← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

كلامه سبحانه ليس مخلوقا، وهذا هو الأقرب، ويحتمل أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في الفعل كلم، فيكون قصده أن الذي كلم موسى إنما هو الله تعالى لا غيره من الملك، ولا أنه خلق الكلام في الشجرة، ولا غير ذلك، وقد رأيت أنه أتى به صراحة في الجامع، وكلا الأمرين قال بهما المؤولة لكن الأول أخطر. وقوله: فيبيد معناه يهلك ومعنى ينفد يفنى، قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وقد بين الفاكهاني وجه تنويع العبارة فقال: «لأن الأجسام تفنى أصالة، فناسب قوله يبيد، والأعراض يخلف بعضها بعضا فناسب ينفد». وقد دلّ كتاب الله تعالى على أن كلامه سبحانه لا يحد بعدد، ولا يحصر في مقدار، وهذا شأن صفاته كلها، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان: ٢٧].

стр. 177

(الإيمان بالقدر) • قوله: ١١ - «والإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وكل ذلك قد قدره الله ربنا، ومقادير الأمور بيده، ومصدرها عن قضائه، علم كل شيء قبل كونه، فجرى على قدره». ١ - معنى كلامه أنه يجب الإيمان بالقدر خيره وشره، فإنه أحد أركان الإيمان الستة التي جاء معظمها مجموعا في كتاب الله تعالى، كما في قوله سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]. وجمع أركان الإيمان كلها قول رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح في قصة مجيء جبريل ﵇ وسؤاله له عن الإيمان والإسلام والإحسان التي هي معالم الدين (١): «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وتؤمن بالقدر: خيره وشره». ٢ - أما معنى القدر في اللغة فإنه يقال قدَر الشيءَ يقدره قدرا وقدرا (من باب ضرب) إذا أحاط بمقداره، وهذا هو المناسب هنا، فأما قدره يقدره (من باب أكل) فمعناه عرف قدره وعظمه قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]، والقدر بالفتح والسكون ما يقدره الله من القضاء.

стр. 178

قال في شرح الواسطية: «والمراد به في لسان الشرع أن الله علم مقادير الأشياء وأزمانها أزلا، ثم أوجدها بقدرته ومشيئته على وفق ما علمه منها، وأنه كتبها في اللوح قبل إحداثها». وقال الراغب: «تقدير الله الأشياء على وجهين: أحدهما بإعطاء القدرة، والثاني بأن يجعلها على مقدار مخصوص، ووجه مخصوص، حسبما اقتضت الحكمة، وذلك أن فعل الله تعالى ضربان: ضرب أوجده بالفعل، ومعنى إيجاده بالفعل أنه أبدعه كاملا دفعة لا تعتريه الزيادة والنقصان، إلى أن يشاء أن يفنيه أو يبدله كالسموات وما فيها، ومنها ما جعل أصوله موجودة بالفعل وأجزاءه بالقوة، وقدره على وجه لا يتأتى منه غير ما قدره، كتقديره في النواة أن ينبت منها النخل دون التفاح،،،». ٣ - وقد اختلف الأشعرية والماتريدية في تعريف القدر، فقالت الأشاعرة: «هو إيجاد الله الأشياء على قدر مخصوص، وتقدير معين، في ذواتها وأحوالها طبق ما سبق به العلم القديم»، انتهى، فهو عندهم صفة فعل، وقالت الماتريدية: «هو تحديد الله تعالى أزلا كل مخلوق بحده الذي يوجد به من حسن وقبح، وغير ذلك»، فهو عندهم تعلق القدرة والإرادة بالحد الذي يوجد وقال عبد الله بن مقداد الأقفهسي: «الصحيح أنه مجموع ثلاثة أشياء: العلم، والقدرة، والإرادة»، انتهى، يعني أنه مركب من هذه الثلاثة، كما فهمه الشيخ علي الصعيدي في حاشيته، وهذا أقرب كما سترى. ٤ - والذي ورد وجوب الإيمان به إنما هو القدر، وقد علمت معناه، وستعرف إن شاء الله ما يتوقف الإيمان به عليه، وهو شامل لمعنى القضاء، لكن لما كان التعبير يجري بذكر القضاء والقدر معا في بعض كتب العقائد كان من المناسب معرفة المراد من ذكرهما إذا قرنا. قال الراغب: «القضاء فصل الأمر قولا كان ذلك أو فعلا»، وفي لسان العرب قال الزهري: «القضاء في اللغة على وجوه: مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أحكم عمله، أو أتم، أو ختم، أو أدي أداء، أو أوجب، أو أعلم، أو أنفذ، أو أمضى، فقد قضى، ومنه القضاء المقرون بالقدر، والمراد بالقدر التقدير، وبالقضاء الخلق».

стр. 179

وعرف بعضهم القضاء بأنه «إرادة الله تعالى المتعلقة بالأشياء»، وقيل: «علمه تعالى للأشياء على ما هي عليه»، وهذا يؤدي إلى ترادفه مع العلم. وقال بعضهم: إن القضاء «هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل»، والقدر «جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله»، ذكره الشيخ زروق عن غيره. وقد نظم بعضهم معنى القضاء والقدر في أبيات فقال: إرادة الله مع التعلق … في أزل قضاؤه فحقق والقدر الإيجاد للأشيا على … وجه معين أراده علا وبعضهم قد قال معنى الأول … العلم مع تعلق في الأزل والقدر الإيجاد للأمور … على وفاق علمه المقدور ومهما يكن فالقضاء داخل في معنى القدر إذا أفرد، وهكذا العكس، فإن جمعا فالذي أراه أن يصرف معنى القضاء إلى الإمضاء والخلق، ومعنى القدر إلى تقدير الأمور على ما تكون عليه أزلا، دل على ذلك قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾ [الأنعام: ٢]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ [سبأ: ١٤] وغيرهما من الآيات، وقد يراد بالقضاء المقضي، أي الحاصل من فعل الله تعالى، كما في تعوذه ﷺ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء» (١). ٥ - ويؤخذ من قول الأقفهسي الذي سبق؛ أن الإيمان بالقدر يقتضي اعتقاد أمور أربعة، مع ملاحظة أنه لم يذكر الكتابة، لأنها داخلة في العلم، وهذه الأمور هي: أ - أن الله علم كل ما هو كائن، فلا يعزب عن علمه شيء، كما قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [آخر سورة الطلاق]، وقال: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [آخر سورة فصلت].

стр. 180

ب - وأن كل ما علمه الله كائنا هو في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)﴾ [النبأ: ٢٩]، وقال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ [القمر: ٥٢ - ٥٣]، وقال النبي ﷺ : «إن أول ما خلق الله القلم قال له اكتب، قال: وما أكتب؟، قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» (١). ج - وأن كل ما هو كائن من الذوات والأفعال قد شاءه الله وأراده، فلا يقع في ملكه إلا ما أراد، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [آخر سورة التكوير]، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن»، ومعناه مجمع عليه، وهو عموم. د - وأن الله تعالى يخلق ما علمه كائنا بمشيئته ذواتا كان أو أفعالا، فلا خالق لشيء غيره، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٨]. ولتعلم أن هذا التقسيم للقدر بهذا التفصيل قد قيل إنه لم يكن معروفا قبل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقد فصل القول فيه ابن القيم ﵀ في كتابه المسمى (شفاء العليل، في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل)، لكن زعم بعضهم أنه من البدع، فيقال: إن المتقدمين إذا لم يذكروه بهذا التفصيل؛ فهو داخل فيما يعنونه بالقدر بلا ريب، فإن القدر الذي هو التقدير للأشياء على وجه مخصوص لا بد أن يكون مطابقا للعلم، وعلم الله تعالى من صفاته الذاتية وهي أزلية، وقد دل الدليل على كتابة كل شيء هو كائن، فلا بد أن يكون ما علمه الله وقدره مكتوبا سلفا، وما قدره وكتبه سبحانه؛ لا بد أن يكون قد شاءه وأراده، ثم أوجده على النحو الذي علمه وكتبه وأراده، فهذه المفردات التي هي العلم بما هو كائن، وكتابته، وإرادته، وإيجاده، يتعين الإيمان بها بلا خلاف، وقد تبين وجه تعلقها بالقدر، فلا حرج في هذا التقسيم لأجل التوضيح، وقد علمت زيادة على ذلك أن ابن تيمية

