Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
• قوله:
٢٢ - «وذكاة ما في البطن ذكاة أمه، إذا تم خلقه، ونبت شعره».
هذه ذكاة شرعية، لكنها ليست حسية، فالبهيمة إذا ذكيت وخرج من بطنها جنين ليس فيه روح فإنه يؤكل لقول النبي ﷺ : «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، رواه أبو داود (٢٨٢٧) والترمذي وصححه وابن ماجة عن أبي سعيد، وهو في الموطإ نحوه من كلام سعيد بن المسيب، أي أن ذكاته حاصلة بذكاة أمه، ووجه ذلك أن حياته بحياتها، فتكون ذكاته بذكاتها، وهذا فيه صون المال عن الضياع، وأبعد من قال إن المعنى أن ذكاته تكون كذكاة أمه، لأن حمله على ذلك يفرغه من أي معنى، فإن هذا المعنى معروف من غير الحديث لكونه هو الأصل، ولأن الحديث ورد على سؤال يرد هذا التأويل، والمذهب أنه إنما يؤكل إذا تم خلقه، ونبت شعره، وهو من كلام سعيد المتقدم، والمراد بتمام خلقه تناهيه إلى الحد الذي ينزل عنده من بطن أمه، ولو كان ناقص يد أو رجل، أما نبات شعره فالمراد منه الجملة، لا كل الشعر، وهذا القيد لم يرد في الحديث.
стр. 1227
• قوله:
٢٣ - «والمنخنقة بحبل ونحوه، والموقوذة بعصا وشبهها، والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع، إن بلغ ذلك منها في هذه الوجوه مبلغا لا تعيش معه؛ لم تؤكل بذكاة».
لحم الحيوان الحلال أكله يعرض له ما يحرمه، وهو إما وصف حسي كموت الحيوان حتف أنفه، أو معنوي كالتقرب به إلى غير الله تعالى، وما ذكره هنا من الأول وهو مما حرم بنص الكتاب، قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، والاستثناء إنما يرجع إلى المنخنقة وما بعدها، فإنه يمكن أن تنتهي حياتها بالفعل قبل إدراكها، فتكون ميتة، وهي ليست مرادة هنا قطعا، إذ لو كانت مرادة؛ لكان كل ما ذكر من المنخنقة وما بعدها أفرادا من الميتة باعتبار سبب الموت، فيتعين أن المراد ما قتل بالخنق والوقذ والتردي والنطح وأكل السبع، غير أنكم أدركتموه حيا، لكنهم اختلفوا في معنى إدراك الحياة فيه، بناء على اختلافهم في ذلك الاستثناء هل هو متصل أو منقطع، فمن قال إنه منقطع - وهو مشهور المذهب - رأى أن ما ذكر إن كان وصل إلى حالة لا يعيش معها الحيوان، فإن الذكاة لا تنفع فيه، ولو أدرك حيا، وهو المسمى عندهم الميت حكما، إذا كان أحد مقاتله الخمسة قد أنفذ، وهي انقطاع النخاع، وانتثار الدماغ، وقطع الأوداج، وخرق المصران الأعلى، وانتثار الحشوة، وقيل قطع الودج مقتل، فمتى أنفد مقتل من هذه المقاتل في الحيوان فلا تنفع الذكاة فيه.
ومن قال إن الاستثناء متصل؛ رأى أن ما ذكر من المنخنقة وما معها؛ إن أدركت فيه الحياة؛ عملت فيه الذكاة، وهذا هو الأصل في الاستثناء، وهو ظاهر ما في الموطإ (١٠٥٥): «سئل مالك عن شاة تردت فتكسرت، فأدركها صاحبها فذبحها، فسال الدم منها ولم
стр. 1228
تتحرك، فقال مالك: إذا كان ذبحها ونفسها يجري؛ وهي تطرف فليأكلها»، وهذا هو الراجح من حيث إن الأصل في الاستثناء الاتصال، قال ابن العربي عن قول مالك هذا: «وهو الصحيح من قوله الذي كتبه بيده، وقرأه على الناس من كل بلد طول عمره، فهو أولى من الروايات النادرة، وقد أطلق علماؤنا على المريضة أن المذهب جواز تذكيتها، ولو أشرفت على الموت، إذا كانت فيها بقية حياة، وليت شعري أي فرق بين بقية حياة من مرض، وبقية حياة من سبع لو اتسق النظر، وسلمت الفكَر»، وهو الذي قاله ابن عبد البر.
стр. 1229
• قوله:
٢٤ - «ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع ويتزود، فإن استغنى عنها طرحها».
المضطر هو من بلغت به الحاجة إلى الأكل مبلغا يخشى به على نفسه الهلاك، يقينا أو ظنا، فهذا يجوز له بل يجب عليه أن يأكل الميتة، صونا لنفسه من الهلاك، فإن الله تعالى إنما حرمها لخبثها وضررها، وهذا الضرر قد يتبين، وقد لا يتبين، وقد يتضرر الآكل، وقد لا يحصل له شيء، فإذا بلغ المرء ما تقدم مما يتحقق أو يظن معه لحوق الضرر به؛ جاء الترخيص من الشرع، من باب ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعظمهما، قال ربنا ﵎ في خصوص حل الميتة وما ذكر معها للمضطر: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقال تعالى في حل المحظور عموما للمضطر: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ (١١٩)﴾ [الأنعام: ١١٩].
والمشهور أنه يجوز للمضطر الأكل حتى يشبع، كما يجوز له التزود إذا خاف العدم فيما يستقبل فيموت، ودليل هذا حديث جابر بن سمرة أن أهل بيت كانوا بالحرة محتاجين، قال: فماتت عندهم ناقة لهم، أو لغيرهم، فرخص لهم رسول الله ﷺ في أكلها، قال فعصمتهم بقية شتائهم، أو سنتهم»، رواه أحمد وأبو داود (٣٨١٦)، وهذا ليس لفظه.
قال الإمام في الموطإ (١٠٧٥): «أحسن ما سمع في الرجل يضطر إلى الميتة، أنه يأكل حتى يشبع ويتزود منها، فإن وجد عنها غنى طرحها»، ورأى ﵀ أن يقدم المضطر مال الغير على الميتة؛ متى علم أنهم يصدقونه في دعواه الاضطرار، ولا يتعرض لقطع اليد، لكنه احتاط أن يكون ذلك ذريعة يصطنعها غير المضطر فقال: «مع أني أخاف أن يعدو عاد ممن لم يضطر إلى الميتة يريد استجازة أخذ أموال الناس وزروعهم وثمارهم بذلك بدون
стр. 1230
اضطرار»، والقول الثاني في مقدار ما يأكله المضطر ما في مختصر خليل وهو الاقتصار على سد الرمق، اتباعا لقاعدة الضرورة تقدر بقدرها، قال: «وللضرورة ما يسد غير آدمي»، يعني أنه يكتفي في الأكل بالقدر الذي يسد رمقه، ويبقي به على نفسه الحياة، ولا يجوز له أكل لحم الآدمي.
стр. 1231
• قوله:
٢٥ - «ولا بأس بالانتفاع بجلدها إذا دبغ، ولا يصلى عليه ولا يباع».
مشهور المذهب أن جلد الميتة عدا الخنزير إذا دبغ يجوز الانتفاع به في اليابس والماء، ومقابل المشهور جواز استعماله في جميع المائعات، وهو قول سحنون، وقال هو وابن عبد الحكم إن الدبغ يعمل في جلد الخنزير أيضا، ووجه الأول أن الإهاب إذا دبغ إنما يطهر عندهم طهارة مخصوصة، فلا تجوز الصلاة عليه، ولا يجوز بيعه، فحملوا الانتفاع على أقل مشمولاته، ولعلهم لم يجيزوا بيعه لما فيه من التغرير، ولأنه إنما أذن لأصحاب الشاة في الانتفاع، ولو جارينا من قالوا بعدم الطهارة؛ لقلنا يجواز بيعه مقرونا ببيان حاله، وقد جمع خليل حكم هذه المسألة في قوله: «ورخص فيه إلا من خنزير بعد دبغه في يابس وماء»، وقد استدل لإخراج الخنزير بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، على القول برجوع الضمير فيه إلى المضاف إليه، أعني الخنزير، في قوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥]، واستدل على استثناء جلد الخنزير من الانتفاع بقول النبي ﷺ فيما رواه أحمد من حديث ابن عباس الآتي: «ألا انتفعتم بإهابها؟، ألا دبغتموه؟، فإنه ذكاته»، قال في منتقى الأخبار: «وهذا تنبيه على أن الدباغ إنما يعمل فيما تعمل فيه الذكاة»، انتهى، قال كاتبه عفا الله عنه: هذا محتمل ظاهر فيما ذكر، وأحاديث طهور الإهاب بالدباغ مبينة أن المراد بطهارة الإهاب بالدباغ؛ العموم، لا خصوص ما تنفع فيه الذكاة، فلا تخصص بما نص عليه في تلك الواقعة.
