدا، وما فضل مما دون المد كمله، لأن ما دونه ليس إطعاما معتبرا هنا. ٣ - وله بعد أن يُقَوَّمَ الصيد بالطعام أن يعدل عن إخراجه إلى الصيام بأن يجعل مقابل كل مد يوما يصومه، ويصوم عن المد الناقص يوما كاملا لأن الصوم لا يتجزأ.

стр. 1180

• قوله: ٤٤ - «والعمرة سنة مؤكدة مرة في العمر». العمرة في اللغة هي الزيارة، من قولهم اعتمر إذا زار، وهي حج أصغر، وقال النبي ﷺ : «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، رواه مالك (٧٧١) والشيخان عن أبي هريرة، والمكفر بالعمرة؛ إنما هو صغائر الذنوب، بدليل قول النبي ﷺ : «الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر»، وهو في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة، وحض النبي ﷺ على العمرة في رمضان وإن لم يعتمر فيه، فقال: «عمرة في رمضان كحجة معي»، رواه أبو داود (١٩٩٠)، وفي الموطإ أن امراة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: «يا رسول الله إني كنت تجهزت للحج، فاعترض لي أمر، فقال لها رسول الله ﷺ : «اعتمري في رمضان؛ فإن عمرة رمضان؛ كحجة»، وهو في الصحيحين عن ابن عباس، واعتمر النبي ﷺ أربع عمرات كلها في أشهر الحج عمرة الحديبية، وقد منع هو وأصحابه من إتمامها، وعمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، والعمرة التي قرنها مع حجته، هذا معنى ما في حديث أنس عند الشيخين والترمذي (٨١٥)، وهو في الموطإ (٧٦٢) بلاغا، لكن لم يذكر فيه العمرة التي قرنها ﷺ مع الحج، أما عدد حجاته ﷺ ؛ فثلاثة، ثنتان منهما قبل الهجرة، والثالثة حجة الإسلام، رواه الترمذي (٨١٤) عن جابر، ولا تنافي بين حديثي جابر وأنس في عدد الحجات، إما لعدم اطلاع أنس، أو لأنه إنما عنى الحج في الإسلام، فلم يتوارد الحديثان على أمر واحد. وألحق الشرع بعض الأعمال الصالحة التي هي في متناول كثير من الناس بأجر العمرة حضا عليها وتسلية لمن لم يقدر عليها لقلة ماله أو عجزه، كما في الجلوس بعد صلاة الصبح لذكر الله إلى أن تطلع الشمس، وكالصلاة في مسجد قباء، فمن فاتته مبرة من

стр. 1181

المبرات؛ فقد يسر الله له الحصول على أجرها، فالحمد لله على فضله وإحسانه، وكرمه وامتنانه. أما كون العمرة سنة مؤكدة؛ فلفعل النبي ﷺ كما تقدم، ولحضه عليها بأقواله، وأما أن ذلك يكون مرة واحدة في العمر؛ فلأنها نظير الحج، وهو لا يجب إلا مرة، فأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾؛ فلا دليل فيه على الوجوب، لأنه وإن احتمل الإتيان بالفعل من أصله؛ فإن الاحتمال الأقوى منه أنه أمر بالإتمام، ولا يكون إلا بعد الشروع، والإتمام بعد الشروع مجمع عليه، فلا ينافي أن يكون الأصل مندوبا كالحج الزائد على الفرض، وهو نفل بالإجماع، وقد نزلت هذه الآية عام الحديبية سنة ست كما هو منصوص حديث كعب بن عجرة الصحيح، وليس الغرض منها إلا بيان أن من شرع في حج أو عمرة؛ فعليه أن يتمهما، فإن منعه مانع كما حصل للمسلمين مع النبي ﷺ فليذبح ما استيسر من الهدي، والظاهر أن الحج لم يكن يومئذ قد فرض، فإن آية افتراضه هي قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقد كان بعض المسلمين يحجون قبل افتراض الحج، وحج النبي ﷺ كذلك، وقيل إنه قد فرض سنة خمس لذكره في حديث ضمام بن ثعلبة، لكن رجح الحافظ في الإصابة أنه وفد سنة تسع من الهجرة، قال مالك: «العمرة سنة، ولا نعلم أحدا من المسلمين أرخص في تركها، ولا أرى لأحد أن يعتمر في السنة مرارا»، وهو في الموطإ باب جامع ما جاء في العمرة. وقد قيل بوجوب العمرة اعتمادا على ذلك الاحتمال في آية سورة البقرة، وثمة أحاديث ظاهرها الوجوب، لكن لم يخلص واحد منها من شائبة الضعف والمعارضة، وأقواها حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «يا رسول الله هل على النساء جهاد»؟، قال: «نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة»، رواه أحمد وابن ماجة (٢٩٠١)، وصححه الألباني، وهو في صحيح البخاري (١٥٢٠) بلفظ: «يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد»؟، قال: «لا، ولكن أفضل الجهاد: حج مبرور»، ووجه دلالته