стр. 181

﵀ لم ينفرد بذكره، وقد قيل هذا أيضا عن تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، بل رصدت الجوائز من بعضهم في إحدى الجرائد تحديا لمن يثبت القول بهذا التقسيم عن بعض السلف، وصولا إلى القول بأنه بدعة، وقد علمت أن كلا من هذه الأقسام مدلول للا إله إلا الله بالمطابقة، أو باللزوم، واستدل بعض أهل العلم على هذا التقسيم بقوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥]، فذكر الله تعالى في هذه الآية أنه رب كل شيء، وأمر بعبادته، وأنكر أن يكون له شبيه في أسمائه، فدل على توحيده في ألوهيته، وربوبيته، وفي أسمائه وصفاته، وقد علمت ما قال به كثير من العلماء في عصر ابن أبي زيد وقبله من الزيادات لأجل التوضيح، لكني أذكر أن التوسع في الكلام على العقائد لم يأت بخير كما نبهت عليه مرارا، ومن بين الحق فليقبل منه، لكن لا يصح أن يتخذه وسيلة إلى الطعن في علماء الأمة واتهامهم بالابتداع، والله أعلم. ٦ - وليعلم أن ما قدره الله لا بد من وقوعه على النحو الذي قدره، لكن لا يجوز أن يفهم من هذا ترك اتخاذ الأسباب التي شرعها الله تعالى، فإن الله هو خالق الأسباب، وقد كتب السبب والمسبب، فلا ينبغي تجاهل الأسباب تحت ذريعة أن كل شيء قد قدر وكتب، وأنه لا بد من وقوعه، فما جدوى العمل؟، فإن المرء مهما اتخذ من الأسباب لا يخرج عما أراده الله وقدره، والقدر لا يعلم حتى يقع، أو ياتي خبر الصادق بوقوعه في وقت كذا، فكيف يربط المرء عمله بشيء لا يعلمه ثم يكون ذلك حجة له؟، لكن لا يفهم من هذا أن المرء مجبور على ما يفعل، وقد قيل لعمر ﵁ حينما عزم على الرجوع بعد أن سمع بالطاعون في الشام، قيل له: أفرارا من قدر الله؟، قال نفر من قدر الله إلى قضاء الله». وقال النبي ﷺ : «لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد» (١)، وأوله نفي أن تكون هذه الأمور مؤثرة بطبعها، بل بتقدير الله تعالى ذلك، وقوله وفر من المجذوم إرشاد إلى اتخاذ السباب فإنه مطلوب مشروع، ولكن

стр. 182

الاعتقاد أنها تعمل بمعزل عن مشيئة الله ممنوع. ٧ - وما ورد في الكتاب والسنة من النصوص التي قد يفهم منها خلاف هذا ينبغي إرجاعها إلى المحكم من القرآن ومن السنة، فمثلا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٨ - ٣٩]، قال العلماء في تفسيره إن المراد بالمحو إما نسخ بعض الشرائع المتأخرة للمتقدمة، والسياق يدل على هذا التفسير، وإما أنه محو باعتبار ما يطلع الله عليه ملائكته الذين كلفهم ببعض شؤون خلقه، وهكذا الزيادة في العمر وفي الرزق بصلة الرحم، ورد القضاء بالدعاء ونحو ذلك. ٨ - ومع كون الله تعالى قدر كل ما هو كائن فلا يجوز الاحتجاج بذلك على المعصية، بأن يقال إن الله تعالى كتب علي ما عصيته به، فإن هذا لو ساغ لارتفع التكليف رأسا، وبطلت الشرائع، وقد وصف الله المشركين بهذا فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فقرعهم على زعمهم هذا، واعتبر قولهم تكذيبا للرسل، لأنه مفض إلى التفصي من الشرائع جملة، وأنه ناتج عن جهلهم، واعتمادهم على الظنون لا غير، ولهذا قال تعالى بعده: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، والملاحظ أن هذا جاء بعد قوله سبحانه الذي أثبت فيه عموم مشيئته فقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١٣٧]، وذلك نظير ما في الآيتين الأخيرتين من سورة التكوير، حيث جمع الله تعالى بين إثبات المشيئة للناس في الاستقامة، وبين نفي أن يكون ما يشاؤونه خارجا عما شاءه الله تعالى، ومن الآيات التي فيها رد مزاعم المحتجين بمشيئة الله تعالى على المعاصي قوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾ [الزخرف: ٢٠]. لكن من تاب من معصيته وأناب، إن احتج بالقدر ساغ له الاحتجاج، فإن موسى ﷺ لما قال لآدم ﵉: «أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة»، قال له آدم: «أنت موسى

стр. 183

الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، ثم تلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق؟، فقال رسول الله ﷺ : «فحج آدم موسى» (١). ٩ - وما قدره الله لا يعلمه الناس إلا بعد وقوعه، فإنه من جملة الغيب الذي لا يطلع عليه أحدا إلا من ارتضاه من رسله، وهو يشمل الرسل من البشر ومن الملائكة، والرسول قد يخبر بهذا الذي أطلعه الله عليه فيقع كما أخبر به، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، أما من ألحق (الأولياء) كما هم في عرف الناس الجهلة بالرسل في هذا الاطلاع، بجامع الارتضاء فما أصاب، وأقل ما يقال في قول غير الرسل إذا أخبروا بشيء من ذلك إن لم نقل إنه كهانة وعرافة؛ أنه مجرد تخمينات قد تقع وقد لا تقع، بخلاف ما يطلع الله عليه رسله، فإنه يقع كما علموه وأخبروا به، وقد حصل هذا لنبينا محمد ﷺ قبل النبوة، إذ كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. والذين يسمون القدرية هم الذين ينكرون القدر، وقد جاء ذكرهم في الحديث ووصفوا بأنهم مجوس هذه الأمة، وذلك لكونهم يقولون بأن الإنسان خالق أفعاله، فيجعلون مع الله خالقا، كما أن المجوس يقولون بوجود إلهين: إله الظلمة وإله النور، فعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» (٢)، وقال: «صنفان من أمتي لا يردان على الحوض: القدرية والمرجئة»، ومما يقضى منه العجب أني سمعت هذه الأيام من يقول ويكرر: المؤمن القوي هو القضاء والقدر، ويبدو أن غرضه استنهاض همم المسلمين حتى لا يتواكلوا، لكن ما هكذا تورد الإبل، ولو قلنا له: فما تقول في المؤمن الضعيف فيما هو عليه؟، أقضاء وقدر أم لا؟، قال رسول الله ﷺ : «كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس» (٣).

стр. 184

١٠ - وينبغي الإمساك عن الخوض في القدر، امتثالا لأمر رسول الله ﷺ في قوله: «،،، وإذا ذكر القدر فأمسكوا» (١)، وروي أن النبي ﷺ قال: «القدر سر الله، فلا تفشوا سر الله » (٢)، وقال النبي ﷺ : «لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا ما لم يتكلموا في الولدان والقدر» (٣)، وهذا من جملة ما لا يعني الناس فإذا تكلموا فيه لم يعد أمرهم مواتيا أي صالحا ملائما. قال الحافظ في الفتح في شرحه كتاب القدر نقلا عن ابن السمعاني: «سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة، دون محض القياس والعقل، فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء العين، ولا ما يطمئن به القلب، لأن القدر سر من أسرار الله تعالى، اختص العليم الخبير به، وضرب دونه الأستار، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم، لما علمه من الحكمة، فلم يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب»، انتهى. وقال الطحاوي في عقيدته: «فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيما، وأحضر للنظر فيه قلبا سقيما، فقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرا كتيما، وعاد بما قال فيه أفاكا أثيما»، انتهى، وقال النبي ﷺ : «إن أخوف ما أتخوفه على أمتي آخر الزمان ثلاثا: إيمانا بالنجوم، وتكذيبا بالقدر، وحيف السلطان». أما خير القدر وشره، وحلوه ومره، فقد قال بعض العلماء إن المراد بخير القدر الطاعات، وبشره المعاصي، وبحلوه لذة الطاعات وثوابها، وبمره مشقة المعصية وعقابها، وهذا حسن لو لم يخرج به ما ليس للإنسان فيه اختيار من البلاء والمحن، والعطايا والمنن، فإنها بلا ريب من القدر الذي يجب الإيمان به، وفيها الخير والشر، والحلو والمر. قوله: «ومقادير الأمور بيده، ومصدرها عن قضائه»، المراد بمقادير الأمور ما تكون عليه من خصائص كالصلاح، والفساد، والصغر، والكبر، والطول، والقصر، والآجال، والأرزاق، وغير ذلك، فكل ذلك بيده، وصدورها بتلك التفاصيل إنما يكون على وفق

стр. 185

علمه وإرادته، ويؤخذ من كلامه هذا التفريق بين القضاء والقدر وقد سبق الكلام عليه، وفيه مع ذلك رد على من زعم أن من الأمور ما لا يعلمه الله تعالى إلا بعد وقوعه، وقد تقدمت حكاية أقوال الفلاسفة الضالين الذين ينكرون علمه سبحانه بالجزئيات، لقياسهم عالم الغيب على عالم الشهادة.

