← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

به، وقد روى أبو داود عن يحي بن سعيد قوله: «لا جائحة فيما أصيب دون ثلث رأس المال، وذلك في سنة المسلمين»، وقد اعتمد أهل المذهب الثلث في مسائل عدة واستأنسوا بقول النبي ﷺ : «الثلث والثلث كثير»، قال في الموطإ: «والجائحة التي توضع عن المشتري الثلث فصاعدا، ولا يكون ما دون ذلك جائحة»، انتهى، وهو منحى ضعيف في الاستدلال كما قال ابن رشد في بداية المجتهد ونهاية المقتصد.

стр. 1787

• قوله: ١٠٧ - «ولا جائحة في الزرع ولا فيما اشتري بعد أن يبس من الثمار». إنما لم تعتبر الجائحة في الزرع لأنه لا يباع إلا بعد اليبس، فتأخيره بعد بيعه محض تفريط من المشتري، فلا يوضع عنه شيء، ومثل ذلك ما اشتري من الثمار بعد بدو الصلاح متى جذ في أيامه هكذا قالوا، وهو تعليل لا يتجه دائما للتفريق بين ما يوضع وما لا يوضع.

стр. 1788

• قوله: ١٠٨ - «وتوضع جائحة البقول وإن قلت، وقيل لا يوضع إلا قدر الثلث». البقول هي النبات الذي لا تطول مدة بقائه في الأرض كالجزر والبصل والخس والسلق، فهذه ونحوها اختلف فيها، فقيل لا يحد ما يوضع منها بالثلث، إلا أن يكون المجاح قليلا جدا، وقيل هي كغيرها في الوضع، بالقياس على الثمار وهي إنما يوضع فيها الثلث، وقد نقل هذا عن مالك علي بن زياد وابن أشرس، وعللوا الأول بأنها تجتنى شيئا فشيئا فيعسر معرفة ثلثها، وعلل ذلك بعضهم بأن غالب الجائحة في البقول من العطش، وقد نقل ابن رشد الاتفاق على وضع الجائحة متى كان هو سببها، بل نقل عن مالك أن الجائحة بسبب العطش يوضع قليلها وكثيرها، جاء ذلك عنه في الواضحة كما في المنتقى (٤/ ٢٣٣)، لكن الغالب الذي عللوا به إنما يصدق على ما كان من البقول تحت التراب كالبطاطا واللفت والجزر، أما ما كان ظاهرا كالباذنجان والفلفل ونحوهما فلا تقتصر الجائحة فيها على العطش، وحتى الأول فقد يجاح بغير العطش.

стр. 1789

• قوله: ١٠٩ - «ومن أعرى ثمر نخلات لرجل من جنانه فلا بأس أن يشتريها إذا أزهت بِخِرْصِهَا تمرا يعطيه ذلك عند الجذاذ، إن كان فيها خمسة أوسق فأقل، ولا يجوز شراء أكثر من خمسة أوسق إلا بالعين والعرض». روى مالك ومن طريقه البخاري ومسلم عن زيد بن ثابت «أن رسول الله ﷺ أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها»، وعن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع التمر بالتمر، ورخص في العرايا أن تشترى بخرصها يأكلها أهلها رطبا»، وإنما قال نهى عن بيع التمر بالتمر لأن التفاضل ممنوع، والتجارة إنما تراد للربح، وروى مالك عن أبي هريرة مرفوعا أن رسول الله ﷺ أرخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق»، يشك داود»، وداود هو ابن الحصين شيخ مالك في الحديث، وقد رواه صاحبا الصحيح من طريق مالك أيضا. وهذا الباب يعرف بباب العرايا، وإنما أخر الكلام عليه لأنه مركب من كون الشخص يعطي، ثم يشتري عطيته ممن أعطاه إياها للمصلحة، يقال عروته أعروه إذا طلبت معروفه، فالعرية فعيلة بمعنى مفعولة، أي معروة، والمراد هنا أن يمنح المرء ثمر نخلة أونخلات إلى غيره العام والعامين، ثم يشتريها منه لما قد يكون للمعرى من المصلحة في أخذ العوض، وللمعري من دفع الحرج الحاصل من دخول الممنوح حائطه، فالقصد من الحديث عنها ليس لمجرد كونها عطية، فإن موضعه في باب الهبة، بل لبيان شروط بيعها، وكونها مستثناة من أصل ممنوع، وهو بيع التمر بالتمر إلا مثلا بمثل، والمثلية لا تتحقق في بيع الرطب منه باليابس، فيكون من المزابنة المنهي عنها، لأن الجهل بالتساوي كتحقق التفاضل، وقول المؤلف بِخِرْصِهَا هو بكسر الخاء أي بقدر كيلها، أما الخَرْصُ بفتح الخاء فهو اسم للفعل.

стр. 1790

قال مالك: «وإنما تباع العرايا بِخِرْصِهَا من التمر يتحرى ذلك ويخرص في رؤوس النخل وإنما أرخص فيه لأنه أنزل منزلة التولية والإقالة والشرك، ولو كان بمنزلة البيوع ما أشرك أحد أحدا في طعامه حتى يستوفيه، ولا أقاله منه، ولا ولاه أحدا حتى يقبضه المبتاع»، انتهى. وقد ذكر أبو الحسن لجواز بيع العرايا شروطا تسعة أذكرها هنا مع تعقب ما يحتاج إلى تعقب: أن تكون بلفظ العرية، لا بلفظ العطية والهبة والمنحة. فإن قلت: لا عبرة باللفظ حيث تبين المعنى، فالجواب: أن العرية عند ابن القاسم أن يعطيه الثمرة على وجه مخصوص، بحيث يكون على المعرى ما يلزمها إلى وقت بدو صلاحها، ولفظ الهبة ونحوها لا يقتضي هذا، بل هو ظاهر في خلافه، وعليه إذا تعارف الناس على تحمل المعرى مؤونة ذلك جازت بغير لفظ العرية عند من لا يجيزها بغيره إذ إن التزام اللفظ في مثل هذا غير متعبد به. أن يكون المشتري هو صاحب الحائط، وقد أخذ هذا مما في الحديث أعني قول الراوي «يأكلها أهلها رُطبا»، ولأن بيعها لغير أهلها لا يحقق الحكمة التي شرعت من أجلها، بل ربما ازداد به الضرر. أن لا يبيعها حتى يبدو صلاحها، وقد أشار إلى ذلك المؤلف بقوله إذا أزهت»، ويؤخذ هذا الشرط من النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، لكن هذا الشرط المراد منه بيان وقت جواز البيع فينبغي أن يراعى في ذلك ما جاء في الشرط الموالي، وهو: أن لا يعطى العوض إلا يوم الجذاذ، إما لأنه قد لا يجذها لجائحة تصيبها، أو ليسلم من النسيئة في بيع الربويات، فلا يجتمع في البيع ما يمكن تلافي بعضه من المخالفات. أن يكون المشترى جملتها لا بعضها حيث كانت الجملة داخل المقدار المرخص بشرائه كما سيذكر. أن يبيعها بخرصها بأن يقال: كم في هذه النخلة من وسق؟، فيقال: ثمانية أوسق، فيقال: كم ينقص الرطب إذا جف؟، فيقال: تصير الثمانية خمسة، فيعطيه خمسة أوسق تمرا يوم الجذاذ.

стр. 1791

أن لا يتجاوز المبيع خمسة أوسق، وفيه روايتان عن الإمام على وفق ما في الحديث من شك الراوي، والمشهور قصر المبيع على خمسة أوسق فما دونها، وهذا اتباع لما وجد عليه العمل، ولأن الخمسة أول مقادير المال الذي يجب فيه الزكاة من هذا الجنس، فقُصر الرفق على شرائها، فما زاد خرج إلى المال الكثير،،،»، قاله الزرقاني في شرحه على الموطإ (٣/ ٢٦٣)، والظاهر الأخذ بالأدنى للاحتياط، وذهب الباجي إلى اعتماد ما فيه التحديد لعسر ضبط ما دون الخمسة فإنه مشترك كذا علل في المنتقى (٤/ ٢٣٠)، فإن زاد عن خمسة أوسق فكما قال المؤلف: ولا يجوز شراء أكثر من خمسة أوسق إلا بالعين والعرض»، يريد أنه يجوز بيع العرية إذا تجاوز خرصها القدر المرخص فيه بالنقود أو بالعروض على الأصل، وإنما يشترط أن لا تباع حتى يبدو صلاحها، لكنهم قالوا لا يصح أن يجمع في ثمن العرية بين التمر وغيره، كأن يقول أشتري من العرية خمسة أوسق بخرصها تمرا، وما زاد أشتريه بعرض أو نقد. أن يكون العوضان من نوع واحد وهو المشار إليه بقوله بخرصها تمرا»، حتى لا يعظم الغرر. أن يكون الثمن في ذمة المعري لا في حائط معين، والله أعلم. تمّ الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث

стр. 1792

٣٥ - باب في الوصايا والمدبر والمكاتب والمعتق وأم الولد والولاء الوصايا جمع وصية، كهدايا وهدية، والوصية اسم مصدر أوصى يوصي إيصاء، ويقال وصى مضعفا يوَصي توصية، قال الحافظ في الفتح (٥/ ٤٣٦) «تطلق على فعل الموصي وعلى ما يوصي به من مال أو غيره من عهد ونحوه، فتكون بمعنى المصدر وهو الإيصاء، وتكون بمعنى المفعول وهو الاسم»، انتهى، وهي أبلغ من مجرد الأمر والنهي، ولذلك كان للتوصية عند حضور الموت أو توقعه - وهو متوقع باستمرار - ما لم يكن لغيره من الأوقات، وقال الأزهري: «الوصية من وصَيت الشيء بالتخفيف أصيه إذا وصلته، وسميت وصية لأن الميت يصل بها ما كان في حياته بعد مماته»، انتهى، يريد استمرار عمله وانتفاعه بماله أو بقوله، وقال في الصحاح: «ووصيت الشيء بكذا إذا وصلته»، انتهى. وقد حدها ابن عرفة بقوله: «عقد يوجب حقا في ثلث عاقده يلزم بموته أو نيابة عنه بعده»، انتهى، وهذا التعريف يزيد على تعريف الوصية عند الفُراض أعني أصحاب الفرائض، فإنها عندهم «عقد يوجب حقا في ثلث عاقده»، إذ لا صلة للإيصاء على رعاية الطفل، أو تزويج الجارية، أو قبض الدين، ونحو ذلك باستحقاق سهم في التركة، والوصية في اللغة والشرع أعم منها عند الفريقين جميعا. والمدبر اسم مفعول من دبر فلان غلامه إذا علق عتقه على موته، والمكاتب هو الذي يتعاقد مع مالكه على مال يدفعه له فإذا أتمه صار حرا، والمعتق هو المملوك يعلق تحريره على أجل، أو يعتق جبرا لأجل المثلة، أو لأجل السراية، أو بمجرد الملك، أو في الكفارة، وأم الولد هي الأمة تعتق جبرا بعد موت مالكها إن ولدت منه، أو أسقطت، والمراد بالولاء ولاية العتق لما فيها من صفة التعصيب عند عدم العاصب من النسب،

стр. 1793

ولذلك حده بعضهم بقوله: «صفة حكمية توجب لموصوفها حكم العصوبة عند عدمها»، انتهى، فهذه ستة أبواب جمعها في باب واحد قصد الاختصار. فأما الوصية فتكون بمال أو بغيره، والمال إما حق للغير أو تبرع، والوصية بغير المال قد تكون واجبة كما إذا علم الشخص أنه يفعل به بعد موته ما لا يجوز شرعا كبناء قبة عليه، أو البكاء عليه والعويل، أو دفنه في مسجد، أو ارتكاب مخالفة ما في تشييعه، وصناعة الطعام لغير الضيوف ولغير أهل الميت، وإحياء ذكرى وفاته، ونحو ذلك، فينبغي له أن ينهى أهله عن المخالفات ويعلمهم، وقد عرفنا في جِهَتِنَا بعض المنسوبين للعلم سكتوا عن بناء القباب على من تقدمهم فلما ماتوا بنيت عليهم القباب أو دفنوا في المساجد وغدا الناس يحتجون بأفعالهم أو بسكوتهم، فمن رأى الناس يفعلون هذا ولم ينه ولم يوص أثم إن حصل ما لم ينه عنه مما اعتادوا فعله، ولم يعرف إنكاره له في حياته، دل على ذلك قول النبي ﷺ : «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه»، رواه أحمد والشيخان وغيرهما عن ابن عمر، ورواه مالك (٥٥٥) في قصة إنكار عائشة على ابن عمر فهمه له، وهو عند أحمد وفي الصحيحين والسنن، والحق مع ابن عمر، ومن ذلك قوله ﷺ : «ما من ميت يموت فيقوم باكيه فيقول: «واجبلاه!، واسنداه!، أو نحو ذلك، إلا وكل به ملكان يلهزانه: هكذا كنت»؟، رواه الترمذي (١٠٠٣) عن أبي موسى الأشعري، ويلهزانه بفتح الهاء مضارع لهزه إذا ضربه بجُمع اليد في الصدر ودفعه، ويقولان له مع ذلك «هكذا كنت»؟، على وجه التبكيت والتقريع واللوم، والظاهر أن هذا فيمن لم ينه عما سَيُصْنَعُ به بعد موته إذ ما على المحسنين من سبيل، والله أعلم. وقد روى عبد الرزاق (١٦٣١٩) عن أنس قال: «كانوا يكتبون في صدور وصاياهم «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به فلان بن فلان أنه يشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٧]، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢]، وقوله كانوا يكتبون …

стр. 1794

الخ، يقصد الصحابة، وفيه إشارة إلى فشو ذلك فيهم. ويدل على تأكد الوصية أن النبي ﷺ وقد بلغ رسالة ربه وأكمل الله له ولأمته دينها، وأتم عليهم نعمته، ومع ذلك رغب أن يكتب قبيل وفاته لهم كتابا إلا أنه تركه بعد إشفاق بعض الصحابة عليه ﵃، والحديث في صحيح البخاري، وقد أوصى بكتاب الله، وأوصى أن لا يترك بجزيرة العرب دينان، وأن ينفذ بعث أسامة، وأن يجاز الوفد بمثل ما كان يجيزهم، وأوصى بالصلاة وما ملكت الأيمان، ولم يكن له مال يوصي فيه، وما كان له منه فإنه لا يورث فهو في مال المسلمين.

стр. 1795

• قوله: ٠١ - «ويحق على من له ما يوصي فيه أن يعد وصيته». دلّ على الوصية قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠]، وهذا ظاهر في الإيجاب، ودل على المشروعية عموما قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ (١١)﴾ [النساء: ١١]، وقد تكرر ذلك عقب ذكر ما فرض الله من الفرائض للوالدين والبنات والأخوات والأزواج، وقدم ذكر الوصية على الدَّيْنِ مع أنها تؤخر عنه في الإخراج للاهتمام بها، فإنها واقعة على وجه البر والإحسان والتبرع بخلاف الدَّيْنِ فأداؤه لازم، وكثيرا ما يطالب به الدائن بخلافها، وهي مما يستدرك به المؤمن ما فاته من الصدقات والتبرعات في صحته، كما يشير إليه حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم»، رواه الدراقطني (الوصايا/ ٣)، قال الحافظ في بلوغ المرام بعد ذكر من أخرجه غير الدارقطني: «وكلها ضعيفة لكن قد يقوي بعضها بعضا»، انتهى، وحسنه الألباني في الإرواء (ح/ ١٦٤١)، وعزاه الغماري في مسالك الدلالة للدارقطني من حديث أبي الدرداء، وليس هو عنده في الوصايا، وفي الحديث دليل على إبطال الوصية بما فيه معصية، لأنها زيادة في السيآت لا في الحسنات، والأدلة على ذلك لا تخفى، وفيه إشارة خفية إلى أن المطلوب أن يتصدق المرء أو يوصي وهو في حال الصحة وهو ما جاء مصرحا به في حديث أبي هريرة قال: «جاء رجل فقال يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرا»؟، قال: أن تصدق وأنت شحيح صحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان، رواه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة، وقال رسول الله ﷺ بعد أن وعظ أصحابه موعظة وجلت منها قلوبهم وذرفت عيونهم: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة،،،»، الحديث، وقال ﷺ : «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة»،

