← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقد دلّ كتاب الله على كفر من خالف إجماع المسلمين المتيقن، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]، ودل على بقية الأصول التي يرجع إليها لمعرفة أحكام الله تعالى كالقياس وسد الذرائع وغيرها. وقد وصف النبي ﷺ بأنه هاد، لأنه قد جاء بالهدى ودين الحق، فهدى الله به الضالين إلى الصراط المستقيم الذي هو الإسلام نفسه بأصليه الكتاب والسنة، فلا يمكن أن يكون مهتديا من تنكب عن طريقته، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]، فالحلال ما أحله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، ولا بد في الإسلام من توحيد المرسِل الذي هو الله تعالى بعبادته وحده كما تقدم، وتوحيد اتباع الرسول، بحيث لا يقدم على طاعته طاعة غيره كائنا من كان متى كان الأمر لازما. قال ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية ص (٢١٧): «فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسِل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا نحاكم إلى غيره، ولا نرضى بحكم غيره، ولا نوقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه (كذا بالالتفات) وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه، فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة فوض إليهم وأعرض عن أمره وخبره، وإلا حرفه عن مواضعه، وسمى تحريفه تأويلا وحملا، فقال: نؤوله ونحمله، فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب ما خلا الإشراك بالله خير له من أن يلقاه بهذه الحال». وحاجة الإنسان إلى الهداية إلى الصراط المستقيم أعظم من جميع حاجاته الأخرى، فإن الكثير من هذه تتقاضاها الطباع كالأكل والشرب واللباس والنوم وأنواع من العلوم والمعارف، بخلاف الهداية فإنها ليست كذلك بعد أن يفعل المحيط فعلته في الإنسان الذي يولد على الفطرة، ولأن خسارة الإنسان بافتقاده بعض ما تقدم ليست كخسارته إذا ضل ومات على غير الهدى، بل إنه خاسر في الدنيا نفسها، فضلا عن الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ

стр. 212

عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١]. وتدبّر كلام ربّك، فقد افتتح الله ذكر المنهيات في سورة الإسراء بقوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢]، وهذا بيان لخسارة الدنيا بالمعيشة الضنك، ولو نال ما نال المرء من متاعها، وقال في ختام تلك المنهيات: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ [الإسراء: ٣٩]، وهذه عاقبة المشرك في الآخرة، وهي الخلود في النار، فلما كان النهي عن الشرك رأس المنهيات ابتدأ به واختتم به، فاحذروا عاقبته، واجتهدوا في التحذير منه. ولذلك فرض الله تعالى على كل مسلم أن يدعو بهذا الدعاء في كل ركعة من الصلوات الخمس وغيرها من النوافل، وجعله بصيغة الجمع وقدم بين يديه هذا الثناء العظيم من عبده عليه حتى يكون أقرب إلى القبول، ولما كانت درجات الهداية متفاوتة كان النبي ﷺ وهو سيد المهتدين يقول في دعائه إذا قام من الليل من جملة ما يقول بعد تمجيد الله تعالى والثناء عليه: «اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١)، وورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم (٢) عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال له: «قل اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم». قال ابن الأثير: «والمعنى إذا سألت الهدى فأخطر بقلبك هداية الطريق، وسل الله الاستقامة فيه، كما تتحراه في سلوك الطريق، لأن سالك الفلاة يلزم الجادة، لا يفارقها خوفا من الضلال، وكذلك الرامي إذا رمى شيئا سدد السهم نحوه ليصيبه».

стр. 213

(الساعة وبعث الموتى) • قوله: ١٧ - «وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من يموت، كما بدأهم يعودون». المراد أن الإيمان يجب بقيام الساعة، وبعث الأموات، فالإيمان بأن لهذا العالم نهاية وآخرا هو أحد أركان الإيمان المذكورة في حديث جبريل، حيث قال النبي ﷺ : «واليوم الآخر»، وسمي آخرا باعتبار أن الدنيا قبله فهي الأولى، وبعث الأموات داخل في جملة الإيمان باليوم الآخر. فأما الساعة فتطلق على المدة من الزمان كما في حديث الذهاب إلى المسجد في إحدى الساعات الستة يوم الجمعة، كما تطلق على المدة القليلة من الزمن، وتطلق في العرف على زمن محدد هو جزء من أربعة وعشرين جزءا من مجموع الليل والنهار. والمراد هنا معنى الساعة في عرف الشرع، وهو الوقت الذي يأذن الله تعالى فيه بنهاية العالم وخرابه، ولا يعلمه غير الله، ويسمى اليوم الآخر، ويوم القيامة، وله أسماء كثيرة ذكر طرفا منها صاحب الفواكه الدواني فانظره، وسمي كذلك لمفاجأته وسرعة وقوعه، وقد اجتمع ذكر الساعة مرادا به المدة القليلة من الزمن، والساعة بمعنى نهاية العالم في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]. وقد استأثر الله تعالى بعلم الساعة كما قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وهي من جملة مفاتيح الغيب الخمسة التي لا يعلمها إلا الله، ذكرت مجملة في سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ

стр. 214

الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وفصلت في قوله تعالى آخر سورة لقمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [آخر لقمان]، كما جاء تفسير مفاتح الغيب بتلك الأمور الخمسة في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن ابن عمر. ولما سأل جبريل ﵇ النبي ﷺ عن الساعة؛ أجابه بقوله: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» (١)، لكنه حين سأله عن أماراتها قال: «أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» (٢)، وأخبر أنها تقوم يوم الجمعة، ونزول القرآن من علامات الساعة لكون النبي ﷺ آخر الأنبياء، وقد قال: «بعثت أنا والساعةَ كهاتين» (٣)، كما أن نزول عيسى ﷺ من علامات الساعة كما قال الله تعالى: «وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها»، وقيل الضمير يرجع إلى القرآن، ولها علامات صغرى وكبرى ألف في تفاصيلها العلماء كتبا. وقد قال رسول الله ﷺ : «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي العين فليقرأ إذا الشمس كورت وإذا السماء انشقت»، و «إذا السماء انفطرت» (٤). ٢ - وأما البعث فإن الله تعالى إذا أفنى العالم بعث الخلق من جديد، وهو المراد بيوم القيامة، ولذلك قال المؤلف «وأن الله يبعث من يموت، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٦ - ٧]، ولا خصوصية لمن في القبور، والتعبير بذلك بحسب الغالب، فإن كل الموتى يبعثهم الله كما في قوله سبحانه: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨].

