Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
واعلم أن الأفضل أن لا يضحى من الضأن إلا بالمسنة، ما لم يعسر ذلك، لقول النبي ﷺ : «لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن»، رواه مسلم (١٩٦٣)، وأبو داود (٢٧٩٧) عن جابر، والمسنة هي الثني من كل من الإبل والبقر والغنم، ولولا ما جاء من الصارف لهذا النهي عن المنع لكان الجذع من الضأن غير مجزئ إلا بشرط تعسر المسنة، قال في التلخيص الحبير: «ظاهر الحديث يقتضي أن الجذع من الضأن لا يجزئ إلا إذا عجز عن المسنة، والإجماع على خلافه، فيجب تأويله، بأن يحمل على الأفضل،،،»، وقد ضعّف هذا الحديث الألباني في الإرواء فانظره. ويستدل بالحديث أيضا على عدم إجزاء التضحية بما دون الثني من المعز وغيره، وقد بين المؤلف المراد منه، فمن المعز ما أوفى سنة، ودخل في الثانية، ومن البقر ما أوفى ثلاث سنين، ودخل في الرابعة، ومن الإبل ما أوفى خمس سنين ودخل في السادسة، وفيه خلاف بين أئمة اللغة أيضا.
стр. 1192
• قوله:
٣ - «وفحول الضأن في الضحايا؛ أفضل من خصيانها، وخصيانها؛ أفضل من إناثها، وإناثها؛ أفضل من ذكور المعز ومن إناثها، وفحول المعز أفضل من إناثها، وإناث المعز؛ أفضل من الإبل والبقر في الضحايا».
هذه الفقرة قريبة مما قاله مالك كما في النوادر، ومرد هذا التفضيل إلى طيب اللحم، فإنه مقدم في الأضاحي على كثرته في المذهب، بخلاف الهدايا فالمقدم فيها كثرة اللحم، ودليله فعل النبي ﷺ ، فقد ضحى بالضأن دائما أو غالبا، والحكم للغالب، وهكذا قوله حيث أذن في التضحية بالجذع من الضأن دون غيره من بقية الأنواع كما تقدم، وقد علل تقديم فحول الضأن على خصيانها بطيب اللحم، وعلله آخرون بكمال الخلقة، ولعله هو الصواب إن كان الفحل ينزو، فإن كان الخصي أو مقابله أسمن؛ كان أفضل من غيره باتفاق، كما علل تقديم الخصيان من الضأن على الإناث بطيب اللحم، ولفضل الذكر على الأنثى، ولأن النبي ﷺ ضحى بالخصي، ولم يصح عنه التضحية بالأنثى، وقد روى أحمد والحاكم عن أبي رافع قال: «ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين موجوءين خصيين»، قال في مجمع الزوائد إسناده حسن، وصححه الألباني في الإرواء، وحسنه الغماري في مسالك الدلالة، والأملح الذي بياضه أكثر من سواده، وقيل هو النقي البياض، والموجوء مَنْ رُضت أنثياه رضا شديدا يذهب شهوة الجماع، وقيل من وجئت عروق جهازه والخصيتان بحالهما، وعلى المعنى الأخير حمل أهل المذهب الخصي الذي يضحى به فيقدم على أنثاه، وحملوا عليه الحديث الوارد في ذلك، وهو غير جيد، لأن الخصاء بذلك المعنى؛ مما لا يطلع عليه إلا فاعلُه أو من أُخبر به، ولهذا قالوا إن كان مقطوع الأنثيين؛ فإنه يكره التضحية به، ولعله للنقص، ورد ابن العربي الحديث الذي فيه التضحية بالخصي
стр. 1193
بالحديث الذي فيه التضحية بالفحيل، وهو في سنن أبي داود (٢٧٩٦) عن أبي سعيد، وفي الموطإ (١٠٣٧) عن ابن عمر إذ رآهما متنافضين، ولا حاجة إلى ما قاله، لاحتمال التعدد كما قاله الحافظ، فلا تناقض بين الفعلين.
стр. 1194
• قوله:
٤ - «وأما في الهدايا؛ فالإبل أفضل، ثم البقر، ثم الضأن، ثم المعز».
هذا عكس ما تقدم في الضحايا، لكون الأفضل هنا كثرة اللحم لا طيبه، وقد كانت هدايا النبي ﷺ من الإبل، نحر مائة ناقة في حجة الوداع، ولأن الله تعالى قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولا شك أن من تيسر له أن ينحر بدنة؛ كان ذلك خيرا مما إذا ذبح شاة أو بقرة، ولأن النبي ﷺ جعل من ذهب إلى المسجد في الساعة الأولى يوم الجمعة كأنما قرب بدنة، ثم ذكر البقرة، ثم الكبش،،، الخ، فهذا منظور فيه إلى ارتفاع القيمة، ودل فعله في الأضاحي على غير ذلك.
стр. 1195
• قوله:
٥ - «ولا يجوز في شيء من ذلك عوراء، ولا مريضة، ولا العرجاء البين ضلعها، ولا العجفاء التي لا شحم فيها».
العيوب التي تكون في النسائك أقسام: متفق على عدم إجزاء ما كانت فيه، ومختلف فيه، ومتفق على عدم تأثيره، قال القاضي عبد الوهاب: ونكتة هذا الباب أن كل عيب نقص اللحم، أو أثر فيه، أو كان مرضا، أو نقص من الخلقة؛ فإنه يمنع الضحية، وفي بعضها خلاف، وينبغي في الجملة أن يتقى العيب، وتتوخى السلامة، لأنه ذبح مقصود به القربة، فوجب أن يكون مُسَلَّمًا مخلصا مما ينقصه ويكدره لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
ومن العيوب المنصوصة ما جاء من قول النبي ﷺ في حديث البراء بن عازب ﵁: «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسير التي لا تنقي»، رواه مالك (١٠٣٥) وأصحاب السنن الأربعة، (د/ ٢٨٠٢)، وصححه الترمذي (١٤٩٧)، وقوله لا تجوز؛ نص في عدم الإجزاء، والمرض البين يفسد اللحم، وقد يضر بمن يأكله، والظلع بسكون اللام ويفتح؛ هو العرج، وقريب منه الضلع بالضاد، و «الكسير»؛ هي العجفاء كما جاء في رواية، وقوله: لا تنقي؛ هو رباعي الفعل أنقى، من النقي بكسر النون وسكون القاف هو المخ، فالكسير التي لا تنقي؛ هي التي لا شحم فيها، وقيل هي التي لا مخ في عظامها، وهما كالمتلازمين، ولذلك جمع بينهما بعضهم، وقيد البين في العور والمرض والعرج دال على أن ما كان في العين مما لا يمنع الإبصار، والمرض الخفيف، والعرج الخفيف؛ لا يضر، وحد ما لا يضر أن تسير مع الغنم وتلحقها، وهذه العيوب الأربعة اتفق أهل العلم على أنها متى كان واحد منها في الشاة لا تجزئ التضحية بها، ولا ريب أن ما كان في معناها كالعمى وقطع الرجل ملحق بها.
стр. 1196
وذكر بعض من كتب في أصول الفقه من المعاصرين أنه اختلف في قياس العمياء على العوراء، فمن لم يقس؛ قال إن العور مانع للشاة أن تأكل من جهتيها، فيؤدي ذلك إلى هزالها، بخلاف العمياء فإن ربها يَعلفها بنفسه، فيجوز التضحية بها، وهذا كما ترى ساقط، لأن الهزال عيب آخر منصوص، ولأن هذه العلة التي استنبطها هذا القائل؛ قد تعود على النص بالإبطال، إذ يقال إن العوراء إذا ربطت وعلفت؛ جاز التضحية بها، فالله الله في دينكم أيها الناس، ولا تتوسعوا في القياس.
стр. 1197
• قوله:
٦ - «ويتقى فيهما العيب كله، ولا المشقوقة الأذن، إلا أن يكون يسيرا، وكذلك القطع، ومكسورة القرن إن كان يدمي فلا يجوز، وإن لم يدم فذلك جائز».
