Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
• قوله:
١٥ - «ولا يعجزه إلا السلطان بعد التلوم إذا امتنع من التعجيز».
التلوم هو التربص والانتظار، أي أن الذي يحكم بعجز العبد عن الوفاء بالنجوم فيستمر رقيقا إنما هو السلطان بعد أن يعطيه مهلة يستنفذ فيها جهده في تحرير نفسه، قال الغماري في مسالك الدلالة: «لأنه قد تعلق به حق الله تعالى وهو العتق، فليس لأحد منهما نقضه إلا بحكم حاكم ينظر في ذلك لحق الله تعالى، فإن رجا الأداء أو نفوذ العتق أبقاه، وإن تبين منه العجز أنفذ فسخه»، انتهى.
قلت: ويمكن للحاكم أن يعينه من بيت المال، ومن الزكاة ليحرر نفسه، فإنه يدخل في مصارفها، إما بوصف واحد، وهو كونه غارما أو رقيقا، وإما بهما معا، والأولى دخوله في وصف الغارمين، ويكون المقصود بالرقاب في الآية ابتداء عتقها، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾، فإن رضي العبد بتعجيز نفسه فلا حاجة إلى السلطان كما هو مفهوم قوله: إذا امتنع من التعجيز، إلا أن يكون له مال ظاهر فلا بد من تدخل السلطان، كذا قالوا.
стр. 1822
• قوله:
١٦ - «وكل ذات رحم فولدها بمنزلتها من مكاتبة أو مدبرة أو معتقة إلى أجل أو مرهونة».
يقصد بذات الرحم الحامل، وهو من التعبير عن الحال بالمحل، والمعنى أن ولد الأمة التي حصلت مكتابتها أو تدبيرها أو عتقها بنوعيه المنجز والمؤجل، والكامل والمبعض، والمرهونة وحملها في بطنها، أو حملت به بعد ذلك، سواء كان من زوج أو من زنا فإنه يكون في منزلتها، لأنه بعضها، فما حكم به عليها يحكم به عليه، فإذا أنهت كتابتها فهو مثلها حر، وهكذا إذا مات مدبرها على ما تقدم من التفصيل في التدبير، ومثل ذلك ما إذا عتقت عتقا منجزا أو مؤجلا، أما إن كانت وقت عقد الكتابة وغيرها مما ذكر قد ولدت فلا يعطى ولدها حكمها.
واعلم أن كون الحمل بمنزلة أمه إنما يكون فيما إذا كان من غير مالكها الحر، أما إن كان منه فالولد حر بلا خلاف لأنها اكتسبت الحرية به، فإن كان أبوه عبدا فهو بمنزلتها من العتق والخدمة وغيرهما.
стр. 1823
• قوله:
١٧ - «وولد أم الولد من غير السيد بمنزلتها».
لا خلاف في أن ولد الأمة من سيدها حر، ولما كان قد يتوهم أن ولدها من غيره كالزوج، والمالك الرقيق، أو من زنا بعد أن صارت أم ولد ليس كذلك، نبه على إلحاقه، فيكون بمنزلتها في العتق من رأس المال بعد موت السيد، وفي المنع من البيع في حياته، لكنه لا يكون مثلها في الخدمة، فيجوز استخدامه في كثير الخدمة، أما هي فيستخدمها فوق خدمة الزوجة، ودون خدمة القنة، لأنها اجتمع فيها من هذا وهذا، أما ولدها السابق على صيرورتها أم ولد فإنه رقيق، فتأمل رحمك الله هذا السداد في النظر الذي أورثه التضلع بمقاصد الدين، في أذهان المذعنين، لتكون من المتبعين، وهو اجتهاد على كل حال.
стр. 1824
• قوله:
١٨ - «ومال العبد له إلا أن ينتزعه السيد».
الظاهر من تصرفاتهم أن العبد يملك ملكا غير تام، فيجوز له إذا ملك جارية أن يطأها ما لم ينتزعها مالكه منه، وعلى هذا يكون مطالبا بإخراج الزكاة متى حال على المال الحول وهو في حوزته، لكن مشهور المذهب أنه لا يزكي، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب الزكاة، والدليل على أن ملك العبد ليس تاما قول النبي ﷺ : «من ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع»، رواه البخاري ومسلم، ففي قوله فماله نسبة المال للعبد، فمن قائل إنها نسبة مجازية، ومن قائل إنها حقيقية على الأصل، ما لم ينتزعه السيد، وهذا هو الظاهر دل عليه جواز انتزاعه ودخوله في الصفقة فينتج أن ملكه ليس تاما، ولأن سيده يملك رقبته فأحرى أن يملك ماله.
стр. 1825
• قوله:
١٩ - «فإن أعتقه أو كاتبه ولم يستثن ماله فليس له أن ينتزعه».
وهذا لأن المعتق خرج من ملك سيده، فساوى غيره من الناس في حرمة ماله، ولأن ماله يتبعه بخلاف حال البيع فلا يتبع العبدَ مالُه إلا باشتراط من اشتراه كما تقدم، وقد دل على هذا حديث ابن عمر ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ : «من أعتق عبدا وله مال فمال العبد له إلا أن يشترطه السيد»، رواه أبو داود (٣٩٦٢) وابن ماجة، وروى مالك في الموطإ (١٤٦١) وابن أبي شيبة عن ابن شهاب الزهري قال: «مضت السنة أن العبد إذا أعتق تبعه ماله»، وهو موقوف، وفيه دلالة على شيوع هذا الأمر في عهده، وقد نزع مالك في الاستدلال على أن السيد لا يجوز له أن يشترط على العبد خدمته بعد عتقه بالمفهوم الأولوي المأخوذ من قول النبي ﷺ : «من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّمَ عليه قيمة العدل، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق»، رواه في الموطإ (١٤٥٨) عن ابن عمر، وهو في الصحيحين والسنن الأربعة، وقد وجه استدلاله على ذلك بقوله: «فهو إذا كان له العبد خالصا أحق باستكمال عتاقته، ولا يخلطها بشيء من الرق»، انتهى.
أما منع انتزاع مال المكاتب فلأن عقد الكتابة يتناقض مع تجريده من ماله أو من بعضه، كيف وهو مطالب بإعطائه من ماله كما تقدم، ولو ساغ له ذلك لترتب عليه عدم وفاء المكاتب بنجوم الكتابة لأنه كلما امتلك مالا انتزعه منه فيعود ذلك على عقد الكتابة بالإبطال، ويدخل في قوله ﷺ في حديث ابن عمر: «من أعتق عبدا وله مال،،،» أم الولد متى تحررت بموت مالكها، والمدبر، والموصى بتحريره، فهؤلاء لا تنتزع منهم أموالهم متى حضر وقت تحريرهم، والله أعلم.
стр. 1826
• قوله:
٢٠ - «وليس له وطء مكاتبته».