стр. 215

ولعل المؤلف ﵀ قد آثر التعبير ببعث الموتى بدل من في القبور إيثارا للجلي على المحتمل الخفي، وإن اقتضى الأمر التلفيق من سياقين قرآنيين. والصواب: أن الله تعالى يبعث الموتى بجمع أجزائهم التي تفرقت وتحللت وضلت في الأرض، وأنه تعالى لا يخلق أجساما أخرى، وهو على كل شيء قدير، وقد وضح هذا المعنى ابن أبي زيد في كتابه الجامع حيث قال: «وأن الأجساد التي أطاعت أو عصت هي التي تبعث يوم القيامة لتجازى، والجلود التي كانت في الدنيا والألسنة والأيدي والأرجل هي التي تشهد عليهم يوم القيامة». وقد كان المشركون يستبعدون هذا ويقولون كما حكى الله عنهم: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠)﴾ [السجدة: ١٠]، وقال ﵊: «كل ابن آدم يأكله التراب إلا عَجْبَ الذَّنَبَ منه خلق وفيه يركب» (١)، وعَجْبُ الذَّنَب عظم لطيف في أصل الصلب، وهو مكان رأس الذنب من ذوات الأربع، وقد ورد أنه مثل حبة الخردل في الصغر. قال الحافظ ناقلا عن غيره: «في هذا سر لا يعلمه إلا الله، لأن من يظهر الوجود من العدم قادر على ذلك لا يحتاج إلى شيء يبني عليه، ويحتمل أن يكون ذلك جعل علامة للملائكة على إحياء كل إنسان بجوهره، ولا يحصل العلم للملائكة بذلك إلا بإبقاء عظم كل شخص ليعلم أنه إنما أراد بذلك إعادة الأرواح إلى تلك الأعيان التي هي جزء منها، ولولا إبقاء شيء منها لجوزت الملائكة أن الإعادة إلى أمثال الأجساد، لا إلى نفس الأجساد»، انتهى. ومن الأدلة قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾، فأخبر أنه يحييهم والإحياء يدل على ما قلناه، وأخبر أنه يبعثهم، والبعث في اللغة الإرسال والإثارة. ومن ذلك أن أجساد الأنبياء حرّم الله على الأرض أن تأكلها، فبعثها إرجاع الأرواح إليها، فيكون غيرها كذلك، وحديث عجب الذنب مخصوص بهذا.

стр. 216

ويؤخذ ذلك أيضا من سؤال إبراهيم ﵇ بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فقد سأل عن كيفية إحياء الموتى فأمره أن يضم إليه أربعة من الطير وأن يذبحهن وأن يخلط أجزاءهن ثم يضع على كل جبل منهن جزءا، فاجتمعت أجزاء كل طائر إلى بعضها حتى اجتمعت جميعا، ووضع أجزائها على الجبال فيه تحقيق تفرقها وإبعاد بعضها عن بعض بحسب الإمكان، فهذا يدل على المقصود لأن الله تعالى يستوي في قدرته التفريق الذي أمر به إبراهيم ﵊ وغيره ممل كان تفرق أجزائه أكثر. وفي كلام المؤلف ردٌّ على من زعم أن الإعادة تكون من عدم محض، لا للأجسام التي فنيت، لأن إعادة المعدوم بعينه عندهم غير ممكنة، لما تستلزمه من إعادة جميع أعراضه وصفاته كلها، ومنها الزمان، فقالوا باستحالة الإعادة، وهذا باطل لمخالفته ما دلت عليه نصوص كثيرة قد تقدم بعضها في خصوص الناس. وقوله: «كما بدأهم يعودون»، استعمل المؤلف صيغة الغيبة انسجاما مع السياق لقوله: وأن الله يبعث من في القبور، والقراءة ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، والمقصود أن الله تعالى الذي خلقكم قادر على بعثكم وإحيائكم، بل إن الإعادة أهون من البدء لكن ذلك في أعراف الناس، وعقولهم، أما عند الله تعالى فالكل سواء، فأفعل التفضيل ليس على بابه في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. وفي القرآن آيات كثيرة تتضمن الاستدلال على بعث الموتى مردها إلى أمور ثلاثة هي: ١ - خلق الإنسان من العدم، فإن الذي خلقه قادر على بعثه وإحيائه، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾ [مريم: ٦٦ - ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩].

стр. 217

٢ - الاستدلال بإحياء الأرض بعد موتها على البعث كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فصلت: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥]. ٣ - الاستدلال بخلق السموات والأرض، وهومن باب الاستدلال بالأعلى على الأدنى عن طريق القياس الأولوي في عقول الناس وعاداتهم، أما في قدرة الله فالكل سواء، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ [الأحقاف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر: ٥٧].

стр. 218

(مضاعفة الحسنات، ومغفرة الكبائر بالتوبة) • قوله: ١٨ - «وأن الله تعالى ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات، وصفح لهم بالتوبة عن كبائر السيئات، وغفر لهم الصغائر باجتناب الكبائر، وجعل من لم يتب من الكبائر صائرا إلى مشيئته: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء». لما ذكر المؤلف وجوب الإيمان بالساعة والبعث ناسب أن يذكر ما بعدهما، مما يعتبران مقدمة له، ومن ذلك الجزاء على الحسنات والعقاب على السيئات، وصدور الذنب من ابن آدم كالملازم له، وقد قال النبي ﷺ : «لو أنكم لم تكن لكم ذنوب يغفرها الله لكم لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم» (١)، وقد جاء هذا المعنى عن عدد من الصحابة منهم عبد الله ابن عمرو، وأبو هريرة، وابن عباس ﵃،، والذنب أعم من أن كون معصية أو غيرها، وبنذكر هنا أمورا تتعلق بهذه المسألة: ١ - رحمة الله تعالى سبقت غضبه، كما ورد في الصحيح (٢) عن النبي ﷺ قال: «إن الله لما خلق الخلق كتب كتابا عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي». وما في الدنيا من نعم وأفضال هو جزء من مائة جزء من رحمته سبحانه، ادخر تسعة

стр. 219

وتسعين جزءا منه للمؤمنين يوم القيامة، فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «جعل الله الرحمة في مائة جزء، فأمسك عنده تسعة تسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه» (١)، وجاء ما يدل على أن الله تعالى يكمل لأوليائه مائة رحمة يوم القيامة، كما في قوله ﷺ : «إن لله مائة رحمة قسم رحمة بين أهل الدنيا وسعتهم إلى آجالهم، وأخر تسعا وتسعين رحمة لأوليائه، وإن الله قابض تلك الرحمة التي قسمها بين أهل الدنيا إلى التسع والتسعين، فيكملها مائة رحمة لأوليائه يوم القيامة «. ٢ - والأصل في الجزاء على الأعمال أن يقع في الآخرة، لكن يقع بعضه في الدنيا تعجيلا من الله تعالى العقوبة لعبده، وقد يكون ذلك من أسباب رجوعه إلى الحق، وقد يكون ذلك على المعاصي، أو على مخالفة سننه تعالى في خلقه، والأول من رحمته به وإحسانه إليه، كما فسر به قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. ٣ - وقد عامل الله تعالى عباده بفضله إذا عملوا الحسنات، كما عاملهم بعدله إذا عملوا السيئات: - فإن من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة. - ومن عمل حسنة كتب له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، قال الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩]، وقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وهذا فيه بيان لذلك الخير، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] وهذا أعظم مما سبق، وهو وإن كان في صدقات المال فقد دل حديث ابن عباس الذي في الصحيحين على عمومه في الحسنات، وسيأتي ذكره.