وعمدة ما تقدم من الانتفاع بجلد الميتة في المذهب؛ ما رواه مالك (١٠٧٣) وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عائشة أن النبي ﷺ أمر أن ينتفع بجلود الميتة إذا دبغت»، وروى مالك (١٠٧٢) والبخاري ومسلم وغيرهم عن ابن عباس قال: «تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فمر بها رسول الله ﷺ فقال: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه
стр. 1232
فانتفعتم به»، فقالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها»، وهو حجة في أن منع أكل الشيء لا يلزم منه حرمة الانتفاع بشيء منه، وقد حمل مالك في المشهور عنه الانتفاع على ما ذكر من حمل الشيء على بدايته وأقل ما يصدق عليه لأنه استثناء
واعلم أن بعض المالكية العراقيين؛ قد رووا عن مالك طهارة جلد الميتة بالدباغ طهارة كاملة إلا جلد الخنزير، وذهب سحنون وابن عبد الحكم إلى طهارة الإهاب إذا دبغ مطلقا، وهو في حاشية الدسوقي على شرح الدردير، ولذلك قال الفاكهاني كما في شرح أبي الحسن: «ثم الجلد المدبوغ طاهر، ظاهره، وباطنه، وجائز بيعه على إحدى الروايتين»، انتهى، وهذا هو الظاهر من قول النبي ﷺ : «أيما إهاب دبغ؛ فقد طهر»، رواه الترمذي والنسائي وغيرهما عن ابن عباس، وهو في الموطإ (١٠٧٣) وصحيح مسلم بلفظ: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر»، وعمومه شامل لجلد الخنزير، فيطهر بالدباغ كغيره، وأنصح بقراءة ما كتبه الشيخان الدردير والدسوقي عند قول خليل في (باب الطاهر ميت ما لا دم له): «وفيها كراهة العاج والتوقف في الكيمخت»، فقد أجادا القول، وبينا التناقض الحاصل بين القول بأن طهارة الجلد بالدباغ لغوية، وما ورد من استعمال السلف الكيمخت، وهو جلد الحمار، ويلزم منه أن الطهارة شرعية.
وقد روى أحمد وأبو داود (٤١٢٧) والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن عُكيم قال: قرئ علينا كتاب رسول ﷺ بأرض جهينة، وأنا غلام شاب: «أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»، وهذا إن صح؛ فهو مطلق، فيصرف إلى ما لم يدبغ، ولا يعارض به اللفظ المقيد، بل يحمل عليه، بل يقال لا حاجة إلى الحمل المذكور، لأن الإهاب في اللغة يراد به ما لم يدبغ، فإذا دبغ؛ فلا يقال له إهاب، وإنما يسمى شنا وقربة، وقد بين ذلك أبو داود عقب روايته الحديث، ثم إن هذا لا حجة فيه لمشهور المذهب، لأنهم يقولون بالانتفاع بجلد الميتة كما تقدم، فكيف يسوغ الأخذ ببعض الحديث وترك بعضه؟، وقد تفطن الباجي ﵀ لذلك فقال: «لا يصح احتجاجنا به، لأنا لا نمنع الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغ»، انتهى.
стр. 1233
• قوله:
٢٦ - «ولا بأس بالصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وبيعها».
لو قدم المعطوف على الشرط لكان أنسب، ومبنى جواز بيعها إما لأن لحوم السباع مكروهة تنزيها كما هو المشهور، ومثلها في ذلك الفيل والذئب والثغلب والضبع، سواء ذكيت للجلد أو للحم، وإما لأن الذكاة تعمل في محرم الأكل، فيطهر بها كما هو المشهور، فتجوز الصلاة على جلد ما ذكي، ويجوز من ثمة بيعه، والقول بكراهة لحومها بعيد، فإنه من الأقوال الضعيفة في المذهب، إذ كيف يقال بجواز ذلك مع ورود النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير.
وقد روى مالك في موطئه (١٠٧٠) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أكل كل ذي ناب من السباع حرام»، وترجمته على الحديث صريحة، إذ قال: «تحريم أكل كل ذي ناب من السباع»، ثم قال: «وهو الأمر عندنا»، وقال في المدونة: «لا أحب أكل الضبع ولا الذئب، ولا الثعلب، ولا الهر الوحشي، ولا الإنسي، ولا شيئا من السباع»، وقال: «ما فرس وأكل اللحم؛ فهو من السباع، ولا يصلح أكله؛ لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك»، وقد تأول بعضهم اللفظ الذي رواه مالك في موطئه، فزعم أن المصدر مضاف إلى فاعله، فيكون المعنى أن ما أكله السبع من الحيوان؛ يحرم كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾، وهو من التمحلات العجيبة الغريبة، وللمسألة علاقة بالآيات التي فيه حصر المحرمات في سور البقرة والأنعام والنحل، والكلام عليها يطول، وحصر التحريم فيما دلت عليه هذه الأيات مذهب لبعض الصحابة، قال في مسالك الدلالة: «ولا ينبغي لعاقل أن ينقل ما ذكروه من الجواب عن هذا الحديث فإنه من الفضائح»، انتهى.
أما طهارة جلود السباع بالذكاة؛ فكيف يقال إن الذكاة مطهرة، وهو مما لا دليل عليه، ولا يؤخذ بما هو منصوص من أن دبغ الإهاب أي إهاب يطهره؟، فأهب السباع
стр. 1234
كغيرها تطهر بالدباغ ذكيت أو لم تذك للعموم الوارد في ذلك، وقد تقدم، وإذا جاء في السنة ما يدل على المنع من استعمال جلود السباع؛ كان ذلك مخصصا لها من بين سائر الجلود، سواء تلك الطاهرة بأصلها، أو التي تطهر بالدباغ، وقد روى أبو داود (٤١٢٩) وابن ماجة (٣٦٥٦) عن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تركبوا الخز ولا النمار»، والخز من الثياب ما كان سداه أو لحمته من حرير، وخلافهما من غيره كالصوف والكتان، والنمار بكسر النون جمع نَمر ككتف، وتكسر نونه أيضا، ويجمع أيضا على نمور، وهي رواية ابن ماجة، والنمر هو الحيوان المفترس المعروف، منقط الجلد وهو أخبث من الأسد وأسرع منه، ويظهر أن المراد من النهي افتراش الخز وجلود النمار بجعلها على المراكب، فيكون على حذف مضاف، أو من إطلاق الجزء على الكل، وجاء النهي عن لبس جلود السباع عموما والركوب عليها في حديث أبي هريرة والمقدام بن معديكرب وأبي المليح ابن أسامة عن أبيه عند أبي داود، وقد قيل إن علة المنع منها ما فيها من الزينة والخيلاء والتشبه بالأعاجم، قال الغماري في مسالك الدلالة عن مشهور المذهب في عدم طهارة الجلد بالدباغ، وطهارة جلود السباع به: «فجوازها مع ورود النهي عنها، والمنع من التي قبلها مع ورود الأمر بها من عجائب الدنيا».
стр. 1235
• قوله:
٢٧ - «وينتفع بصوف الميتة وشعرها، وما ينزع منها في حال الحياة، وأحب إلينا أن يغسل، ولا ينتفع بريشها، ولا بقرنها، وأظلافها، وأنيابها، وكره الانتفاع بأنياب الفيل، وقد اختلف في ذلك».
الصوف والشعر والوبر لا تحل فيها الحياة، فإذا جز شيء منها من الحيوان وهو حي؛ كان طاهرا، وإن نتف لم يكن كذلك إلا بعد قطع ما يجاور الجلد منه، ولا يشمله قول النبي ﷺ : «ما قطع من البهيمة وهي حية؛ فهي ميتة»، رواه أبو داود (٢٨٥٨) والترمذي (١٤٨٠) عن أبي واقد، وقال حسن غريب، فإن عموم هذا الحديث مخصوص بقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ [النحل: ٨٠]، فهذا مما خص من السنة بالقرآن، فيجوز الصلاة عليه وبيعه، وقالوا مثل ذلك فيما جز من الميتة، معللين بأن الحياة لا تحله، أما عدم جواز الانتفاع بالريش والقرن والأظلاف والأنياب من الميتة؛ فلأن الحياة تحله، ولأن نتفه يتأذى به الحي من الحيوان، والنص إنما جاء كما علمت في الجلد، فيستصحب التحريم للباقي حتى يأتي الناقل عنه، ومشهور المذهب؛ أن كل ذلك نجس، قال خليل: «وما أبين من حي وميت من قرن، وعظم، وظلف، وظفر، وقصب ريش، وجلد ولو دبغ،،،»، وقيل إن ما ذكر طاهر، وقيل بالتفريق بين الأصل الرطب، والطرف الجاف.
