← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

• قوله: ٤٥ - «ولا بيع نتاج ما تنتج الناقة». النتاج بكسر النون، وتُنتج مبني للمجهول والناقة فاعل، وهو من الأفعال القليلة التي وردت عنهم كذلك، وهذا النوع أعظم خطرا من الذي قبله لأنه نتاج النتاج، وقد منع بيع المجهول، والمعدوم أشد غررا من المجهول فهو أولى بالمنع، ولعل العرب كانوا يقدمون عليه لقصدهم شيئا خفيا من ورائه، وإلا فكيف يعمد العاقل إلى إهدار ماله في شيء معدوم؟، فقد تموت الناقة، وقد لا تلد، وقد تلد ويموت ما تلد، وقد يولد نتاجها ولا يلد، فهذا البيع يدل على حماقة متناهية أقدموا عليه لقصد ما، وروى أحمد ومسلم (١٥١٤) والترمذي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ نهى عن بيع حبَل الحبَلة»، والحبل بفتح الباء الحمل، والحبلة بفتحها أيضا اسم جمع لحابل، وهي الحامل، وهو في الموطإ (١٣٥٠) وصحيح البخاري (٢١٤٣) قال: «نهى عن بيع حبل الحبلة، وكان بيعا يتبايعه أهل الجاهلية: كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها»، انتهى.

стр. 1682

• قوله: ٤٦ - «ولا بيع ما في ظهور الإبل». المراد بما في ظهور الإبل ماء الفحل، فإنه في الصلب كما في قوله تعالى عما خلق منه الإنسان: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ [الطارق: ٧]، وهو المسمى عسب الفحل بفتح العين وسكون السين، ويقال عسيب، أي نزوه وضرابه، وقيل ماؤه، فعلى الأول يكون من باب الإجارة، وعلى الثاني يكون بيعا، وكلاهما ممنوع، ولا خصوصية للإبل في هذا الحكم، بل يشمل الذكر فرسا كان أو جملا أو تيسا، ودليله ما جاء في حديث ابن عمر قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ثمن عسب الفحل»، رواه أحمد والبخاري وأبو داود، وفي الموطإ (١٣٥١) عن سعيد ابن المسيب أنه قال: «لا ربا في الحيوان، وإنما نهي من الحيوان عن ثلاثة: عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة»، وقد فسر النفراوي في شرحه ما في ظهور الإبل بقوله: «بأن يقول صاحب الفحل لصاحب الناقة أبيعك ما يتكون من ماء فحلي هذا في بطن ناقتك أو ناقتي»، انتهى، ففسره بما يجمع الملاقيح والمضامين، والملاقيح جمع ملقوح، وهو ما في بطن الناقة، والمضامين جمع مضمون، وهو ما صلب الفحل، فجعل ما في ظهور الإبل يشمل الأمرين، والظاهر أنه عسب الفحل نفسه، لأن مقره الظهر كما علمت. ولما كانت العلة عند بعضهم في منع بيع عسب الفحل الجهالة قالوا إن كان النزو مضبوطا بمرات أو بزمان جاز، فكأنه إجارة، وقيل يكره ذلك ولو مع الضبط، لأن الأجرة عليه ليست من مكارم الأخلاق، والظاهر أن الإجارة تدخل في النهي، لأنه هو المتصور قبل العصر الحديث الذي أصبح فيه عسب الفحل يحفظ ويباع، وعلى القول بجواز البيع مع الضبط يتخرج جواز بيع عسب الفحل االمستخرج المحفوظ كما في هذا العصر ليعمل حقنة للأنثى، وهذا وإن انتفت عنه الجهالة على ما تقدم، إلا أن الإقدام عليه فيه مضرة أخرى لما قد يترتب على تلقيح الحيوان بذلك من المضار لمخالفته ما جبل عليه من

стр. 1683

اجتماع الذكر والأنثى على الحمل، ويستأنس هنا بحديث علي بن أبي طالب ﵁ الذي رواه أبو داود (٢٥٦٥) عنه قال: «أهديت لرسول الله ﷺ بغلة فركبها، فقال علي: لو حملنا الحمير على الخيل فكانت لنا مثل هذه، قال رسول الله ﷺ : «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون»، وقوله لو حملنا،،، الخ، أي لو أنزينا، يقال أنزى ونزى بالتشديد إذا حمل الذكر من الحيوان على الأنثى، وقوله ﷺ : «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون»، نفى عنهم معرفة الشرع، أو المعرفة بعامة، وقد علل العلماء ذلك بأنه سبب في قلة الخيل التي كانت تغني في الجهاد ما لا يغني غيرها من الحيوان، ولأن لحمها حلال ولحم البغال محرم، فأحب النبي ﷺ أن تكثر، وهذا التعليل لا يمنع أن يكون المراد الترغيب عن إكراه الدابة على ما لا تميل إليه بطبعها الذي خلقها الله عليه ولا سيما إذا كان الفحل من غير جنسها، فكيف باختصار الأمر كله في حقنة تدخل في رحمها، بحجة غلاء ثيران هولندا مثلا؟.

стр. 1684

• قوله: ٤٧ - «ولا بيع الآبق والبعير الشارد». جاء النهي عن بيع العبد في حال إباقه في حديث أبي سعيد عند أحمد وابن ماجه والبيهقي المذكور في الفقرة (٤٤)، وعلة المنع العجز عن تسليم كل منهما، ومن شروط صحة البيع القدرة على التسليم، فإن حصل فالبيع فاسد وضمانه من بائعه، ويفسخ وإن قبض، وقيل إنه إن كان مقيدا بموضع محبوس لصاحبه فبيع على الصفة جاز ويكون تحصيله على البائع، ويؤخر الثمن إلى حين تمكين البائع من قبضه.

стр. 1685

• قوله: ٤٨ - «ونهي عن بيع الكلاب». وهذا للنهي عن ثمن الكلب، وذلك يعني النهي عن بيعه، من ذلك حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن»، رواه مالك (١٣٥٥) والشيخان وأصحاب السنن (د/ ٣٤٨١)، ومهر البغي ما تأخذه المرأة في مقابل الفجور بها، سمي مهرا للصورة، وحلوان الكاهن قال مالك عنه: «رشوته وما يعطاه على أن يتكاهن»، انتهى، وعن ابن عباس ﵄ قال: «نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب، إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا»، رواه أحمد وأبو داود (٣٤٨٢)، وعن أبي هريرة مرفوعا: «لا يحل ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن، ولا مهر البغي»، رواه النسائي وأبو داود وهذا لفظه، وللبخاري منه النهي عن كسب الإماء، وفي صحيح مسلم عن جابر أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنور».

стр. 1686

• قوله: ٤٩ - «واختلف في بيع ما أذن في اتخاذه منها». الكلاب منهي عن اتخاذها عدا كلب الماشية والصيد والزرع، وتحريم اتخاذها يعني تقليل وجودها واستعمالها إلا فيما استثني، ومن علم ما للكلاب اليوم من المنزلة عند الكفار، وما تستخدم فيه مما لا يحسن ذكره أدرك حكمة النهي عن اتخاذ ما سوى المأذون في اتخاذه منها، وقد أمر النبي ﷺ أول مقدمه المدينة بقتلها، ولعلها كانت كثيرة، ثم إنه قال: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها كلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم»، رواه أبو داود والترمذي (١٤٨٦) عن عبد الله بن مغفل ﵁، وفي هذا الحديث إشارة إلى محافظة الشرع على الأنواع النافعة من الحيوانات بخلاف الضارة، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ويقولون في عصرنا عن هذا إنه حماية الأنواع من الانقراض. وقد اختلف في صحة بيع المأذون في اتخاذه من الكلاب، ومشهور المذهب المنع للنهي المتقدم، وقيل بالكراهة، والثالث الحل، وهو القياس، لأن الإذن في الاتخاذ مع الحاجة إليه يكاد يتنافى مع المنع من بيعه، وترك ذلك للعطية ونحوها مع ما فيها من المنة، لكن يعارض هذا المعنى أن السنور مأذون في اتخاذه بالاتفاق مع طهارته، ومع ذلك جاء النهي عنه، لكن قد يقال إن حاجة الناس إلى الكلاب أشد من حاجتهم إلى السنانير، والقول بالجواز لابن كنانة، ولسحنون قال: «أبيعه وأحج به»، وقد روى أحمد والنسائي والبيهقي من طريق أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلا كلب صيد»، وانظر التعليقات الرضية (٢/ ٣٤٧)، والصحيحة للألباني الحديث (٢٩٧١).