стр. 1796

رواه مالك (١٤٤٩) والشيخان وغيرهما عن ابن عمر ﵄، ومعناه لا ينبغي له خلاف ما ذكر لمنافاته الحزم والاحتياط لما يرغب فيه من الخير إن كان يريد التطوع بشيء من ماله، فكيف بالاحتياط للحقوق التي عليه نحو الناس أو الكفارات والنذور، وذكر الليلتين للتسامح فيهما، وفي بعض الروايات استثناء ثلاث ليال ولا تنافي، وذكر المسلم لأنه هو الذي يوجه إليه خطاب التكليف، لكن قال الحافظ: «هذا الوصف خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، أو ذكر للتهييج لتقع المبادرة إلى الامتثال لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك»، انتهى. قلت: بل له مفهوم، فإن الحديث ليس في إمضاء الوصية بل في التكليف بها ندبا أو إيجابا، والكافر غير معني بذلك، لأنه وإن كان مطالبا بفروع الشرع فإنها لا تصح منه، وإنما قال مكتوبة لأن ذلك أوثق في الإيصاء وألزم لمن بلغته، فيكون فيه دلالة على لزوم ما دونه، وهو الإشهاد الذي يتيسر للناس ما لا تتيسر لهم الكتابة، والإشهاد لا بد منه في المذهب حتى يلزم التنفيذ، إلا أن يقول ما وجدتم بخطي فأنفذوه. لكن قال محمد ابن إسماعيل الكحلاني في سُبل السلام (٣/ ١٠٤): «والتحقيق أن المعتبر معرفة الخط، فإذا عرف خط الموصي عمل به، ومثله خط الحاكم، وعليه عمل الناس قديما وحديثا، وقد كان رسول الله ﷺ يبعث الكتب يدعو فيها العباد إلى الله وتقوم عليهم الحجة بذلك،،،»، انتهى. قلت: ما قاله قد يأثم من خالفه متى علم أنه خط الموصي، وأنه لم يتراجع عنه. وحكم الوصية يختلف، فإن كان تطوعا بمال فحكمها الندب، وقيده بعضهم بما إذا كان له فضل مال لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾، أي مالا كثيرا، وجاء في حديث سعد بن أبي وقاص وسيأتي: «وأنا ذو مال»، وقوله ﷺ له: «أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس»، وكيف يستغنون والمال قليل؟، أما إن كان بأمر واجب عليه كالدين وأداء الودائع وحقوق الله كالزكاة والكفارات فالوصية واجبة، قال في النوادر: «وأما من عليه تباعة أو ما فرط فيه من كفارة وغيرها من زكاة وغير ذلك مما يوصي فيه فواجب عليه أن يوصي بذلك، وإنما يرخص في ترك التطوع»، انتهى، فإن كان الدين مما يتكرر مع قلته فلا

стр. 1797

يجب لما فيه من العسر. قال الباجي في المنتقى (٦/ ١٤٥): «فأما الديون التي جرت العادة أن تنعقد بها العقود ليست مما يتكرر كالديون التي لها قدر الأمانات من الودائع والوصايا تكون بيده من مال أيتام أو غير ذلك فإنه يجب عليه ذلك، وأما ما يكون من يسير الديون التي تتكرر، وتؤدى في كل يوم، وتزيد وتنقص وتتجدد، فإن ذلك يشق فيها، لأنه يقتضي أن تتجدد وصيته كل يوم،،،»، انتهى. وتحرم الوصية إذا كانت بمعصية كالإيصاء بشيء لمن يشرب به خمرا، قال النفراوي ﵀ في شرحه على الرسالة (٢/ ٢١٧): «وأما متولي أمر التركة بعد موت الموصي فيجب عليه تنفيذ حتى المباحة والمكروهة كالإيصاء بالقراءة على قبره، وكالإيصاء بضرب قبة عليه لغير المباهاة، وكالإيصاء بالحج عنه، أو الإيصاء بعمل مولد له بعد موته، أو للنبي ﷺ ، أو لغيره من صلحاء المسلمين»، انتهى. فانظر كيف جعل الوصية بالحج مكروهة إلى جانب الوصية ببناء قبة لغير المباهاة ومعها عمل مولد له أو للنبي ﷺ ، أو لغيره من الصلحاء؟، والقراءة على القبر، فمتى كانت المباهاة قيدا في المنع مما نهي عنه وهي منهي عنها لذاتها ولو كان ما رافقته عبادة لله؟، أو لم ينه النبي ﷺ عن البناء على القبر؟، أو لم يبعث عليا ﵁ على أن لا يترك تمثالا إلا طمسه، ولا قبرا إلا سواه؟، ومن المعلوم أن مذهب مالك عدم القراءة على الميت لا وقت الاحتضار ولا في أثناء الدفن ولا فيما بعد ذلك، وهل عمل واحد من القرون المفضلة مولدا للنبي ﷺ أو أوصى به لنفسه، أو لغيره، ولو تركت وسائل تعظيم النبي ﷺ للناس لما توقف الناس عند حد، والواقع شاهد على هذا، والصواب: أنها توقيفية، فلا يُعَظَّمُ إلا بما شرعه هو، فقل أيها القارئ لهذا الكتاب وقد لا تملك سوابق العبرات كما قال الأولون: متى يستقيم الظل والعود أعوج؟، قال ابن حزم في المحلى (٩/ ٣٢٧): «لا تحل وصية في معصية سواء من مسلم أو من كافر، كمن أوصى ببنيان كنيسة لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (٢)﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩]، فمن تركهم ينفذون خلاف حكم الإسلام فقد أعانهم على الإثم والعدوان»، انتهى.

стр. 1798

وللوصية أربعة أركان هي: الموصي، والموصى له، والموصى به، وما تكون به الوصية، ويشترط في الموصي أن يكون حرا مميزا مالكا ملكا تاما، فلا تصح وصية العبد ولا الصبي غير المميز، ولا الوكيل في مال غيره، ولا مستغرق الذمة، وتصح وصية المميز والسفيه، لأن الحجر عليهما لمصلحتهما، والوصية من مصلحتهما، فلو مُنعا الوصية لكان الحجر عليهما لأجل غيرهما، وقد ترجم مالك بقوله: «وصية الصغير والضعيف والمصاب والسفيه»، وأورد تحتها أثرا (١٤٥٠) عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه أن عمرو بن سليم الزرقي أخبره أنه قيل لعمر بن الخطاب إن هاهنا غلاما يفاعا لم يحتلم من غسان، ووارثه بالشام وهو ذو مال وليس هاهنا إلا ابنة عم له، قال عمر بن الخطاب: «فليوص لها»، قال: فأوصى لها بمال يقال له بئر جُشم، قال عَمْرو: فبيع ذلك المال بثلاثين ألف درهم، وابنة عمه التي أوصى لها هي أم عمرو بنت سليم الزرقي»، انتهى، وقد اختلف في عمرو بن سليم هل أدرك عمر قال ابن حبان إنه كان قد جاوز الحلم يوم وفاته، واليفاع في الأصل هو ما ارتفع من الأرض، ويقال غلام يفاع إذا أشرف على البلوغ، كما يقال مراهق، وقال مالك بعد هذا الأثر: «الأمر المجتمع عليه عندنا أن الضعيف في عقله والسفيه والمصاب الذي يفيق أحيانا تجوز وصاياهم إذا كان معهم من عقولهم ما يعرفون ما يوصون به،،،»، انتهى. قال خليل: «صح إيصاء حر مميز مالك وإن سفيها وصغيرا وكافرا إلا بكخمر لمسلم»، انتهى. وإجازة وصية الصبي المميز جارية على أصول المالكية حيث يرون أنه مطالب بالمندوبات، وقد قالت امرأة للنبي ﷺ عن صبي تحمله: «ألهذا حج»؟، قال: «نعم ولك أجر»، وقد تقدم شيء من هذا في الجزء الأول، قال صاحب المراقي: قد كلف الصبي على الذي اعتمي … بغير ما وجب والمحرم وقال الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ٤٧١): «الوصية تكليف من التكاليف الشرعية ورد الأمر بها، والترغيب إلى فعلها، والترهيب في تركها، وهي أيضا تتضمن إخراج جزء من المال لفلان، أو للقربة الفلانية، أو عند فلان كذا، أو يفعل الوارث كذا، أو يترك كذا، وهذه