أما أنياب الفيل فإن من قال بكراهتها؛ فللاختلاف في كون الحياة تحلها أو لا، ومن قال بجوازها فعمدته النقل، وقد روى أبو داود (٤٢١٣) في آخر كتاب الترجل من حديث ثوبان وهذا طرف منه أن رسول الله ﷺ قال: «يا ثوبان، اشتر لفاطمة قلادة من عصب، وسوارين من عاج»، وفيه حميد الشامي وسليمان المنبهي، والعصب بفتح العين وسكون
стр. 1236
الصاد وتفتح؛ لعلها أطناب مفاصل الحيوان تجعل شبه الخرز يتزين بها، والعاج ناب الفيل، لا يسمى غيره عاجا، وقيل هو العظم مطلقا.
وقال الخطابي: «عظم ظهر السلحفاة البحرية»، وأنكر عليه بعض العلماء العدول عما هو معروف عند العرب من لفظ العاج، وقيل إنما عدل لأن عظم الميت نجس عنده، ولا حاجة إلى هذا كله لضعف الحديث، والحكم لا يصح أخذه منه، وكون العاج هو ناب الفيل هو الأقوى، بقرينة فعل الصحابة، فإنهم كانوا يتخذون أمشطا من عظام الفيل فأحرى أنيابه، وعن أنس أن النبي ﷺ كان يمشط بمشط من عاج»، رواه البيهقي.
стр. 1237
• قوله:
٢٨ - «وما ماتت فيه فأرة من سمن، أو زيت، أو عسل ذائب؛ طرح ولم يؤكل، ولا بأس أن يستصبح بالزيت وشبهه في غير المساجد، وليتحفظ منه، وإن كان جامدا؛ طرحت وما حولها، وأكل ما بقي، قال سحنون إلا أن يطول مقامها فيه، فإنه يطرح كله».
لا خصوصية للفأرة، فإن غيرها مما يتنجس به الطعام مثلها، وإنما ذكرها لأنها قد نص عليها في الحديث الذي هو أصل هذا الحكم، فعن ابن عباس عن أم المؤمنين ميمونة أن فأرة وقعت في سمن، فأخبر النبي ﷺ ، فقال: «ألقوا ما حولها وكلوا»، رواه مالك (١٧٧٢) والبخاري وأبو داود (٣٨٤١) والترمذي (١٧٩٨)، وفي المتن إشارة إلى أن السمن كان
جامدا.
وجاء التفصيل الذي ذكره المؤلف فيما رواه أبو داود (٣٨٤٢) عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : «إذا وقعت الفأرة في السمن، فإن كان جامدا؛ فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا؛ فلا تقربوه»، وقد أشار إليه الترمذي، ونقل تضعيفه عن شيخه البخاري جبل العلم.
وقد يؤخذ من هذا أن النجاسة إذا وقعت في شيء؛ فإما أن يكون مائعا، أو جامدا؛ فإن كان الأول؛ طرح، لسرعة سريان النجاسة فيه، وإن كان جامدا، طرحت النجاسة وما حولها من غير تحديد لما يطرح إلا بحسب غلبة الظن مما يشك في سريان التنجس له، إلا أن يطول وجود النجاسة في الشيء، فإنه يرمى كله احتياطا كما قال سحنون بذلك في طول بقاء الفأرة في الطعام الجامد.
стр. 1238
والاستصباح طلب الإصباح أي الإنارة، فالزيت المتنجس وغيره من المائعات يجوز أن يستصبح به في البيوت والحوانيت والشوارع، ويتحفظ من الاستصباح به في المساجد لأنه متنجس، وهي تنزه عن ذلك، إلا أن يكون الدخان يُخرج من المسجد، وإذا كان الاعتماد في جواز الاستصباح بالزيت ونحوه مما تنجس ما ورد فيه من السنة فإنها وردت بالإذن مطلقا من غير استثناء، فتدخل المساجد وغيرها، فيكون استثناؤها مجرد رأي، وقد صحح ابن حزم ﵀ حديث أبي هريرة في المسألة، وفيه: «،،، وإن كان ذائبا أو مائعا؛ فاستصبحوا به، أو قال انتفعوا به»، والانتفاع يشمل ما عدا الأكل، وهل يدخل فيه التداوي على الظاهر من الجسم؟، لينظر، فقد جاء النهي عن التداوي بالحرام.
стр. 1239
• قوله:
٢٩ - «ولا بأس بطعام أهل الكتاب وذبائحهم».
اعلم أن المراد من أهل الكتاب عند علماء المذهب اليهود والنصارى لا غيرهم في أمرين: أكل ذبائحهم، والتزوج بنسائهم، دون سواهم ممن اختلف فيهم كالمجوس وسائر الكفار، فهؤلاء تؤخذ منهم الجزية من غير قيد كما سيأتي في باب الجهاد، وما ذكره المصنف هو منطوق قول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ (٥)﴾ [المائدة: ٥]، والمراد بطعامهم عند جمهور أهل العلم ما يذكونه مما هو حلال لنا، لا مطلق ذبائحهم، وليس المراد من طعامهم غير الذبائح، فإنه لا تتعلق به الحرمة إذ لا شرط في حله غير كونه حلالا بأصله، ولا يجوز أن يكون المراد من الآية عموم طعامهم، فأما أن طعامنا حل لهم؛ فمعناه أنه يجوز لنا أن نطعمهم، وإلا فإنهم ليسوا من الحل والحرمة في شيء، فقد كفروا بالله وجعلوا له الأنداد، وهذا قد يستدل به على جواز إطعام أهل الكتاب من النسائك التي يجوز للمسلم أن يأكل منها، لأنها من طعامنا، ثم وجدت الشيخ رشيد رضا يستدل به على ما قلت.
والظاهر أنه لا فرق بين ما ذكروا اسم الله عليه، أو ذكروا اسم غيره ممن يشركونه به، من غير أن نعلم بذلك، فإن الله تعالى عليم بما يصنعون، ولم يقيد ما أحل لنا من ذبائحهم بشيء، قالوا وهذا ما لم يكن الكتابي ممن يستحل أكل الميتة، أما من يستحل أكلها؛ فلا يجوز أكل ذبيحته إلا إذا ذبح بحضرة المسلم، وأصاب وجه الذكاة، هكذا قال الباجي، وقال ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٥٥٦): «ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة، ثم يطبخها هل يؤكل معه، أو تؤخذ طعاما منه؟، فقلت: تؤكل، لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن الله أباح طعامهم مطلقا، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا في ديننا، إلا ما كذبهم الله فيه»، والذي يظهر أن المعتمد
стр. 1240
تغليب تحريم الميتة عموما، فإن الذكاة كيفما كانت تطهير للحيوان، فتكون الذكاة معتبرة في حل ذبائحهم.
فإن علمنا أن ما ذبحوه أهلوا به لغير الله، أو علمنا بذكرهم أسماء معبوداتهم على ذبائحهم؛ فهذا يتناوله دليل آخر محرم، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، فهل يقال إن هذا مخصوص بغير أهل الكتاب، فتؤكل ذبائحهم على أي وجه ذبحوها رعاية لدليل الحل، أو يقال إن دليل حل ذبائحهم مخصوص بهذا، أعني بدليل تحريم ما أهل به لغير الله، لا ريب أن القول الأول هو الأقرب ما لم نعلم، لأن في تحقق تلك القيود من الحرج ما لا تأتي به هذه الشريعة السمحة، فيؤول الأمر إلى عدم الحل، أما إن علمنا ذلك منهم فالتحريم هو الظاهر، فإن الله تعالى لما حرم علينا ما لم يذكر اسم الله عليه؛ عقلنا أن ما علمنا أنه قد ذكر عليه غير اسم الله يكون محرما من باب أولى، فإن لم نعلم كان الأصل الحل، قال الزهري لا بأس بذبيحة نصارى العرب، وإن سمعته يسمي لغير الله فلا تأكل، وإذا لم تسمعه فقد أحله الله، وعلم كفرهم»، انتهى، علقه البخاري بصيغة الجزم، وقد كره مالك ما علم أنهم ذكروا اسم غير الله عليه ولم يحرمه، وذهب إلى مثل ذلك فيما ذبحوه لأعيادهم وكنائسهم فقال: «أكرهه ولا أحرمه»، وهو في كتاب الذبائح من المدونة، بخلاف ما ذبحوه متقربين به بحيث لا يأكلونه، فهذا ليس من طعامهم كما لا يخفى.
стр. 1241
• قوله:
٣٠ - «وكره أكل شحوم اليهود منهم من غير تحريم».