ضمير فيهما يرجع إلى الضحايا والهدايا ومثلهما كل ما كان نسكا كالعقيقة، وقد اختلف في القياس على العيوب المتقدم ذكرها، والمؤلف مع القياس، ولهذا قال: ويتقى فيها العيب كله، يعني العيب الكثير، فإنه لا تجزئ معه، أما اليسير فيغتفر، قال القاضي عبد الوهاب في كتابه المعونة: «وإذا لم تجز العوراء فالعمياء أولى»، ومن هذا القبيل العيوب الواردة في حديث علي ﵁ عند الأربعة، قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابَلة، ولا مدابَرة، ولا شَرقاء، ولا خَرقاء»، وقد صححه الترمذي (١٤٩٨)، وقال في صحيح فقه السنة إنه حسن بطرقه، وقال مثل ذلك المعلقان على زاد المعاد، لكن أعله الدارقطني، وضعفه الألباني، وقد روى الترمذي (١٥٠٣) وابن ماجة (٣١٤٣) عن علي ﵁: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العينين والأذنين»، قال الترمذي حسن صحيح، وحسنه الألباني، وقوله نستشرف، أي نهتم ونتأمل، وأصله أن تضع يدك على حاجبك في مواجهة الشمس كي تتمكن من النظر، وإنما أمرهم بذلك في خصوص العين والأذن، لكون عيوبهما لا يهتم بها، أو لأنها ليست من الظهور كالعيوب الأخرى، وإذا صحت فقرة «وأن لا نضحي بمقابلة،،، الخ، اتجه القول بأن هذه العيوب متى كانت في الشاة لا يضحى بها، وكأن الشارع بتنبيهه على هذه العيوب، واعتبارها مخلة بصلاحية الشاة للنسك يدعو إلى تجنيب الحيوان إياها، حتى يحتفظ بسلامته من النقص، والمقابلة هي التي قطع من أذنها من قبل وجهها وترك معلقا، والمدابرة هي التي قطع من أذنها من جهة قفاها، والخرقاء التي في أذنها خَرق مستدير، والشرقاء هي المشقوقة الأذن،
стр. 1198
والمذهب أن الشق الذي بلغ الثلث فما دونه؛ يسير لا يضر، فهذه العيوب منصوصة، وكلها في الأذن، فيقاس عليها عضباء الأذن، أي مقطوعتها من باب أولى، مع أن فيها حديث علي الآتي، وقد اختلف في حد القطع الذي يضر، فقيل الثلث كثير، وقيل يسير، وهو الذي رجحه الباجي، ومشى عليه خليل في المختصر، وفرقوا بين ثلث الذنب فيضر، لأنه لحم وعصب، فتتضرر به وينقص منها، أما ثلث الأذن؛ فهو طرف جلد.
وتقييد مكسورة القرن بحالة الإدماء؛ لأنه يصدق عليها حينئذ وصف المرض، أما إن كان قد برئ؛ فلا مانع من التضحية بها في المذهب، وقد صرح مالك بهذا الفارق، وفسر بعضهم الإدماء بما إذا كان الدم يسيل، ويعترض على هذا بأنه يمكن أن ينقطع الدم، ومع ذلك يحصل بالكسر الضعف والمرض، ومعظم أهل المذهب لا يفرقون بين ما انكسر من أعلاه أو من أصله، لكون ذلك ليس نقصا في الخلقة، ولا في اللحم، إذ يجوز التضحية بالجماء، وهي التي لا قرن لها أصلا، وهذا قياس مع الفارق كما ترى.
والعمدة في هذا قول علي بن أبي طالب ﵁: «نهى رسول الله ﷺ أن يضحى بأعضب القرن والأذن»، رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي (١٥٠٤)، وحسنه المعلقان على زاد المعاد (٢/ ٣٢٠)، واختلف في المراد بالأعضب، فقيل ما ذهب نصف قرنه فأكثر، وقيل ما انكسر أو قطع من أصله، وقيد بعضهم الكسر بالداخل، ومعنى هذا أنه إذا انكسر غلاف القرن فإن ذلك لا يسمى عضبا، بل هو القصم، فإن القصماء من المعز المكسورة القرن الخارج، والعضباء المكسورة القرن الداخل كما في لسان العرب، وهذا قريب من تقييد أهل المذهب ذلك بالإدماء، قال الزمخشري في الفائق: «العضب في القرن الداخل الانكسار، واستدل بقول الأخطل:
إن السيوف غدوها ورواحها … تركت هوازن مثل قرن الأعضب
وقال الشوكاني: «فالظاهر أن مكسورة القرن لا تجوز التضحية بها إلا أن يكون الذاهب من القرن مقدارا يسيرا، بحيث لا يقال لها عضباء لأجله، أو يكون دون النصف إن صح أن التقدير بالنصف لغوي أو شرعي»، انتهى، وقد ذهب الجمهور إلى جواز التضحية بالأعضب، ومذهب مالك أعدل الأقوال في المسألة.
стр. 1199
• قوله:
٧ - «وليل الرجل ذبح أضحيته بيده بعد ذبح الإمام أو نحره يوم النحر ضحوة، ومن ذبح قبل أن يذبح الإمام أو ينحر؛ أعاد أضحيته، ومن لا إمام لهم؛ فليتحروا صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه».
ذبح الأضحية أو نحرها عبادة، والأصل فيها أن يقوم بها المكلف بنفسه اقتداء برسول الله ﷺ ، فإنه نحر بيده في حجة الوداع ثلاثا وستين ناقة، ثم أعطى عليا ﵁، فنحر ما بقي، جاء معناه في حديث جابر عند مسلم، ولو لم يكن ذلك مؤكدا؛ لما تعنى بنحر هذا العدد الكبير بيده، مع حاجة الناس إليه لتعليمهم وإرشادهم، وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنه ﷺ أمر بكبش أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأتي به ليضحي به، فقال: «يا عائشة هلم المُدْيَة»، ثم قال: «اشحذيها»، ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه، ثم ذبحه ثم قال: «بسم الله، اللهم تقبل من محمد، وآل محمد، ومن أمة محمد، ثم ضحى به، رواه مسلم (١٩٦٧)، وأبو داود (٢٧٩٢)، والمدية مثلثة الميم؛ هي السكين.
والأضحية وغيرها من الأنساك تقبل النيابة بالتوكيل، كأن يقول مريد التضحية لمسلم: وكلتك على ذبح أضحيتي، فيقبل، أو تكون العادة قد جرت بتولي الخادم والأجير والقريب والجار والصديق ذبح الأضحية، وتوكيل أهل الصلاح والعلم بباب الذكاة مقدم، قال مالك ﵀: «فإن أمر غيره من غير عذر؛ فبئس ما صنع، ويجزئه»، وهو في النوادر.
ومن وكل تارك الصلاة؛ أجزأته على المشهور، ومقابله أنها لا تجزئ بناء على أنه كافر، أما توكيل اليهودي والنصراني؛ فالمشهور عدم الإجزاء، وهو رواية ابن وهب عن مالك، وقال ابن القاسم: «ومن أمر نصرانيا يذبح أضحيته ففعل؛ لم يجزه، ولا ينبغي له بيع لحمها»، وقال أشهب في غير كتاب ابن المواز إنها تجزئه، وقد أساء، وهذه الأقوال في النوادر، ووجه الأول أنها عبادة والكافر لا تصح منه، ووجه الثاني أنها داخلة في ذبيحة
стр. 1200
الكتابي لقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وقول ابن القاسم: «لا ينبغي له بيعها»؛ إن كان المقصود منه المنع؛ فهذا لا يستقيم، لأنها إنما يمنع بيعها إذا تعينت أضحية بالذبح، ولو تعينت أضحية؛ فإنها تكون مجزئة، فكيف يقال بعدم الإجزاء، مع منع البيع؟.
ولا مفهوم لقول المؤلف الرجل؛ فإن المرأة مثله في هذا الأمر تتولى ذبح أضحيتها بنفسها، إذ لا حجة عند من قال إنها لا تتولى ذلك إلا من ضرورة، مستدلا بأن النبي ﷺ نحر عن أزواجه البقر في الحج، ولم يتولين ذلك بأنفسهن؛ فإن هذا لا حجة فيه على المنع، وغاية ما فيه ترك الأفضل، وقد يكون لمانع لا ندريه، وقد نقل عن الإمام كراهة تولي المرأة الذبح، قال ابن رشد في البيان والتحصيل: «والأظهر أن لا تذبح المرأة ضحيتها إلا من ضرورة بدليل ما جاءني أن رسول الله ﷺ نحر عن أزواجه في الحج ولم يرو أنهن نحرن بأنفسهن»، انتهى، وذكر هذا أيضا الحافظ في الفتح (١٠/ ٢٥)، وقال في التلخيص الحبير: «حديث عائشة «أن النبي ﷺ كان يأمر نساءه أن يلين ذبح هديهن»، لم أره مرفوعا»، انتهى، وقد صحح إسناد أثر أبي موسى في الفتح عن المسيب بن رافع «أن أبا موسى كان يأمر بناته أن يذبحن نسائكهن، بأيديهن»، وعلقه البخاري نحوه بصيغة الجزم.
