Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
- أن يكون معلوم الجنس كقمح أو شعير بخلاف صبرة الطعام المجهول الجنس، وهذا الشرط كما ترى ليس خاصا بالجزاف.
- أن يكون غير مسكوك فلا يجوز بيع الدراهم والدنانير المسكوكة جزافا.
- أن يكون كثيرا بحيث لا يعلم قدره احترازا من القليل الذي يسهل عده فلا يباع جزافا، وقد فرقوا في هذا بين العد فلم يجيزوا بيع القليل الممكن العد، وأجازوا بيع القليل الممكن الوزن والكيل ولو بلا مشقة، ووجه ذلك أن العد لا يفتقر إلى معيار شرعي أو عرفي فانتفى الحرج.
- أن لا يكثر جدا بحيث لا يتأتى حزره لما في ذلك من زيادة الغرر الموجود في الجزاف أصلا.
- أن يكون مرئيا حتى يتمكن من حزره ويكتفى بما ظهر منه كما في صبرة الطعام وما كان مغيبا في الأرض، ولا بأس أن تكون الرؤية سابقة على العقد إذا لم يكن الفاصل الزمني بينهما مما يتغير فيه المبيع.
- أن لا تكون آحاده مقصودة كالجوز واللوز، فإن قصدت آحاده كالثياب والرقيق لم يجز إلا إذا قل ثمنها كالبيض والرمان، ويؤخذ هذا الشرط من استثنائه الرقيق والثياب، وهو شبيه بقول مالك في الموطإ (١٣٨٣): «قال مالك في الرجل يشتري الإبل أو الغنم أو البز أو الرقيق أو شيئا من العروض جزافا إنه لا يكون الجزاف في شيء مما يعد عددا»، انتهى.
- أن لا يشتري جزافا مع مكيل من جنسه في عقد واحد كصبرة قمح مع قنطار منه، وكبيع أرض جزافا مع مذروع منها، لما في ذلك من الجمع بين مقتضي الترخيص في بيع الجزاف، ومقتضي العزبمة في بيع المكيل أو الموزون أو المذروع وهو متناقض، انظر أحكام عقد البيع في الفقه الإسلامي المالكي (ص ١٣١).
- أن يكون المتبايعان معتادين للحزر إذ كيف يحزر من لم يعتد ذلك.
- أن يكونا جاهلين بمقداره فلو علما مقداره لم يجز العقد لأنه ليس جزافا، وإن علم أحدهما بمقداره وأخبر الآخر قبل العقد فسد، وإن علم بعده فللجاهل الخيار لأنه قصد غبنه وغرره.
- أن يكون على أرض مستوية لأن الأرض التي تحت المبيع إن كانت ناتئة أثرت في
стр. 1717
الحزر بالنقصان، وإن كانت منخفضة أثرت فيه بالزيادة، فإن علم ذلك بعد البيع فالخيار للمغبون، وهو ا لمشتري في الأول، والبائع في الثاني.
وقد اقتصر خليل في جواز بيع الجزاف على سبعة شروط وهو غير مناف للعدد المتقدم كما يعلم بالمقارنة قال عاطفا على ما يجوز: «وجزاف إن ريئ، ولم يكثر جدا، وجهلاه، وحزراه، واستوت أرضه، ولم يعد بلا مشقة، ولم تقصد أفراده»، انتهى.
стр. 1718
• قوله:
٦٧ - «ومن باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع».
اعلم أن المعقود عليه تارة يكون مفصولا عن غيره بحيث لا يتوهم دخوله فيه كالثوب والكتاب لا يتوهم دخول الحقيبة في بيع الأول، ولا المحفظة في بيع الثاني، وتارة يدخل الشيء مع غيره ولا بد كبيع الأرض التي عليها البناء والشجر، ومنه ما يحتمل دخول غيره مما يتبعه فيه، وهذا يدعى عندهم بالمتداخل، فإن دخل كان زيادة في المبيع، وإن لم يدخل كان نقصا فيه، ولهذا اهتم الشارع بهذا النوع ليقطع النزاع، فجعل له حدا يكون به للبائع أو للمشتري، ومن أمثلته بيع النخل فلمن يكون الثمر؟، وبيع العبد فلمن يكون ماله؟ وقد عقد خليل له فصلا، فقال: «تناول البناء والشجر الأرض وتناولتهما والبذر لا الزرع، ومدفونا كلو جهل ولا الشجرُ الثمرَ المؤبر أو أكثره إلا بشرط»، انتهى، ومعنى التناول أن من باع بناء أو شجرا فقد باع الأرض التي عليها البناء والشجر، ومن باع أرضا فقد باع ما عليها من بناء وشجر وبذر، لا زرع، ولا ما فيها من المدفون كالرخام ونحوه مما لم يعلمه، ولا يتناول بيع الشجر الثمر المؤبر، ومثل البيع في ذلك مثل الهبة والصدقة والحبس.
وكلام الؤلف نص حديث صحيح، وقد جرى على هذا كثيرا ﵀، قال ابن العربي في المسالك (٦/ ٧٠): «إن الثمرة ما دامت كائنة في الشجرة لم يتعلق بها قصد، ولا أمكن لأحد فيها تناول، فإذا برزت تعلقت بها المقاصد، وانفردت عن الشجرة صورة وصفة واسما فلذلك لم تتبعها»، انتهى، وتأبير النخل هو تلقيحه أو تشقيحه بوضع نَور العضو المذكر على محل نَور المؤنث فيسقط ما يسقط من الثمار ويبقى ما يبقى، وقد أشار إليه المؤلف بقوله الآتي: «والإبار التذكير»، وقد تقدم أن بيع الثمر قبل بدو صلاحه منهي عنه، لكن يجوز بيع الشجر والثمر تابع له، فإذا حصل ذلك فلينظر: فإن وقع البيع بعد التأبير للجميع أو للأكثر فالثمر المنتظر للبائع، وإن أبر النصف فكل على حكمه، أما إن كان البيع
стр. 1719
قبل ذلك فالثمر للمشتري، وكل هذا ما لم يتفقا على خلاف ذلك، وقد فصل الشرع في هذا لحسم النزاع عند الاختلاف، قال ﵊: «من باع نخلا أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع»، رواه مالك (١٢٩٨) والبخاري ومسلم، فجعل التأبير فاصلا، ويؤخذ من الاستثناء في الحديث أنهما لو تنازعا في الاشتراط وعدمه ولا بينة لأحد منهما أن القول للبائع لأن الثمر له في الأصل، وأما قبل الإبار فالقول للمشتري، قالوا ولا يجوز اشتراط ثمر بعض الشجر دون بعض لما فيه من قصد بيع الثمر قبل بدو صلاحه وهو منهي عنه.
وقد أجاز مالك لمن اشترى أصول النخل المؤبر إذا لم يشترط الثمر أن يشتريه قبل بدو صلاحه في صفقة واحدة دون غيره من الناس، لأنه كان له أن يشترط الثمرة في الصفقة، هذه رواية ابن القاسم عنه، وروى عنه ابن وهب عدم الجواز، والمسألة فيها احتمال، وعموم النهي مقدم، فعدم الجواز هو الصواب كما قال ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ٣٠١).
стр. 1720
• قوله:
٦٨ - «وكذلك غيرها من الثمار».
سبيل إثبات هذا هو القياس وأركانه هنا موجودة فيؤخذ به في الزيتون والعنب والرمان والتين وغيرها، فإذا ظهر نَور الشجرة وانعقدت الثمرة وتميزت عن أصلها، فهذا حال فاصل كالإبار، ويمكن أن يقال إن علاجها بالأدوية بعد أن تورق هو بهذه المنزلة، والله أعلم.
стр. 1721
• قوله:
٦٩ - «والإبار التذكير، وإبار الزرع خروجه من الأرض».
قوله: «وإبار الزرع،،،» الخ، هذا ليس تفسيرا للإبار في اللغة، بل المراد بيان ما يكون فيه الزرع بمثابة النخل المؤبر فيعطى حكمه، أو لأن العرب قد جاء في كلامهم ما يدل على أنهم يطلقون الإبار أيضا على علاج الزرع بما يصلحه من السقي والتعاهد.
فمتى يكون الزرع للبائع من غير شرط؟، اختلف فيه، فقيل وقت ذلك هو خروجه من يد باذره، وقيل هو بداية تخلق حبه في سنابله، وهذا أقوى، وقيل خروجه من الأرض وهو المشهور، وإذا قيل بذلك فإن على مالك الأصل السقي عند المشاحة، وإن تراضيا فلكل منهما السقي ما لم يضر بثمر الآخر.
стр. 1722
• قوله:
٧٠ - «ومن باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع».
دلّ على هذا حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع»، رواه البخاري ومسلم، وهو في الموطإ (١٢٩١) موقوفا على عمر بن الخطاب ﵁، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي رفعها سالم ووقفها نافع، وانظر شرح الزرقاني (٣/ ٢٥٣) على الموطإ، وفي الحديث دليل على أن العبد يملك لقوله فماله فنسب المال إليه، لكن ملكيته ناقصة لما تقدم في باب الزكاة.
واعلم أن العبد إن كان مملوكا لواحد فحكم ماله ما تقدم، أما إن كان مشتركا وهو الذي يملكه أكثر من واحد أو مبعضا، وهو الذي بعضه حر وبعضه عبد، فأمره مختلف، فمال المشترك لمشتريه بمقتضى العقد، لأنه لا يجوز لأحد من الشركاء انتزاع مال العبد منه إلا بموافقة شريكه، وهذا ما لم يشترطه البائع وإلا كان له، وأما المبعض فإن ماله يبقى بيده ليأكل منه في يوم نفسه، ولا ينتزعه مشتر ولا بائع اتحد أو تعدد، انظر حاشية علي الصعيدي (٢/ ٥٢٦)، وهذا من اجتهاد العلماء الذين راعوا فيه مقاصد الشرع، وما أكثر اجتهادهم في شأن أحكام الرقيق.