وهذا لأنها محرمة عليهم كما قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ (١٤٦)﴾ [الأنعام: ١٤٦]، وقال رسول الله ﷺ : «قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها»، رواه البخاري عن عنر بن الخطاب، جملوها أذابوها، وهم يزعمون أنهم يتبعون ما في كتابهم، ونحن مستيقنون أن هذا منه، فيكره أن نأكله، لأنه غير مقصود عندهم بالتذكية فأشبه الدم، وهذا قول ابن القاسم كما ذكره القرطبي في تفسيره، وقد يقال إن الذي أحل لنا طعامهم، وهذا ليس منه، لكن يقال إن الله تعالى أحل لنا ذبائحهم من غير تفصيل، وما كان ربك نسيا، وقد ثبت أكل النبي ﷺ من كتف شاة مسمومة أهدتها له يهودية، وكأن ابن القاسم توسط بالقول بالكراهة بين روايتين عن الإمام، الأولى بالتحريم، قاله في كتاب محمد، ووجهها والله أعلم أن الشحوم ليست مما أحل لهم، والثانية أنها حلال وهي في المبسوط، وقال بها ابن نافع، قال القرطبي نقلا عن ابن العربي: «وهو الصحيح، لأن الله رفع ذلك التحريم بالإسلام، واعتقادهم فيه لا يؤثر، لأنه اعتقاد فاسد»، انتهى.
وقد روى الشيخان وأبو داود (٢٧٠٢) عن عبد الله بن مغفل قال: «دلي جراب من شحم يوم خيبر قال فأتيته فالتزمته، قال: ثم قلت لا أعطي من هذا أحدا اليوم شيئا، قال: فالتفت فإذا رسول الله ﷺ يتبسم لي»، والجراب وعاء من جلد، وهذا نص في المسألة.
стр. 1242
• قوله:
٣١ - «ولا يؤكل ما ذكاه المجوسي».
لا يؤكل ما ذكاه غير الكتابي وثنيا كان أو غير وثني، ذكاه لنفسه أو للمسلم، وقد دل على هذا مفهوم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، والمجوسي ليس من أهل الكتاب، وإنما ألحق بهم في الجزية بنص الحديث فيبقى ما عداها من الذبائح والزواج على الأصل وهو المنع، لكن قال أهل المذهب إن أمَرَه المسلم بالذبح، أو ذكر اسم الله عليه؛ جاز أكل ذبيحته، وكذلك إذا ذكر اسم صنمه مع اسم الله تعالى تغليبا لاسمه سبحانه لقوله سبحانه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ [الأنعام: ١١٨].
وقد حكى ابن عبد البر عن سعيد بن المسيب أنه لم يكن يرى بذبيحة المجوسي بأسا إذا أمره المسلم بذلك، وقال أبو ثور بحل ذبائح المجوس ونسائهم، وعلق عليه أحمد بقول غليظ، وروى ابن أبي شيبة عنه وعن طاوس وعمرو بن دينار أنهم لم يكونوا يرون بأسا بالتسري بالمجوسية، وما تقدم من التفريق هو الصواب إن شاء الله، وانظر تفسير المنار (١٠/ ٣٠٢).
стр. 1243
• قوله:
٣٢ - «وما كان مما ليس فيه ذكاة من طعامهم؛ فليس بحرام».
لما كانت الذبائح يؤثر في حلها وحرمتها أمور خارجة عن طبيعتها، فإن ذبحها يراد به التقرب إلى الله سبحانه، كما يراد به التقرب إلى غيره مما يشركه به المشركون، وقد لا يراد به غير استحلالها، لما كان الأمر كذلك؛ جاء في حلها ما علمت من الاشتراطات من القصد إلى الذبح، وذكر اسم الله، وإنهار الدم، وما يشترط في الذابح، أما الطعام من غير الذبائح؛ فهو على أصله من الحل، كيفما كان صاحبه كتابيا أو مجوسيا، ما لم يعرض له ما يجعله حراما، والطعام غير الذبائح على ضريبن: الأول ما لا صنعة فيه أصلا، كالبر والفاكهة، فهذا جائز باتفاق، وما تدخله الصنعة كخبز الدقيق وعصير الزيت، والأدوية ونحو ذلك؛ فهذا جائز ما لم يعلم أن فيه ما هو محرم، وهكذا أوانيهم متى علم عدم نجاستها بخمر أو خنزير، أما أجبان أهل الكتاب فقيل بتحريمها، عزاه أبو الحسن للمحققين، وشدد فيه خليل في التوضيح، والقياس يقضي بإباحتها، فإنها إن كانت مما يحل لنا أكله فحكمه قد علم، وهو ما قرره الشيخ علي الصعيدي في حاشيته على شرح الرسالة، فإن كانت مستوردة من بلاد غير أهل الكتاب، وكانت مصنوعة بإنفحة ذبائحهم؛ فإن القياس التحريم، وهو مذهب مالك.
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠٣): «والأظهر أن جبنهم حلال، وأن إنفحة الميتة ولبنها طاهر، وذلك لأن الصحابة لما فتحوا العراق أكلوا من جبن المجوس، وهذا كان ظاهرا شائعا بينهم»، انتهى، وانظر آثارا كثيرة في ذلك في مصنف ابن أبي شيبة (٨/ ٢٠٦) وما بعدها، والإنفحة بكسر الهمزة وفتح الفاء مخففة وجمعها أنافح - ومثلها المنفحة بكسر الميم - هي كرش الحمل أو الجدي ما لم يأكل، وبهذا تعلم أن الخلاف إنما هو فيما صنع بالإنفحة، أما الآن فلا يدرى مما تصنع، وأغتنم المناسبة لأدعو القائمين
стр. 1244
على التجارة الخارجية أن يريحونا من الحديث عن اللحوم المجمدة المستوردة، فيكلفوا من يتولى الإشراف على ذبحها، ويعلنوا ذلك في الناس، حتى ينتهي هذا اللغط وهذا الاضطراب واللبس الذي يعيشونه، وإلا فالقول بالمنع هو المتعين مالم يكن البلد المستورد منه من بلاد الإسلام.
والمصيبة التي عمت هي في المصنوعات المستوردة من المآكل والأدوية، بل ومنها بعض ما هو مصنوع في البلد أنها تدخل فيها مواد محرمة من الخنزير وأجزاء من الحيوانات المصروعة الميتة والحشرات التي هي موضع خلاف وغير ذلك، مع أن البيانات التي كانت تلصق على العلب فتعرف بها مركباتها وما أقل من يقرأها قد حجبت في المدة الأخيرة، وصار يحال بأرقام مرجعية يمكن بها الوقوف على تلك المركبات في مظانها ولا يعرف ذلك إلا النادر من الناس، فلم تسكت أجهزة الدولة عن كل هذا والإمكانات متوفرة، والمراقبة متأتية؟، وقد علمت أن دولة ماليزيا أنشأت جهاز رقابة لهذه الأمور.
стр. 1245
• قوله:
٣٣ - «والصيد للهو مكروه، والصيد لغير اللهو مباح».
أراد بالصيد الاصطياد، ويطلق الصيد على المصيد أيضا، ولما كان غرضه هنا بيان صفة الصيد الذي يحل به الحيوان؛ فلنذكر تعريفهم له، قالوا: «هو أخذ غير مقدور عليه، من وحش طير، أو بر، أو حيوان بحر، بقصد»، فغير مقدور عليه؛ يخرج المقدور عليه، فإنه لا يجزئ في تذكيته ما يجزئ في الصيد، وقوله من وحش طير أو بر؛ يخرج الطير غير الوحشي، والحيوان المستأنس؛ فإنه وإن ند؛ لا يذكى بما يذكى به المتوحش، وقد حملوا ما ورد في ذلك على غير الذكاة التي تحل بها الذبيحة، بل على حبس الناد، أي الشارد، ليُتمكن من ذكاته على الوجه المعتاد، وقوله بقصد، يريد به النية، فيخرج قتل الصيد من غير قصد إلى تذكيته، كما يخرج به؛ ما إذا جاءه كلبه بصيد من غير إرساله إياه، وهذا التعريف غير مانع لأن المراد من هذا الباب بيان ما يحل به أكل الصيد لا مطلق الاصطياد، فإن قوله أخذ يصدق على ما إذا قبض ما يصطاد حيا، وقبضه ينقله إلى لزوم تذكيته كما يذكى الإنسي، وليس بمراد هنا، والله أعلم.
واعلم أن قتل الحيوان المأكول اللحم لمجرد العبث والشهوة يظهر أنه محرم، لما جاء في حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تتخذوا شيئا فيه روح غرضا»، رواه مسلم (١٩٥٨)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها سأله الله عن قتله»، قيل: يا رسول الله، وما حقها؟، قال: «أن يذبحها فيأكلها، ولا يقطع رأسها فيرمي بها»، رواه أحمد والنسائي (٧/ ٢٣٩)، والدارمي (٢/ ٨٤)، والبغوي (٢٧٨٧) وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقواه الشيخ شعيب بشاهد رواه أحمد والنسائي عن عمرو بن الشريد عن أبيه، قال البغوي: «فيه كراهية ذبح الحيوان لغير الأكل، وقد روي عن ابن عباس قال: «نهى رسول الله ﷺ عن معاقرة الأعراب»، وأراد بالمعاقرة؛ أن يتبارى الرجلان فيعقر هذا عددا من إبله ويعقر صاحبه، فأيهما كان أكثر
стр. 1246
عقرا؛ غلب صاحبه، كره لحومها؛ لئلا يكون مما أهل به لغير الله ، قال الخطابي ﵀: «وفي معناه ما جرت به عادة الناس من ذبح الحيوان عند قدوم الملوك والرؤساء وأوان حدوث نعمة تتجدد لهم في نحو ذلك من الأمور»، انتهى.
