← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

• قوله: ٤٦ - «وولاء ما أعتقت المرأة لها وولاء من يجر من ولد أو عبد أعتقته». معناه أن المرأة إذا باشرت العتق فلها ولاء من أعتقت، كما أن لها من جره ولاؤه لها بولادة أو عتق، فيسترسل ولاؤها إلى أولاده وحفدته ومعتَقيه، جاء نحو هذا في الجواهر لابن شاس، فأما أن ولاء من أعتقته المرأة لها فقد تقدم دليله بدخولها في عمومه، وهو حديث إنما الولاء لمن أعتق، ونص المؤلف على هذا الفرد منه ليرتب عليه ما بعده، وأما أن لها الولاء على من يجره ولاؤه لها من ولد أو عبد أعتقه من أعتقته فلأن مولى المولى مولى، وأما ولايتها على ولد المعتق فلأن ولاءها خاص فيقدم على الولاء العام الذي لجماعة المسلمين، وقد روى مالك في الموطإ (١٤٧٧) عن ربيعة بن عبد الرحمن أن الزبير بن العوام اشترى عبدا فأعتقه، ولذلك العبد بنون من امرأة حرة، فلما أعتقه الزبير قال: هم موالي، وقال موالي أمهم: بل هم موالينا، فاختصموا إلى عثمان بن عفان ﵁ فقضى عثمان للزبير بولايتهم، والله أعلم.

стр. 1857

• قوله: ٤٧ - «ولا ترث ما أعتق غيرها من أب أو ابن أو زوج أو غيره». يوضح قوله هذا أنه إذا أعتق امرؤ عبدا وخلف المعتق ابنا وبنتا فولاء تلك الرقبة للابن دون البنت، وإذا أعتق امرؤ شخصا ومات المعتق وكانت له زوجة فإنها لا ترثه بالولاء، لأن الولاء إنما يكون بالتعصيب، والنساء لا حظ لهن فيه إلا ما استثني، وقد روى الترمذي من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «يرث الولاء من يرث المال»، والمراد بمن يرث المال العاصب، لكن الحديث ضعيف، وروى البيهقي عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت ﵃ أنهم كانوا يجعلون الولاء للكبير من العصبة ولا يورثون النساء من الولاء إلا ما أعتقن، أو أعتق من أعتقن».

стр. 1858

• قوله: ٤٨ - «وميراث السائبة لجماعة المسلمين». لفظ السائبة من كلام الجاهلية فلا يصح أن يستعمله المسلم في معاملاته، وقد صرح خليل بكراهته، والظاهر حرمته، قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ [المائدة: ١٠٣]، ومن هذا لفظ النوء المستعمل عندنا مرادا بها المطر، فيقولون النو، فهو لفظ بقي من الجاهلية لكنه لا يراد به ما كان يراد من قول المتقدمين مطرنا بنوء كذا، والمقصود هنا أن من قال لمملوكه سيبتك أو أنت سائبة، يقصد بذلك العتق لا عن معين، فإن ولاءه يكون لجماعة المسلمين يرثونه ويعقلون عنه ويتولون عقد نكاحه إن كان أنثى وتكون لهم حضانته، ولو قال لمملوكه أنت حر ولا ولاء لي عليك فإن ولاءه عليه لا يزول لأنه حكم ثبت بمجرد قوله أنت حر، فلا يؤثر فيه ما بعده. قلت: والظاهر أن قوله أنت سائبة إما أن لا يعتبر عتقا شرعيا، فإن اعتبر فلا اعتماد على اللفظ فيكون ولاؤه له، وهو رواية ابن وهب عن مالك.