امتنع وطء المكاتبة لأن الأصل في الفروج التحريم، والكتابة مقدمة للتحرير فأعطيت حكمه، ولأن بالكتابة زال عن الأمة خالصية الرق كما لو كانت مشتركة فمنع الوطء، والله أعلم.
стр. 1827
• قوله:
٢١ - «وما حدث للمكاتَب والمكاتَبة من ولد دخل معهما في الكتابة وعتق بعتقهما».
تقدم الكلام على أن حمل من كوتبت أو أعتقت أو دبرت هو بمنزلتها، وذكر هنا حكم الرقيق المكاتب ذكرا كان أو أنثى، فإنه إن كاتب عبده وقد حملت أمة عبده منه بعد الكتابة فإن الحمل يعطى حكم المملوك في الكتابة من غير شرط، وكذلك إذا كوتبت الأمة وهي حامل فإن ولدها بمنزلتها، ووجهه أن الحمل بعض المكاتَب، ولم يتقدم للسيد ملك عليه، بخلاف ما إذا كان الحمل قد انفصل عن صلب المكاتب قبل عقد الكتابة واستقر في الرحم، أو كانت الأمة المكاتبة قد وضعت حملها فإنه ليس بعضَها، فجعلوا ما يكون في ظهر المملوك بمنزلة ما في رحم المملوكة، وجعلوا انفصال ماء المكاتب عنه بمنزلة انفصال حمل الأَمَة عنها، فإن كانت الأمة قد حملت قبل عقد الكتابة فلا يدخل ولدها في العقد إلا بالشرط.
стр. 1828
• قوله:
٢٢ - «وتجوز كتابة الجماعة ولا يعتقون إلا بأداء الجميع».
يحوز أن يكاتب السيد أكثر من مملوك في عقد واحد على مال واحد يوزع على قدر قوة المكاتبين في الأداء يوم الكتابة، لا على عدد رؤوسهم بالتساوي، ولا على قدر قيمة كل منهم، وإذا حصل ذلك فإنه لا يتم تحريرهم إلا بعد أن يتموا الأقساط التي عليهم، لأنهم حملاء متضامنون في القدر المجعول عليهم، ولو من غير اشتراط ذلك في عقد الكتابة، وهذا بخلاف حمالة الديون فإنها تتوقف على الشرط، واختلفت الكتابة عنها لما تقدم، ولا يوضع عنهم من المال شئ إذا توفي بعضهم، قال مالك: «الأمر المجتمع عليه عندنا أن العبيد إذا كوتبوا جميعا كتابة واحدة فإن بعضهم حملاء عن بعض، وإنه لا يوضع عنهم لموت أحدهم شيء، وإن قال أحدهم قد عجزت، وألقى بيديه فإن لأصحابه أن يستعملوه فيما يطيق من العمل، ويتعاونون بذلك في كتابتهم حتى يعتق بعتقهم إن عتقوا، ويرق برقهم إن رقوا»، انتهى.
ويجوز للسيد إذا كاتب مجموعة من الأرقاء أن يعتق بعضهم قبل الأداء بشرطين: أولهما هو رضا الباقين، والثاني أن يكون لهم قدرة على أداء باقي النجوم، فإن لم يكن لهم قدرة لم يجز وإن رضُوا، ووجهه أنهم برضاهم أضعفوا قدرتهم على تحرير أنفسهم، والتحرير حق الله تعالى، فلا يجوز للمرء أن يحرر غيره ويكون ذلك سببا في رق نفسه، ولذلك فإنه يجوز للسيد أن يعتق الضعيف عن الكسب ولو لم يرض الباقون لأنهم لا يتضررون بتحريره، هكذا قرر أهل المذهب هذه المسألة، وقد وجهتها بما ترى.
стр. 1829
• قوله:
٢٣ - «وليس للمكاتب عتق ولا إتلاف ماله حتى يعتق».
المكاتب رقيق ما بقي عليه شيء، وإذا علل عدم جواز أخذ السيد مال مكاتَبه بأنه يتناقض مع عقد الكتابة كما تقدم، فينبغي أن يقال إن صرف المكاتب ماله في غير كتابته مضر بنفسه إذ يستمر رقه أو يتأخر تحريره، وهو مضر بسيده الدائن أيضا فلا يصح منه عتق ولا هدية ولا صدقة تطوع إلا بإذن سيده، وإنما يجوز من ذلك ما كان قليلا، فإذا أذن له سيده في عتق مملوكه نفذ وكان الولاء لسيده، حتى إذا أدى ما عليه رجع الولاء له، والظاهر أن الولاء للمكاتب ابتداء لما في حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- من العموم وهو قوله ﷺ : «إنما الولاء لمن أعتق»، وهو الذي ذهب إليه الشيخ علي الأجهوري كما في الفواكه الدواني، ووجه الأول أن المال للسيد فهو المعتق حقيقة.
стр. 1830
• قوله:
٢٤ - «ولا يتزوج ولا يسافر السفر البعيد بغير إذن سيده».
أما منع الزواج عنه فقد سبق حديثه في باب النكاح حيث اعتبر النبي ﷺ المتزوج بعير إذن سيده عاهرا، ولأن زواجه عيب فيه فلسيده رده وفسخه، وله إمضاؤه ما لم يكن معه غيره في الكتابة، فلا يمضى إلا برضاهم، لكن يجوز للمكاتب التسري لأنه لا ضرر على سيده فيه، لأن السرية تباع، أما منعه من السفر فقد قيد بالبعيد الذي يحل في أثنائه وقت النجم، فإن كان السفر معتادا له قبل الكتابة فلا يمنع منه لكونه دخل عليه، ووجه المنع عدم دفعه النجم في وقته، ولأن ذلك قد يكون ذريعة إلى هربه وإباقه، والعلم عند الله.
стр. 1831
• قوله:
٢٥ - «وإذا مات وله ولد قام مقامه وودى من ماله ما بقي عليه حالا، وورث من معه من ولده ما بقي».
إذا مات المكاتَب ولم يكن قد أتم نجوم كتابته فإنها تفسخ ويموت رقيقا، ويرثه مالكه، إلا إذا كان له ولد دخل معه في الكتابة أو حدث بعدها فإنه يقوم مقامه فيها غير أنه يؤدي النجوم الباقية حَالَّةً، لأن الموت سبب في حلول الدين المؤجل لخراب الذمة بحصوله، وإنما لم يبطل عقد المكاتَب بموته لأنه يقتضي عوضا فلا يبطل بموت من عقده إذا كان معه في العقد من يقوم به كالبيع والإجارة، وقد تقدم ذلك، وإذا أديت النجوم فما بقي من مال المكاتب فهو ميراث يتقاسمه من دخل في الكتابة من أولاده فقط، وهو ظاهر كلام المؤلف، وقيل يرثه كل من يعتق عليه ممن معه في الكتابة - وسيأتي ذكر من يعتق على المرء متى ملكه - فأما من كان خارج الكتابة من أقاربه أحرارا كانوا أو عبيدا فلا إرث لهم، فالحاصل أن الذي يرث المكاتبَ المتقدمَ ذكره ينبغي أن يتوفر فيه شرطان، أولهما: أن يكون داخلا معه في الكتابة، والثاني: أن يكون ممن يعتق عليه جبرا، وقد عللوا عدم دخول من لم يتوفر فيه ما ذكر بأن ميراث العبد هنا دخله معنى الولاء، فلا يرثه إلا من له فيه شبهة، وإنما لم يرثه من كانوا في كتابة أخرى فلأن شأن المتوارثين التساوي حال الموت في الحرية والرق، والتساوي هنا غير محقق لاحتمال أداء أصحاب إحدى الكتابتين دون الأخرى.