стр. 1799

أمور لا تصح إلا من المكلف لا من الصغير الذي لم يبلغ التكليف، وهذا يكفي في الاستدلال لاشتراط التكليف من فاعلها،،،»، انتهى، قال كاتبه: الصغير المميز يفقه معنى القربة، فإذا أوصى بشيء من ماله في وجه من وجوه البر فأين المانع من إنفاذه؟، ووليه مطالب بأمره بالصلاة وهو ابن سبع، وضربه عليها وهو ابن عشر، مع صحة حجه، ونيابة وليه في إخراج الزكاة عنه، ولا يلزم من رد بعض ما ذكره العلامة الشوكاني من أنواع الوصية رد الوصية بالمال، أما ما ذكره في بقية كلامه من كون أثر عمر وغيره اجتهادا يخالف ما جرت عليه قواعد هذه الشريعة فليس بِمُسَلَّمٍ في خصوص الوصية بالتصدق، وعمر من الخلفاء الذين أمرنا باتباعهم ولأبي بكر وعمر مزية على باقيهم ﵃ جميعاً، والله أعلم. الموصى له، وينبغي أن يكون ممن يتصور منه التملك فتصح للحمل الثابت والمتوقع، وللكافر الذمي لقول رسول الله ﷺ : «في كل ذي كبد رطبة أجر»، رواه أحمد والشيخان وغيرهم عن أبي هريرة، وقال: «في كل ذات كبد حرى أجر»، رواه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ورواه أيضا عن سراقة بن جعشم نحوه، وعزاه في صحيح الجامع لسراقة بن مالك، والحرى العطشى مؤنث الحران، أي من شأنها أن تعطش، قال ابن حزم: «ولا نعلم في هذا خلافا»، واستثنوا من قاعدة تصور التملك أن يوصي للمسجد والقنطرة ونحوهما، فإنها تصح وتصرف في مصالح المسجد كالترميم والتوسعة والفرش وأجرة المؤذن والإمام، وأمّا الكفار عليهم لعائن الله فإنهم يوصون للكلاب، واستثنوا من ذلك أيضا الوصية للميت الذي علم الموصي بموته، فتصح وتصرف في رد دينه إن كان وإلا صرفت لورثته، ولا بد في إمضاء الوصية للمعين من قبوله لها بعد موت الموصي، ولا ينفعه قبولها في حياته لأن له أن يرجع فيها كما سيأتي. وينبغي أن يراعي الموصي الأولوية في الجهة التي يوصي لها، وذلك يختلف باختلاف الأحوال والأزمنة، قال الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ٤٨٣): «أفضل أنواع البر في سني الشدة وأيام المجاعة هو الصدقة، وأفضل أنواع البر في أيام المثاغرة للكفار ومدافعتهم عن بلاد الإسلام هو الجهاد، وأفضل أنواع البر في غير هاتين الحالتين هو الصرف في العلماء والمتعلمين وتحشيدهم، لنشر العلم والاستكثار من التدريس وتخريج

стр. 1800

الطلبة وترقيتهم في العلوم فإنه بذلك يحصل تكاثر العلم وتكاثر أهله، فيزداد الدين جمالا والإسلام رونقا، لأن حملة العلم هم نجومه الذين يستضاء بأنوارهم ويهتدون بهديهم»، انتهى، وليس ببعيد أن يقال لقد آل الأمر إلى أن يكون العلم في المرتبة الثانية فأين المثاغرة الآن؟، وأين مدافعة الكفار عن بلاد الإسلام؟، إن الجهاد ما عاد موجودا بالسنان بل بالقلم واللسان، لكنه باق ما قدر المسلمون عليه. وقد قلت في رسالتي عن الجمعيات مع شيء من التصرف: «أين نحن من الإنفاق الناجز أو الموصى به للعلماء والمتعلمين؟، إن مجتمعنا قد تحول بعد استعادة الاستقلال إلى الإنفاق على بناء المساجد ووقف الأرض لبنائها والوصاة بذلك وكاد ما ذكره الشوكاني ينعدم لعدم وجود الجمعيات العلمية التي يطمئن الناس إلى صرف أموالهم إليها، أو وجود القائمين على التعليم والمدارسة في المستوى الذي كان من قبل، ومن أسباب ذلك أن تحصر الجهة المخولة تلقي الأوقاف والتصرف فيها في هيأة حكومية دون سواها، فيحتاج إلى تغيير هذا الأمر الذي يمنع بعض الناس من الوقف، ثم إلى جهاد البيان بالقول، والبرهان بالفعل، حتى يتغير سلوك الناس، ومما يغيره أن يلمس المؤمنون ثمار أعمال هذه الجمعيات في التعليم والإصلاح بين الناس والنفع العام، سيعلمون حينئذ أن دافعهم إلى الإنفاق على بناء المساجد وهي أعظم مصارف التطوع عندنا ينبغي أن يدفعهم إلى الإنفاق على مشاريع هذه الجمعيات إن لم يكن الإنفاق هنا أعظم فائدة في بعض الأحيان، ولاسيما إذا وضعنا في الحسبان الزخرفة المنهي عنها والمبالغة في علو المنارات وغير ذلك، وقد علمت أن جمعية تشرف على معهد علمي في بعض بلاد الشام ميزانيته السنوية مليونا دولار، أي ما يعادل خمسة عشر مليار سنتيم بعملة بلادنا، فأين نحن من هذا إذا قارنته بجمعية وطنية هامة في بلادي ميزانيتها السنوية لا تتعدى ملياري سنتيم!!، والمقصود مجرد المقارنة، وإلا فإن هذا المبلغ ليس ذا شأن». الموصى به، وهو كل ما يصح أن يتملكه الموصى له، فلا يصح الإيصاء بمحرم، ولا بما يقصد به المضارة ولو كان غير محظور بأصله، وليس من شرط الموصى به أن يكون معلوما، بل تصح الوصية بالمجهول كالحمل، والثمرة قبل بدو صلاحها، كما سيأتي

стр. 1801

في الرهن إذ لا غرر هنا، ولا ضرر، أما إن جهل القدر فيطالب بالبيان، فإن تعذر فلا يتجاوز به الثلث. ما تكون به الوصية وهو الإيجاب والقبول، ولا يشترط فيه لفظ بعينه، بل كل ما يتم به المقصود من لفظ كأوصيت أو أعطوه أو جعلت له كذا، ومثله الكتابة والإشارة، قالوا ولو من قادر على الكلام، غير أنها لا تكون واجبة التنفيذ حتى يشهد عليها، فإن لم يشهد فالأمر إلى الورثة، ثم ذكر من لا تصح الوصية له فقال:

стр. 1802

• قوله: ٠٢ - «ولا وصية لوارث». ومنع الوصية للوارث من هدي الإسلام في تكثير المستفيدين من المال، فينبغي أن تخرج الوصية عن دائرة الورثة الذين لهم حق معلوم أو تعصيب، وكما حرص الشرع على توسيع نطاق المستفيدين من المال حصر الوصايا في الثلث حتى لا يتضرر الورثة كما سيأتي، وكلام المؤلف لفظ حديث رواه عن النبي ﷺ جَمْعٌ من الصحابة، وقد مال الشافعي إلى أنه متواتر، وممن أثروه أبو أمامة الباهلي ﵁ وهو عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجة، أن رسول الله ﷺ خطب فقال: «إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث». وقال مالك: «السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أنه لا تجوز وصية لوارث،،،»، انتهى. وقد قالوا إن هذا الحديث ناسخ للأمر بالوصية للوالدين والأقربين في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠]، ويمكن أن يقال إن الحديث مخصص للآية، فتبقى الوصية لغير الوارثين من الوالدين والأقربين، والعلم عند الله، فإن حصلت الوصية لوارث فالأمر إلى الورثة بشرط أن يكونوا بالغين راشدين لا دَيْن عليهم، فإن أجازها جميعهم مضت، وإن أجازها بعضهم دون بعض مضى نصيب المجيز، والظاهر أن ذلك استئناف تبرع منهم للنهي عن الوصية للوارث، فإن النهي يدل على البطلان، وقيل هو إمضاء لها، والمذهب أنها ليست بصحيحة فإجازة الورثة لها ولما زاد على الثلث كلاهما يعتبر ابتداء عطية وهو الذي رجحه زروق ووافقه عليه علي الصعيدي وهو القياس لما تقدم.

стр. 1803

• قوله: ٠٣ - «والوصايا خارجة من الثلث، ويرد ما زاد عليه إلا أن يجيزه الورثة». يعني أن الوصايا ولو تعددت وزادت على الثلث فإنها لا تنفذ إلا في حدوده، وقد قالوا إن الثلث معتبر في المال الذي علمه الموصي قبل موته، ولو بعد الوصية، فإذا كان للموصي ميراث لا يعلمه حين وصيته ولا بعدها وتوفي فإنه لا يدخل في الثلث لخروجه عن قصده في المقدار الذي جعله لمن أوصى له. وقد دل على أن الوصايا لا يتجاوز فيها ثلث المال حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «جاءني رسول الله ﷺ يعودني في وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟، قال: لا، قلت: فالشطر يا رسول الله؟، قال: لا، قلت: فالثلث؟، قال: «الثلث، والثلث كثير، أو كبير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس»، رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربعة، وقوله ﷺ : «الثلث، والثلث كثير» فيه إقرار له بالوصاة بالثلث، ومع ذلك استكثره، فيكون ما دونه كالربع والخمس أولى، وهذا هو الذي فهمه ابن عباس ﵄ قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله ﷺ قال: «الثلث، والثلث كثير»، رواه البخاري ومسلم، وقد عاش سعد بن أبي وقاص حتى ولد له عدة من البنين، ويقال في إجازة الورثة لما زاد على الثلث ما قيل في إجازتهم الوصية للوارث.

