← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وللشركة أركان ثلاثة هي العاقدان، والصيغة، والمحل، ويشترط في العاقدين أن يصلح كل منهما للوكالة بطرفيها، أي أن يكون وكيلا وموكلا، ووجه ذلك أن الشركة تتضمن الوكالة، فلا بد أن يتوفر في عاقدها ما ينبغي توفره في الوكالة، ومن ثم فلا تصح مشاركة العبد غير المأذون له، ولا المحجور عليه، ولا الصبي، والمراد بالصيغة ما يحصل به الإذن في التصرف من كلام أو غيره كالكتابة وخلط الأموال مع العمل، والمحل هو ما يقع الاشتراك فيه من مال وأعمال. واعلم أن كثيرا من الشراح يذكرون أقسام الشركة ولا يبينون الاعتبار الذي وضعوه في التقسيم، فيقع الاضطراب فيه والتداخل، ولهذا فلا بأس بذكر ما اصطلحوا عليه لما فيه من الضبط والتحديد، والاصطلاح لا يضر بالفقه، بل هو معين على الفهم والتدقيق بشرط أن لا نتواضع على شيء من تلك الاصطلاحات ثم نلجأ إليها ونتعامل بها فتغدو بديلا عن الأدلة التي هي الأساس في استنباط الأحكام الشرعية، هذا شأن اصطلاحات العلوم كلها حاشا ما كان منها بمضمونه كلا أو بعضا مزاحما للشرع فلا يقر، ومما لا يقر لفظ التصوف فلا يقبل لفظه ولا محتواه، لأن محتواه إن كان مشروعا فقد أغنانا الله عنه بإتمامه دينه ورضاه لنا، وتسميته إحسانا وهو المعلم الثالث من معالم الإسلام، وإن كان مخالفا للشرع فمن من المسلمين يقبله؟، ثم أقول مع هذا إن تقيسمات الشركة التي وضعها العلماء قليلة الجدوى، وإنما ذكرناها ليعلم قارئ تلك الشروح معناها، وليراجع هنا كلام الشوكاني ﵀ في السيل الجرار في غير موضع من أبواب البيع والإجارة والشركة، ومنه (٣/ ٢٤٦ - ٢٤٨)، وإنكاره بعض هذا التقسيم. فالشركة تنقسم باعتبار ما يقع الاشتراك فيه إلى شركة أموال، وشركة أعمال، وشركة ذمم، وشركة وجوه، ولما كان المؤلف قد ذكر شركة الأموال والأعمال فلنبين مرادهم بالنوعين الآخرين. فأما شركة الوجوه فوجه تسميتها كذلك أن الباعث عليها الوجه، بأن يبيع الوجيه الذي له ذِكْرٌ في الناس مال الخامل ببعض ربحه، والخامل هو الذي لا يُشترى منه للظن بأن ما يبيعه ليس بجيد، وهي فاسدة لا تجوز لما فيها من الغرر والتدليس على الناس، فإنها

стр. 1752

إجارة بعوض مجهول، والناس من عادتهم أن يشتروا من أملياء السوق فيحصل لهم التدليس. وأما شركة الذمم فقد جعلها بعضهم صورة من شركة الوجوه، وهي أن يتفقا على شراء شيء من غير تعيينه ليبيعاه ويكونان شريكين فيه على ذمتهما يعني من غير مال، فهذه الشركة فاسدة على المشهور سواء اشتراه أحدهما أو اشترياه معا، ووجه الفساد أنها من باب تَحَمَّلْ عَنِّي وأَتَحَمَّلُ عنك، وأسلفني وأسلفك، فيدخل في باب الضمان بالجعل، وفي السلف الذي يجر نفعا، أما لو اتفقا على شراء شيء بعينه ويكون ثمنه في ذمتهما فإنه جائز. وتنقسم الشركة باعتبار ما لكل من الشريكين من التصرف في المشترك فيه - ويتضح كما ينبغي في شركة الأموال - إلى أربعة أنواع مفاوضة، وعنان، وجبر، ومضاربة. فشركة المفاوضة أن يفوض كل من الشريكين للآخر التصرف فيما اشتركا فيه أو في نوع منه أو أنواع بالبيع والشراء والكراء والإقالة في غيبته وحضوره، كما يجوز له الهبة لجلب المتعاملين إلى الشركة واستئلافهم، ويصح أن يهب الشيء اليسير لغير الاستئلاف. وشركة العنان أن يشترط كل من الشريكين على الآخر أن لا يستبد في التصرف بشيء إلا بإذنه وموافقته، مأخوذة من عنان الدابة الذي يوجهها ويضبط سيرها. وقد حد النفراوي شركة الجبر بقوله: «استحقاق شخص الدخول مع مشتر سلعة لنفسه من سوقها المعد لها على وجه مخصوص»، انتهى، فمن اشترى سلعة من سوقها ليبيعها لا ليقتنيها ولا ليسافر بها، وكان غيره من التجار حاضرا لشرائها وهو ساكت، فإن أراد ذلك الحاضر الدخول في تلك السلعة شريكا فإنه يجاب إلى ذلك، ويجبر المشتري على إدخاله رفقا بأهل السوق، بخلاف ما لو اشتراها في غيبته أو زايده فيها فلا يجبر، وعللوا الجبر على الاشتراك بأنه تَرَك المزايدة عليه فانتفع بذلك، وقد يكون لهم متمسك فيما علقه البخاري بصيغة التمريض، وهو في سنن سعيد بن منصور أن عمر أبصر رجلا يساوم سلعة وعنده رجل فغمزه حتى اشتراها فرأى عمر أنه شركة»، وانظر الفتح (٥/ ١٦٧)، وللمشتري أيضا أن يجبر ذلك الحاضر على الاشتراك معه إذا رأى ذلك، ولا أحسب أن لهذا القول دليلا لافتقاده أهم عنصر في التجارة وهو التراضي، ولأن الحاضر إذا

стр. 1753

ترك ما أبيح له من المزايدة والمساومة قبل التراكن فكيف يقال إن له الاشتراك في المبيع؟، على أنك قد علمت من قبل في الفقرة (٧٣) من هذا الباب أن ترك السوم وقت مساومة الغير هو المطلوب، فكيف يقال إنه مباح ثم يرتب على تركه حق في الشركة جبرا؟، والله أعلم. واقتصر المؤلف على ذكر الجائز فيما يكون فيه الاشتراك، وابتدأ بشركة الأبدان، وتسمى شركة الأعمال أيضا، ووجه تسميتها بذلك عدم توقفها على المال غالبا، فلم يبق إلا عمل البدن، وهي مختلف في جوازها، وعمدة المجوزين من النقل حديث أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: «اشتركنا أنا وسعد وعمار فيما نصيب يوم بدر، قال: فجاء سعد بأسيرين، ولم أجئ أنا وعمار بشيء»، رواه أبو داود (٣٣٨٨) والنسائي وابن ماجة، وهو ضعيف لانقطاعه بين أبي عبيدة وأبيه عبد الله بن مسعود، فإنه لم يسمع منه، لكن حيث كان الأصل في المعاملات الجواز، وتحقق في شركة الأعمال التراضي الذي لا بد منه في التجارة، وحيث إن الله تعالى يقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، والشركة داخلة فيه فإذا خلا هذا النوع من الغرر فإنه يجوز، وقد استدل القرطبي القنازعي في تفسيره للموطإ (٢/ ٥٨٥) بقول الله تعالى: «واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه … الآية على جواز شركة الأبدان. وقد اشترطوا فيها أن يكون عملهما واحدا أو متقاربا، وأن يتساويا في العمل أو يتقاربا، وأن يكون الغرض من الشركة التعاون، وأن تكون الآلة بينهما بشراء أو كراء، أما موضع العمل فالظاهر عدم اشتراطه، قال خليل: «وجازت بالعمل إن اتحد أو تلازم، وتساويا فيه أو تقاربا، وحصل التعاون وإن بمكانين»، انتهى، فمثال اتحاد العمل كخياطين وحلاقين، لا كخياط وحداد، لما في ذلك من الغرر، ومعنى التلازم التكامل الذي يكون في الصنعة الواحدة بأن يتوقف وجود عمل أحدهما على وجود عمل الآخر، كأن يتولى أحدهما نشر الخشب على مقاييس معينة، ويتولى الآخر تركيبه أبوابا ونوافذ، أو يتولى هذا تركيب قطع غيار السيارة والآخر يركب هيكلها، أو يعد هذا الجلد على مقاسات الأحذية، ويقوم الثاني بربطها على القوالب، ويكمل الثالث الباقي، فأما التساوي في العمل فأن يأخذ

стр. 1754

كل من الشركاء بقدر عمله إن اتحدت الأعمال، وبقدر قيمته إذا لم تتحد، والظاهر أن هذا لا يشترط متى تراضيا على ما يخالفه لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٠/ ٧٩) يجيب عن سؤال يخص منع الحاكم الناس من شركة الأبدان لأنه لا يرى جوازها: «ليس له منع الناس من مثل ذلك ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد، وليس معه بالمنع نص من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا ما هو في معنى ذلك، لاسيما وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك، وهو ما يعمل به المسلمون في عامة الأمصار،،، الخ كلامه، وهو نفيس لم يراعه الدعاة في علاقة بعضهم ببعض في مثل هذه المسائل، مع أن الحاكم لا يجوز له المنع كما رأيت، فإن بعضهم جعل آراء العلماء دينا بل آراء طلاب العلم.