стр. 1859

• قوله: ٤٩ - «والولاء للأقعد من عصبة الميت الأول، فإن ترك ابنين فورثا ولاء مولى لأبيهما ثم مات أحدهما وترك بنين رجع الولاء إلى أخيه دون بنيه». مراده بالأقعد الأقرب، ومراده بالميت الأول المباشر للعتق، وإيضاح كلامه أنه إذا مات المعتق بالكسر فإن أولى الناس بالولاء بعده العاصب الأقرب إليه، وضرب لذلك مثلا، وهو ما إذا توفي المعتق وترك ابنين ورثا الولاء ثم مات أحدهما وترك بنين فإن الولاء يرجع إلى أخي المتوفى دون بنيه لأنه أقرب إلى المباشر للعتق إذ هو ابنه وهو واضح، فالحاصل أن أولى الناس بميراث الولاء المعتق ثم أولاده الذكور ثم بنوهم وإن نزلوا، والأعلى يحجب الأسفل، فإن عدم بنو المعتق فأبوه، يليه إخوته الأشقاء، ثم الإخوة لأب، ثم بنو الإخوة الأشقاء، ثم الذين للأب، ولا يجري الأمر في ميراث الولاء على ما هو معروف من ميراث هذا مع هذا.

стр. 1860

• قوله: ٥٠ - «وإن مات واحد وترك ولدا ومات أخوه وترك ولدين فالولاء بين الثلاثة أثلاثا». هذا افتراض آخر في المثال المتقدم يتحاص فيه الوارثون للولاء بالسوية، وهو ما إذا مات المباشر للعتق وترك ابنين فمات واحد منهما وترك ابنا ثم مات أخوه وترك ابنين فإن الولاء بينهم يأخذ كل منهم الثلث وذلك لتساويهم في القرب من الميت لأنهم جميعا أبناء بنيه، فليس بعضهم بأولى من بعض، ولو قال المؤلف: فإن ترك المعتق ابنين وماتا ولكل منهما أبناء فالولاء بينهم لكان أوضح.

стр. 1861

٣٦ - باب في الشفعة والهبة والصدقة والحبس والرهن والعارية والوديعة واللقطة والغصب هذه أمور تسعة جمعها في ترجمة واحدة يروم بذلك الاختصار، وسيأتي تعريف كل منها في موضعه إن شاء الله، وقد ابتدأ بالشفعة وهي بضم الشين وسكون الفاء مأخذها من الشفع ضد الوتر لأن الشفيع يضم حصة غيره إلى حصته فتصير شفعا، والذي له حق الشفعة يدعى شافعا وشفيعا. والشفعة في المذهب هي «استحقاق شريك أخذ مبيع شريكه بثمنه»، أي طلب الشريك ذلك لأنه حقه، وليس معناه إلزامه به، وقوله مبيع هو متفق عليه، ويدخل على مشهور المذهب ما انتقل بعوض كالصداق وأرش الجناية وهبة الثواب، بخلاف الهبة والصدقة والإرث، وقد يكون هذا مبنيا على تعليل الشفعة وعدمه، وإن لم أعلم من ذهب إلى عدم التعليل من أهل المذهب، لأن تعليلها بدفع الضرر عن المشارك يقضي بتساوي طرق انتقال الملك لا فرق ما كان بعوض وغيره، وهذا متجه قوي، وقوله شريكه قيد يخرج غير الشريك كالجار فلا شفعة له في المذهب، وسيأتي ما فيه، وقوله بثمنه معناه أنه إنما يأخذ الشقص بثمنه الذي بيع به، فإن لم يبع كما إذا أخذ في صلح أو صداق فإنه يأخذه بقيمته، وقد تقدم الفرق بين ثمن الشيء وقيمته في البيوع، وقيد الثمن يخرج ما يأخذه باستحقاق، وسيأتي معنى الاستحقاق في باب الأقضية. والشفعة مستثناة من أصل ممنوع لأجل دفع الضرر عن الشريك، إذ الأصل أن لا يباع ملك الرجل بغير رضاه. فإن قيل: إن في دفع الضرر عن الشريك إلحاقَ الضرر بالمشتري، فالجواب: أن دفع