стр. 1804

• قوله: ٠٤ - «والعتق بعينه مبدأ عليها». ذكر هنا الترتيب الذي ينبغي أن يراعى عند إخراج الوصايا من الثلث، فإن الوصية قد تكون تطوعا بمال، وقد تكون عتقا أو تدبيرا، أو شيئا ترتب في الذمة كالزكاة والكفارات، والمؤلف لا يقصد أن عتق المعين مبدأ على جميع الوصايا، بل يريد أن من أوصى أن يعتق عبده فلان، أو أوصى أن يشترى عبد فلان فيعتق، فإن هذا العتق الموصى به يقدم على الوصية بالمال، لتشوف الشارع إلى العتق، ولأن المعين آكد من غيره، وبناء على هذا يعتق عنه في حدود الثلث، ثم تنجز وصيته في المال إما كاملة إن وسعها الثلث وإلا ففي حدوده.

стр. 1805

• قوله: ٠٥ - «والمدبر في الصحة مبدأ على ما في المرض من عتق وغيره، وعلى ما فرط فيه من الزكاة فأوصى به، فإن ذلك في ثلثه مبدأ على الوصايا، ومدبر الصحة مبدأ عليه». معناه أن من دبر عبده في حال الصحة يقدم تنجيز تحريره على من دبره أو أعتقه في حال المرض، متى ضاق الثلث عن تحمل الجميع، وعللوا ذلك بأن التدبير في حال الصحة لازم، بخلافه في حال المرض فإنه منحل، فإن شفي من مرضه فإن من دبره في تلك الحال يعطى حكم من دبر في حال الصحة، ويقدم تحرير المدبر في حال الصحة على ما أوصى بإخراجه من الزكاة مما فرط فيه، لكن هذا المفرط في إخراجه من الزكاة متى أوصى به يقدم على وصايا المال التي تبرع بها، ومفهوم قوله فأوصى به أن ما لم يوص به من الزكاة لم يخرج من الثلث فضلا عن غيره، وقوله: «ومدبر الصحة مبدأ عليه»، مرجع الضمير هو ما أوصى به من الزكاة، كرره زيادة في الإيضاح كما هي عادته، ولأهل المذهب تفاصيل في ترتيب الوصايا متى ضاق الثلث عنها فليرجع إليها في شروح المصنفات، ومنها مصنف خليل قال ﵀: «وقدم لضيق الثلث فك أسير، ثم مدبر صحة، ثم صداق مريض، ثم زكاة أوصى بها، إلا أن يعترف بحلولها ويوصي فمن رأس المال، كالحرث والماشية وإن لم يوص بها، ثم الفطر، ثم كفارة ظهار وقتل، وأقرع بينهما، ثم كفارة يمينه، ثم فطر رمضان، ثم للتفريط، ثم النذر، ثم المبتل ومدبر المرض، ثم الموصى بعتقه معينا عنده، أو يشترى، فعجله، ثم الموصى بكتابته والمعتق بمال والمعتق إلى أجل بعد، ثم المعتق لسنة على أكثر، ثم بعتق لم يعين، ثم حج، إلا لصرورة فيتحاصان كعتق لم يعين، ومعين غيره، وجزئه»، انتهى. والذي ينبغي أن يعلم أن الدليل الذي ورد بحصر الوصية في الثلث إنما كان فيما

стр. 1806

يتطوع به المسلم من ماله فلا يدخل فيه غير ذلك مما هو حق لله أو حق لعباده أوصى به أو ثبت ببينة غير الوصية، فهذا لا وجه لتقييد إخراجه بالثلث، ولا للتفريق بين ما فرط فيه وغيره، متى قامت البينة على ذلك، إذ ما المانع للمرء أن يتوب فيتدارك ما فاته من التفريط والمال ماله؟، وعليه فإن تلك الحقوق تخرج من رأس ماله، ثم تخرج وصاياه التي تطوع بها من ثلث الباقي، أما أن حقوق الآدمي تقدم على حقوق الله تعالى فأقل ما يقال فيها أنها اشتركت في الإيجاب، وقد جاء ما يدل على أن دين الله أحق أن يقضى، فمن قدم غيره عليه طولب بالدليل، وإذا علمت أن الحاكم المسلم مطالب برد دَيْن المسلم إذا مات ولم يترك ما يقضى به عنه اقتدء بالنبي ﷺ بحيث يخرجه من مال المصالح، وأنه غير مطالب بدفع الكفارات عنه وإخراج زكاة ماله اتضح لك أن ذلك الترتيب الذي رآه بعض أهل العلم لا يسلم على إطلاقه، وأنه مجرد رأي رآه صاحبه، وقد يرى غيره سواه، إلا أن يأتي على ذلك بما يلزم القول به، فيسلم له، والله أعلم.

стр. 1807

• قوله: ٠٦ - «وإذا ضاق الثلث تحاص أهل الوصايا التي لا تبدئة فيها». إذا كانت الوصايا في منزلة واحدة بحيث لا يشرع تقديم بعضها على بعض ولم يسعها ثلث تركة الميت؛ فالحكم أن يتحاص أصحابها بنسبة ما لكل منهم، ولا وجه لتقديم واحد منها على غيره لأنه ترجيح من غير مرجح، ونظيره ضيق التركة عن السهام، فيدخلها العول الذي فيه دخول النقص على جميع أصحاب الفروض بحسب نسبة سهامهم في التركة، ومثله أيضا تحاص الدائنين في مال المدين الذي لا يسع ديونهم، فإذا أوصى لشخصين بالثلث لكل منهما كان لكل منهما سدس التركة، لأن الوصية لا يتجاوز بها الثلث، إلا إذا أجاز ذلك الورثة، ولو أوصى لواحد بالثلث وللآخر بالسدس تقاسما الثلث، فيأخذ الأول ثلثي الثلث: ٢/ ٣×١/ ٣ = ٢/ ٩ من التركة، ويأخذ الثاني ثلث الثلث: ١/ ٣×١/ ٣ =١/ ٩ من التركة، ويأخذ الورثة الثلثين (٦/ ٩)، وإذا كان في الوصايا ما لا يقبل التجزئة ككفارتي الظهار وقتل الخطإ أقرع بينهما، ولا تقدم إحداهما على الأخرى، لأنه لا مرجح، وقد يقال إن كفارة القتل مقدمة.

стр. 1808

• قوله: ٠٧ - «وللرجل الرجوع عن وصيته من عتق وغيره». هذا مما تختلف فيه العطية عن الوصية، فإن تنجيز الوصية معلق على موت الموصي، فهي كالوعد وهو غير واجب الوفاء، فللموصي الرجوع عنها لأنها عقد غير لازم، وإن كان يستحب عدم الرجوع عن أفعال الخير إلا لموجب، ومما قد يترتب على هذا الرجوع من المصالح تغيير الجهة الموصى لها لكون ذلك غير مشروع، أو لكثرة النفع والحاجة ونحو ذلك، وهذا الرجوع يختلف عن خلف الوعد المذموم الذي هو صفة من صفات المنافقين، وإنما يجوز الرجوع في الوصية فيما يكون المرء فيه متطوعا، أما إن كان اعترافا بحق ترتب في ذمته كالدَّيْن فلا يجوز الرجوع، ويعتبر ذلك إقرارا منه يؤخذ به متى أنكره فيما بعد، ما لم يثبت أنه أداه. قال في الموطإ: «الأمر المجتمع عليه عندنا أن الموصي إذا أوصى في صحته أو مرضه بوصية فيها عتاقة رقيق من رقيقه، أو غير ذلك، فإنه يغير من ذلك ما بدا له، ويصنع من ذلك ما شاء حتى يموت، وإن أحب أن يطرح تلك الوصية أو يبدلها فعل، إلا أن يُدَبِّرَ مملوكا فإن دَبَّرَ فلا سبيل إلى تغيير ما دَبَّرَ، ثم ذكر حديث الوصية، ثم قال: «فلو كان الموصي لا يقدر على تغيير وصيته ولا ما ذكر فيها من العتاقة كان كل موص قد حبس ماله الذي أوصى فيه من العتاقة وغيرها، وقد يوصي الرجل في صحته وعند سفره،،،»، انتهى، وروى ابن وهب وغيره عن عمر بن الخطاب قال: «يحدث الرَّجُلُ في وصيته ما شاء، وملاك الوصية آخرها».

