Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
• قوله:
٢٤ - «وحرم الله سبحانه وطء الكوافر ممن ليس من أهل الكتاب بملك أو نكاح».
دلّ على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، فهذا عموم خص بآية المائدة عند الجمهور، وقد جرى كتاب الله في مواضع على التفريق بين المشركين وأهل الكتاب، فبقي ما عدا الكتابيات على التحريم، ولقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، أما منع الاستمتاع بملك اليمين من غير أهل الكتاب؛ فإنه من باب الإلحاق إذ المعنى واحد، وقد نَقَل الباجي في المنتقى اتفاق الفقهاء عليه.
стр. 1437
• قوله:
٢٥ - «ويحل وطء الكتابيات بالملك، ويحل وطء حرائرهن بالنكاح».
أما دليل حل النساء الكتابيات بالنكاح فقول الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فإن المراد بالمحصنات هنا الحرائر يؤيده وصف الإيمان الذي قيد به نكاح الإماء عند فقد الطول وخوف العنت في قوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، أما حل وطء الكتابيات بملك اليمين فلعموم قول الله تعالى: أو ما ملكت أيمانكم»، وهذا الحل هو من جملة ما خص الله تعالى به المسلمين في علاقتهم بأهل الكتاب دون غيرهم من الكافرين، ومن ذلك حل ذبائحهم، ومنه الاتفاق على تقريرهم على دينهم، مع أخذ الجزية منهم، وممن ألحق بهم وهم المجوس، ويراد بذلك تمكينهم من الاطلاع على محاسن الإسلام لعلهم يسلمون، ولهذا كان سهم المؤلفة قلوبهم من جملة مصارف الزكاة، وهو دليل على أن الكفر وإن كان كله شرا فإن بعضه أخف من بعض.
стр. 1438
• قوله:
٢٦ - «ولا يحل وطء إمائهن بالنكاح لحر ولا لعبد».
دلّ على ذلك ما تقدم من وصف المحصنات في سورة المائدة، ولعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وهو مخصوص بآية المائدة عند الجمهور، وهكذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥]، وجه الدلالة منه أن الله أباح تزوج الأمة في حال عدم الطول مع خوف العنت، وقيد ذلك بالأمة المؤمنة، فبقي من عدا المؤمنات على أصل المنع، أما شمول الآية للحر والعبد؛ فلأن أصل الخطاب عدم الفرق بينهما.
стр. 1439
• قوله:
٢٧ - «ولا تتزوج المرأة عبدها، ولا عبد ولدها، ولا الرجل أمته، ولا أمة ولده».
جاء في هذا آثار كثيرة أوردها سحنون في المدونة (٢/ ١٨٨)، وثمة آثار عن عمر بن الخطاب ﵁ في مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة، وفيها التصريح بالحرمة، والهم برجم المرأة، ولأن تزوج المرأة عبدها يحصل بسببه تعارض بين ملكها رقبته، فهو مسخر لخدمتها، وطاعتها واجبة عليه، وهو من جملة مالها تبيعه وتهبه، ويجب عليها الإنفاق عليه، فكيف يجتمع ذلك مع كونه زوجا يجب عليه أن ينفق عليها، مع وجوب طاعتها له، فلهذا التعارض بين الحقوق؛ منع زواجها به.
ومن كانت له أَمَة؛ فإنه لا يجوز له أن يتزوجها، لما سبق من أن التزوج بالإماء مشروط بعدم الطول وعدم استطاعة تزوج الحرائر مع خوف العنت، وزيادة على هذا فإن مالك الأمة يباح له الاستمتاع بها من غير حاجة إلى نكاح، وسببية ملك اليمين في الاستمتاع أقوى من سببية الزواج، فما الحاجة إلى ضم سبب أضعف إلى ما هو أقوى منه؟، فإذا أراد أن يتزوجها فليعتقها.
أما أن المرأة لا تتزوج مملوك ولدها، والأب لا يتزوج مملوكة ولده؛ فلما لهما من الشبهة في مال الولد، ولذلك لا يقطعان إذا سرقا ماله، فإذا فعلا فكأنما تزوج كل منهما أمته، وقد قال النبي ﷺ : «أنت ومالك لأبيك» رواه البيهقي عن جابر، وقال: «أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم»، رواه أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو.
стр. 1440
• قوله:
٢٨ - «وله أن يتزوج أمة والده وأمة أمه».
وهذا لأن الابن لا شبهة له في مال والديه، فإنه يقطع إذا سرق مالهما، وهل يشترط في تزوجه بأمة أمه وأمة أبيه خوف العنت كما هو الأمر في تزوجه أمة غيرهما؟، المذهب عدم اعتبار ذلك الشرط هنا، فإنهم لما عللوا المنع من تزوج الحر بالأمة بالتسبب في استرقاق الولد، لأنه تابع لأمه في الرق، وهي مملوكة للغير؛ وكان ابن الابن يعتق على جده جبرا؛ قالوا يجوز للولد أن يتزوج أَمَة أبيه وأَمَة أمِّه من غير خوف العنت، وعلة الخوف من استرقاق الولد مستنبطة، ومع ذلك علقوا عليها الحكم كما ترى.
стр. 1441
• قوله:
٢٩ - «وله أن يتزوج بنت امرأة أبيه من رجل غيره».
لا دليل على تحريم بنت امرأة الأب من رجل آخر على ابن ذلك الأب، إذ لا يمنع من ذلك نسب ولا مصاهرة ولا رضاع، سواء وُلدت تلك البنت قبل زواج أبيه بتلك المرأة أو بعد طلاقها منه، لكن في المسألة تفصيلا، فإن البنت إذا فطمت قبل الزواج؛ فالأمر واضح، أما إذا وقع النكاح عقدا ومخالطة وأمها ما زالت ترضعها؛ فإنها تحرم عليه، لأنها أخته بسبب لبن أبيه، وإذا طلقها أبوه ثم تزوجت برجل فأولدها بنتا، والحال أن لبنها قد انقطع قبل الوطء؛ فلا وجه للقول بالتحريم ولا بالكراهة، لكن أبا الحسن نقل في شرحه ثلاثة أقوال في هذين الفرعين، هي الجواز والمنع والكراهة، وقد علمت أن التحريم في الفرع الأول واضح، وأن الثاني لا وجه للقول بالتحريم فيه، إذ لا يتضح الفرق بين أن تكون بنت امرأة أبيه من رجل آخر، قد ولدت قبل زواج أبيه بها بالقيد السابق، أو بعد طلاقها منه وزواجها من رجل آخر متى كان لبنها من أبيه قد انقطع.
стр. 1442
• قوله:
٣٠ - «وتتزوج المرأة ابن زوجة أبيها من رجل غيره».
وهذه عكس المسألة السابقة، فإن المرأة يجوز لها أن تتزوج ابن زوجة أبيها من رجل آخر، وما قيل هناك من القيود يقال هنا، فإن الأمر واضح إذا كان هذا الابن قد انقطع عن الرضاع قبل وطء أبيها هذه المرأة، أما إن حصل الوطء والابن يرضع؛ فإنه أخوها من الرضاع، لأن اللبن لأبيها، ومن الغريب أن يفرق أبو الحسن في شرحه بين المسألتين، فيعتبر في الأخيرة الانقطاع عن الرضاع قبل الدخول شرطا في الحل، ويجعله في الأولى موضع خلاف كما سبق، فتدبر، ثم وجدت النفراوي ﵀ ذَكَرَ ذلك على الوجه الصحيح حسب علمي.
стр. 1443
• قوله:
٣١ - «ويجوز للحر والعبد نكاح أربع حرائر مسلمات أو كتابيات».
اختلف في التسوية بين الحر والعبد في عدد ما يجوز التزوج به من النساء، وحيث لم يأت نص يفرق بينهما فإن استصحاب العموم الذي في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ (٣)﴾ [النساء: ٣] هو المطلوب، ولحديث قيس بن الحارث قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: «اختر منهن أربعا»، رواه أبو داود (٢٢٤١) وابن ماجة (١٩٥٢)، وفي معناه حديث ابن عمر في غيلان الثقفي حيث أسلم وتحته عشر نسوة، رواه مالك (١٢٣٨) عن ابن شهاب بلاغا، وهو في سنن الترمذي وابن ماجة (١٩٥٣)، وقد تقدم دليل حل نساء أهل الكتاب للمسلمين وهم أحرار وعبيد.