стр. 1687

• قوله: ٥٠ - «وأما من قتله فعليه قيمته». قتل الكلب غير المأذون في اتخاذه لا شيء فيه، أما المأذون في اتخاذه فمن قتله فعليه قيمته على تقدير جواز بيعه، وفي هذا إشكال إذ كيف لا يصح بيعه وتضمن قيمته؟، قالوا لا تلازم بين الأمرين، كغرم قيمة الجلد المدبوغ، وأم الولد، ولحم الأضحية مع أن الثلاثة لا يجوز بيع واحد منها، أقول: وفي هذا العصر لا ينصح بالإقدام على قتل غير المأذون في اتخاذه من الكلاب التي يعرف أصحابها، ولا غيرها من الأمور كآلات اللهو بل والخمر والخنزير لإقرار الأنظمة اتخاذها من غير تفصيل، فيكتفي المؤمن بالتعليم والنصح والتوجيه حتى لا يعرض نفسه للغرم والمتابعة، لكن إن بدر منه إتلاف شيء من ذلك وأمكنه إقناع (المالك) بأن الشرع لا ضمان فيه فاقتنع فهذا هو الحق، والله الهادي.

стр. 1688

• قوله: ٥١ - «ولا يجوز بيع اللحم بالحيوان من جنسه». لو قدم ذكر هذا وكذا بيع التمر بالرطب مع الربويات لكان أفضل، وفي الموطإ (١٣٥٢) عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الحيوان باللحم»، وحسنه الألباني ﵀ في الإرواء (ح/ ١٣٥١)، وقد عزاه ابن ناجي في شرحه (٢/ ١٣٠) لمسلم وأبي داود فانظره، وإنما منع هذا لأنه مزابنة، فيه القمار والمخاطرة، إذ اللحم معلوم، والحيوان مجهول، فيكون من بيع المعلوم بالمجهول، وقال ابن العربي في المسالك (٦/ ١٣٧): «المسألة غير معللة، وتعليلها فيه تعارض ظاهر وتناقض كبير»، انتهى، وقوله من جنسه قيد يخرج ما كان من غير جنسه، وقد تقدم أن لحوم الأنعام كلها جنس، وأن لحوم الطير كذلك، فيجوز بيع مجهول بمعلوم من لحم الطير بلحم البقر، ولا يجوز البيع إذا كان أحدهما ضأنا والآخر بقرا، ويجب في الجميع التقابض متى كان الحيوان لا يراد للقنية، لأنه يصير من بيع الطعام بالطعام، وقد مر لزوم التقابض فيه لما في التأخير من ربا النسيئة، والحديث بعد التسليم بصلاحيته للاحتجاج عام فلا يخص ما فيه من المنع بالجنس، وهو قول الشافعي ﵀.

стр. 1689

• قوله: ٥٢ - «ولا بيعتان في بيعة، وذلك أن يشتري سلعة إما بخمسة نقدا أو عشرة إلى أجل قد لزمته بأحد الثمنين». لا يجوز جمع بيعتين في عقد واحد كأن يقول بعتك هذه السلعة بعشرة تدفعها الآن، أو بعشرين تدفعها بعد شهر، ويفترقان من غير الاتفاق على إحدى الصفقتين، والعلة ما في هذا البيع من الجهالة، فإن البائع لا يدري ما باع، والمشتري لا يدري ما اشترى، وتكون العلة غير الجهالة في بعض الصور، ولذلك رأى بعضهم أنه لو عكس فقال بعتكها بعشرة تدفعها الآن، أو بخمسة إلى شهر لجاز لعدم التردد حينئذ، لأن العاقل إنما يختار البيع إلى أجل بالثمن القليل، واعتبر هذا العقد بيعتين باعتبار اختلاف ثمن الشيء الواحد بالنظر إلى نقده أو تأجيله، وقوله قد لزمته بأحد الثمنين مخرج لما إذا كان العقد على الخيار، بأن يقول البائع اختر بين أن تشتري هذه السلعة بعشرة تدفعها الآن، وبين خمسة عشر إلى شهر مثلا، فمتى اختار إحداهما تم البيع. والصورة المذكورة للبيعتين في بيعة ذكرها الذين رووا الحديث، منهم سماك بن حرب وغيره، لكن هذا لا يمنع أن يكون للبيعتين في بيعة صور أخرى، منها أن يبيعه إحدى سلعتين مختلفتين بثمن واحد، ويكون المبيع إحداهما على اللزوم، فهذا لا يجوز، لأنه وإن اتحد ثمن السلعتين فقد جهلت السلعة، لكن إن وقع البيع على الخيار فعين إحداهما جاز، وأدخل بعضهم صورة أخرى وهي بيع سلعة على أن يبيعه الآخر سلعة أخرى شرطا وهو محتمل، مع أنه داخل في النهي عن بيع وشرط، وقد عدد ابن العربي صورا من تفسير العلماء للبيعتين في بيعة فانظرها في شرحه لجامع الترمذي المسمى عارضة الأحوذي. وقد روى مالك (١٣٥٨) بلاغا أن رسول الله ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، وقد

стр. 1690

وصله النسائي والترمذي وصححه من حديث أبي هريرة، ورواه أبو داود عنه قال، قال رسول الله ﷺ : «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا»، وأوكسهما هو أنقصهما، وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ٤٤٨): «هذا حديث مسند متصل عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر وابن مسعود وأبي هريرة كلها صحاح من نقل العدول، وقد تلقاها أهل العلم بالقبول»، انتهى باختصار. ويؤخذ من رواية أبي داود أن هذا البيع يمكن أن يصحح بأن يأخذ البائع الثمن الأقل، ومع ذلك يكون مؤجلا لأن هذا هو أوكس البيعتين، ويمكن أن يأخذ أقل السعرين مع تعجيله لكونه الأصل في البيع، لكن قال الخطابي في معالم السنن (٣/ ١٢٢): «لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث أو صحح البيع بأوكس الثمنين إلا شيء يحكى عن الأوزاعي، وهو مذهب فاسد وذلك لما يتضمنه هذا العقد من الغرر والجهل»، انتهى، ولهذا السبب أعني ما في الحديث من تصحيح البيع تأول الخطابي لفظ حديث أبي هريرة المتقدم على أنه في واقعة معينة لا حكما عاما على كل بيعتين في بيعة، قال كاتبه: لا داعي لهذا، فإن الشارع قد صحح بيوعا أخرى كما تقدم في بيع المصراة، والظاهر أن يكون النبي ﷺ قد نهى عن البيعتين في بيعة أَوَّلاً، ثم بَيَّنَ ما يفعل من تاب ممن خالف باقتحامه المحظور، فيأخذ أوكس الصفقتين كما تقدم، والله أعلم. وقد اعتمد بعض أهل العلم ومنهم المُحَدِّثُ الألباني ﵀ على قوله ﷺ «فله أوكسهما أو الربا» ليمنع ما يسمى عندنا ببيع التقسيط، لأنه - كما ظن - لا يختلف عن الزيادة في الدَّيْنِ في مقابل تأجيله، وهو محرم بالإجماع، وليس هذا بصحيح، فإن الأمر هنا لم يَرْسُ على ثمن معين ثم اتفق على تأجيله نظير الزيادة فيه، ولأن للأجل حصة في الثمن، ولأن الربا يرد إطلاقه من الشارع على ما هو أعم من ذلك كما تقدم في أوائل هذا الباب، ولأن الحديث لا يصدق إلا على بيعتين في عقد واحد من غير بَتٍّ، كما يفيده حرف الجر وهو في، إذ معناه هنا الظرفية الاعتبارية، فمتى اتفق على إحدى البيعتين خرج ذلك عن أن يكون مدلولا للحديث، وإلا فكيف يقول فله أوكسهما هذا لا يكون إلا إذا افترقا من غير

стр. 1691

اتفاق على إحدى البيعتين، وكونه على هذه الصفة لا نزاع في منعه، وقد كتبت في ذلك رسالة بينت فيها ما حصل لبعض أهل العلم من الأوهام فيما نسبوه لكثير من السلف من منع هذا البيع، كالأوزاعي وابن سيرين وطاوس وأحمد وبعض الصحابة، وتابعهم على ذلك كثير من الشباب فأسرفوا في التشنيع على المجوزين ثم مضى ذلك وانقضى، والله أعلم.