стр. 1755

• قوله: ٨٨ - «وتجوز الشركة بالأموال على أن يكون الربح بينهما بقدر ما أخرج كل واحد منهما، والعمل عليهما بقدر ما شرطا من الربح لكل واحد، ولا يجوز أن يختلف رأس المال ويستويا في الربح». يريد بالأموال النقد، والجمهور على جواز الشركة في كل المثليات، وقد منع مالك الشركة في الطعام، وعللوا المنع بأنه بيع للطعام قبل قبضه، والتعليل الذي ذكروه بعيد، لا يتم إلا بتعسف وتعمل، والمشهور جوازه بالطعام المتفق قدرا وصفة، وهو قول ابن القاسم، وقد دل على ذلك حديث البخاري (٢٥٠١) الذي فيه أن زهرة بن معبد كان يخرج به جده عبد الله بن هشام إلى السوق فيشتري الطعام فيلقاه ابن عمر وابن الزبير ﵃، فيقولان له أشركنا، فإن النبي ﷺ قد دعا لك بالبركة، فيشركهم، فربما أصاب الراحلة كما هي فيبعث بها إلى المنزل، ومما استدل به لمشروعية الشركة بالأموال حديث أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ إن الله يقول: «أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما»، رواه أبو داود (٣٣٨٣) والبيهقي، لكن فيه مجهول، ومعنى أنه سبحانه ثالثهما أنه يسددهما ويوفقهما فهي معية خاصة، وقوله سبحانه خرجت من بينهما؛ أي وكلتهما لأنفسهما، وحسب المرء شرا أن يكله الله إلى نفسه، ولذلك كان مما يدعى به: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، وأصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين»، وهذا الحديث القدسي لو صح كان شاملا لأنواع الشركات من أموال وأبدان وغيرهما إلا ما دل الدليل على منعه، بل فيه الترغيب في التعاون على ذلك لما فيه من النفع وتنمية المال بشرط الصدق والأمانة، بل لا يحتاج الأمر إلى دليل لأن الأصل الجواز، بل الذي يحتاج إليه هو الدليل المانع، والله أعلم.

стр. 1756

وروى أبو داود والنسائي وابن ماجة عن السائب المخزومي أنه كان شريك النبي ﷺ قبل البعثة فجاء يوم الفتح فقال: «مرحبا بأخي وشريكي لا يداري ولا يماري»، ويداري هو من المدارأة التي هي المدافعة قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا (٧٢)﴾ [البقرة: ٧٢]، والمراد المشاغبة والمخالفة وكثرة المراجعة، لا من المداراة التي فعلها داراه يداريه بالياء فإنها مقبولة مشروعة لأن معناها بذل الدنيا من أجل الدين، وقوله يماري معناه يجادل. وينبغي في شركة الأموال أن يكون ربح الشريك بمقدار ماله، فإذا كان ماله نصفا كان ربحه كذلك، فإن تعاقدا على التساوي في الأموال والتفاوت في الربح لم تصح، وكذلك ينبغي أن يكون ما على كل منهما من العمل بمقدار ما له من الربح، سواء أباشر العمل بنفسه، أم عين من يقوم به على ذمته، فإن دخلا على التفاوت في العمل والتساوي في الربح لم تصح، فمثلا إذا كان على الواحد منهما ربع المال وربع العمل وله ربع الربح، وعلى الآخر ثلاثة أرباعهما وكلك الربح جازت الشركة، فالحاصل أنه ينبغي أن يتعاقدا على أن الربح والخسر بمقدار المال والعمل، لكن متى تم العقد على المنوال المطلوب جاز لكل منهما أن يتنازل عن بعض حقه من المال أو العمل، فالذي يضر هو اشتراط عدم التساوي، قال خليل: «وله التبرع والسلف والهبة بعد العقد»، انتهى، وقد عللوا عدم مساواة حصة الربح للمال والعمل قبل العقد بأنه تبرع من الربح فيكون قد أخذ أكثر من حقه، وهو تعليل من الضعف كما ترى، فالظاهر أن اختلاف رأس المال أو العمل مع التساوي في الربح ليس بمانع من صحة الشركة لأنه عقد تم بالتراضي، ومال المسلم لا يحل إلا بطيب نفس، وقد طابت نفس العاقد بذلك فأين المانع؟، قال الشوكاني في السيل الجرار (٣/ ٢٤٩): «والحاصل أن التراضي على الاشتراك سواء تعلق بالنقود أو العروض أو الأبدان هو كله شركة شرعية، ولا يعتبر إلا مجرد التراضي مع العلم بمقدار حصة كل واحد من الربح والخسر، فإن كان الربح والخسر بمقادير مال الشركة أو مقادير قيمة العروض فلا بد من معرفة المقدار لترتيب الربح عليه، فإن حصل

стр. 1757

التراضي على الاستواء في الربح مع اختلاف مقادير الأموال كان ذلك جائزا سائغا، ولو كان مال أحدهم يسيرا، ومال غيره كثيرا، وليس في مثل هذا بأس في الشريعة، فإنه تجارة عن تراض، ومسامحة بطيبة نفس»، انتهى، ولما أنهى الكلام على شركة الأموال ذكر شركة المضاربة فقال:

стр. 1758

• قوله: ٨٩ - «والقراض جائز بالدنانير والدراهم». القراض بكسر القاف مشتق من القرض وهو القطع، لأن المرء يقطع شيئا من ماله لمن يعمل فيه بجزء من ربحه، وهذا اسمه عند أهل الحجاز، ويسميه أهل العراق المضاربة، وهي من الضرب في الأرض، وكان الواحد من العرب يسلم ماله إلى من يخرج به تاجرا إلى الشام أو غيرها، والتجارة في أصلها تعتمد على الجلب، قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (٢٠)﴾ [المزَّمل: ٢٠]، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١]، فأهل الحجاز نظروا فيه إلى رب المال، وأهل العراق نظروا إلى العامل. ولا خلاف بين المسلمين في جواز القراض، وقد قال ابن حزم في المحلى (٨/ ٢٤٧): «وعمل به المسلمون عملا متيقنا لا خلاف فيه»، انتهى، وهو مما أقره الإسلام من معاملات الجاهلية، وقد روى مالك في الموطإ (١٣٨٥) عن زيد بن أسلم أنه قال: «خرج عبد الله وعبيد الله بنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قَفَلا مَرَّا على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل، ثم قال: لو أقدر على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال هاهنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكماه فتبتاعان به متاعا من متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما، فقالا وددنا ذلك ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر بن الخطاب قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما»؟، قالا: «لا»، فقال عمر: «ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما، أديا المال وربحه»، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: «ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه»، فقال عمر: «أدياه»، فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله،

стр. 1759

فقال رجل من جلساء عمر: «يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا»، فقال عمر: «قد جعلته قراضا»، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله بنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال». والقراض مستثنى من الإجارة إلى الأجل المجهول بالعوض المجهول بل المعدوم، وفيه الاشتراك بالمال من جانب والعمل من جانب، لأن الشخص قد يكون له مال ولا يقدر على تنميته فيعطيه لمن له القدرة على ذلك، ولا مال له، قال الكاساني في بدائع الصنائع (٨/ ٩): «فكان في شرع هذا العقد دفع الحاجتين والله تعالى ما شرع العقود إلا لمصالح العباد ودفع حوائجهم»، انتهى. وقد حد القراض ابن عرفة بقوله: «تمكين مال لمن يتجر فيه بجزء من ربحه لا بلفظ الإجارة»، وتعريف خليل أيسر من هذا وأقرب قال: «القراض توكيل على تجر في نقد مضروب مُسلَم بجزء من ربحه إن علم قدرهما»، انتهى. وللقراض أركان هي العاقدان ويشترط فيهما ما يشترط في الوكيل والموكل كما تقدم، وقد قيل بحرمة مقارضة الذمي، والمذهب كراهة ذلك متى لم يتجر في محرم، والثاني المال المسلَم للعامل، وينبغي أن يكون معلوما لأنه إن لم يعلم كان جزء الربح مجهولا، وأن لا يكون دينا في ذمة العامل، لما فيه من التهمة بالانتفاع بالقرض، ولأن فيه تحول المضمون إلى غير الضمان، وهكذا لا يصح أن يكون وديعة عند العامل ولا رهنا، فإن وقع وعمل بما ذكر فالربح للعامل والخسارة عليه، ولا شيء لرب المال لعدم صحة العقد، ويستمر الدين في الذمة على ما كان، كما يشترط في رأس المال أن لا يكون مضمونا من العامل، إلا أن يتعدى، والثالث الصيغة، وهي ما يكون به التراضي، والرابع ما لكل من رب المال والعامل من الربح إن كان، ويشترط فيه أن يكون جزءا شائعا من الربح كالثلث والربع ونحوهما، لا إن كان مجهولا أو معينا كألف دينار كل شهر مثلا، فإنه يكون ربا بلا شك، أو يكون إجارة إن بَيَّنَ ذلك في العقد، ولا يصح أن يختص واحد من المتعاقدين بشيء غير جزء الربح المذكور إلا ما يحتاج إليه العامل من النفقة التي سيأتي ذكرها. والقراض عقد غير لازم، قال ابن رشد في بداية المجتهد (٢/ ٢٤٠): «أجمع العلماء