стр. 1862

الضرر عن الأول مرجح لسبقه في التملك، ومع ذلك فقد اختلف هل حق الشفعة معلل أولا، فذهب أبو المعالي الجويني كما حكاه عنه ابن العربي في المسالك (٦/ ١٨١) ورده إلى أنه غير معلل لأنه فسخ قهري يترتب على عقد اختياري أذن الشرع فيه، وهذا ما لا نظير له في الشريعة، وإنما شرعه الله لما علم من الحكمة لا لعلة نصبها علما»، انتهى، والصواب هو الأول، لكن اختلف في الضرر المدفوع بالشفعة ما هو؟، فقيل هي لدفع ضرر الشركة، وقيل لدفع ضرر القسمة إذا طلبها أحد الشريكين وأَبَى الثاني، وينبني على التعليل بالأول إثبات الشفعة فيما يقبل القسمة وفيما لا يقبلها، ومثلوا لما لا يقبلها بالحمام والرحا وسائر ما تفسده القسمة، أما من علل بالثاني فقد قصر الشفعة على ما يقبل القسمة، ومنعها فيما لا ينقسم، وهو المذهب، قال مالك في الموطإ في آخر كتاب الشفعة بعد أن ذكر أمثلة لما لا شفعة فيه من العبيد والحيوان والثياب والبئر من غير أرض: «إنما الشفعة فيما يصلح أن ينقسم وتقع فيه الحدود من الأرض، فأما ما لا يصلح فيه القسم فلا شفعة فيه»، انتهى. ولا أدري وجه منع الشفعة فيما لا ينقسم مع أن الضرر فيه كغيره، بل هو أولى، فإن ما يقبل القسمة يمكن تقليل ضرره على المشارك أو دفعه كله بها، أما مَا لا يقبلها فلا سبيل إلى دفع الضرر إلا بجعل مالكه واحدا أو تقليل المالكين، وهذا قول في المذهب، وقال ابن العربي في المسالك ينتصر للمشهور: «ذلك أن الشفعة شرعت لدفع الضرر في القسمة، والخسارة في تغيير هيئة الحمام والبئر أكثر منها في مئونة القسمة، فكيف يدفع ضرر بأعظم منه؟، وإنما يرفع أعظم الضرر بأهون منه،،،»، انتهى، قال كاتبه: ما لا يقبل القسمة لا يقسم فتكون الشركة فيه دائمة إلا أن يكون للمشارك حق الشفعة فيتخلص به من ضررها بخلوص الملكية له، فليس هناك ضرر أعلى يدفع بضرر أدنى كما توهمه هذا الإمام، لأن إثبات حق الشفعة يدفع القسمة عما لا ينقسم، أو ينقسم ومع القسمة فساد. وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٠/ ٣٨٣): «وظن من ظن أنها تثبت لرفع

стр. 1863

المقاسمة كلام ظاهر البطلان، فإنه قد ثبت بالنص والإجماع أنه إذا طلب أحد الشريكين القسمة فيما يقبلها وجبت إجابته إلى المقاسمة ولو كان ضرر المشاركة أقوى لم يرفع أدنى الضررين بالتزام أعلاهما ولم يوجب الله ورسوله الدخول في الشيء الكثير لرفع الشيء القليل فإن شريعة الله منزهة عن هذا»، انتهى، وأشار إلى أن الشفعة فيما لا ينقسم أولى منها في ما ينقسم، وقال الشيخ ناصر الدين الألباني في التعليقات الرضية: «الظاهر أن الصواب أن له حق الشفعة في هذه الصورة أيضا، بل هو أولى، لأن دخول شريك جديد مع الشريك القديم مدعاة لإيجاد خلاف بينهما،،،». انتهى. وأركان الشفعة أربعة، الأول: الآخذ وهو الشفيع، والمشهور أن الشفعة تثبت للذمي، وقيد بعضهم ذلك بما إذا لم يكن في جزيرة العرب لأن إقامته فيها لا تشرع، وهذا حق. وقال ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد (١/ ٢): «حقوق المالك شيء، وحقوق الملك شيء آخر، فحقوق المالك تجب لمن له على أخيه حق، وحقوق الملك تتبع الملك، ولا يراعى بها المالك، وعلى هذا حق الشفعة للذمي على المسلم، من أوجبه جعله من حقوق الأملاك، ومن أسقطه جعله من حقوق المالكين، والنظر الثاني أظهر وأصح، لأن الشارع لم يجعل للذمي حقا في الطريق المشترك عند المزاحمة فقال: «إذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه»، فكيف يجعل له حقا في انتزاع الملك المختص به عند التزاحم؟. والثاني: المأخوذ منه، وهو آخذ الشقص من مشتر أو غيره على الخلاف الذي سيذكر، والثالث: الشيء المأخوذ وهو الشقص المنقولة ملكيته، فإن كان مبيعا فقد اتفق عليه لأنه منصوص، واختلف في غير المبيع، والمذهب إلحاق ما كان بعوض بالبيع كالإجارة وهبة الثواب والخلع وأرش الجناية وقيمة المتلف، بخلاف ما كان بغير عوض كالهدية والصدقة والإرث، وقد نقل غير واحد الاتفاق على عدم الشفعة في الإرث، ووجهه أن الوارث حل محل الميت من غير اختيار، والقياس يقضي بإثبات حق الشفعة من