стр. 186

(أفعال العباد مخلوقة لله تعالى) • قوله: ١٢ - «لا يكون من عباده قول ولا عمل إلا وقد قضاه، وسبق علمه به، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير». وهذا فيه مزيد توضيح للقدر، ودلالة على عموم إرادة الله تعالى كل ما يصدر عن عباده من قول وعمل، خيرا كان أو شرا، وعلى أنه خالق ذلك كله، بما فيه أفعال العقلاء الاختيارية، وأن ذلك قد سبق علمه به، إذ كيف يجوز على الله تعالى وهو الخالق أن لا يعلم خلقه وأحوالهم وأعمالهم؟، وأهل السنة يقولون العباد فاعلون، والله تعالى خالقهم وخالق أفعالهم. ومن الآيات الدالة على خلق الله تعالى أفعال العباد قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]، أي والذي تعملونه، وهو واضح، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ووجه الدلالة منه أنه أخبر أنهم اقتتلوا، ثم بين أنه لو شاء ما اقتتلوا، فدل على وقوع الاقتتال بمشيئته، ثم بين أنه يفعل ما يريد، يعني ما يشاء، فكان المعنى أنه خالق ذلك، لأن اقتتالهم من جملة ما أراده وشاءه، وقال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ [البروج: ١٦]، فكل من أثبت عموم مشيئته سبحانه وهو المذهب الحق لزمه ولا بد أن يثبت خلق الله تعالى أفعال العباد، ومن لم يثبتها خرج عما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وسلف الأمة. وقد ذهب الأشعرية إلى أن الله تعالى خالق أفعال العباد، لكن أثبتوا لهم لهم كسبا، ثم اضطربوا في تعريفه، وذكروا أن الحامل لهم على القول به أن لقدرة العبد مدخلا في

стр. 187

بعض الأفعال كحركة البطش دون بعض كحركة الارتعاش، ويقال عن هذا المدخل الذي للعبد أن الله هو الذي أقدره عليه، وأن القول بأن الله خالق أفعال العباد ليس معناه ولا يلزم منه الجبر، وقد قال في ذلك قائلهم: وأفعال الورى خيرا وشرا … بخلق الله ثم بالاكتساب فنعزوها له عزو اختراع … ونعزوها لهم عزو اكتساب قال القاضي عبد الوهاب مبينا معنى الكسب: «ومعنى الكسب الذي نريده وجود الإنسان نفسه متصرفا في الفعل لقدرة مخلوقة في محله يجد نفسه عليها، بخلاف ما يجد المضطر نفسه عليه من عدم ذلك وامتناع تصرفه، وهذا معنى لو رجع الإنسان إلى نفسه لم يحتج إلى أن يجحده، ولا استحسن المكابرة فيه، وهو أن المكتسب لحركة منه يجد نفسه مختارا لذلك، قاصدا إليه، متصرفا في القدرة عليه، بحسب قصده من ذهابها في الجهات، فهذا هو الكسب الذي نريده، وأن المضطر المتحرك يده بالفالج والارتعاش على ضرورة المتحركة يده ليس متصرفا فيها بقدرة، وإنما هو مضطر إلى ذلك ملجأ إليه» انتهى، وكلامه فيما يظهر ليس فيه ما يخالف اختصاص الله تعالى بخلق أفعال العباد، لأنه بين أن الله أقدرهم على ذلك، فهم فاعلون، لكن يقال إن مجرد نسبة الفعل إلى العبد على وجه الاكتساب ولو مع ذلك القيد فيه شيء، لأن اكتساب العبد للفعل منصوص في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، فما الحاجة إلى ذكره مع كون الله تعالى خالق أفعال عباده ممن اقر به؟، والله أعلم. وقد ذكر المؤلف آية من سورة الملك، وهي والآية التي قبلها: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤]، وقد دخلت همزة الاستفهام على حرف النفي وهو لا، فأفاد التعبير تأكيد علم الله تعالى بما خلق لأن الاستفهام إنكاري، ومن في قوله تعالى: (من خلق) فاعل، والمفعول محذوف، وحذفه يدل على عمومه، والمعنى ألا يعلم الخالق خلقه، أو مخلوقه؟، ويصح أن تكون (من) مفعولا به، وفاعل (يعلم) و (خلق)؛ ضمير يعود على الله تعالى، والعائد على الموصول محذوف، وقد أبى هذا الوجه التتائي لعدم مساعدة السياق عليه، قال ابن كثير: «ألا يعلم الخالق، وقيل: معناه ألا يعلم الله

стр. 188

مخلوقه، والأول أولى لقوله: «وهو اللطيف الخبير». وفي الآيتين دليل بين على خلق الله تعالى أفعال عباده، ووجه الدلالة أنه سبحانه أخبر أن ما يُسره الإنسان ويجهر به هو سواء في علمه، لأنه عليم بذات الصدور، أي بما فيها مما يسره الإنسان ويخفيه، ثم قال: «ألا يعلم من خلق»، فدل السياق على انصراف العلم هنا بالأولوية إلى ما ذكر قبله، وإن كان علم الله عاما محيطا بكل شيء، والمذكور قبله من أفعال العباد، وهو ما يضمرونه ويسرونه، وقد احتج سبحانه على علمه بما يسره الناس ويجهرون به؛ بكونه خالقا، فلو لم يدخل الذي يسرونه في جملة مخلوقاته لما كان لهذا الاحتجاج معنى. وقد تنبه القاضي عبد الوهاب عليه رحمة الله لهذه الدلالة في الآيتين فقال: «أخبر أنه يجب أن يكون عالما به من حيث إنه كان خالقا له، فدل ذلك على أنه هو الخالق لإسرارهم وجهرهم، ولا يجوز أن يحمل على أنه هو الخالق لمحل كلامهم، لأن خلق موضع السر ومكانه لا يدل على علم خالقه بما يفعل فيه، كما لا يدل بما زيد للدار (كذا) على علمه بما يودع فيها. وهذا وجه دقيق في الاستدلال، غفل عنه العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور حين قرر أن الآية فيها دليل على عموم علمه تعالى، ولا دلالة فيها على أنه تعالى خالق أفعال العباد للانفكاك الظاهر بين تعلق العلم وتعلق القدرة»، انتهى، وما قاله صحيح، لكن الآية تدل عليه بقرينة السياق كما علمت، والقرآن يفسر بعضه بعضا، فكيف بما كان منه في سياق واحد؟. وقال أبو الحسن في الوجه الأول: التقدير ألا يعلم الخالق مخلوقه أو خلقه، والخلق عام فيمن يعقل ومن لا يعقل، هذا قول أهل السنة، وقالت المعتزلة: «من في موضع نصب، أي ألا يعلم الله من خلق، ومن لمن يعقل، فإن الله يعلم عباده دون أفعالهم، تعالى الله عما يقولون»، انتهى. قلت: جوز الزمخشري كلا من الوجهين، بل قدم في الذكر الوجه الأول الذي نسبه أبو الحسن إلى أهل السنة، والخير للناس أن يكفوا عن الجدال بالباطل الذي قد يدفعهم إلى أن يحملوا كلام الله ما لا يحتمل من مذاهبهم ونحلهم، والمعروف عن المعتزلة أنهم لا ينفون علمه تعالى بأفعال عباده قبل وقوعها، وإنما ينفون خلقه تعالى لأفعالهم الاختيارية،

стр. 189

ويرون استقلالهم بفعلها، وهذا باطل، وقد كان في الأقدمين منهم منكرو تعلق علم الله بالأشياء قبل وقوعها، ثم اندثروا ولم يبق لهم ذكر، لكن هذا الزمان زمان العجائب، فلا عجب أن يظهر فيه ما لم يكن من قبل. ومما ينبغي معرفته أنه لا يصح أن ينسب الشر إلى الله تعالى بمفرده، فلا يقال إن الله تعالى خالق الشر، ولا خالق القردة والخنازير، لما قد يفهم منه من نسبة الشر إلى الله تعالى، فإن أفعاله تعالى لا تخلو من حكمة ولا تنفك عن مصلحة، وإن رآها الناس شرا، ولقول رسول لله ﷺ : «والخير كله بيديك، والشر ليس إليك» (١). وقال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]، فذكر نزع الملك والإذلال، وذلك شر فيما يبدو لبعض الناس، وقد يكون خيرا عند بعضهم، لكنه قال ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾، فعقلنا عدم نسبة الشر إلى الله، وإن كان سبحانه خالق كل شيء، ولهذا قال بعد ذلك: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وفي الآية وصف لفعله تعالى فلا يصح أن يؤخذ منه اسم له تعالى فيقال المعز المذل. وقال نبي الله إبراهيم ﷺ يثني على ربه : ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٨٠]، فنسب المرض لنفسه، ولم يسنده لربه، مع أنه من صنعه، وخلقه، ونسب الهداية والإطعام والسقي والشفاء له، فهذا من الآداب التي ينبغي أن يكون عليها المؤمن مع ربه، واقرأ كلام الخضر لموسى ﵉: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩]، وقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢].

