Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
وأنت ترى بأن المصنف قيد العيب الذي يحدث عند المشتري بالمفسد وهو في الموطإ، قالوا وهو المتوسط الذي لا يخرج المبيع عن المقصود كأن تعجف الدابة، ومنه أن تصاب السيارة في جزء من هيكلها الخارجي، أو تتزوج الأمة، بخلاف ما فوت المقصود فإنه يفوت معه الرد، وللمشتري أن يرجع على البائع بأرش العيب القديم.
وعليك أن تلاحظ أنهم قالوا يرجع بقيمة العيب القديم من الثمن، أو يرده ويرد ما نقصه العيب عنده، فاحتاج الأمر إلى بيان أن قيمة الشيء ليست هي ثمنه دائما ولا بد، بل قد تختلف عنه بالزيادة والنقصان، فالقيمة هي الثمن الحقيقي للشيء حسب تقويم المقوم، والثمن هو الذي يتراضى عليه المتبايعان سواء زاد على القيمة أو نقص، ولذلك كان من بيع الغرر المردود بيع الشيء على أن يكون ثمنه قيمته قبل تقويمه، لأنها مجهولة، ولينظر هنا كتاب (ضوابط الثمن وتطبيقاته في عقد البيع) (ص ٦٨).
وعلى هذا فإن اختار إمساك السلعة قوم العبد سليما ثم بعيبه القديم وأخذ من الثمن فرق ما بين السلامة والعيب، فإذا كان ثمنه سليما ثلاثين، وكانت قيمته بعيبه القديم عشرين رد عليه البائع عشرة، وإن اختار الرد قومت السلعة ثلاث تقويمات: تقوم سالمة من العيب لتعرف نسبة العيب القديم عند التقويم الثاني كي تجعل على البائع، ثم تقوم معيبة بالعيب القديم، ثم يقوم بالعيب الحادث، فإذا كانت قيمة السلعة سالمة (٣٠)، وقيتها بالعيب الأول (٢٠)، واتفق أن كانت هي الثمن المشترى به، وبالعيب الجديد (١٥)، كان للبائع على المشتري خمسة، هي الفارق بين التقويمبن، وللمشتري على البائع عشرة، وهي الفارق بين ثمن السلعة وبين ما نقص بسبب العيب الأول، فيقاصه بخمسة، ويعطيه خمسة، وإلا أخذ كل منهما وأعطى.
وقد علمت من المثال أنه اتفق فيه قيمة السلعة سالمة مع ثمنها الذي اشتريت به، أما إن اختلفت عنه، فإنه يؤخذ منه على نسبتها:
ثمن السلعة ٥٠
قيمة السلعة سالمة ١٠٠
فيمة السلعة بالعيب الأول ٨٠
стр. 1647
قيمة السلعة بالعيبين ٦٠
الفارق بين القيمة بالعيب الأول والثاني (٢٠)
فإذا تمسك المشتري بالسلعة رد عشرة، وهي حاصل ضرب نسبة العيب الذي حدث عنده إلى القيمة الأصلية في الثمن هكذا: ٢٠/ ١٠٠×٥٠=١٠
وإن رد المشتري السلعة أعطاه البائع عشرة وهي حاصل ضرب نسبة العيب القديم إلى القيمة الأصلية في الثمن هكذا ٢٠/ ١٠٠×٥٠=١٠
وهذه تدقيقات وتكاليفات ما أحسب أن الشرع يأتي بها، وكلام المؤلف واضح.
стр. 1648
• قوله:
٢١ - «وإن رد عبدا بعيب وقد استغله فله غلته».
إذا ردت السلعة كيفما كانت بسب العيب كانت غلتها للمشتري إلى وقت فسخ البيع لحديث عائشة ﵁ قالت: «قضى رسول الله ﷺ أن الخراج بالضمان»، رواه أصحاب السنن الأربعة (د/ ٣٥٠٨) وحسنه الترمذي، وقد قضى به عمر بن عبد العزيز بعد أن بلغه في مثل ما ذكره المؤلف، وروى أبو داود القصة سبب الورود مرفوعة وضعفها.
ومعنى الخراج «الغلة» كما جاء مبينا في رواية أبي داود، قال في النهاية: «الغلة الداخل الذي يحصل من الزرع والثمر واللبن والإجارة والنتاج ونحو ذلك»، انتهى، ومعنى الحديث أن الغلة مستحقة بسبب الضمان، فالمبيع إذا كان في ضمان المشتري بحيث يحسب عليه إذا تلف، ويقوم بالإنفاق عليه وبسائر مؤنته كانت غلته له نظير ذلك، قال الشيخ زروق: «وهذا عام في كل شيء أخذ بوجه جائز»، انتهى.
قلت: وقد اختلف في غلة المغصوب وسيأتي ذكره، والمراد عندهم الغلة غير المتولدة كركوب السيارة، وكراء الدابة، وسكنى الدار، قالوا وتشمل اللبن والسمن، أما الصوف فما نتج منها بين الرد والشراء فهذا كله للمشتري، واختلف فيما كان من الصوف تاما عند البيع، وفي التمر يشترطه المبتاع، فقال ابن القاسم هو للبائع، فيرده المشتري أو يرد مثله، وقال أشهب هو للمشتري، وهو في شرح زروق، والمذهب أن الولد جزء وليس غلة فيرد، قال الشوكاني في نيل الأوطار (٥/ ٣٢٦): «وهذا الخلاف إنما هو مع انفصال الفوائد عن المبيع، وأما إذا كانت متصلة وقت الرد وجب ردها بالإجماع.
ولا بد في كون الغلة للمشتري من لزوم البيع، فإن لم يكن لازما كبيع الفضولي ونحوه فلا، إلا أن يجيزه من له ذلك، ويشترط أيضا أن لا يكون استيفاء الغلة دالا على الرضا، كما لو استوفاها بعد الاطلاع على العيب، فتكون الغلة له لأن الرد بالعيب لا يقبل حينئذ.
стр. 1649
• قوله:
٢٢ - «و البيع على الخيار جائز إذا ضربا لذلك أجلا قريبا إلى ما تختبر فيه تلك السلعة أو ما تكون فيه المشورة».
هذا هو النوع الثاني من الخيار، وهو خيار الشرط، وعرفوه بأنه «بيع وقف بته على إمضاء متوقع»، انتهى، والغرض منه إعطاء المتبايعين أو أحدهما مهلة للتروي، أو الاستشارة، أو اختبار السلعة، فإن كثيرا من الناس لا يحسنون الشراء، ولا يفرقون بين الجيد والرديء، وهو جائز إلا في الصرف وبيع الطعام بالطعام لكون المناجزة فيهما واجبة على ما تقدم، ودليله حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار»، لفظ مالك في الموطإ (١٣٦٣)، ورواه الشيخان وغيرهما، والغرض من إيراده هنا جملة الاستثناء، وقد ذكر فيه خيار المجلس، ولم يفل به مالك، وقد بين السبب بقوله: «ليس لهذا الحديث عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به»، والحديث مما قيل إن مالكا لم يعمل به لمعارضته بعمل أهل المدينة، قال ابن العربي في المسالك (٦/ ١٥٣): «أشار إلى أن المجلس مجهول المدة، ولو شرط الخيار مدة مجهولة لبطل إجماعا، فكيف يثبت حكما بالشرع بما لا يثبت شرطا في الشرع؟، وهذا شيء لا يتفطن له إلا مالك ﵁، وقد ظن بعض المتوسمين بالعلم من الجهلة أن مالكا إنما تعلق فيه بعمل أهل المدينة، وهذه جهالة»، انتهى، والصواب إن شاء الله هو العمل بما دل عليه من خيار المجلس ومن اطلع على ألفاظه ظهر له أن كل ما قيل في تأويله من أهل المذهب لا ينهض.
ويلزم في خيار الشرط أن يضرب المتبايعان لذلك أجلا، فإن لم يفعلا وكان لهم عرف في أمده لا يخالف الشرع حمل عليه، وإلا كان البيع باطلا للغرر، وأحرى لو اشترط الخيار لا إلى مدة معينة، فإن البيع باطل بالإجماع، قال خليل: «وفسد بشرط مشاورة بعيد
стр. 1650
أو مدة زائدة أو مجهولة»، انتهى.
وقد بين المؤلف الغرض من خيار الشرط وهو اختبار السلعة أو المشورة أو كليهما، فأما اختبار السلعة فمتفق على الخيار لأجله، وأما المشورة فالمشهور جواز الخيار لأجلها، وعن ابن القاسم منعه لها، والظاهر أن المشتري يتعين عليه أن يقتصر على ما يتحقق به الاختبار، ولا يجوز له أن يستغل المبيع فيما وراء ذلك.