стр. 1832
• قوله:
٢٦ - «وإن لم يكن في المال وفاء فإن ولده يسعون فيه ويؤدون نجوما إن كانوا كبارا، وإن كانوا صغارا وليس في المال قدر النجوم إلى بلوغهم السعي رقوا».
إذا كان للمكاتب الذي مات في أثناء أدائه أقساط الكتابة مال فإن باقي الأقساط تحل وتؤدى من ماله هو ويورث الباقي على ما تقدم، فإن لم يكن له مال يفي بما عليه من الدَّيْنِ فإن أولاده يعملون في المال ويستمرون في أداء النجوم على ما سبق من التقسيط المتعاقد عليه، وكذا غيرهم ممن دخل معه في الكتابة، فإن كان أولاده صغارا لا قدرة لهم على السعي في الوفاء بالنجوم وليس في مال والدهم ما يفي بالأقساط إلى بلوغهم زمن السعي رقوا في الحين، والمقصود أن كتابة الميت تستمر لمن كان مشاركا له فيها، وليس الفرق بين الولد وغيره إلا في كون الولد يؤدي ما بقي من النجوم من مال والده، ويرث الباقي إن كان، أما في استمرار الكتابة وأداء النجوم على أصلها فلا فرق.
стр. 1833
• قوله:
٢٧ - «وإن لم يكن له ولد معه في كتابته ورثه سيده».
إذا لم يكن للمكاتب الذي مات ولد مشارك له في الكتابة ولا له فيها من يعتق عليه جبرا، وليس في ماله وفاء فإن وارثه هو سيده يرثه بالرق لا بالولاء لأنه مات رقيقا.
стр. 1834
• قوله:
٢٨ - «ومن أولد أمة فله أن يستمتع منها في حياته وتعتق من رأس ماله بعد مماته، ولا يجوز بيعها ولا له عليها خدمة ولا غلة».
الكلام هنا على أم الولد، وقد حدها ابن عرفة بأنها «الحر حملُها من وطء مالكها عليه جبرا»، انتهى، فخرج بقوله وطء مالكها الأمة التي أعتق سيدها حملها من غيره، والأَمَة المملوكة لأبي زوجها، لأن عتق ولدها إنما جاء من عتقه جبرا على جده، لا من كونها أم ولد، والمقصود أن الأَمَة متى ولدت من مالكها الحر صارت أم ولد، فيمنع بيعها وهبتها والتصدق بها ومؤاجرتها من غيره، واستخدامها إلا فيما دون خدمة المملوك، ولا تباع في دَيْن سيدها متى كانت استدانته متأخرة عن استيلادها، غير أنه يجوز لمالكها الاستمتاع بها، فإذا مات عتقت من رأس ماله من غير حاجة إلى حكم حاكم، وقد دل على ذلك ما روي عن ابن عباس فيما أخرجه ابن ماجة، والدارقطني قال: «لما ولدت مارية أم إبراهيم قال رسول الله ﷺ : «أعتقها ولدها»، لكنه حديث ضعيف كما في الإرواء (ح/ ١٧٧٢)، وقد روى البخاري عن عمرو بن الحارث قال: «ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة إلا بغلته التي كان يركبها وسلاحه وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة»، رواه البخاري (٤٤٦١)، فهذا يقوي أنها عتقت بالاستيلاد، ومن ذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وفيه أنهم قالوا إنا نصيب سبايانا فنحب الأثمان، فكيف ترى في العزل،،،»؟.
قال البيهقي: «فلولا أن الاستيلاد يمنع من نقل الملك لم يكن لعزلهم لأجل محبة الأثمان فائدة»، انتهى، وانظر شرح الزرقاني على الموطإ (٤/ ٨٣)، وروى أبو داود وصححه الحاكم عن جابر: «بعنا أمهات الأولاد على عهد سول الله ﷺ ، وعهد أبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا»، وهذا وإن كان له حكم الرفع فقد عارضه ما رأيت، فيكون
стр. 1835
الحكم مما خفي على الناس، يؤيده ما رواه مالك في الموطإ (١٤٦٢) عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «أيما وليدة ولدت من سيدها فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يورثها، وهو يستمتع بها، فإذا مات فهي حرة»، وهذا وإن نسب إلى عمر فليس يمتنع أن يكون مرد المنع إلى النبي ﷺ كما في نكاح المتعة، يدل عليه ما رواه الطبراني عن خوات بن جبير مرفوعا: «لا تباع أمُّ الولد»، وجاء عن علي في خلافته جواز بيعهن بعد أن كان يرى ما رآه عمر وعثمان من المنع، رواه سعيد بن منصور عن عبيدة، وفيه قول عبيدة: «فرأي عمر وعلي في الجماعة أحب إلي من رأي علي وحده».
стр. 1836
• قوله:
٢٩ - «وله ذلك في ولدها من غيره، وهو بمنزلة أمه في العتق يعتق بعتقها».
وَلَدُ الأَمَةِ بعد أن تصير أم ولد ثلاثة: لأنه إما أن يكون من سيدها أو من غيره، والأخير إما أن تكون حملت به بعد الاستيلاد أو قبله، فما كان من سيدها فهو حر بالاتفاق، وما كان من غيره قبل الاستيلاد فهو رقيق، وما كان بعده فهو الذي تكلم عليه هنا وهو أنه يجوز له استخدامه غير أنه يكون بمنزلة أمه يعتق بعد وفاة سيدها.
стр. 1837
• قوله:
٣٠ - «وكل ما أسقطته مما يعلم أنه ولد فهي به أم ولد، ولا ينفعه العزل إذا أنكر ولدها وأقر بالوطء، فإن ادعى استبراء لم يطأ بعده لم يلحق به ما جاء من ولد».
لا يقتصر تحرير الأُمَةِ المستولدة عندهم على ما إذا ولدت ولادة عادية، بل الأمر كذلك إذا أسقطت ما يعلم أنه حمل بشهادة العارفات من النساء، ولو سقط الحمل وهو علقة أو مضغة، وكما تكون الأمة بذلك أم ولد فكذلك تنقضي العدة به، وتلزم به الدية وهي الغرة، كل هذا على المشهور في المذهب، وهذا الحكم فيما إذا لم ينكر المالك الحمل، أما إن أنكر أن الولد منه فلينظر: فإن اعتمد على أنه عزل عنها فلا عبرة بقوله متى أقر بالوطء، لأن الحمل ممكن مع العزل، فلا تقبل دعوى إنكاره، لكن إن ادعى أنه استبرأها بحيضة لم يطأها بعدها، وجاءت بولد لستة أشهر من الاستبراء فأكثر، فإنه لا يلحق به، وإن كان يعتق بعتق أمه، وتقبل دعواه بلا يمين ترجيحا لجانبه لكونه المالك واستصحابا للأصل، وقيل لابد من اليمين لتعارض دعواه مع سبب العتاق المرغب فيه.