стр. 1760

على أن اللزوم ليس من موجبات عقد القراض»، انتهى، والمذهب أن لكل فسخه متى لم يشرع العامل في العمل، فإن شرع صار لازما للكل، وبعد تزود العامل للسفر يصير لازما للعامل دون رب المال. ولما كان رأس المال ينبغي أن يكون معلوم القدر لزم أن يكون نقدا، ولهذا قال المصنف: «بالدنانير والدراهم»، فقد اتفق أهل العلم على جواز القراض بالذهب والفضة، لأن رأس المال وإن لم يكن مضمونا إلا أنه يتعين رده إلى صاحبه عند انتهاء القراض، وكيف يرد إذا لم يكن معلوما؟.

стр. 1761

• قوله: ٩٠ - «وقد أرخص فيه بِنِقَار الذهب والفضة». النقار بكسر النون ما ليس مسكوكا من الذهب والفضة، وهو القطع الخالصة منهما، ومثلها التبر والحلي فهذه جميعا يجوز أن تكون رأس مال في القراض متى لم يوجد المسكوك، وجرى التعامل بها في بلد القراض، وعرف وزنها، فإن تم العقد على ذلك وجرى العمل مضى عند ابن القاسم، ويمضي مطلقا عند أصبع، ولما كان الذهب والفضة لم يعودا أثمانا للأشياء وزالت السكة عنهما فيتخرج على المذهب أنه لا يجوز أن يكونا رأس مال في القراض اليوم، لكونهما من جملة العروض، وقد أشار إلى ذلك بقوله:

стр. 1762

• قوله: ٩١ - «ولا يجوز بالعروض، ويكون إن نزل أجيرا في بيعها، وعلى قراض مثله في الثمن». العروض جمع عَرْض بفتح العين وسكون الراء وهي ما عدا الذهب والفضة، ووجه عدم الجواز بها أن القراض رخصة، ولم تجئ إلا بحيث يكون رأس المال ما ذكر، ونقار الذهب والفضة متى علم وزنه هو في معنى المسكوك، والرخصة لا يتعدى بها محلها، هكذا قال بعضهم، والظاهر أن العلة هي الجهل برأس المال الذي يترتب عليه الجهل بالجزء المجعول للعامل، لأنه لا يأخذ ربحا إلا بعد نضوض رأس المال مضافا إليه أن العامل يأخذ عرضا تكون قيمته يوم العقد مبلغا، ويوم الرد مبلغا غيره بالنقص أو بالزيادة. وبناء عليه يتجه القول بجواز أن يسلمه عروضا ويؤاجره على بيعها على أن يتجر في الحاصل منها من النقد، فهذا لا مانع منه، إلا على القول بامتناع اجتماع القراض والإجارة، وقد نقل عن المؤلف أنه تعامل به كما في شرح ابن ناجي، أما لو أعطاه عروضا ليبيعها على أن يكون الحاصل منها رأس المال فإنه يؤدي إلى أخذه الزيادة على ما للعامل، نظرا لما قام به من عمل في البيع، وذلك لا يصح. ولهذا بَيَّنَ المؤلف أنه متى جعل رأس مال القراض عروضا وباعها العامل واتجر بها فإنه يكون أجيرا في بيعها فله أجرة مثله، ويكون مع ذلك مقارضا في ثمنها فله الجزء من الربح الذي يعطى لمثله، لا الجزء الذي وقع التعاقد عليه، وهذا بسبب فساد العقد، قال مالك في الموطإ (القراض في العروض) بعد أن بين وجه امتناع كون العروض رأس مال في القراض: «فإن جهل ذلك حتى يمضي، نظر إلى قدر أجر الذي دُفع إليه القراض في بيعه إياه وعلاجه فيعطاه، ثم يكون المال قراضا من يوم نض المال واجتمع عينا ويرد إلى قراض مثله»، انتهى.

стр. 1763

• قوله: ٩٢ - «وللعامل كسوته وطعامه إذا سافر في المال الذي له بال، وإنما يكتسي في السفر البعيد». هذا أوسط أقوال العلماء في نفقة العامل قي القراض، فإن منهم من منعها مطلقا وأجازها آخرون، والمذهب أن له النفقة في السفر من الطعام والشراب وتزاد الكسوة إذا كان السفر بعيدا، وهذا كله إذا كان للمال شأن بحيث يتحمل ذلك، ووجهه أن السفر فيه نفقة زائدة على ما في الحضر حيث ينفرد العامل عن أهله ويفتقر إلى ما لا يحتاج إليه وهو في أهله من المركب والمسكن ولأن انفراده بالمأكل والمشرب ليس كأكله مع أهله. وقد توسع مالك ﵀ في الحديث عن القراض في الموطإ في خمسة عشر بابا، ومن أجمع ما قاله مما يبين مذهبه فيه قوله: «وجه القراض المعروف الجائز أن يأخذ الرجل المال من صاحبه على أن يعمل فيه، ولا ضمان عليه، ونفقة العامل من المال في سفره، من طعامه وكسوته وما يصلحه بالمعروف بقدر المال إذا شخص في المال، إذا كان المال يحمل ذلك، فإن كان مقيما في أهله فلا نفقة له من المال ولا كسوة»، انتهى، وعلل عدم جواز أن يقارض الرجل غيره بدين عليه فقال: «وإنما ذلك مخافة أن يكون أعسر بماله فهو يريد أن يؤخر ذلك على أن يزيده فيه»، انتهى، فهذا إنما منع لسد الذريعة إلى ربا الجاهلية، وقال في شأن رأس مال القراض: «لا يصلح القراض إلا بالعين من الذهب أو الورق ولا يكون في شيء من العروض أو السلع،،،»، وقال عن وجه منع القراض بالعروض: «لأن المقارضة في العروض إنما تكون على أحد وجهين: إما أن يقول له صاحب العرض خذ هذا العرض فبعه فما خرج من ثمنه فاشتر به وبع على وجه القراض، فقد اشترط صاحب المال فضلا لنفسه، من بيع سلعته وما يكفيه من مؤونتها، أو يقول: اشتر بهذه السلعة وبع، فإذا فرغت فابتع لي مثل عرضي الذي دفعت إليك، فإن فضل شيء فهو بيني وبينك، ولعل

стр. 1764

صاحب العرض أن يدفعه إلى العامل في زمن هو فيه نافق كثير الثمن، ثم يرده العامل حين يرده وقد رخص، فيشتريه بثلث ثمنه أو أقل من ذلك،،،»، ثم ذكر الاحتمال الآخر وهو غلاء العرض، ثم قال: «فهذا غرر لا يصلح،،،»، انتهى، وبَيَّنَ امتناع تحديد الأجل في القراض بقوله: «لا يجوز للذي يأخذ المال قراضا أن يشترط أن يعمل فيه سنين لا ينزع منه، ولا يصح لصاحب المال أن يشترط أنك لا ترده إلى سنين لأجل يسميانه، لأن القراض لا يكون على أجل،،،» انتهى، وبعد أن بين عدم جواز شرط ضمان رأس المال قال: «وإن تلف المال لم أر على الذي أخذه ضمانا لأن شرط الضمان باطل»، انتهى.