أما مدة الخيار فتختلف عندهم باختلاف السلعة، لأن المقصود تحقق الغرض الذي لأجله شرع الخيار على خلاف الأصل، فللثوب اليوم واليومان، وللدابة إلى الثلاثة، وفي الرقيق الأسبوع، وفي الدار الشهر والشهران، وفيما يسرع إليه الفساد إن حصل يراعى ما لا يلحق الضرر فيه بالبائع.
وإنما قالوا بذلك لأن الحديث كما ترى ليس فيه تحديد للمدة، فترجع إلى الاجتهاد، لكن قد تقدم إثبات الخيار في المصراة إلى ثلاثة أيام، وجاءت الثلاثة أيضا في قول النبي ﷺ : «إذا بايعت فقل لا خلابة»، رواه مالك (١٣٨١) وأحمد والشيخان عن ابن عمر أن رجلا ذكر لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوع فقال رسول الله ﷺ : فذكره، فكان الرجل إذا بايع يقول: «لا خلابة»، وقد جعل له الخيار في كل سلعة ابتاعها ثلاث ليال إذا خدع، لكن حديث المصراة أولى أن يعتمد عليه، لأن الغرض اختبار المشتري الشاة حتى يعرف درها الحق مما نتج عن التصرية المدلس بها عليه، فيتجه لهذا الاعتمادُ عليه، ويكون الاجتهاد في الأمد الذي تختبر فيه السلعة، والله أعلم.
стр. 1651
• قوله:
٢٣ - «و لايجوز النقد في الخيار، ولا في عهدة الثلاث، ولا في المواضعة بشرط».
ذكر هنا ثلاثة من البيوع لا يجوز فيها تقديم الثمن إذا كان باشتراط البائع، وكلها أفراد من بيوع الخيار، إما خيار الاشتراط في العقد، وهذا غير مرتبط بعيب وقد تقدم، وإما خيار تقتضيه طبيعة السلعة وهو شيئان:
عهدة الثلاث: والمراد بها بيع الرقيق فيكون الضمان على البائع فيما يظهر فيه من العيوب بإطلاق، وسيأتي كلام المؤلف عليه.
والأمر الثاني المواضعة، وهي أن توضع الجارية العلية أو التي أقر البائع بوطئها عند امرأة، أو عند رجل أمين له أهل، ولا توضع عند المبتاع، ويجبر المتبايعان عليها ولو أسقطاها، ولا يفسد البيع بذلك، وتستمر المواضعة حتى يتبين هل الجارية حامل أو لا؟، فإن كانت حاملا من غير البائع كان ذلك عيبا في العلية، فللمشتري الرد به، وله أن يمسكها على ما تقدم، وإن كان الحمل من البائع فهي أم ولد يفسخ بيعها، والتبين يكون بحيضة إن كانت من ذوات الحيض، وبثلاثة أشهر إن كانت يائسة أو صغيرة كما تقدم في العدة.
ومن البيوع التي لا يجوز تقديم الثمن فيها بيع الغائب على الصفة، وذلك لأن للمشتري الخيار إذا رآه فوجده على خلاف ما وصف له، ومنها بيع الأرض التي لم يؤمن ريها، ومنها الجعل، لأن أخذ العوض فيه معلق على إكمال العمل، فتقديم الثمن في هذه الأمور لا يجوز إذا كان ذلك عن شرط، ومنعوه في بيع الغائب والمواضعة وإن من غير شرط، والعلة أنه يؤول في حالة عدم إمضاء البيع إلى سلف، فيكون في أصله مترددا بين السلفية والثمنية، وإنما قيدوا المنع بحالة الاشتراط لأنه في حالة التطوع بدفع الثمن لا يتهمان على الدخول في عقد متردد بين السلفية والثمنية.
стр. 1652
• قوله:
٢٤ - «والنفقة في ذلك و الضمان على البائع».
المبيع على الخيار وفي عهدة الثلاث والمواضعة يبقى في ملك البائع حتى يمضي الأمد، بناء على أن بيع الخيار منحل حتى ينبرم، وقيل هو منبرم حتى ينحل، وما دام الأمر كذلك فنفقته عليه، كما أن ضمانه عليه، وهذا واضح في عهدة الثلاث والمواضعة، أما في بيع الخيار فقد فرقوا بين حالة القبض وغيره، فإن قبضه وكان مما يغاب عليه فضمانه من المشتري، إلا أن تقوم بينة على هلاكه من غير تسببه، وإن لم يقبضه فضمانه من البائع.
وحيث قد علمت الخلاف في البيع على الخيار هل هو منعقد من أوله أو ينعقد بإمضائه، فاعلم أنهم مع هذا لم يتنازعوا في كون النفقة على البائع، أما الضمان فلذلك الاختلاف أثر فيه، فقيل الضمان من البائع إن اشترط هو الخيار، وعلى المشتري إن كان اشتراط الخيار منه، وهذا رأي، فإنه كيفما كان الطالب فقد حصل التراضي على الخيار، فلا يؤثر هذا في الضمان الذي يكون على البائع لأن البيع غير بات، ما لم يتعد المشتري، والله أعلم، وانظر المقدمات (٣/ ٢٤٦) لابن رشد.
стр. 1653
• قوله:
٢٥ - «وإنما يتواضع للاستبراء: الجارية التي للفراش في الأغلب، أو التي أقر البائع بوطئها وإن كانت وخشا».
لما بين أن المواضعة لازمة وقد علمت معناها، وهي وسيلة إلى تبين حال الرحم، بين هنا متى تتعين، فإن الوسيلة لا يلجأ إليها إذا لم يحتج إليها، لأنها غير مرادة لذاتها، والمراد هنا العلم ببراءة الرحم غالبا، ولهذا لا تكون المواضعة إلا للأمة التي للفراش، وهي العلية، أقر البائع بقربانها أو لا، لأن الغالب عليها أن توطأ، فنزل الغالب منزلة المحقق احتياطا للفروج، والثانية الأمة التي يقر البائع بوطئها، وإن وخشا، مخافة أن تكون علقت منه، أي حملت، أما الوخش التي لم يقر بقربانها فلا مواضعة فيها، لكن على مشتريها استبراؤها بحيضة قبل قربانها، وهو المسمى عندهم بالاستبراء المجرد، أي المجرد عن المواضعة، لأنها تكون عند مشتريها.
стр. 1654
• قوله:
٢٦ - «ولا نجوز البراءة من الحمل إلا حملا ظاهرا».
حمل الجارية قد يكون سببا في ارتفاع ثمنها كما لو كانت وخشا، أعني جارية للخدمة، وقد يكون سببا في انخفاضه إذا كانت علية، أعني جارية الاستمتاع، فلما كان للحمل مدخل في الثمن لم يجز أن يتبرأ البائع منه، بمعنى أنه يبيعها على أنها غير حامل، وكلام المؤلف فيه قلق، ولذلك قيدوا المنع بالتبري من حمل العلية فلا تباع على أنها غير حامل، بحيث إذا ظهر ذلك فيها لا ترد لما فيه من الغرر، أما إن كان حملها ظاهرا وقت العقد فالتبري منه لا حرج فيه لأنهما يتراضيان على الثمن وهما عالمان بحال الجارية، أما الوخش فالتبري من حملها جائز ظاهرا كان أو غير ظاهر لحصول التراضي على العوض المعلوم لهما، وقوله إلا حملا ظاهرا هو منصوب، وفي نسخة بالجر فيكون بدلا من المجرور، وهو أولى، قال في الألفية:
ما استثنت إلا مع تمام ينتصب … وبعد نفي أو كنفي انتخب
إتباع ما اتصل وانصب ما انقطع … وعن تميم فيه إبدال وقع
стр. 1655
• قوله:
٢٧ - «والبراءة في الرقيق جائزة مما لم يعلم البائع».
لا يجوز التبرؤ من عيوب المبيع كأن يقول أبيع لك هذا على أن لا يلزمني شيء فيما ظهر من العيوب القديمة التي لم أعلمها، بحيث لا يكون للمشتري حق الرد، ولا حق أخذ الناقص من الثمن، وهذا هو المشهور الذي رجع إليه مالك ﵀، لكن إذا كان المبيع رقيقا جاز بيعه على التبرؤ من العيوب التي يحتمل أن تظهر فيه كالإباق والسرقة بشرط أن تطول إقامته عند بائعه، أما إن علم البائع بالعيب أو لم تطل إقامته عنده فلا يجوز التبري، فإن ظهر العيب فعلى البائع اليمين للمبتاع أنه ما علم به، فإن نكل البائع ردت اليمين على المبتاع أنه علمه وكتمه، وقيل لا ترد، وقد عللوا جواز التبري من العيوب في الرقيق بخاصة بأنه يختلف عن غيره من المبيعات إذ يمكنه أن يكتم العيب ويتحايل مدة ما لتنتقل ملكيته أو لغير ذلك مما يريد حصوله بخلاف غيره من السلع.