стр. 220

- ومن فضله تعالى أن من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، وعدم العمل يتعين أن يقيد بما إذا لم يعجز، فإن الحرام يكون في تركه الثواب؛ إذا ترك امتثالا. - أما من عمل سيئة فإنما تكتب له سيئة واحدة. وقد دل على ما تقدم قوله ﷺ فيما رواه الشيخان (١) عن ابن عباس ﵄: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة». - يكتب الله تعالى للعبد ما كان يقوم به إذا منعه السفر أو المرض من فعل ما اعتاد فعله من نوافل الطاعات المختلفة في حال الصحة والإقامة، فعن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: «إذا مرض العبد أو سافر كتب الله تعالى له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحا مقيما» (٢). - جعل الله تعالى اجتناب الكبائر مكفرا للصغائر، كما جعل فعل الحسنات مكفرا للصغائر، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وأوصى النبي ﷺ معاذ بن جبل بقوله: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» (٣). وجمهور أهل العلم على أن المعاصي التي تكفرها الحسنات إنما هي الصغائر، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١]، فجعل اجتناب الكبائر شرطا في تكفير السيئات، فأخذوا من المقابلة أن المراد بالسيئات الصغائر. وقال : ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ

стр. 221

أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣١ - ٣٢]، وأصل اللمم مقاربة الشيء، فيكون المراد صغائر الذنوب، لأن من فعلها قارب أن يفعل غيرها، وهذا النوع يقع معظم الناس فيه، فيغفره الله تعالى لهم إذا اجتنبوا الكبائر، وقيل إن اللمم الذنب مطلقا تعقبه التوبة منه، فإنه يقال ألم فلان بكذا إذا فعله كما قال: إن تغفر اللهم تغفر جما … وأي عبد لك ما ألما؟؟ وروى مسلم (١) في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقول: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». وفي الحديث الذي رواه مسلم (٢) عن عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله». لكن ورد في الحج ما يدل على أن الله تعالى يغفر به كل الذنوب، فقد قال رسول الله ﷺ : «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (٣)، قال الحافظ في الفتح باب فضل الحج المبرور: «وظاهره غفران الصغائر والكبائر والتبعات»، انتهى. قلت: قد جاء ذلك مصرحا به في حديث أنس بن مالك عند ابن المبارك وقد صححه الألباني، وستجده في باب الحج إن شاء الله. وفي الحديث الصحيح (٤) من قول النبي ﷺ لعمرو بن العاص: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟».

стр. 222

- إذا أصرّ المرء على الصغيرة فقد تصير كبيرة كما روي عن ابن عباس ﵄ قال: «لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار» (١). - وجعل الله تعالى التوبة من الذنب بشروطها مكفرة له، وشروطها ثلاثة، بعد شرط وقوعها في الزمن الذي تقبل فيه، وهو ما قبل الغرغرة، وقبل ظهور الآيات التي لا ينفع حين ظهورها نفسا إيمانها لفقد الاختيار حينئذ، ومنها طلوع الشمس من مغربها: ا - الندم على ما فعل، وهو حق لله لا بد منه. ب - الإقلاع عن الذنب وتركه، وهو لا زم للندم. ج - العزم على عدم العود. فإن تعلقت المعصية بمخلوق فينبغي أن يستحله من الذنب، بأن يطلب مسامحته، ويرد إليه مظلمته إن كانت مالا، وإلا ردها لورثته إن كان قد مات، فإن لم يعرفه تصدق بها عليه، فإن عجز عن ذلك فليتضرع إلى الله عسى أن يرضي عنه خصمه يوم القيامة من خزائنه الواسعة، وقد ورد في ذلك حديث الإصلاح بين الخصوم رواه الحافظ أبو يعلى، وذكره ابن كثير في صدر سورة الأنفال ساكتا عنه، ومن لم يحصل له شيء من ذلك أخذ خصومه من حسناته، كما في حديث أبي هريرة مرفوعا: «المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وصيامه وزكاته، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا،،،»، الحديث (٢).، وجاء ما يدل على استثناء الصيام من هذه الأمر، أو يكون فيه فضل لا تأتي عليه هذه المحاصصة. - وقد قال بعض أهل العلم إن من تاب توبة نصوحا يبدل الله سيئاته حسنات، بأن يكتب له بنفس التوبة بدل كل سيئة أسلفها حسنة، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٧٠]، وقال آخرون إن معنى الآية انتقال التائب من حال المعصية إلى حال الطاعة،

стр. 223

ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الفجور إلى الإحصان، ومن الرياء إلى الإخلاص، مع ما يصحب التوبة من الاستغفار والندم، فهذا وجه تبديل السيئات حسنات، وقد جاء في الحديث: «ليتمنين أقوام لو أكثروا من السيآت»، قالوا بم يا رسول الله؟، قال: «الذين بدل الله سيآتهم حسنات» (١)، وليس لأحد أن يفهم من هذا أن الاستكثار من السيآت محمود لأنه سبب في تكثير الحسنات، من ذا الذي يعرف أجله؟، ومن ذا الذي يتأكد من أنه سيتوب قبل موته؟، ثم إن هذا التبديل ليس لكل أحد، إنه للمؤمنين التائبين الذين عملوا الصالحات. وقد اختلف في قاتل المؤمن عمدا هل له توبة، فقيل لا توبة له، وقد نص الله تعالى على أن جزاءه الخلود في النار، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]، وأجيب بأن الخلود في لغة العرب يطلق على طول المدة كما في قوله: «ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا»، وأن الله تعالى إنما ذكر جزاءه، وليس بلازم أن لا يغفر له، وقد دل الدليل على قبول توبته كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. ويعضد قول من قال بعدم قبول توبته قوله ﷺ : «أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة» (٢)، فيكون تخصيصا بعد تخصيص وهو كثير، وإذا صح فليس فيه إلا عدم قبول توبته، وذلك لا يستلزم خلوده في النار، بل ولا دخولها، فإن المكفرات غير التوبة كثيرة، وقد تقدم بعضها، فيكون المقصود منه شدة التحذير من مواقعة هذا القتل. لكن قوله ﷺ : «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركا، أو قتل مؤمنا

стр. 224

متعمدا» (١)، صريح في عدم المغفرة، فيكون مما لم يشإ الله مغفرته، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، لكن ليس فيه دلالة على خلود القاتل عمدا في النار فافهم، والعلم عند الله. ولا ينبغي أن يحتج على خلاف هذا بذلك الذي قتل مائة، ثم قبلت توبته، بحجة أن الله وضع عن هذه الأمة الآصار التي كانت على من قبلهم، فكيف يكون عندهم من التخفيف ما ليس عندنا؟، وجوابه أن التخفيف العام لا يلزم منه التخفيف في كل فرد من الأفراد، نظير تفضيل المجموع على المجموع لا يلزم منه تقضيل كل فرد منهما على الآخر، والله أعلم. - من لم يتب من الموحدين من الذنب الكبير غير الإشراك بالله كان الأمر فيه إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه، فإن الله تعالى إنما استثنى من المغفرة الإشراك به فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. - شرع الله تعالى حدودا لمعاص معينة، فإذا أقيمت على العبد في الدنيا كانت كفارة للذنب، ولذلك أثر عن بعض من فعلوا شيئا منها على عهد رسول الله ﷺ حرصهم على إقامة الحد عليهم، منهم ماعز والغامدية، وقد صح من رواية عبادة بن الصامت قول النبي ﷺ : «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفى بذلك منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه» (٢). - جعل الله للذنب كفارات عدة غير التوبة وفعل الحسنات، بعضها في الدنيا، وبعضها في الآخرة، فقد جاء في الحديث الصحيح (٣): «ما يصيب المؤمن من هم ولا