стр. 1765

• قوله: ٩٣ - «ولا يقتسمان الربح حتى ينض رأس المال». الناض من المال هو النقد من الذهب والفضة كما كان الأمر من قبل، وقد قامت العملات في هذا العصر مقامهما كيفما كانت، وإنما منع اقتسام الربح قبل حصول رأس المال لأن السلع الباقية قد لا تباع، وقد ترخص فلا يجتمع رأس المال، ومن ثم فلا يكون في حاصل بيع الجميع ربح، والمتفق عليه لزوم رد رأس المال متى لم يقع خسر في القراض، ولا يعرف ذلك إلا بعد بيع السلع كلها أو حصول رأس المال من بيع بعضها، وإذا لم يحصل ذلك فأين الربح الذي يُقتسَم؟، وإنما يمنع اقتسام الربح حتى ينض رأس المال إذا كانا قد اتفقا على استمرار القراض في باقي السلع، أما لو أرادا فسخه على أن يقتسما الناض والسلع بقيمتها بحسب ما لكل منهما فإن المانع من ذلك مفقود، والتراضي المشترط في التجارة موجود فيكون ذلك جائزا، والله أعلم.

стр. 1766

• قوله: ٩٤ - «والمساقاة جائزة في الأصول على ما تراضيا عليه من الأجزاء». الأرض إما أن يستغلها ربها بمفرده، أو يؤجرها، أو يكون العمل فيها مشاركة، وتأجيرها إنما يكون فيما إذا كانت بيضاء، أعني غير مغروسة، أما تأجير المغروسة فالجمهور على المنع منه، لأن فيه بيع الثمرة قبل وجودها، وقد نهينا عن ذلك، والاشتراك في عمل الأرض أنواع ثلاثة: مغارسة ومزارعة ومساقاة، والأخيرة مفاعلة على غير بابها من السقي لأنه معظم العمل المراد من عقدها بحسب الأصل، وقد ذكرها المؤلف عقب القراض لأن في كل منهما الإجارة بجزء مجهول، وعلى هذا الترتيب جرى في الموطإ، لكنهما شرعا للارتفاق وحاجة الناس إلى التعاون على مصالحهم التي لا يستقل بها الواحد منهم، قال في الصحاح: «والمساقاة أن يستعمل رجل رجلا في نخيل أو كروم ليقوم بإصلاحها على أن يكون له سهم معلوم مما تغله»، انتهى. وهي عند أهل المذهب مستثناة من المخابرة التي هي عندهم كراء الأرض بما يخرج منها في بعض صورها، ومستثناة من بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، بل قبل وجودها، ومن الإجارة بالمجهول، والمعول عليه قيام الدليل على جوازها وهو ما رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع»، والشطر النصف كما جاء مفسرا في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أعطى خيبر أهلها على النصف نخلها وأرضها»، رواه أحمد وابن ماجة (٢٤٦٨)، والمراد بالأرض الزرع كما في الذي قبله، وفي سنن ابن ماجة (٢٤٦٣) عن طاوس أن معاذ بن جبل أكرى الأرض على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان على الثلث والربع فهو يعمل به إلى يومك هذا»، وفي الموطإ (١٣٨٧) عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال ليهود خيبر يوم الفتح: «أقركم فيها ما أقركم الله على أن الثمر بيننا وبينكم».

стр. 1767

وللمساقاة أربعة أركان هي: الأول: العاقدان، ويشترط فيهما أهلية الإجارة وقد تقدم ذكرها. والثاني: ما تنعقد به وهو لفظ المساقاة عند ابن القاسم لا لفظ المعاملة ونحوها حتى لا تلتبس بمعاملة أخرى كالإجارة على خدمة الأرض، ومشهور المذهب انعقادها بغير ذلك اللفظ، والمدار على ما يعلم به المراد من العقد من غير لبس كما سبق، ومنه عُرْفُ الناسِ. والثالث: ما تكون فيه المساقاة وهي الأصول الثابتة التي تجنى ثمارها ويبقى أصلها كالنخل وشجر العنب وهو ما أشار إليه المؤلف بقوله: «في الأصول»، والناس في هذا بين مضيق وموسع، فمنهم من قصرها على النخل وهو محل الرخصة كما تقدم، ومنهم من أضاف العنب لمشاركته النخل في الزكاة، ومنهم من وسع فشملت عنده كل ما له أصل وثمرة كما ذكره المؤلف، والمذهب أن قيد الأصول ليس مانعا من المساقاة على غير الأصول كالبصل والجزر واللفت والبطاطا، ولهذا القول متمسك في ذكر الزرع في حديث ابن عمر المتقدم، وقيدوه بشرط عجز صاحب الأرض عن العمل، وخوفه على حرثه الضياعَ بترك السقي ونحوه مما يلزم، وأن يبرز من الأرض، قال مالك في الموطإ: «السنة في المساقاة عندنا أنها تكون في أصل كل نخل أو كرم أو زيتون أو رمان أو فرسك،،،»، وقال: «والمساقاة أيضا تجوز في الزرع إذا خرج واستقل فعجز صاحبه عن سقيه وعمله وعلاجه»، انتهى، ومما اشترطوه أن تكون المساقاة قبل طيب الثمر وَأَوَانِ جواز بيع الحرث، إذ لا داعي حينئذ للمساقاة، قال مالك: «لا تحل المساقاة في شيء من الأصول مما تحل فيه المساقاة إذا كان فيه ثمر قد طاب وبدا صلاحه وحل بيعه،،، إلى أن قال: وإنما مساقاة ما حل بيعه من الثمار إجارة»، انتهى، يقصد أنها إن وقعت فهي فاسدة تحول إلى الإجارة، ومن ذلك أن تكون المساقاة إلى أجل معلوم وأقله وقت جذاذ ما انعقدت عليه، فإن تكررت غلات النبات وانفصل بعضها عن بعض فلا يدخل ما عدا الأول إلا بالشرط، وإن لم ينفصل بعضها عن بعض شمل العقد الجميع، لكن لا تجوز المساقاة على ما عدا الأول استقلالا، ولا يحتج على عدم اشتراط الأجل بما سبق في مرسل سعيد بن المسيب الذي في الموطإ: «أقركم فيها ما أقركم الله »، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٧/ ٤٠)

стр. 1768

مبينا وجه عدم الاحتجاج به على ما ذكر: «كان يكره أن يكون في أرض العرب غير المسلمين، وكان يحب أن لا يكون فيها دينان كنحو محبته في استقبال الكعبة حتى نزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤]، وكان لا يتقدم في شيء إلا بوحي، وكان يرجو أن يحقق الله رغبته في إبعاد اليهود عن جواره، فذكر ليهود خيبر ما ذكر منتظرا للقضاء فيهم فلم يوح إليه في ذلك شيء حتى حضرته الوفاة فأتاه الوحي في ذلك فقال: «لا يَبْقَيَنَّ دينان بأرض العرب»، وأوصى بذلك، انتهى. والرابع: الجزء المشترط للعامل وهو ما عناه المؤلف بقوله «على ما تراضيا عليه من الأجزاء»، وينبغي أن يكون جزءا شائعا كالثلث والربع والنصف، والمحترز منه تعيين مقدار معين ككيل معلوم استقلالا أو مع الجزء المشاع، أو عدم ذكر شيء فيكون مجهولا، وخامس الأركان هو العمل وقد قال عنه المؤلف:

стр. 1769

• قوله: ٩٥ - «والعمل كله على المُسَاقَى». يعني أن العمل كله يجب أن يكون على المُسَاقَى بفتح القاف الذي هو العامل، قال ابن حزم في المحلى (٨/ ٢١٧): «في اشتراط النبي ﷺ على أهل خيبر أن يعملوها بأموالهم بيان أن البذر والنفقة كلها على العامل، ولا يجوز أن يشترط شيء من ذلك على صاحب الأرض،،،»، انتهى، ودليل ذلك ما في حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم، ولرسول الله ﷺ شطر ثمرها»، رواه مسلم، وهكذا صنع الأنصار مع المهاجرين يعطونهم أنصاف ثمارهم في كل عام على أن يكفوهم المؤونة والعمل»، وهو في الصحيحين عن أنس، وعن أبي هريرة قال: قالت الأنصار للنبي ﷺ : «اقسم بيننا وبين إخواننا النخل»، قال: لا، فقالوا: «تكفونا العمل ونشرككم في الثمرة»، فقالوا: «سمعنا وأطعنا»، رواه البخاري، قلت في الاستدلال بهذا على كون العمل كله على المُسَاقَى نظر، وما فعله النبي ﷺ مع يهود خيبر وإن كان يفيد أنه شرط عليهم ذلك، بيد أنه لا يفيد أن ذلك شرط لازم في كل مساقاة، ولو كان كل ما تضمنه عقده مع يهود خيبر لازما لكان ينبغي لزوم أن لا تعطى الأرض إلا بالنصف كما فعل، وكلام ابن حزم في الجواب عن هذا ليس بالمقنع، وليت شعري ما الفرق بين أن يخالف ما تضمنته معاملة النبي ﷺ لمن ساقاهم في مقدار ما يعطى لهم، وبين مخالفتها فيما على العامل أن يقوم به، لا سيما مع اختلاف لوازم خدمة الأرض والشجر وكثرة مئونة ذلك وقلته باختلاف الأوقات والمواقع، ولو أعطي العامل ربع الناتج وجعلت بعض المؤونة على رب الأرض فقد لا يختلف ذلك فيما لو أعطي العامل النصف، وجعل عليه العمل كله كما هو الأصل، وقد ألمح مالك ﵀ إلى شيء من هذا وهو يتكلم على المنع من إخراج الرقيق الموجودين حين العقد من الأرض فقال منظرا: «وإنما ذلك بمنزلة المساقاة