وقد روى مالك (١٢٩٣) عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ﵄ باع غلاما له بثمانمائة درهم، وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: «بالغلام داء لم تسمه لي»، فاختصما إلى عثمان بن عفان ﵁ فقال الرجل: «باعني عبدا وبه داء لم يسمه»، وقال عبد الله: «بعته بالبراءة»، فقضى عثمان بن عفان على عبد الله بن عمر أن يحلف له: «لقد باعه العبد وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف، وارتجع العبد فصح عنده، فباعه عبد الله بعد ذلك بألف وخمسمائة درهم»، انتهى، ففيه قضاء عثمان وإقرار ابن عمر له على البراءة من العيب الذي لم يعلمه البائع، لأن ابن عمر لو حلف على عدم علمه بالعيب ما رد المبيع إليه، وعدم حلفه لا يدل على أنه كان يعلم العيب، بل كان الحكم لعدم ثبوت جهل البائع بذلك، وقد يكون الشخص محقا ويمتنع من الحلف، وهذا هو المظنون بابن عمر، وسيأتي لك أن أهل المذهب يجوزون الصلح على النكول عن اليمين.
стр. 1656
• قوله:
٢٨ - «ولا يفرق بين الأم وولدها في البيع حتى يثغر».
هذا من البيوع المنهي عنها، وهو بيع الأمة من غير ولدها، ولا مفهوم لقوله في البيع، بل الأمر كذلك في هبة الثواب والأجرة والصداق والقسمة لوجود العلة وهي حاجة الولد إلى أمه وحاجتها إليه، فإذا حصل البيع ونحوه فسخ ما لم يمض زمن التحريم بخلاف ما كان على غير عوض كالهبة والصدقة فلا حرمة عندهم، ويجبران على جمعهما في ملك واحد، ويجوز التفريق بينهما بالعتق تقديما لمصلحته على مفسدة التفريق، ويكتفى بجمعهما في حوز، فإذا عتق الولد وباع أمه أنفق عليه حتى يثغر، ويستمر منع البيع ونحوه حتى الإثغار أي وقت سقوط رواضعه ونباتها، لأن ذلك يكون قريبا من السبع.
ودليل المنع ما روه أحمد والحاكم والترمذي وقال حسن غريب عن أبي أيوب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة»، وفيه الجزاء من جنس العمل، وهل عدم التفريق حق للأم فإذا تنازلت عنه جاز، أو هو حق للولد فلا يجوز ولو رضيت، ومشهور المذهب هو الأول.
والظاهر أنه حق لهما كالحضانة، ولا فرق بين أن تكون الأم مسلمة أو كافرة، كان ولدها من زوجها أو من زنا، قالوا ولو كان مجنونا وأمه كذلك، ما لم يُخف على أحدهما من الآخر.
وجاء ما يدل على منع التفريق في البيع بين الاخوين، ولعل ذلك لصغرهما وهو حديث علي ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أبيع غلامين أخوين فبعتهما ففرقت بينهما فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «أدركهما فارتجعهما ولا تبعهما إلا جميعا، ولا تفرق بينهما»، رواه أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
وإنما يكون التفريق ممنوعا في الرقيق، وقال ابن القاسم وفي الحيوان أيضا وهو
стр. 1657
ظاهر الحديث، وجاء ما يدل عليه نصا لكنه ضعيف، ويقويه ما رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش، فجاء النبي ﷺ فقال: «من فجع هذه بولدها؟، ردوا ولدها إليها»، ورأى قرية نمل قد أحرقناها، فقال: «من حرق هذه»؟، قلنا: «نحن»، قال: «إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار»، وانظر الصحيحة (٤٨٧)، والحمرة بضم الحاء وتشديد الميم طائر صغير كالعصفور، وتفرش رباعي مشدد أي تفرش جناحيها، وتقرب من الأرض وترفرف، كذا في النهاية.
стр. 1658
• قوله:
٢٩ - «وكل بيع فاسد فضمانه من البائع، فإن قبضه المبتاع فضمانه من المبتاع من يوم قبضه، فإن حال سوقه أو تغير في بدنه فعليه قيمته يوم قبضه ولا يرده».
البيع يفسد لعقده أو ثمنه أو مثمونه أو أجله، فإن وقع وجب فسخه ورد العوضين، ما لم يفت بمفوت معتبر، وسيأتي بيان المفوت، وما لم يدل دليل على جواز التمسك به وإصلاح خلله كما في حديث المصراة وحديث البيعتين في بيعة، وحديث تلقي الركبان، وقد أشار إلى هذا في المراقي بقوله:
وجاء في الصحيح للفساد … إن لم يج الدليل للسداد
ومن الأدلة على رد المبيع بيعا فاسدا حديث عبادة ابن الصامت ﵁ المتقدم، وفي آخره «فرد الناس ما أخذوا»، رواه مسلم (١٥٨٧)، وعن سليمان بن أبي مسلم قال: سألت أبا المنهال عن الصرف يدا بيد؟، فقال: «اشتريت أنا وشريك لي شيئا يدا بيد ونسيئة فجاءنا البراء بن عازب فسألناه فقال: فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم، وسألنا رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «ما كان نسيئة فردوه»، رواه البخاري (٢٤٩٧) ومسلم (١٥٨٩)، وعن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: أتي رسول الله ﷺ بتمر فقال: «ما هذا التمر من تمرنا»، فقال الرجل: يا رسول الله، بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا، فقال رسول الله ﷺ : «هذا الربا فردوه، ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا»، رواه مسلم.
وإنما لم يذكر المؤلف رد المبيع بيعا فاسدا لوضوحه، ولأنه سيذكر ما يفيت الرد، فدل هذا على المقصود، وعليك أن تستحضر هنا أن القبض في المذهب ليس شرطا في صحة البيع إلا في الطعام على ما تقدم، ولذلك كانت القاعدة عندهم في الضمان أن
стр. 1659
المبيعات التي ليس القبض من شروط صحة بيعها كالعبيد والعروض وغيرها مما لا يكال أو يوزن إذا كانت متعينة ومتميزة ليس فيها حق توفية، فضمانها من المشتري قبل القبض»، هكذا قال القاضي عبد الوهاب في كتابه الإشراف (٢/ ٥٥٣)، وانظر المعونة (٢/ ٩٧٣) له، والفواكه الدواني للنفراوي (٢/ ١٤١)، ويريدون بالتوفية أن تحتاج إلى كيل ما يكال، أو وزن ما يوزن.
ومما يستثنى من ضمان المشتري بمجرد العقد أن يحبس البائع المبيع لأجل الثمن، وهو كثير عند الذين يشترون الأضاحي عندنا، ومثله ما إذا حبس المبيع لأجل الإشهاد، ويمثل له اليوم بعدم توثيق بيع السيارة ونحوها، بحيث تبقى عند بائعها، وقد يدخل هذا في بيع الكالئ بالكالئ، وكذلك المبيع غائبا على الصفة، أو بناء على رؤية سابقة على العقد، وسبق لك أن علمت أن الضمان في زمن المواضعة على البائع.