стр. 1838
• قوله:
٣١ - «ولا يجوز عتق من أحاط الدَّيْنُ بماله».
بعد كلامه على العتق بالتدبير والاستيلاد والمكاتبة تكلم هنا على العتق الناجز، والعتق في اللغة الخلوص، والصلة بين هذا وبين ما نحن فيه خروج الرقبة من الرق، وهو الكرم أيضا، ولذلك يقال البيت العتيق، وفيه معنى القدم، وهو من أعظم القربات، ومما جاء فيه من الترغيب قول النبي ﷺ : «من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل إرب منها إربا منه من النار، حتى فرجه بفرجه»، رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة، والإرب القطعة، ومن ذلك قول النبي ﷺ : «أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلما استنقذ الله بكل عضو منه عضوا من النار»، رواه الشيخان، وروى الترمذي عن أبي أمامة ﵁ مرفوعا: «أيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار»، والفكاك بكسر الفاء وفتحها ما يفك به الشيء، وروى أبو داود عن كعب بن مرة ﵁ مرفوعا: «وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار».
ويكون العتق واجبا ومندوبا، والكلام هنا على غير الواجب، وللعتق أركان ثلاثة:
أولها: المُعْتِقُ بكسر التاء، وهو البالغ العاقل الذي لم يحط الدَّيْنُ بماله، غير
صبي ولا مجنون ولا محجور عليه، وينفذ عتق السكران عندهم كما ينفذ طلاقه، والظاهر خلافه لفقد القصد من الناسي والمخطئ والمكره، إذ العتق عبادة، وكذلك يصح عتق الكافر الكافر، بيد أنه له الرجوع فيه بخلاف المسلم، فإن أعتق الكافر عبده ثم أسلم لزمه عتقه.
ويستدل على عدم مشروعية عتق من أحاط الدين بماله بالقياس على ما رواه مالك عن الحسن بن أبي الحسن البصري ومحمد بن سيرين أن رجلا في زمان رسول الله ﷺ أعتق عبيدا له ستة عند موته فأسهم رسول الله ﷺ بينهم، فأعتق ثلث أولئك العبيد، قال مالك: «وبلغني أنه لم يكن لذلك الرجل مال غيرهم»، وقد وصله مسلم من طريق محمد
стр. 1839
بن سيرين عن عمران بن حصين نحوه، وكذا ما مر من بيع النبي ﷺ العبد المدبر لحاجة المدبر.
وإنما كان التطوع بالعتق غير جائز في حالة إحاطة الدين بالمالك لأن المعتق حينئذ لا مال له، فكأنه يتصرف في مال غيره، ولأن رد الديون واجب والعتق تطوع، والأول مقدم، وكما لا يجوز عتقه لا تجوز هبته ولا صدقته، بل هذا أولى، وهو واضح، وللغريم أن يرد العتق إن استغرق الدين جميع المال، ويرد بعضه إن استغرق بعض ماله، ويباع جزء العبد الذي استغرقه الدين إن وجد من يشتريه، وإلا بيع جميعه.
قال في الموطإ (١٤٦٣): «الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا تجوز عتاقة رجل وعليه دين يحيط بماله وأنّه لا تجوز عتاقة الغلام حتى يحتلم، أو يبلغ مبلغ المحتلم، وأنه لا تجوز عتاقة المولى عليه في ماله، وإن بلغ الحلم حتى يلي ماله»، انتهى
والركن الثاني المُعْتَقُ بفتح التاء، وهو إما رقيق قن، أي كامل الرق، أو فيه شائبة حرية كالمدبر والمكاتب والمشترك والمُبَعَّض، ومن شرطه أن لا يتعلق به حق كالمرهون والمستأجر والعبد الجاني، فهؤلاء يتوقف تنجيز عتقهم على إجازة من له حق فيهم.
والركن الثالث الصيغة، وهي إما صريحة إذا دلت على رفع الملك من غير احتمال، وضابطها ما فيه لفظ العتق أو الفك أو التحرير، كأن يقول: فككت رقبتك من الرق، أو حررتها، أو أعتقتك، إلا أن تصرفها القرينة عن ذلك فلا يلزم العتق كأن يقول لعبده معجبا بعمله ما أنت إلا حر، أوكناية كوهبت لك نفسك، أو تصدقت عليك.
стр. 1840
• قوله:
٣٢ - «ومن أعتق بعض عبده استُتم عليه».
هذا من خصائص العتق وهو أنه لا تقبل فيه التجزئة، ويسمى العتقَ بالسراية، أي سراية صفة العتق الذي نجز في بعض الرقيق إلى الكل، وبيانه أن إعتاق بعض المملوك أقسام ثلاثة، لأنه إما أن يكون مملوكا لشخص واحد، أو لأكثر، وفي الأخير إما أن يكون لمعتق البعض مال أو لا، والذي ذكره هنا هو الأول، فمن أعتق بعض عبده الذي يملكه كله قنا كان أو فيه شائبة رق كأن يعتق نصفه أو ربعه أو عضوا منه كمل عتقه عليه بحكم حاكم على المشهور، لا فرق بين أن يكون موسرا أو معسرا، لكن الكافر لا يستتم عليه عتق بعض عبده الكافر، فإن أسلم أحدهما استتم عليه.
وقد دل على استتمام تحرير العبد على معتق بعضه فحوى الخطاب، أعني مفهوم الموافقة في حديث عبد الله بن عمر االمذكور في الفقرة الموالية، لأنه إذا كان يقوم عليه نصيب شريكه فيدفعه له إن كان له مال، فأحرى أن يكمل عليه عتق الجزء الذي لم يعتقه من مملوكه الخالص له.
وقد أشار إلى القسم الثاني من أقسام سراية العتق بقوله:
стр. 1841
• قوله:
٣٣ - «وإن كان لغيره معه فيه شركة قوم عليه نصيبُ شريكه بقيمته يوم يقام عليه وعَتَق».