стр. 1182

على الوجوب؛ ما تفيده كلمة على من ذلك، مع اقتران العمرة بالحج، وهو واجب على المستطيع من غير خلاف، فالأحوط للمسلم أن يعتمر، ولو لم يتيسر له الحج لسبب ما، وقد علّق البخاري عن ابن عمرو قوله: «ليس أحد إلا وعليه حجّة أو عمرة»، وقال ابن عباس: إنها لقرينتها في كتاب الله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦].

стр. 1183

• قوله: ٤٥ - «ويستحب لمن انصرف من مكة من حج أو عمرة أن يقول: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» هذا الدعاء جاء في حديث عبد الله بن عمر ﵄ عند البخاري (١٧٩٧) ومسلم؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة؛ يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الحزاب وحده»، والذي بدأ به المؤلف من الدعاء؛ جاء فيما قاله النبي ﷺ في رجوعه من خيبر، ويظهر أن هذا الذكر شرع في الرجوع من تلك العبادات على أنه ختام لها كالأذكار التي تقال في أدبار الصلوات، وجاء أنه كرره في أثناء رجوعه، وقيل يشرع في كل سفر طاعة، وقفل معناه رجع، والشرف بمفتوحتين ما علا من الأرض، وآيبون جمع آيب هو الراجع، والمقصود رجوع خاص تلبس صاحبه بطاعة الله في سفره، ونال الفلاح المراد منه، أو المعنى تذكير النفس بالرجوع إلى الله بالموت، وعلى الرغم من أنه ﷺ كان في سفر هو عبادة؛ أعلن توبته من التقصير تواضعا وتعليما بقوله تائبون، كما كان يفعل إذا قضى صلاته، فيستغفر، وإذا خرج من بيت الخلاء يستغفر، هذا دأبه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وإنما ذكر عبد الله بن عمر الغزو والحج والعمرة؛ لأن النبي ﷺ ما عرف عنه السفر إلا لأجلها كما تقدم، وهو أيضا حافظ قوله ﷺ : «الغازي في سبيل الله والحاج والمعتمر؛ وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم»، رواه ابن ماجة (٢٨٩٣) وغيره عن ابن عمر، وقال في الزوائد حسن، كما حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٦٢٦).