لكن لما كان البيع الفاسد لفقد شرط أو وجود مانع لا ينقل الملك، وإنما يفيد شبهته كان الضمان فيه على بائعه ما لم يقبضه المشتري قبضا مستمرا بأن لم يرده إلى البائع على وجه الأمانة، فإن قبضه قبضا دائما كان عليه ضمانه من وقت قبضه، لأنه قبضه للتملك، وإن لم يكن صحيحا في نفسه، فإن لم يقبضه فلا ضمان عليه وإن مكنه البائع من القبض نظرا لعلة فساده، ومعنى ضمان المشتري أنه يرده إن لم يفت، ومعنى فواته اتصاله بما يقرر آثاره عندهم، وقد أشار مالك في الموطإ في باب (العيب في الرقيق) إلى بعض المفوتات فذكر حمل الوليدة، والعتق، ثم قال: «وكل أمر دخله الفوت حتى لا يستطاع رده،،،»، انتهى، وقد ذكروا من أسباب الفوات أن بياع، أو يوهب، أو يعتق، أو يرهن، أو يعطي صداقا، أو تتغير سوقه برخص أو غلاء، أو ذاته بسمَن أو هزال ونحوهما، فإذا حصل واحد من هذه الأمور أعطى بائعه قيمته إن كان البيع متفقا على فساده، وثمنه إن كان مختلفا في فساده، وحكمهم بالثمن هو إمضاء للبيع نظرا للاختلاف، والتقويم يكون يوم قبضه لا يوم فواته، ولا يوم العقد عليه، هذا هو المشهور، ولا يجبر على رد ذاته ولو كان موجودا، وحيث تعين إعطاء القيمة فإن المشتري يقاص بها البائع من ثمن الشراء، ويشتركان في أجرة الذي قام بالتقويم، وفي الفوات بحوالة الأسواق قول آخر أشار إليه ابن عبد البر في الكافي
стр. 1660
(ص ٣٥٧) بقوله: «وقد اختلفوا في اختلاف الأسواق عن مالك وأصحابه»، انتهى، قال في المراقي ذاكرا ما يفيت المبيع بيعا فاسدا:
إذا تغير بسوق أو بدن … أو حق غيره به قد اقترن
وقد روى ابن وهب عن مالك كما هو في المدونة ما يدل على هذا التفريق في الجملة قال: «الحرام من الربا وغيره يرد إلى أهله أبدا، فات أو لم يفت، وما كان مما كرهه الناس فإنه ينقض إن أدرك بعينه، فإن فات ترك»، انتهى
وينبغي أن يقيد ضمان المشتري للمبيع بيعا فاسدا بالقبض، بما إذا اشترى ما يحل له تملكه، أما ما لا يحل له تملكه كالكلب غير المأذون في اتخاذه، وآلات اللهو، فلا ضمان فيه على المشتري ولو قبضه وأدى ثمنه.
أما غلة المبيع بيعا فاسدا فللمشتري كما أن نفقته عليه جريا على قاعدة الخراج بالضمان، فإن لم يكن له غلة رجع بالنفقة على البائع، لكنهم استثنوا من أخذ المشتري غلة المبيع بيعا فاسدا غلة الوقف.
واعلم أن القول بأن الغلة في المبيع بيعا فاسدا للمشتري لا يعني أنه يباح له أن ينتفع به، وهو عالم بحرمته لما في ذلك من تأخير رده، والاستمرار على التلبس بالمعصية، وإنما قيل بأن غلته له على وجه المعالجة لما تم من المخالفة اعتمادا على تلك القاعدة.
стр. 1661
• قوله:
٣٠ - «وإن كان مما يوزن أو يكال فليرد مثله».
المبيع بيعا فاسدا إذا فات إما أن يكون قيميا أو مثليا، فإن كان قيميا ردت قيمته وقت قبضه، وإن كان مثليا رد مثله، فإن تعذر رد المثل أعطى القيمة، والمشهور أن تغير السوق غير معتبر في المثلي لقيام مثله مقامه، وظاهر كلام المصنف يفيد مساواة المثلي لغيره في الفوات بحوالة الأسواق، وهو قول ابن وهب كما في شرح ابن ناجي، وقوله مما يوزن أو يكال مراده إن كان مبيعا بالكيل والوزن، وهو احتراز مما بيع جزافا فإنه لا يرده لأنه بيع على الحزر والتقدير، فيكون المطلوب حزره ورد قيمته لأنه ملحق بالمقوم، وقد علمت الفرق بين قيمة الشيء وثمنه فاذكرها هنا.
стр. 1662
• قوله:
٣١ - «ولا يفيت الرباع حوالة الأسواق».
علمت أن مشهور المذهب عدم فوات المثليات بحوالة الأسواق، وذكر هنا أن الرباع التي هي الأرض وما يتبعها من بناء لا تفيتها تلك الحوالة، وعللوا ذلك بأن الرباع وسائر العقارات تراد غالبا للقنية لا للتجارة، فلا يطلب فيها كثرة ثمن، ولما كان الأصل في ذوات الأمثال القضاء المثل فلا تفوت بحوالة الأسواق، وأما الأرض المشتراة شراء فاسدا إذا زرعت فليس ذلك بمفيت لها أيضا بل ترد، فإن كان الرد والزرع لم ينضج بعد فعلى المشتري الكراء، والظاهر أنه كراء المثل، وأما إن كان الرد بعد فوات زمن الزرع فلا كراء على المشتري إلحاقا له بقاعدة الخراج بالضمان، فأما إن غرست الأرض فذلك مفيت لها في تفصيل يطلب من الشروح، قال زروق في شرحه: «قاعدة المسألة أن ما كان شأنه أن يتخذ للأسواق كالعروض والحيوان والرقيق تفيته الحوالة، وما شأنه أن (لا؟) يتخذ للأسواق كالرباع والعقار لا تفيته، وما تردد بينهما كالطعام فقولان»، انتهى.
واعلم أن استثناء الرباع من الفوات بحوالة الأسواق اعتمادا على ذلك التعليل لا يتجه، لا سيما في هذا العصر الذي عمت فيه التجارة في العقارات كغيرها، لكن لو علل ذلك الاستثناء باستصحاب الأصل، وهو كون البيع فاسدا فمهما أمكن رده كان ذلك هو المتعين وهو هنا كذلك، لا فرق بين الرباع وغيرها، بخلاف ما إذا بيع أو رهن أو وهب، فقد انسد الطريق إلى التدارك، وقد ذهب ابن وهب إلى فواته بحوالة الأسواق كما في شرح ابن ناجي، قال في مسالك الدلالة عن استثناء الرباع من الفوات بحوالة الأسواق اعتمادا على ما علمت من التعليل: «هي تعليلات فارغة، والحق أن هذه آراء متناقضة متضاربة لا تتمشى مع معقول ولا منقول، وليست من شرع الله ورسوله في ورد ولا صدر»، انتهى.
стр. 1663
• قوله:
٣٢ - «ولا يجوز سلف يجر منفعة».
السلف كالسلم وزنا ومعنى، والسلم من أنواع البيع وسيأتي ذكره، ويطلق السلف على القرض، وهو المراد هنا، وحديث: «كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا»، رواه البيهقي في المعرفة عن فضالة بن عبيد موقوفا وجاء عن عدد من الصحابة كذلك، منهم ابن عباس ﵄ أخرجه البيهقي عن سالم بن أبي الجعد قال: «كان لنا جار سماك، عليه لرجل خمسون درهما فكان يهدي إليه السمك، فأتى ابن عباس فسألاه عن ذلك فقال: «قاصه بما أهدى إليك، وقد صصح إسناده في الإرواء (ح/ ١٣٩٧).
والقرض من أعمال البر والتبرعات التي يبتغى بها وجه الله تعالى، وحاجة كثير من الناس إليه شديدة، فلا يجوز أن يكون سببا في تحقيق منفعة مشترطة كيفما كانت للمقرض، أو لأجنبي من جهته، بل يتعين أن تتمحض المنفعة للمقترض، ومثله في منع تحصيل المنفعة من ورائه الشفاعة والضمان، قال ابن عاشر ﵀ عن هذه الثلاثة:
القرض والضمان رفق الجاه … يُمنع أن ترى لغير الله
وقد روى أحمد وأبو داود عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابًا من أبواب الربا».
ومن صور الانتفاع بالقرض أن يسلف رديئا على أن يأخذ جيدا، وأحرى أن يأخذ أكثر منه، ومنها أن يسلف شيئا ليحفظ له حيث لا يكون عنده موضع لحفظه، أو يسلفه في موضع ليأخذه في موضع آخر للمشقة في نقله، إلا أن يكون دافعه إلى ذلك خوف الطريق فيسلفه، ويأخذ بيانا لوكيل المقرض ليعطيه مثله، ويدعى ذلك السفتجة، وهي لفظة عجمية معناها عندهم الكتاب الذي يرسله المقترض لوكيله ببلد ما ليدفع للمقرض نظير ما أخذه منه ببلده»، قال ابن تيمية في مجموع الفتوى (٢٩/ ٥٣٠) بعد أن ذكر الخلاف في مسألة
стр. 1664
السفتجة: «والصحيح الجواز، لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد، وقد انتفع المقرض أيضا بالوفاء في ذلك البلد، وأمن خطر الطريق، فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لا ينهى عما ينفعهم ويصلحهم، وإنما ينهى عما يضرهم»، انتهى.