стр. 1723
• قوله:
٧١ - «ولا بأس بشراء ما في العِدْلِ على البرنامج بصفة معلومة».
البرنامج بفتح الباء وكسر الميم كلمة فارسية معربة، وهو الدفتر المكتوب فيه صفات المبيع من نوع ولون وحجم وعدد، والعِدْل بكسر العين هو المثل لأن البعير يوضع عليه عِدْلَان متساويان وجمعه أعدال، والمراد هنا الوعاء الذي تكون فيه البضاعة، وإنما ذكر البيع على البرنامج لبيان أنه مستثنى من منع بيع الحاضر على الصفة، وفائدته تجنب المشقة في فتح الأوعية وإخراج ما فيها ونشره، ولما في ذلك من ابتذاله بتداول النشر والطي عليه متى لم تتم الصفقة، واستحضر هنا ما تقدم من أن المبيع يكون حاضرا مرئيا، ويكون غير معين في الذمة، ويكون غائبا معينا موصوفا، وذكر هنا نوعا من البيع على الوصف لكنه وصف مكتوب، وعمدة جوازه العمل على وفقه كما قال مالك في الموطإ (البيع على البرنامج): «الأمر عندنا في القوم يشترون السلعة البز، أو الرقيق فيسمع به الرجل فيقول لرجل منهم: البز الذي اشتريت من فلان بلغني صفته وأمره، فهل لك أن أربحك في نصيبك كذا؟، فيقول نعم، فيربحه ويكون شريكا للقوم مكانه فإذا نظر إليه رآه قبيحا واستغلاه، قال مالك: فذلك لازم له، ولا خيار له إذا كان قد ابتاعه على برنامج وصفة معلومة»، انتهى، وشاع في هذا العصر البيع على النموذج، وهو أن يرى المشتري جزءا من المبيع يستدل به على بقيته في جنسه ونوعه، ومن المصلحة فيه تَجَنُّبُ حمل المبيعات إذا كانت ذات ألوان مختلفة، أو اختلف نسيجها أو ألوانها أو ما صنعت منه، فيسهل حمل النموذج إلى الراغب في الشراء حيثما كان، ويكون هو المرجع عند التنازع.
стр. 1724
• قوله:
٧٢ - «ولا يجوز شراء ثوب لا ينشر ولا يوصف أو في ليل مظلم لا يتأملانه ولا يعرفان ما فيه وكذلك الدابة في ليل مظلم».
إنما وقع التسامح في رؤية المبيع على البرنامج للاعتماد على الوصف المكتوب، أما ما ليس كذلك فلا يجوز، لأن من شرط المبيع أن يكون معلوما، والثوب إذا كان مطويا ولم يوصف وبيع كذلك فهو مجهول من عدة جهات، منها ذرعه وطوله وعرضه (أصل الثوب عند العرب أن لا يكون مخيطا)، فيدخل في بيع الملامسة المنهي عنه، أما لو بيع كذلك على الخيار فيجوز، وهذا راجع إلى المراد بالثوب عند العرب، وقد تقدم معناه في الجزء الثاني من هذا الكتاب، أما الثياب الآن فتباع وقد كتب عليها مقاساتها وغير ذلك مما يرفع الجهالة فلا يصدق عليها ما قاله أهل العلم من قبل، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الملامسة والمنابذة في البيع، والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه، والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر بثوبه، ويكون ذلك منهما من غير نظر ولا تراض»، رواه الشيخان، ورواه مالك (١٣٦٢) ومن طريقه البخاري عن أبي هريرة، وروى البخاري عن أنس ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمخاضرة والمنابذة والملامسة»، وقال في المدونة: «الملامسة شراؤك الثوب لا تنشره ولا تعلم ما فيه، وتبتاعه ليلا أو لا تتأملانه، أو ثوبا مدرجا لا ينشر من جرابه، والمنابذة أن تبيع ثوبا من رجل فتنبذ إليه من غير تأمل منكما»، انتهى، ونحوه في الموطإ، وهذا كله ما لم يكن في وعاء معه وثيقة تبين أوصافه كما تقدم في البيع على البرنامج، وقوله أو في ليل مظلم لأن الثوب وإن نشر وفتح فلا فائدة في ذلك لأنه كالعدم، والدابة في الليل المظلم مثل الثوب لا ينشر، وفرق أشهب بين أن يكون الغرض من الشراء الذبح للحم فيكفي فيه الجس باليد، أما شراء الأعمى لما يعلمه على الوصف فجائز للضرورة، وقد تقدم قول من فرق بين من يولد أعمى وغيره.
стр. 1725
• قوله:
٧٣ - «ولا يسوم أحد على سوم أخيه وذلك إذا ركنا وتقاربا لا في أول التساوم».
المعنى أنه لا يجوز له أن يزيد على الثمن الذي سماه غيره يساوم به البائع، لما فيه من تفويت الفرصة عليه مع ما في ذلك من نشر العداوة والبغضاء، وقد قرن النبي ﷺ في ذلك بين السوم والخطبة فقال: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولا يسوم على سومه»، رواه الشيخان عن أبي هريرة، وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا يبع أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له»، رواه أحمد ومسلم، وجملة البيع منه في الموطإ (١٣٧٨) عن ابن عمر، وعن أبي هريرة في جملة حديث، لكن المنع إنما يتجه إذا اتفقا ولم يبق إلا إبرام العقد، ولذلك قيده بالشرط مقرونا بمفهومه زيادة في الإيضاح فقال: «إذا ركنا وتقاربا لا في أول التساوم»، وعلامة ذلك مثلا أن يطلب منه أن يزن الشيء، أو يأخذ في التبرؤ من العيوب، وهنا بحث وهو أن هناك ثلاث مراتب الأولى حالة التراكن وقد تقدمت، والثانية حالة التساوم، فكلام مالك ﵀ يدل على جواز مساومة غير الأول قال: «أما قبل التراكن والتقارب فجائز، لأنه لو ترك ذلك لدخل الضرر على الباعة في سلعهم فيؤدي إلى بخسها وبيعها بالنقص»، انتهى.
قلت: ودخول مشتر آخر بين المتراوضين المنفردين في البيع يؤدي إلى الإضرار بالمشترين برفع الأسعار، والشرع يرعى مصالح الطرفين، فالظاهر أن انفراد البائع بالمشتري في التساوم من غير إعلانه أنه يبيع بالمزايدة لا يسوغ معه سوم غير المساوم الأول، يدل على ذلك ما في رواية النسائي لحديث ابن عمر مرفوعا: «لا يبع أحدكم على بيع أخيه حتى يبتاع أو يذر»، وهذا إذا كان غرض المساوم الشراء، أما إن كان غرضه رفع الثمن فهو محرم بالإجماع كما قال النووي، ويسمى فعله هذا النجش بفتح النون وسكون
стр. 1726
الجيم، وقد جاء فيه قول النبي ﷺ : «لا تناجشوا»، رواه مالك والشيخان وأصحاب السنن الأربعة، قال الخطابي في معالم السنن (٢/ ١٠٩): «النجش أن يرى الرجل السلعة تباع فيزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءها وإنما يريد بذلك ترغيب السوام فيها ليزيدوا في الثمن، وفيه غرر للراغب فيها، وترك لنصيحته التي هو مأمور بها»، انتهى، وانظر ما لو أعطى ثمنا أعلى في سلعة رآها تباع بأقل من قيمتها وهو لا يريد شراءها فقد قال بجوازه بعض أهل العلم، بل رأوا أنه يؤجر عليه لأنه من جملة النصح للمسلم، وفيه نظر، انظر الفتح في باب النجش من صحيح البخاري، ويدخل في النجش المحرم فعل البائع كأن يخبر أنه اشترى سلعة بأكثر مما اشتراها به، والثالثة حالة التساوم المقرونة ببيع المزايدة وقد جاء في جوازه حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ باع قدحا وحلسا فيمن يزيد»، رواه أحمد والترمذي وفي رواية أبي داود بيان كيفية بيع من يزيد، وبهذا يجمع بين الحديثين بحمل العام المانع على الخاص المجيز، والله أعلم.
واعلم أن أهل العلم اختلفوا في فهم حديث النهي عن بيع المسلم على بيع أخيه فمنهم من اعتبر السوم والبيع شيئا واحدا وهو الزيادة في العطاء على المعطي الأول في وقت المراوضة، وهذا هو الأقوى كما تدل عليه ألفاظ الأحاديث، فليس المراد النهي بعد تمام البيع، فإن هذا غير متأت، ومنهم من اعتبرهما أمرين مختلفين فحمل البيع على الزيادة في المثمن وهو السلعة، كان يقول له في وقت خيار المجلس أو خيار الشرط سلعتي خير من السلعة التي أردت شراءها والثمن هو هو، وهذه محرمة بلا ريب، وانظر سنن أبي داود باب في التلقي، فقد فسره بذلك سفيان.
стр. 1727
• قوله:
٧٤ - «والبيع ينعقد بالكلام وإن لم يفترق المتبايعان».
حق هذا الأمر أن يقدم في أول الباب لأنه يرجع إلى ما يتم به عقد البيع، وذكره للكلام لا يدل على أنه لا ينعقد بغيره كالمعاطاة والإشارة ولو من القادر على الكلام لأن المناط هو الرضا فما دل عليه تحقق به البيع، غير أنه لا يجوز بيع ولا شراء الأخرس: الأعمى الأصم لافتقاده ما يدل على رضاه، وقوله وإن لم يفترق المتبايعان»، معناه أنه مهما تم العقد فلا خيار لأحدهما ما لم يشترط الخيار، أو يظهر في المبيع عيب على ما تقدم لأن خيار المجلس لم يقل به أهل المذهب، وعلى رأسهم مالك ﵀.