стр. 1184

واعلم أخي القارئ أن المسافر متى قضى نسكه؛ ينبغي له الإسراع في الرجوع إلى أهله، وإن كان حاجا أو معتمرا؛ فلا أرى له أن يقيم زيادة على المدة المحددة له في وثيقة سفره، لما يترتب على ذلك من المفاسد له ولغيره، ولا يحسن بالمرء أن ينشئ سفرا لغير غرض مشروع، ومنه التجارة الحلال، والحج، والعمرة، وصلة الرحم، وطلب العلم، والدعوة إلى الله ممن هو لها أهل، والجهاد بشرطه، والقدوة في النبي ﷺ ، فإنه لم يسافر إلا لحج، أو عمرة، أو جهاد، وحض على السفر في طلب العلم، وذكر الله تعالى الضرب في الأرض للتجارة، وقد قال النبي ﷺ : «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى نهمته؛ فليعجل إلى أهله»، رواه مالك (١٧٩٢) والبخاري (١٨٠٤) عن أبي هريرة، والمراد بالعذاب ما يترتب على السفر من المشاق، وقد ذكر بعضها في الحديث، والنهمة بفتح النون وسكون الهاء؛ ما يريده المرء من سفره، فكيف بمن يتعبون أنفسهم في الباطل فيعرضون أنفسهم لأعظم المشاق كصعود قمم الجبال، وحمل الأثقال، والسير على الحبال، وتسلق العمارات، وجر العربات، وابتلاع الزجاج، ونحو ذلك مما ليس الغرض منه التدرب على فنون القتال، والاستعداد للمشروع من النزال، قال الحافظ في الفتح: «وفي الحديث كراهة التغرب عن الأهل لغير حاجة، واستحباب استعجال الرجوع، ولا سيما من يخشى عليهم الضيعة بالغيبة، ولما في الإقامة في الأهل من الراحة المعينة له على صلاح الدين والدنيا، ولما فيها من تحصيل الجماعات والقوة على العبادة»، وبنعمة الله تتم الصالحات.

стр. 1185

٢٩ - باب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان … الخ • قوله: ١ - «والأضحية سنة واجبة على من استطاعها». ترجم ﵀ لما يحرم من الأطعمة والأشربة ولم يورده، والضحايا في الترجمة جمع ضَحية بفتح الضاد، ويقال أيضا أُضحية بضم الهمزة، وسكون الضاد وكسر الحاء وتشديد الياء، وجمعها أَضاحي بفتح الهمزة، وتشديد الياء، وقد جمع المؤلف بينهما فذكر في الترجمة جمع الضحية، وفي المتن مفرد الأضاحي. والأضحية ما يتقرب به من النعم إلى الله تعالى يوم العيد وتالييه، وسميت باليوم الذي تشرع فيه، وهو عيد الأضحى وقت الضحى، وسمي الأضحى من أجل الصلاة يومه في ذلك الوقت. والأضحية سنّة مؤكدة على المشهور، قال مالك في الموطإ: «الضحية سنة، وليست بواجبة، ولا أحب لأحد ممن قوي على ثمنها أن يتركها»، وقال ابن حبيب: تاركها وهو قادر عليها آثم، وهو في النوادر، واعتبر الباجي في المنتقى (٣/ ١٠٠) قول ابن القاسم في المدونة (٢/ ٥) عمن كانت له أضحية فلم يذبحها حتى مضت أيام النحر متعمدا أنه آثم، اعتبره دالا على أنه يرى وجوبها، وهذا لا يتجه كما يعلم من قراءة السياق الذي ورد فيه قوله هذا، ومقصوده أنه يأثم بتفويت الوقت، أو لأنه أوجبها على نفسه فصارت كالنذر، والمشهور في المذهب أن الأضحية لا تتعين على مريدها إلا عند الشروع في ذبحها. ومما استدل به على وجوبها قول رسول الله ﷺ : «من كان له سعة، ولم يضح؛ فلا