قلت: تجدد النعمة مثله القصد إلى دفع النقمة بالذبح، ولا سيما مع جعل الذبح تحت عنوان طعام سيدي فلان، ووعدة فلان، فهذا أعظم مما نبه عليه البغوي والخطابي، وهو أقوى في المنع مما دل عليه حديث النهي عن معاقرة الأعراب، لأنه ليس فيه إلا المفاخرة، مع احتمال غيرها، أما الوعدة ففيها ضروب عدة من المخالفات بعضها شرك بلا ريب، والقرائن المصاحبة للفعل لا ينفع معها القصد لأنه أمر يخفى، فلا تناط به الأحكام.
فأما أن الصيد لمجرد اللهو مكروه؛ فلقول النبي ﷺ : «من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان؛ افتتن، وما ازداد أحد من السلطان قربا؛ إلا ازداد من الله بعدا»، رواه أحمد عن أبي هريرة، كما في الصحيحة برقم (١٢٧٢)، وفقراته الثلاثة الأول عند أبي داود (٢٨٥٩) والترمذي وحسنه وابن ماجة والطبراني عن ابن عباس كما في مسالك الدلالة، وهو في صحيح الجامع الصغير، فلما كان اتباع الصيد ذريعة إلى الغفلة؛ كان مكروها، فإن شغل عما هو واجب؛ فهو محرم، وأما الصيد لغير اللهو كمن كانت معيشته منه، فهذا لا حرج فيه، وقد يكون واجبا، إن لم يكن له مورد رزق غيره، وقد صرح بذلك الشيخ زروق.
وقد امتن الله تعالى علينا بما أحله لنا من صيد البر لغير المحرمين، وبصيد البحر في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا (١٤)﴾ [النحل: ١٤]، وقال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ولما كان التمكن من الحيوان المتوحش لا يتيسر كما يتيسر ذلك في الحيوان المستأنس؛ وسع الله الوسيلة إلى ذكاته، كما أباح لنا صيد البحر، ولم يجعل فيه ذكاة، بل أباح لنا طعام البحر، وهو ما كان ميتا فيه من غير صيد، كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ (٩٦)﴾ [المائدة: ٩٦]، فلله الحمد والمنة.
стр. 1247
• قوله:
٣٤ - «وكل ما قتله كلبك المعلم أو بازك المعلم؛ فجائز أكله، إذا أرسلته عليه».
ما يصطاد به ثلاثة أشياء: حيوان، وسلاح، وغيرهما كالفخاخ والشراك، لكن الثالث ليس مما يبحث في هذا الباب، لأنه حيث تمكن المرء من إمساك الصيد صار في حكم المستأنس فيذكى.
وقد تكلم هنا على الحيوان، وهو الكلب المعلم ومثله الفهد والطير، وهي الجوارح، قال الله تعالى في قوله: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [المائدة: ٤]، وهو دال على أن من شرط إباحة الأكل أن نرسلها فتمسك علينا، ولا يكون هذا إلا إذا كانت تفقه التعليم، وقيد الأكل بأن نذكر اسم الله عليه أي حال الإرسال، فشروط ما يصاد به من الحيوان منتزعة من القرآن.
ودليل ذلك من السنة؛ حديث أبي ثعلبة الخشني قال: قلت يا رسول الله، إنا بأرض صيد، أصيد بقوسي، وبكلبي المعلم، وبكلبي الذي ليس بمعلم، فما يصلح لي؟، فقال: «ما صدت بقوسك، فذكرت اسم الله عليه؛ فكل، وما صدت بكلبك المعلم، فذكرت اسم الله عليه؛ فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم، فأدركت ذكاته؛ فكل»، رواه البخاري (٥٤٧٨) ومسلم، وقوله في القوس والكلب المعلم فكل، يعني ولو مات بذلك، وقوله عن الكلب غير المعلم فأدركت ذكاته فكل؛ يعني إن ذكيته فكل، وإلا فلا، إذ لا عبرة بصيد الجارح غير المعلم لأنه يشمله قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾، ومشهور المذهب أن الذكاة إنما تنفع فيه إن لم تنفذ مقاتله، وهو منصوص المدونة عن مالك، وجاء في الموطأ خلافه وهو الصواب إن شاء الله، وفيه (١٠٦٢) عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول في الكلب
стр. 1248
المعلم: «كل ما أمسك عليك، إن قتل، وإن لم يقتل».
فأما المصيد؛ فيشترط في جواز أكله أربعة شروط أن يكون مرئيا، احترازا من غير المعين، إلا أن يكون في مكان محصور كالغار والغوطة، سواء علم الصائد بوجوده أو لم يعلم، وقد ورد العموم بحل ما أمسك الجارح على صاحبه من غير تخصيص كما في حديث عدي الصحيح: «فكل ما أمسك عليك»، والشرط الثاني أن يكون مما يؤكل لحمه، والثالث أن يكون وحشيا، احترازا مما يند من الإنسي، فإنه لا يحل بما يحل به الصيد، والرابع أن لا يكون مقدورا عليه، احترازا مما إذا قدر على الصيد، كأن يقبض عليه، فلا يقال إنه يجزئ فيه ما يجزئ في الوحشي، بل يتعين أن يذكى كالإنسي.
أما الصائد فيشترط فيه أن ينوي حال إرسال الجارح، أو حين الرمي، وأن يسمي الله، وأن يكون مسلما، فلا يحل صيد الكتابي، إذ إن الذي أحله الله لنا إنما هو ذبيحته، وحل الصيد خاص بنا، لقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، لكن هذا إنما هو في صيد البر الذي يشترط فيه ما رأيت، بخلاف صيد البحر، فإنه لا يشترط فيه أي نوع من أنواع الذكاة، فكانت ذكاته أخذه، ولا فرق بين آخذ وآخذ، قال مالك: «ولا بأس بأكل الحيتان يصيدها المجوسي، لأن رسول الله ﷺ قال في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»، وإذا أكل ذلك ميتا؛ فلا يضره من صاده»، والرابع أن يكون الصائد مميزا، فلا يباح أكل ما صاده الصبي غير المميز، ولا المجنون، ولا السكران، لكون النية شرطا في الحل كما تقدم في الذبح والنحر، فإذا توفرت هذه الشروط؛ حل للمسلم أكل الصيد الذي قتله الجارح، أو مات من الرمي كما سيأتي.
ونقل عن الإمام مالك ما هو ظاهر في تحريم أكل صيد غير المسلم، قال القرطبي في تفسيره (٦/ ٧٢): «جمهور الأمة على جواز صيده غير مالك، وفرق بين ذلك وبين ذبيحته وتلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾ [المائدة: ٩٤]، قال: «فلم يذكر الله في هذا اليهود ولا النصارى».
وقال ابن وهب وأشهب: «صيد اليهودي والنصراني حلال كذبيحته»، انتهى، لكن
стр. 1249
القرطبي جزم في موضع آخر من تفسيره (٦/ ٣٠١) بأنه إنما كرهه ولم يحرمه، قال: «وأجاب علماؤنا بأن الآية إنما تضمنت أكل طعامهم والصيد باب آخر، فلا يدخل في عموم الطعام، ولا يتناوله مطلق لفظه»، ثم قال: «هذا بناء على أن الصيد ليس مشروعا عندهم فلا يكون من طعامهم، فيسقط عنا هذا الإلزام، فأما إن كان مشروعا عندهم في دينهم؛ فيلزمنا أكله لتناول اللفظ له فإنه من طعامهم».
قال كاتبه: وفي أخذ تحريم صيد غير المسلم من قوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾؛ نظر، فإنها جملة وقعت حالا من الصيد بحسب الواقع الغالب، فإن صيد البر إلى الآن ما زال صيدا فرديا، وهي بعد ذلك معارضة بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، وهذا من طعامهم، لأن تفسير من فسر الطعام بالذبائح وهم الجمهور لا يريد به نوعا من أنواع الذكاة وهو الذبح، بل المقصود ما يذكى به الحيوان، وإن كان الذبح هو الغالب على أنواع الذكاة، بل أقول إن الصيد تنتفي عنه الشبهات التي ترافق الذبح، لأنه أبعد أن يقصد به التقرب إلى غير الله تعالى، أو يسمى عليه غير اسمه سبحانه، فيكون من هذه الحيثية أولى بالحل مما يذبح أو ينحر، والله أعلم.
стр. 1250
• قوله:
٣٥ - «وكذلك ما أنفذت الجوارح مقاتله قبل قدرتك على ذكاته، وما أدركته قبل إنفاذها لمقاتله؛ لم يؤكل إلا بذكاة».