وجواز تزوج العبد أربع حرائر أو إماء هو المشهور، وهو رواية أشهب عن مالك، وروى ابن وهب عنه قصر الجواز على اثنتين قياسا على تنصيف الحد، وهو قول لعمر بن الخطاب، وعلي، ولهما مخالف من الصحابة كما في الروضة الندية (٢/ ١٩٤)، وهذه الرواية هي التي نصرها ابن العربي في أحكام القرآن، لكنه نصر مقابلها في المسالك (٥/ ٥١٤)، ووجه المشهور أن النكاح غير داخل في القياس على الحدود المنصوص على تنصيفها للأمة وللعبد إلحاقا بعدم الفارق، لأنه يسلك مسلك الملذات والتفكهات، والعبد والحر فيهما سواء عندهم، بخلاف الحدود والطلاق والإيلاء فليست من هذا القبيل، بل سلكوها في سلك العقوبات، قال القرطبي في تفسيره (٥/ ٢٣) منتصرا لغير المشهور: «وكل من قال حده نصف حد الحر، وطلاقه تطليقتان، وإيلاؤه شهران، ونحو ذلك من أحكامه؛ فغير بعيد أن يقال تناقض في قوله: «ينكح أربعا»، انتهى، وقد علمت وجه الفرق.
стр. 1444
• قوله:
٣٢ - «وللعبد نكاح أربع إماء مسلمات، وللحر ذلك إن خشي العنت، ولم يجد للحرائر طولا».
هذه المسألة راجعة إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فإنها دالة على منع التزوج بالإماء إلا إذا فقد الطول، وهو استطاعة تزوج الحرائر مع خوف العنت، أي الوقوع في الفاحشة، لأن في تزوج الحر بالأمة تشطر المسؤولية عليها، فهي من جهة زوجة، عليها للزوج حقوق، ورقبتها مملوكة لغيره، وفي حال ولادتها يصير ابنها رقيقا لمالكها، لأنه تابع لأمه في ذلك، فإن كانت كافرة؛ ازداد الأمر سوءا بانضمام الكفر إلى الرق، ولذلك والله أعلم قصر الشارع جواز تزوج الحر على الأمة المسلمة بذينك القيدين، وكان ينبغي أن يستصحب عموم منع التزوج بالإماء إلا عند فقد الطول للتزوج بالحرائر مع خوف العنت، فيشمل الأحرار والعبيد، والظاهر أنه لما كان مال العبد لسيده؛ كان في حكم فاقد الطول رأسا، وتمكنه من الاستمتاع بملك اليمين كالحر مختلف فيه، وإن كان المذهب على مشروعيته، في حين أنه متى تزوج؛ كان الطلاق بيده، لا بيد سيده، ثم إنه رقيق مساو لهن في الرق، فلم يشترط في زواجه بالإماء ما اشترط في الحر، فلعل هذا وجه جواز تزوجه بالإماء.
وقد علمت مما سبق أن منع الحر من التزوج بالإماء إلا بما تقدم من الشروط؛ مقيد بما إذا تزوج أمة من لا يعتق ولدها جبرا على المالك كأبيه وأمه وجده لا كأخيه، فالمراد من المنع على هذا أن لا يتسبب في رق ولده، لأنه تابع لأمه فيه، فيكون الولد مملوكا لمن هي له، وهذا يسلك في عدم تشجيع الإسلام على الاسترقاق، وإن كان قد أباحه، لأنه كان نظاما عالميا من باب المعاملة بالمِثل، مع فتحه أبوابًا كثيرة للنحرير.
стр. 1445
• قوله:
٣٣ - «وليعدل بين نسائه».
العدل بين النساء واجب، وقد جعله الله سبحانه شرطا في إباحة التزوج بأكثر من واحدة، فقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]، أي فانكحوا واحدة، أو تمتعوا بأكثر من واحدة بملك اليمين، لأنه ليس فيه من الحقوق ما في الزواج، ولعل الاقتصار على أربع نسوة لكون ذلك هو ما يتيسر معه العدل، وإعفاف الزوجات، وقد يؤخذ من الاقتصار عليه أن للزوجة الحق في الوقاع كل أربع ليال، وهو الذي رجحه الشيخ علي الصعيدي فيقضى لها به متى اشتكت، كما يقضى له إذا اشتكى بما تطيقه، وفي هذا التحديد والقضاء بحث، وقد بين الله عسر العدل الكامل في قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ (١٢٩)﴾ [النساء: ١٢٩]، لكن هذا لا يدل على أن العدل المطلوب غير مستطاع، وإلا ما كان الناس مكلفين به، وإنما المراد ميل النفس، فلا ينبغي أن يجاري المرء ذلك فيترتب عليه من الآثار العملية ما لا يجوز، والمرء لا يكلف ما لا يملكه، فهذا هو الذي نفى الله استطاعته، لكنه نهى عن الاسترسال فيه، قال البغوي في تفسيره (١/ ٦٠٧): «أي لن تستطيعوا أن تسووا بين النساء في الحب وميل القلب، ولو حرصتم على العدل، فلا تميلوا كل الميل في القسم والنفقة إلى التي تحبونها، أي لا تتبعوا أفعالكم أهواءكم،،،»، انتهى، وقد كان النبي ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، وروي عنه أنه قال: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك»، رواه أبو داود (٢١٣٤) والترمذي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، وفسره أبو داود بالقلب، وقال الترمذي: «يعني به الحب والمودة»، انتهى، والقسم بفتح القاف وسكون السين، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط»،
стр. 1446
رواه أصحاب السنن (ت/ ١١٤١)، وقد أخذ بعض من لا يرجون لله وقارا من المعاصرين القائلين على الله ما لا يعلمون من مجموع الآيتين؛ أن العدل غير مستطاع، ومن ثم قالوا كاذبين إن التعدد محرم لعدم إمكان العدل، وسمعت إحداهن تقول لقد منع النبي ﷺ عليا ﵁ من التزوج على ابنته فاطمة، فصدقت في النقل، وكذبت في القصد والاستدلال.
ومما ينبغي أن يضعه المرء في الحسبان عند تزوج ما زاد على الثانية في بلادنا أنه لا يتيسر له القسم بين زوجاته إذا تزوج ماى لم يحصل على موافقة الزوجة الأولى التي اشترط القانون الجائر موافقتها كي يوثق النكاح، فإذا لم يخبرها فمن أين له أن يعدل؟، وإن عدل انكشف أمره لها، وفسدت علاقته بها، وقد تضيع حقوق المرأة الثانية في الميراث وكذا الأولاد حيث لا يسجلون، ومما يتعجب له أن بعض النساء يسهل عليهن أن يزني أزواجهن ولا يقبلن ان يتزوج عليهن.
واعلم أن من لم يعدل بين نسائه فهو عاص لله ورسوله فاسق لا تجوز شهادته، وفي صحة إمامته في المذهب خلاف، وحيث كان العدل بين النساء مجمعا عليه؛ فإن من جحد وجوبه فليس بمسلم.
وليصبر المرء المسلم على زوجته إذا كَبُرت وقلَّ أرَبُهُ فيها، وقد قال رسول الله ﷺ : «إن الله يوصيكم بالنساء خيرا، إن الله يوصيكم بالنساء خيرا، فإنهن أمهاتكم وبناتكم وخالاتكم، إن الرجل من أهل الكتاب يتزوج المرأة وما يعلق يداها الخيط، فما يرغب واحد منهما عن صاحبه حتى يموتا هرما»، أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن المقدام بن معدي كرب، وهو في الصحيحة برقم (٢٨٧١)، وعند ابن عساكر في تاريخ دمشق زيادة: قال أبو سلمة (يعني: سليمان بن سليم) أحد رواة الحديث: وحدثت بهذا الحديث العلاء بن سفيان الغساني، فقال: لقد بلغني أن من الفواحش التي حرم الله مما بطن، مما لم يتبين ذكرها في القرآن أن يتزوج الرجل المرأة، فإذا تقادم صحبتها، وطال عهدها، ونفضت ما في بطنها، طلقها من غير ريبة»، قوله: (وما يعلق يداها الخيط) كناية عن صغر سنها وفقرها، في النهاية: «قال الحربي: يقول من صغرها وقلة رفقها، فيصبر عليها حتى يموتا هرما، والمراد حث أصحابه على الوصية بالنساء، والصبر عليهن، أي أن أهل الكتاب يفعلون ذلك بنسائهم».