وقد قال رسول الله ﷺ : «المتبايعان كل منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار»، رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، وقد تقدم، قال مالك بعد روايته الحديث في الموطإ: «ليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به فيه»، انتهى، فقدم عليه عمل أهل المدينة، وقد سبق رد ابن العربي على ذلك، ومما ذكروه في الجواب عن عدم الأخذ به أن الافتراق في لغة العرب يكون بالأبدان وبالكلام فيحتمل أن يكون المقصود من ذكر التفرق الانتهاء من عقد البيع لكون ذلك مقدمة لتفرق الأبدان، وإطلاق لفظ المتبايعين على المتساومين مجاز سائغ من إطلاق السبب على المسبب، وقد تقدم ذلك في حديث ابن عمر في النهي عن أن يبيع المرء على بيع أخيه، ومن ذلك أن بقاء المتبايعين في المجلس لا يعلم مداه وقد يطول فيكون إمضاء البيع معلقا بمدة مجهولة، وقد كثر الكلام في الجواب عن ترك مالك العمل بهذا الحديث، ومع ذلك فمذهبه فيه مرجوح، فالصواب أن الخيار للمتبايعين ثابت ما لم يتفرقا من المجلس أو يقول أحدهما للآخر اختر، قال ابن عمر شارح الرسالة: «الذي عندي أن مذهب الشافعي بالنسبة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث أرجح، وأقل تكلفا للتأويل»، انتهى، نقله عنه علي الصعيدي في حاشيته على شرح أبي الحسن، وبهذا أنهى المؤلف الكلام على البيوع، وشرع يتكلم على ما شاكلها وهو الإجارة والجعالة والكراء والشركة والمساقاة والمزارعة والقراض وتضمين الصناع والعارية.
стр. 1728
• قوله:
٧٥ - «والإجارة جائزة إذا ضربا لها أجلا وسميا الثمن».
من المصلحة في الإجارة أن من لا يمكنه امتلاك العين يمتلك منفعتها وقتا ما، والإجارة بكسر الهمزة، وقيل إنها مثلثة من الأجر وهو الثواب، وعرفت بأنها بيع منفعة معلومة بأجر معلوم، والمشهور في المذهب قصرها على بيع منفعة الآدمي، أما بيع منفعة غيره كالدور والأرض والحيوان فيخصونها باسم الكراء، وقد دل على جوازها الكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزُّخرُف: ٣٢]، أي ليسخر بعضهم بعضا في الأعمال، لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا»، قاله ابن كثير، والسخري الشيء المسخر، وقال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ [القصص: ٢٧]، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت في ديننا ما يمنعه، وقال النبي ﷺ : «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»، رواه ابن ماجة عن ابن عمر ﵄، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره»، رواه البخاري (٢٢٧٠) وابن ماجة، وفيه وفي الذي قبله دليل على أن الأجر إنما يستحق إذا استوفيت المنفعة، لكن لا دليل فيه على المنع من تقديمه، وقد نقل الإجماع على جواز الإجارة، وخالف في ذلك الأصم، ولا عبرة بخلافه.
وللإجارة أركان خمسة هي العاقدان - وهما المؤجر والمستأجر - والصيغة والأجرة والمنفعة، ويشترط في العاقدين التمييز، ويلزم عقدهما بالتكليف والرشد، فللولي
стр. 1729
حق الفسخ والإمضاء قبل الاستيفاء، فإن لم يعلم إلا بعد استيفاء المنفعة لزم المستأجر الأكثر من المسمى وأجرة المثل، وحكم المكره على الإجارة إكراها محرما كحكم من لا يلزم عقده، ويشترط في المستأجر أن لا يكون ممنوعا من دخول المحل الذي استؤجر ليعمل فيه، كالحائض في المسجد والكافر فيه، والمراد بالصيغة ما يدل على الرضا، وينبغي أن تكون الأجرة مما يصح أن يكون ثمنا في الجملة، وهو كونه طاهرا معلوما منتفعا به مقدورا على تسليمه، وقد استثنوا من هذه التسوية بينهما كراء الأرض لأجل الزراعة بالطعام أو بما يخرج منها، فإن الطعام خصوصا وما يخرج من الأرض عموما يصح أن يكون ثمنا في البيع، ولا يصح أن يكون ثمنا في إجارة الأرض للزراعة عندهم، وسيأتي الكلام عليه بمفرده، ومن الأدلة على لزوم بيان الأجر حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن استئجار الأجير حتى يبين له الأجر، وعن النجش واللمس وإلقاء الحجر»، رواه أحمد، وفيه انقطاع، لكن الغرر منهي عنه، وقال ﷺ : «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»، ووجه الدلالة نسبة الأجر إلى الأجير، وكيف ينسب له ولم يعلم بالتسمية ولا بالعرف الذي لا يختلف فيه كما هو المذهب، فإن كان عرف لا يختلف فيه في أجرة الشيء أغنى عن البيان، وهو عندنا الآن معروف في مقدار أجرة السيارة والحافلة والباخرة والطائرة وغيرها، وقد قام الدليل على أن الأجرة لا يستحقها العامل حتى يقوم بما استؤجر عليه منها قول الله تعالى في الحديث القدسي الذي تقدم: «ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره»، وأصرح مما تقدم دلالة ما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد والبزار مرفوعا أنه يغفر لأمته في آخر ليلة من رمضان، قيل: يا رسول الله، أهي ليلة القدر»؟، قال: «لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله»، وهذا يدل على ما في المذهب من أن الأصل في الأجرة أن تستحق شيئا فشيئا بحسب ما يقبض من العوض، إلا أن يشترط تقديمها أو يكون هناك موجب للتقديم مثل أن يكون عوضا معينا، أو يكون الكراء في الذمة أعني أن يكون سَلَمًا خوفا من الوقوع في بيع الدين بالدين.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار (٦/ ٣٣): «وقد استدل بهذا الحديث أبو حنيفة والشافعي ومالك والليث والناصر على أنه لا يجوز أن تكون الأجرة بعض المعمول بعد
стр. 1730
العمل»، انتهى، وهو يعني حديث أبي سعيد قال: «نُهي عن عسب الفحل، وعن قفيز الطحان»، رواه الدارقطني (ح/ ١٨٧) من كتاب البيوع، قال في نهاية غريب الحديث: «هو أن يستأجر رجلا ليطحن له حنطة معلومة بقفيز من دقيقها»، انتهى، والقفيز مكيال غير محدد الحجم يتفق الناس عليه، والمعروف في المذهب أن الأمر ليس على إطلاقه، بل يختص بما إذا جهل الأجر كأن يكون جلد أو بعض لحم الشاة التي يسلخها، وإعطاء النخالة للطحان، وجزء الثوب لمن ينسجه، ولذلك لو عرف القدر كأن يقول له لك صاعان من النخالة نظير طحن هذا القمح جاز.
ولما كانت الأجرة كالثمن فإن الأصل جواز تعجيلها أو تأجيلها متى شرع المستأجر في الانتفاع، لكنها لا تستحق كما علمت إلا بعد استيفاء المنفعة، فإن لم يشرع في استيفائها فلا يجوز التأجيل لما في ذلك من شغل الذمتين الناتج عن ابتداء الدين بالدين، ويجوز السلف في الإجارة بالقياس على السَّلَم، ولأن الأصل في المعاملات الجواز، وقد قالوا يجب تعجيلها إذا كانت معينة بالشرط أو بالعادة، كما تعجل إذا تعلقت الإجارة بالذمة بأن كانت مضمونة لا في معين، ولم يشرع فيها، لأنها تدخل حينئذ في باب الدين بالدين.
أما المنفعة فقد عرفوها بأنها «ما لا تمكن الإشارة إليه حسا دون إضافة، يمكن استيفاؤه غير جزء مما أضيف إليه»، انتهى، ويعنون بالقيد الأول أن المنفعة غير منفصلة عن أصلها كالركوب بالنسبة للدابة، والعمل بالنسبة للأجير، فخرج كراء الأشجار لأجل ثمارها لأن الثمار المقصود استيفاء عينها، وقوله يمكن استيفاؤها يخرج نحو كراء التفاحة لِتُشَمَّ، لأن تأثيرها ليس من الاستيفاء، وإنما هو من مرور الزمان، ولا يستأجر الأعمى للكتابة، ولا تستأجر الأرض التي غمرها الماء ولا يمكن انكشافها للزراعة، وقوله غير جزء مما أضيف إليه خرج نحو استئجار الأشجار لأجل أخذ ثمارها، والشاة للبنها لأنه بيع للشيء قبل وجوده وهو غير جائز، وقال الشوكاني في السيل الجرار (٣/ ١٩١): «فاستئجار الشجرة للانتفاع بثمرها واستئجار الحيوان للانتفاع بما يخرج منه من صوف ولبن جائز صحيح، ومن ادعى خلاف هذا فعليه الدليل»، انتهى، قال كاتبه: الدليل في الأول النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وقول النبي ﷺ : «بم يأخذ أحدكم مال أخيه إن منع الله الثمرة»؟، والمتضرر في بيع الثمار قبل بدو صلاحها المشتري، والمتضرر هنا هو المستأجر، ولا
стр. 1731
فرق في منع الضرر عنهما، واستئجار الأشجار لأجل ثمرها من قبيل بيع ثمارها، فإنه إذا منع بيعها بعد ظهورها؛ فأولى أن يمنع بيعها ولما تظهر، وجمهور أهل العلم ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة على منع كراء الأرض المغروسة لما علمت، وإن كان بعض أهل العلم ذكر خلاف ذلك عن السلف، وستجده في موضعه حين الحديث عن كراء الآرض إن شاء الله.