стр. 225

نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر من خطاياه»، وقد يكون هذا الذي يصيبه في حياته، وقد يكون بعد موته، كعذاب القبر، وضغظته، وغيرها من الشدائد في عرصات القيامة، ومنها شفاعة الشافعين، ودعاء المؤمنين، واستغفارهم، واستغفار الملائكة، ومن يخرجهم الله برحمته. ودل الدليل على أن درجات الأولاد المؤمنين تلحق بدرجات الآباء الصالحين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]، يعني وما أنقصناهم شيئا من عملهم لقاء هذا الإلحاق، فهذا من تكريم الله للآباء، حتى يجتمعوا بذرياتهم على أحسن حال، ويتم لهم النعيم. كما دل على أن درجات الآباء ترفع باستغفار الأولاد، قال النبي ﷺ : «إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب: أنى لي هذه؟، فيقول: باستغفار ولدك لك» (١). - جعل الله تعالى بعض العبادات التي يكررها المؤمن مكفرة لما يحصل بينها من الصغائر، وبعضها مكفر للذنوب الكبيرة، ومنها الحج، والعمرة، والصلوات الخمس، ورمضان، وقيام ليلة القدر، وغيرها، وقد تقدم ذكر بعض الأحاديث الدالة على ذلك. - والفرق بين الصغائر والكبائر أن كل معصية لم يأت فيه حد في الدنيا ولا جاء الوعيد عليها بالنار أو اللعن أو غضب الله تعالى، ولاجاء ما يدل على التشديد فيها فهي من الصغائر، وما عدا ذلك فهو كبائر، ومما جاء فيه الحد القتل العمد العدوان، والسحر، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والقذف، ومن الكبائر التي لم يأت فيها حد في الدنيا عقوق الوالدين، والتولي يوم الزحف، قال ابن عباس ﵄: «الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب».

стр. 226

(خروج الموحدين من النار) • قوله: ١٩ - «ومن عاقبه بناره أخرجه منها بإيمانه، فأدخله به جنته، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره». معنى ما ذكر المؤلف أن من دخل النار من المؤمنين، ممن لم يتوبوا من الكبائر حسب شروط التوبة المتقدمة، ولم ينلهم من البلاء في الدنيا ولا في عرصات القيامة ما يكون سببا في تكفير سيئاتهم، واستوجبوا العقاب بالنار، فإنهم لا يخلدون فيها كما يخلد الكفار، بل يخرجون منها بأحد أمرين: بإيمانهم بعد أن ينهوا ما كتب الله من عذابهم، أو بشفاعة الشافعين الذين يأذن الله لهم، وسيأتي ذكر الشفاعة. فأهل الإيمان لا يخلدون في النار عند أهل السنة، بل يخرجون منها ويدخلهم الله الجنة، كما جاء في حديث الصحيحين (١) عن أنس: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرة من خير»، بل صح أن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط، وذلك بعد أن يشفع الملائكة، والنبيئون، والمؤمنون، والمراد بالخير هنا ما بعد الإيمان كما في رواية أخرى. وقد استدل المؤلف على خروج الموحدين من النار بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]، فإن عمل الخير من المؤمن لا يضيع، بخلاف عمل الشر فإنه قد يغفر له، كما تقدم في مغفرة الصغائر، ولا ينافي ذلك أن يكتب في

стр. 227

صحيفته، فإنه يكتب وقد لا يعاقب عليه، ولم يرد المؤلف ذكر التلاوة، فإن لفظها «فمن يعمل»، والعمل هنا أعم من أن يكون فعلا، أو يكون عملا قلبيا، وقد تقدم أن «من هم بحسنة كتب الله له حسنة كاملة». ولا إشكال في قول المؤلف «أخرجه الله منها بإيمانه»، فقد قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]، لكن كون الإيمان- والعمل من جملته - سببا في دخول الجنة لا ينافي أن ذلك من فضل الله تعالى، وعلى هذا المعنى يتنزل حديث مسلم عن جابر عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل أحدا منكم عملُه الجنة، ولا يجير من النار، ولا أنا إلا برحمة الله»، وقال بعض الصحابة كما في سنن أبي داود: «لو أن الله تعالى عذب أهل السموات وأهل الأرض لعذبهم غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم»، وقد صح مرفوعا بزيادة كما في مسند أحمد وسنن أبي داود عن أبي بن كعب وزيد بن ثابت.

стр. 228

(شفاعة النبي ﷺ -¬) • قوله: ٢٠ - «ويخرج منها بشفاعة النبي ﷺ من شفع له من الكبائر من أمته أأمتهأأمتهأمته». هذا الصنف الثاني الذي يخرج من النار، وهم من شفع فيهم النبي ﷺ ، وقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة» (١)، وفي رواية «فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا»، والمقصود أن الله أعلمه بأن له دعوة مستجابة ولا يعني أن غيرها لا يستجاب، وفي حديث عمران بن حصين ﵁ عن النبي قال: «يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ ، فيدخلون الجنة، يسمون الجهنميين» (٢). وللناس في الشفاعة اختلاف، نفاها المرجئة لأنها لا حاجة إليها عندهم، فإنه لا يضر مع الإيمان عندهم ذنب، وهم يكتفون في الإيمان بالاعتقاد، كما نفاها المعتزلة لأن مرتكب الكبيرة عندهم في المنزلة بين المنزلتين، لا هو بالمؤمن ولا بالكافر في الدنيا، بيد أنه في الآخرة مخلد في النار، فاتفقوا مع السابقين في الإنكار، وإن اختلفوا في سبب الإنكار، وهم لا يمانعون في الشفاعة التي ترفع بها الدرجات، وأهل الحق على ثبوت الشفاعة بإذن الله لمن شاء من الموحدين. والآيات الواردة في الشفاعة منها ما فيه شبهة نفيها لمن اتبع المتشابه، كقوله تعالى:

стр. 229

﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨]. ومنها ما ينفيها بقيد عدم الإذن، وعدم الارتضاء، فمفهوم ذلك أنها حاصلة للموحدين مع الإذن، وعمّن رضي الله أن يشفع لهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣)]، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وهذا فيه دليل على شفاعة الملائكة. ومنها ما يقصرها على الموحدين: إما المشفوع لهم وإما الشافعون، وكل منهما يشترط فيه ذلك بلا شك، قال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [الزخرف: ٨٦] والشفاعة الانضمام إلى الآخر لتقوية جانبه، والتوسط له لدى المشفوع عنده، وأكثر ما تستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى، فكأن الشافع يضم رجاءه إلى رجاء المشفوع له فيما يرغب فيه. وقد رغب الله تعالى في الشفاعة الحسنة في الدنيا ورهب من الشفاعة السيئة فقال: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]. لكن الشفاعة في الدنيا قد لا تتوقف على إذن المشفوع عنده فيها، ولا على كون المشفوع له مستحقا لها، وقد لا تتوقف على كون الشافع مرضيا، لهذا والله أعلم بين الله تعالى أن الأمر في الآخرة ليس على ما اعتاد الناس، لأن المشركين منهم من كان يقيس شفاعة الآخرة على شفاعة الدنيا، لذلك جاءت قيود الإذن، والارتضاء، وقصرها على الموحدين، أما نفيها مطلقا فجاء باعتبار ما اعتادوا. ومن الآيات التي فيها بيان حال منتظري الشفاعة، من الشافعين والمشفوع لهم قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣)]، قال الزمخشري: «فإن قلت: بم اتصل قوله: «حتى إذا فزع عن قلوبهم»؟، ولأي شيء