ما قتلته الجوارح المعلمة أو مات بالرمي؛ لا يحتاج إلى تذكيته، فإن أدركه حيا، فإما أن يكون قد أنفذت مقاتله التي تقدم ذكرها، أو لا، فإن كان الأول؛ فهو ميت حكما، فيأكله، إن لم يفرط في اتباعه، ولم يتسع الوقت لذبحه قبل موته حين أدركه، وقد استحبوا الإجهاز عليه حال إدراكه، وإن لا تكن مقاتله قد أنفذت؛ تتعين المسارعة إلى تذكيته، ولا يحل أكله بدونها، لأنه اختل فيه شرط، إذ أصبح مقدورا عليه فيذكى بما يذكى به الإنسي، فإن تهاون وتركه حتى مات؛ فلا يحل أكله، قال مالك: «أحسن ما سمعت في الذي يتخلص الصيد من مخالب البازي أو من الكلب ثم يتربص به فيموت أنه لا يحل أكله».
وقد اختلف فيما أكل منه الجارح هل يحل أكله، أو لا، وقد قال ابن عبد البر في الكافي (١/ ١٨٢) إن أكثر أهل المدينة على أكل ما أكل منه الكلب المعلم، ولو لم تبق منه إلا بضعة واحدة»، ووجهه أن الشارع جعل قتل الجارح للصيد ذكاة له فيحل، وقد ورد ما يؤخذ منه جواز الأكل من غير فرق، وهو ما رواه أبو داود (٢٨٥٧) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابيا يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسول الله، إن لي كلابا مكلبة فأفتِنِتي في صيدها، فقال رسول الله ﷺ : «إن كان لك كلاب مكلبة؛ فكل مما أمسكن عليك»، قال: «ذكيا وغير ذكي»؟، قال: «نعم»، قال: «فإن أكل منه»؟، قال: «وإن أكل منه» الحديث، وقد حسّنه الألباني دون جملة «أكل منه» فهي منكرة.
قال الحافظ في الفتح (٩/ ٧٤٥): «لا بأس بسنده»، وقد نسب الشوكاني في النيل (٩/ ٩) تحسين حديث أبي ثعلبة عند أبي داود برقم (٢٨٥٢) للحافظ، وهو إنما حسن حديث عمرو بن شعيب المذكور، لكن متن الثاني نحو الأول، ووجه القول الثاني أن
стр. 1251
الجارح إذا أكل؛ كان ذلك دليلا على أنه إنما أمسك على نفسه، وقد جاء اشتراط عدم أكله في السنة في حديث عدي بن حاتم عند الشيخين (خ/ ٥٤٧٦) ومما جاء فيه، قلت: «فإن أكل»؟، قال: «فلا تأكل، فإنه لم يمسك عليك، وإنما أمسك على نفسه»، ويؤيد عدم الأكل ظاهر قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، فإن قلنا إن الأصل في الذبيحة المنع؛ كما عليه الجمهور؛ كان الراجح الترك، وإن قلنا الأصل الجواز؛ كان الأمر بخلافه، وحمل المنع على الكراهة جمعا بين الأدلة أولى، لا سيما وقد جاء في الخبر ما يدل على أنها هي المرادة بالنهي، وهو قوله ﷺ : «إني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه»، والطعام لا يطرح بمجرد الشك، والله أعلم.
стр. 1252
• قوله:
٣٦ - «وكل ما صدته بسهمك، أو رمحك؛ فكله، فإن أدركت ذكاته؛ فذكه، وإن فات بنفسه؛ فكله، إذا قتله سهمك، ما لم يبت عنك، وقيل: إنما ذلك فيما بات عنك، مما قتلته الجوارح، وأما السهم يوجد في مقاتله؛ فلا بأس بأكله».
لا يختلف ما صيد بالسهم والرمح عما صيد بالجارح المعلم في اشتراط التسمية مع الذكر والقدرة، وأن يكون قد مات حين أدركه، أو أنفذت مقاتله، ولم يتسع الوقت لتذكيته حتى مات، وأن يكون هو الذي أصابه بسهمه بأن يجده فيه، أو يعلم أنه هو الذي أصابه بالقرينة، فإن بات؛ فقد قيل لا يؤكل، وقيل لا يؤكل إذا قتلته الجوارح، أما إن قتله بالسهم ووجده فيه؛ فإنه يؤكل، وكل ذلك مقيد بما إذا لم ينتن، لما ورد في حديث أبي ثعلبة الذي رواه مسلم وغيره بتقييد الأكل بما لم ينتن، وفيه خلاف، والمنع هنا متجه لعلة الخبث، ويشترط في تذكية الصيد بالسهم أن يكون قد مات بخزق أي برأس السهم والرمح ونحوه من الآلات لا بالعصا والبندق والحجر ونحوها، فهذا إن مات فإنما هو موقوذة، وهي محرمة بنص القرآن، وقد جاء في ذلك حديث عدي بن حاتم ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن المعراض فقال: «إذا أصبت بحده فكل، فإذا أصاب بعرضه فقتل فإنه وقيذ، فلا تأكل،،،»، الحديث، رواه البخاري (٥٤٧٦)، والوقيذ هو الموقوذ فعيل بمعنى مفعول، هو المضروب بالعصا من دون حديدة، والمعراض بكسر الميم سهم بلا ريش ولا نصل، وإنما يصيب بعرضه، والنصل الحديدة، ولهذا المعنى جاء نهي النبي ﷺ عن الخذف، وقال: «إنها لا تصيد صيدا، ولا تنكأ عدوا، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين»، وتنكأ أصل الفعل نكى العدو ينكي نكاية إذا أكثر فيه الجراح والقتل فوهن لذلك، وقد يهمز الفعل،
стр. 1253
فيقال نكأت القرحة إذا قشرتها، وانظر النهاية لابن الأثير، والخذف تقدم معناه في الحج، وفي النهي عن تلك الحصى حض على الآلات الأخرى التي تقتل الصيد سريعا، فيكون ذلك من الإحسان المطلوب، كما أنها تنكأ العدو، ومن شأن هذه العناية أن تؤدي إلى تطوير الأسلحة، أما أن يبقى الأمر في الحصى والمخذفة فهذا لا يفيد، وهذا الذي منع هنا؛ شرع في رمي الجمار، وورد النهي هناك عن الغلو، وأن يقتل المسلم أخاه، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
стр. 1254
• قوله:
٣٧ - «ولا تؤكل الإنسية بما يؤكل به الصيد».
وهذا صحيح، لأن الاكتفاء في الذكاة بقتل الجارح المعلم، والسهم ونحوه؛ إنما جاء نصا في غير المستأنس من الحيوان، فمن قتل حيوانا إنسيا بما يصاد به المتوحش بكلب أو آلة فلا يحل به، وهذا محل اتفاق، وقد حصل الخلاف فيما ند من المستأنس هل يذكى بما يذكى به الصيد من الآلة أو لا؟، حجة الأول حديث رافع بن خديج قال: «كنا مع النبي ﷺ بذي الحليفة، فأصاب الناسَ جوع، فأصبنا إبلا وغنما، إلى أن قال: فند منها بعير، وكان في القوم خيل يسيرة، فطلبوه فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله، فقال رسول الله ﷺ : «إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما ند عليكم منها؛ فاصنعوا به هكذا»، رواه البخاري (٥٤٩٨) ومسلم، والأوابد جمع آبدة هي في الأصل الغريبة، والمراد هنا ما سلك من الحيوان الإنسي مسلك الوحشي فيكون غريبا من هذا الوجه، ومعنى ند؛ هرب، لكن علماءنا حملوا هذا الحديث على مجرد حبس الحيوان المستأنس الهارب، ليتمكن من ذكاته على الأصل، ويرد هذا التأويل تشبيه النبي ﷺ المستأنس الذي ند بالوحشي فيما أقره من فعلهم، والوحشي يذكى بالرمي، فيكونان سواء في الوسيلة التي يحل بها كل منهما، وإذا كان الأمر هكذا مع الناد فأحرى أن يكون مع المستأنس الذي توحش.
стр. 1255
• قوله:
٣٨ - «والعقيقة سنة مستحبة».
العقيقة من العق، وهو الشق، لأن حلق النسيكة يشق عند الذبح، وقيل أصلها الشعر الذي يكون على رأس المولود، ومنه قول امرئ القيس ينهى امرأة عن التزوج بهذا الذي وصفه بقوله:
أيا هند لا تنكحي بوهة … عليه عقيقته أحسبا
مرسعة بين أرساغه … به عسم يبتغي أرنبا
والبوهة البومة العظيمة، والمراد الضعيف الطائش، والأحسب الذي ابيضت جلدته من داء ففسدت شعرته، ينهاها عن نكاحه لكونه قذرا لا يتنظف، ولا يزيل ما ينبغي من شعر جسده، حتى إن الشعر الذي ولد به ما يزال عليه!، مع جبنه، يدل عليه هذه التمائم التي يعلقها خوفا على نفسه، وهو يدل على أن العرب كانوا يحلقون رأس المولود، لكنهم كانوا يدمونه فأقر الشرع الحلق وأبطل التدمية.