ومن شرط المنفعة أن تكون مباحة، فلا تجوز الإجارة على الغناء، ولا على اللعب، ومنه لعب الكرة، ولا كراء آلات الطرب، وينبغي أن تكون داخلة تحت التقويم، فلا يجوز استئجار نار ليستوقد منها، وهذا فيما لم يمنع منه دليل، وهو في المثال موجود، ولا كراء السجل التجاري، ولا الشهادة العلمية المشترطة في مهنة من المهن، وأن لا تتضمن استيفاء عين قصدا ككراء الأشجار لأجل ثمارها، لأن ذلك يؤدي إلى بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وأن تكون مقدورا على تسليمها، ومن ذلك أن يكون الانتفاع معلوما بحيث يُبَيَّن جنسه، فمن اكترى سيارة مثلا فينبغي بيان ما إذا كانت للركوب أو الحمل، ما لم يكن عرف في استعمالها كما هو الحال اليوم فَيُحَكَّم، ولا تصح الإجارة على فعل ما هو مطلوب من الإنسان بنفسه كصلاة الوتر والصوم، لعدم حصول المنفعة للمستأجر، وتكره في نحو تأجير المرء نفسه على الصلاة إماما بالناس فرضا أو نفلا، قال ابن القاسم: «وهو عندي في الفريضة أشد كراهة»، انتهى، وقد قيدوا ذلك بما إذا كان المرء يأخذ الأجرة من المصلين، أما إن كان يأخذها من بيت المال أو من وقف المسجد ومثله مال الجمعيات اليوم فلا كراهة، وكذلك تأجير المرء نفسه للحج، وقيدوا الكراهة بما إذا كانت الإجارة على غير فرض الكفاية، أما هو فيجوز كالقضاء وحفر القبر ونحو ذلك.
ومن الإجارة المكروهة أن يؤاجر المسلم نفسه لذمي في الأمور الجائزة بشرط أن يستبد المسلم بالعمل، كأن يكون سائق سيارة، أو مقارضا، أو مساقيا، وأن لا يكون في فعل محرم، وأن لا تلحقه بذلك مهانة، ومن المذلة أن يمشي وراء الذمي، أو يخدمه في بيته، ونقل الحافظ في الفتح (٤/ ٥٧١) عن المهلب قال: «كره أهل العلم ذلك إلا لضرورة بشرطين: أحدهما أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله، والآخر أن لا يعينه على ما فيه ضرر للمسلمين»، انتهى، وقال ابن المنير: «استقرت المذاهب على أن الصناع في حوانيتهم يجوز لهم العمل لأهل الذمة ولا يُعَدُّ ذلك من الذلة، بخلاف أن يخدمه في منزله وبطريق التبعية له»، انتهى، فليعتبر بهذا إخواننا الذي يُعَرِّضُونَ
стр. 1732
أنفسهم للتلف في هذه الهجرة السرية من أجل لقمة العيش، وكأن بلاد المسلمين قد انقطع الرزق منها، ومن المحرم أن يؤجر نفسه لمن هو معروف بالغصب والسرقة، وكل إجارة يترتب عليها فعل محرم أو إعانة عليه فهي محرمة متى كان استعماله غالبا في الباطل كخياطة ثوب المرأة التي تتبرج به، وحلق اللحية، ونحو ذلك لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
أما استئجار المسلم المشرك فالظاهر توقف جوازه على الحاجة إليه بحيث لا يوجد المسلم الذي يقوم بالعمل، وهو ظاهر صنيع البخاري حيث ترجم بقوله: «باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام»، انتهى، وقيل لعمر بن الخطاب ﵁ إن هاهنا غلاما من أهل الحيرة حافظ، كاتب، فلو اتخذته كاتبا، فقال: «قد اتخذت إذن بطانة من دون المؤمنين»، انتهى، وقد روي أن أبا موسى كتب إلى عمر في استعمال ذمي في الحساب فنهاه عن استعماله، فراجعه مرتين وذكر له ضياع الحساب إن لم يتوله الذمي، قكتب إليه عمر يقول: «مات الذمي، والسلام»، فصادف كتابه إلى أبي موسى موت الذمي، وجمهور أهل العلم يجيزون ذلك من ضرورة ومن غيرها، وقال ابن بطال بالنقل عن فتح الباري (٤/ ٥٥٩): «عامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها لما في ذلك من المذلة لهم، وإنما الممتنع أن يؤاجر المسلم نفسه من المشرك لما في ذلك من الإذلال للمُسْلِم، انتهى.
وقول المؤلف: «إذا ضربا لها أجلا وسميا الثمن»، أما الثمن فكما تقدم، إلا أن يكون هناك عرف دخلا عليه، كأجرة الحمامي وصاحب السيارة ونحوهما قال ابن رشد: «والمنع منه حرج في الدين وغلو فيه»، انتهى، وأما الأجل ففيه تفصيل، وهو أن ما كان من الأعمال له غاية كخياطة الثوب وبناء الدار ونحو ذلك فلا حاجة فيه إلى ضرب الأجل، فإن ضرب فلينظر، فإن كان أكثر من مدة العمل جاز، وإن كان أقل منها بطلت الإجارة، وإن كان مساويا ففيه نزاع، ولما كان الأجل في الإجارة مطلوبا على التفصيل المتقدم، وكان الجعل بخلاف ذلك نص عليه بقوله:
стр. 1733
• قوله:
٧٦ - «ولا يضرب في الجعل أجل في رد آبق أو بعير شارد أو حفر بئر أو بيع ثوب ونحوه ولا شيء له إلا بتمام العمل».
الجعل بضم الجيم وسكون العين هو العوض الذي يعطى للعامل على عمله، والجعالة مثلثة الجيم هي ضرب من الإجارة، يقال جاعل الرجل إذا سمى له عوضا يعطيه إياه متى أتم العمل، وقد أجيزت للحاجة إليها، وجاز فيها من الجهالة ما لا يجوز في الإجارة، رعاية لتفاوت قدرات الناس على العمل فإن العمل الذي يتمه زيد في شهر قد يتمه عمرو في عشرة أيام فراعى الشرع اختلاف القدرات، فكانت جائزة لما في ذلك من المصالح للخلق، ودليل مشروعية الجعالة في الجملة هو دليل الإجارة، أما بخصوصها فقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ [يوسف: ٧٢]، ومن السنة حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري (٢٢٧٦) ومسلم وغيرهما في قصة اللديغ، وفيه قول أحد الصحابة: «ما أنا براق حتى تجعلوا لي جُعْلاً»، فصالحوهم على قطيع من الغنم، وفيه قول النبي ﷺ : «قد أصبتم اقتسموا واضربوا لي معكم بسهم»، وقد حد ابن عرفة الجعالة بقوله: «عقد على عمل آدمي بعوض، غير ناشئ عن محله به لا يجب إلا بتمامه»، انتهى، فدخل في الطرف الأول الإجارة، وخرج الكراء على اصطلاح المذهب، وخرج بقوله غير ناشئ عن محله به القراض والمساقاة وشركة الحرث، وإنما علق العوض على تمام العمل لكون الجعل لا يتبعض.
والأعمال منها ما تصح فيه الجعالة ولا تصح الإجارة وهذا إذا كان العمل مجهولا كالتعاقد على استنباط الماء، ومنها ما تصح فيه الإجارة والجعالة كالتعاقد على بيع شيء أو شرائه أو اقتضاء دين، ومنها ما تصح فيه الإجارة دون الجعالة كحفر بئر في أرض مملوكة للجاعل، بخلاف حفرها في الأرض الموات، وتختلف الإجارة عن الجعالة في أمور هي:
стр. 1734
الأول: اللزوم، فإن عقد الإجارة لازم للطرفين، بخلاف الجعالة فإن اللزوم يتجه للجاعل وحده، أما العامل فإنه يجوز له أن يتخلى عن العمل، أما قبل الشروع فلا لزوم لواحد منهما، ومن المصلحة في عدم لزوم العقد للعامل أن يكتشف ما لم يكن قد تبين له، فيتراجع عن العقد لتكون خسارته أقل مما لو مضى فيه.
والثاني: ضرب الأجل فهو شرط في الإجارة لكنه مناف للجعالة لأن طبيعتها تتعارض مع ضربه، فإذا ضرب بطلت، لما في ذلك من زيادة الغرر، إذ قد ينقضي الأجل، ولا يتم العمل، فيذهب باطلا، وقد ينتهي العمل قبل انقضاء الأجل فيأخذ ما لا يستحق.
والثالث: أن تقديم الأجر في الجعالة محظور إن كان بشرط، بخلاف الإجارة، لأنه لا يدرى أيتم العمل أم لا، وفي الحالة الثانية يصير قرضا، فتقديمه يجعله مترددا بين السلف والجعل، ويفتح الباب لقصد الاقتراض بالدخول في عقد الجعالة غير اللازم ثم يفسخه.
والرابع: أنه لا شيء للعامل إلا إذا أتم العمل، فإن أتمه ولم يكن قد سمي الأجر فله جعل مثله، بخلاف الأجير، لكن بعضهم قال إن ذلك فيما لم ينتفع به المجاعل، كأن يتفقا على استخراج الماء بحفر بئر في أرض موات، ثم تفسخ الجعالة قبل الاستخراج، بخلاف ما إذا كان ذلك في أرضه، فإن النفع قد حصل له، وكما إذا اتفقا على البحث عن عبد آبق، فبحث العامل عنه في ناحية ثم ترك، فقد علم أن العبد ليس فيها، قال كاتبه: وينقض هذا التوجيه أن العبد يمكنه أن يهرب إلى الناحية التي تم البحث فيها فينجو، ويرد الذي قبله أن الحفر ليس دائما يمكن الاستمرار فيه والانتفاع بما حصل منه قبل الفسخ، لأن الغرض استخراج الماء، ومن ذلك ما إذا جاعله على حمل متاع فحمل بعض المسافة ثم ترك، وأتم الجاعل باقيها بعامل آخر، فإن للأول نسبة ما عمله، وأبى بعضهم هذا التفصيل فلم يجعل للعامل شيئا إلا إذا أتم العمل، كما هو ظاهر كلام المؤلف وما في مختصر خليل، وهو الصواب إن شاء الله.