стр. 230

وقعت (حتى) غاية؟. قلت: بما فهم من هذا الكلام، من أن ثم انتظارا للإذن وتوقعا وتمهلا وفزعا من الراجين للشفاعة والشفعاء، هل يؤذن لهم أو لا يؤذن؟، وأنه لا يطلق الإذن إلا بعد ملي من الزمان، وطول من التربص». وقد ثبت لنبينا محمد ﷺ أنواع من الشفاعات، بلغ بها بعض أهل العلم ثمانية أنواع، ومنها: ا - شفاعة خاصة به، وهي الشفاعة في أهل الموقف جميعا حتى يأتي الله تعالى للحكم بين خلقه، وقد ثبت ذلك في الحديث الصحيح (١) عن أبي هريرة، وأنس بن مالك، وفيه قول الله تعالى لنبيه ﷺ : «يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي،،، الحديث. وهذه الشفاعة هي المقام المحمود المذكور في كتاب الله على الراجح من الأقوال، بل جاء المقام المحمود مفسرا في قول النبي ﷺ : «المقام المحمود الشفاعة» (٢)، وهو الذي يدعو به المؤمن إذا حكى ألفاظ الأذان، فقد قال النبي ﷺ : «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة» (٣). وأذكر استطرادا أن المقام المحمود قد فسر بأن الله تعالى يجلس نبيه ﷺ معه على عرشه، وهذا إن ثبت من أمور الغيب، نؤمن به ولا نخوض فيه، قال ابن جرير ﵀: وأولى القولين بالصواب ما صح به الخبر عن رسول الله ﷺ أنه مقام الشفاعة، ثم قال: وهذا وإن كان هو الصحيح في القول في تأويل المقام المحمود لما ذكرنا من الرواية عن رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين، فإن ما قاله مجاهد من أن الله يقعد محمدا ﷺ على عرشه قول

стр. 231

غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر،،،»، انتهى. قلت: الخبر لم يصح عن مجاهد لانقطاعه. وقد أنشد الحافظ الذهبي في كتابه (العلو لله العظيم) - كما في تفسير القاسمي - أبياتا للحافظ الدارقطني في ترجمته وهي قوله: حديث الشفاعة في أحمد … إلى أحمد المصطفى نسنده على العرش أيضا فلا نجحده … وأما حديث بإقعاده ولا تدخلوا فيه ما يفسده … أمروا الحديث على وجهه ب - شفاعته لدخول أهل الجنة الجنة، فإنه أول من يدخل الجنة، وفي الصحيح أن الله تعالى يقول لنبيه ﷺ : «أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك» (١)، وفي الصحيح عن أنس بن مالك: «أنا أول شفيع في الجنة» (٢). ج - شفاعته في أهل الكبائر من أمته ممن دخل النار، وجاء في ذلك قوله ﷺ : «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (٣). د - شفاعته لتخفيف العذاب عن بعض الكفار كعمه أبي طالب، ففي حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «أهون أهل النار عذابا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين من نار، يغلي منهما دماغه» (٤)، وفي رواية أن العباس بن عبد المطلب قال يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟، قال: «نعم، هو في ضحضاح من نار، لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» (٥)، وفي رواية ذكر شفاعته له نصا، وقد قال العلماء

стр. 232

إنما كانت النار تبلغ كعبيه فحسب، لأنه أقام على الكفر وثبت فيه، والرجلان أصل الثبات الحسي، فكان عقابه كذلك، إذ الجزاء من جنس العمل. والشفاعة ثابتة للملائكة، والأنبياء، والمؤمنين عموما، وللشهداء خصوصا، ولبعض الأعمال الصالحة، فقد جاء في الحديث الصحيح الطويل عن أبي سعيد ﵁ وفيه: «فيقول الله : «شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من نار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط» (١)، وهذا الأمر ليس إلا لله تعالى، وفيه من سعة رحمته، وكبير عفوه وإحسانه؛ ما لا يقدر قدره. وقد جاء في حديث أنس ﵁ مرفوعا: «فأقول يا رب إئذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك لك، ولكن وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن من قال لا إله إلا الله» (٢). هذا، وجاء في شفاعة الشهداء خصوصا قوله ﷺ : «يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته» (٣)، كما ثبتت الشفاعة لبعض الأعمال الصالحة كقراءة القرآن والصيام وغيرهما، والله أعلم.

стр. 233

(الجنة والنار موجودتان) • قوله: ٢١ - «وأن الله سبحانه قد خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه، وأكرمهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم، وهي التي أهبط الله منها آدم نبيه وخليفته إلى أرضه، بما سبق في سابق علمه، وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به، وألحد في آياته وكتبه ورسله، وجعلهم محجوبين عن رؤيته». المعنى أنه يجب الإيمان بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما موجودتان، الأولى أعدها الله دار كرامة لأوليائه يتنعمون فيها بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، والثانية أعدها الله لمن كفر به، وكذب برسله، ولمن شاء من عباده ممن يعذبون فيها، ثم يخرجون كما تقدم. والمراد بالأولياء هنا مطلق المؤمنين الموحدين، وإن كان التفاوت بينهم عظيما في تقوى رب العالمين، فهؤلاء هم أهل الجنة، لا خصوص من له درجة عليا في تقوى الله وطاعته، أو من ظهرت على يده الكرامات والخوارق كما هو السائد عند العامة في معنى الأولياء، على أنهم كثيرا ما يطلقون اسم الولي على من لا يعرف من الشرع ولا يلتزمه إلا في القليل، ولا يكون ما ظهر على يده كرامة بل استدراجا. إن موالاة الله درجات، يرقاها العبد بمقدار تقربه إليه، بفعل مراضيه ومحابه، واجتناب مكارهه ومساخطه، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي الذي انفرد به البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ عن رب العزة قال: «وما يزال عبدي يتقرب إلي