والعقيقة في الشرع «ما يتقرب به إلى الله من النعم شكرا على نعمة الولادة»، ومشهور المذهب أنها مستحبة، لأن النبي ﷺ سئل عن العقيقة، فقال: لا يحب الله العقوق، كأنه كره الاسم، وقال: «من ولد له ولد، فأحب أن ينسك عنه؛ فلينسك، عن الغلام شاتان، مكافئتان، وعن الجارية شاة»،،، الحديث رواه أبو داود (٢٨٤٢) والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد صدر به مالك كتاب العقيقة عن زيد بن أسلم عن رجل من بني ضمرة عن أبيه، لكنه ليس فيه عنده عدد ما ينسك به عن الغلام والجارية، وقد أخذ بعضهم كراهية هذا الاسم من قوله ﷺ : «لا يحب الله العقوق»، مع أنه قال من أحب أن ينسك،،، فلتسم نسيكة أو ذبيحة، والظاهر خلافه لورود اسم العقيقة في كلامه ﷺ ، ولينظر هنا ما نقله السندي عن التوربشتي في حاشيته على سنن النسائي، ووجه الدلالة على
стр. 1256
الاستحباب أنه فوض إلى الوالد في ذبحها، وهذا ليس شأن الواجب كما قالوا، وقد سبق القول في الأضحية الدليل على أن مجرد تفويض الفعل إلى المكلف لا يدل على عدم وجوبه، لأن من لم يكن ذلك واجبا عليه؛ لا يقال إنه لا يجوز له الفعل.
واستدل بعضهم على وجوبها بحديث: «كل غلام رهين بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق ويسمى»، رواه أصحاب السنن الأربعة (د/ ٢٨٣٧) من حديث الحسن عن سمرة، وقوله رهين؛ أي مرهون، فقيل المقصود أن نفعه لوالديه في الآخرة بالشفاعة إذا مات طفلا؛ متوقف على العق عنه، وقيل إنه دال على أنها لازمة لا بد منها، كما أن الرهن في يد المرتهن باق إلى أن يتخلص من الدين، وأقوى في الدلالة على الوجوب قول عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نعق عن الغلام بشاتين، وعن الجارية بشاة»، رواه الترمذي وابن ماجة، والجمع بين هذا الذي ظاهره الوجوب، وما تقدم أن يكون السابق صارفا عن الوجوب فيبقى الاستحباب نظير ما سبق في الأضحية.
стр. 1257
• قوله:
٣٩ - «ويعق عن المولود يوم سابعه بشاة، مثل ما ذكرنا من سن الأضحية وصفتها «
أما أنه يعق عن المولود يوم السابع؛ فلقول النبي ﷺ في حديث سمرة المتقدم: «كل غلام رهين بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه»،،، فهو دال على أنها لا تشرع قبله ولا بعده لما دل عليه الظرف من القيد، وهو مشهور المذهب، وإنما يعق عن المولود إذا كان حيا في الوقت الذي تشرع فيه العقيقة، أما إن مات قبل ذلك فلا، لأنه لم يدرك الزمن المحدد للنسك، وروى ابن وهب عن مالك إن من لم يعق عنه في السابع الأول عق عنه في السابع الثاني، وإلا ففي الثالث، ونقل الترمذي عن أهل العلم أنهم يستحبون أن تذبح يوم السابع، فإن لم يتهيأ؛ فيوم الرابع عشر، فإن لم يتهيأ؛ عق عنه يوم أحد وعشرين، وروى الطبراني في الأوسط والضياء في المختارة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «العقيقة تذبح لسبع، أو لأربع عشرة، أو لإحدى وعشرين»، وهو في صحيح الجامع، فإذا ثبت كان هو الحجة، وأهل المذهب يقولون في رد ما عدا المشهور: لم تشرع العقيقة يوم الثامن، فأحرى أن لا تشرع فيما بعده من الرابع عشر والواحد والعشرين، ويقول أصحاب الرواية الثانية إن في ذلك شبها بالثلاثة الأيام التي تذبح فيها الأضحية، لكن هذه على التوالي، والعقيقة على رأس الأسابيع الثلاثة الأول توسعة على الناس، وقد ذهب بعض أهل العلم منهم الحسن البصري إلى أن مَنْ علِم أنه لم يعقّ عنه يُشرع له أن يعقّ عن نفسه لنا رواه عبد الرزاق في مصنفه برقم (٧٩٦٠) عن عبد الله بن محرر، عن قتادة، عن أنس قال: «عق رسول الله ﷺ عن نفسه بعد ما بعث بالنبوة»، حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ عقّ عن نفسه بعد ما بُعث نبيًّا»، وعبد الله بن محرر ضعيف، والحديث في الصحيحة برقم (٢٧٢٦).
أما أنه يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية من حيث السن والسلامة من
стр. 1258
العيوب كما تقدم ذكره؛ فهذا من باب القياس بجامع أن كلا منهما نسك متعبد به، فينبغي أن يعتبر هنا ما اعتبر هناك وجودا وعدما، قال مالك في الموطإ: «إنما هي بمنزلة النسك والضحايا، لا يجوز فيها عوراء، ولا عجفاء، ولا مكسورة، ولا مريضة، ولا يباع من لحمها شيء ولا جلدها،،،»، وهو الذي نسبه الترمذي لأهل العلم، لكن الذي وردت به النصوص في العقيقة الإطلاق، وهو قوله ﷺ شاة، شاتان، وفي الأضحية التقييد كما مر، قال الشوكاني: «وقد استدل بإطلاق الشاتين على عدم الاشتراط وهو الحق، لكن لا لهذا الإطلاق، بل لعدم ورود ما يدل هاهنا على تلك الشروط والعيوب المذكورة في الأضحية وهي أحكام شرعية، لا تثبت بدون دليل»، انتهى، قال كاتبه: القياس دليل، والعلة الجامعة؛ أن كلا من العقيقة والأضحية نسك، وكذلك حمل المطلق على المقيد، فإن حكم الأضحية والعقيقة عند القائلين بذلك متحد، وهو السنية، واختلف سببهما كما في عتاق الرقبة في الظهار وقتل الخطإ.
واعلم أن الشوكاني ﵀ قد رد على من اعتمد القياس في هذه المسألة، باعتبار أن الجامع بين الأضحية والعقيقة وهو التقرب، ومنهم الإمام يحي، فقال في نيل الأوطار (٥/ ٢١٣١): «ولا يخفى أنه يلزم على مقتضى هذا القياس؛ أن تلزم أحكام الأضحية في كل دم متقرب به، ودماء الولائم كلها مندوبة عند المستدل بذلك القياس، والمندوب متقرب به، فيلزم أن يعتبر فيها أحكام الأضحية، بل روى عن الشافعي في أحد قوليه أن وليمة العرس واجبة»، انتهى.
قلت: من قال باستحباب الولائم كالوكيرة، والنقيعة والخرس، والوليمة، أو قال بوجوب بعضها؛ لم يشترط فيها الذبح كما هو الشأن في الأضحية والعقيقة، ومقصودهم أن الوليمة نفسها مندوبة أو واجبة، لا أن إراقة الدم داخلة في هذا الحكم، فما أدري لاعتراض الشوكاني بهذا القول على ذلك القياس وجها يقبل، ولا وجه للتعلق بقول النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة»، فإن المقصود ما تكون به الوليمة، وبدلابة فعل النبي ﷺ .
ومهما يكن فالمتفق عليه أن اجتناب العيوب المذكورة لا ريب في استحبابه لقوله
стр. 1259
تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢]، وقوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وأما أن العقيقة شاة للذكر والأنثى سواء؛ فقد احتج له بأن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا، رواه أبو داود (٢٨٤١) من حديث ابن عباس، لكن جاء من قوله ﷺ ما يؤخذ منه أن المولود الذكر يعق عنه بشاتين مكافئتين، أي متماثلتين كما تقدم في حديث عائشة، وكما جاء في حديث أم كرز من قوله ﷺ : «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة»، رواه أبو داود (٢٨٣٦) وغيره، ومعنى «مكافئتان»؛ متماثلتان، فهذا قول، وهو شريعة عامة فيقدم عند التعارض لو فرض الأمر كذلك، فمن وجد سعة؛ فالسنة أن ينسك عن الذكر بشاتين، بل جاء عن النبي ﷺ أنه عق عن الحسن والحسين كبشين كبشين، رواه النسائي (٧/ ١٦٦)، واحتج به الحافظ في الفتح (٩/ ٧٣٣)، وقال: أخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس وعن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده، وأشار إلى أن ذبح شاتين عن الغلام مما تواتر عن النبي ﷺ ، وعليه يجتمع القول والفعل، ولو لم يثبت هذا؛ فلا تعارض بينهما لاحتمال عدم تيسر ذبح شاتين له ﵊ عن كل منهما، ولأن ذلك ليس إلا مستحبا، وقد قال باستحبابه من المالكية العلامة شهاب الدين بن عبد الرحمن بن عسكر البغداي المالكي في كتابه إرشاد السالك، وغيرُه.