стр. 1692

• قوله: ٥٣ - «ولا يجوز بيع التمر بالرُّطَبِ ولا الزبيب بالعنب، لا متفاضلا ولا مثلا بمثل، ولا رَطْبٍ بيابس من جنسه من سائر الثمار و الفواكه وهو مما نهي عنه من المزابنة». الرُّطَب في كلامه بضم الراء وفتح الطاء من أصناف التمر، أما الرَّطْبُ بفتح الراء وسكون الطاء فهو خلاف اليابس من أي شيء، والتمر والزبيب داخلان في الربويات فيمتنع فيهما التفاضل كما سبق، لأنه لو بيع الرَّطْبُ منهما باليابس واستوى كيلاهما لما كانا متماثلين، لأن الرَّطْبُ ينقص إذا جف، ولو حصل التماثل بينهما بالحزر لما يؤول إليه الرطب من النقص إذا جف لما زال الشك في التفاضل، فالمانع من بيع أحدهما بالآخر هو عدم القدرة على تحقيق التماثل المطلوب، وهذا ينطبق على كل بيع فيه ربوي يابس برطب من جنسه، فإن الجهل بالتماثل كتحقق التفاضل، ومثل الرطب في منع بيعه باليابس بيع المبلول باليابس، وقد جاء في النهي عن بيع التمر بالرطب حديث سعد بن أبي وقاص قال: سمعت النبي ﷺ يسأل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال لمن حوله: «أينقص الرطب إذا يبس»؟، قالوا نعم، فنهى عن ذلك»، رواه مالك (١٣١٢) وأصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي، والسؤال للتنبيه على العلة، وقوله «فنهى عن ذلك» صريح في بيان المراد من الرواية الأخرى التي قال فيها «فلا إذن»، وقد فسرها بعض أهل العلم بقوله فلا بأس إذن، فجوز البيع، والرواية الأخرى ترد هذا التأويل، على أن قوله: «فلا إذن» ظاهر في المنع أيضا، وإلا فما الداعي إلى السؤال عن نقص الرطب في حال جفافه إذا كان البيع جائزا لو استقام النظر، واتسقت الفِكَر؟. أما بيع الزبيب وهو ربوي بأصله أعني العنب فيمنع بالقياس على بيع التمر بالرطب،

стр. 1693

مع أنه قد ورد ما يشمل الأجناس الربوية أن يباع رطب منها بيابس كما في حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة»، والمزابنة بيع الثمَر بالتمر كيلا، وبيع الكرم بالزبيب كيلا»، رواه مالك ومن طريقه البخاري (٢١٨٥)، ومسلم (١٥٤٢)، والثمر بالثاء المثلثة هنا ثمر النخل ما دام في شجره، والكرم شجر العنب، والمراد العنب نفسه، من تسمية الشيء بأصله، وقد جاء النهي عن تسميته بذلك، فيحتمل صرفه إلى الكراهة متى قيل إن تفسير المزابنة من المرفوع، قال الباجي عن بيان معنى المزابنة: «الأظهر أنه من قول النبي ﷺ لاتصاله بقوله، وإن كان من قول ابن عمر فهو حجة، لأن هذا أمر طريقه اللغة، وابن عمر حجة في ذلك»، انتهى، ونحوه قال الحافظ في الفتح (٤/ ٤٨٦)، ويدخل في المزابنة ما إذا باع صُبرة - بضم الصاد - من طعام بعشرين صاعا مضمونة، فما زاد فله وما نقص فعليه، فهذا من المزابنة، وقد جاء في حديث ابن عمر ﵄ عند البخاري (٢١٧٢) «والمزابنة أن يبيع الثمر بكيل إن زاد فلي، وإن نقص فَعَلَيَّ»، انتهى، ففيه مقامرة وغرر ومخاطرة نص على ذلك مالك في الموطإ، واعتمد على هذا المعنى وعلى النهي عن الغرر فوسع دائرة المزابنة، فلم تختص بالربويات ولا بالمطعومات عنده، بل تشمل كل بيع مجهول بمعلوم من جنسه فقال في الموطإ: «وتفسير المزابنة أن كل شيء من الجزاف الذي لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده ابتيع بشيء مسمى من الكيل أو الوزن أو العدد،،»، انتهى، قال ابن عبد البر: «نظر مالك إلى معنى المزابنة لغة، وهي المدافعة ويدخل فيها القمار والمخاطرة»، انتهى، ولذلك قال أهل المذهب إذا علمت الزيادة جاز البيع، يعني لانتفاء المخاطرة، وإذا منع بيع معلوم بمجهول من جنسه، فأحرى أن يمنع بيع مجهول بمجهول من جنسه، وحاصل المسألة: - عدم جواز بيع الجنس الواحد من الطعام غير الربوي المجهول القدر منه بالمعلوم، إلا إذا تبين الفضل فيجوز. - كما يمنع بيع مجهول بمعلوم من جنسه من غير الطعام.

стр. 1694

- كما لا يجوز بيع الربوي المعلوم القدر بالمجهول من جنسه تبين الفضل أو لم يتبين إذ لا بد من تحقق الثماثل في بيع الجنس بجنسه في الربويات كما سبق - ومتى اختلف الجنس جاز البيع تبين الفضل أو لم يتبين سواء كان العوضان ربويين أو أحدهما، وسواء كانا طعامين أو أحدهما، أو ليسا طعامين.

стр. 1695

• قوله: ٥٤ - «و لا يباع جزاف بمكيل من صنفه، ولا جزاف بجزاف من صنفه إلا أن يتبين الفضل بينهما إن كان مما يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه». لما تكلم على منع بيع الرطب باليابس من الربويات لا فرق بين أن يكون مكيلا أو جزافا، وهو منصوص الحديث، واستطرد إلى ذكر بيع الثمار والفواكه يابس جنسها برطبه لا فرق بين أن تكال أو تباع جزافا، ناسب أن يردف ذلك بمنع بيع المجهول بالمعلوم من جنسه من سائر السلع التي ليس فيها رطب، فتأتيها الجهالة من الجزاف فيتحقق فيها مناط المنع عندهم وهو بيع معلوم بمجهول، وهو قوله «ولا يباع جزاف بمكيل من صنفه»، كبيع صُبْرة جَوْزٍ لا يعلم كيلها ب (٥٠) كيلو منه، وقال عن بيع المجهول بالمجهول: «ولا جزاف بجزاف من صنفه إلا أن يتبين الفضل بينهما»، كبيع صُبْرة جَوْز بِصُبْرة، إلا إذا علمنا مقدار التفاضل فينتفي عنهما وصف المزابنة، كأن نعلم أن وزن الصُّبْرة هو (٦٠) كيلو أو (٤٠) مثلا، لأن التفاضل هنا جائز، والممنوع في المذهب هو النسيئة، ويظهر أنه لا يصح التمثيل في بيان هذه الفقرة ببيع صُبْرة قمح بصُبْرة منه مجهولتي الكيل، ولا صُبْرة منه ب (٣٠) صاعا كما هو في شرح أبي الحسن، لأن المانع من بيع الجنس بجنسه مكيلا منه بجزاف، أو جزاف بجزاف هو المزابنة على ما وسعه إليها أهل المذهب، والمانع من بيع جنس الربوي بجنسه إلا متماثلين ليس المزابنة، فإنها وإن كانت صالحة للاعتماد عليها، فإن الاستدلال بالأخص مقدم على الاستدلال بالأعم، وقد روى النسائي عن جابر ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «لا تُبَاع الصُّبْرَة من الطعام بالصُّبْرَة من الطعام، ولا الصُّبْرَة من الطعام بالكيل المسمى من الطعام».

стр. 1696

• قوله: ٥٥ - «ولا بأس ببيع الشيء الغائب على الصفة ولا ينقد فيه بشرط إلاَّ أن يقرب مكانه أو يكون مماَّّ يؤمن تغيره من دار أو أرض أو شجر فيجوز النقد فيه». هذا من التيسير في البيع لحاجة الناس إليه، فيجوز بيع الحاضر المرئي وهو الأصل، وبيع الغائب الذي رؤي قبل البيع إذا كانت المدة الفاصلة بين الرؤية وبين العقد يؤمن فيها أن يتغير المبيع بالزيادة والنقصان، فإن كانت المدة مما لا يؤمن فيها ذلك فلا يجوز البيع إلا على الخيار، ويجوز بيع الغائب المعين على الوصف، وسيأتي الكلام على البيع على البرنامج، ويجوز بيع المعدوم في الذمة إلى أجل، وهو بيع السَّلَم الذي سيأتي ذكره، فالحمد لله على ما يسر وسهل، وأنعم وتفضل، غير أن لصحة البيع على الوصف عندهم شروطًا أهمها: - أن يتم وصفه بما يتميز به عن غيره بقدر الإمكان. - أن يكون واصفه غير البائع لكونه قد يتهم بالزيادة في الوصف لينفق سلعته متى نقد الثمن أي قدم، ولو تطوعا. - أن يكون المشتري ممن يعرف ما وصف له معرفة تامة. - أن لا يكون المبيع بعيدا جدا متى وقع البيع على البت. - أن لا يكون قريبا تمكن رؤيته دون مشقة، إذ لا حاجة حينئذ تدعو إلى الاعتماد على الوصف، وقد يقال إنه متى كان غير حاضر في المجلس جاز بيعه على الوصف من غير بت، وهكذا لو كان حاضرا وكان في نشره مفسدة له. - أن لا يشترط تقديم الثمن لما فيه من احتمال الأيلولة إلى السلف، فإن كان المبيع قريبا أو بعيدا بعدا غير متفاحش وهو مما يؤمن تغيره كالأرض والدور والأشجار، جاز اشتراط تقديم الثمن. قال في الموطإ: «لا ينبغي أن يشتري أحد شيئا من الحيوان بعينه إذا كان غائبا عنه، وإن كان قد رآه ورضيه على أن ينقد ثمنه لا قريبا ولا بعيدا، وإنما كره ذلك لأن البائع ينتفع