стр. 1447
قلت: أي الألباني: كان ذلك منهم حين كانوا على خلق وتدين ولو بدين مبدل، أما اليوم فهم يحرمون ما أحل الله من الطلاق، ويبيحون الزنى بل واللواط علنا»!!، انتهى.
قال كاتبه: ومع ذلك ما يزال هذا عند بعضهم وهم يمدحون به ويتمدحون، ومما يؤخذ من الحديث أن هذه الوصية ليست موجهة للأزواج فحسب، إذ المرء لا يجمع بين كون المرأة زوجة له وخالة مثلا، وهذا كما قال ﵊: «استوصوا بالنساء خيرا».
وعلى رأس العدل بين النساء التسوية بينهن في القسم بحيث يبيت عند كل واحدة مقدار ما يبيت عند الأخرى: يوما وليلة، فإن تراضين قسم يومين وليلتين لكل، فإن تباعدت مساكن الزوجات؛ قسم بينهن بحسب ما يمكن من الجمعة والشهر، ولا يدخل على المرأة في غير يومها إلا للحاجة، هكذا قالوا، لكن روى أبو داود (٢١٣٥) عن هشام بن عروة عن أبيه قال، قالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «يا ابن أختي، كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها،،،» الحديث، وقولها من مكثه عندنا، هو بيان للقسم، والمكث التلبث في المكان والإقامة فيه، وقولها من غير مسيس؛ تعني من غير جماع، ويحرم على الرجل أن يمتنع من قربان بعض نسائه ليوفر رغبته للأخرى، ومن عظيم هديه ﷺ أنه بعد أن رفع الله إيجاب القسم عليه بين زوجاته بقوله ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ (٥١)﴾ [الأحزاب: ٥١] استمر على العدل بينهن فيه، وكان يستأذنهن إذا كان في يوم المرأة منهن، كما قالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-، رواه البخاري (٤٧٨٩) وأبو داود (٢١٣٦)، وينبغي أن يفرد المرء كل واحدة من زوجاته بدار فيها ما تحتاجه من المرافق، ويجوز برضاهن أن يجمعهن في منزل واحد مع توفر المرافق لكل منهن كالمطبخ ونحوه، ولا يجوز جمع الزوجتين في فراش واحد، ولو من غير جماع، ولو برضاهن، ويحرم قربان إحداهما بحضور الأخرى بلا خلاف.
стр. 1448
• قوله:
٣٤ - «وعليه النفقة والسكنى بقدر وجده».
من حقوق الزوجة على زوجها نفقة الأكل والشرب واللباس والسكنى بقدر حاله، فأما الزوجة التي في العصمة فوجوب الإنفاق عليها لا خلاف فيه، فإن طلقت فثمة تفصيل سيأتي ذكره في بابه، قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا (٧)﴾ [الطلاق: ٧]، وقال سبحانه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ (٦)﴾ [الطلاق: ٦]، والوجد بضم الواو السعة والطاقة، فجعل المرجع فيما يجب من المسكن والنفقة؛ حال الزوج، وقد اعتبر حاله في غير النفقة كالمتعة، والمشهور مراعاة حالهما معا، فيجب عليه أن ينفق عليها إنفاق مثله على مثلها، لكنهم قالوا لا يجب التسوية في النفقة والكسوة بين الزوجات، بل يراعى حال المرأة من غنى وفقر، واحتجوا بقول الله تعالى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقول النبي ﷺ لهند زوجة أبي سفيان ﵁: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»، وهذا لا دليل فيه على عدم العدل بين الزوجات في النفقة، بل فيه دليل على أن النفقة لا تقدر بشيء ثابت معلوم، بل مردها إلى العرف والاجتهاد، بخلاف قول الشافعي ﵀، وذلك هو الذي يتأتى معه مراعاة حال الزوج، وفي عدم التسوية بين الزوجات من الفساد ما لا يخفى، والشارع إنما طالب الزوج بالإنفاق بحسب وسعه، لا بحسب حال زوجته، فينبغي أن تتساوى الزوجات فيما ينالهن من ذلك، وإلى هذا ذهب ابن نافع ﵀ كما حكاه زروق وابن ناجي عنه، وقيل إنها رواية أخرى عن مالك، وذكرها ابن عبد البر في الكافي بصيغة التمريض، وهي أجدر أن يؤخذ بها من سابقتها.
стр. 1449
• قوله:
٣٥ - «ولا قسم في المبيت لأمته، ولا لأم ولده».
لا حق للأمة في الوطء على مالكها، ولهذا لا يجب عليه القسم بين الإماء، ولا بينهن وبين الحرائر، فإن كانت الإماء زوجات منفردات أو مع حرائر؛ تعين القسم، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وجه الدلالة منه؛ أنه سبحانه قرن الزواج بالواحدة - ولا قسم في حال الانفراد - بملك اليمين في حال خوف عدم العدل، فدل ذلك على أن الإماء لا قسم لهن، والمراد بأم الولد في كلام المصنف أمته إذا استولدها، وإنما نص عليها لأنها وإن كانت أمة؛ فهي داخلة فيما لا يجب عليه فيه القسم؛ إلا أنها لما كان تصرف مالكها فيها محدودا، إذ لا يجوز له بيعها، فربما ظُن لهذا أنها تلتحق بالزوجات في وجوب القسم لها، فنفى ذلك.
واعلم أن بعض أهل العلم رأوا أنه متى تزوج الأمة؛ فينبغي أن يقسم لها على النصف من قسم الحرة، لما رواه البيهقي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «من السنة أن للحرة يومين، وللأمة يوما»، وهذا جار على قاعدة التنصيف في كثير من المسائل التي قال بها العلماء بين الحر والعبد، والذي قام الدليل عليه من كتاب الله هو تنصيف الحد.
стр. 1450
• قوله:
٣٦ - «ولا نفقة للزوجة حتى يدخل بها، أو يدعى إلى الدخول؛ وهي ممن يوطأ مثلها».
يعني أن الزوجة إنما تجب نفقتها على الزوج بأحد أمرين، أولهما: أن يدخل بها، لا فرق بين مطيقة القربان وغيرها، متى كان الزوج بالغا، وهما غير مشرفين على الموت!!، والدخول هنا إرخاء الستور، وثانيهما: أن يدعى للدخول، ويراعى هنا ما تقدم من الشرطين، بالإضافة إلى كونها مطيقة للقربان، هنالك ينقطع إيجاب إنفاق أبيها عليها أو غيره من أوليائها، وينتقل الإيجاب إلى زوجها، والذي نفاه هنا إنما هو الإيجاب، فمن تطوع بالإنفاق على زوجته قبل الدخول أو بعده، فذلك كرم وإحسان، وقد ربط بين وجوب الإنفاق على الزوجة، وبين التمكن من الاستمتاع بها، ومعنى التمكن أنه إن دخل بها غير أنها لم تكن ممن يوطأ مثلها لمانع كالصغر، أو كانت ناشزا؛ فلا نفقة عليه، وهذا الربط فيه نظر، وقد احتجوا على عدم الانفاق قبل الدخول بعدم إنفاق النبي ﷺ على أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها-، ولا التزم نفقتها لما مضى من الزمن بين العقد وبين الدخول، وكان الفارق بينهما نحو السنتين، وأنت تعلم أن الشرع ناط وجوب الإنفاق بوصف الزوجية، وذلك حاصل بالعقد، وقد قال رسول الله ﷺ في خطبته في حجة الوداع: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف»، رواه مسلم عن جابر في حديثه الطويل، وعن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال قلت: «يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه»؟، قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت»، رواه أبو داود (٢١٤٢) والنسائي وابن ماجة (١٨٥١)، تقبح تقول قبحك الله، والمرأة قبل الدخول زوجة بالإجماع، فمن علق الإيجاب بالدخول؛ فعليه الدليل، وقد
стр. 1451
ذهب ابن عبد الحكم إلى وجوب الإنفاق بالعقد، وقال به سحنون في اليتيمة كما في شرحي ابن ناجي وأبي الحسن، وقال ابن المنذر في الإجماع الفقرة (٤٣١): «أجمعوا على أن الرجل إذا تزوج المرأة فلم يدخل بها، فإن كان الحبس من قبلها؛ فلا ينفق عليها، وإن كان من قبله؛ فعليه النفقة» وهذا أعدل الأقوال، والله أعلم.