стр. 1260
• قوله:
٤٠ - «ولا يحسب في السبعة الأيام اليوم الذي ولد فيه».
المشهور أنه لا يحسب اليوم الذي يولد فيه الصبي إذا كان بعد الفجر لأنه غير تام، وهو ما نص عليه مالك، قال ابن عبد البرفي الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٤٢٥): «كان مالك لا يعتد باليوم الذي يولد فيه المولود في أيام أسبوعه إلا أن يولد قبل الفجر وإلا ألغى ذلك اليوم»، وقال القاضي عبد الوهاب في كتابه التلقين: «ويحسب السابع إذا سبقت الولادة فجره وإن تأخرت عنه ألغى وحسب غدها»، وهو كالقاعدة في المذهب في غير العقيقة أيضا، وثمة أقوال أخرى ثلاثة، والإطلاق الذي في كلام الشارع وما تدل عليه اللغة ظاهر في احتساب اليوم الذي ولد فيه، فلا يعدل عنه إلا إذا ورد ما يقيده بما ذكر.
стр. 1261
• قوله:
٤١ - «وتذبح ضحوة».
هذا هو الوقت المفضل في ذبح العقيقة، شأنها شأن الأضحية والهدي، من الضحى إلى الزوال، فلا يجزئ ذبحها قبل طلوع الشمس، ولا في الليل، على ما تقدم في الضحية والهدي، ويكره ذبحها من الزوال إلى الغروب، وقال ابن الماجشون يجزئ ذبحها قبل طلوع الشمس، والذي قالوه في الاستدلال على عدم جواز ذبحها في الليل يقال هنا لقوله ﷺ : «يوم سابعه»، وقد تقدم ما فيه.
стр. 1262
• قوله:
٤٢ - «ولا يمس الصبي بشيء من دمها».
هذه العبارة هي نفس ما جاء في الموطإ من قول مالك، بل هي جملة من حديث يزيد ابن عبد المزني عن أبيه مرفوعا عند ابن ماجة، وقد رد بهذا على من قال بتدمية رأس المولود كما في رواية همام لحديث الحسن عن سمرة عند أبي داود (٢٨٣٧)، وقد بين أنها وهم منه، وأن الصحيح يسمى، لكن فسرها قتادة ﵀ وهو شيخ همام في هذا الحديث بقوله: «إذا ذبحت العقيقة، أخذت منها صوفة، واستقبلت بها أوداجها، ثم توضع على يافوخ الصبي، حتى يسيل على رأسه مثل الخيط، ثم يغسل رأسه بعد ويحلق»، واليافوخ وسط الرأس، فيظهر أن الوهم من قتادة لا من همام كما ذكره بن االعربي في المسالك (٥/ ٣٢٧)، وقد يكون هذا من قتادة تفسيرا لما كانت تفعله الجاهلية، وقد ورد وصف ذلك عن غير قتادة، والذي ثبت إنما هو «يسمى»، فالمشروع تسميته يوم السابع، وهو ما لا يتأنى اليوم للحاجة إلى التسجيل السريع إثر الولادة مباشرة، وإلا احتاج الأمر إلى حكم قضائي، وتسمة المولود إثر الولادة إنما يشرع إذا لم يعق عنه كما ترجم به البخاري.
ومما يدل على بطلان التدمية؛ قول النبي ﷺ : «مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دما، وأميطوا عنه الأذى»، رواه البخاري (٥٤٧١) عن سلمان ابن عامر الضبي، فالتدمية مخالفة لأمره بإماطة الأذى، ومن جملة الأذى الذي يماط حلق رأسه، وكذا ما يكون عليه من أقذار الدم والرطوبات ونحوها.
стр. 1263
• قوله:
٤٣ - «ويؤكل منها، ويُتصدق، وتكسر عظامها».
العقيقة من النسائك التي يجوز الأكل منها بلا خلاف، والأفضل أن يجمع المرء بين الأكل والصدقة، ومشهور المذهب أنها توزع لحما ولا تعمل طعاما لما في ذلك من المباهاة، كذا قالوا، وإذا لم يمنع من صنعها طعاما دليل؛ فإن الأصل الجواز، بل هو من الإحسان إلى الناس، إلا إذا خشي اعتقادهم أنه أمر لا بد منه، فمن تركه كان محقا، وقد ورد عن مالك صنع الطعام للناس، ولا يشرع اجتناب كسر عظامها، بحيث تتبع المفاصل في ذلك، فإن هذا لم يرد به دليل، وهو من فعل الجاهلية، قال مالك: ويكسر عظامها، ويأكل أهلها من لحمها، ويتصدقون منها،،،».
стр. 1264
• قوله:
٤٤ - «وإن حلق شعر رأس المولود وتصدق بوزنه من ذهب أو فضة؛ فذلك مستحب حسن».
اعتبر بعض أهل العلم حلق رأس المولود من جملة الأذى الذي أمرنا بإماطته عنه، وهو قول الحسن كما في سنن أبي داود، وقد جاء في حديث الحسن عن سمرة اقتران الذبح بالحلق والتسمية، واختلف في الذي يبدأ به منها، وصنيع البخاري أن المولود إذا لم يرد النسك عنه؛ فإنه يسمى قبل السابع، كما اختلف هل يحلق رأس الجارية أم لا؟، ولعل من قال بعدم حلق رأسها؛ راعى أن الأصل عدم حلق رأس المرأة لأنه مثلة، ولا مثلة هنا، ولأن الذبح والتسمية والحلق جاء بعضها ببعض مقترنا، فمن فرق بين الذكر والأنثى؛ فقد تحكم، ولأن ما علل به الحلق يشمل الذكر والأنثى، كما أن الأصل المساواة في الأحكام.
أما التصدق بزنة شعر المولود ذهبا فلم يرد ذكر له في حديث يثبت كما قاله الحافظ في التلخيص الحبير والغماري في مسالك الدلالة، وإنما جاء ذكر التصدق بزنة شعره فضة في حديث أبي رافع أن الحسن بن علي لما ولد؛ أرادت أمه فاطمة أن تعق عنه بكبشين، فقال النبي ﷺ : «لا تعقي عنه، ولكن احلقي شعر رأسه، ثم تصدقي بوزنه من الورق في سبيل الله»، رواه أحمد والطبراني في الكبير، والبيهقي وهو ضعيف، وجاء ذلك في حديث علي عند الترمذي (١٥١٩) وحسنه، ولينظر التلخيص الحبير (ح/ ١٩٨٤)، ولا ينبغي أن يؤخذ من قوله ﷺ «لا تعقي عنه معارضة ما ورد من مطلوبية العق، إذ إن النبي قد ثبت عنه أنه عق عن الحسن والحسين ﵄ وعن سائر آل النبي ﷺ وأتباعه.
وكثيرا ما يرد السؤال عن المفاضلة بين العقيقة والأضحية إذا اجتمعتا، ولم يتمكن المرء إلا من إحداهما أيهما يقدم؟ وهل يجوز جمعهما؟، والجواب هو أنهما إذا كان حكمهما واحدا فإن العق مقدم لعدم تكرره بخلاف الأضحية، وهو الذي قاله مالك كما ذكره ابن عبد البر في الكافي، والله أعلم.
стр. 1265
• قوله:
٤٥ - «وإن خلق رأسه بخلوق بدلا من الدم الذي كانت تفعله الجاهلية؛ فلا بأس بذلك»
الخلوق بفتح الخاء هو الطيب، قال في النهاية: «هو طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، وتغلب عليه الحمرة والصفرة، وقد ورد تارة بإباحته، وتارة بالنهي عنه، والنهي أكثر وأثبت، وإنما نهي عنه لأنه من طيب النساء، وكن أكثر استعمالا له منهم، والظاهر أن أحاديث النهي ناسخة»، انتهى.
قلت: في بعض الروايات جاء ذكر الزعفران، فلعله لكونه أصل الخلوق، ولعل الشارع استثناه من المنع لأنه جاء بدلا مما كانت عليه الجاهلية من تلطيخ رأس المولود بالدم، ولأنه صغير والقلم عنه مرفوع، وصحيح ابن حبان عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كانوا في الجاهلية إذا عقوا عن الصبي خضبوا قطنة بدم العقيقة، فإذا حلقوا رأس الصبي وضعوها على رأسه، فقال النبي ﷺ : «اجعلوا مكان الدم خلوقا»، وهو في الصحيحة برقم (٤٦٣).
следующие страницы →