стр. 1770

في العين والنضح ولن تجد أحدا يساقي في أرضين سواء في الأصل والمنفعة إحداهما بعين واثنة غزيرة والأخرى ينضح على شيء واحد لخفة مئونة العين وشدة مئونة النضح»، انتهى، و الواثنة هي الدائمة. ومراده أن المُسَاقَى لا يقبل أن يساقي على النصف مثلا في أرض يحتاج في سقيها إلى استخراج الماء من البئر أو جلبه بوسائل النقل كما يساقي بذلك الجزء على أرض تسقى من غير كبير مئونة، ومهما يكن فالظاهر أنه إن تبرع بشيء بعد العقد على جعل العمل كله على المُسَاقَى فلا مانع كما تقدم في الشركة، والممنوع عندهم أن يكون ذلك شرطا، وقالوا إن الذي على العامل هو ما تفتقر إليه الثمرة من السقي والإبار والتنقية والجذاذ وإحضار الآلات والأدوات، لأن العوض عما يأخذه هو العمل فينبغي أن يكون جميعه عليه. وفي هذا نظر فإنه إن أخذ من فعل النبي ﷺ فإنه ليس فيه نهي عن غير تلك الصورة من المساقاة التي اتفق عليها مع يهود خيبر، وإن كان ذلك الشرط قد أخذ من الاقتصار على المنقول من تفاصيل الرخصة بحيث لا يتعدى، فقد تجاوزه أهل المذهب وغيرهم، لأنهم لم يقتصروا على المساقاة في الأصول، ولا اقتصروا في الجزء المعطى للعامل على النصف، وأصل العقود التراضي فإذا تراضيا على خلاف ما تقدم فإن على المانع الدليل، والله الهادي إلى سواء السبيل، والذي يظهر أن الممنوع هو ما اتفق أهل العلم القائلون بالمساقاة على عدم مشروعيته، وهو أن لا ينفق العامل شيئا غير عمله قال ابن رشد في بداية المجتهد (٢/ ٢٤٨): «واتفق القائلون بالمساقاة على أنه إن كانت النفقة كلها على رب الحائط وليس على العامل إلا ما يعمل بيده أن ذلك لا يجوز، لأنها إجارة بما لم يخلق»، انتهى، وقال خليل: «إنما تصح مساقاة شجر وإن بعلا، ذي ثمر لم يحل بيعه، ولم يخلف إلا تبعا، بجزء قل أو كثر شاع وعلم بساقيت»، وأشار إلى المساقاة على الزرع بقوله: «كزرع وقصب وبصل ومقثأة إن عجز ربه وخيف موته وبرز ولم يبد صلاحه».

стр. 1771

• قوله: ٩٦ - «ولا يشترط عليه عملا غير عمل المساقاة». ما يمكن أن يقوم به العامل أقسام ثلاثة أحدها هو اللازم له سواء اشترطه عليه رب الأرض أولا، والثاني ما يلزمه بالشرط، والثالث هو ما لا يجوز اشتراطه وهو الخارج عن المساقاة، كأن يشترط المساقي على العامل رعي غنم له، أو نقل متاع، أو بناء مسكن، لأن العقود بعضها مستقل عن بعض، فلو اشترط عليه شيئا من ذلك كان فيه نقص في الجزء الشائع الذي جعله له نظير العمل، فيؤدي إلى جهالة في العوض، تنضاف إلى ما تقدم من الغرر والجهالة الناشئة عن كون هذا العقد مستثنى من ممنوع فيعظم الخطر.

стр. 1772

• قوله: ٩٧ - «ولا عمل شيء ينشئه في الحائط إلا ما لا بال له من شد الحظيرة وإصلاح الضفيرة وهي مجتمع الماء من غير أن ينشئ بناءها». الحظيرة هي الحائط المحيط بالبستان، والضفيرة بالضاد الموضع الذي يجتمع فيه الماء لأجل السقي منه، وأقول ما يلزم للقيام على إصلاح النبات والشجر والوفاء بسائر ما هو في حاجة إليه قسمان: الوسائل الدائمة التي لا تستهلك في المساقاة، كحفر البئر، وبناء أحواض الماء، ووسائل التخزين، وتسوير الحدائق، وإنشاء الحظائر، ونحو ذلك، فهذا وإن كانت له علاقة بالمساقاة فلا يجوز أن يشترط على العامل، لأنه مما يبقى في الأرض ويستمر نفعه لصاحبها بعد انتهاء أجل المساقاة، لكن ما تعلق بإصلاح الموجود من الوسائل مما لا بال له لخفة النفقة فيه يجوز اشتراطه كشد سور الحظيرة والحوض ونحو ذلك، والظاهر أنه إن دخله فساد خفيف بعد العقد فهو على العامل من غير شرط لتوقف العمل عليه، والقسم الثاني ما يتوقف إصلاح الثمرة عليه كأدوات الحرث والحصاد، وسائر الأعمال المرتبطة بذلك، فهذا لا حاجة إلى اشتراطه.

стр. 1773

• قوله: ٩٨ - «والتذكير على العامل وتنقية مناقع الشجر وإصلاح مسقط الماء من الغرب وتنقية العين وشبه ذلك جائز أن يشترط على العامل». هذه بعض أفراد العام في قوله: «والعمل كله على المساقَى»، والتذكير هو التأبير والتلقيح وقد تقدم معناه، والمناقع جمع منقع بفتح القاف الموضع الذي يستنقع فيه الماء أي يجتمع، والمراد الحُفر التي تحيط بالشجر يفرغ فيها الماء لسقيه، والمسقط موضع سقوط الماء من الغرب الذي هو الدلو، ومثله غيره من أدوات السقي، فهذا ومثله مما له علاقة بإصلاح الثمر هو من صميم عمل العامل في المساقاة، فيدخل في عقدها من غير شرط، لأنه لا بد منه في إصلاح الثمرة والزرع وسقيه، ولو اختلف فيه لكان الحكم لصاحب الأرض فاشتراطه بذكره في عقد المساقاة هو من باب التوكيد، فلا مانع منه نظير تعاقد المسلمين على أن يأمرا بالمعروف وينهيا عن المنكر، أو اشتراط الرجل على من يريد التزوج بها أن لا تخرج إلا بإذنه، فلا يصح أن يفهم من كلام المؤلف أن ما ذكره هنا إن لم يشترط فلا يلزم العامل القيام به.

стр. 1774

• قوله: ٩٩ - «ولا تجوز المساقاة على إخراج ما في الحائط من الدواب، وما مات منها فعلى ربه خَلَفُهُ، ونفقة الدواب والأجراء على العامل». وسائل العمل التي تكون وقت عقد المساقاة في الأرض لا يجوز التعاقد على إخراجها من العمل بحيث لا ينتفع بها العامل كالدواب التي يحرث عليها، ومنها الآن الجرارات التي للحرث والحاصدات والمحركات لاستخراج الماء والحراس والعمال، وما ضاع منها فعلى رب الأرض وحده خَلَفُهُ، لأنه لما كان عدم إخراجها شرطا في المساقاة لزم إحضار غيرها متى تلفت، ومن مات من الرقيق أو غاب أو مرض فعلى رب المال أن يخلفه». أما العامل فعليه أجرة العاملين ونفقة الدواب ويقاس عليها الآن نفقات استهلاك الماء والكهرباء ووقود الآلات ونحوها، لأن ذلك من توابع عمله الذي تعاقد عليه كما مر في الأحاديث، وعلى صاحب الأصل أجرة ما كان في الحائط من العمال قبل العقد، قال مالك: «إن أحسن ما سمع في عمال الرقيق في المساقاة يشترطهم المساقي على صاحب الأصل إنه لا بأس بذلك، لأنهم عمال المال، فهم بمنزلة المال لا منفعة فيهم للداخل، إلا أنه تخف بهم عنه المؤونة، وإن لم يكونوا في المال اشتدت مؤونته،،»، وقال: «وإنما مساقاة المال على حاله الذي هو عليه».