стр. 1697

بالثمن ولا يدرى هل توجد تلك السلعة على ما رآها المبتاع أم لا؟، فلذلك كره ذلك، ولا بأس به إذا كان مضمونا موصوفا»، انتهى. وفي هذا العصر يغني عن كثير من هذه الشروط التي وضعها العلماء لتجنب الغرر المحتمل في بيع الغائب البطاقات التي تحمل أوصافا دقيقة عن تركيب المبيع وبيان نوعه وتأريخ إنتاجه وانقضاء صلاحيته وغير ذلك، وحدث من وسائل الاتصال والانتقال والضمان ما يزول معه كثير من الغرر. وبعد هذا عليك أن تذكر أن الشرع قد نهى عن بيع الغرر وعن بيع ما ليس عند البائع، وهذان الأمران يدخلان في بيع الغائب، فيحتاج القول بجوازه إلى الدليل، والاستدلال على هذا الأمر بمثل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة: ١٤٦]، ليس بالمقبول، وقد احتج مالك على جواز البيع على الوصف بما حكاه في الموطإ قال: «وهذا الأمر الذي لم يزل عليه الناس عندنا يجيزونه بينهم إن كان المتاع موافقا للبرنامج، ولم يكن مخالفا له»، انتهى، وقد يستدل على جواز بيع الغائب بالقياس الأولوي على السَّلَم المضمون في الذمة، مع أنه لا يتعلق بمعين، وفيه تقديم الثمن لزوما، لكن هذا قد يطعن فيه بأن السَّلَم رخصة فلا يقاس عليها، ولأن فيه استفادة البائع بالثمن واستفادة المشتري بالضمان، وليس شيء من ذلك موجودا في بيع الغائب، نعم قد حصل في هذا العصر ما يكون الاعتماد عليه في الوصف من باب اليقين فتزول معه الجهالة بالمبيع، فإن وصف السلع المكتوب لا يقارن بالرؤية لما في الوثائق من الإلزام، لكن يبقى الأمر الآخر وهو بيع ما ليس عند المرء محتاجا إلى دليل، فيقال إن المشتري إذا رأى السلعة فلم يرضها فإنه لم يتحقق مناط صحة عقد البيع وهو التراضي، فإن رضيها بأن تحقق فيها الوصف فقد تم العقد الآن لا قبله، وما قبله لم يكن هو العقد لما فيه من الخيار فإنه على الوقف كما سبق، وانظر السيل الجرار (٣/ ٩٨). ويتفرع عما تقدم أن بيع الأعمى وشراءه جائزان لأنهما بمنزلة الوصف مع انضمام عمل الحواس الأخرى كاللمس والشم عند اللزوم، وقال بعضهم إن من ولد أعمى وهو الأكمه لا يجوز بيعه ولا شراؤه لأنه لا يمكنه أن يفهم الوصف إذ لا علم سابقا عنده يجعله يتصور الأشياء، وانظر أحكام عقد البيع ص (١٣٩) للشيخ محمد سكحال المجاجي وفقه الله.

стр. 1698

• قوله: ٥٦ - «و العهدة جائزة في الرقيق إن اشترطت أو كانت جارية بالبلد، فعهدة الثلاث الضمان فيها من البائع من كل شيء و عهدة السنة من الجنون والجذام و البرص». العهدة في اللغة من العهد، وهو الإلزام والالتزام، والمراد هنا تعلق بيع الرقيق بضمان البائع مدة معلومة، فإذا بيع الرقيق من غير براءة من العيوب الطارئة لزمت فيه عهدة الثلاث في جميع البلدان متى اشترطت، وهو الذي رجحه ابن عبد البر في الكافي (١/ ٣٥٢)، ومثل ذلك ما إذا جرت بها عادة الناس ولو لم تشترط، أو حمل السلطان الناس عليها، وقيل يعمل بها في مدينة النبي ﷺ بخاصة، وهذا الأخير يمكن إرجاعه لواحد مما تقدم، فما أصاب العبد أو الأمة فيها فهو من مال البائع، وللمشتري أن يرده بلا بينة، وقد جاء في العهدة حديث عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «عهدة الرقيق ثلاثة أيام»، رواه أبو داود (٣٥٠٦)، وفي رواية له: «إن وجد داء في الثلاث رد بغير بينة، وإن وجد داء بعد الثلاث كلف البينة أنه اشتراه وبه هذا الداء»، قال أبو داود هذا التفسير من كلام قتادة، انتهى، والحديث منقطع، لأن فيه الحسن ولم يصح سماعه من عقبة بن عامر. والعهدة نوعان كبرى في الضمان، صغرى في الزمان، وهي عهدة ثلاثة أيام بلياليها، يكون فيها الضمان على البائع في كل ما يظهر على الرقيق من الإباق والجرح، وسائر الآفات حتى الموت، ولم يستثنوا إلا ذهاب مال العبد، فلا يرد به، ومدة ذلك ثلاثة أيام بعد العقد، تبتدئ من أول النهار المستقبل متى كان العقد بعد الفجر، وقيل متى كان ذلك بعد طلوع الشمس جريا على عدم اعتبار كسر اليوم وقد تقدم غير مرة. والعهدة الثانية كبرى في الزمان، صغرى في الضمان، ومدتها سنة، يضمن فيها البائع ما يظهر على الرقيق من ثلاثة أمور هي الجنون والبرص والجذام.

стр. 1699

والعهدة من الأحكام التي خص بها بيع الرقيق دون سواه، ومن الحكمة في ذلك أن الرقيق قد يتظاهر ببعض ما ليس فيه ويتصنع، أو يتستر فيغير بعض سلوكه ليمنع بيعه لغير مالكه، أو ليرغب المشتري فيه، فاختلف عن غيره من السلع من هذه الحيثية، فكانت فيه تلك العهدة، وهكذا الأمراض الثلاثة المذكورة فإن ظهورها قد يرتبط بفصل دون آخر، فتكون مما يحتمل أن البائع كتمه كالجنون والجذام، ومن شأن مرور السنة أن ينتفي معه ذلك الاحتمال، ويمكن أن يستفاد من هذا أن السلعة إذا ارتبط ظهور عيبها بحال دون حال أمكن أن ينظر في جعلها على الخيار حتى يتبين ذلك، والله أعلم.

стр. 1700

• قوله: ٥٧ - «ولا بأس بالسَّلَمِ في العروض والرقيق والحيوان و الطعام والإدام بصفة معلومة و أجل معلوم». السَّلَمُ هو السَّلَفُ، يعطي المرء شيئا يعجله مقابل شيء مؤجل، ولا بد، فالمعطي هو المسلف، (المُسْلِم) بكسر اللام، والآخذ المسلف له، (المسلَم له) بفتحها، والشيء المؤجل هو المسلف فيه، (المُسْلَم فيه)، وقد جعل السلم لقبا لبيع يتأخر فيه قبض المثمون ولا بد، وهو مختلف عن السلف بمعنى القرض، لأن القرض يرد مثله، وهو إحسان وفعل خير، والسلم بيع فيه المراوضة والمساومة، وقد ذكره الله في كتابه في آية الدَّيْن، وهي أطول آية في القرآن، قال ابن عباس ﵄: «أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله وأذن فيه، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، علقه البخاري كما في تفسير ابن كثير، وكلمة دَيْنٍ في الآية نكرة في سياق الشرط فتعم دَيْنَ القرض ودَيْنَ البيع وإن كان سياقها يدل على أنها في السَّلَم، نظرا للاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وعن ابن عباس ﵁ قال: «قدم النبي ﷺ المدينة وهو يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم»، رواه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة، فأقر الشرع السلم واستثناه من بيع المرء ما ليس عنده لما فيه من المصلحة للناس، ومنع ما يقود منه إلى الضرر في المبيع وفي الأجل كما سبق في جعل الشرع التأبير حدا فاصلا في عدم تبعية الثمار للأشجار المبيعة. وقد بين المؤلف ما يسلم فيه وهو كل ما يحوز بيعه من العروض التي تشمل كل الممتلكات ما عدا النقد، فما عطفه المؤلف على العروض من عطف الخاص على العام

стр. 1701

لمزيد البيان، ولا يستثنى مما يسلف فيه عندهم غير الأرض والدور، ووجه استثنائهما أن السلم يكون في غير معين، فلو عينت الأرض والدور خرجت عن أن تكون سلما، لأن السلم في الذمة لا في شيء بعينه، وإن لم تعين فات كثير مما يقصده الناس منهما وهي الأماكن، فيكون سلما في مجهول، فيناقض ما اشترط في الحديث المتقدم من المعلومية. قلت: يمكن أن يعين الموضع الذي تبنى فيه الدار كأن يقال هو في المنطقة الفلانية، وأن تعرف المساحة العامة، وعدد الحجرات وكون المسكن في الطابق الأرضي أو غيره، وما يبنى به، فيكون ذلك وصفا يصح معه السلم، وهذا معمول به عندنا، لكن المخالفة تأتي من كون رأس المال لا يقدم في هذه المعاملة، بل يدفع على التدريج، وكونه أيضا محتملا للزيادة فيه بنسبة مائوية تحددها الدولة، وهي العملية التي تدعى بإعادة التقويم، وإعادة التقويم تفوت الغرض من السلم كما لا يخفى، ويكون معها الثمن مجهولا وهو المسلَم، وقد نقل عن أشهب ما قد يؤخذ منه جواز السلم في الأرض، ذكره ابن ناجي في شرحه (٢/ ١٣٥)، وإذا لم يثبت الإجماع الذي نقله ابن رشد في بداية المجتهد (٢/ ٢٠١) حيث قال: «واتفقوا على امتناعه فيما لا يثبت في الذمة وهي الدور والعقار»، انتهى، إذا لم يثبت فإن الأمر فيه نظر لقلة الغرر كما تبين لك. ولم ير بعض أهل العلم السلم في الحيوان للتفاوت الكبير بين أفراده، قال الشوكاني ﵀ في السيل الجرار (٣/ ١٥٧): «إن قوله في الحديث «في كيل معلوم ووزن معلوم» يدل على أنه لا يصح السلم فيما يعظم تفاوته لعدم ضبطه بضابط يصح به وصفه، ومن ادعى أنه يمكن ضبطه بضابط فقد أبعد، فإن الحيوان والجواهر واللآلئ والفصوص مختلفة غاية الاختلاف،،،»، انتهى المراد منه. قلت: قد حدثت مقاييس في هذا العصر تجعل الضبط في بعض ما ذكره ميسرا كما لا يخفى، أما الحيوان فقد جاء في شأنه ما يدل على جوز السلف فيه وهو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ أمره أن يجهز جيشا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ في قلاص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة»، رواه أبو داود، وعن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه بالربذة»،