стр. 1809

• قوله: ٠٨ - «والتدبير أن يقول الرجل لعبده أنت مدبر، أو أنت حر عن دبر مني». لتحرير الرقاب طرق منها الواجب كالكفارة في قتل الخطإ وفي الظهار وكفارة اليمين، وامتلاك المرء ذي الرحم المحرم، وتمثيل المالك بمملوكه، ووضع الأَمَة حَمْلَهَا من مالكها إو إسقاطه، ومنها ما هو تطوع كالعتق المنجز والمؤجل والتدبير، ومنها ما هو نظير مال وهو الكتابة، والكلام هنا على التدبير الذي هو في اللغة النظر في عواقب الأمور كي تقع على الوجه الأكمل، وسمي تدبير المملوك كذلك لأن المدَبِّر بكسر الباء راعى مصلحة نفسه في دنياه فاستبقى خدمة مملوكه، وراعى مع ذلك مصلحته في آخرته فعلق عتقه على موته، وهو مندوب إليه لأنه من وسائل تحرير الرقاب التي كثرت في هذا الدين الخاتم، فهو عتق مؤقت بموت المالك الذي قد لا يقدر على التحرير الناجز لما له في المملوك من المصلحة، وقد قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٩ - ٢٢٠]، وقد ذكر المؤلف التدبير عقب الوصية لشبهه بها في أن كلا منهما عقد يتعلق بتنفيذ قربة بعد الموت، بخلاف ما لو قال: إن مت من مرضي هذا فأنت مدبر، فهذا له حكم الوصية فله الرجوع فيه، وقد حد بعضهم التدبير بأنه «عقد يوجب عتق مملوك من ثلث مال مالكه بعد موته بعقد لازم»، انتهى، فخرج بقيد بعد الموت المملوك الملتزم عتقه في المرض المبتل فيه، أي المنجز، فإنه لازم لمالكه ولو لم يمت، وصفة اللزوم التي في التعريف تخرج الوصية لكونها غير لازمة، أما ما يتم به التدبير فلا يختلف عما تثبت به الالتزامات والعقود مما يفهم منه المراد، كأن يقول لمملوكه: أنت مدبر، أو عن دبر مني، أو أنت حر بعد موتي، أو يوم موتي، وقيل ينبغي أن يقيد هذين بالتدبير وإلا فهي وصية، ولا بد أن يكون المدبر بكسر الباء مكلفا راشدا، أما المدبر بفتحها فهو كل رقيق أو من فيه شائبة رق كالمكاتب والمبعض والمشترك، ذكرا أو أنثى، صغيرا

стр. 1810

كان أو كبيرا، لكنهم قالوا إن الأَمَة التي تراد للوطء إذا عتقت بالتدبير خيرت بين البقاء على الرق وبين التحرير، وعللوا ذلك بأن الفساد غالب على الإماء اللائي يردن للوطء، فانظر في هذا فإن تحرير الإنسان حق لله تعالى، فلا تصرف فيه ولا كلام للمحرر.

стр. 1811

• قوله: ٠٩ - «ثم لا يجوز له بيعه، وله خدمته، وله انتزاع ماله، ما لم يمرض، وله وطؤها إن كانت أَمَة». تحرير المدبر موقوف على موت مالكه، فلا يجوز له الرجوع فيه كما يرجع في الوصية، ومن ثم امتنع بيعه وهبته والتصدق به، لكن يجوز له أن يستخدمه لأنه باق على ملكه، ومن لم يجعل التدبير لازما لم يمنع بيعه، ويحل للمالك وطء الأَمَة المدبرة لأنها باقية على ملكه، فإن حملت كانت أم ولد تعتق من رأس المال، لا من الثلث كما هو الأمر لو لم تحمل، وقد احتج مالك في الموطإ (١٤٩٠) على وطء المدبرة بفعل ابن عمر، وأثبت قول ابن المسيب بذلك، وكذا قوله بعدم جواز بيعها أو هبتها، وأن ولدها بمنزلتها، وللمدبر أن ينتزع مال مدبره ما لم يمرض مرضا مخوفا لما في ذلك من احتمال قصد مضارته بجعل ماله للوارث. واعلم أنه لم يقم الدليل على منع مالك المدبر من الرجوع في تدبيره، وما ورد في ذلك لا تقوم به حجة، ومنه ما رواه الدارقطني عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «المدبر لا يباع ولا يشترى، وهو حر من الثلث»، قال ابن حزم موضوع، وجملته الأخيرة عند ابن ماجة (٢٥١٤) نحوها، وقال الألباني موضوع، قال بعضهم إن الصحيح أنه موقوف على ابن عمر، وقد اعتمد مالك على عمل أهل المدينة فقال: «الأمر المجتمع عليه عندنا في المدبر أن صاحبه لا يبيعه ولا يحوله عن موضعه الذي وضعه فيه»، انتهى. وقد قيد أهل المذهب منع بيع المدبر بما إذا لم يكن المالك مَدينا دَيْنًا سابقا على التدبير، لأن التدبير تبرع وإحسان، وَرَدّ الدَّيْن واجب فيقدم عليه، لكن تقييد الدين بكونه سابقا على التدبير فيه نظر لما رواه الشيخان عن جابر أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر فاحتاج فأخذه النبي ﷺ فقال: «من يشتريه مني»؟، فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا،

стр. 1812

فدفعه إليه»، ففي الحديث حجة على جواز بيع المدبر للحاجة، وعند النسائي: «وكان محتاجا، وكان عليه دين، فباعه رسول الله ﷺ بثمانمائة درهم، فأعطاه فقال: «اقض دينك، وأنفق على عيالك»، وفيه دليل على جواز بيعه لكل من الدين وللحاجة، لا مطلقا كما هو شأن الوصية، وأهل المذهب يقيدون الدين الذي يسوغ معه البيع بما إذا كان سابقا على التدبير، وليس له ما يجعله في الدين من عروض القنية، نظير ما تقدم في زكاة المدين، فأما الدين الذي تأخر عن التدبير فلا يباع فيه المدبر في حياة المالك، غير أنه يباع فيه بعد موته، وقد قال علي الأجهوري في ذلك: ويبطل التدبيرَ دين سبقا … إن سيد حيا وإلا مطلقا وقد بيّن مالك في الموطإ اعتماده على الأمر المجتمع عليه عندهم في المدبر وهو أن صاحبه لا يبيعه، وأنه إن رهق سيدَه دين فإن غرماءه لا يقدرون على بيعه ما عاش سيده، فإن مات ولا دين عليه فهو في ثلثه، وإن مات المدبر ولا مال له غيره عتق ثلثه، وكان ثلثاه للورثة، فإن كان عليه دين محيط به فإنه يباع في دينه لأنه إنما يعتق في الثلث، فإن كان الدين لا يحيط إلا بنصف العبد بيع نصفه للدين، ثم عتق ثلث ما بقي بعد الدين، وبين أنه لا يجوز بيع خدمة المدبر، لأنه غرر إذ لا يدرى كم يعيش سيده»، انتهى.

стр. 1813

• قوله: ١٠ - «ولا يطأ المعتقة إلى أجل، ولا يبيعها، وله أن يستخدمها، وله أن ينتزع مالها ما لم يقرب الأجل». علّلوا منع وطء المعتقة إلى أجل بأنه شبيه بنكاح المتعة في التوقيت، والنكاح لا توقيت فيه، بل القصد فيه التأبيد، وهذا ليس بدليل، ولا هو بالنظر المطرد، ولو ساغ الاعتماد عليه لمنع كل مالك من وطء مملوكته متى قصد بيعها لأن حل فرجها له مؤقت بما قبل البيع، قالوا ويجوز له استخدامها وانتزاع مالها لأنها باقية على ملكه، فإذا قرب الأجل امتنع ذلك لما فيه من الإضرار بها، لقرب استقلالها بنفسها، ولأن ما قارب الشيء يعطى حكمه. فإن قلت: ما وجه قولهم بجواز وطء المدبرة وعدم جواز وطء المعتقة إلى أجل؟، فالجواب: أن التوقيت في المعتقة إلى أجل معلوم، وهو شأن نكاح المتعة، أما في المدبرة فمجهول، وهو شأن النكاح المباح فافترقا، ومهما يكن فإن المنع مفتقر إلى الدليل.

стр. 1814

• قوله: ١١ - «وإذا مات فالمدبر من ثلثه، والمعتق إلى أجل من رأس ماله». لعل معتمدهم في هذا حديث ابن عمر المتقدم فإن فيه: «المدبر لا يباع ولا يشترى، وهو حر من الثلث»، وقد علمت ما فيه، والفرق بين المدبر والمعتق إلى أجل أن الأول سلك به مسلك الوصايا فلا يتعدى الثلث على الترتيب المتقدم، أما المعتق فسبيله أنه عقد لازم معلق على زمن فكان كالمنجز، فيكون من رأس المال.