وقوله بعد ذبح الإمام، هذا القيد لا بد منه، وهاهنا أمران: أن يكون الذبح بعد الصلاة، والثاني أن يكون بعد ذبح الإمام، والأول لا يسوغ أن يختلف فيه، لقول النبي ﷺ : «من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا؛ فليذبح بسم الله»، رواه الشيخان (م/ ١٩٦٠) عن جندب بن سفيان البجلي، وقوله ﵊: «من ذبح قبل الصلاة؛ فإنما يذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة؛ فقد تم نسكه، وأصاب السنة»، رواه البخاري ومسلم (١٩٦١) عن البراء بن عازب، وانظر الحديث (١٠٣٨) في الموطإ، وقد بين النبي ﷺ الترتيب بقوله: «إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي ثم نرجع فننحر»، والحكمة منه «أن لا يشتغل الناس عن الصلاة وسماع الخطبة وحضور دعوة المسلمين التي حض الشارع عليها، حتى أمر بالخروج إليها العواتق وذوات الخدور»، انظر شرح الأبي (٧/ ٤٧).
стр. 1201
والأمر الثاني أن يكون الذبح بعد ذبح الإمام، أعني إمام الصلاة، أو قدر ذبحه إن لم يذبح في المصلى كما هو المسنون، حتى يؤخذ بالسنة كما وردت، فإن النبي ﷺ كان يبرز أضحيته ويذبحها في المصلى، وقد تقدم الحديث في صلاة العيد، ومن لم يكن لهم إمام؛ تحروا ذبح أقرب الأئمة إليهم وذبحوا، ويدل على اشتراط الذبح بعد ذبح الإمام؛ حديث جابر ﵁ قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا، وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر، فأمر النبي ﷺ من كان نحر قبله؛ أن يعيد بنحر آخر ولا ينحروا حتى ينحر النبي ﷺ »، عزاه في منتقى الأخبار لأحمد ومسلم، وفيه دليل على أن من أخطأ فذبح قبل ذبح الإمام فهي شاة لحم، فكيف بالمتعمد؟، ومذهب مالك في هذا هو الصواب إن شاء الله، ولو قيل إنّ ذلك مقيد بما إذا كان الإمام يبرز أضحيته إلى المصلى ليذبحها كما كان النبي ﷺ يفعل؛ لكان ذلك القيد حقا، ثم عثرت على كلام لأبي مصعب يقول فيه: «إذا ترك الإمام الذبح بالمصلى؛ فمن ذبح بعد ذلك فهو جائز»، أثبته الباجي في المنتقى، وقد قال الحسن البصري: «إن ناسا ذبحوا قبل رسول الله ﷺ يوم النحر، فأمرهم أن يعيدوا ذبحا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحُجُرات: ١].
стр. 1202
• قوله:
٨ - «ومن ضحى بليل أو أهدى؛ لم يجزه».
العمدة في اشتراط النهار في ذبح الأضحية عند أهل المذهب؛ ذكر اليوم في الأحاديث، وكذا في قول الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، حيث اعتبروا ذكر الأيام قيدا، ومفهومه هو الليل؛ فلا تصح التضحية فيه، ولا يخفى عنك أن اليوم لقب، والاعتماد على مفهومه ضعيف، وقد تفصى بعضهم من هذا بأن مالكا لم يعتمد مفهوم اللقب، بل اعتمد مفهوم الظرف، فإن كان مقصود هذا القائل الظرفَ الاصطلاحي عند النحاة؛ فإن الأيام ليست ظرفا عندهم، فإن اليوم ظرف متصرف، ولو قيل إن فعل النبي ﷺ مبين للمراد من الأيام لكان ذلك متجها، لكنه لا يفيد غير الاستحباب، وقد وجدت الباجي ذهب إلى نحو هذا في المنتقى، وقال الشوكاني في نيل الأوطار: «مجرد ذكر الأيام في حديث الباب وإن دل على إخراج الليالي بمفهوم اللقب؛ لكن التعبير بالأيام عن مجموع الأيام والليالي، والعكس؛ مشهور متداول بين أهل اللغة، لا يكاد يتبادر غيره عند الإطلاق»، انتهى، قال كاتبه: يعكر على ما قاله من التبادر؛ ما جاء في حديث صفوان بن عسال من قوله: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة،،، الحديث، رواه أحمد والنسائي وابن ماجة والترمذي، فلو كان الأمر كما قال الشوكاني؛ لما احتاج إلى ذكر الليالي، مع أن المقصود هنا دخول الليالي مع الأيام بلا شك، إذ لو قَطعت الليلةُ الرخصةَ؛ لما كان لذكر الثلاثة وجه، وروي عن مالك جواز الذبح ليلا ذكره الباجي نقلا عن القاضي أبي الحسن، وهو قول الجمهور، وفرق أشهب في أحد قوليه بين الهدي والأضحية، فأجاز الهدي ليلا دونها.
стр. 1203
• قوله:
٩ - «وأيام النحر ثلاثة، يذبح فيها، أو ينحر إلى غروب الشمس من آخرها».
أهل المذهب متفقون على أن أيام النحر ثلاثة: يوم العيد وتالياه، أما اليوم الأول؛ فقد تقدم وقت الذبح فيه، وأما تالياه؛ فإن الذبح فيهما يكون من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، لكن يكره الذبح قبل طلوع الشمس، للاختلاف في كون ما بين الفجر إلى طلوعها من اليوم أو من الليل، وعليه؛ فمن ذبح في اليوم الرابع؛ فهي شاة لحم، قال الشوكاني: «ومقتضى كلام أهل اللغة والفقه؛ أن أيام التشريق ما بعد يوم النحر على اختلافهم هل هي ثلاثة أو يومان؟، لكن ما ذكره من سبب تسميتها يقتضي دخول يوم العيد فيها،،،».
قلت: مردّ الخلاف في ذلك إلى تأويل قول الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، وقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وما هو المراد بأيام التشريق عند أهل اللغة والفقه، هل هي يومان أو ثلاثة؟، وهل يدخل فيها يوم العيد أو لا؟، وقد روى أحمد عن سليمان بن موسى عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال: «كل أيام التشريق ذبح»، ورواه الدار قطني من حديث سليمان بن موسى عن عمرو بن دينار، وعن نافع بن جبير عن جبير، وقال الحافظ في التلخيص الحبير (١٩٦٩): «وهذه الزيادة ليست بمحفوظة، والمحفوظ منى كلها منحر»، كما ضعفه ابن القيم، لكن قال الألباني في منسكه: «وهو قوي عندي بمجموع طرقه، ولذلك خرجته في الصحيحة (٢٤٧٦)»، انتهى، ولو قيل بتصحيح الحديث لما كان فيه إنهاء للنزاع للاختلاف في المراد بأيام التشريق هل يدخل فيها يوم العيد أو لا؟.
والمذهب أنه لما كانت الأيام المعلومات مرادا بها وقت نحر الهدي، والتضحية
стр. 1204
مقيسة في وقتها على الهدي؛ كان يوم العيد من الأيام المعلومات، وأما المعدودات؛ فإنها أيام منى، وقد نقل المهدي في البحر الإجماع عليه، كما ذكره الشوكاني في نيل الأوطار (٣/ ٣٨٧)، ولما كانت هذه الأيام ثلاثة بنص حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي أن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله ﷺ وهو بعرفة فسألوه، فأمر مناديا ينادي: «الحج عرفة، فمن جاء ليلة الجمع قبل طلوع الفجر؛ فقد أدرك، أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين؛ فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه»، رواه أصحاب السنن الأربعة، (ت/ ٨٨٩)، وصححه الترمذي في كتاب التفسير (٢٩٧٥)، فلما كانت أيام منى ثلاثة؛ وجب أن تكون الأيام المعلومات غير المعدودات، إذ لو توافقتا؛ لكان سائغا أن ينفر الحاج في اليوم الحادي عشر، وهو مخالف لاتفاق أهل العلم، ولهذا قالوا إن يوم العيد معلوم غير معدود، واليوم الرابع معدود غير معلوم، وما بينهما معدودان معلومان، وقد روي نحو هذا عن ابن عمر، فهذه حجة على اختلاف الأيام المعدودات عن المعلومات، مع ما جاء في المعلومات من الخلاف، ولو سلم ذلك؛ فلا يلزم منه أن يكون اليوم الرابع غير معلوم، فإن إثبات تغايرهما؛ لا يلزم منه أن تكون الأيام المعلومات ثلاثة فحسب، إلا بالاعتماد على أن أقل الجمع ثلاثة، والثلاثة داخلة في جمع القلة ولا بد، وما زاد عليها مشكوك في دخوله، قال مالك كما في النوادر والزيادات: «والأيام المعلومات أيام النحر، والأيام المعدودات أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر».