ومن ذلك أن يهدي المدين للدائن من غير أن تكون بينهما مخالطة بذلك من قبل، فإن كانت الهدية أو العارية لأجل المد في أجل الدين فلا ينبغي أن يختلف في منعها، لأنها بمنزلة الرشوة، وهذا بخلاف الزيادة في القضاء من غير شرط كما سيأتي
وإنما ذكر المؤلف السلف الذي يجر منفعة خلال أحكام البيع، وعقب ذكره البيع الفاسد لأن البيع أصل، والسلف فرع
قلت: ليس ببعيد أن يقال إن السلف ضرب خاص من البيوع، منعت فيه الزيادة، واقتصر فيه على رد المثل، وتعين فيه التأجيل، فتمحضت فيه المنفعة للمقترض، ولهذا يرد القرض الفاسد إلى البيع الفاسد، فيفسخ العقد، ويرد الشيء المقترض، فإن فات بمفوت مما سبق لزم المقترض رد القيمي في المقومات، والمثل في المثليات، ولما عمم المؤلف في كلامه السابق في منع منفعة القرض خص بالذكر صورا من القرض الذي قد يجرها فقال:
стр. 1665
• قوله:
٣٣ - «ولا يجوز بيع وسلف، وكذلك ما قارن السلف من إجارة أو كراء».
أصل هذا أن «كل عقدين يتضادان وضعا، ويتناقضان حكما لا يجوز اجتماعهما»، قاله ابن العربي في المسالك (٦/ ١٤٤)، وتوضيحه هنا أن البيع والإجارة والكراء متى قارن واحد منها السلف شرطا أمكن أن يكون له مدخل في العوض بكثرته أو قلته حسب الجهة التي اشترطت المقارنة، وقد يكون فيه منفعة للمقرض غطاها البيع أو الإجارة، فأما الهبة والصدقة فلا بأس باجتماعها مع السلف إن كان الواهب والمتصدق هو المسلف، أما إن كان هو المتسلف فلا يصح، فإذا وقع عقد من تلك العقود مع السلف على نحو ما تقدم كان فاسدا، فيترادان، فإن حصل الفوات وجب رد المثل في المثلي، وفي القيمي يرد المشتري الأكثر من الثمن والقيمة متى كان هو المسلف، لأنه لما سلف البائع كان الاحتمال الأقوى انه أخذها بالنقص، وإن كان البائع هو المسلف كان للمشتري الأقل من الثمن والقيمة، وكل هذا ما لم يسقطا الشرط قبل فوات السلعة، فإن أسقطاه مضى السلف، نص عليه في المدونة.
وقد روى أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك»، وصححه الترمذي، وانظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٩/ ٥٢٨).
ولعل المقصود نفي حلهما في حالة اجتماعهما بحيث يؤثر أحدهما على الآخر، لدخول السلف هنا فيما جر منه منفعة، ولأنهما صفقتان في صفقة، وقد ورد النهي عنهما أيضا، أما ربح ما لم يضمن فهو أن يشتري سلعة فيبيعها قبل أن ينتقل ضمانها إليه، فنهى عن البيع بنهيه عن الربح لأنه هو المقصود منه، ولأنه مرتب عليه، وقد علمت من قبل أن القبض في المذهب غير لازم قبل البيع إلا في الطعام، فلا يباع قبل أن يستوفى، وأن الضمان
стр. 1666
في غيره ينتقل إلى المشتري بمجرد العقد، ما لم يمنعه البائع من تسلم ما اشتراه، أما ما ليس عنده فهو ما لم يشتره بعد، وسيتعرض له المصنف، وأذكر معناه هناك إن شاء الله.
وكما يمتنع اجتماع السلف مع واحد من عقود المعاوضة للعلة المذكورة يمتنع اجتماع البيع مع كل عقد معاوضة، وهي واحد من عقود ستة إذا كان ذلك شرطا لما للاجتماع من تأثير على العوض، وهي الجعالة، والصرف، والمساقاة، والشركة، والنكاح، والقراض، وهي التي جمعها بعضهم في قوله:
عقود منعناها مع البيع ستة … ويجمعها في الوصف جص مشنق
فجعل وصرف والمساقاة شركة … نكاح قراض منع هذا محقق
وأجاز أشهب ﵀ اجتماع الصرف مع البيع، نظرا إلى أن العقد قد جمع أمرين كل منهما جائز على انفراده، وأنكر أن يكون مالك حرمه، والذي منعه مالك هو الذهب بالذهب مع كل منهما سلعة، انظر شرح الدردير على المختصر (٣/ ٣٢).
стр. 1667
• قوله:
٣٤ - «والسلف جائز في كل شيء إلا في الجواري، وكذلك تراب الفضة».
يقصد بجواز السلف إذن الشرع فيه، لا مجرد الإباحة، فإنه لا خلاف أنه من أفعال البر المندوبات، وليس في سؤاله نقص على طالبه، لكن ينبغي أن لا يلجأ إليه إلا من حاجة لما فيه من شغل الذمة، وعن عقبة بن عامر قال، قال رسول الله ﷺ : «لا تخيفوا أنفسكم بعد أمنها»، قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «الدَّيْن»، رواه أحمد والطبراني في الكبير، وهو في الصحيحة برقم (٢٤٢٠).
وقد تسبب عزوف الناس عن القرض في هذا العصر وغياب الضمان والتحمل في إقبال كثير منهم على القروض الربوية المحرمة، وإني أعرف في جهتي من ينهى عن الربا من الواعظين وهو مواقع له مع المواقعين، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]، ومما جاء في فضل القرض قول رسول الله ﷺ : «ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة»، رواه ابن ماجة (٢٤٣٠) عن ابن مسعود، وحسنه الألباني، وقال النبي ﷺ : «من نفس عن أخيه كربة من كرب الدنيا نفس الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة»، رواه مسلم من حديث أبي هريرة، وأمر الله تعالى بإنظار المعسر إلى الميسرة، وأخبر أن التصدق عليه خير فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وروى أحمد عن بريدة مرفوعا: «من أنظر مُعسرا فله بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدّيْن، فإذا حل الدّيْن فأنظره فله بكل يوم (مثليه) صدقة.
اعتبر الشرع تأخر المدين الغني في رد الدين ظلما إذ قال رسول الله ﷺ : «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته»، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة (٢٤٢٧) عن عمرو بن
стр. 1668
الشريد عن أبيه، واللي هو عدم الوفاء، وهو المطل، وقوله يحل عرضه أي يجوز أن يشتكى به، فيقال مطلني مثلا، وعقوبته يعني ملازمته وسجنه، ومثله قوله ﷺ : «مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع»، رواه مالك (١٣٦٨) والشيخان وغيرهما عن أبي هريرة، وقوله: أُتبع أي أحيل أي قيل له خذ مالك من فلان لشخص له عليه دين، وهي الحوالة، جوزها الشرع لتقليل عدد الذمم المشغولة، وذكر الله تعالى قضاء الدين عن الميت قبل توزيع ميراثه، وشدد النبي ﷺ فيه فكان لا يصلي على الرجل الذي عليه دين، ثم كان يقضي ذلك عن الميت ويصلي عليه حين فتح الله عليه، وندب الناس إلى حسن قضاء الدين بما في ذلك الزيادة في الصفة من غير شرط على المذهب، بل وفي العدد كما سيأتي، ومما أثر عن أحمد ﵀ أن من وجب عليه قضاء الدين فاشتغل بالصلاة عن أدائه بطلت صلاته، ذكره ابن العربي في المسالك (٦/ ١٥٦)، ويشرع الاقتراض لتسديد القرض الذي حل أجله، لكن لا ينبغي أن يتخذ المرء ذلك تعلة ليظل مدينا كلما حل أجل القرض اقترض، فقد روى ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يتقاضاه دينا كان عليه، فأرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: «إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمر فنقضيك»، ويندب أن يدعى للمقرض عند رد القرض بقوله: «بارك الله لك في أهلك ومالك»، رواه ابن ماجة (٢٤٢٤) عن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي عن أبيه عن جده.
والسلف يجوز في كل ما يحل تملكه ولو لم يصح بيعه عندهم كجلد الميتة، ولا يمتنع إلا في الجواري فلا تسلف لمن تحل له على تقدير أنه يملكها، قالوا لما في ذلك من عارية الفروج، فإنه لما جاز للمقترض أن يرد الذات المقترضة نفسها أو غيرها فإذا ردها بنفسها فقد يكون تلذذ بها، ولهذا جوزوا سلفها لمن لا يتأتى له ذلك كالمرأة والمحرم، وجوز بعضهم سلف الجواري إذا كان الشرط رد المثل لا العين، للأمن من علة إعارة الفروج، وإنما نص المؤلف على جواز السلف في كل شيء لمنع بعض أهل العلم السلف في الحيوان، قالوا لأن المطلوب في القرض رد مثله والحيوان يتفاوت.