والخامس: أنه لا يشترط في الجعالة حضور المتعاقدين وتراضيهما معا كما في سائر العقود، بل من قال من أتاني بكذا فله كذا فجاءه به شخص فله ما سمى، وفي هذا نظر لأن الأصل اتفاق العاقدين فيكون مجرد وعد لا يلزم الوفاء به.
стр. 1735
وإنما يصح عقد الجعل فيما لا يجب على العامل كما تقدم في الإجارة، فمن قال دلني على من يشتري مني سيارتي ولك مائة دينار فدله على ذلك فهو لازم له، لأنه لا يجب عليه أن يدله على من يشتري منه، لكن إن قال له دلني على امرأة صالحة أتزوجها ولك كذا فدله لم يجز له أن يأخذ شيئا لعدم صحة الجعالة، لأن النصيحة للمسلم واجبة كما قال النبي ﷺ عن حق المسلم على المسلم فذكر من جملته: «وإذا استنصحك فانصح له»، ولما ذكر أن المجعول له لا شيء له إلا بتمام العمل وكان الأجير بخلافه بينه بقوله:
стр. 1736
• قوله:
٧٧ - «والأجير على البيع إذا تم الأجل ولم يبع وجب له جميع الأجر، وإن باع في نصف الأجل فله نصف الإجارة».
يريد بالأجير على البيع أن يُستخدم المرء لينادي على السلعة كي يبيعها، يدل على أن هذا هو مراده قوله إذا تم الأجل لأن الجعالة لا يضرب فيها الأجل كما صرح بذلك من قبل، فإذا اتفق امرؤ مع آخر على أنه متى باع هذه السلعة فله كذا، فإنه إذا لم يبعها فلا شيء له لأنها جعالة على ما تقدم، قال مالك ﵀: «في الرجل يعطي الرجل السلعة يبيعها له وقد قومها صاحبها قيمة فقال: إن بعتها بهذا الثمن الذي أمرتك به فلك دينار، أو شيء يسميه له يتراضيان عليه، وإن لم تبعها فليس لك شيء: إنه لا بأس بذلك،،،»، انتهى المراد منه.
أما إن اتفقا على أنه سمسار ينادي على سلعة معينة محددة ويسعى في ترويجها أياما معلومة بأجر معلوم فهو أجير يأخذ ما اتفقا عليه متى تمت المدة ما كانت يوما أو أكثر، باع السلعة المعينة أولم يبعها، فإن باعها في نصف الأجل فله نصف الأجر، وله ثلثه إن باعها في ثلثه، وهكذا، لأن الإجارة إذا تعلقت بمنافع كان كل جزء منها في مقابلة جزء من المنافع، فإن كانت المنافع معلومة بالمدة تقررت بالمدة، وكلما مضى جزء من المدة استحق جزءا من العوض بقدر ما يقبله» انظر شرح أبي الحسن، ومسالك الدلالة، وإنما قيدت السلعة بكونها معينة لأنه إن استؤجر شخص على بيع سلع غير معينة شهرا فباعها قبل انقضائه فإن لصاحب السلعة أن يحضر له سلعة يبيعها في بقية المدة، وإلا استحق أجر الشهر كله لأنه استأجره شهرا، ولما كان اصطلاح أهل المذهب اختصاص بيع منافع غير العاقل بالكراء - وإن كان كثير منهم لا يلتزمون ذلك في كلامهم على مسائل الباب - ذكره في قوله:
стр. 1737
• قوله:
٧٨ - «والكراء كالبيع فيما يحل ويحرم».
البيع هو تمليك الأعيان، والكراء تمليك منافع ما لا يعقل، والإجارة تمليك منافع العاقل، وكل منها يقصد منه العوض، فما جاز في واحد منها جاز في الآخر، فالتقى الجميع على لزوم معلومية العوضين والأجل، وحل التملك أو الانتفاع، وعلى ما ينبغي أن يكون عليه العاقدان من الأهلية، وعلى هذا يجوز السَّلَمُ في الإجارة والكراء المضمونين، لا في الأعيان على غرار جواز السَّلَمِ في البيع في الذمة، ونقل عن ابن القاسم ﵀ «أن من اكترى دابة بعينها على أن يقبضها إلى أجل أنه إذا نقد الثمن لم يجز، وإن لم ينقده جاز»، وهذا كما ترى فيه أمران: السلم في معين، والسلم لا يكون إلا في الذمة، وفيه أنه إن لم ينقد الثمن تدخل هذه المعاملة في بيع الدين بالدين، وهو ممنوع، فالعقد لم يبرم بعد، فيكون مجرد وعد، فلينظر.
стр. 1738
• قوله:
٧٩ - «ومن اكترى دابة بعينها إلى بلد فماتت انفسخ الكراء فيما بقي».
وهذا لأن العقد قد وقع على شيء معين فينفسخ بفقده، أما إن كان الكراء لا يتعلق بدابة معينة بأن كان مضمونا فلا يفسخ العقد، بل يأتي المكري بدابة غير التي نفقت ويستمر أثر العقد، ولا بد من أن نذكر هنا أن دفع ثمن تذاكر الركوب في الطائرات هو من قبيل السلف المضمون فهو جائز، حتى وإن نص في التذكرة على اسم السيارة أو الطائرة فإن العرف قد جرى بالتزام المسلم له ضمان النقل بسيارة أخرى أو طائرة.
стр. 1739
• قوله:
٨٠ - «وكذلك الأجير يموت والدار تنهدم قبل تمام مدة الكراء».
لأنه لما كانت الإجارة مرتبطة بشخصه، فإنه بموته ينفسخ العقد، وكذلك الشأن في الدار المكتراة إذا انهدمت، أو استحقت، أو امتنعت الإقامة فيها لمانع ما، ومن ذلك أن يستأجر امرؤ محلا للتجارة ثم يمنع الحاكم المتاجرة في ذلك المحل لسبب لا يتعلق بالمستأجر، ولورثة الأجير وصاحب الدار نسبة ما مضى من العمل ومن السكنى، وهذا بخلاف ما لو كانت الإجارة مضمونة لا في شيء بعينه كما لو تعاقد مع شركة على أن تبني له منزلا، فعينت بناء فمات فإن الإجارة لا تفسخ، وعليها أن تعين بناء آخر لإتمام البناء، وهكذا إذا كانت قد ضمنت الإسكان فإن عليها ذلك بعد انهدام الدار.
стр. 1740
• قوله:
٨١ - «ولا بأس بتعليم المتعلم القرآنَ على الحِذَاق، ومشارطة الطبيب على البرء».
المراد بالحِذَاق - بكسر الحاء والذال المنقوطة - الحفظ، يقال حذق يحذق حذقا وحذاقا من باب ضرب إذا مهر في الشيء، والمقصود أنه يجوز أن يجاعَل المعلم على تحفيظ أحد شيئا من القرآن يقرؤه عن ظهر قلب، أو يجيد قراءته في المصحف، فإذا أتم ما جوعل عليه استحق العوض وإلا فلا، وكذا يجوز أن يشارط الطبيب على مداوة مريض على وجه الجعالة، والظاهر جواز الإجارة على تعليم القرآن أو شيء منه في مدة محددة لا مجاعلة، إذ لا حيلة للمعلم في حذاق الصبي وغيره لاختلاف قدرة الناس على الحفظ، وهو قول ابن الحاجب كما في حاشية الصعيدي، بخلاف المشارطة على البرء، فإن للطبيب أن لا يجاعل حتى يعلم حال المرض ومدى قدرته على علاجه، والله أعلم.