стр. 190

(يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) ١٣ - «يضل من يشاء فيخذله بعدله، ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله، فكل ميسر بتيسيره إلى ما سبق من علمه وقدره من شقي وسعيد». هذا مما لا خلاف فيه بين أهل السنة، وهو مذهب سلف الأمة، فالله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، فلا يهتدي أحد إلا بهدايته، ولا يضل إلا بإضلاله، ولو كان الإنسان يملك إضلال نفسه وهدايتها لترتب على ذلك أن يقع في ملك الله ما لا يريده، وهو نقص ينزه عنه الله تعالى، فكيف وقد دلت النصوص الكثيرة على هذا الأمر، منها قول الله : ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ [الأعراف: ١٧٨]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، وقد كان النبي ﷺ يواظب على خطبة الحاجة، ومن بين ما فيها أن الهداية والإضلال بيد الله. لكن ينبغي أن يعلم أن الهداية يراد بها البيان، وقد هدى الله كل أحد بهذا المعنى إذ أنزل كتبه وأرسل رسله، ولا يؤاخذ أحدا لم يبلغه دينه، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وذلك لأن الرسول ﷺ أنزل الله عليه الكتاب ليبين للناس ما نزل إليهم. أما الهداية المرادة فيما ذكره المؤلف فليست هذه، بل هي هداية التوفيق، فهذه لا تكون إلا لمن شاء الله تعالى هدايته، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]»، وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦].

стр. 191

وهذه الهداية هي التي أمرنا أن نسألها ربنا في كل ركعة من صلواتنا حيث يجب قراءة الفاتحة، وفيها قول الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، ومما يدخل فيها في الجملة ما عناه النبي ﷺ في دعائه إذا قام من الليل: «اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»، وهو طرف من حديث عائشة في صحيح مسلم وغيره، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥]. وقال عون بن معمر سمعت سعيد بن أبي عروبة وكان ممن يذهب مذهب أهل القدر يعني المنكرين للقدر يقول: ما في القرآن أشد علي من قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، قال: فقلت: القرآن يشتد عليك؟، والله لا كلمتك أبدا، فما كلمه حتى مات (١). ولا ينبغي أن يفهم من كون الهداية والإضلال بيد الله تعالى وحده أن الإنسان مجبر على فعل ما يفعل، فقد أثبت الله تعالى للمكلف مشيئة، لكنه أخبر أن مشيئته تعالى عامة لا يخرج عنها شيء، وقد تقدم ذكر ذلك. ومن أضله الله فإنما أضله بعدله، إذ إنه لم يظلمه، ولا عاقبه من غير أن يعذر إليه ويبين له، فإن الله تعالى حرم الظلم على نفسه، فقال ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقال: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: ٩]. ومن هداه الله فإنما هداه بفضله وكرمه، لعلمه بعباده، ومن منهم أهل لفضله، ومن هو جدير بعدله، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]، فالله تعالى يجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك بقدر مقدر، قاله ابن كثير في سورة الليل. فالتوفيق عناية خاصة يتفضل الله بها على بعض عباده، وهو أعلم حيث يضع توفيقه، كما أنه أعلم حيث يجعل رسالته، فيجمع لمن تفضل بتوفيقه بين ما جعله في مقدوره،

стр. 192

وتناول كسبه، وما ليس كذلك مما فيه الخير والمصلحة له، والخذلان ضد الوفيق، وقالوا: إن التوفيق أن لا يكلك الله إلى نفسك، والخذلان أن يخلي بينك وبينها، وقد علم النبي ﷺ بنته فاطمة دعاء تقوله إذا أصبحت وإذا أمست وهو «يا حي يا قيوم برحمتك استغيث، وأصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين» (١). وقد خالف في مسألة الهداية والإضلال القدرية، قال القاضي عبد الوهاب في شرحه: «وزعمت القدرية أن الله تعالى لا يضل أحدا، وأنه قد هدى الخلق كلهم، فمنهم من اهتدى، ومنهم من لم يهتد، وضل باختياره وعدوله عن طرق الهداية وسوء اختياره لنفسه، لا أن الله أضله، لأن الله تعالى لو فعل ذلك لكان جائرا في حكمه، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا». وبعد أن أورد من النصوص الكثير الطيب الذي يدل على مذهب أهل الحق في المسألة، قال: «وقد زعموا عند ضيق عطنهم بذلك وحيرتهم بورود هذه النصوص أن لا معنى للهداية والإضلال من الله تعالى أكثر من الحكم والتسمية بذلك فقط، وأن ذلك جار مجرى قول الناس قد عَدَّلَ فلان فلانا، إذا زكاه وسماه عدلا، وقد فَسَّقّه إذا سماه فاسقا، وحكم بفسقه، وليس ذلك على تأويل أنه جعل له فسقا وعدلا، ولا أنه صيره كذلك، وهذا مع أنه خلاف إجماع الأمة، وأن ظواهر القرآن ترده وتنافيه واضح البطلان والفساد، من قبل أنه يوجب أن لا يكون لله من المنة على عباده في الهداية إلا ما لبعضهم على بعض، لمشاركتهم له في معنى الهداية، لأن بعضهم يسمي بعضا بالهداية ويصفه بها ويضيفها إليه، وهذا خلاف التنزيل، وما أجمع عليه المسلمون. أما التنزيل فإن الله تعالى قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧]، فامتن عليهم كما ترى بهدايته لهم، ولو كان ذلك معنى الحكم والتسمية لكان الرسول مشاركا لله في هذه المنة، ولكان بعضهم قد من على بعض بها، كما أن الله قد دعاهم إليها.

стр. 193

وأما الإجماع فإطباق الأمة كافة سوى هذه الفرقة المبتدعة وأن المنة لله تعالى في هدايته لخلقه، وهو منفرد باستحقاقها متوحد باستيجابها (كذا)، وليس ذلك إلا لانفراده بها، وأنه غير مشارَك فيها، وعلى أن ما قالوه يوجب أن يكون إبليس مضلا للأنبياء وسائر المؤمنين لدعائه إياهم إلى الضلال، وتسميته بذلك، وكذلك يجب أن يكون النبي ﷺ والمؤمنون مضلين للكافرين لتسميتهم إياهم ضالين، وحكمهم عليهم بذلك، وهذا باطل بإجماع الأمة، وبالله التوفيق»، انتهى. وقد حكي أنه اجتمع عبد الجبار الهمداني، وأبو إسحاق الإسفراييني، فقال عبد الجبار: «سبحان من تنزه عن الفحشاء»، (يعرض بما يقوله الإسفراييني، وهو خلق الله أفعال العباد خيرا كانت أو شرا)، فقال: «سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء»، فالتفت إليه عبد الجبار وعرف أنه فهم عنه، فقال: «أفيريد ربنا أن يعصى»؟، فقال أبو إسحاق: «فيعصى ربنا قهرا»؟، فقال عبد الجبار: «أرأيت إن منعني الهدى، وكتب علي الردى، أحسن إلي أم أساء»؟، فقال أبو إسحاق: «إن منعك ما لك فقد أساء، وإن منعك ما له فيفعل في ملكه ما يشاء»، فانصرف الحاضرون وهم يقولون: ليس عن هذا جواب، ذكره الشيخ زروق في شرحه. ومن الحكايات التي تبين فساد مذهب المعتزلة في القدر، ونفيهم إرادة الله تعالى الكونية القدرية، وأن العوام يتفطنون لهذا الفساد فضلا عن طلاب العلم؛ أن أعرابيا جاء إلى عمرو بن عبيد فقال له: «ادع الله لي أن يرد علي حمارة سرقت مني»، فقال: «اللهم إن حمارته سرقت، ولم ترد سرقتها، فارددها عليه»، فقال الأعرابي: «يا هذا، كف عني دعاءك الخبيث!!، إن كانت سرقت ولم يرد سرقتها؛ فقد يريد ردها ولا ترد» (١). وقوله: «وكل ميسر بتيسيره إلى ما سبق من علمه وقدره من شقي وسعيد»، التيسير هو التسهيل ضد التعسير، والسعادة يراد بها هنا فوز المرء بدخول الجنة ابتداء، أو بعد عقابه بالنار، والسعيد لغة المتلبس بالسعادة، وهي الحالة الحسنة الخيرة الملائمة للمتصف بها،

стр. 194

والشقي المتلبس بالشقاوة، وهي الحالة السيئة التي ينفر منها طبع المتلبس بها، وأما هنا فالمراد بها الخلود في النار، ولا يخلد فيها إلا المشركون، فإن من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك به شيئا دخل النار، والسعيد من سبق في علم الله أنه سعيد، والشقي من سبق في علم الله أنه كذلك، ولا يتم شيء من ذلك إلا بإرادة الله تعالى، فأما ما جاء في الصحيحين (١) عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وعمله وأجله، وشقي أو سعيد،،، الحديث»، فإن المراد منه إطلاع الملك على هذه الأمور، لا أنها جديدة في علم الله، وروى الشيخان وغيرهما (٢) عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ قال: «ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة»، فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟، فقال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الآيتين. وليس حتما أن يكون أمر الناس في خاتمتهم كما هو ظاهرهم، وإن كان المرء يموت على ما عاش عليه في الغالب، ولذلك جاء في الحديث المتفق عليه من رواية سهل بن سعد، وفيه قصة قوله ﷺ : «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة» (٣)، وزاد البخاري في رواية: «وإنما الأعمال بالخواتم»، وقال بعضهم إن هذا الذي يختم له بخلاف ما كان عليه من الخير إنما كان لدسيسة شر فيه علمها الله منه ولم يعلمها غيره فختم له بذلك، ويقال بعكيه في خلافه. والمرء لا يدري بما ذا يختم له، ولا يعلم ما سبق في علم الله بشأنه إلا بعد حدوثه،