стр. 1702

رواه مالك (١٣٤٨) وغيره، والقلاص جمع قلوص وهي الناقة الشابة، قال، وهو من مكارم الأخلاق: إذا كنت ربا للقلوص فلا تدع … صديقك يمشي خلفها غبر راكب أنخها فأردفه فإن حملتكما … فذاك وإن كان العقاب فعاقب ولا فرق بين أن يكون العوض المقدم في السلف نقدا أو حيوانا، فإن الاختلاف الكبير بينهما لا يزول، سواء كانا حيوانين، أو أحدهما نقدا والآخر حيوانا، فأما معارضه وهو حديث سمرة أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة»، رواه أبو داود (٣٣٥٦) فإنه عام في البيع، مخصص بجواز ذاك في السلم، وبهذا الحمل يجمع بين فعل النبي ﷺ وقوله، ولأن قرض الحيوان مشروع بظواهر النصوص، وبفعل النبي ﷺ ، ومعلوم أن المطلوب في القرض رد المثل ولا بد، بخلاف البيع فالأمر فيه أوسع لأنه مبني على الرغبة في الربح، والغبن الخفيف فيه جائز، وأصله المكايسة والمراوضة، فوقوع التفاوت فيه أهون من وقوعه في القرض، وعلى افتراض وجود التفاوت الكبير فإنه مغمور في المصلحة التي يترقبها المسلف من مده بما أسلف فيه في الزمن الذي يكون محتاجا إليه، والبيع كما تقدم يُترك الناس فيه يرزق الله بعضهم من بعض، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ٤١٩): «وإذا تعارضت الآثار في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة سقطت، وكانت الحجة في عموم ظاهر القرآن، لأنها تجارة عن تراض»، انتهى. واعلم أن مالكا ﵀ لا يرى جواز بيع الجنس بجنسه نسيئة إلا إذا اختلف بعضه عن بعض فبان اختلافه، وقد حمل ما ورد من منع بيع الحيوان بالحيوان نسيئة على هذا المعنى، وقال عنه ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود إنه أعدل الأقوال، وبه يجمع بين اختلاف المنقول عن علي وابن عمر ﵃ من الجواز وعدمه، وإنما اشترط مالك الاختلاف في المنافع في الحيوان لأنه حينئذ يخرج عن أن يتوهم فيه السلف أي القرض. ولجواز السلم عند أهل المذهب شروط في رأس المال وهو العوض الذي يقدم، وأخرى في المسلم فيه، وهو الدين الذي يترتب في ذمة المسلف، والثالثة في أجل السلم،

стр. 1703

وبعض هذه الشروط مطلوبة في البيع عموما، وبعضها مشترك بين المسلم والمسلم فيه. فالتي في رأس المال ثلاثة وهي أن يكون معلوما معينا معجلا، والتي في المسلم فيه خمسة هي أن يكون مؤجلا موجودا عند الأجل غالبا، ومما ينقل، فلا يسلم في الدور ولا في الأرض، وأن يكون مضمونا في الذمة، فلا يسلم في المعين، وأن يكون مما تحصره الصفة، والمشترك بينهما أن لا يكونا من جنس واحد، وأن لا يكونا مما يمتنع بيعهما بالنساء، والتي في الأجل اثنان أن يكون معلوما، وأن تكون مدته مما تتغير فيه الأسواق. وقد ذكر المؤلف معظم هذه الشروط تصريحا وبعضها ضمنا، ولم يذكر السلم في النقود، ونص القاضي عبد الوهاب على جواز السلم فيها، لأن كل ما جاز أن يكون ثمنا في الذمة جاز أن يكون مثمونا، فيجوز على هذا أن يعطي شخص لآخر ثلاجا على أن يدفع له نقودا بعد ستة أشهر مثلا، وهذا لا تتبين فيه منفعة للبائع إلا أن يكون لا حاجة له إلى النقود الآن أو لخوفه على ضياعها منه فيسلف فيها لتكون مضمونة. واشتراط تأجيل المسلم فيه لا يقتضي فيما يظهر تسلمه دفعة واحدة عند حلول الأجل، كأن يسلم للخباز أو اللبان أو القصاب على أن يأخذ أقساطا معينة كل يوم أو أسبوع أو غيره حسب الحاجة في مدة محددة، والله أعلم.

стр. 1704

• قوله: ٥٨ - «و يعجل رأس المال أو يؤخره إلى مثل يومين أو ثلاثة وإن كان بشرط». إنما سمي السلم كذلك لأن أحد المتعاقدين يسلم للآخر العوض، على أن يكون العوض الآخر في ذمة الثاني، فإذا لم يسلمه واكتفيا بالكلام والتواعد فلا يصدق عليه لفظ السلم، لا لغة ولا شرعا، بل هو بيع الدين بالدين، وهو مجمع على منعه، لكن المذهب جواز تأخير قبض رأس المال إلى ثلاثة أيام، سواء أكان ذلك باشتراط المسلف أم لا، قالوا لأن هذه المدة يكون رأس المال معها في حكم المقبوض، وهذا التقييد مفتقر إلى الدليل، ولا دليل بل هو من قائله مجرد استحسان، ومن استدل عليه بالآيات التي فيها الإمهال ثلاثة أيام كقوله تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (٦٥)﴾ [هود: ٦٥]، وجواز بقاء المهاجر في مكة ثلاثة أيام، وإحداد المرأة على غير زوجها ثلاثة أيام فقد أبعد النجعة، وقد رد ابن عبد البر هذا القول في الكافي (ص ٣٣٧)، مع أنه من النادر أن يتدخل فيه بترجيح ما خرج عن المذهب، ثم احتج لما ذهب إليه بتخريجه على قول لمالك، قال: «والذي به أقول إنه لا يجوز فيه إلا تعجيل النقد، وإلا دخله الكالئ بالكالئ، ولم يختلف قول مالك أنه لو أقاله في السلم بتأخير يوم أو يومين أنه لم يجز، والابتداء أولى كذلك في النظر، إذ هو مثله قياسا عليه بلا فرق»، انتهى، يقصد أنه لو صح التسامح في تأخير المال لكان في المآل أولى منه في الابتداء.

стр. 1705

• قوله: ٥٩ - «وأجل السلم أحب إلينا أن يكون خمسة عشر يوما أو على أن يقبض ببلد آخر، وإن كانت مسافته يومين أو ثلاثة، ومن أسلم إلى ثلاثة أيام يقبضه ببلد أسلم فيه فقد أجازه غير واحد من العلماء وكرهه آخرون». أما أن المسلَم فيه ينبغي أن يكون مؤجلا فهذا ظاهر قول النبي ﷺ : «من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم»، فهل ذكر الأجل لمجرد أن تعيينه مطلوب، أو لكون بيع السلم لا يكون إلا مؤجلا، فلا يجوز السلم الحال، الظاهر عدم مشروعيته لعدم صدق السلم عليه، ولأنه لا فائدة فيه حيث لا يختلف عن البيع الحَالِّ، ولدخوله في بيع ما ليس عند البائع، وبيان ذلك أنه إن عين المبيع لم يكن سلما، وإن لم يعينه لزم أن يوصف فيكون حالا، للمبتاع الخيار إذا رآه، والقول بأنه حال ينافي البحث عنه، فإن ضرب له أجل يتمكن معه البائع من الحصول عليه خرج عن أن يكون حَالاًّ، وفي هذا من التناقض ما لا يخفى على اللبيب، أما الاحتجاج على الجواز بأنه إذا جاز بيع المؤجل مع ما فيه من الغرر فأحرى أن يجوز بيع الحَالِّ فليس بمقبول، وجوابه أن البيع إما حَالٌّ وإما مؤجل، ولا يدرى حقيقة هذه الواسطة؟. وأما ما اختاره المصنف في الأجل وهو خمسة عشر يوما فهو ما ذهب إليه ابن القاسم، ومعتمده أنه زمن تتغير فيه الأسواق، وتغيرها هو الذي تبنى عليه المصلحة في بيع السلم والغرض منه، قال ابن القاسم في المدونة (٣/ ١٣٣): «ولقد سمعت بعض أهل العلم وهو الليث بن سعد يذكر عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن السلم إلى يوم أو يومين أو ما أشبهه، قال سعيد: لا، إلا على أجل ترتفع فيه الأسواق وتنخفض، قال سحنون قلت: وما هذا الذي ترتفع فيه الأسواق وتنخفض، ما حده؟، قال: ما حد لنا مالك فيه حدا، وإني لأرى الخمسة عشر يوما والعشرين يوما»، انتهى.