стр. 1815

• قوله: ١٢ - «والمُكَاتَب عبد ما بقي عليه شيء». المكاتب بفتح التاء هو المملوك الذي يكاتبه مالكه على العتق في مقابل مال يدفعه له، والكتابة بكسر الكاف وتفتح ومثلها في الضبط العتاقة، المراد بها العقد نفسه الذي يتم بين العبد ومالكه، وحدها ابن عرفة: «عتق على مال من العبد مؤجل موقوف على أدائه»، انتهى، وقد كانت الكتابة معروفة قبل الإسلام فأقرها الشرع، فخرج بقوله على مال ما كان على غير مال من العتق المؤجل والعتق المبتل والكفارة والعتق اللازم بالملك، وخرج بقيد مؤجل العتق على مال معجل، وهو المسمى قطاعة بكسر القاف وفتحها، وقد احتج لصحتها مالك في الموطإ بفعل أم سلمة -رضي الله تعالى عنها-، وكان ابن عمر ينهى عنها إلا بالعروض، لأنها إن كانت بالذهب والفضة فهي عنده من باب ضع وتعجل كما حكاه ابن عبد البر. قلت: كأنه نظر إلى أن الكتابة منجمة، والقطاعة يعجل فيها المال الذي الأصل فيه التقسيط فربط بين الأمرين، لكن القول بجوازها بالعروض لا يغير من هذا الأمر فيما ظهر لي، والمذهب جواز أن تكون الكتابة حالة فتكون قطاعة، وقيد العبد مخرج للعتق على مال يدفعه غير العبد، وقوله موقوف على أدائه أي أنه لا يتم تحرير المملوك إلا إذا أتم الأقساط المترتبة عليه، وهو الذي أشار إليه المؤلف بقوله: «والمكاتب عبد ما بقي عليه شيء»، وهو لفظ مأثور عن ابن عمر ﵄ رواه عنه مالك في الموطإ (١٤٨٣)، ورواه بلاغا عن عروة بن الزبير وسليمان بن يسار، وقال وهو رأيي، وقد جاء عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم»، رواه أبو داود. وجاء مرفوعا بلفظ: «أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواق فهو عبد، وأيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد»، وفي الباب حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «يودى المكاتب بحصة ما أدى دية الحر، وما بقي دية

стр. 1816

العبد»، رواه أحمد والأربعة إلا ابن ماجة، ويودى من وداه يديه إذا دفع ديته، وفيه دليل على أن للنجوم التي دفعها مدخلا في التبعيض، لكن هذا ما لم يحكم بتعجيزه كما سيأتي، فالصواب: الجمع بين الدليلين بحمل كل منهما على حال، فيعتبر المكاتب حرا فيما لا يتبعض من الأحكام كالنظر إلى مالكته مراعاة لأصل المنع من النظر، وهو مبعض بمقدار ما عتق منه فيما يحتمل التبعيض منها كالدية لأنه مال، وقد دل على اختلاف المكاتب عن غيره من الأرقاء في النظر إلى مالكته قول رسول الله ﷺ : «إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه»، رواه أحمد والأربعة غير النسائي وصححه الترمذي، فهذا إن صح، فيه مراعاة من الشارع لأصل المسألة، وهي منع النظر، وهذا قوي في النظر، والله أعلم.

стр. 1817

• قوله: ١٣ - «والكتابة جائزة على ما رضيه العبد والسيد من المال منجما قَلَّتِ النجوم أو كثرت». سبق أن تحرير العبد في مقابل مال يدفعه العبد للسيد قسمان قطاعة فيما إذا كان المال حاضرا، وكتابة إذا كان مؤجلا، سواء أُجِّلَ المال كله أو جُعِلَ نجوما قَلَّتْ أو كَثُرَتْ، والمراد بالنجوم الأقساط المالية التي يدفعها المملوك كل شهر أو كل سنة على ما اتفقا عليه، ويدل ما في المدونة على أن الكتابة عندهم مستحبة، ولعله هو مراد المؤلف بقوله جائزة، وقوله على ما تراضيا عليه جمع أركان الكتابة الأربعة، ويشترط في السيد التكليف وأهلية التصرف، فخرج الصبي والمحجور عليه، والمذهب صحة كتابة الكافر من عبده المسلم على أن يباع عليه من مسلم، ويستمر مكاتبا له، والصيغة، وهي ما يفهم منه معنى المكاتبة كأن يقول كاتبتك أو أنت معتق على كذا، وبعتك نفسك بكذا، ويشترط في المملوك القدرة على الأداء، وهذا متجه لأنه متى كوتب ولا قدرة له على ذلك آل أمره إلى بطلان الكتابة، أو دفع بعض النجوم مع استمراره مملوكا، فأما مكاتبة الصغير ومن لا مال له فاختلف فيها، فمن رآها مباحة بنى قوله على جواز جبر المملوك على الكتابة، وهو قول ابن القاسم ﵀، واعتبروه هو المعتمد، وما أحراه أن يكون كذلك لولا ظاهر النص، ومقتضى قول أشهب لا يكاتب الصغير الذي لا مال له ولا من لا قدرة له على الأداء وتفسخ الكتابة إن وقعت إلا أن تفوت، ويؤيده أن الله تعالى شرع الكتابة لمن ابتغاها واشترط أن نعلم فيهم خيرا، فقال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ (٣٣)﴾ [النور: ٣٣]، وفيه الأمر بمكاتبة الراغبين من المملوكين والأمر بإعطائهم من المال لإعانتهم، وقيد ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ لا يصلح صارفا للأمر عن الإيجاب إلى الندب، وقد ذهب إليه ابن العربي في

стр. 1818

المسالك (٦/ ٥٣١)) فقال يرد على من حمل الأمر على دلالته الأصلية: «كذلك نقول إن لم تقم قرينة تصرفه عن الوجوب، أو يدل على سقوط الوجوب دليل، وها هنا قرينة وهي قول الله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، فصرف الأمر إلى علم المأمور، والتكاليف الجازمة والأوامر الواجبة لا تقف على خيرة المكلف وعلمه»، انتهى. قال كاتبه: ليس في ذلك القيد خيرة للمكلف، بل فيه تقييد بعلمه ذلك من مملوكه، فَيُدَين ويوكل الأمر إليه، ومن ذا الذي يكون رقيبا على المرء إذا قال مثلا لا أقدر على صيام شهرين متتابعين فأَنتقلُ إلى الإطعام غير نفسه وما فيها من خوف لربه وطلب لمرضاته؟، ومن ذا الذي يراقب المرأة وهي مؤتمنة على انقضاء عدّتها بمضي ثلاثة قروء غير كونها مؤمنة تخشى الله وقد خاطبها بقوله ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وهل الأوامر الشرعية إلا أمانات اؤتمن عليها عباد الله المؤمنون؟، والحكمة بادية من هذا القيد فيدخل فيه قدرة المملوك على دفع النجوم، وحسن سلوكه ورشده وقدرته على تدبير أموره بحيث إذا حرر لا يفسد حاله، وما قول المعترضين في قيد الرشد الموكول علمه إلى من بيده مال اليتيم؟، أفيقولون إن تسليمهم أموالهم حيث بلغوا وقد أنس منهم الرشد لا يجب لأن الله تعالى قيد الدفع بإيناس الرشد منهم فقال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا (٦)﴾ [النساء: ٦]، أما التفصي من ذلك بأن الشرع لا يلزم أحدا بالخروج من ماله، ولأنه ليس في المال حق سوى الزكاة فليس بناهض، فإن الله مالك السموات والأرض وما فيهما. وقد أثر عن عمر ﵁ ما يدل على أنه كان يرى وجوب المكاتبة، فعن أنس بن مالك قال: كان سيرين سأله المكاتبة فأبى عليه، فقال له عمر بن الخطاب: «والله لتكاتبنه، وتناوله بالدرة فكاتبه»، انتهى، وعن ابن عباس ﵄ أن عمر بن الخطاب كاتب مولى له يقال له أبو أمية، فجاءه بنجمه حين هل، فقال له عمر: «يا أبا أمية اذهب فاستعن به»، فقال: يا أمير المؤمنين لو كان هذا في آخر نجم»، فقال عمر: «لعلي لا أدركه»، انتهى، خاف أن يموت قبل إخراج الواجب، وعن ميمون بن جابان عن عمه عن جده قال: سألت عمر بن

стр. 1819

الخطاب المكاتبة فقال لي كم تعرض؟، قلت: مائة أوقية، قال فما استزادني، قال فكاتبني وأرسل إلى حفصة أم المؤمنين أني كاتبت غلامي وأردت أن أعجل له طائفة من مالي، فأرسلي إلي بمائتي درهم إلى أن يأتيني شيء، فأرسلت بها إليه فأخذها عمر بيمينه وقرأ: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، خذها بارك الله فيك»، انتهى، ولينظر المحلى لابن حزم (٩/ ٢٣٣ و ٢٤٧)، وفي الموطإ بلاغا أن ابن عمر كاتب غلاما له على خمسة وثلاثين ألف درهم، ثم وضع عنه في آخر كتابته خمسة آلاف درهم، وقد حمل مالك في الموطإ الأمر بالمكاتبة على الإباحة، واحتج بأن بعض أهل العلم كان إذا سئل عن ذلك فقيل له إن الله ﵎ يقول: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، يتلو هاتين الآيتين: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا (٢)﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (١٠)﴾ [الجمعة: ١٠]، قال مالك: وإنما ذلك أمر أذن الله فيه، وليس بواجب عليهم، قال: «وسمعت بعض أهل العلم يقول في قول الله ﵎: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، إن ذلك أن يكاتب الرجل غلامه ثم يضع عنه من آخر كتابته شيئا مسمى»، انتهى. وكما أمر الله تعالى السادة بمكاتبة مملوكيهم فقد حض الشرع الأرقاء على المكاتبة حتى قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة حق على الله تعالى عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب يريد الأداء، والناكح يريد العفاف»، رواه أحمد والأربعة غير أبي داود عن أبي هريرة.