стр. 195

لكن هذا لا يعفيه من سلوك طريق الحق، فهذا هو المطلوب منه، وإلا لسقط التكليف، وقد قيل: «إن قلوب الأبرار معلقة بالخواتيم، يقولون: بما ذا يختم لنا؟، وقلوب المقربين معلقة بالسوابق، يقولون: ما ذا سبق لنا»؟، أورده الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم. وقال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠]، وقد فسرت اليسرى بأنها الخير، أي أن الله تعالى يسهل على المطيع ذلك، وقال بعضهم: «من ثواب الحسنة؛ الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة؛ السيئة بعدها»، وقيل اليسرى الجنة، ولا مخالفة بين هذه الأقوال، وهي واضحة في المعنى المقصود، فإن أصل اليسرى الحالة التي لا مشقة فيها، والعسرى خلافها. قال القاضي عبد الوهاب: «لذلك رغبت الأنبياء إليه تعالى في شرح صدورها وتوفيقها، فمن ذلك قوله : ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦)﴾ [طه: ٢٥ - ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢)﴾ [آل عمران: ١٩٢].

стр. 196

(ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) • قوله: ١٤ - «تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد، أو يكون لأحد عنه غنى، أو يكون خالق لشيء إلا هو رب العباد، ورب أعمالهم، والمقدر لحركاتهم وآجالهم». في هذه الفقرة تنزيه المولى عن ثلاثة أمور، مما يعني أن ضدها هو الحق، وهي: ١ - تنزيهه أن يكون في ملكه ما لا يريد، وهو يثبت له عموم مشيئة كل ما يقع في ملكه، وقد تقدم الكلام على المشيئه، لكن إرادة الله تعالى نوعان: الأولى هي المشيئة القدرية الكونية، وهذه عامة فلا يقع في ملك الله تعالى إلا ما يشاؤه. والثانية هي الإرادة الشرعية المتعلقة بما كلف الله به عباده، مما ندبهم إلى فعله، أو تركه، فهذه ليست كالأولى، إذ في المكلفين من يطيعه، فيكون قد فعل ما أراده الله شرعا وقدرا، ورضيه وأحبه، وفيهم من يعصيه، فيكون قد خالف ما أراده له شرعا، وإن كان من جملة ما قدره، فطاعة الطائعين ومعصية العاصين جميعا هي مما أراده الله قدرا. ٢ - تنزيهه أن يستغني عنه شيء من المخلوقات، فيثبت افتقار كل المخلوقات إليه سبحانه في كل ما يفعلون وما يذرون، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]، وقال الله تعالى عن نبيه ورسوله موسى ﷺ : ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ [القصص: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨]. ٣ - تنزيهه أن يكون له شريك في خلق شيء ما، فكما أنه رب العباد أي خالق ذواتهم،

стр. 197

فكذلك هو رب أعمالهم، المقدر لحركاتهم، وسكناتهم، وآجالهم، وقد تقدم الحديث عن خلق أفعال العباد، قال تعالى ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣]. ومن أجمع الكلمات في هذا المعنى كلمة لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها تتضمن هذا الذي ذكره المؤلف لمن تأملها، إذ إنها تنفي أن يكون الحول، أي التحول إلا بالله، أي إلا وفق علمه وبإرادته، وأن تكون القوة على التحول إلا بإقداره، والتحول يكون حسيا من مكان إلى آخر، كما يكون معنويا من هدى إلى ضلال، ومن صلاح إلى فساد، ومن صحة إلى سقم، وهلم جرا، ولذلك كانت هذه الكلمة كنزا من كنوز الجنة، كما ورد في الصحيح عن أبي موسى ﵁، وكانت غراس الجنة، كما في سنن الترمذي وصححه عن أبي أيوب، وجاء في الحديث الذي رواه الحاكم عن أبي هريرة مرفوعا، وقوى الحافظ إسناده في الفتح: «إذا قال العبد لا حول ولا قوة إلا بالله، قال الله: أسلم عبدي واستسلم»، أي خضع واستسلم لقدري وقضائي. قال القاضي عبد الوهاب في شرحه لهذه العقيدة: «اعلم أن هذا رد على المعتزلة وغيرهم من المبتدعة في قولهم إنهم مستطيعون لأفعالهم قبل أن يحدثوها، وقادرون على إيجادها قبل إيجادها، ومستغنون عن ربهم في حال اختراعهم لها أن يقدرهم عليها، لأنهم لا حاجة لهم في تلك الحال بل هم مستغنون عنه، وهذا هو الضلال الذي لا شبهة فيه، والله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾، ويقول: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾، وهذا يعم سائر أحوالهم، ويقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، ولم يقل في حال دون حال،،،»، ثم توسع في الرد العقلي على هذه الشبهة ﵀. وفي ذكر المؤلف الآجال رد على من زعم أن القاتل قد قطع على المقتول أجله، والحق أن الله تعالى هو المقدر لآجال كل شيء، لا يموت مخلوق من مخلوقاته حتى يستوفي أجله، كيفما كان سبب الموت، قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢]، وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤].

стр. 198

(بعثة الرسل ﵈ -¬) • قوله: ١٥ - «الباعث الرسل إليهم لإقامة الحجة عليهم». كلام المؤلف الذي تقدم من أول الباب إلى هنا كله شرح لمضمون لا إله إلا الله، فإنه لما كان فيها نفي وإثبات؛ كان الكلام السابق فيما يجب لمولانا سبحانه، وما يستحيل عليه، وفي هذه الفقرة شرع في القسم الثالث، وهو الجائز على الله تعالى، وإرسال الرسل من جملة الجائز في حقه، وإن كان سبحانه قد كتبه على نفسه تفضلا منه على عباده ورحمة لهم، فإنه لم يخلقهم عبثا ولا تركهم سدى. وقد خلق الله الجن والإنس لتوحيده وعبادته، فاقتضت حكمته وعدله سبحانه أن يرسل إليهم الرسل وأن ينزل عليهم الكتب، لبيان طريق الهدى، من طريق الردى، حتى تقوم بذلك الحجة عليهم، وقد جاء هذا التعليل في آيات عدة، منها قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وبين الله تعالى هذه الحجة لو لم يرسل إليهم فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ [طه: ١٣٤]، وأخبر الله تعالى أنه لا يعذب أحدا حتى يبعث الرسل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].، وعن النبي ﷺ قال: «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله ، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين»، وفي لفظ: «من أجل ذلك

стр. 199

أرسل رسله، وأنزل كتبه» (١). والإيمان بالرسل أحد أركان الإيمان الستة، فينبغي الإيمان بأن الله أرسل إلى خلقه رسلا، بعضهم ذكرهم في كتابه وقصهم على رسوله، وبعضهم لم يذكرهم كما قال: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]، وقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]. وقد شاع في تعريف الرسول أنه إنسان حر ذكر من بني آدم أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، وأن النبي مثله؛ غير أنه لم يؤمر بالتبليغ، وجمهور العلماء على النبوة للرجال دون النساء كما هو واضح في تعريف النبي. والنبوة إما من النبإ وهو الخبر، لأن النبي يخبر بما لا يخبر به غيره، وإما من النبوة وهي ما ارتفع من الأرض، والمراد الرفعة، وكل من الرفعة والإنباء في النبي، فإنه المنبأ من الله بأمر يقتضي تكليفا، فإن أمر بتبليغه إلى غيره فهو رسول، وإلا فهو نبي غير رسول، هكذا قالوا. وقيل إن الرسول هو الذي يوحى إليه بشرع جديد، بخلاف النبي فإنه يبعث لتقرير شرع من قبله، وليس ببعيد أن يكون هذا أغلبيا، كما هو الشأن في أنبياء بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، فإن فيه دليلا على أنهم لم يوح إليهم بشرع جديد، إذ التوراة أنزلت على موسى عليه ﷺ . لكن نبينا محمدا ﷺ قد خوطب في الفترة التي كان فيها رسولا بهذا الوصف، حتى قال بعضهم إن النبوة والرسالة بمعنى واحد، بل مال العز بن عبد السلام إلى تفضيل النبوة على الرسالة، كما أشار إليه السخاوي في فتح المغيث: (١/ ٢٠)، ومن هذه النداءات قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١]، ومنها ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ

стр. 200

الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. قد يكون النبيء في وقت غير مأمور بالتبليغ، فتكون النبوة تمهيدا للرسالة، كما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الثلاثة الأصول: إن نبينا ﷺ قد نبئ بقوله تعالى: «اقرأ»، وأرسل بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ١ - ٢]، ويمكن أن يستدل لسبق النبوة على الرسالة بقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦)﴾ [الزخرف: ٦]، وبقوله ﷺ في دعاء النوم من حديث البراء بن عازب: «آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت» (١). لكن قولهم في النبي أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، بتعين أن يراد به الأمر الخاص، وهو المصحوب بالإنذار والتبشير، ولا يصح أن يكون المراد أنه لا يبلغ، فإن العالم بالحق يجب عليه بيانه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكيف بالنبي؟. وقد اختلف في عدد الأنبياء هل هو معروف أولا، ومن حصر عددهم في مائة وأربعة وعشرين ألفا المرسلون منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر أوخمسة عشر؛ اعتمد على ما في حديث أبي ذر قال: «قلت يا رسول الله كم الأنبياء؟، قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا»، قلت يا رسول الله كم الرسل؟، قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير»، قلت: يا رسول الله: من كان أولهم؟، قال: آدم»، نسبه ابن كثير لابن مردويه في التفسير، لكن فيه إبراهيم بن هشام، وقد عد ابن الجوزي الحديث في الموضوعات، وأباه عليه الحافظ ابن حجر وغيره، وقال الألباني ﵀: «وجملة القول إن عدد الرسل المذكورين في حديث الترجمة صحيح لذاته، وأن عدد الأنبياء المذكورين في أحد طرقه وفي حديث أبي ذر من ثلاث طرق فهو صحيح لغيره» (٢)، انتهى، فيكون عدد الرسل بناء عليه ثلاثمائة وخمسة عشر، وعدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفا، والله أعلم. وأولو العزم من الرسل خمسة، هم المذكورون في موضعين من القرآن، قال تعالى:

стр. 201

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، وقال تعالى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وأشير إليهم في آخر سورة الأحقاف، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [نهاية الأحقاف]، وثمة أقوال أخرى في تعيينهم. أما أول الرسل، فقيل آدم ﵇، وقيل نوح ﵇، وهذا هو الذي دل عليه حديث الشفاعة الذي في الصحيح، فقد خاطب فيه آدم ﵇ أهل الموقف بقوله: «إئتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض»، أما قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، فلا دلالة فيه على أن آدم ليس برسول، لأن الغرض ليس استغراق ذكر الرسل كما هو صريح قوله تعالى بعد: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]، بل المقصود تهديد المختطبين بالهلاك بذكر أن نوحا ﵇ أول نبي أهلك الله قومه بسبب عصيانهم، ولأن الناس متفقون على حصول الوحي لآدم، والمذكور في الآية بدأ من نوح إنما هو الوحي، فلا يؤخذ بمفهومها. والذي يظهر والله أعلم أن آدم رسول، لكنه لما كان أول البشر لم يرسل إلى قوم كبقية الرسل، فانحصرت رسالته في زوجه وولده، ولم يكن قومه كفارا كما هو الشأن فيمن جاء بعده من الرسل، فإن الناس يولدون على الفطرة، وقال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وقد قال ابن عباس في تفسيرها إنه «كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيئين مبشرين ومنذرين»، رواه ابن جرير، وروي عنه ما يخالفه، قال ابن كثير: والقول الأول عن ابن عباس أصح سندا ومعنى، فنوح هو أول رسول إلى أهل الأرض بهذا المعنى. ودلّ ما في قصة ابني آدم ﵇ وهما هابيل وقابيل أن الدين كان معروفا عندهم، فقد كانوا يعرفون التقرب إلى الله، والخوف منه، وأنه تعالى إنما يتقبل من المتقين، ويعلمون حرمة القتل، ويعرفون الجنة والنار، دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ

стр. 202

آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [المائدة: ٢٧ - ٢٩]. وقد قص الله تعالى علينا في القرآن خبر خمسة وعشرين رسولا، ذكر في سورة الأنعام منهم ثمانية عشر هم على ترتيبهم فيها إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكرياء ويحي وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوط، ولم يرتبوا على مقتضى أزمنة بعثهم بل على حسب ما كانوا عليه من الحال كالملك وغيره، وذكر في مواضع أخرى السبعة الباقون، وهم آدم وهود وصالح وشعيب وذو الكفل وإدريس وخاتمهم سيدنا محمد ﷺ وعلى جميع أنبيائه ورسله، وقد نظمهم بعض العلماء بقوله: في تلك حجتنا منهم ثمانية … من بعد عشر ويبقى سبعة وهُمو إدريس، هود، شعيب، صالح، وكذا … ذو الكفل، آدم، بالمختار قد خُتِمُوا وقوله: «لإقامة الحجة عليهم» يؤخذ منه أن الحجة لا تقوم على الناس إلا بإرسال الرسل، وهذا هو الظاهر من نصوص عدة، أبرزها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، أي ليس من شأننا أن نعذب الناس إلا إذا أرسلنا إليهم رسولا، فبلغهم شرعنا، وعلموا منه ما يتقون به عقاب الله تعالى، والظاهر أن العذاب المنفي عام في عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، لكن وقع الخلاف في أهل الفترة هل هم من أهل النار إذا ماتوا على الكفر أم لا؟، وهو ما أشار إليه صاحب مراقي السعود بقوله: ذو فترة بالفرع لا يراع … وفي الأصول بينهم نزاع فقالت طائفة من أهل العلم هم معذورون لكونهم لم يأتهم نذير، ونصوص القرآن كثيرة في تعليق العذاب على بلوغ الدعوة، كقوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨)﴾ [الملك: ٨] وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ

стр. 203

تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾ [غافر: ٥٠]. وقالت طائفة أخرى بل هم مؤاخذون لعموم الأدلة القاضية بدخول كل من مات على الكفر النار، كقوله تعالى فيمن لا تقبل توبته: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦]، إلى نصوص أخرى قرآنية، وأحاديث عدة في أفراد معينين من أهل الفترة، أخبر النبي ﷺ بدخولهم النار، وفي الصحيح منها شيء، ولكون أخبار الرسل لم تنقطع. قال النووي ﵀ في شرح حديث أنس الذي فيه قول النبي ﷺ : «إن أبي وأباك في النار» (١)، قال: «فيه أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم»، انتهى. قلت: كثير من الأحكام الشرعية الفرعية التي جاء بها الأنبياء قد علمها الناس وتناقلوها فكيف ينقطع خبر أهم ما جاءوا به وهو توحيد الله تعالى، ومن ذلك وضع اليمين على الشمال في الصلاة، والاستيناء بالسحور، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، ومن ذلك أن الناس كانوا يعلمون أن نبيا سيبعث واسمه محمد وقد تسمى باسمه خلق قبل البعثة أحصى الحافظ ابن حجر منهم خمسة عشر، فضلا عن النصوص التي فيها الإخبار عن بعض من كانوا قبل الإسلام أنهم في النار كعمرو بن لحي وغيره، وقال النبي ﷺ : «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» (٢)، والله تعالى لا يمقت من لم يخالف الحق، ولا يعتبر مخالفا للحق من لم يعلمه، فإن العلم شرط في التكليف، والله أعلم.

стр. 204

والذي يجمع أطراف الأدلة التي احتج بها المختلفون أو احتج لهم بها أن يقال: إن أهل الفترة إن قيل إنهم معذورون لعدم إرسال الرسل إليهم، فإن ذلك لا يعني أنهم من أهل الجنة، كما أنه إن قيل إنهم مؤاخذون فلا يعني أنهم من أهل النار ولا بد، بل إنهم ممن يشملهم الامتحان يوم القيامة، فمن نجح فيه كان من أهل الجنة، ومن خسر فيه كان من أهل النار، وقد ساق الإمام ابن كثير في هذه المسألة عدة أحاديث في الميت في الفترة إذا لم تبلغه الدعوة، والميت صغيرا وآباؤه كفار، والهرم الخرف، والأصم والأحمق، وأنهم يمتحنون إذ يؤمرون بدخول النار، فمن أطاع نجا، ومن عصى هلك، ثم عقب عليها بقوله: «أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها»، انتهى، ورد قول ابن عبد البر في رد هذا بأن الآخرة ليست دار تكليف، بأن ذلك لا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة والنار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال، وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]. قلت: هذا الذي قاله الحافظ ابن كثير ينبغي أن يقيد بغير الأطفال مطلقا لقول النبي ﷺ : «أطفال المسلمين في جبل في الجنة يكفلهم إبراهيم وسارة حتى يدفعونهم إلى آبائهم يوم القيامة»، وقوله ﷺ : «أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة» (١)، والله أعلم. فإن قيل: فكيف أخبر النبي ﷺ بدخول بعض أهل الفترة النار، ولما يمتحنوا بعد، وبعض هذه الأخبار في الصحيح؟، فالجواب أن الله تعالى أطلعه على استحقاقهم ذلك بعد امتحانهم، كما أخبره بدخول أبي لهب وزوجته النار، وهما ما يزالان في دار التكليف، فيكون ذلك من أعلام نبوته بأبي هو وأمي، كما أن الأول من إعجاز القرآن في إخباره بالغيب، قال تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)﴾ [المسد: ٣ - ٤]، ونحن في مثل هذه المسائل لا خيار لنا في تقرير ما علمنا من دين الله أحكاما وأخبارا،

стр. 205

وإلا فإن الجنة لا يستحقها الناس بالعواطف، والنار كذلك، وما قولنا في قول الله لنوح ﵇ في شأن ابنه: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]، وقول الله تعالى عن نبيه ورسوله إبراهيم ﵇: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، ولعل العاطفة هي التي حملت بعض الناس على القول بأنه عمه وليس أباه، وأثرت على بعض حفاظ الحديث فأعرضوا عن ذكر بعض الأحاديث لأنها خالفت ما غلبتهم عواطفهم عليه، نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن أورثهم الجنة إنه سميع قريب مجيب.