стр. 1186

يقربن مصلانا»، رواه أحمد وابن ماجة (٣١٢٣) وابن أبي شيبة وصححه الحاكم عن أبي هريرة، وقال الحافظ رجح الأئمة وقفه، وقال في مسالك الدلالة (ص ١٥٢): «واختلف في رفعه ووقفه، والذي رفعه ثقة، فقوله مقبول»، انتهى. قلت: لكن احتجاجه بالحديث على السنية ليس كما ينبغي، فإن الاحتجاج به على الوجوب هو المتبادر لما فيه من التشديد كما ترى، وهو نظير قول النبي ﷺ : «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا». ومما جاء فيها ما رواه أحمد والأربعة (ت/ ١٥١٨) وحسنه عن مخنف بن سليم قال: «كنا وقوفا مع النبي ﷺ بعرفات، فسمعته يقول: «يا أيها الناس على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟، هي التي تسمونها الرجبية»، قال الحافظ: سنده قوي، وقد قال أبو داود: «العتيرة منسوخة، هذا خبر منسوخ»، انتهى، لكن نسخ العتيرة؛ لا يلزم منه نسخ ما معها، ومما اعتبر صارفا للنصوص التي ظاهرها الإيجاب قول النبي ﷺ : إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي؛ فليمسك عن شعره وأظفاره»، رواه مسلم (١٩٧٧) من حديث أم سلمة، وقد استدل به على عدم الوجوب بعض البغداديين المالكيين، ذكره في النوادر، ووجه ذلك ما فيه من التفويض إلى المكلف، إذ لا تفويض في الواجب، وهذا ما ذهب إليه الشافعي في كتابه مختلف الحديث، ومال إليه الشوكاني في النيل، قال كاتبه: وليس بِمُسَلَّمٍ، لأنه لا يبعد أن يكون منه ﷺ إحالة على ما عرف من شرعه، ويؤيده قول النبي ﷺ : «من أراد الحج؛ فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة»، رواه أحمد والبيهقي عن الفضل بن عباس، والحج واجب على المستطيع بالنص والإجماع، ومع ذلك فوض فعله إلى المكلف، وقال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ [التكوير: ٢٨]، ولا تخيير هنا بالإجماع. وقد روى الترمذي (١٥٠٦) عن جبلة بن سحيم أن رجلا سأل ابن عمر ﵄ عن الأضحية أواجبة هي؟، فقال: «ضحى رسول الله ﷺ والمسلمون، فأعادها عليه، فقال: أتعقل؟!، ضحى رسول الله ﷺ والمسلمون»، قال الترمذي حسن، وضعفه الألباني من قبل الحجاج بن أرطاه، وعلق البخاري عن ابن عمر قوله: «هي سنة ومعروف»، قال الحافظ في

стр. 1187

الفتح (١٠/ ٦): «وصله حماد بن سلمة في مصنفه بسند جيد، والعبرة فيه أن اهتمام ابن عمر كان ينصرف إلى الاقتداء بفعل النبي ﷺ ، وقد أشار بقوله والمسلمون إلى عدم الاختصاص، وأهل المذهب على أن الأضحية واجبة على النبي ﷺ خاصة، قال خليل: «خص النبي ﷺ بوجوب الضحى والأضحى والتهجد والوتر بحضر،،،». وينبغي أن تطيب نفس المضحي بالتقرب بأضحيته إلى الله تعالى، ولا يستثقل ثمنها فيراها غُرما، وقد قال ﵊ فيما رواه أبو داود عن عبد الله بن معاوية مرفوعا: «ثلاث من فعلهن فقد طعم طعمَ الإيمان: من عبد الله وحده، وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام،،،»، الحديث، وقوله رافدة؛ من الرفد وهو الإعانة، أي أن نفسه تعينه على أداء الزكاة، ولا يحصل فضل الأضحية لمن ذبح تقليدا أو عادة كما عليه كثير من الناس، قال الشوكاني في نيل الأوطار بعد شرحه بعض أحاديث فضل الأضحية: «لكن إذا وقعت لقصد التسنن، وتجردت عن المقاصد الفاسدة، وكانت على الوجه المطابق للحكمة في شرعها». والأضحية سنة عين على المستطيع كبيرا كان أو صغيرا ذكرا كان أو أنثى، بيد أن تضحية الصغير يخاطب بها وليه، فيضحي عنه من ماله، ولا يخاطب بها الفقير، ولا من تجحف به، وهو من يحتاج إلى ثمنها في عامه، وإن كان قادرا على شرائها، وتجزئ الشاة الواحدة عن أهل البيت مع ذلك، قيشتركون في الأجر لحديث عطاء بن يسار قال: «سألت أبا أيوب الأنصاري: «كيف كانت الضحايا فيكم على عهد رسول الله ﷺ «؟، قال: «كان الرجل في عهد النبي ﷺ يضحي بالشاة عنه، وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعَمون، حتى تباهى الناس، فصار كما ترى»،!!، رواه مالك (١٠٤٤) وابن ماجة (٣١٤٧) والترمذي (١٥٠٥) وصححه، وقد سبق حديث مخنف بن سليم مرفوعا: «يا أيها الناس، على كل أهل بيت في كل عام أضحية،،،». ومن أدلة التشريك في الأجر حديث جابر ﵁ قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ في المصلى، فلما قضى خطبته نزل عن منبره، وأُتي بكبش فذبحه رسول الله ﷺ بيده، وقال بسم الله، والله أكبر، هذا عني وعمن لم يضح من أمتي»، رواه أحمد وأبو داود (٢٨١٠)