قلت: كون المطلوب رد المثل في القرض مانعا من السلف في الحيوان غير مسلم،
стр. 1669
لأن المطلوب هو رد المثلي في المثلي بحسب الإمكان، وقد ثبت تسلف النبي ﷺ الحيوان في غير حديث كما سيأتي، أما منع السلف في تراب الفضة - وهذه اللفظة ساقطة من بعض النسخ - فلما فيه من الجهل لعدم ضبط وصفه فيتعذر رد المثل، ومثله كل ما لا تحصره الصفة كالدور والأرضين والأشجار، ولا تنس أن كلامنا في قرض العين لا في العارية فتنبه.
стр. 1670
• قوله:
٣٥ - «ولا تجوز الوضيعة من الدين على تعجيله».
روى مالك في الموطإ (١٣٦٦) عن عبد الله بن عمر أنه سئل عن الرجل يكون له الدين على الرجل إلى أجل، فيضع عنه صاحب الحق، ويعجله الآخر: فكره ذلك عبد الله بن عمر، ونهى عنه»، انتهى.
والوضيعة من الدين هي النقص منه، ويسميها بعضهم الحطيطة، والمعنى أن تقديم الدين قبل أجله على أن يحط منه شيء للمدين لا يجوز، سواء كان الدين من بيع أو من قرض، ويسمى عند الفقهاء ضع وتعجل، أي ضع من حقك، على أن أعجل لك ما في ذمتي، وفيه نقص الأجل في مقابل نقص الدين، فهو عكس الزيادة في الأجل نظير الزيادة في الدين، وقد سوى بينهما مالك في الموطإ فهو «عند مالك وأكثر أهل العلم ربا»، قاله في الكافي، وإنما مُنع لأنه يدخله علل عدة تجتمع وتنفرد منها سلف جر منفعة، لأن الذي عجل شيئا قبل وجوبه يعد مسلفا لمقرضه، وقد قابل السلف ما وضعه عنه الدائن من الدين، وقد يدخله التفاضل بين الذهبين أو الفضتين، فمن له على غيره عشرة آلاف دينار إلى أجل فعجل له تسعة آلاف نظير أن يحط عنه ألفا، فكأنما باع عشرة آلاف دينار بتسعة آلاف دينار، وقد يدخله بيع الطعام قبل قبضه، كما لو كان له على أحد قنطارا قمح إلى أجل فحط عنه قنطارا على أن يعجل له الآخر فكأنما باع قنطارا بقنطارين، فإن وقع هذا رد إليه ما أخذه، ويستحق جميع دينه عند حلول الأجل، وإن لم يعلم بذلك حتى انقضى أجل الدين فإن المدين يرد ما أخذه نظير تعجيل باقي الدين، والله أعلم.
стр. 1671
• قوله:
٣٦ - «ولا التأخير به على الزيادة فيه».
وهذا هو السلف بالزيادة، وهو ربا الجاهلية المحرم بالإجماع، وقد تقدم أول الباب ما رواه مالك في الموطإ (١٣٦٧) عن زيد بن أسلم فيه، وينطبق عليه أيضا أنه فسخ دين في دين، وتوضيحه أن من فعل فقد فسخ دينه الأول، فيما فرضه من الزيادة مضمومة إلى أصل الدين، فالذي له على آخر عشرة آلاف دينار يردها له في رمضان فأجلها إلى ذي القعدة على أن يدفع له أحد عشر ألفا، فقد فسخ المبلغ الأول في الثاني، ولا فرق بين أن تكون الزيادة من المديان، أو من أجنبي، وينطبق هذا الإطلاق على القروض التي تعطيها الدولة للناس من غير أن يدفعوا فائدة، لكنها تتولى دفع الفائدة عنهم، وهذا محقق الحرمة إذا كان البنك خاصا، فإن كان ملكا للدولة فلينظر فيه.
قلت: الصواب إن شاء الله جوازه، لأن البنوك ملك للدولة، وهي أداتها في إيصال المساعدات والمنح والجرايات للناس، وإنما تعوضها كي لا تُفلس، والمرء لا يربي نفسه، لكن ينبغي أن تعلم أن القول بالجواز اعتمادا على ما ذكر لا يعني أن العقد سالم من المخالفة التي قد يترتب عليها فساده، ومن ذلك أن المكتري الذي ينتهي كراؤه بالتمليك يلزم بضمان المكترى بالتامين من جميع الأخطار!!، مع أن ضمان المكترى على البائع ما لم يتعد المكتري، ومن ذلك أن يكون العقد غير ربوي في البداية، ثم يؤول إلى الربا بأن يؤقت للمقترض وقت إن تجاوزه دفع الزيادة، ولهذا لا تستقيم الفتوى في هذه الأمور إلا إذا اطلع المستفتى على تفاصيل العقد كلها، والله أعلم.
وقوله «على الزيادة فيه» مفهومه أن التأخير إلى أجل ثان من غير زيادة جائز، بل مندوب إليه، وكذلك الحط من الدين من غير تقديم للأجل، يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
стр. 1672
• قوله:
٣٧ - «ولا تعجيل عرض على الزيادة فيه إذا كان من بيع».
هذا في بيع السلم الآتي بيانه، فمن كان عليه عرض من بيع مؤجل فلا يجوز أن يعجله مع زيادة فيه، لا فرق بين زيادة القدر أو الصفة لأنه من باب حط الضمان وأزيدك، وتوضيحه أن العرض يضمنه البائع إلى الأجل المتفق عليه، وللمشتري في ذلك مصلحة ومنفعة، بأن لم تكن له حاجة إلى العرض قبل الأجل الموعود، أو كان يريد بالأجل حلول وقت نَفاق السلعة، فإذا أعطاه البائع زيادة وقدم الأجل كانت في مقابل الضمان، والضمان ليس متمولا فيتصرف فيه، فيكون هذا من أكل أموال الناس بالباطل، لأن الضمان حق للمشتري على البائع، ولا يصح بيعه، فإن لم تكن زيادة وقبل المشتري بالتعجيل فذلك له، والله أعلم.
стр. 1673
• قوله:
٣٨ - «ولا بأس بتعجيله ذلك من قرض إذا كانت الزيادة في الصفة»
صرح هنا بمفهوم البيع قبله، وبيانه أن الأجل في دين القرض من حق المقترض، فلا يطالب به قبل أجله، لأنه داخل بوجه ما في قول النبي ﷺ : «العائد في هبته، كالراجع في قيئه»، رواه أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم عن ابن عباس، وقوله ﷺ «كل معروف صدقة»، رواه البخاري عن جابر، والهبة والصدقة لا يرجع فيهما، لكن إذا رغب المدين في تقديم الدين فليس للدائن الامتناع من قبضه، متى كان ذلك في بلد المقرض، وله باختياره أن يزيد لصاحب الدين في صفة ما له عليه، وكلام المؤلف ربما أوهم أنه يجوز ولو اشترطه المقرض، وليس مرادا، وقوله من قرض يخرج الدين في بيع السلم فهو من حق المشتري والبائع معا فلا يقدم إلا باتفاقهما.
وقد دل على مشروعية الزيادة في صفة الدين ما رواه مالك (١٣٧٢) ومسلم وأصحاب السنن عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ أنه قال: «استسلف رسول الله ﷺ بَكرا فجاءته إبل من الصدقة، قال أبو رافع: فأمرني رسول الله ﷺ أن أقضي الرجل بَكره، فقلت: «لم أجد في الإبل إلا جملا خيارا رَباعيا، فقال رسول الله ﷺ : «أعطه إياه، خيار الناس أحسنهم قضاء»، البكر بفتح الباء الصغير من الإبل، والرباعي بفتح الراء من سقطت رباعيته، وذلك إذا بلغ السادسة من عمره.
стр. 1674
• قوله:
٣٩ - «ومن رد في القرض أكثر عددا في مجلس القضاء فقد اختلف في ذلك إذا لم يكن فيه شرط ولا وأي ولا عادة، فأجازه أشهب وكرهه ابن القاسم ولم يجزه».