ومما احتج لهم به حديث النهي عن ادخار لحوم الأضلحي بعد ثلاثة أيام، فإنه لو كانت مدة النحر أربعة أيام لكان ممنوعا الذبح في الرابع على ما يقتضيه النهي، وكونه منسوخا لا يمنع من الاحتجاج به على هذا الحكم، والجواب عنه أن الأدخار يكون بعد اليوم الأول، فلا حجة فيه.
стр. 1205
• قوله:
١٠ - «وأفضل أيام النحر أولها، ومن فاته الذبح في اليوم الأول إلى الزوال؛ فقد قال بعض أهل العلم: يستحب له أن يصبر إلى ضحى اليوم الثاني».
أما أن أفضل أيام النحر أولها؛ فنعم، لأنه اليوم الأول منها، والمسارعة إلى أعمال البر مطلوبة، ولأن النبي ﷺ كان يضحي ويهدي فيه، ولأنه هو يوم الحج الأكبر كما هو في سنن أبي داود عن أبي هريرة فيما بعث به النبي ﷺ عليا يؤذن به، وعلقه البخاري، وقد روى أبو داود (١٧٦٥) عن عبد الله بن قُرط عن النبي ﷺ قال: «إن أعظم الأيام عند الله ﵎ يوم النحر، ثم يوم القَر»، ويوم القر هو اليوم الثاني، سمي كذلك لأن الناس يقَرون فيه بمنى، وأما أن من فاته الذبح في هذا اليوم حتى أدركه الزوال؛ استحب له أن يؤجل الذبح إلى ضحى اليوم الثاني؛ فلا أعرف عليه دليلا، والفضلية منسوبة إلى اليوم بتمامه، والقول بما تقدم من التأجيل إلى اليوم الثاني منسوب في الواضحة إلى مالك نفسه، وليس هو قول ابن حبيب فحسب كما ذكر بعضهم.
стр. 1206
• قوله:
١١ - «ولا يباع شيء من الأضحية: جلد ولا غيره».
متى تعينت الأضحية نسكا وقربة، وذلك بالشروع في ذبحها؛ انتقلت عن كونها مجرد لحم إلى كونها عبادة، فلا يتصرف المكلف فيها إلا وفق ما أذن له فيه دينه، ومما لم يؤذن له فيه أن يبيع شيئا منها لحما كان أو غيره، ومثل البيع أن يعطي شيئا منها أجرة للجازر أو للحارس، لقول علي ﵁: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بُدنه وأقسم جلودها وجلالها، وأن لا أعطي الجزار منها شيئا، قال: ونحن نعطيه من عندنا»، رواه الشيخان (خ/ ١٧٠٧)، وأبو داود (١٧٦٩)، وهذا لفظه، والبدن بضم الباء وسكون الدال جمع بدنة بمفتوحتين، تقع على «الجمل والناقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه»، كذا في النهاية، وقال الحافظ إن أصل البُدن من الإبل، وألحقت بها البقر شرعا»، قلت هذا إذا ذكرت البدن وحدها، لكن قد تذكر الإبل والبقر معا في نص كما في حديث ابن عباس في اشتراك العشرة في البدنة والسبعة في البقرة، والجلال بكسر الجيم جمع جُل بضمها وفتحها؛ هي ما تُلبَسُه الدابة بوضعه على ظهرها لتصان به وقد توسع في استعماله، فقال قائلهم:
أخا الحرب لباسا إليها جلالها … وليس بولاج الخلائف أعقلا
ووجه الدلالة في حديث علي أنه نهاه أن يعطي الجزار منها شيئا لقاء عمله، فدل على عدم جواز دفع شيء منها في سائر المعاوضات، ومنها البيع، والمنهي عن البيع إنما هو المضحي أو من يقوم مقامه كالوكيل، أما من أهدي له أو تصدق به عليه فلا يمنع من ذلك، لأنها انتقلت إليه بوجه مشروع، فزال عنها الوصف الخاص، فله أن يتصرف فيها تصرف المالك فيما يملك، ومن جملة ذلك البيع، ولو علم من تصدق عليه أو أهدى له بأنه يبيع، وفي زماننا تجمع الجلود وتعطى لجمعيات المساجد، فتبيعها، وذلك لا حرج فيه إن شاء الله لأنها قد تصدق بها فخرجت من مالكها، أما قول الشارح أبي الحسن: «وبني
стр. 1207
الفعل لما لم يسم فاعله ليدخل فيه المضحي وغيره من متصدق عليه، وموهوب له، ووارث»؛ فهو خلاف المعروف في المذهب، والأحكام الشرعية لا تؤخذ من مثل هذا، وقد شدد الشرع في ذلك حتى قال النبي ﷺ : «من باع جلد أضحيته فلا أضحية له»، رواه الحاكم عن أبي هريرة، وقال صحيح الإسناد، وتعقب، وهو حسن كما في صحيح الترغيب والترهيب للألباني.
стр. 1208
• قوله:
١٢ - «وتوجه الذبيحة عند الذبح إلى القبلة».
هذا شروع من المؤلف في بيان كيفية الذبح التي منها الواجب، ومنها غيره، وتوجيه الذبيحة إلى القبلة مستحب بالإجماع على ما نقله أبو الحسن عن ابن المنذر، واتفق العلماء عليه كما قال النووي، وصفته أن تضجع على الجنب الأيسر، ووجهها إلى القبلة، فإن ترك التوجيه عمدا أكلت عند ابن القاسم، وقال ابن المواز: «لا أحب أن تؤكل لمخالفة السنة»، وفي هذا عِبرة لمن يعتبر، فإن كان أعسر فيغتفر إضجاعها على الجنب الأيمن للضرورة، وقال جابر ﵁: «ضحى رسول الله ﷺ يوم عيد بكبشين فقال حين وجههما: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم منك ولك، عن محمد وأمته»، رواه أبو داود (٢٧٩٥) وابن ماجة (٣١٢١)، وهو في ضعيف أبي داود، وانطر الإرواء (ح/ ١١٣٨)، وقد جاء التوجيه إلى القبلة في الموطإ عن ابن عمر موقوفا وعلقه البخاري بصيغة الجزم.
ومما يستحب؛ أن يجعل الذابح رجله على عنق الذبيحة، لما في حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ ضحى بكبشين أقرنين أملحين، يذبح ويكبر ويسمي، ويضع رجله على صفحتهما»، رواه البخاري ومسلم وأبو داود (٢٧٩٤)، ومن العجب أن يزعم بعضهم أنه من الخصائص، وقد كرهه ابن المواز كما في شرح أبي الحسن، وهكذا قال ابن حبيب كما في النوادر، نعم يمكن تقييد وضع الرجل بالحاجة إليه، كأن لا يكون مع الذابح من يمسك الشاة من عنقها، لأن الظاهر أن ذلك ليس متعبدا به.
ومن ذلك أن يشحذ شفرته قبل مباشرة الذبح ليتأتى له الإحسان الذي كتبه الله على كل شيء كما قال رسول الله ﷺ : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم
стр. 1209
فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته»، رواه مسلم وأصحاب السنن (د/ ٢٨١٥) عن شداد بن أوس ﵁، والقتلة والذبحة هما بكسر القاف والذال؛ هيئة القتل والذبح، وليحد رباعي من أحد الشفرة إذا شحذها، واللام فيه للطلب، والمراد بالشفرة حد السكين من تسمية الشيء باسم جزئه، وليرح مضموم الياء من أراحه يريحه إذا جلب له الراحة، وفيه دليل على مطلوبية الإحسان في كل الأعمال، ومن ذلك إحسان قتل من وجب قتله، وقد ذكر هنا لمشابهته الذبح، فإن كل المخلوقات أحسن الله خلقها، ومن مفردات إحسان الذبح شحذ الشفرة ليتأتى إزهاق الروح في أقصر وقت، فيجتنب بذلك تعذيب الحيوان، وقد حكى ابن حزم الإجماع على وجوب الإحسان في الذبيحة، ومن الإحسان إراحة الذبيحة بسرعة الإجهاز عليها، وذلك بإمرار السكين عليها بقوة، ومن ذلك الإمهال بسلخها حتى تبرد، وعدم إظهار الشفرة للشاة، روى أحمد وابن ماجة (٣١٧٢) من حديث ابن عمر ﵁ قال: «أمر رسول الله ﷺ بحد الشفار، وأن توارى عن البهائم، وقال: إذا ذبح أحدكم فليجهز»، لكن في إسناد ابن ماجة ابن لهيعة، قال الشوكاني: «ويشهد له الحديث الذي قبله»، انتهى، يعني حديث شداد بن أوس في إحسان القتلة والذبحة، وقد قواه شعيب الأرناؤوط في كتاب جامع العلوم والحكم لابن رجب رحمهما الله، ومعنى فليجهز؛ فليسرع في الذبح، وروى الطبراني عن عكرمة عن ابن عباس قال: «مرّ رسول الله ﷺ برجل واضع رجلَه على صفحة شاة، وهو يحد شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها، فقال: «أفلا قبل هذا؟، تريد أن تميتها موتات»؟، وهو في صحيح الترغيب، وهو في مصنف عبد الرزاق (٨٦٠٨) عن عكرمة مرسلا، ورُوي عن معاوية بن قرة عن أبيه أن رجلا قال للنبي ﷺ : «يا رسول الله، إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال النبي ﷺ : «والشاةُ إن رحمتها رحمك الله»، وروى عبد الرزاق عن ابن سيرين قال: «رأى عمر ابن الخطاب رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها، فقال له: ويلك، قدها إلى الموت قودا جميلا»!!.