وقد اختلف في جواز أخذ الأجرة على القُرَبِ بعامة، وعلى تعليم القرآن بخاصة، ومن الأدلة على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم أن النبي ﷺ زوج امرأة لرجل بما معه من القرآن الكريم، وهو في صحيح البخاري عن سهل ابن سعد وقد تقدم في النكاح، ومن ذلك إقراره النفر الذين أخذوا قطيعا من الغنم في مقابل مداواتهم لديغا، وقال: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله»، وورد أن عمر بن الخطاب كان يرزق ثلاثة معلمين للقرآن بالمدينة كلا منهم خمسة عشر درهما كل شهر، وهو عند البيهقي، وفي مصنف ابن أبي شيبة، ومما جاء معارضا لهذا قول النبي ﷺ : «اقرؤوا القرآن، واعملوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به»، رواه أحمد والطبراني عن عبد الرحمن بن شبل، ولا تجفوا عنه، أي لا تبتعدوا عن تلاوته، وقوله: «ولا تغلوا فيه»، هو نهي عن جميع أنواع الغلو، من ختمه في أقل من المدة المأذون فيها، والتنطع في أدائه،
стр. 1741
وتأويله بغير حق، وغير ذلك مما ظهر في هذا الزمان من الانصراف عن الاهتداء به وهو الذي أنزله الله من أجله إلى أمور أخرى بعضها بعيد عن الصواب وبعضها فيه شيء، وعن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: «اقروا القرآن واسألوا الله به، فإن من بعدكم قوما يقرؤون القرآن يسألون به الناس، رواه أحمد والترمذي (٢٩١٧)، والقصة التي في سنن الترمذي مبينة أن عمران احتج به فيمن يقرأ ويسأل بالقراءة، وروى أحمد وأبو داود عن جابر قال، قال رسول الله: «اقرؤوا القرآن وابتغوا به الله تعالى، من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القِدْح يتعجلونه ولا يتأجلونه»، القدح بكسر القاف السهم يرمى به، والمراد شدة العناية بالألفاظ ومخارج الحروف ونحو ذلك، وقوله «يتعجلونه» يطلبون بقراءته الدنيا كالمال والجاه، وقوله «ولا يتأجلونه» أي لا يريدون به ما عند الله في الآخرة، ذكره زيادة في توكيد تعجلهم عرض الدنيا وإن كان مفهوما من الأول، والظاهر أن النهي عن الأكل به يشمل كل ما لم يستثن، ومن ذلك الأجرة على مجرد تلاوته لأنها عبادة محضة فلا يجوز أخذ الأجرة عليها، ومما استثني الرقية به بشرطها، وقد تقدم دليلها، أما أخذ الأجرة على تعليمه فقد روى ابن ماجة (٢١٥٧) عن عبادة بن الصامت قال: «علمت أناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة فأهدى إلي رجل منهم قوسا فقلت: ليست بمال، وأرمي عنها في سبيل الله، فسألت رسول الله ﷺ عنها فقال: «إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها»، وليس ببعيد أن يكون ذلك لأنه لما دخل على تعلميهم لوجه الله تعالى كان أخذ القوس من أحدهم مناقضا لما دخل عليه، فلزمه البقاء على الأصل، وهو كالهبة فلا يسوغ له الرجوع فيها، مع ما كان عليه أهل الصفة من الفقر والحاجة، ومن المستبعد بالنظر إلى حالهم أن يكون قد دخل على الأجرة، ومهما يكن فإن تعليم كتاب الله من غير أجرة خير، فإنه من الصدقات الجارية.
стр. 1742
• قوله:
٨٢ - «ولا ينتقض الكراء بموت الراكب أو الساكن ولا بموت غنم الرعاية، وليأت بمثلها».
لو قدم هذا والذي بعده عند كلامه على فسخ الإجارة بموت الأجير والدابة وانهدام الدار لكان أنسب لتتكامل أجزاء المسألة الواحدة ذات الفروع، والمراد أن موت راكب الدابة وساكن الدار المكتراة ليس موجبا لفسخ الكراء لأن عين المكترى باقية، فيجوز لورثة الراكب والساكن أن يكروا الدابة والدار، وإلا فعليهم الأجر كاملا، لأن الراكب والساكن مما تستوفى به المنفعة، فلا تنفسخ الإجارة بموته، والراعي قد أسلم نفسه لتستوفى منه منفعة الرعي، فليأت له بغنم، لكن قيل إنما يكون له ذلك إذا اتفق عليه من قبل، وقيل مطلقا.
قلت: عدم انفساخ الكراء بموت الراكب والساكن مبني على القول بجواز إجارة المؤجر كما هو المذهب، وقد صرح به المؤلف في الفقرة الثانية من قوله:
стр. 1743
• قوله:
٨٣ - «ومن اكترى كراء مضمونا فماتت الدابة فليأت بغيرها، وإن مات الراكب لم ينفسخ الكراء، وليكتروا مكانه غيره».
لما سبق له أن صرح في الفقرة (٧٩) بأن موت الدابة المعينة للكراء وانهدام الدار المعينة له ينفسح بتلفهما الكراء صرح هنا بحكم الكراء المضمون في غير معين كأن يقول له: إِكْر لي دابة أحمل عليها كذا إلى موضع كذا، فإذا ماتت فعليه إحضار أخرى، أما المعينة تموت فهي كالأجير المعين يموت فيفسخ الكراء بذلك.
واعلم أن الكراء المضمون وإن كان لا يجوز أن يتعلق بذات معينة فإنه لا بد فيه من بيان الجنس والنوع والذكورة والأنوثة، أعني كونه جملا أو فرسا أو حمارا ذكرا أو أنثى، والذي يقال اليوم بيان كونه سيارة أو حافلة أو طائرة أو باخرة وبيان سعة المسكن وعدد غرفه ودرجته وغير ذلك من المرافق اللازمة فيه بحسب العادة.
وقد كرر قوله: «وإن مات الراكب لم ينفسخ الكراء»، ليرتب عليه قوله «وليكتروا مكانه غيره»، أو لأن ما تقدم كان في كراء المعين، وهذا في الكراء المضمون وهما مستويان في عدم الفسخ بموت الراكب، والذي يتولى الإكراء هم الورثة، وإلا فالحاكم، والله أعلم.
واعلم أن القول بجواز الكراء على الكراء قد قاسوه على البيع فكما يجوز لمن اشترى شيئا أن يبيعه فكذلك يجوز له بيع المنفعة لأنه قد ملكها، ومع ذلك فلهم فيه تفصيل مرادهم منه نفي تضرر صاحب الدابة والدار ونحوهما بانتقال المنفعة لغير من عاوضه عليها، وهو تفصيل مهم فراجعه في كتب الشروح، ومع ذلك فلا يظهر جواز الإجارة على الإجارة، ولا الكراء على الكراء، ولا يصح قياسهما على البيع، لأن المبيع قد انتقل ملكه للمشتري، بخلاف المكترى فإنه باق لصاحبه، وهو إنما عاوض على منافعه شخصا معينا، ويتعلق بذلك مقاصد وأغراض ومصالح، ولما ينشأ عن تأجير المؤجر من
стр. 1744
التنازع في الضمان وترامي المسؤولية في التفريط وغير ذلك، وعليه فلا يسوغ لمالك المنفعة أن يتصرف فيها بصرفها لغيره لا بثمن أكثر ولا بأقل ولا مساو.
قال الشوكاني ﵀ في السيل الجرار (٣/ ١٩٨): «المالك للعين مالك لمنافعها، ومجرد الإذن لمن يستعملها مدة من الزمان بأجرة لا يدل على جواز صرفها إلى غيره، لاختلاف الأشخاص والأغراض والمقاصد،،،»، انتهى.
стр. 1745
• قوله:
٨٤ - «ومن اكترى ماعونا أو غيره فلا ضمان عليه في هلاكه بيده وهو مصدق إلا أن يتبين كذبه».
يطلق الماعون على الإعانة كما في قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٧]، وهو في كلام المؤلف اسم جامع لما ينتفع ويستعان به على عمل البيت كالقُفَّةِ والقِدْر والفأس والقصعة، وقوله أو غيره يعني من كل الأعيان التي تكترى لتحصيل منفعة منها كالسيارة والحافلة والجرار، فمن اكترى شيئا كيفما كان دابة أو ثوبا أو آلة فَتَلِفَ أو سُرِقَ فلا ضمان عليه لأنه مؤتمن، إلا أن يتبين كذبه كأن يقول تلف أول الشهر ثم يرى أنه كان عنده بعده، أو يثبت تعديه باستعماله في غير ما أجر له، أو يكريه لغير أمين، قالوا أو لمن هو دونه في الأمانة، أو يهب منفعته كذلك، وينبغي أن يقال مثل ذلك فيما لو فرط في صيانته وحراسته، فإنه يضمن في كل هذا، ولما كان الصانع يخالف في الضمان المكتري والراعي نبه على ذلك بقوله:
стр. 1746
• قوله:
٨٥ - «والصناع ضامنون لما غابوا عليه عملوه بأجر أو بغير أجر».
الضمان يكون إما بسبب التعدي وإما للمصلحة وحفظ الأموال، وقد عدوا تضمين الصناع من الثاني، والصناع جمع صانع كالخياط والصائغ والكاتب ونحوهم فهؤلاء يضمنون ما يوضع عندهم لإصلاحه إذا ادعوا ضياعه أو تلفه سواء أكانت صناعته بأجر أم بدونه، ولا فرق بين أن يصنعوه في الحوانبت أو في بيوتهم، ولا بين ما يتلف بسبب الصنع وبغير الصنع، ولا تعطى لهم الأجرة، لأنهم يضمنون قيمته غير مصنوع يوم دفعه لهم، وقد ذكروا لتضمين الصناع الذي جاء على خلاف القياس القاضي بعدم ضمان الأمين ما استؤمن عليه شروطا منها:
- أن ينصب نفسه للصنعة العامة لجميع الناس، ومن ثم فلا ضمان على الصانع الخاص بجماعة.
- ومنها أن يغيب على الذات المصنوعة بحيث يصنعها في داره أو حانوته، بخلاف ما إذا تولى إصلاحها في بيت مستأجره، حاضرا كان أو غائبا، وهكذا إذا كان ذلك في محل الصانع بحضرة المستأجر.
- أن يكون المصنوع مما يغاب عليه كالثوب والحلي، أما معلم الأطفال الذي يدعي هروب الطفل والبيطري يدعي تلف الدابة أو هروبها فلا ضمان عليهما.
- ومنها أن لا يكون في الصنعة تغرير، فلا ضمان على ثاقب اللؤلؤ وناقش الفصوص، ولا على الخباز إذا احترق الخبز في الفرن، والطبيب إن كان من أهل المعرفة فإن أخطأ فخطؤه على العاقلة، أما إن لم يكن من أهل المعرفة فالدية في ماله وعليه مع ذلك العقوبة من الحاكم.
أما دليل تضمين الصناع فقد قالوا إن في ذلك مراعاة للمصلحة، قال ابن رشد في
стр. 1747
بداية المجتهد (٢/ ٢٣٢): «ومن ضمنه فلا دليل له إلا النظر في المصلحة وسد الذريعة»، انتهى، وفي المدونة «وقد قضى الخلفاء ﵃ بتضمين الصناع، وهذا علم العامة»، انتهى، وذكر الباجي أن تضمين الصناع مما أجمع عليه عامة أهل المدينة، وقال القاضي عبد الوهاب في المعونة (٢/ ١١١١): «أجمع عليه الصحابة»، انتهى.