стр. 1188

والترمذي (١٥٢١)، ووجه الدليل قوله: «وعمن لم يضح من أمتي»، وهو عموم يدخل فيه القادر وغيره عند من لم ير الوجوب، لكنه من الخصائص بالنسبة لعموم الأمة. قال الشوكاني ﵀ في كتابه نيل الأوطار بعد أن حكى أقوالا تقيد عدد من تجزئ عنهم الأضحية في البيت الواحد: «والحق أنها تجزئ عن أهل البيت، وإن كانوا مائة نفس وأكثر، كما قضت بذلك السنة،،،»، انتهى. والمذهب أن الاشتراك إنما يكون في الأجر لا في الثمن، لأنها كما تقدم سنة عين على القادر، ولا اشتراك في الثمن ولو في الإبل ولا البقر، لكون ذلك إنما ورد في الهدي لا في الأضحية، ولأن الاشتراك فيها يجعلها بمثابة شراء اللحم. قال القاضي عبد الوهاب: «ولأن كل واحد يصير مخرجا للحم بعض بدنة أو بقرة، وذلك لا يكون أضحية كما لو اشترى لحما،،،»، انتهى. وذكر الشيخ أبو مالك في صحيح فقه السنة (٢/ ٣٧٠) أن مالكا اشترط فيمن يشتركون في البدنة والبقرة أن يكونوا من بيت واحد، هذا معنى كلامه، ومالك فيما أعلم لم يجز الاشتراك في الثمن مطلقا، لا في البدن ولا في غيره، وإنما يجوز في مذهبه الاشتراك في الأجر بشروط، وإنما يجوز الاشتراك في الثمن عنده في هدي التطوع، وقد حمل ﵀ ما ورد من ذلك في عام الحديبية عليه، قال: «ومن فعله في التطوع؛ فهو خفيف»، وقال: «ومعنى حديث جابر نحرنا البدنة عن سبعة، أن ذلك في التطوع، وكانوا معتمرين»، وهو في النوادر (٢/ ٤٥٥)، يقصد أن المحصر لا يجب عليه الهدي إذا تحلل، وقد نصر قوله هذا في سبل السلام، وثمة محامل أخرى حمل عليها الحديث فانظرها في المنتقى للباجي وغيره، وظاهر الآية وجوب الهدي على المحصر، وهو الموافق لرواية أشهب عن مالك في كتاب محمد كما حكاه ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ١٢٠) فإن خرج أحد على هذا نسبة القول بجواز الاشتراك في البدنة للإمام فهو ذاك. وفي النوادر (٢/ ٤٣٢) نسبة وجوب الهدي على المحصر إلى أشهب، وقال الشوكاني في نيل الأوطار بعد أن حكى قول مالك بعدم لزوم الهدي لمن أحصر: «وخالف في ذلك مالك، فقال إنه لا يجب الهدي على المحصر، وعول على قياس الإحصار على