كلامه هنا شبيه بما في الموطإ قال: «لا بأس بأن يقبض من أسلف شيئا من الذهب أو الورق أو الطعام أو الحيوان ما أسلفه ذلك أفضل مما أسلفه إذا لم يكن ذلك عن شرط منهما أو عادة، فإن كان ذلك على شرط أو وأي أو عادة فذلك مكروه ولا خير فيه»، انتهى، والمراد بالوأي في كلامه هو الوعد، وقيل هو الإضمار في النفس، وأراد المؤلف بمجلس القضاء وقت حلول أجل الدين، يعني أن المدين إذا رد دينه مع زيادة في عدده بعد حلول أجله فقد اختلف في جواز إعطاء تلك الزيادة وأخذها، فلم يجزها ابن القاسم، وأجازها أشهب رحمهما الله، والأخير هو الصواب إن شاء الله لثبوته من قول النبي ﷺ ومن فعله، من ذلك ما مر من قوله: «خيار الناس أحسنهم قضاء»، وقوله ﷺ : «رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى، وإذا اقتضى»، رواه البخاري (٢٠٧٦) عن جابر ﵁، ورواه مالك (١٣٨٢) عن يحي بن سعيد أنه سمع محمد بن المنكدر يقول، وقد تقدم، وروى الشيخان عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ وكان لي عليه دين، فقضاني وزادني»، والزيادة ظاهرة في العدد، وليت شعري ما الفرق بينهما؟، وقد تكون الزيادة في الصفة أعظم من الزيادة في العدد كما مر في قضائه ﷺ جملا رباعيا في بَكر.
стр. 1675
• قوله:
٤٠ - «ومن عليه دنانير أو دراهم من بيع أو قرض مؤجل فله أن يعجله قبل أجله، وكذلك له أن يعجل العروض و الطعام من قرض لا من بيع».
تقدم أن الأجل في القرض حق المقترض، فإذا عجله قبل أوانه فقد أسقط ما هو حق خالص له، فيلزم المقرض قبولُه، عينا كان أو عرضا، إلا أن يكون في غير بلده فيما عليه مئونة أو ضرر في نقله، وحيث لزمه قبضه فإنه إن امتنع يجبره عليه الحاكم، ويلحق بهذا الحكم الدينُ الناتج عن بيع متى كان نقودا، فإن كان عرضا من بيع فقد تقدم عدم جواز تقديمه قبل أوانه إلا مع التراضي لما قد يكون للمشتري من المصلحة في التأجيل كرصد الأسواق لينتفع بالربح في الوقت المناسب، أو لندرة ما أسلم فيه في وقت دون آخر، بخلاف المقرض فلا يصح أن يقصد شيئا من النفع من وراء القرض، وقد استثنوا من منع تقديم الدين إذا كان عرضا قبل أجله موت المدين وفَلَسه، فإنه بذلك يحل أجل الدين كما سيذكره المؤلف في باب الأقضية.
وقال مالك في الموطإ (١٣٧٤) بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال في رجل أسلف رجلا طعاما على أن يعطيه إياه في بلد آخر، فكره ذلك عمر بن الخطاب، وقال: «فأين الحمل»، أي من يتولى حمله له؟، يريد أن في ذلك كلفة ومؤنة عليه.
стр. 1676
• قوله:
٤١ - «ولا يجوز بيع ثمر أو حب لم يبد صلاحه».
هذا شروع من المؤلف في ذكر أضرب من البيوع الممنوعة لما فيها من الغرر، إما للجهل بالمثمن، أو لعدم القدرة على التسليم، أو لعدم الانتفاع بالمبيع، وهو شرط في المثمن كما تقدم، ويجتمع في بيع الثمر قبل بدو صلاحه أكثر من علة، وقد جاء هذا في أحاديث عدة بألفاظ مختلفة منها حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري»، رواه مالك (١٢٩٩) وأحمد والشيخان وغيرهم، وفيه أن المتضرر في البيع وإن رضي فلا يكون ذلك مسوغا لصحة ما نهي عنه، يدل عليه قوله نهى البائع والمبتاع، وأن الإثم يلحق البائع والمشتري على السواء كما في آكل الربا وموكله، وإن كان الآكل والبائع أشد إثما، هذا لظلمه غيره بأكله مال غيره بالباطل، وذاك لتبذيره ماله وإضاعته، وجاء بدو الصلاح مبينا في حديث أنس عند مسلم وبعض أصحاب السنن قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع النخل حتى تزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة»، والعاهة هي الآفة، يقال عيه الزرع بالبناء للمجهول فهو معيوه، وجاء بدو الصلاح مبينا في حديث أنس عند أبي داود والترمذي وابن ماجة: «نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد»، واسوداد العنب دليل على نضجه متى كان يسود عند النضج، وابيضاض السنبل كذلك، فإنه حينئذ ييبس، ولذلك عبر عنه بالاشتداد كما تقدم، واحمرار الثمرة دليل على ذلك متى كانت تحمر عند النضج، وإلا فالعبرة ليست باللون بل بالطيب فيما لا يحمر، وقد جاء في حديث أنس الآخر أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى تُزهي، قالوا: «وما تزهي»؟، قال: «تحمر»، وقال: «إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك»، رواه مالك في الموطإ (١٣٠٠) والشيخان، وتزهي رباعي، وهي لغة قليلة، يقال أزهت النخلة إذا ظهر فيها الحمرة والصفرة، وقد جاء نهي النبي ﷺ
стр. 1677
عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بعد الهجرة لما كثرت الخصومات من المشترين كما رواه البخاري (٢١٩٣) عن زيد بن ثابت.
واعلم أن بيع الثمر قبل بدو صلاحه إنما يمنع إذا بيع بشرط الإبقاء عليه في أصله، أو وقع البيع من غير اشتراط ذلك، فهذا يفسخ، فإن وقع بشرط الجذاذ في الحال، قالوا - أو قرب منه - فالبيع جائز بشرط أن يُنتفع به، لأن هذا شرط في كل مبيع، كما إذا كان يستعمل دواء، وربما أنضج بالوسائل الاصطناعية، ومما يجنى قبل نضجه الموز، ومما اشترطوه أن لا يتمالأ أهل البلد على هذا البيع أو أكثرهم، ولعل هذا الشرط لما يخاف من تفويت التمتع بالثمار بحيث تحول إلى غير ما هي له في الأصل، أو لأن ذلك يوهم من لا علم عنده بالجواز المطلق، والأمر الآخر أن يضطر إليه، كما يجوز شراؤه تبعا لأصله، ومتى وقع البيع على الوجه الممنوع فإنه يفسخ ويضمن البائع الثمرة ما دامت في رؤوس الشجر، فإذا جذها المشتري رطبة رد قيمتها، وإن كان تمرا رده بعينه إن كان قائما، وإلا رد مثله، وإلا قيمته، وإنما يمنع بيع الثمر قبل بدو صلاحه إذا انفردت الثمار بالبيع، أما إن كان المبيع هو الشجر أو الأرض فلا بأس إذا دخل الثمر والحب في الصفقة، يدل عليه قول النبي ﷺ : «من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشرطها المبتاع»، ففيه دليل على أن الثمر الذي لم يبد صلاحه له حصة في الثمن، وإلا ما كان هناك معنى لجعله للمبتاع متى اشترطه، والله أعلم.
стр. 1678
• قوله:
٤٢ - «ويجوز بيعه إذا بدا صلاح بعضه وإن نخلة من نخيل كثيرة».
الثمار في الحائط الواحد لا تنضج دفعة، لكن العادة أن الجنس الواحد منها متى نضج بعضه كان نضج الباقي منه قريبا، فمتى ظهر صلاح بعض الثمار ساغ البيع، ما لم تكن الشجرة باكورة، فلا تباع إلا وحدها، والحكمة من هذا أنه لو انتظر نضج الجميع لضاع ما نضج من قبل، فيفوت مقصود الشارع، فإن القصد من النهي منع الفساد المتوقع بضياع مال المشتري، فكيف يؤدي النهي عن الفساد المتوقع إلى فساد مستيقن والله لا يحب الفساد؟، ومثل الثمر المقاثي كالبصل والبطاطا والجزر واللفت وكالباذنجان والخيار، وكذلك ما يؤكل أخضر من القطاني كاللوبيا والفول ونحوها، وهذا بخلاف نحو القمح والشعير فلا يسوغ بيعه حتى يدرك جميعه لانتفاء الفساد عنه ببقائه قائما، ولعدم الحاجة إلى أكله كما هو الشأن في الثمار والخضر، فإن بيع وهو فريك رد، فإن فات باليبس والجذاد مضى، وقد تقدم حديث أنس عند مسلم في ذلك، وقال مالك في الموطإ (١٣٤٣) إنه بلغه أن محمد بن سيرين كان يقول: «لا تبيعوا الحب في سنبله حتى يبيض»، انتهى، لكن إن اشترى القمح مثلا من يصنعه فريكا جاز، قال النفراوي ﵀ في شرحه: «والضابط الشامل لكل ما سبق أن يبلغ المعقود عليه الحالة التي ينتفع فيها به على الوجه الكامل».