وقال الإمام أحمد: «تقاد إلى الذبح قودا رفيقا، وتوارى السكين عنها، ولا تظهر السكين إلا عند الذبح، أمر رسول الله ﷺ بذلك، أن توارى الشفار، وقال: ما أبهمت عليه
стр. 1210
البهائم؛ فلم تبهم أنها تعرف ربها، وتعرف أنها تموت»!!، وهو في كتاب جامع العلوم والحكم.
وإذ قد تبين لك أن الشرع متشوف إلى تخفيف أمر الذبح وتعجيله والمبالغة في الإحسان فيه، فلا أشك أنك تقتنع بمشروعية الذبح بالآلة الكهربية، لأن في الذبح بها مزيد إحسان على الذبح باليد، على أن يتوفر معها ما ينبغي في الذبح من التسمية، وغيرها من المستحبات بحسب الإمكان، وإن أدى ذلك إلى قطع العنق فما هو بالمحرم، أفبعد هذا يزعم الكفار أن في الذبح تعذيبا للحيوان فيمنعون المسلمين من التذكية الشرعية في بلدانهم، ويعاقبون من يفعل ذلك، وهم يعذبون بني آدم بأضعاف ما يزعمون أنه تعذيب للحيوان عند المسلمين، بإحراقهم بالقنابل، وتهديم البيوت وغير ذلك، مع أن الحيوان أباحه الله للإنسان، وشرع له قتله بتلك الصفة، وهو سبحانه أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].
стр. 1211
• قوله:
١٣ - «وليقل الذابح: بسم الله، والله أكبر، وإن زاد في الأضحية ربنا تقبل منا، فلا بأس بذلك، ومن نسي التسمية في ذبح أضحية، أو غيرها؛ فإنها تؤكل، وإن تعمد ترك التسمية؛ لم تؤكل، وكذلك عند إرسال الجوارح على الصيد».
قال الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار (٦/ ١٧٧): «سبب مشروعية التذكية التفصي من أكل المشركين الميتة، وسبب التشديد في التسمية على الطعام من صيد وذبيحة هو إبعاد المسلمين عما كان عليه المشركون من الذبح لغير الله تعالى، بالإهلال به لأصنامهم، أو وضعها على النصب، واستبدال اسم الله وحده بتلك الأسماء التي سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، ليطهرهم من كل ما كانوا عليه من أدران الشرك،،،»، انتهى.
والتسمية عند الذبح نسكا كان أو غير نسك؛ واجبة مع الذكر والقدرة، فمن تركها عامدا لم تؤكل ذبيحته، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ (١٢١)﴾ [الأنعام: ١٢١]، ومما اعتبر تقييدا للتسمية على الذبيحة بالذكر حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- عند البخاري وغيره أن قوما قالوا للنبي ﷺ : «إن قومنا يأتوننا بلحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه، أم لا؟، فقال: «سموا عليه أنتم وكلوا»، وهو في الموطإ (١٠٤٨) عن هشام بن عروة عن أبيه، ووجه الدلالة منه على ما ذكر؛ أن التسمية لو كانت شرطا من غير قيد في حل المذبوح ما عوملت حالة الشك بما عوملت به في هذا الحديث، وليس هذا الوجه بالواضح، لأن المجتمع مسلم فيحمل على الأصل، وقد حمل مالك الحديث على أنه كان في أول الإسلام، ويظهر أنه كان بعد نزول سورة الأنعام وفيها مطلوبية التسمية، قاله ابن عبد البر، وقال: إنه كان بالمدينة وأهل باديتها كانوا هم الذين يأتون إليهم باللحمان، وقوله سموا عليه، هذه التسمية على أكل الطعام لحما كان أو غيره وليست بدلا عن التسمية التي هي شرط مع الذكر والقدرة، والله أعلم.
стр. 1212
وتجب التسمية أيضا عند إرسال الجوارح للصيد، وعند رمي السهم، وسيأتي الكلام على ذلك، أما زيادة التكبير؛ فمستحب في المذهب، لثبوته من فعل رسول الله ﷺ في حديث أنس عند الشيخين، وحديث جابر عند أحمد وأبي داود والترمذي وقد تقدم.
ويظهر أن السنة الفعلية مبينة للمراد من ذكر الله المنهي عن أكل الذبيحة بدونه، فيقول الذابح بسم الله، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ ، وكما قال: «ومن لم يذبح فليذبح بسم الله، وإن كان محتملا، لكن المذهب أنه لو قال الله أكبر، أو لا حول ولا قوة إلا بالله، أو سبحان الله، أو لا إله إلا الله؛ أجزأ، لأن كل هذا يصدق عليه أنه من ذكر لله تعالى المأمور به في كتاب الله.
وكره مالك أن يقول: «اللهم منك وإليك» في ذبح الأضحية لأنه بدعة، والمرجع في ذلك ثبوت هذا عن النبي ﷺ ، وقد جاءت هذه الجملة في حديث جابر عند أبي داود وابن ماجة، وذكر الألباني شاهدا لها فانظر الإرواء (ح/ ١١٣٨)، وقال أشهب: لا ينبغي أن تجعل الصلاة على النبي ﷺ في هذا استنانا، ذكره في النوادر، وهذا من احتياط القوم للسنة ﵏، فليكن فيه عبرة لمن أرخوا لأنفسهم العنان للاستحسان، فأدخلوه في كل ميدان!!.
ومن نسي التسمية حتى انتهى من الذبح؛ فلا شيء عليه، فإن ذكرها أثناء الذبح سمى، وإن تعمد تركها لم تؤكل، ومما يجب في الذبح نيته من غير قيد بالذكر والقدرة، والمراد نية فعل الذبح، وإن لم يلاحظ التحليل أو التقرب إلى الله تعالى بالذبيحة، وهو أمر مطلوب لكنه ليس شرطا في الحل.
стр. 1213
• قوله:
١٤ - «ولا يباع من الأضحية والعقيقة والنسك؛ لحم، ولا جلد، ولا ودك، ولا عصب، ولا غير ذلك».
تقدم الكلام على منع بيع شيء من الأضحية، وأعاده هنا ليبين امتناع البيع في غيرها من العقيقة والنسك، يعني الهدي مطلقا، واجبا كان كهدي التمتع والقران والجبران وجزاء الصيد والنذر، أو هدي التطوع، كل ذلك يمنع بيع شيء منه، والودك الدهن، والعصب العروق، وقوله: «ولا غير ذلك»، يعني كالقرن والشعر والصوف.
стр. 1214
• قوله:
١٥ - «ويأكل الرجل من أضحيته، ويتصدق منها أفضل له، وليس بواجب عليه».
ما يقدمه المسلم من الذبائح على وجه القربة لله تعالى بعضه يشرع له أن يأكل منه، وكذا التصدق والإهداء، وهو قسمان: ما أصله الأكل كالأضحية، وما أصله عدمه كالهدي، والثاني ما لا يباح له الأكل منه، والأضحية من الأول، بل إنها في الأصل لذلك، بل يندب لأمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ بذلك، لكن ينبغي أن لا يترك التصدق منها، وإن جمع بين الأكل والتصدق والإهداء فهو أفضل، وليس لهذه الثلاثة حد، وقيل لو جعل أضحيته ثلاثة أقسام فحسن، وإن اقتصر على الأكل أجزأته، وترك ما هو مستحب، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج: ٢٨]، وهذا في البدن التي تهدى، والأمر فيه للاستحباب، ولو لم يكن الأكل متأكدا ما تلكف النبي ﷺ أخذ بَضعة من كل نوقه التي أهداها، وعددها كثير، ووضعها في البرمة ليأكل من جميعها، والأضحية أولى أن يؤكل منها، وعن ثوبان قال: «ذبح رسول الله ﷺ أضحيته، ثم قال: يا ثوبان أصلح لي لحم هذه، فلم أزل أطعمه منه حتى قدم المدينة»، رواه أحمد ومسلم (١٩٧٥)، وفيه حجة على مشروعية الأضحية للمسافر، وقد جاء ذلك في حديث ابن عباس عند الترمذي، وفي حديث بريدة عند أحمد ومسلم (١٩٧٧) والترمذي (١٥١٠) واللفظ له قال رسول الله ﷺ : «كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، ليتسع ذوو الطول على من لا طول له، فكلوا ما بدا لكم، وأطعموا وادخروا»، والطول بفتح الطاء وسكون الواو القدرة، وفيه وفي الحديث الذي قبله اجتماع القول والفعل على جواز ادخار لحوم الأضاحي، وأن المنع من ادخارها منسوخ.