стр. 1706

وقوله: «أو على أن يقبض ببلد آخر» يعني إن لم يكن السلم مؤجلا بما ذكر غير أنه اشترط أن يقبض ببلد غير البلد الذي أسلم فيه يبعد بسير اليومين أو الثلاثة قام ذلك مقام الأجل المذكور لاختلاف الأسواق باختلاف البلدان حتى في الزمان الواحد، فيتحقق بذلك الغرض من السلم، بدليل أن الناس يسافرون بالسلعة من بلد إلى آخر رجاء الربح، قال ابن العربي في المسالك (٦/ ١٢٣): «وانفرد مالك عن جميع العلماء في مسألة الأجل في السلم، فقال يجوز أن يسلم الرجل إليه في بلد في طعام في بلد آخر، يعطيه إياه في بلد آخر يسميه، ولا يذكر الأجل، ويكون مسافة ما بين البلدين أجلا، وهي مسألة ضعيفة جدا لأنه أجل مجهول»، انتهى ببعض تصرف. قلت: التقدير بالمسافة يجعل الأجل كالمجهول، وقد ذكر أهل المذهب قيودا تجعله قريبا من المعلوم، وتحد من جهالته، لكن في ذلك الوقت الذي كانت فيه وسائل النقل محدودة والفوارق بينها قليلة، وهي أن يتفقا على قبضه بمجرد الوصول، وأن يشترط في العقد الخروج فورا، وأن يخرج المسلم فورا، وأن يكون السفر في البر أو في البحر بغير ريح.

стр. 1707

• قوله: ٦٠ - «ولا يجوز أن يكون رأس المال من جنس ما أُسلم فيه، ولا يسلم شيء في جنسه أو فيما يقرب منه إلا أن يقرضه شيئا في مثله صفة ومقدارا والنفع للمتسلف». رأس المال هو الذي يقدم في السلم، والذي أسلم فيه هو العوض المؤخر لزوما، ومعنى كلامه أنه لا يجوز أن يكون العوضان من جنس واحد كقنطار حديد بقنطارين، لأنه سلف بزيادة، فهو ضمان بجعل، وهذا في الأجناس غير الربوية، أما هي فلا يجوز فيها لا الزيادة ولا التأخير في الجنس الواحد، وتجوز الزيادة مع المناجزة متى اختلف الجنس كما علمت من قبل، فإن اتحد جنس المسلم والمسلم فيه في المقدار والصفة اعتبر قرضا، أي أن هذه المعاملة تصرف إلى القرض ولو وقعت بلفظ البيع، أي تعتبر صحيحة بشرط أن يتمحض النفع للمقترض، فإن قصد به المسلم الضمان فقد أثم وهو غير جائز، لأن الضمان لا يصح أخذ أجر عليه. وحاصل مسألة تسليف الجنس في جنسه ما قاله الشيخ على الصعيدي في حاشيته على شرح أبي الحسن (٢/ ٥١٥): «إن دفع الشيء في أكثر منه أو أجود كعكسه ممتنع، ولو في غير الطعامين والنقدين، والعلة ما تقدم، وأما عند التساوي في القدر والصفة فيجوز في غير الطعامين والنقدين، وهو قرض، ولو وقع على لفظ السلم، فيشترط فيه شروط القرض التي من جملتها تمحص النفع للمقترض، وأما في الطعام والنقدين فيمتنع إن وقع العقد بلفظ السلم أو البيع، أو الإطلاق، وأما إن وقع بلفظ القرض فيجوز حيث تمحض النفع للمقترض»، انتهى.

стр. 1708

• قوله: ٦١ - «ولا يجوز دَيْنٌ بِدَيْنٍ». يجوز في البيع أن يكون أحد العوضين مؤخرا باستثناء الربويات، وإذا حصل التأخير فإما أن يكون من بيع الغائب على الوصف، فيكون بيع معين، أو من بيع السلم، فيكون مضمونا في الذمة، فتأجيل أحد العوضين جائز كما فصل من قبل، والممتنع هو تأخيرهما معا وهو الذي ذكره هنا، ودليله ما حكي من الإجماع على منعه قاله أحمد كما في التلخيص الحبير وقاله ايضا ابن المنذر، ولحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ»، رواه الدارقطني والحاكم، وقد تفرد به موسى بن عبيدة وهو ضعيف كما بينه البيهقي، وذكر مالك هذه العبارة مرات في موطئه مما يدل على أنه قد اعتمد هذا الأصل، وتحت الدين بالدين الممنوع ثلاث صور هي بيع الدين بالدين، وابتداء الدين بالدين، وفسخ الدين في الدين. فأما بيع الدين بالدين فيتصور في معاملة بين ثلاثة، كأن يكون لزيد على عمرو مائة إلى أجل، فيبيعها زيد لخالد بمائة إلى أ جل، فبيع الدين بالدين لا بد فيه من تقدم عمارة ذمة على البيع كما مثلت، قال مالك في الموطإ في باب السلفة في العروض: «والكالئ بالكالئ أن يبيع الرجل دينا له على رجل بدين على رجل آخر»، انتهى، وقد يتقدم على البيع عمارة ذمتين، كما إذا كان لزيد دين على عمرو، ولخالد دين على بكر، فيبيع زيد دينه الذي على عمرو لخالد بدينه الذي له على بكر، وعلة المنع ما فيه من نشر النزاع التي ينفر الشرع منه وقال بعضهم إن المنع للتعبد، وهو بعيد.

стр. 1709

• قوله: ٦٢ - «وتأخير رأس المال بشرط إلى محل السلم أو ما بعُد من العقدة من ذلك». هذه هي الصورة الثانية من الدين بالدين، وتدعى ابتداء الدين بالدين، فقوله «من ذلك»، خبر وقوله: «وتأخير رأس المال»، هو المبتدأ أي أن من الدين بالدين هذه الصورة، وإنما ذكر المؤلف مثالا من بيع السلم لأنه بصدد الكلام عليه، وهو أن يؤخر رأس مال السلم أكثر من ثلاثة أيام، وقد تقدم ما في ذلك، أو يؤخره إلى مَحِلِّ السلم بفتح الميم وكسر الحاء، أي حلول وقته وهو أجله المضروب في العقد، وإذا كان تأخير العوض أكثر من ثلاثة أيام هو من بيع الكالئ بالكالئ فأحرى أن يمنع ما يفعله كثير من الناس من التبايع بالكلام، وكل من الطرفين لا يسلم للآخر العوض، فهذا ليس بيعا أصلا، وأقصى أحواله أن يكون وعدا بالبيع، وعلة منع ابتداء الدين بالدين ما فيه من شغل الذمتبن معا، وقول المؤلف بشرط، هو قيد في اعتبار تأخير رأس مال السلم من الدين بالدين، ومفهومه أنه إن أخر من غير شرط جاز، ولأهل المذهب تفصيل في هذا الذي يجوز من التأخير، بل يقولون إن رأس المال إذا كان حيوانا جاز تأخيره ولو إلى مَحِلِّ السلم، واختلف في جواز تأخير العرض، أما النقود فقد اتفقوا على عدم تأخيرها إلا ما سبق من الأيام الثلاثة، ولم أقف لهذا التفصيل على دليل، والأصل في جميع أنواع رأس مال السلم التقديم لغة وشرعا فمن قال بخلاف ذلك فعليه الدليل.

стр. 1710

• قوله: ٦٣ - «ولا يجوز فسخ دَيْنٍ في دَيْنٍ وهو أن يكون لك شيء في ذمته فتفسخه في شيء آخر لا تتعجله». هذه هي الصورة الثالثة، وهي فسخ الدين في الدين، ومرد المنع من هذا إلى أنه من ربا الجاهلية، أو ذريعة إليه، ومثاله أن يكون لزيد عشرة آلاف دينار على خالد أجلها نهاية محرم، فيتفقان على أن يدفع له بدل ذلك عشرة قناطير قمح في صفر، فهذا فسخ دين في دين من غير جنسه، وفيه التأخير في الأجل، فدل على أن العشرة قناطير أغلى ثمنا من الألفي دينار بدلالة التأخير، أو يكون له عليه (١٠٠٠) دينار إلى محرم فيفسخها في (٢٠) دولارا إلى ما بعد الأجل، وهذا فسخ للدين وإن كان في جنسه باعتبار إلا أن فيه ما تقدم، أما إن كان الفسخ إلى الأجل نفسه، أو دونه بقيمته فقد اختلف فيه، والمشهور المنع، والنظر يقتضي جوازه ولاسيما إذا كان ذلك فيه تيسير على المدين بأن كان بطلب منه، فضلا عما إذا التقت عليه مصلحتا الطرفين، وقد دل عليه حيث ابن عمر ﵄ قال: «قلت يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، آخذ هذا من هذه، وأعطي هذه من هذا»، فقال رسول الله ﷺ : «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء»، رواه أصحاب السنن الأربعة، قال في التعليق المغني (٢/ ٢٣): «رواته ثقات»، وضعفه الألباني ﵀ مرفوعا وحسن الموقوف، فانظر الإرواء (ح/ ١٣٢٦).