стр. 1452
• قوله:
٣٧ - «ونكاح التفويض جائز، وهو أن يعقداه ولا يذكران صداقا، ثم لا يدخل بها حتى يفرض لها، فإن فرض لها صداق المثل؛ لزمها، وإن كان أقل؛ فهي مخيرة، فإن كرهته؛ فرق بينهما، إلا أن يرضيها، أو يفرض لها صداق مثلها فيلزمها».
النكاح من غير التعرض لذكر الصداق؛ جائز، بخلاف الاتفاق على إسقاطه فإن النكاح معه باطل، فإذا وقع نكاح التفويض؛ لزم بيان الصداق بالتوافق، فإن لم يتوافقا.
وفرض الزوج لها صداق المثل؛ لزمها قبوله، فإن كان ما فرضه أقل من صداق المثل ولم يتيسر الإصلاح؛ خيرت المرأة، فإن قبلت وكان ما فرضه لها ربع دينار فأكثر؛ مضى النكاح، وإن أبت فرق بينهما، ودليل صحة النكاح من غير ذكر الصداق قول الله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي أن المرأة إذا طلقت قبل المسيس، ولم يكن قد فرض لها؛ فلا شيء لها غير المتعة، ومن السنة حديث عقبة ابن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة»؟، قال: «نعم»، وقال للمرأة: «أترضين أن أزوجك فلانا»؟، قالت: «نعم»، فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا، ولم يعطها شيئا، وكان ممن شهد الحديبية، له سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة؛ قال: «إن رسول الله ﷺ زوجني فلانة ولم أفرض لها صداقا، ولم أعطها شيئا، وإني أشهدكم أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهما فباعته بمائة ألف»، رواه أبو داود (٢٢١٧)، ومثل هذا حديث معقل بن سنان الأشجعي في قضاء رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق حيث توفي عنها زوجها ولم يفرض لها، وسيأتي ذكره في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله.
стр. 1453
• قوله:
٣٨ - «وإذا ارتد أحد الزوجين؛ انفسخ النكاح بطلاق، وقد قيل بغير طلاق».
طروء اختلاف الدين على الزوجين لا يخرج عن حالات ثلاث: ردة أحدهما، أو إسلامهما معا، أو إسلام أحدهما، وهذا تحته قسمان، فإذا ارتد أحد الزوجين فسخ النكاح ساعة الارتداد، وهو يكون بكلمة مكفرة، وبإنكار معلوم من الدين بالضرورة، كأحد أركان الإسلام، وبفعل يلزم منه ذلك، كإلقاء المصحف في قذر عمدا، ومنها الانتقال إلى دين غير الإسلام.
فأما ردة الزوجة فلقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، [الممتحنة: ١٠]، والكوافر جمع كافرة، وهي مخصوصة بمن عدا الكتابية، والردة أشد من الكفر الأصلي، لأن الكافرة تقرر على دينها، ولا تقرر المرتدة على الردة بل تقتل، فأما ردة الزوج فلقول الله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، وهذه نزلت في النساء المسلمات اللاتي كن متزوجات بكفار وهاجرن، فأُمر المسلمون أن لا يرجعوهن إلي الكفار، قال القرطبي: «هذا أدل دليل على أن الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها؛ إسلامها لا هجرتها، وقال أبو حنيفة الذي فرق بينهما هو اختلاف الدارين، وإليه إشارة في مذهب مالك بل عبارة، والصحيح الأول، لأن الله تعالى قال: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، فبين أن العلة عدم الحل بالإسلام، وليس باختلاف الدار، والله أعلم».
ولا رجعة للمرتد على زوجته السابقة، ولو عاد إلى الإسلام في عدتها، فلم يلحقوه بالكافر يسلم وزوجته ما زالت في العدة، لأن الردة كفر مغلظ، وتكون بكلمة مكفرة، وبإنكار معلوم من الدين بالضرورة، كأحد أركان الإسلام، أو بفعل يلزم منه ذلك، كإلقاء المصحف في قذر عمدا، ومنها الانتقال إلى دين غير الإسلام.
стр. 1454
ولا حاجة هنا إلى الطلاق، لأنهما مغلوبان على الفسخ لا خيار لهما فيه، وهذه رواية ابن أبي أويس وابن الماجشون، وقيل إن ذلك بطلاق بائن وهو المشهور، وهذا لا يتجه، إلا أن يكون المقصود أنها تطلق عليه، والاحتجاج بأن النكاح صحيح ثابت، فلا ينحل إلا بطلاق غير مقبول، فإن صحته قد طرأ عليها ما يبطلها، فصار كالعدم، ثم إن الطلاق من أحكام الشرع، وإذا قلنا إن الكافر مطالب بها؛ فليس معناه أنها معتبرة منه شرعا، بل ليكون ذلك من أسباب زيادة عذابه. وينبني على الخلاف في كونه طلاقا أولا؛ أنه على الأول إذا حصلت الردة قبل الدخول وقد سمي الصداق؛ كان لها نصفه، وإذا آب المرتد منهما وتزاوجا بعد ذلك؛ اعتد بتلك التطليقة من الثلاث التي تحرم بها عليه إلا بعد زوج، وعلى الثاني لا يعتد بتلك التطليقة، ولا شيء لها إذا حصلت الردة قبل الدخول.
стр. 1455
• قوله:
٣٩ - «وإذا أسلم الكافران ثبتا على نكاحهما».
نقل الإجماع على هذا ابن عبد البر، وقد دل على ذلك أنه أسلم كثير من الناس فقرروا على الأنكحة التي أسلموا عليها، وإنما يكون الأمر كذلك ما لم يكن في النكاح شيء لا يقره الشرع، كمن أسلم وفي عصمته أختان، أو كان متزوجا بامرأة أبيه، أو إحدى محارمه، أو في عصمته أكثر من أربع نسوة، فالذي يقرران عليه ما يرجع إلى العقد والصداق والولي والشهود.
стр. 1456
• قوله:
٤٠ - «وإن أسلم أحدهما؛ فذلك فسخ بغير طلاق، فإن أسلمت هي؛ كان أحق بها إن أسلم في العدة، وإن أسلم هو وكانت كتابية ثبت عليها، فإن كانت مجوسية فأسلمت بعده مكانها؛ كانا زوجين، وإن تأخر ذلك؛ فقد بانت منه».
إذا أسلم أحد الزوجين؛ فلا يخلو أن يكون الذي أسلم هو الرجل أو المرأة، فإن أسلم هو وكانت كتابية؛ استمر النكاح لجوازه ابتداء، فتكون الاستدامة أولى، وإن كانت غير كتابية؛ فسخ النكاح بغير طلاق، ما لم تسلم بعده بالقرب، وحده أشهب بالعدة، وهو القياس، وإن أسلمت الزوجة، فإن أسلم الزوج قبل انقضاء عدتها؛ فهو أحق بها، لأن العدة مدة تربص، والزوج أحق بزوجته فيها، وإن لم يسلم حتى انقضت عدتها؛ فسخ النكاح، وقد روى البخاري عن ابن عباس قال: «كان إذا هاجرت المرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح، وإن جاء زوجها قبل أن تنكح ردت إليه»، انتهى، وفي حديث ابن عباس أيضا عند أبي داود (٢٢٤٠) من طريق شيخيه محمد ابن عمرو والحسن بن علي وانظر (جه/ ٢٠٠٩) قال: «رد رسول الله ﷺ ابنته زينب على أبي العاصي بالنكاح الأول، ولم يحدث شيئا»، قال محمد بن عمرو في حديثه: بعد ست سنين، وقال الحسن بن علي: بعد سنتين، قال الألباني صحيح دون ذكر السنين، لكن قال الشوكاني في السيل الجرار (٢/ ٣٠٨) بعد أن حكم بصحة حديث ابن عباس من غير قيد، وذكر معارضه الضعيف وهو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ رد ابنته على أبي العاص بنكاح جديد، (جه/ ٢٠١٠) قال: «لكن لا بد من تأويل حديث ابن عباس، لوقوع الإجماع على عدم جواز تقرير المسلمة تحت الكافر إذا تأخر إسلامه عن إسلامها حتى انقضت عدتها،،، فقيل في تأويله إنه لم يكن نزل تحريم نكاح المسلمة على الكافر، وقيل غير ذلك،،،»، انتهى.