стр. 234

بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، وعينه التي يبصر بها» (١). لكن المؤمنين كلهم يشتركون في الولاية العامة، وهي التي عناها المؤلف، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقال تعالى في درجة أخرى من هذه الولاية: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]. فالناس إما أولياء لله، وهم الذين والوه في الجملة على تفاوت بينهم، وأعظمهم درجة أنبياؤه ورسله، ثم من اتبعوهم من الصديقين والشهداء والصالحين، ومن دونهم من الموحدين فهم أصحاب الجنة ابتداء، أو مآلا وإما أعداء لله وهم الذين كفروا به سبحانه، وعصوا رسله، فهؤلاء هم أصحاب النار، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ [فصلت: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٧٢]. وقد أخبر الله تعالى عن وجود الجنة، وأنه أعدها دار كرامة لأوليائه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١]. كما أخبر بوجود النار، وأنه أعدها دار عذاب للكفار قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. وثبت في الأحاديث الصحيحة رؤية النبي ﷺ للجنة والنار، وأخبر أن حرارة الشمس من فيح جهنم، وأن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تأوي إلى قناديل في الجنة،

стр. 235

وأخبر أنه سمع خشخشة بلال في الجنة، ورأى النار وهو في صلاة الكسوف، وتحدث عن قطف العنب الذي رآه فيها، وأنه لو تناوله لكفى أهل الأرض، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم: ١٣ - ١٥]، كما أخبر الله تعالى أن آدم وزوجه قد سكنا الجنة إذ أمرهما بذلك، وكيف يسكن غير الموجود؟، قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. وقد زعم قوم أن الجنة والنار لم تخلقا بعد قائلين إن وجودهما عبث لعدم الحاجة إليهما، والصواب: أنهما موجودتان للأدلة المتقدمة، ومن فوائد وجودهما أن المؤمن يتمتع بالنظر إلى مقامه في الجنة قبل أن يدخلها، وأن الكافر يتألم بالنظر إلى مقامه في النار كذلك، ولذلك والله أعلم قد جاء في كتاب الله ما قد يؤخذ منه دخول بعض الكفار النار بمجرد موتهم، كما قال تعالى عن قوم نوح ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح: ٢٥]، فهذا لأنهم يعذبون برؤية مقاعدهم منها، فكأنه دخول، والتعقيب بالفاء يناسبه هذا المعنى، كما قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦]، وقد قيل إنهم عذبوا بالنار مع الغرق في الدنيا في حالة واحدة، كانوا يغرقون في جانب، ويحترقون في الماء من جانب، وقد نسب إلى الضحاك، وفاء التعقيب تؤيده مع حقيقة الدخول، أو المراد عذاب القبر، وقد قيل: الخلق مجتمع طورا ومفترق … والحادثات فنون ذات أطوار لا تعجبن لأضداد إن اجتمعت … فالله يجمع بين الماء والنار وقد أشار المؤلف إلى أن الجنة التي يدخلها الموحدون هي التي سكنها آدم وزوجه بأمر من الله تعالى، ثم هبطا إلى الأرض بعد ما أكلا من الشجرة التي نهيا عن الأكل منها، وهو مصير منه ﵀ إلى رد قول من قال إنها جنة في الدنيا، وللفريقين أدلتهما، وكل منهما استشكل قول الآخر. وقد استعرض ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه مفتاح دار السعادة أدلة الفريقين وحججهما، ولم يرجح قولا من القولين، لكنه في بعض ما نظم مال إلى القول بأنها هي جنة

стр. 236

الخلد التي وعد المتقون، قال: فحي على جنات عدن فإنها … منازلك الألى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى … نرد إلى أوطاننا ونسلم؟ ولا يستشكل دخول إبليس الجنة فإن ذلك قبل أن تكون دار جزاء. وأعظم ما يكرم الله تعالى به أولياءه في الجنة هو النظر إلى وجهه الكريم، كما في الحديث الصحيح عن صهيب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئا أزيدكم؟، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم » (١). وفي الصحيح عن أبي هريرة أن ناسا قالوا يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟، فقال رسول الله ﷺ : «هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر»؟، قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل تضارون في الشمس ليس دونها حجاب؟، قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك،،، الحديث (٢)، وفيه تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، فإن الله تعالى ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقد تلاها النبي ﷺ عقب إخباره بأن أهل الجنة ما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجهه الكريم، فالزيادة هي النظر إذن، وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة-٢٢ - ٢٣]. وهذه الرؤية خاصة بالموحدين الذين دخلوا جنة الدنيا بمعرفتهم ربهم، وهي أعظم نعيمها، فمن لم يدخل هذه الجنة لم يدخل تلك الجنة، فأما الكفار فإن الله تعالى يحجبهم عن رؤيته، وحجبهم عن رؤيته دلالة على أن غيرهم من الموحدين ليسوا مثلهم، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، وقد احتج بذلك مالك

стр. 237

والشافعي رحمهما الله. ومن الأدلة على ذلك سؤال موسى ﷺ ربه رؤيته، فإنها لولم تكن ممكنة ما سألها، فإن الرسول لا بد أن يكون عالما بما يستحيل على الله تعالى، ولأن الله تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل، والاستقرار جائز، وخير من ذلك كله النصوص الكثيرة وقد تقدم شيء منها، وهي بالغة حد التواتر. فأما قوله : ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فليس فيه ما يدل على خلاف ما تقدم، فإن نفي الإدراك لا يلزم منه نفي الرؤية، كما إن إثباتها لا يعني إثبات أن الرائي يحيط بالله تعالى. قول المصنف «آدم نبيه وخليفته إلى أرضه»: ورد في تفسير معنى قول الله تعالى ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠)] قولان لأهل العلم، أولهما: أن بني آدم يخلف بعضهم بعضا، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة، وثانيهما: أن آدم خليفة عن الله، ومثله سائر الرسل يقومون بشرعه وبأمره ونهيه، قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦]، وقد أشار المصنف إلى المعنى الثاني.

стр. 238

(مجيء الله تعالى يوم القيامة للحكم بين الخلق) • قوله: ٢٢ - «وأن الله ﵎ يجيء يوم القيامة والملك صفا صفا لعرض الأمم وحسابها وعقوبتها وثوابها». مجيء الله تعالى هذا لفصل القضاء بين الخلق بعد شفاعة نبينا محمد ﷺ في أهل الموقف كما تقدم، وهي الشفاعة العظمى الخاصة به، وهو مما نص عليه كتاب الله تعالى في أكثر من موضع، فيجب الإيمان به، ومجيئه تعالى من صفات أفعاله كالكلام، والنزول، والدنو، والرضا، والغضب، والضحك، والعجب، ونحوها، والحديث عن صفاته فرع الحديث عن ذاته، فنؤمن بالنزول كما جاء من غير بحث، منزهين ربنا عما لا يليق به من صفات المخلوقين، تاركين جدال المجادلين، وتأويل المؤولين، قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٢]، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]. فأما تأويل المجيء بأنه نزول رحمته، أو مجيء أمره، أو مجيء الملائكة؛ فهو قول مردود، لا دليل عليه، ثم هو تفسير لقول ابن أبي زيد بما لم يُرِدْهُ، فإنه ذكر في كتاب الجامع ما يفيد صراحة أن مجيئه تعالى صفة فعل، وذلك في قوله: «وأنه يجيء يوم القيامة بعد أن لم يكن جائيا والملك صفا صفا»، يدل عليه قوله: «بعد أم لم يكن جائيا»، وهذا هو الحق:

стр. 239

وجميع آيات الصفات أمرها … حقا كما نقل الطراز الأول وأرد عهدتها إلى نقالها … وأصونها من كل ما يتخيل و (صفا صفا) معناه مصطفين، وليس الثاني توكيدا كما قد يتبادر، وهذا من المواضع التي يترك فيها متبادر صناعة النحو للتفسير المأثور، كما نص عليه ابن هشام في قطر الندى وبل الصدى، وقد وصف الملائكةُ في غير ما آية بهذا الوصف قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [آخر الزمر]، وقال تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١)﴾ [أول الصافات]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦]، وقال ﷺ : «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟،،،» (١)، وقال في خصائص أمته: «وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة» (٢). والناس في العرض والحساب متفاوتون: فمنهم من يدخل الجنة من غير حساب، دلّ على ذلك قول رسول الله ﷺ كما في الصحيح عن ابن عباس ﵄: «عرضت علي الأمم، فأجد النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشر، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولم؟، قال: كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون،،،» الحديث (٣). ومنهم من تعرض أعماله حتى يعرف منة الله عليه في سترها عليه في الدنيا، وفي عفوه عنها في الآخرة، فهذا سمي في القرآن حسابا يسيرا، ودل حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- على أن المراد بالحساب اليسير العرض، لأن من نوقش الحساب عذب، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩].

стр. 240

قال الحافظ: المراد بالمناقشة؛ الاستقصاء في المحاسبة، والمطالبة بالجليل والحقير، وترك المسامحة. ومنهم من يناقش الحساب فيكون ذلك علامة على تعذيبه، إما بتخليده في النار إن كان غير موحد، وإما بتعذيبه ثم يخرج منها إن لم يُشفع فيه ابتداء بعد أن يستوفى منه ذنبه، دل على ذلك أن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: قال النبي ﷺ : «من نوقش الحساب عذب»، قالت قلت: أليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، قال: «ذلك العرض» (١)، ففرق بين الحساب والعرض.

стр. 241

(الميزان وصحائف الأعمال) • قوله: ٢٣ - «وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ويؤتون صحائفهم بأعمالهم، فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا، ومن أوتي كتابه وراء ظهره فأولئك يصلون سعيرا». الإيمان بالميزان، ووزن أعمال العباد يوم القيامة دل عليه الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨)﴾ [الأعراف: ٨]. وقد نقل الحافظ في الفتح عن أبي إسحاق الزجاج قوله: «أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان، ويميل بالأعمال، وأنكرت المعتزلة الميزان، وقالوا هو عبارة عن العدل، فخالفوا الكتاب والسنة»، انتهى، وكون الميزان معناه العدل قال به بعض السلف، لكن ظهر أن مراده أن العدل لازم له، وإنما أنكر المعتزلة الميزان والوزن لأن الأعمال أعراض يتعذر وزنها لكونها لا تقوم بأنفسها، وهذا منهم قياس لعالم الغيب على عالم الشهادة، وهو قياس مع الفارق فيرد، ونحن وإن كنا في إيماننا بما في كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ لسنا في حاجة إلى غيرهما، إلا أننا نذكر هنا أن المقاييس قد دخلت اليوم كثيرا من الأمور التي هي أقرب إلى الأعراض منها إلى الأجسام كالحرارة والضغط والرطوبة وغيرها مما يفند دعوى منكري وزن الأعراض. وقد ورد ما يدل على أن الأعمال توزن، وهذا هو الأصل، قال النبي ﷺ : «ما يوضع

стр. 242

في الميزان يوم القيامة أثقل من خلق حسن» (١)، كما ورد أن صحائف الأعمال قد توزن، ويدل عليه حديث البطاقة، وفيه: «فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة» (٢)، ولا مانع من هذا وهذا، بل لا مانع من وزن الناس أنفسهم إذا ثبت، وهو ظاهر في قوله تعالى ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وهناك حديث ظاهر في هذا المعنى وهو أن ابن مسعود ﵁ كان يَجْنِي سواكا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلتِ الريح تكفوه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ :» مم تضحكون؟»، قالوا: «من دقة ساقيه»!، فقال: «والذي نفسي بيده لَهُما أثقل في الميزان من أُحد» (٣). كما ورد أن للميزان كفتين، والصواب: أنه ميزان واحد، قال الحافظ: «ولا يشكل بكثرة من يوزن عمله، فإن أحوال القيامة لا تكيف بأحوال الدنيا»، انتهى. ويدل على سعة الميزان قول النبي ﷺ : «يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السموات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب لمن يزن هذا؟، فيقول: لمن شئت من خلقي»، فتقول: «سبحانك ما عبدناك حق عبادتك،،،» الحديث (٤). وقال الحافظ شارحا قول البخاري: «وأن أعمال بني آدم وقولهم يوزن»: وظاهره التعميم، لكن خص منه طائفتان، فمن الكفار من لا ذنب له إلا الكفر ولم يعمل حسنة فإنه يقع في النار من غير حساب ولا ميزان، ومن المؤمنين من لا سيئة له، وله حسنات كثيرة زائدة على محض الإيمان، فهذا يدخل الجنة بغير حساب كما في قصة السبعين ألفا، ومن شاء الله أن يلحقه بهم، وهم الذين يمرون على الصراط كالبرق الخاطف وكالريح وكأجاويد الخيل، ومن عدا هذين من الكفار والمؤمنين يحاسبون وتعرض أعمالهم على الموازين»، انتهى، لكن هذا الاستثناء متوقف على الدليل، والله أعلم. واعلم أنه كثيرا ما قيل يستثنى من كذا كذا، أو يلحق كذا بكذا، وما أبعد القياس عن

стр. 243

هذا المقام، فقد قيل إن الذين يدخلون الجنة بغير حساب لا توزن أعمالهم كما مر، ونسب للحافظ السيوطي أنهم لا يمرون على الصراط، وقال بعضهم إن ضغطة القبر يستثنى منها فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب ﵁ مع صحة الحديث بأنه لو نجا أحد منها لكان سعد بن معاذ ﵁، وقيل إن الأرض لا تأكل أجساد الشهداء، ولا العلماء ولا المؤذنين، وإنما الذين ورد فيهم ذلك إنما هم الأنبياء، والعثور على بعض أجساد غير الأنبياء من غير تغير لا يدل على ذلك، والأمر كله منوط بوجود الخبر الصحيح، فإذا جاء تعين الإذعان والتسليم له بعد الفهم الصحيح.