стр. 1864

غير التفات إلى سبب نقل الملك إلا أن يخرج بالنص أو الإجماع، فإن الضرر موجود في جميع ذلك، وهو الرواية الثانية عن الإمام ذكرها عبد الوهاب في المعونة وابن رشد في بداية المجتهد (٢/ ٢٥٨)، فتدخل الهبة والصدقة وغيرهما، والرابع: المأخوذ به وهو الثمن متى بيع الشرك، أو قيمته إذا أخذ في صلح عن دم عمد أو في صداق أو هبة ثواب.

стр. 1865

• قوله: ٠١ - «وإنما الشفعة في المشاع». المراد بالمشاع ما كان للشفيع فيه شقص غير متميز كالثلث والربع ونحوهما، ولا يكون هذا إلا قبل القسمة، ودليل ذلك حديث جابر ﵁ قال: «قضى النبي ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة»، رواه الشيخان، وهذا لفظ البخاري، وهو في الموطإ (١٣٩٤) نحوه مرسلا عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وقوله صرفت مبني للمجهول راؤه مشددة، ومعناه «بينت مصارف الطرق وشوارعها كأنه من التصرف والتصريف»، قاله في الفتح، وروى أبو داود (٣٥١٥) وهذا لفظه وابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا قسمت الأرض وحدت فلا شفعة فيها».

стр. 1866

• قوله: ٠٢ - «ولا شفعة فيما قسم ولا لجار». الجمع في البيان بين المنطوق والمفهوم جرى عليه مالك كثيرا في موطئه، والمؤلف نفى حق الشفعة فيما قد قسم هنا بالمنطوق تأكيدا لنفيه بمفهوم قوله: «إنما الشفعة في المشاع»، لأن الشياع يزول بالقسمة، أما أنه لا شفعة للجار فلأنه غير مخالط، ولا شك أن الحدود بين ملكه وملك جاره قد وقعت، فلم يعد الملك مشاعا، ولا وجد من الضرر الذي شرعت الشفعة لأجله ما يتعين دفعه، ولأن الشفعة جاءت مخالفة لأصل حرية تصرف المالك في ملكه فلا يُتعدى بها ما نص عليه، لكن روى البخاري وغيره عن أبي رافع ﵁ قال، فال رسول الله ﷺ : «الجار أحق بسقبه»، والسقب بالسين والقاف المفتوحتين وجاء بالصاد أيضا هو القرب والمجاورة، وقد تأولوه على معنى أنه أولى بمعروفه ومعونته، قال في النهاية: «ويحتمل أن يكون أراد أنه أحق بالبر والمعونة بسبب قربه من جاره»، قال الشيخ أحمد شاكر: «وهذا الاحتمال أظهر عندي في معنى الحديث». قلت: يرد هذا الاحتمال سبب ورود الحديث عند ابن ماجة عن عمرو بن شعيب، عن عمرو بن الشريد بن سويد عن أبيه الشريد بن سويد، قال: قلت يا رسول الله، أرض ليس فيها لأحد قسم ولا شريك إلا الجوار؟ قال: «الجار أحق بسقبه». ومع هذا فقد جاء في إثبات الشفعة للجار حديث جابر ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا»، رواه أحمد وأصحاب السنن (د/ ٣٥١٨)، وحديث أنس بن مالك ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «جار الدار أحق بدار الجار»، رواه النسائي وابن حبان، وهو في سنن أبي داود (٣٥١٧) والترمذي عن الحسن عن سمرة، وحديث الطبراني عن سمرة مرفوعا: «جار الدار أحق بالشفعة»، فهذه نصوص قد ذكر فيها الجار، ونص فيها على حق الشفعة له، فلا مساغ لتأويلها، ولا مناص لمن صححها من الأخذ بها، مع أن الدليل قد قام على أن الجار يعرض ما يريد بيعه