стр. 1457
• قوله:
٤١ - «وإذا أسلم مشرك وعنده أكثر من أربع؛ فليختر أربعا، ويفارق باقيهن».
وهذا لأنه بإسلامه لزمه الاقتصار على العدد الجائز جمعه من النساء في العصمة، وهو أربع كغيره من المسلمين، فليس هذا مما يقرر عليه، وقد تقدم أمر النبي ﷺ لبعض من أسلم بمفارقة ما زاد على الأربعة، وقد ذكرته عند التعرض للعدد الذي يجوز للحر والعبد جمعه في العصمة من النساء.
стр. 1458
• قوله:
٤٢ - «ومن لاعن زوجته؛ لم تحل له أبدا، وكذلك الذي يتزوج المرأة في عدتها، ويطؤها في عدتها».
سيأتي للمؤلف الكلام على اللعان وبيان سببه، وتعجل هنا ذكر حرمة الملاعنة تحريما دائما على من لاعنها، وقرن ذكرها بمن نكحت في العدة، أي عدة كانت، فإنها يتأبد تحريمها في المذهب، وظاهر كلامه أنها لا تحرم إلا إذا دخل بها، ومشهور المذهب التحريم ولو بالقبلة، متى كان ذلك في العدة من غيره، وقد تقدم الكلام على ذلك وبيان متمسك أهل المذهب في القول بتأبيد لتحريم.
стр. 1459
• قوله:
٤٣ - «ولا نكاح لعبد ولا لأمة إلا أن يأذن السيد».
أي يحرم على العبد والأمة النكاح من غير إذن سيدهما، لقول النبي ﷺ : «أيما عبد؛ تزوج بغير إذن مواليه، أو أهله؛ فهو عاهر»، رواه أحمد وأبو داود (٢٠٧٨) والترمذي (١١١١) وصححه عن جابر، وقوله «فهو عاهر»، العاهر الزاني، وقد يكون من قبيل التشبيه البليغ، وفيه دليل على عدم صحة النكاح، وقد نقل الاتفاق عليه ما لم يجزه السيد، غير أنه لا يحد للشبهة، ونظيره قوله ﷺ : «أيما امرأة استعطرت، ثم خرجت، فمرت على قوم ليجدوا ريحها؛ فهي زانية، وكل عين زانية»، رواه أحمد وأبو داود (٤١٧٣) والترمذي وغيرهم عن أبي موسى.
ويدل حديث جابر من باب أولى على عدم صحة نكاح الأمة من غير إذن السيد، إذا تولى تزويجها رجل، فإن زوجت نفسها فقد هتكت أكثر من نهي، وارتكبت أكثر من محظور، ومن جهة المعنى؛ فإن تزوج المملوك بغير إذن مالكه؛ فيه إدخال نقص عليه في ملكه، لما يترتب في ذمة المملوك من المطالب تجاه زوجه، فإن حصل ذلك؛ فلهم فيه تفصيل، أما العبد؛ فنكاحه باطل، ويفسخ بطلاق بائن، إلا إذا أجازه السيد فإنه يصح، وقد فرق مالك بينه وبين نكاح التحليل في الموطإ (١١٤٢)، فإن لم يجزه السيد وفسخ قبل البناء؛ فلا شيء على العبد، وإن كان بعده؛ استرد السيد ما أخذته المرأة عدا أقل الصداق الذي هو حق الله.
قلت: وفي هذا القول نظر، إذ ما ذنب المرأة إن لم تكن عالمة أن لا تأخذ نصف صداقها وقد تم الدخول؟، فإن كانت عالمة بأن صحة زواجه موقوفة على إذن سيده فعلى نفسها جنت براقش، أما الأمة؛ فإن وكلت رجلا يزوجها، فحكمها حكم العبد على المشهور، إن شاء السيد أمضاه، وإن شاء فسخه، وإن زوجت نفسها؛ كان النكاح باطلا، ولا يصح إجازة السيد له بحال، والفرق بينهما واضح، فإنه إذا بطل نكاح الحرة التي تزوج نفسها فأحرى أن يبطل نكاح المملوكة.
стр. 1460
• قوله:
٤٤ - «ولا تعقد امرأة ولا عبد، ولا من على غير دين الإسلام نكاح امرأة».
ذكر هنا بعض شروط الولي ببيان أضداد تلك الشروط، وهي الذكورية، فلا يصح أن تتولى المرأة تزويج امرأة، وقد تقدم ذلك في مبحث الولي، وقد قيل إنها يجوز أن تكون وكيلة للزوج، فتتولى جانبه في العقد وقيل لا يجوز، وهو في المدونة، والأول أقيس، ومنها الحرية، فلا يكون العبد وليا، ولو كانت المزوجة بنته أو أمه، والحق في ذلك لسيده، ووجه ذلك أنه لما كان كل من المرأة والعبد لا يجوز نكاحه لنفسه؛ فأحرى أن لا يجوز نكاحه لغيره، ومنها الإسلام، فلا يزوج الكافر المسلمة، ولو كانت بنته أو أمه أو أخته، إذ لا ولاية لكافر على مسلم، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]، أما المسلم؛ فله الولاية على الكافرة سواء زوجها لمسلم أو لكافر، وقيل لا يزوجها إذ لا ولاء بينهما، فإن لم يكن للكافرة ولي خاص زوجها أساقفتهم، فإن أبوا تزويجها ورفعت أمرها للحاكم جبرهم على ذلك لرفع الظلم، لكن لا يجبرهم على تزويجها من المسلم.
стр. 1461
• قوله:
٤٥ - «ولا يجوز أن يتزوج الرجل امرأة ليحلها لمن طلقها ثلاثا، ولا يحلها ذلك».
إذا تزوج الرجل المرأة ليحلها لزوجها الأول في زعمه؛ مع الاتفاق مع المرأة؛ سمي هذا نكاحَ التحليل، لأنه هو ما قصد منه، وهو من الكبائر لما ثبت فيه من اللعن، ولا تحل به المرأة، لأن الشرع إذا ذكر النكاح؛ فإنما يعني به ما كان منه مشروعا، ولا يدخل فيه المؤقت كما سبق، وإذا تواطأ عليه الزوج والزوجة فضلا عن دخول الزوج السابق لحقتهم جميعا اللعنة، وقد قال رسول الله ﷺ : «لعن الله المحلل والمحلل له»، رواه أحمد وأبو داود (٢٠٧٦) والترمذي (١١١٩) والنسائي عن علي، وروى البيهقي والحاكم عن عقبة بن عامر مرفوعا: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟، هو المُحِلُّ، فلعنَ الله المُحِلَّ، والمُحَلَّلَ له»، وعدم ذكر الولي والشهود في الحديث لا يدل على عدم إثمهم، وإنما اقتصر على ذكر الزوجين؛ لشدة الأمر فيهما، والتيس هو الذكر من المعز إذا أتى عليه حول، وأشار بقوله المستعار إلى دناءة فعل المحلل، فهو حيوان بهيمي، فكما استعير الحيوان للنزو؛ استعير المحلل للتحليل المزعوم، وسماه محللا ومحلا بحسب زعمه، لا أن فعله يحل المرأة للأول، قال مالك (١١٤٢): والمحلل يفرق بينهما على كل حال إذا أريد بالنكاح التحليل.
стр. 1462
• قوله:
٤٦ - «ولا يجوز نكاح المحرم لنفسه، ولا يعقد نكاحا لغيره».