стр. 244

(الصراط) • قوله: ٢٤ - «وأن الصراط حق يجوزه العباد بقدر أعمالهم، فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم، وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم». المراد وجوب الإيمان بالصراط، وهو في اللغة الطريق الواسع، ويستعمل في الطريق المعنوي كثيرا، أما المراد هنا فهو جسر ينصب على جهنم يمر المسلمون عليه ليصلوا إلى الجنة، وقد قيد المرور بالمسلمين الحافظ في الفتح، والشيخ عبد المحسن البدر في شرح عقيدة ابن أبي زيد، والدليل ما في صحيح مسلم من قوله ﷺ : «فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق،،، الحديث» (١)، وسيأتي، وقيل يمر عليه جميع الخلق. قال الشيخ أبو الحسن شارح الرسالة: «وزعم بعضهم أن الكفار لا يمرون على الصراط لأنهم للنار، والأول ظاهر ما في الصحيحين من قوله ﷺ : «إنه جسر يضرب على ظهراني جهنم، يمر عليه جميع الخلائق» (٢)، انتهى قلت: أخشى أن يكون هذا من كلام بعض الناس فظنه حديثا، والله أعلم، ومع هذا فينبغي أن ينظر في المراد بما رواه مسلم عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: أنا أول الناس سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم: ٤٨]، قالت: قلت أين الناس يومئذ يا رسول الله؟، قال: «على الصراط»، وهكذا ما رواه أحمد عن ابن عباس عن عاشة بلفظ: «الناس يومئذ على جسر جهنم»، وفيه أنها سألته

стр. 245

عن قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (٦٧)﴾ [الزُّمَر: ٦٧]، والناس عموم، ويمكن أن يقال: هذا لا يثبت به مرور الجميع عليه، بل يسقط الكفار ومن شاء الله سقوطه في النار، ويعبر الناجون على تفاوت بينهم في سرعة المرور الواردة في الحديث الآتي، فيجتمع القولان، والله أعلم. وقد ثبت الصراط بالكتاب والسنة وإجماع السلف، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم: ٧١]، فسر الورود بالدخول، وتكون جهنم خامدة، أو يجعلها الله تعالى بردا وسلاما على من شاء من عباده، واحتج القائلون به بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢]. وقد يقوي هذا التفسير ما في حديث أم مبشر قالت: سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: «لا يدخل النار أحد من أهل بدر والحديبية»، قالت حفصة: أليس يقول الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا (٧١)﴾ [مريم: ٧١]؟، فقال رسول الله ﷺ : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] (١)، فقد احتجت بالآية على الدخول الذي نفاه، وذكر لها النبي ﷺ الحجة على إنجائهم. وقيل إن الورود لا يدل على الدخول، إذ يقال ورد المدينة وإن لم يدخلها، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣]، فيكون المراد العبور على جهنم، وعلى هذا ففيه إشارة إلى الصراط. وقال النبي ﷺ : «ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم»، قيل يا رسول الله وما الجسر؟، قال: دحض مزلة، فيه خطاطيف، وكلاليب، وحسك تكون بنجد، فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل، والركاب، فناج مسلم ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم» (٢).

стр. 246

وقال النبي ﷺ : «يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا» (١)، فأخذ منه بعضهم أن هناك صراطين، والذي يظهر خلاف ذلك لقوله يخلص المؤمنون من النار، والصراط يكون على النار، فهذا من تتمة الصراط، أو طرفه الذي يلي الجنة أورثنا الله إياها بمنه وكرمه.

стр. 247

(حوض النبي ﷺ -¬) • قوله: ٢٥ - «والإيمان بحوض رسول الله ﷺ ترده أمته، لا يظمأ من شرب منه، ويذاد عنه من بدل وغَيَّرَ». قال الحافظ في فتح الباري: «مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به أن الله قد خص نبيه محمدا ﷺ بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي، إذ روى ذلك عن النبي ﷺ من الصحابة ما ينيف على الثلاثين، منهم في الصحيحين ما ينيف على العشرين، وفي غيرهما بقية ذلك، مما صح نقله واشتهرت رواته، إلى أن قال: وأجمع على إثباته السلف وأهل السنة من الخلف، وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة، وأحالوه على ظاهره، وغلوا في تأويله من غير استحالة عقلية ولا عادية تلزم من حمله على ظاهره وحقيقته، ولا حاجة تدعو إلى تأويله، فخرق من حرفه إجماع السلف، وفارق مذهب أئمة الخلف» (١)، انتهى. والحوض هو مجمع الماء، جمعه حياض وأحواض، وقد أشير إلى أصل ماء حوض النبي ﷺ في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [سورة الكوثر]، والكوثر الخير الكثير، دلّت الصيغة بما فيها من الزيادة على كثرة ما اشتقت منه، وفي صحيح البخاري هم ابن عباس ﵄ قال: الكوثر الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه»، قال أبو بشر قلت لسعيد: إن أناسا

стр. 248

يزعمون أنه نهر في الجنة؟، فقال سعيد: «النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه». وجاء في صحيح مسلم عن أبي ذر أن الحوض يشخب فيه ميزابان من الجنة، يشخب يسيل، فيستدل به على أن الحوض ليس في الجنة، وقوى ذلك بعضهم بأنه يذاد عنه من بدل وغير، ومن كان كذلك لا يدخل الجنة. وعن أنس عن النبي ﷺ قال: «بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟، قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه مسك أذفر» (١)، فهذا أصل حوضه ﷺ ، وقيل هما حوضان داخل الجنة وخارجها وليس بجيد كما هو بين. ومما جاء في وصف الحوض قول رسول الله ﷺ : «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ أبدا»، وهو في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وقد روى الترمذي عن سمرة مرفوعا: «إن لكل نبي حوضا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة» (٢). وترد الحوض أمة نبينا محمد ﷺ ، ويذاد عنه أي يطرد ويبعد من بدل أو غَيَّرَ، وقد ورد هذا في جملة الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ من قوله ﷺ : «وأنا فرطهم على الحوض، فلا يذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم، ألا هلم، ألا هلم، فيقال: إنهم بدلوا بعدك، فأقول فسحقا، فسحقا، فسحقا» (٣). قال ابن عبد البر: «وكل من أحدث في الدين ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به؛ فهو من المطرودين عن الحوض والمبعدين، والله أعلم، وأشدهم طردا من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم، مثل الخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين

стр. 249

ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، وجميع أهل الزيغ والبدع، فهؤلاء كلهم مبدلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم، وتطميس الحق، وقتل أهله وإذلالهم، كلهم مبدل، يظهر على يديه من تغيير سنن الإسلام أمر عظيم، فالناس على دين الملوك، ورحم الله ابن المبارك فإنه القائل: وهل بدل الدين إلا المل … وك وأحبار سوء ورهبانها؟

стр. 250

(الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص) • قوله: ٢٦ - «وأن الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصها، فيكون فيها النقص، وبها الزيادة، ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة». ١ - مشمولات الإيمان: معنى الإيمان في اللغة التصديق قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]، وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤]، أي صدقنا، أما الإيمان في الشرع فهو تصديق الرسول ﷺ فيما جاء به من عند ربه بالاعتقاد والقول والعمل. وما قاله المؤلف من شمول الإيمان للاعتقاد والقول والعمل هو قول السلف، فهو عندهم اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان. قال الإمام القاسم بن سلام المتوفى سنة (٢٢٤) في كتابه المسمى (الإيمان ومعالمه وسننه واستكماله ودرجاته): «اعلم أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين، فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب، وشهادة الألسنة، وعمل الجوارح، وقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بالقلوب والألسنة، فأما الأعمال فإنها تقوى وبر، وليست من الإيمان، وإذا نظرنا في اختلاف الطائفتين وجدنا الكتاب والسنة يصدقان
следующие страницы →