стр. 1679
• قوله:
٤٣ - «ولا يجوز بيع ما في الأنهار والبرك من الحيتان».
اهتم الشارع بذكر هذه البيوع ونهى عنها لأن العرب كانوا يتعاطونها وإن لم تعد اليوم موجودة، منها بيع الحيتان في البرك والأنهار فضلا عن البحار وفيها الجهل بالمثمن وعدم القدرة على التسليم، وقد جاء في حديث ابن مسعود عند أحمد قال، قال رسول الله ﷺ : «لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر»، وصحح الدارقطني والبيهقي وقفه، وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم تكن الحيتان في موضع محصور يمكن حزر ما فيه من الحوت على القول بجواز بيعه جزافا إن كان صغيرا، ويجوز بيع النحل في جبحه، وعسله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع قياسا على التمر في النخل المؤبر.
стр. 1680
• قوله:
٤٤ - «ولا بيع الجنين في بطن أمه، ولا بيع ما في بطون سائر الحيوانات».
وهذا أيضا من الغرر الشديد، لأنه لا يدرى أذكر هو أم أنثى، ولا يعرف حجمه، ولا حسنه من قبحه، ولا كونه يولد حيا أو ميتا، وكل ذلك يترتب عليه التفاوت الكبير في القيمة، وقد روى أحمد وابن ماجة (٢١٩٦) والبيهقي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعن بيع ما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق»، وقد ضعف الحافظ إسناده، وهو في ضعيف ابن ماجه للألباني، لكن يدخل في بيع الغرر بلا ريب، ولو صح لاستدل به على جواز الفصل بين الحيوان وأمه لتقييد المنع بالوضع، فاجمعه إلى الوعيد السابق على التفريق بين الوالدة وولدها، والله أعلم.
стр. 1681
• قوله:
٤٥ - «ولا بيع نتاج ما تنتج الناقة».
النتاج بكسر النون، وتُنتج مبني للمجهول والناقة فاعل، وهو من الأفعال القليلة التي وردت عنهم كذلك، وهذا النوع أعظم خطرا من الذي قبله لأنه نتاج النتاج، وقد منع بيع المجهول، والمعدوم أشد غررا من المجهول فهو أولى بالمنع، ولعل العرب كانوا يقدمون عليه لقصدهم شيئا خفيا من ورائه، وإلا فكيف يعمد العاقل إلى إهدار ماله في شيء معدوم؟، فقد تموت الناقة، وقد لا تلد، وقد تلد ويموت ما تلد، وقد يولد نتاجها ولا يلد، فهذا البيع يدل على حماقة متناهية أقدموا عليه لقصد ما، وروى أحمد ومسلم (١٥١٤) والترمذي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ نهى عن بيع حبَل الحبَلة»، والحبل بفتح الباء الحمل، والحبلة بفتحها أيضا اسم جمع لحابل، وهي الحامل، وهو في الموطإ (١٣٥٠) وصحيح البخاري (٢١٤٣) قال: «نهى عن بيع حبل الحبلة، وكان بيعا يتبايعه أهل الجاهلية: كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها»، انتهى.
стр. 1682
• قوله:
٤٦ - «ولا بيع ما في ظهور الإبل».
المراد بما في ظهور الإبل ماء الفحل، فإنه في الصلب كما في قوله تعالى عما خلق منه الإنسان: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ [الطارق: ٧]، وهو المسمى عسب الفحل بفتح العين وسكون السين، ويقال عسيب، أي نزوه وضرابه، وقيل ماؤه، فعلى الأول يكون من باب الإجارة، وعلى الثاني يكون بيعا، وكلاهما ممنوع، ولا خصوصية للإبل في هذا الحكم، بل يشمل الذكر فرسا كان أو جملا أو تيسا، ودليله ما جاء في حديث ابن عمر قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ثمن عسب الفحل»، رواه أحمد والبخاري وأبو داود، وفي الموطإ (١٣٥١) عن سعيد ابن المسيب أنه قال: «لا ربا في الحيوان، وإنما نهي من الحيوان عن ثلاثة: عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة»، وقد فسر النفراوي في شرحه ما في ظهور الإبل بقوله: «بأن يقول صاحب الفحل لصاحب الناقة أبيعك ما يتكون من ماء فحلي هذا في بطن ناقتك أو ناقتي»، انتهى، ففسره بما يجمع الملاقيح والمضامين، والملاقيح جمع ملقوح، وهو ما في بطن الناقة، والمضامين جمع مضمون، وهو ما صلب الفحل، فجعل ما في ظهور الإبل يشمل الأمرين، والظاهر أنه عسب الفحل نفسه، لأن مقره الظهر كما علمت.
ولما كانت العلة عند بعضهم في منع بيع عسب الفحل الجهالة قالوا إن كان النزو مضبوطا بمرات أو بزمان جاز، فكأنه إجارة، وقيل يكره ذلك ولو مع الضبط، لأن الأجرة عليه ليست من مكارم الأخلاق، والظاهر أن الإجارة تدخل في النهي، لأنه هو المتصور قبل العصر الحديث الذي أصبح فيه عسب الفحل يحفظ ويباع، وعلى القول بجواز البيع مع الضبط يتخرج جواز بيع عسب الفحل االمستخرج المحفوظ كما في هذا العصر ليعمل حقنة للأنثى، وهذا وإن انتفت عنه الجهالة على ما تقدم، إلا أن الإقدام عليه فيه مضرة أخرى لما قد يترتب على تلقيح الحيوان بذلك من المضار لمخالفته ما جبل عليه من
стр. 1683
اجتماع الذكر والأنثى على الحمل، ويستأنس هنا بحديث علي بن أبي طالب ﵁ الذي رواه أبو داود (٢٥٦٥) عنه قال: «أهديت لرسول الله ﷺ بغلة فركبها، فقال علي: لو حملنا الحمير على الخيل فكانت لنا مثل هذه، قال رسول الله ﷺ : «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون»، وقوله لو حملنا،،، الخ، أي لو أنزينا، يقال أنزى ونزى بالتشديد إذا حمل الذكر من الحيوان على الأنثى، وقوله ﷺ : «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون»، نفى عنهم معرفة الشرع، أو المعرفة بعامة، وقد علل العلماء ذلك بأنه سبب في قلة الخيل التي كانت تغني في الجهاد ما لا يغني غيرها من الحيوان، ولأن لحمها حلال ولحم البغال محرم، فأحب النبي ﷺ أن تكثر، وهذا التعليل لا يمنع أن يكون المراد الترغيب عن إكراه الدابة على ما لا تميل إليه بطبعها الذي خلقها الله عليه ولا سيما إذا كان الفحل من غير جنسها، فكيف باختصار الأمر كله في حقنة تدخل في رحمها، بحجة غلاء ثيران هولندا مثلا؟.
стр. 1684
• قوله:
٤٧ - «ولا بيع الآبق والبعير الشارد».
جاء النهي عن بيع العبد في حال إباقه في حديث أبي سعيد عند أحمد وابن ماجه والبيهقي المذكور في الفقرة (٤٤)، وعلة المنع العجز عن تسليم كل منهما، ومن شروط صحة البيع القدرة على التسليم، فإن حصل فالبيع فاسد وضمانه من بائعه، ويفسخ وإن قبض، وقيل إنه إن كان مقيدا بموضع محبوس لصاحبه فبيع على الصفة جاز ويكون تحصيله على البائع، ويؤخر الثمن إلى حين تمكين البائع من قبضه.
стр. 1685
• قوله:
٤٨ - «ونهي عن بيع الكلاب».
وهذا للنهي عن ثمن الكلب، وذلك يعني النهي عن بيعه، من ذلك حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن»، رواه مالك (١٣٥٥) والشيخان وأصحاب السنن (د/ ٣٤٨١)، ومهر البغي ما تأخذه المرأة في مقابل الفجور بها، سمي مهرا للصورة، وحلوان الكاهن قال مالك عنه: «رشوته وما يعطاه على أن يتكاهن»، انتهى، وعن ابن عباس ﵄ قال: «نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب، إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا»، رواه أحمد وأبو داود (٣٤٨٢)، وعن أبي هريرة مرفوعا: «لا يحل ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن، ولا مهر البغي»، رواه النسائي وأبو داود وهذا لفظه، وللبخاري منه النهي عن كسب الإماء، وفي صحيح مسلم عن جابر أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنور».
следующие страницы →