إذا أعتق المرء سهمه في عبد قوم عليه نصيب شريكه فيه فأداه إليه من ماله، ويعتق العبد برمته، قالوا ويُقَوَّمُ العبد كاملا، لا على أن بعضه حر، لما في تقويم بعضه من الإضرار بالشريك في قيمته، وقوله يوم يقام عليه أي أن القيمة تعتبر يوم حكم الحاكم، وقد دل على التقويم حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّمَ العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعَتَق عليه العبد، وإلا فقد عَتَق منه ما عَتَق»، رواه مالك (١٤٥٨) والشيخان وأصحاب السنن، قوله «قوم العبد عليه»، وجه إيجاب التقويم أن فيه ثلاثة حقوق أحدها لله، والثاني للشريك، والثالث للعبد، قاله ابن العربي في المسالك، فسبحان من أعطى كل ذي حق حقه، وقوله عَتَق منه ما عَتَق الفعل فيهما مبني للمعلوم، قال في الصحاح: «عَتَق العبد يعتق عتقا وعتاقة فهو عتيق وعاتق، وأعتقته أنا»، انتهى، وعن أبي المليح عن أبيه أن رجلا أعتق شقصا له في غلام، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «ليس لله شريك»، فأجاز النبي ﷺ عتقه، رواه أبو داود والنسائي، وقال الحافظ: «حديث أبي المليح عند أبي داود والنسائي بإسناد قوي»، انتهى.
وفي حديث أبي هريرة عند الأول: «وغرمه بقية ثمنه»، والشقص، ومثله الشقيص هو النصيب والسهم، ومعنى قوله «ليس لله شريك»، أي أن العتق لله، فلا يصح أن يكون بعض العبد لغيره سبحانه فيكون كأنه شريك لله فيه، قال الخطابي: «والحديث فيه دليل على أن المملوك يعتق كله إذا أُعتق الشقص منه، ولا يتوقف على عتق الشريك الآخر وأداء القيمة، ولا على الاستسعاء، ألا تراه يقول: «وأجاز النبي ﷺ عتقه، وقال: ليس لله شريك»، فنفى أن يقارن الملكُ العتقَ، وأن يجتمعا في شخص واحد، هذا إذا كان المعتق موسرا، فإذا كان معسرا كان الحكم بخلافٍ على ما ورد بيانه في السنة»، انتهى.
стр. 1842
• قوله:
٣٤ - «فإن لم يوجد له مال بقي سهم الشريك رقيقا».
هذا كما قال إلا إذا كان لمعتق بعض العبد من المال ما يعتق به بعض سهم شريكه فإنه والله أعلم يعمل عليه، ويظل الباقي منه رقيقا، لأن فيه تقليل السهم المملوك من العبد وتيسير كتابته لمالكه، أو استسعائه الذي سيأتي ذكره، وقد استدلوا على بقاء بعض المملوك رقيقا بما في آخر حديث ابن عمر المتقدم من قوله ﷺ : «من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعَتَق عليه العبد، وإلا فقد عَتَق منه ما عَتَق»، وقيل عن الجملة الأخيرة إنها مدرجة في الحديث، وهي مع ذلك معارضة بما في حديث أبي هريرة ﵁ من ذكر الاستسعاء، وهو قول رسول الله ﷺ : «من أعتق نصيبا أو شقيصا في مملوك فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال، وإلا قوم عليه فاستسعي به غير مشقوق عليه»، رواه الشيخان وأصحاب السنن، وقيل عن فقرة الاستسعاء هذه ما قيل عن فقرة «وإلا فقد عَتَق منه ما عَتَق»، قال الحافظ في الفتح (٥/ ١٩٦): «والذي يظهر أن الحديثين صحيحان مرفوعان وفاقا لعمل صاحبي الصحيح»، انتهى، وقوله استسعي به قال ابن الأثير: «استسعاء العبد إذا عتق بعضه ورق بعضه أن يسعى في فكاك ما بقي من رقه، فيعمل ويكسب ويصرف ثمنه إلى مولاه، فسمي تصرفه في كسبه سعاية»، انتهى، ومعنى هذا أن الشرع أوجب على معتق شقص العبد استكمال تحريره إن كان له مال، وإلا تعين على العبد تخليص الشقص الذي ظل مملوكا منه، وهو القياس لو لم يكن نص بتساقط الزيادتين في حديثي ابن عمر وأبي هريرة ﵄، ونظير ذلك الأسير يفك نفسه أو يفكه غيره، ولم يقل أهل المذهب بالاستسعاء لما علمت من الاختلاف في جملته، ورأيي أن القياس قاض بحمل ذلك على الكتابة، بل الاستسعاء أولى لأن في تركه ما يشبه رجوع المكاتب بكسر التاء عن الكتابة من غير داع، وذلك لا يجوز، ووجه الشبه أن بعض المملوك قد تحرر، وذهب ابن العربي ﵀ في المسالك (٦/ ٥٠٤) إلى أن الكتابة
стр. 1843
مخصوصة بحكمها خارجة عن قواعد الشريعة بنفسها، وأنه لا يقاس على مخصوص، كما لا يقاس منصوص على منصوص»، انتهى ببعض تصرف، أما النص على الاستسعاء فقد رده بأنه من كلام الراوي، ولا يسلم ما قاله في الأمرين لما علمت، كما لا يصح أن يعارض حديث الاستسعاء بما في مرسل الحسن وابن سيرين عند مالك، وقد تقدم أن مسلما وصله من حديث عمران بن حصين وفيه أن النبي ﷺ أسهم بين العبيد الستة فأعتق ثلثهم ورجع الثلاثة إلى الاسترقاق، فيقال لو كان الاستسعاء مشروعا لأعتق النبي ﷺ من كل عبد نصفه على أن يستسعي ليستكمل حريته، والجواب أن القول شريعة عامة والفعل تدخله الاحتمالات، ولأن الاستسعاء إنما جاء تصحيحا لما وقع لا ابتداء، ولأن عتق بعض المملوكين الستة لا يتحقق معه عتق واحد منهم لاحتمال عجزهم جميعا فيسترقون.
стр. 1844
• قوله:
٣٥ - «وَمَنْ مَثَّلَ بعبده مُثْلَةً بَيِّنَةً منْ قَطْعِ جارحة ونحوه عتق عليه».
أي أن من ألحق بعبده ومثله في المذهب عبد عبده أو عبد ولده الصغير عقوبة بينة متعمدا فشانته كقطع اليد أو الرجل أو الأنملة أوفقء العين أو وسم الوجه بالنار أو قلع الظفر أو قطع بعض الأذن أو السن أو حلق رأس الجارية الرفيعة - واختلفوا في حلق اللحية هل يكون مثلة أولا؟، وقد اعتبر عبد الملك ذلك مثلة إذا كان المملوك تاجرا وجيها - فإذا فعل السيد شيئا من ذلك ونحوه بمن ذكر عتق عليه جبرا، فينبغي أن يجتمع في العتق بالمثلة شيئان العمد وبلوغ المثلة الشين، واختلفوا هل يعتق بنفس المثلة أو لا بد من حكم الحاكم، الأول لأشهب، والثاني لابن القاسم رحمهما الله، واختلف في معاقبته فقيل لا عقاب عليه، وقيل يضرب ويسجن، وهذا هو الظاهر، وقول المؤلف بعبده يخرج من مثل بعبد غيره فإن عليه ما نقص منه وهو أرش الجناية.