стр. 206

(خاتم الرسل ﷺ -¬) • قوله: ١٦ - «ثم ختم الرسالة والنذارة والنبوة بمحمد نبيه ﷺ ، فجعله آخر المرسلين، بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وأنزل عليه كتابه الحكيم، وشرح به دينه القويم، وهدى به الصراط المستقيم». هذا هو الشطر الثاني من كلمة التوحيد، وهو الإيمان بأن محمدا ﷺ رسول الله، وأنه خاتم الأنبياء والرسل. والرسالة هي اختصاص النبي ﷺ بخطاب التبليغ عن الله تعالى. والختم أصله سد الإناء، والغلق على الكتاب، ففيه معنى إنهاء الشيء، وقد كان العرب يضعون على الرسائل من خارج شيئا طريا، فإذا يبس تعذر الفتح، فإن فتح علم بذلك المرسل إليه، كما كانوا يضعون طبقة من الطين على الإناء الذي به خمر أو غيره حتى لا يدخله الهواء استبقاء لرائحته ونكهته، كما قال تعالى عن شراب الأبرار: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين: ٢٥ - ٢٦]، فوضع الخاتم على الشيء مشعر باكتماله، فلا يضاف إليه شيء، وهكذا نبينا محمد ﷺ لا يكون بعده مثله لا من الأنبياء ولا من الرسل، بل إن عيسى ﷺ إذا نزل قضى بشريعته، بل وائتم بواحد من أمته. والنذارة التحذير من السوء اللاحق بسبب المخالفة، والمنذر والنذير القائم بذلك، وقد وصف النبي ﷺ نفسه في الحديث بأنه النذير العريان (١).

стр. 207

والبشارة التبشير بعاقبة الطاعة، وبالأمر السار، هذا أصلها، وتخرج عنه بالقيد إلى الضد كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾ [الانشقاق: ٢٤]، وقوله ﷺ : «حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار» (١)، والقائم بالبشارة المبشر والبشير، وكل من البشير والمبشر، والنذير والمنذر مما وصف الله به نبيه ﷺ في القرآن. وكل من البشارة والنذارة تتضمن الأخرى، لأن من بشر بالثواب على الطاعة بالمنطوق؛ فقد أنذر بالعقاب على المعصية بالمفهوم. وقدم الرسالة في الذِّكْر لدخول النبوة فيها، تبعا لتعريف الجمهور لهما وهو الحق، أما تقديم النذارة على النبوة فقد يكون للإشارة إلى أن النبي من لم يؤمر بالتبليغ كما هو الشائع في تعريفه، فإن النذارة من لوازم التبليغ. ونص على اختتام النبوة بسيدنا محمد ﷺ لما قد يقال من إمكانية ظهور نبي يكون على رسالته ﷺ مما يخالف إجماع المسلمين، وقد قال النبي ﷺ في جملة ما اختصه الله به: «وختم بي النبيئون» (٢)، وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، ومن الحكمة في الجمع بين كونه ﷺ ليس أبا أحد، وبين كونه خاتم النبيئين ما أشار إليه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ﵀ في تفسيره حيث قال: «وإذ قد كان الرسل لم يخل عمود أنسابهم من نبيء كان كونه خاتم المرلسين مقتضيا أن لا يكون له أبناء بعد وفاته، لأنهم لو كانوا أحياء بعد وفاته، ولم تخلع عليهم خلعة النبوة لأجل ختم النبوة به كان ذلك غضا فيه دون سائر الرسل، وذلك ما لا يريده الله به، ألا ترى أن الله لما أراد قطع النبوة من بني إسرائيل بعد عيسى ﵇ صرف عيسى عن التزوج»، انتهى. ومعنى كونه شاهدا؛ شهادته لأمته: للمستجيبين بالطاعة، وعلى المعرضين بالمعصية، كما قال تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال تعالى:

стр. 208

﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١]،.، وأمته مثله تشهد للأنبياء بالبلاغ لإعلامه إياهم بذلك، ومنهم الشهداء الذين يشهدون لهذا الدين بأنه حق بعلمهم وأعمالهم وسلوكهم وبألسنتهم وأسنتهم. وقوله «وداعيا إلى الله بإذنه»، أي داعيا إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، والمراد بالإذن هنا التيسير والتأييد، لا مجرد إجازته، والرخصة فيه، أوالأمر به، وهي الأصل في إطلاقه. وقوله «سراجا منيرا» أي كالسراج المنير في بيان الطريق، بحيث لا يبقى أمام السالك لبس ولا غموض، فإن الدين محجة بيضاء ليلها كنهارها والله، لا يزيغ عنها إلا هالك. وقد ادعى النبوة في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته أناس منهم مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وسجاح، وغيرهم، لكن لم تعرف في المسلمين طائفة اعتقدت خلاف ما تقدم في ختم النبوة غير البايية، وذلك في حدود سنة (١٢٠٠) بأرض فارس، ثم تسربت إلى العراق، ومؤسسها يدعوه أصحابه السيد علي محمد من غلاة الشيعة الإمامية، وهو الذي لقب نفسه بباب العلم، فعرف المنتسبون إليه بالبابية اختصارا، وأتباعه كفار بلا ريب، وقد قتل سنة (١٢٦٦) بعد أن ادعى النبوة، وكان يقول إن القرآن أشار إلى كتابه الذي زعم أنه أوحي إليه وسماه البيان في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ٣ - ٤]. وبعد البابية ظهر المسمون بالبهائية وهم فرقة مشتقة من الآولى، نسبة إلى بهاء الله المسمى مرزا حسين، وهو من أهل طهران من تلاميذ الباب، وبعد أن قتل شيخه طرد إلى العراق، ثم نقل إلى أدرنة بتركيا، ثم عكا بفلسطين من طرف الحكومة التركية، ليسجن فيها، حتى إذا أعلن الدستور التركي أطلق سراحه بعد أن اعتبر من المساجين السياسيين، لخصته من تفسير الشيخ ابن عاشور ﵀ أثناء كلامه على تفسير آية سورة الأحزاب المذكورة قبل. وقد عرفت بعض الأفراد من هذه الفرقة بمدينة وهران، وهم في وظائف الدولة منذ أزيد من خمسة وثلاثين عاما، وظهر عندنا بمدينة المحمدية من يقول بنحو قولهم، ومن ذلك صلاة ركعتين فقط في اليوم والليلة، وقد سجن ثم أطلق سراحه!! لأنه ليس في

стр. 209

القانون ما يستند إليه لمحاكمته إلا أن يكون المساس بالأمن العام، وظهرت جماعة تسمى الأحمدية هذه السنة (١٤٣٨)، واعتقلت أجهزة الدولة كثيرا من أتباعها للكوينهم جمعية سرية والدعوة والاجتماع من غير ترخيص، وجمعهم الأموال.

стр. 210

(لا هداية إلا في الكتاب والسنة) وقوله: «وأنزل عليه كتابه الحكيم، وشرح به دينه القويم، وهدى به الصراط المستقيم»، يعني أن الله تعالى شرح بسنة نبيه ﷺ الدين، إذ السنة ما ثبت عنه من قول وفعل وتقرير، والدين لا يؤخذ إلا من الكتاب والسنة. والكتاب هو أصل الأصول، احتوى الدين كله تأصيلا أو تفصيلا، وكل ما عداه راجع إليه، والسنة بيان له، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. وقد دلّ الكتاب على وجوب طاعة رسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ودل على أنه مبين للقرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، ودل على وجوب اتباعه فقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]، وعلى مطلوبية الاقتداء به قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وحذر من مخالفته فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]، ودل على ندم مخالفه يوم القيامة: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)﴾ [الفرقان: ٢٧]، ونفى الإيمان عمن لم يحكم شريعته مع انتفاء الحرج عن نفسه فيما حكم به، مع كمال التسليم، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، ومعظم العبادات والأحكام لا تعرف تفاصيلها التي أجمع المسلمون عليها إلا من السنة، فمن زعم أنه مسلم باتباع القرآن وحده فقد كذب، لأنه قد خالف القرآن نفسه، وقد ظهر عندنا من يزعمون أنهم قرآنيون وهم كذبة أفاكون يرومون هدم الدين.