стр. 1711

• قوله: ٦٤ - «ولا يجوز بيع ما ليس عندك على أن يكون عليك حالاًّ». لما بين أن السلم يجب أن يكون المسلم فيه مؤخرا بين هنا مفهوم ذلك، ودليل المنع حديث حكيم بن حزام قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: «يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي، أبتاع له من السوق ثم أبيعه؟، قال: «لا تبع ما ليس عندك»، روا أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وقد تقدم حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك»، وما ليس عندك يحتمل أن يكون المراد ما لا تملكه، وهذا هو الذي دل عليه الحديث بسياق السؤال، ويحتمل أن يشمل بعمومه ما تملكه غير أنه غائب، لكن الغائب قد علمت جواز بيعه على الوصف وما فيه، وما لا يملكه قد علمت جواز بيعه على وجه السلم، فيكون المقصود بما ليس عندك في الحديث ما ليس في ملكك متى بعته عينا، لا موصوفا في الذمة، أو تملكه مع عجزك عن تسليمه فقد تتضرر أنت إن كان الثمن أكثر مما بعته به، أو يتضرر مشتريه إن كان ثمنه منخفضا، وليس بالبعيد أن يشمل النهي ما لم تقبضه، وبهذا يجمع بين الأحاديث الواردة في هذا الأمر، الظاهرة التعارض، ولذلك قيد المؤلف المنع من بيع ما ليس عندك بأن يبيعه حالا أجله، بخلاف ما إذا باعه إلى أجل فإنه يكون سلما مضمونا وهو جائز، وينبغي أن ينبه هنا إلى الفرق بين أن يبيع المرء ما ليس عنده كما تقدم في سبب ورود الحديث، وبين أن يطلب منه شخص شيئا فيشتريه ليبيعه له بعد شرائه، فهذا غير الأول وهو جائز، لكن العقد إنما يتم حينئذ، والله أعلم.

стр. 1712

• قوله: ٦٥ - «وإذا بعت سلعة بثمن مؤجل فلا تشترها بأقل منه نقدا أو إلى أجل دون الأجل الأول، ولا بأكثر منه إلى أبعد من أجله، وأما إلى الأجل نفسه فذلك كله جائز وتكون مقاصة». لما تكلم على بعض البيوع الممنوعة لما فيها من غرر أو جهالة فكانت ممنوعة لذاتها تكلم هنا على ما منع لكونه ذريعة إلى الممنوع، وما ذكره داخل في بيوع الآجال، وقد عقد لها خليل في مختصره بابا مستقلا، ومبنى الممنوع منها على أصل سد الذرائع الذي اشتهر به مالك ﵀، قال ابن رشد: «أصل ما بني عليه هذا الكتاب الحكم بالذرائع، ومذهب مالك ﵀ القضاء بها والمنع منها، وهي الأشياء التي ظاهرها الإباحة، يتوصل بها إلى فعل المحظور، ومن ذلك البيوع التي ظاهرها الصحة، ويتوصل بها إلى استباحة الربا،،، إلى أن قال: «وأباح الذرائع الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما، والصحيح ما ذهب إليه مالك ﵀ ومن قال بقوله، لأن ما جر إلى الحرام وتطرق إليه حرام مثله،،،» انتهى المراد منه، وقد ذكر أدلة كثيرة على المنع من الذرائع، فانظرها في المقدمات (٣/ ١٨٢)، لكنه قيد الصور التي ذكر حرمتها بما إذا كان المتبايعان أو أحدهما من أهل العينة، وقال: «لأن أهل العينة يتهمون فيما لا يتهم فيه أهل الصحة،،،»، انتهى، وقال خليل: «ومنع للتهمة ما كثر قصده كبيع وسلف، وسلف بمنفعة،،،»، انتهى، قال الدسوقي في حاشيته على شرح الدردير (٣/ ٧٦): «وظاهره وإن لم يقصده فاعله، وفي المواق عن ابن رشد أنه لا إثم على فاعله فيما بينه وبين الله حيث لم يقصد الأمر الممنوع»، انتهى، وإذا خلا البيع عن التهمة فلا وجه للمنع، ولذلك فإن القول بالمنع مطلقا من غير نظر إلى العلة فيه ما فيه. وكلمة العينة وزنها فعلة من عان يعون عونا، كذا قال ابن العربي في المسالك، وقال في الصحاح: والعينة بالكسر السلف، واعتان الرجل إذا اشترى الشيء بنسيئة»، انتهى،

стр. 1713

وترجم مالك في الموطإ بقوله العينة وما يشبهها»، ثم ذكر تحتها أنواعا من البيوع الممنوعة منها بيع الطعام قبل قبضه، وبيع الصكاك، ولعل ذلك لكونه راجعا إلى بيع دراهم بدراهم، أو دراهم بدنانير، والطعام مرجأ كما فسره ابن عباس ﵄ بأن يبيع المرء السلعة بثمن إلى أجل، ثم يشتريها منه بثمن أقل نقدا، وهذه لا تختلف عما تقدم إلا في المشتري، وجاء ذم العينة في قول رسول الله ﷺ : «إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم»، رواه أبو داود (٣٤٦٢) وغيره عن ابن عمر ﵄، والعقوبة بتسليط الذل ووصف الفاعل للشيء بالخارج عن الدِّينِ يدل على حرمته، وقد روى أحمد عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة هي وأم زيد بن أرقم فقالت أم ولد زيد لعائشة: إني بعت من زيد غلاما بثمانمائة نسيئة، واشتريت بستمائة نقدا، فقالت: أبلغي زيدا أن قد أبطلت جهادك مع رسول الله ﷺ إلا أن تتوب فبئسما اشتريت، وبئسما شريت»، وهو أيضا في مصنف عبد الرزاق وغيره، وقد قواه بعضهم بتعدد طرقه، وشهادة حديث ابن عمر له على افتراض أن صورة البيع التي في أثر أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنها- هي العينة التي في حديثه، ومن المستبعد أن تجزم أم المؤمنين بإبطال تعاطي العينة للجهاد مع رسول الله ﷺ لو لم يكن معها شيء تأثره عنه، وقد ضعف الحديث الشافعي وابن حزم وغيرهما، ولا ريب أن من قصد التحايل على الربا بالمعاملة المذكورة في الأثر ففعله محرم، أما من لم يقصد ذلك فهو الذي يقصر على فعله الخلاف، وانظر نيل الأوطار للشوكاني (٥/ ٣١٧) أما كلام المؤلف فيتضح بمثال هو أن من باع كتابا بألف يقبضها في شهر رمضان، ثم اشترى الكتاب من الذي باعه له بثمانمائة يدفعها من فوره، أو في شهر شعبان، أو اشترى الكتاب بألف ومائة يسددها في شوال، فهو بيع غير جائز، لأن فيه سلفا جر منفعة، ولأنه يؤول إلى أنه أعطى ثمانمائة على أن يأخذ ألفا، وهذا ربا، والكتاب وسيلة للوصول إلى ذلك. ومفهوم ما ذكره أنه لو اشترى الكتاب بنفس الثمن الذي باعه به، أو أكثر منه يدفعه في نفس الأجل فإنه يجوز، ويقاص صاحبه بدينه الذي عليه، فإن تساوى الثمنان تساقطا،

стр. 1714

وإن اختلفا فعند تمام الأجل تقع المقاصة بأن يدفع الزائد لمستحقه من غير مقابلة بشيء زائد على المثمون فينتفي بذلك ابتداء الدين بالدين الموجب للمنع. وتحت ما ذكره المؤلف اثنتا عشرة صورة يمتنع منها ثلاثة، وتجوز تسعة، وذكر ابن رشد في المقدمات سبعا وعشرين صورة، وضابط الجائز من الممتنع أنه مهما اتفق الثمنان فالبيع جائز، ولا يلتفت إلى اختلاف الأجل، وهكذا إذا اتفق الأجلان فالبيع جائز، ولا ينظر إلى اختلاف الثمن، أما إن اختلف الأجلان والثمنان فإنه ينظر إلى اليد السابقة بالعطاء، فإن أعطت أقل مما أخذت كان البيع محظورا، وإن ساوى الذي أعطته ما أخذته، أو كان ما أعطت أكثر مما أخذت فالجواز، وهذا جدول بتلك الصور كتبته للتدرب والتمرن: جدول يبين حكم بيوع الآجال:

стр. 1715

• قوله: ٦٦ - «ولابأس بشراء الجزاف فيما يكال ويوزن سوى الدنانير والدراهم ما كان مسكوكا، وأما نقار الذهب والفضة فذلك فيهما جائز، ولا يجوز شراء الرقيق والثياب جزافا ولا ما يمكن عده بلا مشقة جزافا». هذا من التيسير الذي شرعه الله ورسوله في البيع، فإن من شرط المبيع أن يكون معلوما، والكيل والوزن والعد مما يتم به ذلك على الوجه المطلوب، وعليه فالأصل في بيع الجزاف المنع، لكنه أبيح لحاجة الناس، ودفع المشقة عنهم بشروط ستذكر، وقد تقدم ذكر بعض الأدلة على جوازه في الكلام على بيع الطعام قبل قبضه، وكل ما ورد من ذلك هو من باب السنة التقريرية، ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: «رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا تبايعوا الطعام جزافا يضربون أن يبيعوا مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم»، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مر على صُبْرَةٍ من طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعُه بللا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام»؟، قال: «أصابته السماء يا رسول الله»، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟، من غش فليس منا»، رواه مسلم، وقد ذكرته استطرادا. وقد ذكروا لجواز بيع الجزاف شروطا أورد المؤلف بعضها وهي: - أن لا يدخلا على الجزاف بمعنى أن يقول له أعد لي كوما من هذا الفول وأنا أشتريه منك، لأن الجزاف كالرخصة وفيه غرر غير مقصود فلا يصح مع القصد إليه، فإنه إنما يجوز إذا صادف كونه جزافا.

стр. 1716

- أن يكون معلوم الجنس كقمح أو شعير بخلاف صبرة الطعام المجهول الجنس، وهذا الشرط كما ترى ليس خاصا بالجزاف. - أن يكون غير مسكوك فلا يجوز بيع الدراهم والدنانير المسكوكة جزافا. - أن يكون كثيرا بحيث لا يعلم قدره احترازا من القليل الذي يسهل عده فلا يباع جزافا، وقد فرقوا في هذا بين العد فلم يجيزوا بيع القليل الممكن العد، وأجازوا بيع القليل الممكن الوزن والكيل ولو بلا مشقة، ووجه ذلك أن العد لا يفتقر إلى معيار شرعي أو عرفي فانتفى الحرج. - أن لا يكثر جدا بحيث لا يتأتى حزره لما في ذلك من زيادة الغرر الموجود في الجزاف أصلا. - أن يكون مرئيا حتى يتمكن من حزره ويكتفى بما ظهر منه كما في صبرة الطعام وما كان مغيبا في الأرض، ولا بأس أن تكون الرؤية سابقة على العقد إذا لم يكن الفاصل الزمني بينهما مما يتغير فيه المبيع. - أن لا تكون آحاده مقصودة كالجوز واللوز، فإن قصدت آحاده كالثياب والرقيق لم يجز إلا إذا قل ثمنها كالبيض والرمان، ويؤخذ هذا الشرط من استثنائه الرقيق والثياب، وهو شبيه بقول مالك في الموطإ (١٣٨٣): «قال مالك في الرجل يشتري الإبل أو الغنم أو البز أو الرقيق أو شيئا من العروض جزافا إنه لا يكون الجزاف في شيء مما يعد عددا»، انتهى. - أن لا يشتري جزافا مع مكيل من جنسه في عقد واحد كصبرة قمح مع قنطار منه، وكبيع أرض جزافا مع مذروع منها، لما في ذلك من الجمع بين مقتضي الترخيص في بيع الجزاف، ومقتضي العزبمة في بيع المكيل أو الموزون أو المذروع وهو متناقض، انظر أحكام عقد البيع في الفقه الإسلامي المالكي (ص ١٣١). - أن يكون المتبايعان معتادين للحزر إذ كيف يحزر من لم يعتد ذلك. - أن يكونا جاهلين بمقداره فلو علما مقداره لم يجز العقد لأنه ليس جزافا، وإن علم أحدهما بمقداره وأخبر الآخر قبل العقد فسد، وإن علم بعده فللجاهل الخيار لأنه قصد غبنه وغرره. - أن يكون على أرض مستوية لأن الأرض التي تحت المبيع إن كانت ناتئة أثرت في

стр. 1717

الحزر بالنقصان، وإن كانت منخفضة أثرت فيه بالزيادة، فإن علم ذلك بعد البيع فالخيار للمغبون، وهو ا لمشتري في الأول، والبائع في الثاني. وقد اقتصر خليل في جواز بيع الجزاف على سبعة شروط وهو غير مناف للعدد المتقدم كما يعلم بالمقارنة قال عاطفا على ما يجوز: «وجزاف إن ريئ، ولم يكثر جدا، وجهلاه، وحزراه، واستوت أرضه، ولم يعد بلا مشقة، ولم تقصد أفراده»، انتهى.

стр. 1718

• قوله: ٦٧ - «ومن باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع». اعلم أن المعقود عليه تارة يكون مفصولا عن غيره بحيث لا يتوهم دخوله فيه كالثوب والكتاب لا يتوهم دخول الحقيبة في بيع الأول، ولا المحفظة في بيع الثاني، وتارة يدخل الشيء مع غيره ولا بد كبيع الأرض التي عليها البناء والشجر، ومنه ما يحتمل دخول غيره مما يتبعه فيه، وهذا يدعى عندهم بالمتداخل، فإن دخل كان زيادة في المبيع، وإن لم يدخل كان نقصا فيه، ولهذا اهتم الشارع بهذا النوع ليقطع النزاع، فجعل له حدا يكون به للبائع أو للمشتري، ومن أمثلته بيع النخل فلمن يكون الثمر؟، وبيع العبد فلمن يكون ماله؟ وقد عقد خليل له فصلا، فقال: «تناول البناء والشجر الأرض وتناولتهما والبذر لا الزرع، ومدفونا كلو جهل ولا الشجرُ الثمرَ المؤبر أو أكثره إلا بشرط»، انتهى، ومعنى التناول أن من باع بناء أو شجرا فقد باع الأرض التي عليها البناء والشجر، ومن باع أرضا فقد باع ما عليها من بناء وشجر وبذر، لا زرع، ولا ما فيها من المدفون كالرخام ونحوه مما لم يعلمه، ولا يتناول بيع الشجر الثمر المؤبر، ومثل البيع في ذلك مثل الهبة والصدقة والحبس. وكلام الؤلف نص حديث صحيح، وقد جرى على هذا كثيرا ﵀، قال ابن العربي في المسالك (٦/ ٧٠): «إن الثمرة ما دامت كائنة في الشجرة لم يتعلق بها قصد، ولا أمكن لأحد فيها تناول، فإذا برزت تعلقت بها المقاصد، وانفردت عن الشجرة صورة وصفة واسما فلذلك لم تتبعها»، انتهى، وتأبير النخل هو تلقيحه أو تشقيحه بوضع نَور العضو المذكر على محل نَور المؤنث فيسقط ما يسقط من الثمار ويبقى ما يبقى، وقد أشار إليه المؤلف بقوله الآتي: «والإبار التذكير»، وقد تقدم أن بيع الثمر قبل بدو صلاحه منهي عنه، لكن يجوز بيع الشجر والثمر تابع له، فإذا حصل ذلك فلينظر: فإن وقع البيع بعد التأبير للجميع أو للأكثر فالثمر المنتظر للبائع، وإن أبر النصف فكل على حكمه، أما إن كان البيع

стр. 1719

قبل ذلك فالثمر للمشتري، وكل هذا ما لم يتفقا على خلاف ذلك، وقد فصل الشرع في هذا لحسم النزاع عند الاختلاف، قال ﵊: «من باع نخلا أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع»، رواه مالك (١٢٩٨) والبخاري ومسلم، فجعل التأبير فاصلا، ويؤخذ من الاستثناء في الحديث أنهما لو تنازعا في الاشتراط وعدمه ولا بينة لأحد منهما أن القول للبائع لأن الثمر له في الأصل، وأما قبل الإبار فالقول للمشتري، قالوا ولا يجوز اشتراط ثمر بعض الشجر دون بعض لما فيه من قصد بيع الثمر قبل بدو صلاحه وهو منهي عنه. وقد أجاز مالك لمن اشترى أصول النخل المؤبر إذا لم يشترط الثمر أن يشتريه قبل بدو صلاحه في صفقة واحدة دون غيره من الناس، لأنه كان له أن يشترط الثمرة في الصفقة، هذه رواية ابن القاسم عنه، وروى عنه ابن وهب عدم الجواز، والمسألة فيها احتمال، وعموم النهي مقدم، فعدم الجواز هو الصواب كما قال ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ٣٠١).

стр. 1720

• قوله: ٦٨ - «وكذلك غيرها من الثمار». سبيل إثبات هذا هو القياس وأركانه هنا موجودة فيؤخذ به في الزيتون والعنب والرمان والتين وغيرها، فإذا ظهر نَور الشجرة وانعقدت الثمرة وتميزت عن أصلها، فهذا حال فاصل كالإبار، ويمكن أن يقال إن علاجها بالأدوية بعد أن تورق هو بهذه المنزلة، والله أعلم.
следующие страницы →