تلبس المرء بالإحرام بحج أو عمرة؛ مانع له من أن يزوج نفسه، أو يزوج غيره من رجل أو امرأة بالولاية أو بالوكالة، لعموم قول رسول الله ﷺ : «لا ينكح المحرم ولا ينكح، ولا يخطب»، رواه مسلم (١٤٠٩) عن عثمان بن عفان ﵁، وفي الصحيح (م/ ١٤١٠) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم»، لكن روى مسلم (١٤١١) عن ميمونة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال، فترجح روايتها عند التعارض إذ صاحب القصة يقدم، وإلا فالقول أرجح من الفعل لما فيه من الاحتمالات، ومنها ما لرسول الله ﷺ في باب النكاح من الخصائص.
стр. 1463
• قوله:
٤٧ - «ولا يجوز نكاح المريض، ويفسخ، وإن بنى بها؛ فلها الصداق في الثلث مبدأ، ولا ميراث لها».
إذا مرض المرء مرضا مخوفا وأشرف على الموت، رجلا كان أو امرأة؛ لم يعتد بنكاحه، فإن لم يشرف، ولم تكن له حاجة إلى النكاح للقيام بشؤونه؛ فلا يعتد بنكاحه أيضا على المشهور، أما الأول؛ فلأنه يحجر على ماله، وأما الثاني؛ فلاحتمال أن يكون إنما تزوج لإدخال وارث، فيكون مضارا لورثته، ومن قواعد الشرع؛ أن لا ضرر ولا ضرار، فهو سد للذريعة إلى ما يكون قد قصده، ولتعلق حقوق غيره بماله، قال الغماري في مسالك الدلالة (ص/ ١٩٢): «انفرد مالك ﵀ عن سائر الأئمة بهذه المسألة، ولا دليل لها ولا مستند لها، والله أعلم»، انتهى، قال كاتبه عفا الله عنه: الجزم بأنه ليس لمالك مستند فيه نظر، والظاهر أنه اعتمد في القول بهذا على ما يأتي في الفقرة اللاحقة من توريث عثمان ﵁ بعض النساء اللائ طلقهن أزواجهن في المرض، فإن من قال بعدم الاعتداد بأثر طلاق المريض في منع الميراث؛ يقول بعدم الاعتداد بنكاحه، لما فيه من إدخال وارث، وإنما قالوا في حالة الدخول إن لها صداق المثل في حدود الثلث من رأس المال، لتنزيلهم الصداق منزلة الوصية، وهي لا يتجاوز فيها الثلث، وإنما قالوا إنها لا ترثه معاملة له بنقيض قصده.
стр. 1464
• قوله:
٤٨ - «ولو طلق المريض امرأته؛ لزمه ذلك، وكان لها الميراث منه إن مات في مرضه ذلك»
ما تقدم من عدم الاعتداد بنكاح المريض؛ يناسبه أن يقال بعدم نفوذ طلاقه في المرض المخوف أيضا، وحيث لم ينفذ؛ فإنها ترثه لاحتمال أن يكون مضارا لها، كما احتمل فيما سبق أن يكون مضارا للورثة، ويبدو أن معتمدهم في التفريق بين المتزوج والمطلق في المرض المخوف؛ أن الأصل في الفروج الحرمة، فنجزوا عليه الطلاق، ولم يرتبوا عليه أثره، وهو حرمان المرأة من الميراث إذا مات في المرض الذي طلقها فيه، وهو متجه في النظر، ومعتمد مالك ليس هذا النظر فحسب.
فقد روى في موطئه (١٢٠٠) عن ابن شهاب عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: وكان أعلمهم بذلك، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؛ أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته البتة وهو مريض، فورثها عثمان بن عفان ﵁ بعد قضاء عدتها، وهو في مصنف عبد الرزاق (١٢١٩١)، كما روى عن الأعرج أن عثمان بن عفان ورث نساء ابن مكمل منه، وكان طلقهن وهو مريض»، وقد جود هذه الرواية عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٩٦)، قال ابن عبد البر في الاستذكار في باب طلاق المريض بعد ذكره من ذهب من الصحابة إلى توريث المطلقة في المرض ولو مبتوتة، وهم عمر وعلي وعائشة: «ولا أعلم لهم مخالفا إلا عبد الله بن الزبير»، فهذا يبين لك مستند مالك في القول بعدم صحة نكاح المريض مرضا مخوفا.
وروى أحمد في المسند عن سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ : «اختر منهن أربعا»، فلما كان في عهد عمرطلق نساءه، وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر، فقال: إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع
стр. 1465
بموتك، فقذفه في نفسك، ولعلك أن لا تمكث إلا قليلا، وايم الله لتراجعن نساءك، ولترجعن في مالك، أو لأورثهن منك، ولآمرن بقبرك فيرجم كما رجم قبر أبي رغال»، وهذه كانت عادة جاهلية يمنعون المرأة من الميراث، فأبطلها الإسلام، ولكن بقي عليها كثير من المسلمين، فيحتالون ليمنعو المرأة ميراثها بالبيع الصوري للذكور تارة، وبالإهداء للذكور تارة أخرى، وكثيرا ما يسئئثر الذكور بالمال إذا لم يحصل شيء من ذلك، أو يقاطعون أخواتهم إذا أخذن حقهن.
стр. 1466
• قوله:
٤٩ - «ومن طلق امرأته ثلاثا؛ لم تحل له بملك، ولا نكاح، حتى تنكح زوجا غيره».
الطلاق في اللغة الإرسال، وفي الشرع حل العصمة التي بين الزوجين، وحده ابن عرفة بقوله: «صفة حكمية ترفع حليةَ متعة الزوج بزوجته، موجبا تكررُها مرتين للحر، ومرة لذي رق؛ حرمتَها عليه قبل زوج»، انتهى، والذي يحل العصمة هو الزوج ووكيله، والقاضي عند الحاجة، وجماعة المسلمين عند فقد السلطان، والمملكة، والمخيرة كما سيأتي، والذي يحصل الآن من توثيق الطلاق بصدور الحكم؛ لا يعني أنه لا يقع حتى يصدر الحكم، متى طلق الزوج قبل ذلك، وإن كان المطلوب أن لا تتزوج المرأة حتى تنقضي عدتها بعد صدور القرار، لما يترتب على مخالفة هذا من المفاسد والمنازعات.
وللطلاق أربعة أركان هي ما أشار إليه خليل بقوله: «أهل وقصد ومحل ولفظ»، فالمراد بالأهل الموقع للطلاق، وهو المسلم المكلف، والمحل هو العصمة المملوكة قبل الطلاق تحقيقا، بأن يطلق من عقد عليها قبل الدخول أو بعده، أو تقديرا، وهي العصمة المقدرة قبل العقد، فإن المذهب نفاذ طلاق المرأة قبل الزواج متى علق على الزواج، كأن يقول لامرأة عند خطبتها أنت طالق، لأن مراده إن تزوجتك، وهذا ليس بشيء، لأنها عصمة لما تُملك بعد، ولأن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وقد جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا عند أبي داود (٢١٩٠) من طرق؛ ما ينفي وقوع الطلاق قبل النكاح، منها قوله ﷺ : «لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك»، والثالث القصد إلى اللفظ، متى كان صريحا، أو كناية ظاهرة، وهكذا قصد حل العصمة بالكناية الخفية، فمن أراد أن يتكلم
стр. 1467
بغير لفظ الطلاق، فتكلم به فليس بمطلق، ومثله من أكره على الطلاق على غالب الروايات، وقيد بعضهم عدم الوقوع؛ بترك التورية من العالم بها، وقيل يقع عليه الطلاق، والأول أقوى، ويدخل في هذا؛ الذي لقن لفظ الطلاق من غير علم بمعناه كمن لا يعرف العربية، والثالث الصيغة، وتنقسم إلى صريح، وهو ما فيه مادة الطلاق، ولا تفتقر إلى نية، بل يكفي القصد إلى اللفظ كما مر، وكناية وهي قسمان: ظاهرة وخفية، والأخيرة كل لفظ أراد به الطلاق كاذهبي وانصرفي وكلي واشربي!!، فهذه مفتقرة إلى النية دون الظاهرة، وقد قالوا إن اعتبار الكناية الخفية تطليقا؛ مبني على جواز قلب اللغة، وعدم اعتبارها تطليقا؛ مبني على عدم جواز قلب اللغة، وقد ذكره شارحو مراقي السعود وغيرهم، ولا أرى هذا يتجه حتى على القول بجواز قلبها، لأن اعتبار ذلك؛ متوقف على اصطلاح الناس على أن هذه ألفاظ للطلاق، فتصير من الحقائق العرفية، أما قلب الشخص وحده للفظ، واستعماله في غير معناه، كأن يقول لها كلي ويقصد الطلاق؛ فهو طلاق بالنية من غير لفظ، والطلاق بمجرد القصد غير معتبر، وقد قيل في المذهب إن الطلاق يقع بالعزم عليه.