والمشهور أن إطعام الكافر من الأضحية مكروه، وقيده بعضهم بما إذا كان ينقلب به
стр. 1215
إلى منزله، أما أن يطعمه المضحي في بيته؛ فلا كراهة، قال زروق: «وفي كراهة إطعام الكافر منها روايتا العتبية، واختيارُ ابن القاسم الكراهة، وقد قال ابن القاسم كان مالك يجيزه، ثم رجع عنه، وما يعجبني أن يطعم إلا من كان في عياله»، انظر شرح بن ناجي على الرسالة، (١/ ٣٧٧).
قلت: وظاهر قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، يدل على خلاف ذلك، فكل ما كان حلا لنا من الذبائح وغيرها يجوز أن نطعمهم منها، ما لم يكن مصرفه معينا في نذر أو كفارة، فإن الآية لا تدل على أنه حلال لهم بالمعنى الذي يقصد مع المسلمين، لأنهم ليسوا من الحل والحرمة في شيء، وإنما معناه أنه يجوز لنا أن نطعمهم منه، وهو عموم لا يستثنى منه إلا ما دل الدليل على خلافه، قال الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسيره: «لم يعرج المفسرون على بيان المناسبة ﴿ركذب وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾، وإني أراه أن الله تعالى نبهنا بهذا إلى التيسير في مخالطتهم، فأباح لنا طعامهم، وأباح لنا أن نطعمهم طعامنا، فعلم من هذين الحكمين؛ أن علة الرخصة في تناولنا طعامهم هو الحاجة إلى مخالطتهم،،،»، انتهى.
стр. 1216
• قوله:
١٦ - «ولا يأكل من فدية الأذى، وجزاء الصيد، ونذر المساكين، وما عَطب من هدي التطوع قبل محله، ويأكل مما سوى ذلك إن شاء».
لما ذكر حكم الأكل من الأضحية؛ قاده ذلك إلى استيفاء الكلام على ما يؤكل منه من الهدي والنسك، وما لا يؤكل منه، وينحصر ذلك في أربعة أقسام: ثلاثة منها لا يجوز الأكل منها إذا بلغت محلها، وهو منى إن كان قد وقف بها في عرفة، وكان الذبح في أيام النحر، ومكة إن لم يقف بها، أو انتهت تلك الأيام، فإن لم تبلغ محلها؛ جاز الأكل منها، وعللوا ذلك بأنها إن لم تبلغ محلها ضمنها:
أولها: فدية الأذى، وهي ما ترتب على فعل محظور من محظورات الإحرام، والثاني: جزاء الصيد ممن كان محرما أو في الحرم، والثالث: نذر المساكين، وإنما لم يسغ له الأكل من هذه الثلاثة؛ لأنها كفارة، والمرء لا يأكل من كفارته، وفي نذر المساكين قد أخرج نفسه بجعله لهم، والرابع مما يمتنع الأكل منه هدي التطوع إذا عَطب قبل أن يبلغ محله، وذلك لأنه لا يجب عليه بدله، فهو متهم على عطبه، انظر النوادر والزيادات (٢/ ٤٥١).
وقد روى مسلم (١٣٢٦) عن ذؤيب بن حلحلة قال: كان النبي ﷺ يبعث معه بالبدن ثم يقول: إذا عَطب منها شيء فخشيت عليها موتا؛ فانحرها ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب به صفحتها، ولا تَطعَمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك»، ومثله حديث ناجية في الموطإ وسنن أبي داود (١٧٦٢) والترمذي، لكن هذا إنما يصلح دليلا على عدم الأكل من هدي التطوع إذا عطب قبل محله، وقد علمت توجيه عدم الأكل من غيره.
وقوله «ويأكل مما سوى ذلك إن شاء»؛ إشارة إلى ما يجوز الأكل منه، وهو الممنوعات الثلاثة السابقة إذا لم تبلغ محلها: فدية الأذى، وجزاء الصيد، ونذر المساكين،
стр. 1217
وإنما جاز له الأكل منها؛ لأن عليه بدلها، فلا يتهم على عطبها، والرابع هو هدي التطوع إذا بلغ محله، ودم التمتع، والقران، وهدي فساد الحج والعمرة، ودم الجبران، أعني الذي يذبحه جبرا لنقص في حجته أو عمرته، كتجاوز الميقات دون إحرام، أو ترك واجب، وبين بقوله «إن شاء»؛ أن الأصل في الهدي عدم الأكل، كذا قالوا.
واعلم أنه قد دل الدليل على مشروعية الأكل من الهدي عموما بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، ولا يضير هذا العموم ما ورد أنها نزلت لإبطال ما كان عليه العرب من عدم الأكل من الهدي، لأن العبرة بعموم اللفظ، كما دل الدليل على مشروعية الأكل من هدي التمتع والقران بفعل النبي ﷺ ، وما قاله أهل المذهب من التفصيل قوي في النظر، ولكن قياس الهدي على الكفارة المنصوص على عدد المساكين فيها؛ فيه شيء، وكون جزاء الصيد بدله إطعام عدد من المساكين يعدل قيمة الحيوان؛ لا يدل بمجرده على منع الأكل منه كما يمتنع من الطعام، لأن الذبح نفسه قربة بخلاف الطعام، فإنه إنما يصير قربة بتقديمه للمسكين، فالقول بأن البدل يعطى حكم المبدل قد لا يطرد وقد لا يلتزمه من قال به، فما لم يأت دليل يمنع من الأكل فالأصل الجواز، نعم ما نذره المسلم للمساكين يتجه المنع منه، بخلاف ما إذا نذر مجرد الذبح لله تعالى، وقد عثرت في السيل الجرار على كلام للشوكاني بهذا المعنى، فانظره في (٢/ ٢٣٩).
стр. 1218
• قوله:
١٧ - «والذكاة قطع الحلقوم والأوداج، ولا يجزئ أقل من ذلك».
قوله الذكاة أي التذكية، وأصلها تمام الشيء أو إتمامه، يقال ذكيت النار إذا أتممت إشعالها، وذكت الشمس إذا اشتدت حرارتها، وذكى البهيمة إذا أزهق روحها، والمراد بالذكاة هنا الذبح خصوصا، وإطلاقه على الذكاة اصطلاح، وهو فرد من أفراد ما تزهق به روح الحيوان فيحل أكله، والثلاثة الأخرى هي النحر والعقر وما يموت به ما ليس له نفس سائلة، وكلها ذكاة.
والذبح في المشهور هو «قطع مميز يناكح تمام الحلقوم والودجين من المقدم، بلا رفع قبل التمام»، كذا قال خليل ﵀، فدخل من كان مميزا من الصبيان، وقد نقل الإجماع على حل ذبيحته، ودخلت المرأة، وقد تقدم الكلام على ذبحها، وخرج غير المميز من الصبيان وكذلك المجانين والسكارى، ودخل في قوله يناكح؛ الكتابي وهو اليهودي والنصراني، لأنه يجوز نكاح أنثاه، وخرج بقوله تمام الحلقوم والودجين؛ قطع الحلقوم وحده، أو الودجين فقط، أو أحد الودجين، وقد نص المؤلف على ذلك بقوله: «ولا يجوز أقل من ذلك»، وبناء على اشتراط قطع الحلقوم قالوا إن انحازت الغلصمة إلى الجسم؛ لم تؤكل، مع شيء من الخلاف في مقدار ما يكفي من قطعها، والغلصمة بفتح الغين جمعها الغلاصم هي رأس الحلقوم أي الموضع الناتئ في آخر القصبة الهوائية إلى جهة الراس، والحلقوم بضم الحاء مجرى النفس، وقول المؤلف والأوداج المراد الودجان، وهما عرقان في صفحتي العنق يتصل بهما معظم عروق البدن، ولا يشترط في المذهب قطع المريء، وهو مجرى الطعام من الفم إلى المعدة.