стр. 1775

• قوله: ١٠٠ - «وعليه زريعة البياض اليسير، ولا بأس أن يلغى ذلك للعامل، وهو أحله، وإن كان البياض كثيرا لم يجز أن يدخل في مساقاة النخل إلا أن يكون قدر الثلث من الجميع فأقل». المراد بالبياض الأرض التي لا شجر فيها سواء أكانت مستقلة أم بين صفوف الأشجار، فهذه يجوز أن تدخل في عقد المساقاة، ويكون بذرها على نفقة العامل متى كان ثمن كراء البياض منفردا يُمثل ثلثَ قيمة الثمرة فأقل، وقاعدة الثلث معروفة عندهم، وقد استثني هذا مما سيأتي في شروط صحة المزارعة، وهو أن الأرض ينبغي أن تسلم من أن تقع في مقابل ما يخرج منها، وإنما جاز ذلك لأنه حصل تبعا ولم يقع استقلالا، وجعلوه على العامل لأن النبي ﷺ لم يرو عنه أنه دفع شيئا لأهل خيبر، وبيان ذلك أنهم إن زرعوا ذلك البياض فإن أخذ النصف المتفق عليه يشمله، أو يقال إن البياض مسكوت عنه، وهو إن زرع داخل في العقد ولم يثبت أن النبي ﷺ أعطاهم شيئا مقابل زراعته، وقول المصنف: «ولا بأس أن يلغى ذلك للعامل، وهو أحله»، معناه أن ترك البياض للعامل يزرعه ويأخذ ما نتج منه خير من إدخاله في عقد المساقاة لما في ذلك من مخالفة الأصل المتقدم.

стр. 1776

• قوله: ١٠١ - «والشركة في الزرع جائزة». هذه هي المزارعة وهي الاشتراك في زراعة الأرض البيضاء، وقد علمت قبل أن المساقاة تكون في الشجر وسائر الأصول، كما تكون في الزرع بعد ظهوره على ما تقدم من الشرط في ذلك، وإنما ذكرت هذا لاختلاف العلماء فيما تطلق عليه هذه الألفاظ: المزارعة والمساقاة والمغارسة وتأجير الأرض، فكن من هذا على ذكر حتى لا يلتبس عليك الأمر. فإن قلت: قد روى مسلم (١٥٤٩) عن ثابت الضحاك أن رسول الله ﷺ نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة وقال: «لا بأس بها»، فالجواب: أن المراد بالمزارعة في الحديث هي مؤاجرة الأرض على غير وجه المشاركة الذي هو المراد هنا، وانظر شرح الأبي على صحيح مسلم (٥/ ٣٩٦)، والمزارعة على وجه المشاركة ليست ممنوعة متى كان العوض معلوما، فقد روى الترمذي وصححه عن ابن عباس أن النبي ﷺ لم يحرم المزارعة، ولكن أمر أن يرفق بعضهم ببعض»، وسيأتي لهذا مزيد بيان في كراء الأرض. أما دليل جواز الشركة في الزرع فهو دليل جواز الشركة بإطلاق، وقد اختلف في لزوم عقدها، والذي يتجه أن يقال إنه غير لازم لما يترتب على ذلك من تعاظم الغرر، وقد اغتفر في الأصل للمصلحة، فإن تبين خلافها أمكن التراجع. قال الأبي في شرحه لصحيح مسلم (٥/ ٤٠١): «لأن الأصل أنه متى كان العوضان أو أحدهما مجهولا فالعقد غير لازم، كالقراض والجعالة والمزارعة على أحد الأقوال، لأن اللزوم مع الجهالة غرر»، انتهى. وقال خليل: «لِكُلٍّ فَسْخُ المزارعة إن لم يبذر»، انتهى، ولجوازها في المذهب شروط فالعاقدان يشترط فيهما أهلية الشركة والإجارة لكون المزارعة مركبة منهما، والثاني أن يقع العقد بلفظ الشركة، قالوا لكونها رخصة فلا يصح بلفظ الإجارة، والذي يظهر أن تعليل

стр. 1777

عدم جواز العقد بغير لفظ الشركة سببه ما في غيره من الإبهام، فالإجارة العوض فيها مضمون، والمزارعة لا ضمان فيها، والثالث أن تسلم الأرض من أن تقع في مقابل ما يمتنع كراؤها به وهو الطعام ولو كان غير خارج من الأرض المشترك فيها، وكذلك ما تنتجه الأرض ولو لم يكن طعاما، والرابع أن يتساوى العاقدان في الربح على نسبة ما يلزم كلا منهما من العمل وقيمة الأرض والبذر، لأن سنة الشركة التساوي، قال خليل في بيان الأمرين المتقدمين: «وصحت إن سلما من كراء الأرض بممنوع، وتساويا إلا لتبرع بعد العقد»، انتهى، فمثلا إذا كان أحدهما مالكا للأرض أو مكتريا لها وكانت قيمة ذلك عشرة آلاف دينار وتولى الشريك العمل بخمسة آلاف دينار والآلات بخمسة آلاف دينار، وكان على كل منهما نصف البذر فإن الربح يكون بينهما مناصفة، وليس المقصود إلا أن يكون الربح بمقدار سهم المشاركة في المؤونة، والخامس خلط البذر إن كان منهما جميعا، والمقصود أن لا يختص كل منهما ببذره في ناحية لأن هذا يتعارض مع الاشتراك، وبناء على ما ذكر أورد الشيخ ﵀ ثماني صور من عقد الشركة في الزرع بالمنطوق والمفهوم أربعة جائزة وأربعة ممنوعة، ولا بأس بذكرها لما فيها من التدرب، وكتب الفقه لا تخلو من مثل هذا، فقال:

стр. 1778

• قوله: ١٠٢ - «إذا كانت الزريعة منهما جميعا، والربح بينهما، كانت الأرض لأحدهما والعمل على الآخر، أو العمل بينهما واكتريا الأرض، أو كانت بينهما». الزريعة بتخفيف الراء هي البذر، وقد ذكر هنا ثلاث صور جائزة هي: ١ - أن يشتركا في البذر، والأرض لأحدهما، والعمل على الآخر. ٢ - أن يكون العمل بينهما، والأرض لهما، والبذر بينهما. ٣ - أن تكون الأرض لهما والعمل والبذر عليهما.

стр. 1779

• قوله: ١٠٣ - «أما إن كان البذر من عند أحدهما ومن عند الآخر الأرض، والعمل عليه، أو عليهما، والربح بينهما لم يجز». ذكر هنا الصور الثلاثة الممنوعة، وسبب المنع أن الأرض واقعة في مقابل ما يخرج منها، والصور هي: ١ - أن يكون على أحدهما البذر والعمل، وعلى الآخر الأرض. ٢ - أو يكون على أحدهما البذر وعلى الآخر الأرض والعمل. ٣ - أو يكون على أحدهما البذر وعلى الآخر الأرض، والعمل بينهما.

стр. 1780

• قوله: ١٠٤ - «ولو كانا اكتريا الأرض والبذر من عند واحد وعلى الآخر العمل جاز إذا تقاربت قيمة ذلك». هذه رابعة الصور الجائزة وهي ما إذا كانا يملكان الأرض أو منفعتها، أو هي لواحد منهما ملكا أو كراء، وأعطاه الآخر ما يقابل كراء سهمه في الشركة، وكان البذر على أحدهما، والعمل على الآخر، وساوت قيمة البذر العمل أو قاربت مساواته. وقد أشار إلى الصورة الرابعة الممنوعة بالمفهوم في قوله «إذا تقاربت قيمة ذلك»، فمفهومه أن الصورة السابقة تمنع متى تفاوتت قيمة البذر والعمل تفاوتا كثيرا، وهذا جدول فيه بيان تلك الصور: الصور الجائزة والممنوعة في عقد شركة الزرع الأرض البذر العمل الحكم على الأول عليهما على الثاني جائز عليهما عليهما عليهما جائز لهما كراء عليهما على واحد جائز على الأول على الثاني على الثاني ممنوع على الأول على الثاني على الأول ممنوع على الأول على الثاني عليهما ممنوع عليهما على الأول على الثاني جائز (تقارب القيمة) عليهما على الأول على الثاني ممنوع (تباعد القيمة)