قال ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ٢٤): «قال مالك: كل من أراد الطلاق بأي لفظة كان لزمه الطلاق حتى بقوله كلي واشربي وقومي واقعدي، ونحو هذا، ولم يتابع مالك على ذلك إلا أصحابه، والأصل أن العصمة المتيقنة لا تزول إلا بيقين من نية، أو قصد، وإجماع على مراد الله من ذلك».
وهذا الذي نقله ابن عبد البر عن الإمام من وقوع الطلاق من غير فرق بين لفظ وآخر متى قصده الزوج قال عنه ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٢/ ٣٠٢): «وأيضا فإن الطلاق لم يجعل الشارع له لفظا معينا، بل إذا وقع الطلاق بأي لفظ يحتمله وقع عند الصحابة والسلف وعامة العلماء لم ينازع في ذلك إلا بعض متأخري الشيعة والظاهرية، ولا يعرف في ذلك خلاف عن السلف، فإذا قال: فارقتك أو سرحتك أو سيبتك، ونوى به الطلاق وقع وكذلك سائر الكنايات»، انتهى، لكن الفرق واضح بين هذا الذي قاله ابن تيمية، فإنه مقيد بما يحتمله اللفظ، والذي قاله الإمام كما سبق.
وربنا الذي شرع النكاح لمصالح عباده، ومنها إنشاء صلات جديدة بين الناس
стр. 1468
بالزواج، لكونه هو الذي تجدد به الأنساب؛ شرع لهم الطلاق لفك تلك الرابطة؛ لحكمة له في ذلك، فقد يحصل بين الزوجين من عدم الملاءمة بنفرة الطبع، أو بالمضارة من الزوج، أو بنشوز الزوجة مع تعذر الإصلاح، أو بظهور فساد ما في أحدهما لم يكن معلوما، أو لغير ذلك مما لا يتحقق معه مقصد الشرع من النكاح، من العفة بتحصين الفرج، وغض البصر، والسكن والمودة والرحمة، فالطلاق في الأصل؛ علاج متى لم يتمكن من العلاج بغيره، فإذا بلغ الأمر هذا المبلغ؛ فليذهب كل منهما لحال سبيله، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾ [النساء: ١٣٠]، وقد حض الله الأزواج على معاشرة النساء بالمعروف والصبر على ما قد يكونون عليه من الكراهة لهن، فقال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩]، قال ابن عباس: «هو أن يعطف عليها، فيرزق منها ولدا»، وقد روى مسلم (١٤٦٩) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها غيره»، وقوله لا يفرك كفرح في الضبط أي لا يبغض، فهو حض على حسن الصحبة والعشرة، وأمرهم بتقوى الله فيهن، ونهى عن مضارتهن، ونهى المرأة أن تسأل زوجها طلاقها من غير داع كما في قوله ﷺ : «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنة»، رواه أبو داود (٢٢٢٦) والترمذي (١١٨٧) وحسنه، وابن ماجة وغيرهما عن ثوبان، وشدد النبي ﷺ في مخالعة المرأة زوجها بقوله: «المختلعات هن المنافقات»، وهو في سنن الترمذي (١١٨٦) عن ثوبان أيضا، وضعفه، وصححه الألباني، لكن لا ريب أن الخلع مع الحاجة إليه؛ مشروع كما دل عليه كتاب الله، ونهى الشرع عن الطلاق في الحيض وفي الطهر الذي مست المرأة فيه، نعم، إن ساءَ خلق المرأة، ولم يتيسر إصلاحه فالطلاق متعين، وقد قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة يدعون فلا يستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه، ورجل آتى سفيها ماله، وقد قال الله : (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم)»، رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين برقم (٣١٨١)، وهو في الصحيحة برقم (١٨٠٥).
стр. 1469
فمن نظر في هذه النصوص وغيرها مما لا يتسع المقام لذكره؛ ظهر له جليا أن أصل الطلاق من غير حاجة إليه الكراهة، وقد رُوي أن النبي ﷺ قال: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق»، وهو في سنن أبي داود، ومما يدل على أن أصل الطلاق الكراهة فرح الشيطان بمن يفرق بين الرجل وبين امرأته من سراياه التي يبعثها ويدنيه منه كما هو في صحيح مسلم، قال مالك: «لقد أدركت من له امرأة ما له بها من حاجة، ويمنعه الحياء والتكرم أن يفارقها لئلا يطلع غيره منها على ما اطلع»!، قال سحنون أراه يزيد بن عبد الله بن هرمز، وهو في النوادر (٤/ ٣٨٨)، كما أوجب على الزوجة طاعة زوجها في المعروف، وقدم طاعته على طاعة والديها، حتى قال رسول الله ﷺ : «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها»، رواه الترمذي (١١٥٩) عن أبي هريرة وحسنه.
أما عن شرح كلام المصنف ﵀، فإن المسلمين قد أجمعوا على أن من طلق امرأته ثلاث تطليقات تخللتها رجعة في غير حيض ولا نفاس؛ حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والمراد بالنكاح الوطء، قال ابن العربي: «إذا احتمل اللفظ في القرآن معنيين، فأثبتت السنة أن المراد أحدهما؛ فلا يقال إن القرآن اقتضى أحدهما، وزادت السنة الثاني، وإنما يقال إن السنة أثبتت المراد منهما، والعدول عن هذا جهل بالدليل، أو مراغمة وعناد في التأويل»، انتهى، وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله ﷺ فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟، لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك»، رواه الشيخان (خ/ ٥٢٦٥)، وأصحاب السنن الأربعة، وأرادت بقولها هدبة الثوب - بضم الهاء وسكون الدال - أنه رخو مثل طرف الثوب لا يغني عنها شيئا كذا في النهاية، والهدبة في الأصل الشعرة النابتة في شفر العين، والعسيلة تصغير عسلة، وهي العسل، يذكر ويؤنث، وقال في النهاية: شبه لذة الجماع بذوق العسل، فاستعار لها ذوقا، وإنما أنث؛ لأنه أراد قطعة من العسل،،،».
стр. 1470
وقد كان أهل الجاهلية لا حد عندهم في الطلاق، يتعسفون فيه كما يشاءون، فيلحق المرأة أذى شديد، فجاء هذا الحكم وهو تحديد عدد الطلقات التي يملك معها المطلق العصمة إصلاحا لهذا الوضع، وإنما كانت المهلة اثنتين؛ لأنه بعد الطلاق الأول يذوق الطرفان ألم البعاد، ووحشة الفراق، ولا حليم إلا ذو عثرة، فإذا تراجعا كانت صلة جديدة مسبوقة بتجربة، ولا حكيم إلا ذو تجربة، فإن حصل ما ترتب عليه الطلاق ثانية؛ ترسخت التجربة واستحكم السبر، فإن تراجعا كانا أقدر على الصمود للعوارض، فإذا حصل بعد هذا طلاق؛ فقد تبين بهذا التكرار أن هذه الرابطة حَرِيَّةٌ بِالفَكِ، لأن مالكها وحده، أو هو وزوجه لم ينزلاها منزلتها، وهي كونها ميثاقا غليظا، فهو رُبَّانٌ لا قدرة له على القيادة، فلتنتزع منه، وهكذا المرأة إن كانت السبب المحرك المستفز لمشاعر الزوج، ولذلك اشترط في الطلاق الثلاث أن لا تعود تلك الرابطة حتى يتخللها نكاح من آخر ودخول، من غير تواطؤ على التحليل كما سبق، وفي اشتراط ذلك ترهيب للزوج الذي يتعلق بالمرأة، وكذلك الزوجة، فمتى علما أن الطلاق الثلاث لا رجعة بعده إلا بعد زوج؛ احتاطا، فإن فعلا ركبهما من الألم ما لا يخفى، على أنهما لا يدريان أيتراجعان أو لا؟.