وقد دل على عتق المملوك إذا مثل به حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن زنباعا أبا روح وجد غلاما له مع جارية فجدع أنفه وجبه فأتى النبي ﷺ فقال: «من فعل هذا بك»؟، قال: «زنباع»، فدعاه النبي ﷺ فقال: «ما حملك على هذا»؟، فقال: «كان من أمره كذا، وكذا»، فقال رسول الله ﷺ : «اذهب فأنت حر»، فقال: «يا رسول الله فمولى من أنا»؟، قال: «مولى الله ورسوله»، فأوصى به المسلمين، رواه أحمد وأبو داود (٤٥١٩) وابن ماجة (٢٦٨٠)، وحسنه الألباني في الإرواء (ح/ ١٧٤٤)، وقوله جبه معناه قطع ذكره كما جاء مصرحا به في رواية أخرى، وأخرج مالك في الموطإ أن وليدة أتت عمر وقد ضربها سيدها بنار فأصابها بها، فأعتقها عليه».
стр. 1845
• قوله:
٣٦ - «ومن ملك أَبَوَيْهِ أو أحدا من ولده أو ولد ولده أو ولد بناته أو جده أو جدته أو أخاه لأم أو لأب أو لهما جميعا عتق عليه».
لما أنهى الكلام على العتق الناجز والتدبير والكتابة والاستيلاد والسراية والمثلة تكلم على آخر الأسباب الموجبة للعتق وهي القرابة، فمن ملك بأي وجه أصله وإن علا أو فرعه وإن سفل، أو حاشيته القريبة، وتفصيل ذلك أن من ملك أحد أبويه دنية أو فوقه كالجد والجدة لأب أو لأم أو ولده أو ولد ولده وإن نزل أو ولد بنته وإن نزل أو أخته أو أخاه الشقيق أو لأب أو لأم فإنه يعتق عليه بمجرد دخوله في ملكه، ولا يتوقف ذلك على حكم حاكم، وهذا من أوسع المذاهب في العتق بالقرابة، والمشهور أن المعتبر في القرابة النسب لا الرضاع، وقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجة (٢٤٢٤) من طريق الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ قال: «من ملك ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فهو حر»، والرحم بفتح فكسر موضع تكوين الولد، والمراد هنا القريب الذي يحرم نكاحه نظرا لتقييده بكونه محرما لا مطلق من يلتقي معك في ضم الرحم له، فضلا أن يشمل المحرم من الرضاع كما تقدم، والمحرم بمفتوحتين بينهما ساكن هو في الحديث مجرور بالمجاورة وأصله النصب لأنه نعت ل ذا رحم لا ل رحم، أو يكون وصفا له على التوسع، وروى والبخاري في الأدب المفرد ومسلم والترمدي وابن ماجة هن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه».
стр. 1846
• قوله:
٣٧ - «ومن أعتق حاملا كان جنينها حرا معها».
هذا من أسباب العتق وهو العتق بالتبعية، فمن أعتق أَمَتَهُ وهي حامل من غيره كزوجها أو من زنا فولدها تبع لها في العتق ولا يصح استثناؤه «لأن كل ولد حدث من غير ملك يمين فهو تابع لأمه في الحرية والرق، لأنه لا يوجد في الأصول حرة حامل برقيق إلا على جهة الندور، وإنما توجد أمة حامل بحر، ولأن الحرية مسته وهو في بطنها، وهو كعضو من أعضائها فوجب أن يعتق بعتقها»، انتهى، قاله النفراوي ﵀ في شرحه.
стр. 1847
• قوله:
٣٨ - «ولا يعتق في الرقاب الواجبة من فيه معنى من عتق بتدبير أو كتابة أو غيرهما».
العتق ثلاثة: تطوع وجبر وواجب، ويختص الأخير بشروط لا يجزئ دونها، فلا يصح أن يعتق في كفارة الظهار مثلا أو في كفارة القتل خطأ أو الحنث في اليمين أو المشتراة من الزكاة أو العتق المنذور مدبر ولا مكاتب ولا أم ولد ولا معتق لأجل ولا معتق لمثلة ولا مبعض، لا فرق بين أن يكون المعتق هو المالك أو غيره، إما لأن من ذكر من الرقاب هي بصدد العتق، أو لأنها ليست رقابا كاملة فتكون قيمتها أقل من الكاملة، وإما لأنها قد لزم عتقها فلا يصح صرفها لواجب آخر، ولأن عتقها يضيق سبل التحرير والشرع من مقاصده تكثيرها، ويندرج في هذا ما رواه مالك في الموطإ بلاغا أن عبد الله بن عمر ﵄ سئل عن الرقبة الواجبة هل تشترى بشرط فقال: «لا»، وهذا لأن الشرط يحط من ثمنها، فلا يكون قد أعتق رقبة كاملة، كما علل مالك حيث قال: لأنه يضع من ثمنها للذي يشترط من عتقها»، انتهى.
стр. 1848
• قوله:
٣٩ - «ولا أعمى ولا أقطع اليد وشبهه».
إنما رأوا عدم كفاية عتق الأعمى وأقطع اليد والرجل والإصبع والأشل وكل من فيه عيب غير خفيف في العتق الواجب لأن «المقصود تمليك العبد منفعته وتمكينه من التصرف، وذلك لا يحصل مع العيب الذي يضر بالعمل ضررا بينا»، قاله في مسالك الدلالة، وقد نص مالك في الموطإ على عدم كفاية عتق الأعمى، فإن أعتق من لا يجزئ عتقه كان حرا ولا يرجع رقيقا، قال كاتبه إذا لم يرد دليل بعدم كفاية من ذكر في العتاق فالأصل الجواز، لأن الله تعالى أطلق ولم يقيد، نعم إن تعمد المعتق واستقصى في البحث عن الناقص فقد يأثم، ولا يكفي في هذا المقام الاستدلال بما ورد من قول النبي ﷺ حين سئل عن الرقاب أيها أفضل؟، فقال: «أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها»، رواه مالك في الموطإ عن عائشة، وهو في الصحيحين عن أبي ذر ﵁، فإن هذا في الأفضلية لا في الإجزاء، وظواهر النصوص تدل على ذلك لأن فيها مطلق الرقبة بخلاف من استدل بها على لزوم السلامة.
стр. 1849
• قوله:
٤٠ - «ولا من على غير الإسلام».