стр. 1781

ولا بد بعد هذا من الكلام على أمرين أولهما أن ما اشترطوه من التساوي في الربح بحسب ما على كل منهما من المؤونة اعتمادا على أن سنة الشركة التساوي، وإلا كان العقد باطلا، فهذا حق بحسب الأصل متى تشاحا، لكن مخالفته لا تمنع الصحة متى تراضيا على خلافه لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]، ولقول النبي ﷺ : «إنما البيع عن تراض»، والثاني أن ما ذكر من المنع فيما إذا وقعت الأرض في مقابل البذر، قد جاء ما يدل على جوازه، أو لم تعلم أن النبي ﷺ عامل يهود خيبر ولم يكن يبعث لهم بالبذر، وممن قال بجواز ذلك الداودي، كان ﵀ يرى جواز كراء الأرض بما يخرج منها، وقريب منه قول الأصيلي ويحيى ابن يحيى الليثي، كما ذكره ابن ناجي وزروق في شرحيهما على الرسالة. وقال ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٣٤٥) وهو بصدد الأحكام التي تستفاد مما جرى في غزوة خيبر وما بعدها: «ومنها جواز المساقاة والمزارعة بجزء مما يخرج من الأرض من ثمر أو زرع، كما عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر على ذلك، واستمر ذلك إلى حين وفاته لم ينسخ البتة، واستمر عمل الخلفاء الراشدين عليه، وليس هذا من باب المؤاجرة في شيء، بل من باب المشاركة وهو نظير المضاربة سواء، فمن أباح المضاربة وحرم ذلك فقد فرق بين متماثلين»، انتهى، وقال: «ومنها أنه دفع إليهم الأرض على أن يعملوها من أموالهم ولم يدفع إليهم البذر ولا كان يحمل إليهم البذر من المدينة قطعا، فدل على أن هَدْيَهُ عدم اشتراط كون البذر من رب الأرض، وأنه يجوز أن يكون من العامل، وهذا كان هديه ﷺ وهدي الخلفاء الراشدين من بعده، وكما أنه هو المنقول فهو الموافق للقياس، فإن الأرض بمنزلة رأس المال في المضاربة، والبذر يجري مجرى سقي الماء، ولهذا يموت في الأرض ولا يرجع إلى صاحبه، ولو كان بمنزلة رأس المال في المضاربة لاشترط عوده إلى صاحبه وهذا يفسد المزارعة»، انتهى، وقد علمت ما اعتمد عليه في جواز كون بذر الأرض البيضاء من العامل في المساقاة وهو كون النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه أعطى لليهود زرعا، وذلك عند قول المؤلف «وعليه زريعة البياض»، فهذا حق، لكنهم حكموا فيه قاعدة الثلث، فكأنهم يقولون إن الأرض البيضاء التي عمل فيها يهود خيبر لم تصل إلى أكثر من ثلث قيمة الثمر، وهذا مجرد تخمين وظن وتخصيص النصوص بالرأي، والله أعلم.

стр. 1782

• قوله: ١٠٥ - «ولا ينقد في كراء أرض غير مأمونة فبل أن تروى». بيان ما ذكره المؤلف هنا أن الأرض إذا اكتريت للزراعة فإما أن تكون مأمونة الري أو لا، فإن كانت مأمونة الري جاز أن يؤخذ عوض تأجيرها قبل زرعها، وإن لم تكن مأمونة الري فلا يجوز تقديم عوض الإيجار على زرعها لأنها إن لم يمكن ريها لزم رد ثمن الإيجار، وإن أرويت فقد مضت الصفقة، فمنع تقديم مبلغ الإيجار للتردد بين كونه سلفا تارة وثمنا أخرى كما مر في بيع الخيار والبيع على الصفة وغيرهما. وقد جاء من الأدلة ما أخذ منه بعض أهل العلم منع كراء الأرض الزراعية، وهي من المسائل التي اضطربت فيها أقوال أهل العلم اضطرابا كثيرا، فمنهم من منع كراء الأرض مطلقا، ومنهم من منع كراءها بالطعام أو بما يخرج منها، وهو المذهب، ومن أدلة المانعين قول النبي ﷺ : «من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه، ولا يكرها بثلث ولا ربع ولا بطعام مسمى»، رواه أحمد وأبو داود والبيهقي عن رافع بن خديج، ومعنى قوله «ليزرعها أخاه» أي لبمنحها له كما في حديث الشيخين وغيرهما عن جابر وأبي هريرة مرفوعا: «من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يستطع أن يزرعها وعجز عنها، فليمنحها أخاه المسلم، ولا يؤاجرها، فإن لم يفعل فليمسك أرضه»، ومن ذلك ما رواه مسلم عن سالم بن عبد الله قال: لقي عبد الله ابن عمر رافع بن خديج فسأله فقال: سمعت عَمَيَّ- وكانا قد شهدا بدرا - يحدثان أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض»، وفي الحديث أن ابن عمر ترك كراء الأرض. وجاء أيضا ما يدل على جواز كرائها، فمن ذلك ما رواه مسلم عن حنظلة بن قيس قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والفضة، قال: لا بأس به، إنما كان الناس على عهد رسول الله ﷺ يؤاجرون على الماذيانات وأَقبال الجداول وأشياء من

стр. 1783

الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا،، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به»، وهو في الموطإ (١٣٨٩) مختصرا عن رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء المزارع، قال حنظلة فسألت رافع بن خديج بالذهب والوَرِق؟، فقال: أما بالذهب والوَرِق فلا بأس به»، وجاء هذا في الموطإ من قول سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، قال ابن شهاب: فقلت له: أرأيت الحديث الذي يذكر عن رافع بن خديج؟، فقال: أكثر رافع، ولو كان لي مزرعة أكريتها»، انتهى، فسالم لم يعلم بما ذهب إليه رافع من استثناء كراء الأرض بالذهب والفضة، وقد تقدم أنه روى عنه المنع مطلقا، فهذا إذا جمع بينه وبين حديث رافع الذي فيه النهي مطلقا كان القانون الأصولي قاضيا بحمل المطلق على المقيد فيجوزكراء الأرض بالذهب والفضة وهكذا كراؤها بشيء معلوم من العروض، لكن المذهب عدم جواز ذلك بالطعام مطلقا، أما كراؤها بما يخرج منها فممنوع لما فيه من الغرر، وإنما يجوز من ذلك المساقاة والمزارعة وهي رخصة كما سبق، أما الأحاديث التي لا يتأتى فيها هذا الجمع فإن ثبوت الإذن في إجارة الأرض يقضي بلزوم صرف النهي عن دلالته الأصلية التي هي التحريم إلى الكراهة، وقد بين ذلك العلامة الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار (٥/ ٧ - ١٨)، فانظره. فإجارة الأرض للزراعة جائزة بشرط أن لا تكون مزروعة ولا مغروسة، وأن لا تؤجر بطعام كان مما يخرج منها أو لا، ولا بشيء يخرج منها طعاما كان أو غير طعام، وقد قال مالك يبين وجه الفرق بين المساقاة وتأجير الأرض: «وإنما فرق بين المساقاة في النخل والأرض البيضاء أن صاحب النخل لا يقدر أن يبيع ثمرها حتى يبدو صلاحه، وصاحب الأرض يكريها وهي أرض بيضاء لا شيء فيها»، انتهى. وجمهور أهل العلم على أن كراء الأرض لا يصح متى كانت مغروسة لأنه في معنى بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وقد جاء النهي عنه، بل فيه بيعها قبل وجودها، لأنه لا بد أن يكون لها حصة في مبلغ الأجرة، وقد جاء النهي عن بيع السنين، وهذا يشبهه، ونقل ابن المنذر الإجماع على أن بيع ثمر النخل سنين لا يجوز، وبين أنه إن أكراه أرضا مغروسة فهذا كأنه باعه الثمر، ومع هذا قال الإمام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى (٢٩/ ٥٥) بعد

стр. 1784

أن ذكر قولين للعلماء في كراء الأرض المغروسة أولهما: المنع مطلقا، والثاني: جواز ذلك فيما إذا كان الشجر قليلا لأنه تبع، وهو مذهب مالك، قال: «والقول الثالث أنه يجوز استئجار الأرض التي فيها شجر، ودخول الشجر في الإجارة مطلقا،،، وهذا القول كالإجماع من السلف، وإن كان المشهور عن الأئمة المتبوعين خلافه،،،»، انتهى بتصرف، وقد ذكر بعد هذا آثارا تدل على ما قاله، كما ذكر ما أجاب به من ذهب إلى المنع من التخريج له، وانظر ص (٤٧٨) منه، فإنه من الأهمية بمكان، والله المستعان.