стр. 1471
• قوله:
٥٠ - «وطلاق الثلاث في كلمة واحدة بدعة، ويلزمه إن وقع».
بعد أن ذكر المؤلف الطلاق المشروع؛ ذكر هنا استعجال الزوج فيه، بحيث يجمع منه أكثر من طلقة في كلمة، أو من غير تخلل رجعة، ومثل ذلك أن يطلق بعض تطليقة، أو يطلق عضوا من المرأة، فهذا من الطلاق المبتدع، والطلاق الذي دل عليه كتاب الله تعالى هو أن يطلق ويراجع، ثم يطلق ويراجع، ثم يطلق، فتحرم عليه بالطلقة الثالثة إلا بعد زوج، هذا هو الذي يدل عليه قول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فبين الطلاق المشروع الذي يترتب عليه التحريم كما هو واضح، ومن قال إن ذلك مجرد فسحة للناس، فمن ضيق على نفسه منهم لزمه؛ لم يقبل منه من غير دليل، ومن ذلك أن الله تعالى لما ذكر الطلاق قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨]، واعتبار الطلاق على غير ما تقدم؛ يلغي أن يكون الزوج أحق بزوجته في العدة، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (٢٣١)﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقوله جلت قدرته: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (٢)﴾ [الطلاق: ٢]، أي إذا طلقتموهن، وقاربن نهاية عدتهن، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق: ١]، قال البغوي في تفسيره: «يوقع في قلب الزوج مراجعتها بعد الطلقة والطلقتين»، وهذا لا يتأتى مع اعتبار الطلاق الثلاث المجموع محرما، ولعل هذا المعنى المأخوذ من كلام الله في عدة مواضع والمدلول عليه بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، هو المقصود من حديث محمود بن لبيد الذي فيه أن النبي ﷺ أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات فقام غضبان، فقال: «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم»، رواه النسائي بإسناد صحيح، قاله في الروضة الندية، وقد دل على هذا أيضا ما
стр. 1472
جرى عليه الأمر في حياة النبي ﷺ ، كما في حديث ابن عباس ﵄ قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم»، رواه مسلم (١٤٧٢)، فقوله كان طلاق الثلاث واحدة؛ قيل معناه كان يجعل واحدة، فلا يعتبر باتا، وقيل كان الناس إنما يطلقون واحدة إلى عهد عمر، فصاروا يطلقون ثلاثا مجموعة، والأول أقوى، يؤيده لفظ تجعل في رواية مسلم الأخرى، التي فيها قول ابن الصهباء لابن عباس: «أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وثلاثا من إمارة عمر؟، فقال ابن عباس: نعم»، وهذا يدل على أن الجاعل ليس المطلق، بل المفتي كما هو واضح، وقوله استعجلوا وفي رواية تتايعوا يعني تعجلوا فراق زوجاتهم بهذا الذي أكثروا منه بعد أن كانوا في فسحة يطلقون ويراجعون، والتتايع في الشيء الإسراع إليه، والأناة المهلة، وقوله فلو أمضيناه عليهم، يعني اعتبرناه مانعا من الرجعة، وهذا يؤكد أن الثلاث كانت موجودة على عهد رسول الله ﷺ ، وكانت لا تمضى، ثم أمضاها عمر ﵁، ووافقه الصحابة، وإلا ما صح أن يقول عمر هذا القول، ولو لم تثبت مخالفة واحد من الصحابة لعمر على ذلك؛ فليس إلا لأنه اجتهد في تأديب رعيته وزجرهم عما تتايعوا فيه، فلا يكون دالا على أنه حكم شرعي دائم، لأنه حكم حاكم، ولا ينطبق عليه لهذا السبب أنه إجماع سكوتي، فكيف إذا ثبتت مخالفة بعض الصحابة له كابن عباس وغيره؟، والكلام من الفريقين كثير، وما من دليل لواحد منهما إلا وفيه مطعن بتضعيفه، أو تشكيك في دلالته، أو ذكر معارض له، وقد بلغ أن طعن في ثبوت حديث ابن عباس، حيث ضعفه ابن عبد البر، لكن الباجي أقر بثبوته، ومع ذلك أوله، غير أن الحديث بظاهره بل بنصه مع ذلك يظل دليلا أقوى من أي دليل آخر، أو تأويل، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
وبناء على اعتبار صحة جمع أكثر من طلقة، فإن أوقع ذلك دفعة واحدة، كأن يقول: أنت طالق مرتين، أو أنت طالق ثلاثا، أو كرر الطلاق كأن يقول: أنت طالق، أنت طالق،
стр. 1473
أنت طالق، أو نسق الطلاق كأن يقول: أنت طالق، وطالق، وطالق، أو أتبع الطلاق من غير تخلل رجعة، فحالة الجمع واضحة، وحالة العطف تحمل على الأصل من المغايرة، فيعتبر العدد، وحالة التكرير من غير عطف ينظر فيها إلى القصد، فإن كان قصده التوكيد؛ فهي واحدة، وإن كان قصده التأسيس؛ فالعدد معتبر، وإن لم يكن له قصد؛ روعي الأصل، وهو التأسيس.
стр. 1474
• قوله:
٥١ - «وطلاق السنة مباح، وهو أن يطلقها في طهر لم يقربها فيه طلقة، ثم لا يتبعها طلاقا؛ حتى تنقضي العدة».
ليس المراد بالسنة هنا أن الطلاق في نفسه مطلوب، بل الظاهر من النصوص أنه من غير سبب مكروه، ومقصود المؤلف أنه موافق لإذن الشرع، كما يقال السنة في المتلاعنين كذا، ولأن هذه القيود إنما وردت في السنة، وهي أربعة أن يطلقها طاهرا، وأن لا يكون قد مسها في ذلك الطهر، والطلاق بعد المسيس في الطهر مكروه على المذهب، وأن يطلقها طلقة واحدة، وأن لا يتبعها طلاقا حتى تنقضي عدتها، والعمدة في منع طلاق الحائض حديث ابن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر رسول الله ﷺ ، فقال: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء»، رواه الشيخان، (خ/ ٥٢٥١)، وفي رواية عند مسلم: «مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا»، والظاهر منه وجوب مراجعة من طلقت في حال الحيض، وهو المذهب، ومن كان عالما بالحيض؛ حرم عليه أن يطلق، فإن طلق؛ وجب عليه أن يراجع إذا لم تكن الثالثة على القول باحتساب الطلاق في الحيض، يؤخذ ذلك من قوله ﷺ : «فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء»، وهذه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ (١)﴾ [الطلاق: ١]، أي لطهرهن الذي يحصينه من عدتهن، وكان ابن عباس وابن عمر يقرآن: فطلقوهن في قُبُلِ عدتهن»، قاله البغوي، وهذا منهما تفسير لا قراءة.
وفي الرواية الأولى من الحديث أنها بعد المراجعة تترك حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، أما الطهر الأول؛ فلأن الشرع منع من الطلاق في حال الحيض، إما لأن فيه تطويلا للعدة على القول بأن القروء الحيض، وقيل إن ذلك أمر تعبدي، وقد يكون من الحكمة في
стр. 1475
ذلك أن الحيض يتسبب في شيء من النفرة بين بعض الأزواج، بسبب المنع من القربان، وقد تؤدي هذه النفرة إلى الطلاق، ولهذا جوز الشرع في حال الحيض ما عدا الجماع على الصحيح، وكان المنتظر أن يجوز طلاقها بمجرد طهرها لزوال المانع، وهو ما دلت عليه الرواية الثانية للحديث، لكنه مد في المهلة، واستأنى بالزوج، فندب إلى ترك المرأة حتى تحيض، ثم تطهر، فإذا مر على الزوج كل هذا، ولم يتراجع عن رغبته في فك العصمة؛ كان هذا دليلا على أن الأمر قد تجاوز ما يعرض للناس من الغيظ العابر، والتبرم المؤقت، ثم يتراجعون عنه ويستدركون، ولذلك شرط في الطهر أن لا يكون قد مس فيه، فإن مس؛ وجب عليه أن ينتظر حتى تحيض وتطهر، فسبحان الله ما أعظم احتياط هذا الدين، وما أشد تشوفه إلى الإبقاء على صلات الزوجين!!، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
следующие страницы →