لا بد في الرقبة الواجبة العتق - كما في كفارة الظهار والفطر في رمضان واليمين - أن تكون من المؤمنين لتقييدها بذلك في كفارة القتل الخطإ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢]، فأما الإطلاق الذي في كفارة الظهار وهو قوله جلت قدرته: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا (٣)﴾ [المجادلة: ٣]، وكفارة اليمين في قوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، فإنه يحمل على المقيد لاتحاد الحكم وإن اختلف السبب، أو يكون ذلك بالقياس عليه، والوجه الثالث أنه منصوص فيستغنى به عن غيره كما في حديث معاوية بن الحكم الذي رواه مالك في الموطإ (١٤٦٤) ومسلم واللفظ للأول وفيه عن عمر بن الحكم، وهو خطأ، قال أتيت رسول الله ﷺ فقلت: إن جارية لي كانت ترعى غنما لي، فجئتها وقد فقدت شاة من الغنم، فسألتها عنها فقالت: «أكلها الذئب»، فأسفت عليها، وكنت من بني آدم فلطمت وجهها، وعلي رقبة، أفأعتقها؟، فقال لها رسول الله ﷺ : «أين الله «؟، فقالت: «في السماء»، فقال: «من أنا»، قالت: «أنت رسول الله»، فقال رسول الله ﷺ : «أعتقها»، وفي رواية مسلم: «أعتقها فإنها مؤمنة»، وإنما اعتبر ذلك شرطا لأن عتق الجارية هذه كان في مقابل عتق عليه، يدل عليه قوله: «وعَلَيَّ رقبة»، إذ الظاهر أَنَّهُ إخبار عما التزمه أو لزمه، قال الشوكاني في نيل الأوطار (٧/ ٥٢): «ولم يستفصله عن الرقبة التي عليه، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال»، انتهى، قال كاتبه: إذا ثبت وجوب تحرير تلك الرقبة التزاما مؤتنفا أو إخبارا عن التزام سابق من معاوية بن الحكم فوصف الوجوب لا يُفتقر معه إلى الاحتجاج بقاعدة ترك الاستفصال، لأن وصف الإيمان يشمل جنس الواجب من نذر أو كفارة قتل أو ظهار أو يمين أو كفارة نذر،
стр. 1850
وإن كان المراد ترك استفصال النبي ﷺ معاوية أواجب عتق تلك الرقبة عليه أم هو تطوع منه؟، فلا يكون في الحديث بناء على ذكر هذه القاعدة هنا دليل على اشتراط الإيمان للاحتمال المذكور، وإلا لزم المستدلين به أن يقولوا لا يصح عتق الكافر في التطوع، وهو خلاف اتفاق العلماء، ومهما يكن فالحجة قائمة في اشتراط الإيمان قي الرقبة الواجبة العتق بحمل المطلق على المقيد، والله أعلم.
стр. 1851
• قوله:
٤١ - «ولا يجوز عتق الصبي ولا المولى عليه».
قوله عتق الصبي من إضافة المصدر إلى فاعله، أي أن الصبي إذا أعتق فإن عتقه لا يمضي كالمجنون لأنه ليس من أهل التكليف، أما عتق الصبي المملوك فهذا يجوز ويكفي، وقد نصوا أن على معتقه أن يتولى الإنفاق عليه حتى يبلغ إذا لم يكن له من ينفق عليه ومثله الشيخ الفاني، والمولى عليه هو السفيه الذي لا يحسن التصرف فهذا لا يجوز عتقه لأنه فاقد للرشد فمنع الحكمُ عليه بالسفه إمضاءَ عتاقه، قالوا إلا أن يعتق أم ولده فإنه يمضي عتقها لأنه لم يبق له فيها غير الاستمتاع وهو حقه الخالص فله التنازل عنه قبل أوانه، أما إذا اتصف بالسفه ولم يكن مولى عليه فإن عتقه يمضي لأن تصرفه محمول على الإجازة عند مالك لا ابن القاسم رحمهما الله، قال علي الصعيدي في حاشيته: والظاهر قول مالك.
стр. 1852
• قوله:
٤٢ - «والولاء لمن أعتق».
الولاء من الولاية بفتح الواو، وقد حده بعضهم بأنه «صفة توجب لموصوفها حكم العصوبة عند عدمها»، انتهى، أي أن من زال ملكه عن رقيق فهو مولاه نجز عتقه أو علقه أو دبره أو كاتبه أو أعتقه بعوض أو أعتق عليه بسراية أو قرابة أو مثلة، ومثله من أعتق عنه غيرُه، ولو بغير إذنه فمن كان كذلك فولاء المعتَق له، وهذا يسمى ولاء بالمباشرة، وهناك الولاء بالجر وهو أن ولاء من أعتقه المعتَق بالفتح، وولاء أولاده يكون أيضا لمعتقه، كل ذلك مشروط بعدم وجود العاصب من النسب، وهكذا في أمر ولاية النكاح، ويسمى المُعْتِقُ بالكسر المولى الأعلى والمُعْتَقُ بالفتح المولى الأسفل، وإنما وصفوهما بذلك لصلاحية لفظ المولى لهما ولغيرهما مما يعرف من موضعه، ولا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى، قال ابن شاس: «فمن زال ملكه بالحرية عن رقيق فهو مولاه سواء نجز أو علق أو دبر أو استولد أو كاتب أو أعتق العبد بعوض أو باعه من نفسه أو أعتق عليه إلا أن يكون السيد كافرا والعبد مسلما،،،»، انتهى المراد منه.
وإنما يكون الولاء لمن أعتق بأربعة شروط أن يكون المعْتَق ملكا للمُعْتِقِ، وأن يعتقه عن نفسه، وأن يكون المعْتِقُ حرا، وأن يستوي المعتِق والمعتَق في الدِّين.
وما ذكره المؤلف هو طرف من حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن بريرة جاءتها تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا، فقالت لها عائشة: «ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت»، فذكرت ذلك بريرة لأهلها، فأبوا، وقالوا: «إن شاءت أن تحتسب عليك فتفعل، ويكون لنا ولاؤك»، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال لها رسول الله ﷺ : «ابتاعي فأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق»، رواه مالك (١٤٧٣) وأحمد والشيخان وأبو داود (٣٩٣٠)، وغيرهم.
стр. 1853
• قوله:
٤٣ - «ولا يجوز بيعه ولا هبته».
هذا أيضا طرف من حديث ابن عمر ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ : «الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب»، رواه الشافعي وصححه ابن حبان والحاكم هكذا في بلوغ المرام للحافظ ابن حجر، وفي الموطإ (١٤٧٦) والصحيحين والسنن بلفظ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته»، واللحمة بضم اللام ما يجعل في سدى الثوب فيتم به النسج بحيث يمتزج هذا بهذا، والمعنى أن ملك الولاء بالعتق يصير ملازما له ملازمة النسب فيجري مجراه، فهو مثله في الميراث مقيد بحالة التعصيب فإذا فقد العاصب النسبي حل محله العاصب بالولاء.
стр. 1854
• قوله:
٤٤ - «ومن أعتق عبدا عن رجل فالولاء للرجل».
هذا كما إذا تبرع على أحد فأعتق عنه عبدا في كفارة من الكفارات مثلا فإن الولاء يكون لمن أعتق عنه علم بذلك أو لا على المشهور، شرط أن يكون المعتق عنه حرا مسلما، فإن كان عبدا فالولاء لسيده، وإن كان كافرا فالولاء لجماعة المسلمين، لأن الكافر لا ولاية له على المسلم، والله أعلم.
стр. 1855
• قوله:
٤٥ - «ولا يكون الولاء لمن أسلم على يديه وهو للمسلمين».