стр. 1785

• قوله: ١٠٦ - «ومن ابتاع ثمرة في رؤوس الشجر فأجيح ببرد أو جراد أو جليد أو غيره، فإن أجيح قدر الثلث فأكثر وضع عن المشتري قدر ذلك من الثمن وما نقص عن الثلث فمن المبتاع». الجوائح جمع جائحة، وهي ما يصيب الثمر والزرع مما لا يستطاع دفعه كالبرد والحر الشديد والريح العاصف والجراد والجيش ونحو ذلك، واختلف في السارق هل يدخل في الجائحة؟، واعتمد من لم يدخله على أنه يمكن الاحتراز منه ولقول النبي ﷺ : «إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك»، رواه الشيخان (م/ ١٥٥٥) عن أنس، ووجه الدلالة أن منع الثمرة يشبه اجتياحها بعد وجودها بنازل سماوي، والسرقة ليست كذلك، وروى أبو داود عن عطاء قال: «الجوائح كل ظاهر مفسد من مطر أو برد أو جراد أو ريح أو حريق»، وقد روى أحمد وأبو داود والنسائي عن جابر «أن النبي وضع الجوائح»، وأقوى منه في الدلالة ما جاء عند مسلم وهو أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح»، وأقوى مما تقدم أن رسول الله ﷺ قال: «لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق»؟، رواه مسلم وأبو داود (٣٤٧٦) وابن ماجة وقد حد ابن عرفة الجوائح بقوله: «ما أتلف من معجوز عن دفعه عادة قدرا من ثمر أو نبات بعد بيعه»، انتهى، وقيد «بعد بيعه» لأنه هو الذي يبحث في الفقه باعتبار أنه سبب في الوضع عن المشتري، فما أصاب الثمرة من الجوائح بعد بيعها والحال أن صلاحها قد بدا، ولم يحن وقت جذاذها، أو بيعت قبل ذلك بشرط الجذاذ، فإما أن يكون ما ضاع دون الثلث أو الثلث فما فوقه، فإن كان دون الثلث فلا يوضع شيء عن المبتاع، لأنه قد دخل على ضياع شيء منها بتلفه بريح أو سقوطه أو أكل الطير أو غيره، وإن كان الضائع الثلث فما زاد وضع عنه بمقدار المكيلة لا القيمة، ولم يرد في الحد بالثلث شيء من المرفوع يعتد

стр. 1786

به، وقد روى أبو داود عن يحي بن سعيد قوله: «لا جائحة فيما أصيب دون ثلث رأس المال، وذلك في سنة المسلمين»، وقد اعتمد أهل المذهب الثلث في مسائل عدة واستأنسوا بقول النبي ﷺ : «الثلث والثلث كثير»، قال في الموطإ: «والجائحة التي توضع عن المشتري الثلث فصاعدا، ولا يكون ما دون ذلك جائحة»، انتهى، وهو منحى ضعيف في الاستدلال كما قال ابن رشد في بداية المجتهد ونهاية المقتصد.

стр. 1787

• قوله: ١٠٧ - «ولا جائحة في الزرع ولا فيما اشتري بعد أن يبس من الثمار». إنما لم تعتبر الجائحة في الزرع لأنه لا يباع إلا بعد اليبس، فتأخيره بعد بيعه محض تفريط من المشتري، فلا يوضع عنه شيء، ومثل ذلك ما اشتري من الثمار بعد بدو الصلاح متى جذ في أيامه هكذا قالوا، وهو تعليل لا يتجه دائما للتفريق بين ما يوضع وما لا يوضع.

стр. 1788

• قوله: ١٠٨ - «وتوضع جائحة البقول وإن قلت، وقيل لا يوضع إلا قدر الثلث». البقول هي النبات الذي لا تطول مدة بقائه في الأرض كالجزر والبصل والخس والسلق، فهذه ونحوها اختلف فيها، فقيل لا يحد ما يوضع منها بالثلث، إلا أن يكون المجاح قليلا جدا، وقيل هي كغيرها في الوضع، بالقياس على الثمار وهي إنما يوضع فيها الثلث، وقد نقل هذا عن مالك علي بن زياد وابن أشرس، وعللوا الأول بأنها تجتنى شيئا فشيئا فيعسر معرفة ثلثها، وعلل ذلك بعضهم بأن غالب الجائحة في البقول من العطش، وقد نقل ابن رشد الاتفاق على وضع الجائحة متى كان هو سببها، بل نقل عن مالك أن الجائحة بسبب العطش يوضع قليلها وكثيرها، جاء ذلك عنه في الواضحة كما في المنتقى (٤/ ٢٣٣)، لكن الغالب الذي عللوا به إنما يصدق على ما كان من البقول تحت التراب كالبطاطا واللفت والجزر، أما ما كان ظاهرا كالباذنجان والفلفل ونحوهما فلا تقتصر الجائحة فيها على العطش، وحتى الأول فقد يجاح بغير العطش.

стр. 1789

• قوله: ١٠٩ - «ومن أعرى ثمر نخلات لرجل من جنانه فلا بأس أن يشتريها إذا أزهت بِخِرْصِهَا تمرا يعطيه ذلك عند الجذاذ، إن كان فيها خمسة أوسق فأقل، ولا يجوز شراء أكثر من خمسة أوسق إلا بالعين والعرض». روى مالك ومن طريقه البخاري ومسلم عن زيد بن ثابت «أن رسول الله ﷺ أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها»، وعن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع التمر بالتمر، ورخص في العرايا أن تشترى بخرصها يأكلها أهلها رطبا»، وإنما قال نهى عن بيع التمر بالتمر لأن التفاضل ممنوع، والتجارة إنما تراد للربح، وروى مالك عن أبي هريرة مرفوعا أن رسول الله ﷺ أرخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق»، يشك داود»، وداود هو ابن الحصين شيخ مالك في الحديث، وقد رواه صاحبا الصحيح من طريق مالك أيضا. وهذا الباب يعرف بباب العرايا، وإنما أخر الكلام عليه لأنه مركب من كون الشخص يعطي، ثم يشتري عطيته ممن أعطاه إياها للمصلحة، يقال عروته أعروه إذا طلبت معروفه، فالعرية فعيلة بمعنى مفعولة، أي معروة، والمراد هنا أن يمنح المرء ثمر نخلة أونخلات إلى غيره العام والعامين، ثم يشتريها منه لما قد يكون للمعرى من المصلحة في أخذ العوض، وللمعري من دفع الحرج الحاصل من دخول الممنوح حائطه، فالقصد من الحديث عنها ليس لمجرد كونها عطية، فإن موضعه في باب الهبة، بل لبيان شروط بيعها، وكونها مستثناة من أصل ممنوع، وهو بيع التمر بالتمر إلا مثلا بمثل، والمثلية لا تتحقق في بيع الرطب منه باليابس، فيكون من المزابنة المنهي عنها، لأن الجهل بالتساوي كتحقق التفاضل، وقول المؤلف بِخِرْصِهَا هو بكسر الخاء أي بقدر كيلها، أما الخَرْصُ بفتح الخاء فهو اسم للفعل.

стр. 1790

قال مالك: «وإنما تباع العرايا بِخِرْصِهَا من التمر يتحرى ذلك ويخرص في رؤوس النخل وإنما أرخص فيه لأنه أنزل منزلة التولية والإقالة والشرك، ولو كان بمنزلة البيوع ما أشرك أحد أحدا في طعامه حتى يستوفيه، ولا أقاله منه، ولا ولاه أحدا حتى يقبضه المبتاع»، انتهى. وقد ذكر أبو الحسن لجواز بيع العرايا شروطا تسعة أذكرها هنا مع تعقب ما يحتاج إلى تعقب: أن تكون بلفظ العرية، لا بلفظ العطية والهبة والمنحة. فإن قلت: لا عبرة باللفظ حيث تبين المعنى، فالجواب: أن العرية عند ابن القاسم أن يعطيه الثمرة على وجه مخصوص، بحيث يكون على المعرى ما يلزمها إلى وقت بدو صلاحها، ولفظ الهبة ونحوها لا يقتضي هذا، بل هو ظاهر في خلافه، وعليه إذا تعارف الناس على تحمل المعرى مؤونة ذلك جازت بغير لفظ العرية عند من لا يجيزها بغيره إذ إن التزام اللفظ في مثل هذا غير متعبد به. أن يكون المشتري هو صاحب الحائط، وقد أخذ هذا مما في الحديث أعني قول الراوي «يأكلها أهلها رُطبا»، ولأن بيعها لغير أهلها لا يحقق الحكمة التي شرعت من أجلها، بل ربما ازداد به الضرر. أن لا يبيعها حتى يبدو صلاحها، وقد أشار إلى ذلك المؤلف بقوله إذا أزهت»، ويؤخذ هذا الشرط من النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، لكن هذا الشرط المراد منه بيان وقت جواز البيع فينبغي أن يراعى في ذلك ما جاء في الشرط الموالي، وهو: أن لا يعطى العوض إلا يوم الجذاذ، إما لأنه قد لا يجذها لجائحة تصيبها، أو ليسلم من النسيئة في بيع الربويات، فلا يجتمع في البيع ما يمكن تلافي بعضه من المخالفات. أن يكون المشترى جملتها لا بعضها حيث كانت الجملة داخل المقدار المرخص بشرائه كما سيذكر. أن يبيعها بخرصها بأن يقال: كم في هذه النخلة من وسق؟، فيقال: ثمانية أوسق، فيقال: كم ينقص الرطب إذا جف؟، فيقال: تصير الثمانية خمسة، فيعطيه خمسة أوسق تمرا يوم الجذاذ.
следующие страницы →