стр. 1189

الخروج من الصوم بعذر، والتمسك بمثل هذا القياس في مقابل ما يخالفه من القرآن والسنة من الغرائب التي يتعجب من وقوع مثلها من أكابر العلماء»، انتهى. والظاهر كذلك إجزاء البقرة والبدنة عن سبعة، لا فرق بين الأضحية والهدي، لحديث جابر المشار إليه، وهو عند مسلم وأبي داود (٢٨٠٧)، ولا يلزم من ذلك أن يكون المشتركون متقربين باللحم، لأن هذا رأي في مقابل النص، ولأن الأصل عدم التفريق بين هدي التطوع والواجب كالصلاة والصوم والحج يستوي ما كان منها تطوعا وما كان فرضا، إلا فيما نص عليه من الفروق، بل إنه قد جاء ما يدل على إجزاء البدنة عن عشرة والبقرة عن سبعة، وهو ما رواه الترمذي (٩٠٥) وحسّنه وصححه الألباني عن ابن عباس قال: «كنا مع النبي ﷺ في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة، وفي الجزور عشرة»، وعضده حديث البخاري (٥٤٩٨) عن رافع بن خديج، وفيه أن النبي ﷺ عدل عشرة من الغنم ببعير، وفي الحديث الأول مشروعية الأضحية في السفر. وقد اشترطوا للتشريك في الأجر شروطا، فإن كان المشرَك ممن تجب نفقتهم على المضحي؛ فيشترط قرابتهم له، وإن كانوا ممن لا تجب نفقتهم عليه، أضيف إلى الشرط السابق السكنى معه، والتشريك يكون قبل الذبح، وأما بعده؛ فلا تسقط السنية عن المشرَك وتصح عن ربها، وقال مالك كما في النوادر: «ولا ينبغي أن يذبح أضحيته عن نفسه، وعن أجنبي تطوعا، وإنما ذلك في أهل البيت،،، إلى أن قال: وإنما يُدخل في أضحيته إن شاء أهله وولده ووالديه الفقيرين، وإن كنا نحب للواحد في أهل بيت أن يذبح على كل نفس شاة».

стр. 1190

• قوله: ٢ - «وأقل ما يجزئ فيها من الأسنان؛ الجذع من الضأن، وهو ابن سنة، وقيل ابن ثمانية أشهر، وقيل ابن عشرة أشهر، والثني من المعز، وهو ما أوفى سنة، ودخل في الثانية، ولا يجزئ في الضحايا من المعز والبقر والإبل إلا الثني، والثني من البقر؛ ما دخل في السنة الرابعة، والثني من الإبل؛ ابن ست سنين». الأضحية والهدي والعقيقة نسائك يتقرب بها إلى الله، فينبغي أن يتقيد فيها المسلم بما ورد في الشرع عنها من حيث الصفة والسن وزمن التقرب ومكانه في بعضها، فإذا لم تكن على تلك الصفة؛ كانت شاة لحم لا تجزئ عما شرعت له، وقد ذكر المصنف هنا هذه الأمور، وابتدأ بما يجزئ من الأسنان من الضأن والمعز والبقر والإبل. ولما كان الضأن أفضل في الأضحية عند أهل المذهب؛ ابتدأ ببيان ما يجزئ منه، فذكر ثلاثة أقوال في تفسير الجذع من الضأن، وهي ما أوفى سنة، وهذا لا خلاف في إجزائه، والثاني ما بلغ ثمانية أشهر، والثالث ما أوفى عشرة أشهر، ومنشأ هذا هو الخلاف بين أهل اللغة في سن الجذع من الغنم، وقد جزم ابن عبد البر أنه ابن سبعة أشهر إذ قال في الاستذكار (٥/ ٢٢٦): «والجذع من الضأن ابن سبعة أشهر، قيل إذا دخل فيها، وقيل إذا أكملها، وعلامته أن يرقد صوف ظهره قبل قيامه، فإذا كان ذلك؛ قالت الأعراب هذا جذع»، ويتلخص أن في الجذع من الضأن أربعة أقوال. ودليل إجزاء الجذع من الضأن حديث عقبة بن عامر قال: «ضحينا مع رسول الله ﷺ بجذع من الضأن»، رواه النسائي (٧/ ٢١٩)، وفي الصحيحين عنه قال: «قسم رسول الله ﷺ بين أصحابه ضحايا، فصارت لعقبة جذعة، فقلت: يا رسول الله أصابني جذع، فقال: «ضح به»، ومعنى أصابني صار لي، ومثله طار لي، وهو دارج فصيح.