إنما كان الولاء في هذه الحالة لجماعة المسلمين لأن الولاء محصور فيمن أعتق، وهذا لم يعتق، والظاهر أن ولاءه لمن أسلم على يديه حيث لم يكن له عاصب من النسب، والعمدة في ذلك حديث تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أسلم على يد رجل فولاؤه له»، رواه أبو داود والترمذي، وقد ضعفه جماعة، وهو في صحيح الجامع الصغير، ولا منافاة بين هذا حيث صح، وبين حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- الذي فيه قول النبي ﷺ : «إنما الولاء لمن أعتق»، لكونه دالا على نفي الولاء عما عدا المعتِق بالمفهوم، وهذا دال على إثباته بالمنطوق قيقدم، لكن إن تزاحما قدم الولاء بالعتق عليه، وقد أشار إلى البناء ابن عبد السلام معلقا إياه على صحة الحديث، والحصر لا ينافي ما ذكرت لكونه هو الغالب أو الأصل كما في قوله ﷺ : «لا ربا إلا في النسيئة»، وقد تقدم في البيوع، والله أعلم، أما أهل المذهب فقد حملوه على افتراض صحته على أنه أحق به في نصرته والقيام بأمره، وتولي دفنه إذا مات» قاله ابن رشد، وهذا قصر للعام على بعض أفراده من غير دليل.
стр. 1856
• قوله:
٤٦ - «وولاء ما أعتقت المرأة لها وولاء من يجر من ولد أو عبد أعتقته».
معناه أن المرأة إذا باشرت العتق فلها ولاء من أعتقت، كما أن لها من جره ولاؤه لها بولادة أو عتق، فيسترسل ولاؤها إلى أولاده وحفدته ومعتَقيه، جاء نحو هذا في الجواهر لابن شاس، فأما أن ولاء من أعتقته المرأة لها فقد تقدم دليله بدخولها في عمومه، وهو حديث إنما الولاء لمن أعتق، ونص المؤلف على هذا الفرد منه ليرتب عليه ما بعده، وأما أن لها الولاء على من يجره ولاؤه لها من ولد أو عبد أعتقه من أعتقته فلأن مولى المولى مولى، وأما ولايتها على ولد المعتق فلأن ولاءها خاص فيقدم على الولاء العام الذي لجماعة المسلمين، وقد روى مالك في الموطإ (١٤٧٧) عن ربيعة بن عبد الرحمن أن الزبير بن العوام اشترى عبدا فأعتقه، ولذلك العبد بنون من امرأة حرة، فلما أعتقه الزبير قال: هم موالي، وقال موالي أمهم: بل هم موالينا، فاختصموا إلى عثمان بن عفان ﵁ فقضى عثمان للزبير بولايتهم، والله أعلم.
стр. 1857
• قوله:
٤٧ - «ولا ترث ما أعتق غيرها من أب أو ابن أو زوج أو غيره».
يوضح قوله هذا أنه إذا أعتق امرؤ عبدا وخلف المعتق ابنا وبنتا فولاء تلك الرقبة للابن دون البنت، وإذا أعتق امرؤ شخصا ومات المعتق وكانت له زوجة فإنها لا ترثه بالولاء، لأن الولاء إنما يكون بالتعصيب، والنساء لا حظ لهن فيه إلا ما استثني، وقد روى الترمذي من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «يرث الولاء من يرث المال»، والمراد بمن يرث المال العاصب، لكن الحديث ضعيف، وروى البيهقي عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت ﵃ أنهم كانوا يجعلون الولاء للكبير من العصبة ولا يورثون النساء من الولاء إلا ما أعتقن، أو أعتق من أعتقن».
стр. 1858
• قوله:
٤٨ - «وميراث السائبة لجماعة المسلمين».
لفظ السائبة من كلام الجاهلية فلا يصح أن يستعمله المسلم في معاملاته، وقد صرح خليل بكراهته، والظاهر حرمته، قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ [المائدة: ١٠٣]، ومن هذا لفظ النوء المستعمل عندنا مرادا بها المطر، فيقولون النو، فهو لفظ بقي من الجاهلية لكنه لا يراد به ما كان يراد من قول المتقدمين مطرنا بنوء كذا، والمقصود هنا أن من قال لمملوكه سيبتك أو أنت سائبة، يقصد بذلك العتق لا عن معين، فإن ولاءه يكون لجماعة المسلمين يرثونه ويعقلون عنه ويتولون عقد نكاحه إن كان أنثى وتكون لهم حضانته، ولو قال لمملوكه أنت حر ولا ولاء لي عليك فإن ولاءه عليه لا يزول لأنه حكم ثبت بمجرد قوله أنت حر، فلا يؤثر فيه ما بعده.
قلت: والظاهر أن قوله أنت سائبة إما أن لا يعتبر عتقا شرعيا، فإن اعتبر فلا اعتماد على اللفظ فيكون ولاؤه له، وهو رواية ابن وهب عن مالك.
стр. 1859
• قوله:
٤٩ - «والولاء للأقعد من عصبة الميت الأول، فإن ترك ابنين فورثا ولاء مولى لأبيهما ثم مات أحدهما وترك بنين رجع الولاء إلى أخيه دون بنيه».
مراده بالأقعد الأقرب، ومراده بالميت الأول المباشر للعتق، وإيضاح كلامه أنه إذا مات المعتق بالكسر فإن أولى الناس بالولاء بعده العاصب الأقرب إليه، وضرب لذلك مثلا، وهو ما إذا توفي المعتق وترك ابنين ورثا الولاء ثم مات أحدهما وترك بنين فإن الولاء يرجع إلى أخي المتوفى دون بنيه لأنه أقرب إلى المباشر للعتق إذ هو ابنه وهو واضح، فالحاصل أن أولى الناس بميراث الولاء المعتق ثم أولاده الذكور ثم بنوهم وإن نزلوا، والأعلى يحجب الأسفل، فإن عدم بنو المعتق فأبوه، يليه إخوته الأشقاء، ثم الإخوة لأب، ثم بنو الإخوة الأشقاء، ثم الذين للأب، ولا يجري الأمر في ميراث الولاء على ما هو معروف من ميراث هذا مع هذا.
стр. 1860
• قوله:
٥٠ - «وإن مات واحد وترك ولدا ومات أخوه وترك ولدين فالولاء بين الثلاثة أثلاثا».
هذا افتراض آخر في المثال المتقدم يتحاص فيه الوارثون للولاء بالسوية، وهو ما إذا مات المباشر للعتق وترك ابنين فمات واحد منهما وترك ابنا ثم مات أخوه وترك ابنين فإن الولاء بينهم يأخذ كل منهم الثلث وذلك لتساويهم في القرب من الميت لأنهم جميعا أبناء بنيه، فليس بعضهم بأولى من بعض، ولو قال المؤلف: فإن ترك المعتق ابنين وماتا ولكل منهما أبناء فالولاء بينهم لكان أوضح.
следующие страницы →