стр. 1820

• قوله: ١٤ - «فإن عجز رجع رقيقا، وحل له ما أخذ منه». متى عجز المكاتب عن الوفاء بنجوم الكتابة ظل على ما كان عليه قبل الكتابة من الرق مطلقا أو التدبير، وحل لمالكه ما تسلمه من المال، ولا يعتق منه بمقدار ما دفع لمالكه، وليس من شرط اعتباره رقيقا عند العجز ذكر ذلك في عقد الكتابة، وهذا ما لم يعنه أحد على الوفاء بما في ذمته، فإن أعانه أحد وعجز عن الوفاء رجع الذي أعانه على السيد بما أعانه به فيأخذه، لكونه إنما قصد بذلك فكاك الرقبة، والحال أنها لم تفك، أما إن لم يكن له علم بالكتابة فهي صدقة لا رجوع له بها على المالك، قلت في رجوعه على المالك نظر لأنه إن تصدق عليه فقد مكلها فإذا أعطاها في نجوم كتابته فقد فاتت، فمن أين له الرجوع على المالك؟، ومجرد قصده شيئا من وراء إعطائها لا يقوم حجة لا ستردادها.

стр. 1821

• قوله: ١٥ - «ولا يعجزه إلا السلطان بعد التلوم إذا امتنع من التعجيز». التلوم هو التربص والانتظار، أي أن الذي يحكم بعجز العبد عن الوفاء بالنجوم فيستمر رقيقا إنما هو السلطان بعد أن يعطيه مهلة يستنفذ فيها جهده في تحرير نفسه، قال الغماري في مسالك الدلالة: «لأنه قد تعلق به حق الله تعالى وهو العتق، فليس لأحد منهما نقضه إلا بحكم حاكم ينظر في ذلك لحق الله تعالى، فإن رجا الأداء أو نفوذ العتق أبقاه، وإن تبين منه العجز أنفذ فسخه»، انتهى. قلت: ويمكن للحاكم أن يعينه من بيت المال، ومن الزكاة ليحرر نفسه، فإنه يدخل في مصارفها، إما بوصف واحد، وهو كونه غارما أو رقيقا، وإما بهما معا، والأولى دخوله في وصف الغارمين، ويكون المقصود بالرقاب في الآية ابتداء عتقها، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾، فإن رضي العبد بتعجيز نفسه فلا حاجة إلى السلطان كما هو مفهوم قوله: إذا امتنع من التعجيز، إلا أن يكون له مال ظاهر فلا بد من تدخل السلطان، كذا قالوا.

стр. 1822

• قوله: ١٦ - «وكل ذات رحم فولدها بمنزلتها من مكاتبة أو مدبرة أو معتقة إلى أجل أو مرهونة». يقصد بذات الرحم الحامل، وهو من التعبير عن الحال بالمحل، والمعنى أن ولد الأمة التي حصلت مكتابتها أو تدبيرها أو عتقها بنوعيه المنجز والمؤجل، والكامل والمبعض، والمرهونة وحملها في بطنها، أو حملت به بعد ذلك، سواء كان من زوج أو من زنا فإنه يكون في منزلتها، لأنه بعضها، فما حكم به عليها يحكم به عليه، فإذا أنهت كتابتها فهو مثلها حر، وهكذا إذا مات مدبرها على ما تقدم من التفصيل في التدبير، ومثل ذلك ما إذا عتقت عتقا منجزا أو مؤجلا، أما إن كانت وقت عقد الكتابة وغيرها مما ذكر قد ولدت فلا يعطى ولدها حكمها. واعلم أن كون الحمل بمنزلة أمه إنما يكون فيما إذا كان من غير مالكها الحر، أما إن كان منه فالولد حر بلا خلاف لأنها اكتسبت الحرية به، فإن كان أبوه عبدا فهو بمنزلتها من العتق والخدمة وغيرهما.

стр. 1823

• قوله: ١٧ - «وولد أم الولد من غير السيد بمنزلتها». لا خلاف في أن ولد الأمة من سيدها حر، ولما كان قد يتوهم أن ولدها من غيره كالزوج، والمالك الرقيق، أو من زنا بعد أن صارت أم ولد ليس كذلك، نبه على إلحاقه، فيكون بمنزلتها في العتق من رأس المال بعد موت السيد، وفي المنع من البيع في حياته، لكنه لا يكون مثلها في الخدمة، فيجوز استخدامه في كثير الخدمة، أما هي فيستخدمها فوق خدمة الزوجة، ودون خدمة القنة، لأنها اجتمع فيها من هذا وهذا، أما ولدها السابق على صيرورتها أم ولد فإنه رقيق، فتأمل رحمك الله هذا السداد في النظر الذي أورثه التضلع بمقاصد الدين، في أذهان المذعنين، لتكون من المتبعين، وهو اجتهاد على كل حال.

стр. 1824

• قوله: ١٨ - «ومال العبد له إلا أن ينتزعه السيد». الظاهر من تصرفاتهم أن العبد يملك ملكا غير تام، فيجوز له إذا ملك جارية أن يطأها ما لم ينتزعها مالكه منه، وعلى هذا يكون مطالبا بإخراج الزكاة متى حال على المال الحول وهو في حوزته، لكن مشهور المذهب أنه لا يزكي، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب الزكاة، والدليل على أن ملك العبد ليس تاما قول النبي ﷺ : «من ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع»، رواه البخاري ومسلم، ففي قوله فماله نسبة المال للعبد، فمن قائل إنها نسبة مجازية، ومن قائل إنها حقيقية على الأصل، ما لم ينتزعه السيد، وهذا هو الظاهر دل عليه جواز انتزاعه ودخوله في الصفقة فينتج أن ملكه ليس تاما، ولأن سيده يملك رقبته فأحرى أن يملك ماله.

стр. 1825

• قوله: ١٩ - «فإن أعتقه أو كاتبه ولم يستثن ماله فليس له أن ينتزعه». وهذا لأن المعتق خرج من ملك سيده، فساوى غيره من الناس في حرمة ماله، ولأن ماله يتبعه بخلاف حال البيع فلا يتبع العبدَ مالُه إلا باشتراط من اشتراه كما تقدم، وقد دل على هذا حديث ابن عمر ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ : «من أعتق عبدا وله مال فمال العبد له إلا أن يشترطه السيد»، رواه أبو داود (٣٩٦٢) وابن ماجة، وروى مالك في الموطإ (١٤٦١) وابن أبي شيبة عن ابن شهاب الزهري قال: «مضت السنة أن العبد إذا أعتق تبعه ماله»، وهو موقوف، وفيه دلالة على شيوع هذا الأمر في عهده، وقد نزع مالك في الاستدلال على أن السيد لا يجوز له أن يشترط على العبد خدمته بعد عتقه بالمفهوم الأولوي المأخوذ من قول النبي ﷺ : «من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّمَ عليه قيمة العدل، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق»، رواه في الموطإ (١٤٥٨) عن ابن عمر، وهو في الصحيحين والسنن الأربعة، وقد وجه استدلاله على ذلك بقوله: «فهو إذا كان له العبد خالصا أحق باستكمال عتاقته، ولا يخلطها بشيء من الرق»، انتهى. أما منع انتزاع مال المكاتب فلأن عقد الكتابة يتناقض مع تجريده من ماله أو من بعضه، كيف وهو مطالب بإعطائه من ماله كما تقدم، ولو ساغ له ذلك لترتب عليه عدم وفاء المكاتب بنجوم الكتابة لأنه كلما امتلك مالا انتزعه منه فيعود ذلك على عقد الكتابة بالإبطال، ويدخل في قوله ﷺ في حديث ابن عمر: «من أعتق عبدا وله مال،،،» أم الولد متى تحررت بموت مالكها، والمدبر، والموصى بتحريره، فهؤلاء لا تنتزع منهم أموالهم متى حضر وقت تحريرهم، والله أعلم.
следующие страницы →