وفي المدونة (٣/ ٣٧٣): عن ابن وهب قال لي مالك: «إنما يضمن الصناع ما دفع إليهم مما يستعملونه على وجه الحاجة إلى أعمالهم، وليس ذلك على وجه الاختبار لهم والأمانة، ولو كان ذلك إلى أمانتهم لهلكت أموال الناس، وضاعت قبلهم، واجترؤوا على أخذها، ولو تركوها لم يجدوا مستعتبا، ولم يجدوا غيرهم ولا أحد يعمل تلك الأعمال غيرهم فضمنوا ذلك لمصلحة الناس، ومما يشبه ذلك من منفعة العامة ما قال رسول الله ﷺ : «لا يبع حاضر لباد، ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق»، فلما رأى أن ذلك يصلح للعامة أمر فيه بذلك»، انتهى.
قلت: لكنه أمر ونهى لأن له الأمر والنهي وغيره ليس كلك، وفي المدونة أيضا (٣/ ٣٧٤): عن يحيى بن سعيد أن الخلفاء ما زالوا يضمنون الصناع»، وليس بظاهر في أن مراده الخلفاء الأربعة، مع أنه من غير إسناد، وإذا صح شيء من هذا مع ما كان عليه الأمر من غلبة الخير على الناس فأحرى أن يقال بذلك في هذا الزمان لو قام على تضمينهم دليل، بل الظاهر أنه لا إجماع على ذلك، وإلا فكيف يقول بعدم التضمين كثير من أهل العلم منهم أحمد وأبو حنيفة، وللشافعي قول بذلك، وغيرهم كثير، وعليه فيبقى الأمر على الأصل من عدم الضمان كالمستأجر والمودع والمشتري في زمن الخيار حتى يثبت تعدي الصانع وتفريطه، وخالف أشهب فقال بتضمينهم ولو ثبت عدم تفريطهم، ومما يضمنون فيه أن يتولى العمل غير المؤهل للصنعة فيفسد الشيء بسبب صنعته قياسا على الذي يتطبب وليس بطبيب، وقد قال فيه رسول الله ﷺ : «من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن»، رواه أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو، والمتطبب الذي يتعاطى علم الطب بكسر الطاء ويجوز ضمها وهي لغة العامة عندنا.
стр. 1748
• قوله:
٨٦ - «ولا ضمان على صاحب الحمام ولا ضمان على صاحب السفينة ولا كراء له إلا على البلاغ».
صاحب الحمام هو مالكه، سواء كان هو الذي يتولى الحراسة أو لا، وقد يراد به الذي يتولى حراسة الثياب، والمقصود أن الحمامي لا يضمن ما تلف من المتاع من غير أن يثبت عليه التفريط، لأنه مؤتمن على ما وضع عنده فيبقى على الأصل، وهو عدم تضمين من اؤتمن على شيء، ولأنه يشبه المودع من حيث إن الانتفاع للمستحمين لا له، ولهذا قالوا إنه يضمن في حالة إمساكه المتاع رهنا في ثمن الحمام، ولا فرق في عدم تضمينه بين أن يكون حارسا بأجرة أو لا، ومن صور ضمانه أن يأتيه أحد فيطلب منه متاعا فيعطيه إياه ظانا أنه صاحبه ثم يتبين خلافه، أو يقول: رأيت من أخذه فظننته صاحبه، ومثل الحمامي خفراء الدور والحدائق والأسواق فإنهم لا يضمنون، ولو كتب بذلك حجة تلزمهم بالضمان حيث لم يفرطوا، لأنه من التزام ما لا يلزم، ومن التفريط أن يسلم الحارس السيارة لمن لم يأته بصك الإيداع، أو يستعملها هو خارج المستودع، أو يتلف منها شيء بسبب نقلها من موضع لآخر لغير داع.
وصاحب السفينة - ويشمل المالك والنوتي العامل فيها على ما تقدم في الحمام - إذا تلف ما فيها من المتاع بسبب موج أو مد أو ريح أو غير ذلك من غير تفريط فلا ضمان عليه لا في الموت ولا في تلف السلع، لا فرق بين سلعة وأخرى، واستثنى بعضهم من عدم الضمان الطعام فإنه يضمنه إلا أن تقوم بينة على هلاكه بغير سببه، أو يكون معه مالكه، أما إن حصل شيء من ذلك بتفريطه فإنه يضمن ما تلف، ويَدِي الميتَ من ماله حيث لم يقصد القتل، وإلا قتل بمن مات قصاصا.
وقوله: «ولا كراء له إلا على البلاغ»، اختلف في كراء السفينة إذا لم تصل إلى
стр. 1749
الموضع المراد من ركوبها، هل يجرى مجرى الجعل أو تكون إجارة؟، والمشهور أنه جعل، وهو قول مالك، وظاهر المصنف، وعليه فإن لم يحصل الغرض المطلوب وهو الوصول فلا شيء لصاحب السفينة، وبه قال ابن القاسم، وقال ابن وهب له قدر ما قطع من المسافة، لأن الغاية لما كانت معلومة والأجرة معلومة، كان له بحسب ما سار، وهذا إذا أمكن مواصلة السير إلى الغرض، ولعل هذا هو مراد أصبغ بقوله «إن لَجج فهو جعل، وإن لم يلجج فهو إجارة يأخذ من الأجر بنسبة ما قطع من المسافة»، انتهى، ومراده أن السفينة إذا كانت تعبر البحر ولم تصل إلى الغرض فهي جعالة، وإن كانت تسير محاذية للبر فهي إجارة لأن الراكب يتمكن من مواصلة السير إن أراد وقد انتفع بما ركبه من المسافة.
стр. 1750
• قوله:
٨٧ - «ولا بأس بالشركة بالأبدان إذا عملا في موضع واحد عملا واحدا أو متقاربا».
الشركة بكسر الشين وسكون الراء وقيل وبفتحها وكسر الراء كما هو الشائع، هي الاختلاط والامتزاج، وهي أقسام ثلاثة: أولها: شركة أملاك كاشتراك الورثة في التركة، واشتراك الموهوب لهم في الهبة، والمجاهدين في الغنيمة، فهذه نشأت عن انتقال الملك من غير إرادة الشركاء، وعرفت بأنها «ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع»، انتهى، والثاني: شركة لم تنشأ عن انتقال ملك ولا تقبل القسمة وهي اشتراك الناس في الماء والكلإ والنار، إذ جعلها الشرع للناس كافة، وسيأتي الكلام عليها، والثالث: شركة تعاقد، وهي المقصودة هنا، وقد قال خليل في تعريفها: «الشركة إذن في التصرف لهما مع أنفسهما»، انتهى، فهي إذنُ كل واحد من الشخصين أو الأشخاص للآخر أن يتصرف معه فيما هو له، فالإذن في التصرف يشمل الوكالة والقراض، وقوله لهما يخرج الوكالة من الجانبين، وقوله مع أنفسهما يخرج القراض، لأن التصرف فيه للعامل وحده دون رب المال، وهي مباحة بإجماع الناس على ذلك في الجملة، ومن حكمة اشتراعها ما فيها من التعاون واجتماع القدرات المختلفة على العمل، إذ قد يكون للمرء مال فيعجز عن تنميته بنفسه، أو يكون له قدرة على العمل ولا مال له، أو يجتمع فيه الأمران، لكن ماله لا يفي بما يريده من العمل والنشاط، فيضم مال غيره إليه وعمله، قال في بدائع الصنائع (٧/ ٥١٢): «ولأن هذه العقود شرعت لمصالح العباد، وحاجتهم إلى استنماء المال متحققة»، انتهى، والمشهور أنها لازمة بالعقد كسائر العقود والمعاوضات، وقيل لا تلزم إلا بالخلط، وقيل إن الذي يلزم بالخلط هو الضمان، فيجتمع القولان، لكن اللزوم لا يظهر إلا في شركة الأموال، وسيأتي بيانها.
стр. 1751
وللشركة أركان ثلاثة هي العاقدان، والصيغة، والمحل، ويشترط في العاقدين أن يصلح كل منهما للوكالة بطرفيها، أي أن يكون وكيلا وموكلا، ووجه ذلك أن الشركة تتضمن الوكالة، فلا بد أن يتوفر في عاقدها ما ينبغي توفره في الوكالة، ومن ثم فلا تصح مشاركة العبد غير المأذون له، ولا المحجور عليه، ولا الصبي، والمراد بالصيغة ما يحصل به الإذن في التصرف من كلام أو غيره كالكتابة وخلط الأموال مع العمل، والمحل هو ما يقع الاشتراك فيه من مال وأعمال.
واعلم أن كثيرا من الشراح يذكرون أقسام الشركة ولا يبينون الاعتبار الذي وضعوه في التقسيم، فيقع الاضطراب فيه والتداخل، ولهذا فلا بأس بذكر ما اصطلحوا عليه لما فيه من الضبط والتحديد، والاصطلاح لا يضر بالفقه، بل هو معين على الفهم والتدقيق بشرط أن لا نتواضع على شيء من تلك الاصطلاحات ثم نلجأ إليها ونتعامل بها فتغدو بديلا عن الأدلة التي هي الأساس في استنباط الأحكام الشرعية، هذا شأن اصطلاحات العلوم كلها حاشا ما كان منها بمضمونه كلا أو بعضا مزاحما للشرع فلا يقر، ومما لا يقر لفظ التصوف فلا يقبل لفظه ولا محتواه، لأن محتواه إن كان مشروعا فقد أغنانا الله عنه بإتمامه دينه ورضاه لنا، وتسميته إحسانا وهو المعلم الثالث من معالم الإسلام، وإن كان مخالفا للشرع فمن من المسلمين يقبله؟، ثم أقول مع هذا إن تقيسمات الشركة التي وضعها العلماء قليلة الجدوى، وإنما ذكرناها ليعلم قارئ تلك الشروح معناها، وليراجع هنا كلام الشوكاني ﵀ في السيل الجرار في غير موضع من أبواب البيع والإجارة والشركة، ومنه (٣/ ٢٤٦ - ٢٤٨)، وإنكاره بعض هذا التقسيم.