واعلم أن العلماء قد اختلفوا فيما يكفي في الذبح، والذي تقدم مما يجب قطعه هو
стр. 1219
ما أجمع أهل العلم على حل الذبيحة به، فلذلك أخذ أهل المذهب بالحد الأعلى، قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن المرء إذا ذبح ما يجوز الذبح له، وسمى الله، وقطع الحلقوم والودجين، وأسال الدم؛ أن الشاة مباح أكلها»، وأضاف ابن رشد إلى المجمع عليه قطع المريء، لكن هذا الإجماع إن ثبت لا يدل على أن ما كان أقل مما أجمع عليه؛ لا تحل معه الذبيحة، ثم وجدت ابن رشد ﵀ نص عليه في بداية المجتهد (١/ ٤٤٥) إذ قال: «لأن ما وقع الإجماع على إجزائه؛ لا يلزم أن يكون شرطا في الصحة»، ومن أدلة أهل المذهب في اشتراط قطع ما تقدم؛ حديث رافع بن خديج قال: يا رسول الله ليس لنا مدى، فقال رسول الله ﷺ : «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه؛ فكل، ليس السن والظفر، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة»، رواه الشيخان (خ/ ٥٥٠١) عن رافع بن خديج، وأنهر الدم؛ أساله وصبه بكثرة، والمدى جمع مدية مثلثة الميم وقد تقدمت، وأهل المذهب حملوا إنهار الدم على أقصى حالاته بقطع الأوداج وما ذكر معها، ولم يدخلوا المريء لأن ما يسيل بقطعه من الدم قليل، ومما استدل به على قطع ما ذكر أو بعضه حديث ابن عباس ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن شريطة الشيطان»، رواه أبو داود (٢٨٢٦)، وقد فسرت الشريطة بالتي تذبح فيقطع الجلد، ولا تفرى الأوداج، ثم تترك حتى تموت، هكذا فسرها بعض رواة الحديث، وقد ترجم عليه أبو داود بقوله: «المبالغة في الذبح»، يعني أن ذلك مطلوب، لكن هذا لا يثمر المراد، وهو اشتراط قطع ما ذكر في حل الذبيحة، ولو صح الحديث لكان المراد منه النهي عن تعذيب الحيوان بإطالة زمن زهوق روحه، وهذا مما لا خلاف فيه، قال الخطابي في معالم السنن (٤/ ٢٨١): «وأخذت الشريطة من الشرط، وهو شق الجلد بالمبضع ونحوه، كأنه قد اقتصر على شرطه بالحديد، دون ذبحه، والإتيان بالقطع على حلقه».
والذي ينبغي أن يقال هو أن الشارع رمى إلى إزهاق روح الحيوان بطريقة فيها إحسان كما تقدم، لكنه نوع ذلك بحسب ما يمكن من الوسائل، فليس المتوحش من الحيوان كالمستأنس، وليس الحيوان المتردي كغيره، وقد جاء حديث أبي العشراء
стр. 1220
الدارمي عن أبيه قال: قلت يا رسول الله ما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟، قال: لو طعنت في فخذها لأجزأك»، رواه أحمد وأصحاب السنن، وقال الترمذي (١٤٨١) غريب، ومع ضعفه من أجل جهالة أبي العشراء؛ فقد حمله أهل العلم على حال الضرورة، قال أبو داود (٢٨٢٧): «لا يصلح هذا إلا في المتردية والمتوحش»، واللبة بفتح اللام وشد الباء هي آخر الحلق إلى جهة الصدر.
стр. 1221
• قوله:
١٨ - «وإن رفع يده بعد قطع بعض ذلك، ثم أعاد يده فأجهز؛ فلا تؤكل».
في هذا الأمر تفصيل لم يشر إليه المؤلف، ذلك أنه إن رفع يده وقد قطع الجلد وحده أو شيئا مما تحته مما يمكن معه أن يعيش الحيوان؛ فإن ذلك لا يضر، لأن الذبح الثاني مستقل، أما إن قطع ما تعتبر معه الشاة منفوذة المقاتل، بحيث لو تركت لم تعش، وكان الرفع طويلا؛ فإنه يضر باتفاق، ويلزم منه الحرمة، والطول بالعرف، ولا فرق عندهم بين أن يرفع اختيارا أو اضطرارا، واختلفوا إذا كان الفارق بين الذبح الأول والثاني يسيرا، فقال سحنون تحرم، وقال ابن حبيب تؤكل، وهذا هو المعتمد في المذهب، ومتى طال الفارق لزمت النية والتسمية.
واعلم أن مجرد الرفع لا يلزم منه حرمة الذبيحة، إذ لا دليل عليه، ومن رفع من غير حاجة؛ صدق عليه أنه تسبب في تعذيب الحيوان بإطالة أمد إزهاق روحه، وخالف أمر النبي ﷺ بإحسان الذبح كما تقدم، لكن هل يلزم من ذلك حرمة الذبيحة؟، لا يظهر، ومن رفع يده لأجل شحذ السكين فهو مخالف أيضا، لأنه مطالب بفعل ذلك قبل الذبح لقوله ﷺ : «وليحد أحدكم شفرته»، أما إن كانت الشاة لو تركت لم تعش؛ فهذا يمشي على مشهور المذهب من أن ما أنفذت مقاتله لا تنفع فيه الذكاة، وسيأتي ما فيه، وقد راعى علماء المذهب مسألة إراحة الحيوان، فكان المشهور أن من قطع الحلقوم ثم عسرت السكين في يده بسبب عدم تحديدها فقلبها وقطع بها الأوداج من داخل أن الشاة لا تؤكل.
стр. 1222
• قوله:
١٩ - «وإن تمادى حتى قطع الرأس؛ أساء، ولتؤكل».
من تعمد التمادي في الذبح حتى قطع الرأس؛ فقد خالف سنة الذبح، لكونه يحصل بإنهار الدم كما تقدم، ولأن فيه ضربا من تقطيع الذبيحة قبل موتها، فأشبه ما أبين من الحيوان وهو حي، لكن المشهور أنها تؤكل، وقيل لا تؤكل لأنه عابث بالذكاة حين ترك سنة الذبح، وكل هذا مع المتعمد، وقد ورد النهي عن أن تفرس الذبيحة قبل أن تموت، رواه الطبراني عن ابن عباس، لكنه ضعيف، ولو صح لأمكن أي يؤخذ منه حرمة أكلها، قال ابن الأثير: «وفي حديث عمر: أنه كره الفرس في الذبائح، وفي رواية: نهى عن الفرس في الذبائح، وهو كسر رقبتها قبل أن تبرد»، وقال: «وبه سميت فريسة الأسد»، وأصل الفرس دق العنق، ثم توسع فيه فجعل كل قتل فرسا هكذا في لسان العرب.
стр. 1223
• قوله:
٢٠ - «ومن ذبح من القفا لم تؤكل».
ذبح الشاة من القفا يؤدي إلى نخعها أي قطع نخاعها قبل ذبحها، وقطع النخاع من المقاتل، فتكون ميتة لا تعمل فيها الذكاة على المذهب، ولأنها ذكاة غير مشروعة.
فإن قلت: في التمادي على الذبح قطع للنخاع أيضا ولا تحرم به الذبيحة، فالجواب: أن ذلك جاء بعد الذبح، مع أن متعمده مسيء لمخالفته ما هو مطالب به من إحسان الذبح، ولا خصوصية لقوله من القفا، إذ الأمر كذلك إن ذبح من صفحة العنق.
стр. 1224
• قوله:
٢١ - «والبقر تذبح؛ فإن نحرت أكلت، والإبل تنحر، فإن ذبحت لم تؤكل، وقد اختلف في أكلها، والغنم تذبح، فإن نحرت لم تؤكل، وقد اختلف أيضا في ذلك».
لا خلاف أن الثابت من فعل النبي ﷺ هو ذبح الغنم ونحر الإبل، أما ذكاة البقر فجاء عنها في السنة النحر، وجاء في القرآن الذبح، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، وهذا في غير حال الضرورة، أما معها فيجوز أن تزهق روح الحيوان بغير ما ذكر، وإنما اختير الذبح للغنم؛ لأنه أحسن في قتلها لقصر رقبتها، وسرعة اندفاع الدم منها، كما أن اختيار النحر للإبل إنما هو لعكس ما تقدم، وهو طول رقبتها، فيمتد أمد موتها لو ذبحت، ولغلظ جلدها، بخلاف نحرها، فإنه يكون في لبتها، وهو محل تصل منه الآلة إلى القلب فتموت بسرعة، أما البقر فهي وسط بينهما، إذ أن لها موضع النحر، وموضع الذبح، وهذا كله داخل في إحسان الذبح المأمور به، ولذلك كان مشهور المذهب ما ذكره المؤلف من أن الغنم وما في معناها كالظباء والطيور تذبح أي وجوبا، فإن نحرت لم تؤكل، والإبل وما في معناها كالزرافة والفيل تنحر وجوبا، فإن ذبحت لم تؤكل، والبقر تذبح ندبا، فإن نحرت أكلت، وهو قول مالك في المدونة قال: «لا ينحر ما يذبح، ولا يذبح ما ينحر»، قال: «فقلت: فالبقر نحرت، أترى أن تؤكل؟، قال: «نعم، وهي خلاف الإبل إذا ذبحت».