стр. 1191

واعلم أن الأفضل أن لا يضحى من الضأن إلا بالمسنة، ما لم يعسر ذلك، لقول النبي ﷺ : «لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن»، رواه مسلم (١٩٦٣)، وأبو داود (٢٧٩٧) عن جابر، والمسنة هي الثني من كل من الإبل والبقر والغنم، ولولا ما جاء من الصارف لهذا النهي عن المنع لكان الجذع من الضأن غير مجزئ إلا بشرط تعسر المسنة، قال في التلخيص الحبير: «ظاهر الحديث يقتضي أن الجذع من الضأن لا يجزئ إلا إذا عجز عن المسنة، والإجماع على خلافه، فيجب تأويله، بأن يحمل على الأفضل،،،»، وقد ضعّف هذا الحديث الألباني في الإرواء فانظره. ويستدل بالحديث أيضا على عدم إجزاء التضحية بما دون الثني من المعز وغيره، وقد بين المؤلف المراد منه، فمن المعز ما أوفى سنة، ودخل في الثانية، ومن البقر ما أوفى ثلاث سنين، ودخل في الرابعة، ومن الإبل ما أوفى خمس سنين ودخل في السادسة، وفيه خلاف بين أئمة اللغة أيضا.

стр. 1192

• قوله: ٣ - «وفحول الضأن في الضحايا؛ أفضل من خصيانها، وخصيانها؛ أفضل من إناثها، وإناثها؛ أفضل من ذكور المعز ومن إناثها، وفحول المعز أفضل من إناثها، وإناث المعز؛ أفضل من الإبل والبقر في الضحايا». هذه الفقرة قريبة مما قاله مالك كما في النوادر، ومرد هذا التفضيل إلى طيب اللحم، فإنه مقدم في الأضاحي على كثرته في المذهب، بخلاف الهدايا فالمقدم فيها كثرة اللحم، ودليله فعل النبي ﷺ ، فقد ضحى بالضأن دائما أو غالبا، والحكم للغالب، وهكذا قوله حيث أذن في التضحية بالجذع من الضأن دون غيره من بقية الأنواع كما تقدم، وقد علل تقديم فحول الضأن على خصيانها بطيب اللحم، وعلله آخرون بكمال الخلقة، ولعله هو الصواب إن كان الفحل ينزو، فإن كان الخصي أو مقابله أسمن؛ كان أفضل من غيره باتفاق، كما علل تقديم الخصيان من الضأن على الإناث بطيب اللحم، ولفضل الذكر على الأنثى، ولأن النبي ﷺ ضحى بالخصي، ولم يصح عنه التضحية بالأنثى، وقد روى أحمد والحاكم عن أبي رافع قال: «ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين موجوءين خصيين»، قال في مجمع الزوائد إسناده حسن، وصححه الألباني في الإرواء، وحسنه الغماري في مسالك الدلالة، والأملح الذي بياضه أكثر من سواده، وقيل هو النقي البياض، والموجوء مَنْ رُضت أنثياه رضا شديدا يذهب شهوة الجماع، وقيل من وجئت عروق جهازه والخصيتان بحالهما، وعلى المعنى الأخير حمل أهل المذهب الخصي الذي يضحى به فيقدم على أنثاه، وحملوا عليه الحديث الوارد في ذلك، وهو غير جيد، لأن الخصاء بذلك المعنى؛ مما لا يطلع عليه إلا فاعلُه أو من أُخبر به، ولهذا قالوا إن كان مقطوع الأنثيين؛ فإنه يكره التضحية به، ولعله للنقص، ورد ابن العربي الحديث الذي فيه التضحية بالخصي