فالشركة تنقسم باعتبار ما يقع الاشتراك فيه إلى شركة أموال، وشركة أعمال، وشركة ذمم، وشركة وجوه، ولما كان المؤلف قد ذكر شركة الأموال والأعمال فلنبين مرادهم بالنوعين الآخرين.
فأما شركة الوجوه فوجه تسميتها كذلك أن الباعث عليها الوجه، بأن يبيع الوجيه الذي له ذِكْرٌ في الناس مال الخامل ببعض ربحه، والخامل هو الذي لا يُشترى منه للظن بأن ما يبيعه ليس بجيد، وهي فاسدة لا تجوز لما فيها من الغرر والتدليس على الناس، فإنها
стр. 1752
إجارة بعوض مجهول، والناس من عادتهم أن يشتروا من أملياء السوق فيحصل لهم التدليس.
وأما شركة الذمم فقد جعلها بعضهم صورة من شركة الوجوه، وهي أن يتفقا على شراء شيء من غير تعيينه ليبيعاه ويكونان شريكين فيه على ذمتهما يعني من غير مال، فهذه الشركة فاسدة على المشهور سواء اشتراه أحدهما أو اشترياه معا، ووجه الفساد أنها من باب تَحَمَّلْ عَنِّي وأَتَحَمَّلُ عنك، وأسلفني وأسلفك، فيدخل في باب الضمان بالجعل، وفي السلف الذي يجر نفعا، أما لو اتفقا على شراء شيء بعينه ويكون ثمنه في ذمتهما فإنه جائز.
وتنقسم الشركة باعتبار ما لكل من الشريكين من التصرف في المشترك فيه - ويتضح كما ينبغي في شركة الأموال - إلى أربعة أنواع مفاوضة، وعنان، وجبر، ومضاربة.
فشركة المفاوضة أن يفوض كل من الشريكين للآخر التصرف فيما اشتركا فيه أو في نوع منه أو أنواع بالبيع والشراء والكراء والإقالة في غيبته وحضوره، كما يجوز له الهبة لجلب المتعاملين إلى الشركة واستئلافهم، ويصح أن يهب الشيء اليسير لغير الاستئلاف.
وشركة العنان أن يشترط كل من الشريكين على الآخر أن لا يستبد في التصرف بشيء إلا بإذنه وموافقته، مأخوذة من عنان الدابة الذي يوجهها ويضبط سيرها.
وقد حد النفراوي شركة الجبر بقوله: «استحقاق شخص الدخول مع مشتر سلعة لنفسه من سوقها المعد لها على وجه مخصوص»، انتهى، فمن اشترى سلعة من سوقها ليبيعها لا ليقتنيها ولا ليسافر بها، وكان غيره من التجار حاضرا لشرائها وهو ساكت، فإن أراد ذلك الحاضر الدخول في تلك السلعة شريكا فإنه يجاب إلى ذلك، ويجبر المشتري على إدخاله رفقا بأهل السوق، بخلاف ما لو اشتراها في غيبته أو زايده فيها فلا يجبر، وعللوا الجبر على الاشتراك بأنه تَرَك المزايدة عليه فانتفع بذلك، وقد يكون لهم متمسك فيما علقه البخاري بصيغة التمريض، وهو في سنن سعيد بن منصور أن عمر أبصر رجلا يساوم سلعة وعنده رجل فغمزه حتى اشتراها فرأى عمر أنه شركة»، وانظر الفتح (٥/ ١٦٧)، وللمشتري أيضا أن يجبر ذلك الحاضر على الاشتراك معه إذا رأى ذلك، ولا أحسب أن لهذا القول دليلا لافتقاده أهم عنصر في التجارة وهو التراضي، ولأن الحاضر إذا
стр. 1753
ترك ما أبيح له من المزايدة والمساومة قبل التراكن فكيف يقال إن له الاشتراك في المبيع؟، على أنك قد علمت من قبل في الفقرة (٧٣) من هذا الباب أن ترك السوم وقت مساومة الغير هو المطلوب، فكيف يقال إنه مباح ثم يرتب على تركه حق في الشركة جبرا؟، والله أعلم.
واقتصر المؤلف على ذكر الجائز فيما يكون فيه الاشتراك، وابتدأ بشركة الأبدان، وتسمى شركة الأعمال أيضا، ووجه تسميتها بذلك عدم توقفها على المال غالبا، فلم يبق إلا عمل البدن، وهي مختلف في جوازها، وعمدة المجوزين من النقل حديث أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: «اشتركنا أنا وسعد وعمار فيما نصيب يوم بدر، قال: فجاء سعد بأسيرين، ولم أجئ أنا وعمار بشيء»، رواه أبو داود (٣٣٨٨) والنسائي وابن ماجة، وهو ضعيف لانقطاعه بين أبي عبيدة وأبيه عبد الله بن مسعود، فإنه لم يسمع منه، لكن حيث كان الأصل في المعاملات الجواز، وتحقق في شركة الأعمال التراضي الذي لا بد منه في التجارة، وحيث إن الله تعالى يقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، والشركة داخلة فيه فإذا خلا هذا النوع من الغرر فإنه يجوز، وقد استدل القرطبي القنازعي في تفسيره للموطإ (٢/ ٥٨٥) بقول الله تعالى: «واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه … الآية على جواز شركة الأبدان.
وقد اشترطوا فيها أن يكون عملهما واحدا أو متقاربا، وأن يتساويا في العمل أو يتقاربا، وأن يكون الغرض من الشركة التعاون، وأن تكون الآلة بينهما بشراء أو كراء، أما موضع العمل فالظاهر عدم اشتراطه، قال خليل: «وجازت بالعمل إن اتحد أو تلازم، وتساويا فيه أو تقاربا، وحصل التعاون وإن بمكانين»، انتهى، فمثال اتحاد العمل كخياطين وحلاقين، لا كخياط وحداد، لما في ذلك من الغرر، ومعنى التلازم التكامل الذي يكون في الصنعة الواحدة بأن يتوقف وجود عمل أحدهما على وجود عمل الآخر، كأن يتولى أحدهما نشر الخشب على مقاييس معينة، ويتولى الآخر تركيبه أبوابا ونوافذ، أو يتولى هذا تركيب قطع غيار السيارة والآخر يركب هيكلها، أو يعد هذا الجلد على مقاسات الأحذية، ويقوم الثاني بربطها على القوالب، ويكمل الثالث الباقي، فأما التساوي في العمل فأن يأخذ
стр. 1754
كل من الشركاء بقدر عمله إن اتحدت الأعمال، وبقدر قيمته إذا لم تتحد، والظاهر أن هذا لا يشترط متى تراضيا على ما يخالفه لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٠/ ٧٩) يجيب عن سؤال يخص منع الحاكم الناس من شركة الأبدان لأنه لا يرى جوازها: «ليس له منع الناس من مثل ذلك ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد، وليس معه بالمنع نص من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا ما هو في معنى ذلك، لاسيما وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك، وهو ما يعمل به المسلمون في عامة الأمصار،،، الخ كلامه، وهو نفيس لم يراعه الدعاة في علاقة بعضهم ببعض في مثل هذه المسائل، مع أن الحاكم لا يجوز له المنع كما رأيت، فإن بعضهم جعل آراء العلماء دينا بل آراء طلاب العلم.
стр. 1755
• قوله:
٨٨ - «وتجوز الشركة بالأموال على أن يكون الربح بينهما بقدر ما أخرج كل واحد منهما، والعمل عليهما بقدر ما شرطا من الربح لكل واحد، ولا يجوز أن يختلف رأس المال ويستويا في الربح».
يريد بالأموال النقد، والجمهور على جواز الشركة في كل المثليات، وقد منع مالك الشركة في الطعام، وعللوا المنع بأنه بيع للطعام قبل قبضه، والتعليل الذي ذكروه بعيد، لا يتم إلا بتعسف وتعمل، والمشهور جوازه بالطعام المتفق قدرا وصفة، وهو قول ابن القاسم، وقد دل على ذلك حديث البخاري (٢٥٠١) الذي فيه أن زهرة بن معبد كان يخرج به جده عبد الله بن هشام إلى السوق فيشتري الطعام فيلقاه ابن عمر وابن الزبير ﵃، فيقولان له أشركنا، فإن النبي ﷺ قد دعا لك بالبركة، فيشركهم، فربما أصاب الراحلة كما هي فيبعث بها إلى المنزل، ومما استدل به لمشروعية الشركة بالأموال حديث أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ إن الله يقول: «أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما»، رواه أبو داود (٣٣٨٣) والبيهقي، لكن فيه مجهول، ومعنى أنه سبحانه ثالثهما أنه يسددهما ويوفقهما فهي معية خاصة، وقوله سبحانه خرجت من بينهما؛ أي وكلتهما لأنفسهما، وحسب المرء شرا أن يكله الله إلى نفسه، ولذلك كان مما يدعى به: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، وأصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين»، وهذا الحديث القدسي لو صح كان شاملا لأنواع الشركات من أموال وأبدان وغيرهما إلا ما دل الدليل على منعه، بل فيه الترغيب في التعاون على ذلك لما فيه من النفع وتنمية المال بشرط الصدق والأمانة، بل لا يحتاج الأمر إلى دليل لأن الأصل الجواز، بل الذي يحتاج إليه هو الدليل المانع، والله أعلم.
следующие страницы →