وقال ابن بكير يجزئ الذبح عما ينحر لأن فيه زيادة، ولا يجزئ النحر عما يذبح لأن فيه نقصا، وهو في شرح زروق، لكن القول بتحريم الغنم إن هي نحرت، والإبل إن هي ذبحت؛ فيه شيء فأين الدليل عليه؟، نعم إن الأمر عند المسلمين قد جرى على ذلك فلا يخالف، لكن لا يلزم من مخالفته التحريم حيث لا إجماع، لا سيما وأن كلا منهما قد
стр. 1225
تحقق به إنهار الدم المطلوب، وفي النوادر قال ابن أبي سلمة: «ويؤكل ذلك كله: إذا ذبح ما ينحر، أو نحر ما يذبح، من طير، أو غيره من غير ضرورة، وهو قول ابن جريج أيضا كما في مصنف عبد الرزاق (٨٥٨٤)، وعلق أحمد ﵀ على حديث أبي العشراء الدارمي عن أبيه وقد تقدم بقوله: «لو كان حديث أبي العشراء حديثا»!، فلعله يعني لو صح لقلت به في إجزاء ما فيه عن الذبح، والله أعلم، وقد علمت أن أهل العلم قد حملوه على حال الضرورة، وهو دال على أن المتقرر عندهم في الذبح إنما يكون في الحلق واللبة.
стр. 1226
• قوله:
٢٢ - «وذكاة ما في البطن ذكاة أمه، إذا تم خلقه، ونبت شعره».
هذه ذكاة شرعية، لكنها ليست حسية، فالبهيمة إذا ذكيت وخرج من بطنها جنين ليس فيه روح فإنه يؤكل لقول النبي ﷺ : «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، رواه أبو داود (٢٨٢٧) والترمذي وصححه وابن ماجة عن أبي سعيد، وهو في الموطإ نحوه من كلام سعيد بن المسيب، أي أن ذكاته حاصلة بذكاة أمه، ووجه ذلك أن حياته بحياتها، فتكون ذكاته بذكاتها، وهذا فيه صون المال عن الضياع، وأبعد من قال إن المعنى أن ذكاته تكون كذكاة أمه، لأن حمله على ذلك يفرغه من أي معنى، فإن هذا المعنى معروف من غير الحديث لكونه هو الأصل، ولأن الحديث ورد على سؤال يرد هذا التأويل، والمذهب أنه إنما يؤكل إذا تم خلقه، ونبت شعره، وهو من كلام سعيد المتقدم، والمراد بتمام خلقه تناهيه إلى الحد الذي ينزل عنده من بطن أمه، ولو كان ناقص يد أو رجل، أما نبات شعره فالمراد منه الجملة، لا كل الشعر، وهذا القيد لم يرد في الحديث.
стр. 1227
• قوله:
٢٣ - «والمنخنقة بحبل ونحوه، والموقوذة بعصا وشبهها، والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع، إن بلغ ذلك منها في هذه الوجوه مبلغا لا تعيش معه؛ لم تؤكل بذكاة».
لحم الحيوان الحلال أكله يعرض له ما يحرمه، وهو إما وصف حسي كموت الحيوان حتف أنفه، أو معنوي كالتقرب به إلى غير الله تعالى، وما ذكره هنا من الأول وهو مما حرم بنص الكتاب، قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، والاستثناء إنما يرجع إلى المنخنقة وما بعدها، فإنه يمكن أن تنتهي حياتها بالفعل قبل إدراكها، فتكون ميتة، وهي ليست مرادة هنا قطعا، إذ لو كانت مرادة؛ لكان كل ما ذكر من المنخنقة وما بعدها أفرادا من الميتة باعتبار سبب الموت، فيتعين أن المراد ما قتل بالخنق والوقذ والتردي والنطح وأكل السبع، غير أنكم أدركتموه حيا، لكنهم اختلفوا في معنى إدراك الحياة فيه، بناء على اختلافهم في ذلك الاستثناء هل هو متصل أو منقطع، فمن قال إنه منقطع - وهو مشهور المذهب - رأى أن ما ذكر إن كان وصل إلى حالة لا يعيش معها الحيوان، فإن الذكاة لا تنفع فيه، ولو أدرك حيا، وهو المسمى عندهم الميت حكما، إذا كان أحد مقاتله الخمسة قد أنفذ، وهي انقطاع النخاع، وانتثار الدماغ، وقطع الأوداج، وخرق المصران الأعلى، وانتثار الحشوة، وقيل قطع الودج مقتل، فمتى أنفد مقتل من هذه المقاتل في الحيوان فلا تنفع الذكاة فيه.
ومن قال إن الاستثناء متصل؛ رأى أن ما ذكر من المنخنقة وما معها؛ إن أدركت فيه الحياة؛ عملت فيه الذكاة، وهذا هو الأصل في الاستثناء، وهو ظاهر ما في الموطإ (١٠٥٥): «سئل مالك عن شاة تردت فتكسرت، فأدركها صاحبها فذبحها، فسال الدم منها ولم
стр. 1228
تتحرك، فقال مالك: إذا كان ذبحها ونفسها يجري؛ وهي تطرف فليأكلها»، وهذا هو الراجح من حيث إن الأصل في الاستثناء الاتصال، قال ابن العربي عن قول مالك هذا: «وهو الصحيح من قوله الذي كتبه بيده، وقرأه على الناس من كل بلد طول عمره، فهو أولى من الروايات النادرة، وقد أطلق علماؤنا على المريضة أن المذهب جواز تذكيتها، ولو أشرفت على الموت، إذا كانت فيها بقية حياة، وليت شعري أي فرق بين بقية حياة من مرض، وبقية حياة من سبع لو اتسق النظر، وسلمت الفكَر»، وهو الذي قاله ابن عبد البر.
стр. 1229
• قوله:
٢٤ - «ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع ويتزود، فإن استغنى عنها طرحها».
المضطر هو من بلغت به الحاجة إلى الأكل مبلغا يخشى به على نفسه الهلاك، يقينا أو ظنا، فهذا يجوز له بل يجب عليه أن يأكل الميتة، صونا لنفسه من الهلاك، فإن الله تعالى إنما حرمها لخبثها وضررها، وهذا الضرر قد يتبين، وقد لا يتبين، وقد يتضرر الآكل، وقد لا يحصل له شيء، فإذا بلغ المرء ما تقدم مما يتحقق أو يظن معه لحوق الضرر به؛ جاء الترخيص من الشرع، من باب ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعظمهما، قال ربنا ﵎ في خصوص حل الميتة وما ذكر معها للمضطر: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقال تعالى في حل المحظور عموما للمضطر: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ (١١٩)﴾ [الأنعام: ١١٩].
والمشهور أنه يجوز للمضطر الأكل حتى يشبع، كما يجوز له التزود إذا خاف العدم فيما يستقبل فيموت، ودليل هذا حديث جابر بن سمرة أن أهل بيت كانوا بالحرة محتاجين، قال: فماتت عندهم ناقة لهم، أو لغيرهم، فرخص لهم رسول الله ﷺ في أكلها، قال فعصمتهم بقية شتائهم، أو سنتهم»، رواه أحمد وأبو داود (٣٨١٦)، وهذا ليس لفظه.
قال الإمام في الموطإ (١٠٧٥): «أحسن ما سمع في الرجل يضطر إلى الميتة، أنه يأكل حتى يشبع ويتزود منها، فإن وجد عنها غنى طرحها»، ورأى ﵀ أن يقدم المضطر مال الغير على الميتة؛ متى علم أنهم يصدقونه في دعواه الاضطرار، ولا يتعرض لقطع اليد، لكنه احتاط أن يكون ذلك ذريعة يصطنعها غير المضطر فقال: «مع أني أخاف أن يعدو عاد ممن لم يضطر إلى الميتة يريد استجازة أخذ أموال الناس وزروعهم وثمارهم بذلك بدون
стр. 1230
اضطرار»، والقول الثاني في مقدار ما يأكله المضطر ما في مختصر خليل وهو الاقتصار على سد الرمق، اتباعا لقاعدة الضرورة تقدر بقدرها، قال: «وللضرورة ما يسد غير آدمي»، يعني أنه يكتفي في الأكل بالقدر الذي يسد رمقه، ويبقي به على نفسه الحياة، ولا يجوز له أكل لحم الآدمي.
следующие страницы →