стр. 1193

بالحديث الذي فيه التضحية بالفحيل، وهو في سنن أبي داود (٢٧٩٦) عن أبي سعيد، وفي الموطإ (١٠٣٧) عن ابن عمر إذ رآهما متنافضين، ولا حاجة إلى ما قاله، لاحتمال التعدد كما قاله الحافظ، فلا تناقض بين الفعلين.

стр. 1194

• قوله: ٤ - «وأما في الهدايا؛ فالإبل أفضل، ثم البقر، ثم الضأن، ثم المعز». هذا عكس ما تقدم في الضحايا، لكون الأفضل هنا كثرة اللحم لا طيبه، وقد كانت هدايا النبي ﷺ من الإبل، نحر مائة ناقة في حجة الوداع، ولأن الله تعالى قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولا شك أن من تيسر له أن ينحر بدنة؛ كان ذلك خيرا مما إذا ذبح شاة أو بقرة، ولأن النبي ﷺ جعل من ذهب إلى المسجد في الساعة الأولى يوم الجمعة كأنما قرب بدنة، ثم ذكر البقرة، ثم الكبش،،، الخ، فهذا منظور فيه إلى ارتفاع القيمة، ودل فعله في الأضاحي على غير ذلك.

стр. 1195

• قوله: ٥ - «ولا يجوز في شيء من ذلك عوراء، ولا مريضة، ولا العرجاء البين ضلعها، ولا العجفاء التي لا شحم فيها». العيوب التي تكون في النسائك أقسام: متفق على عدم إجزاء ما كانت فيه، ومختلف فيه، ومتفق على عدم تأثيره، قال القاضي عبد الوهاب: ونكتة هذا الباب أن كل عيب نقص اللحم، أو أثر فيه، أو كان مرضا، أو نقص من الخلقة؛ فإنه يمنع الضحية، وفي بعضها خلاف، وينبغي في الجملة أن يتقى العيب، وتتوخى السلامة، لأنه ذبح مقصود به القربة، فوجب أن يكون مُسَلَّمًا مخلصا مما ينقصه ويكدره لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. ومن العيوب المنصوصة ما جاء من قول النبي ﷺ في حديث البراء بن عازب ﵁: «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسير التي لا تنقي»، رواه مالك (١٠٣٥) وأصحاب السنن الأربعة، (د/ ٢٨٠٢)، وصححه الترمذي (١٤٩٧)، وقوله لا تجوز؛ نص في عدم الإجزاء، والمرض البين يفسد اللحم، وقد يضر بمن يأكله، والظلع بسكون اللام ويفتح؛ هو العرج، وقريب منه الضلع بالضاد، و «الكسير»؛ هي العجفاء كما جاء في رواية، وقوله: لا تنقي؛ هو رباعي الفعل أنقى، من النقي بكسر النون وسكون القاف هو المخ، فالكسير التي لا تنقي؛ هي التي لا شحم فيها، وقيل هي التي لا مخ في عظامها، وهما كالمتلازمين، ولذلك جمع بينهما بعضهم، وقيد البين في العور والمرض والعرج دال على أن ما كان في العين مما لا يمنع الإبصار، والمرض الخفيف، والعرج الخفيف؛ لا يضر، وحد ما لا يضر أن تسير مع الغنم وتلحقها، وهذه العيوب الأربعة اتفق أهل العلم على أنها متى كان واحد منها في الشاة لا تجزئ التضحية بها، ولا ريب أن ما كان في معناها كالعمى وقطع الرجل ملحق بها.
следующие страницы →