стр. 211

وقد دلّ كتاب الله على كفر من خالف إجماع المسلمين المتيقن، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]، ودل على بقية الأصول التي يرجع إليها لمعرفة أحكام الله تعالى كالقياس وسد الذرائع وغيرها. وقد وصف النبي ﷺ بأنه هاد، لأنه قد جاء بالهدى ودين الحق، فهدى الله به الضالين إلى الصراط المستقيم الذي هو الإسلام نفسه بأصليه الكتاب والسنة، فلا يمكن أن يكون مهتديا من تنكب عن طريقته، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]، فالحلال ما أحله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، ولا بد في الإسلام من توحيد المرسِل الذي هو الله تعالى بعبادته وحده كما تقدم، وتوحيد اتباع الرسول، بحيث لا يقدم على طاعته طاعة غيره كائنا من كان متى كان الأمر لازما. قال ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية ص (٢١٧): «فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسِل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا نحاكم إلى غيره، ولا نرضى بحكم غيره، ولا نوقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه (كذا بالالتفات) وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه، فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة فوض إليهم وأعرض عن أمره وخبره، وإلا حرفه عن مواضعه، وسمى تحريفه تأويلا وحملا، فقال: نؤوله ونحمله، فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب ما خلا الإشراك بالله خير له من أن يلقاه بهذه الحال». وحاجة الإنسان إلى الهداية إلى الصراط المستقيم أعظم من جميع حاجاته الأخرى، فإن الكثير من هذه تتقاضاها الطباع كالأكل والشرب واللباس والنوم وأنواع من العلوم والمعارف، بخلاف الهداية فإنها ليست كذلك بعد أن يفعل المحيط فعلته في الإنسان الذي يولد على الفطرة، ولأن خسارة الإنسان بافتقاده بعض ما تقدم ليست كخسارته إذا ضل ومات على غير الهدى، بل إنه خاسر في الدنيا نفسها، فضلا عن الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ

стр. 212

عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١]. وتدبّر كلام ربّك، فقد افتتح الله ذكر المنهيات في سورة الإسراء بقوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢]، وهذا بيان لخسارة الدنيا بالمعيشة الضنك، ولو نال ما نال المرء من متاعها، وقال في ختام تلك المنهيات: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ [الإسراء: ٣٩]، وهذه عاقبة المشرك في الآخرة، وهي الخلود في النار، فلما كان النهي عن الشرك رأس المنهيات ابتدأ به واختتم به، فاحذروا عاقبته، واجتهدوا في التحذير منه. ولذلك فرض الله تعالى على كل مسلم أن يدعو بهذا الدعاء في كل ركعة من الصلوات الخمس وغيرها من النوافل، وجعله بصيغة الجمع وقدم بين يديه هذا الثناء العظيم من عبده عليه حتى يكون أقرب إلى القبول، ولما كانت درجات الهداية متفاوتة كان النبي ﷺ وهو سيد المهتدين يقول في دعائه إذا قام من الليل من جملة ما يقول بعد تمجيد الله تعالى والثناء عليه: «اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١)، وورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم (٢) عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال له: «قل اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم». قال ابن الأثير: «والمعنى إذا سألت الهدى فأخطر بقلبك هداية الطريق، وسل الله الاستقامة فيه، كما تتحراه في سلوك الطريق، لأن سالك الفلاة يلزم الجادة، لا يفارقها خوفا من الضلال، وكذلك الرامي إذا رمى شيئا سدد السهم نحوه ليصيبه».

стр. 213

(الساعة وبعث الموتى) • قوله: ١٧ - «وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من يموت، كما بدأهم يعودون». المراد أن الإيمان يجب بقيام الساعة، وبعث الأموات، فالإيمان بأن لهذا العالم نهاية وآخرا هو أحد أركان الإيمان المذكورة في حديث جبريل، حيث قال النبي ﷺ : «واليوم الآخر»، وسمي آخرا باعتبار أن الدنيا قبله فهي الأولى، وبعث الأموات داخل في جملة الإيمان باليوم الآخر. فأما الساعة فتطلق على المدة من الزمان كما في حديث الذهاب إلى المسجد في إحدى الساعات الستة يوم الجمعة، كما تطلق على المدة القليلة من الزمن، وتطلق في العرف على زمن محدد هو جزء من أربعة وعشرين جزءا من مجموع الليل والنهار. والمراد هنا معنى الساعة في عرف الشرع، وهو الوقت الذي يأذن الله تعالى فيه بنهاية العالم وخرابه، ولا يعلمه غير الله، ويسمى اليوم الآخر، ويوم القيامة، وله أسماء كثيرة ذكر طرفا منها صاحب الفواكه الدواني فانظره، وسمي كذلك لمفاجأته وسرعة وقوعه، وقد اجتمع ذكر الساعة مرادا به المدة القليلة من الزمن، والساعة بمعنى نهاية العالم في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]. وقد استأثر الله تعالى بعلم الساعة كما قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وهي من جملة مفاتيح الغيب الخمسة التي لا يعلمها إلا الله، ذكرت مجملة في سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ

стр. 214

الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وفصلت في قوله تعالى آخر سورة لقمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [آخر لقمان]، كما جاء تفسير مفاتح الغيب بتلك الأمور الخمسة في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن ابن عمر. ولما سأل جبريل ﵇ النبي ﷺ عن الساعة؛ أجابه بقوله: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» (١)، لكنه حين سأله عن أماراتها قال: «أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» (٢)، وأخبر أنها تقوم يوم الجمعة، ونزول القرآن من علامات الساعة لكون النبي ﷺ آخر الأنبياء، وقد قال: «بعثت أنا والساعةَ كهاتين» (٣)، كما أن نزول عيسى ﷺ من علامات الساعة كما قال الله تعالى: «وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها»، وقيل الضمير يرجع إلى القرآن، ولها علامات صغرى وكبرى ألف في تفاصيلها العلماء كتبا. وقد قال رسول الله ﷺ : «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي العين فليقرأ إذا الشمس كورت وإذا السماء انشقت»، و «إذا السماء انفطرت» (٤). ٢ - وأما البعث فإن الله تعالى إذا أفنى العالم بعث الخلق من جديد، وهو المراد بيوم القيامة، ولذلك قال المؤلف «وأن الله يبعث من يموت، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٦ - ٧]، ولا خصوصية لمن في القبور، والتعبير بذلك بحسب الغالب، فإن كل الموتى يبعثهم الله كما في قوله سبحانه: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨].

стр. 215

ولعل المؤلف ﵀ قد آثر التعبير ببعث الموتى بدل من في القبور إيثارا للجلي على المحتمل الخفي، وإن اقتضى الأمر التلفيق من سياقين قرآنيين. والصواب: أن الله تعالى يبعث الموتى بجمع أجزائهم التي تفرقت وتحللت وضلت في الأرض، وأنه تعالى لا يخلق أجساما أخرى، وهو على كل شيء قدير، وقد وضح هذا المعنى ابن أبي زيد في كتابه الجامع حيث قال: «وأن الأجساد التي أطاعت أو عصت هي التي تبعث يوم القيامة لتجازى، والجلود التي كانت في الدنيا والألسنة والأيدي والأرجل هي التي تشهد عليهم يوم القيامة». وقد كان المشركون يستبعدون هذا ويقولون كما حكى الله عنهم: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠)﴾ [السجدة: ١٠]، وقال ﵊: «كل ابن آدم يأكله التراب إلا عَجْبَ الذَّنَبَ منه خلق وفيه يركب» (١)، وعَجْبُ الذَّنَب عظم لطيف في أصل الصلب، وهو مكان رأس الذنب من ذوات الأربع، وقد ورد أنه مثل حبة الخردل في الصغر. قال الحافظ ناقلا عن غيره: «في هذا سر لا يعلمه إلا الله، لأن من يظهر الوجود من العدم قادر على ذلك لا يحتاج إلى شيء يبني عليه، ويحتمل أن يكون ذلك جعل علامة للملائكة على إحياء كل إنسان بجوهره، ولا يحصل العلم للملائكة بذلك إلا بإبقاء عظم كل شخص ليعلم أنه إنما أراد بذلك إعادة الأرواح إلى تلك الأعيان التي هي جزء منها، ولولا إبقاء شيء منها لجوزت الملائكة أن الإعادة إلى أمثال الأجساد، لا إلى نفس الأجساد»، انتهى. ومن الأدلة قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾، فأخبر أنه يحييهم والإحياء يدل على ما قلناه، وأخبر أنه يبعثهم، والبعث في اللغة الإرسال والإثارة. ومن ذلك أن أجساد الأنبياء حرّم الله على الأرض أن تأكلها، فبعثها إرجاع الأرواح إليها، فيكون غيرها كذلك، وحديث عجب الذنب مخصوص بهذا.
следующие страницы →