стр. 1867

على جاره ولو لم تكن له شفعة. لكن الحق هو تقييد شفعة الجار بما إذا كان ثمة ضرر يتعين رفعه كالاشتراك في الطريق الداخلي، ومنها سكنى الجار فوق جاره فيما أحسب، وقد نص على ذلك رسول الله ﷺ بقوله: «إذا كان طريقهما واحدا»، لكن قال ابن تيمية ﵀ (٣٠/ ٣٨٣): «فإذا قضى بها للاشتراك في الطريق فلأن يقضي بها في الاشتراك في الرقبة أولى وأحرى»، انتهى، وفي صحة هذه الأولوية نظر، لأن الكلام في الجار والمفروض أن لا شركة معه، والله أعلم. والحاصل أن شفعة الجار قد اختلف الناس فيها على ثلاثة مذاهب: منعها مطلقا وهو الذي عليه مذهب مالك، وإثباتها مطلقا وعليه الحنفية، وإثباتها بقيد وحدة الطريق، وهذا هو الذي يستفاد من مجموع الأحاديث كما علمت، وانظر تهذيب سنن أبي داود المطبوع بهامش عون المعبود (٩/ ٣٠٩) لابن القيم ﵀.

стр. 1868

• قوله: ٠٣ - «ولا في طريق ولا في عرصة دار قد قسمت بيوتها ولا في فحل نخل أو بئر إذا قسمت النخل أو الأرض». العرصة هي الموضع الخالي من البناء تجمع على عرصات بفتح الراء، وسميت بذلك لأن الصبيان يتعرصون فيها، أي يتفسحون ويلعبون، وقد دل على عدم الشفعة في الطريق نص حديث جابر فيما يبطل الشفعة: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة»، ولأن الأصل هو الاشتراك في منافع الطريق، فلا وجه لاستبداد واحد بها، ولا ضرر على مشاركة غيره إياه فيها، ولأنها غير مقصودة لذاتها، ولا فرق بين أن تصلح للقسمة أو لا تصلح كما هو نص كلام مالك في الموطإ، بل المذهب أن لا شفعة في الطريق، ولو كان خاصا بالشريكين إلى الدار أو إلى الحائظ حيث تمت القسمة فيهما، وهذا القيد قد ذكره المصنف بعد نفي الشفعة في العرصة، وهو شامل للطريق أيضا، أما الطريق العام فلا يجوز بيعه أصلا. قلت: لكن قوله ﷺ في شرط إثبات الشفعة للجار: «إذا كان طريقهما واحدا»، يدل على أن اتحاد الطريق موجب للشفعة بالجوار فيخصص قوله ﷺ : «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة»، بحمل الطريق هنا على غير العام والمقصود من قوله «ولا في عرصة دار قد قسمت بيوتها» أن البيوت إذا قسمت وكان معها عرصة تفضي إليها فلا شفعة فيها، أما إذا لم تقسم البيوت فإن الشفعة في العرصة تكون تبعا لها، قال مالك في الموطإ: «والأمر عندنا أن لا شفعة في عرصة دار صلح القسم فيها أو لم يصلح»، انتهى، وفحل النخل هو الشجرة التي يؤخذ منها العضو المذكر لتأبير النخل الإناث فهذا لا شفعة فيه حيث قسمت النخل وكان في أحد قسميها الفحل، ومثله البئر حيث قسمت الأرض فطار لأحد المتقاسمين البئر، فكل منهما تبع لأصله تبعية الطريق للبناء، فالحاصل أن إناث النخل أصل للفحل، والأرض أصل للبئر فمتى قسم الأصل فلا شفعة في التابع.

стр. 1869

• قوله: ٠٤ - «ولا شفعة إلا في الأرض وما يتصل بها من البناء والشجر». في صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الشفعة في كل شرك: في أرض، أو رَبع، أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه»، والربع بفتح الراء وسكون الباء ما يربع فيه الإنسان ويتوطنه، وقصد المؤلف نفي الشفعة في غير ما ذكر استقلالا، أما لو كان تبعا فالشفعة قائمة، لكن إذا باع الشريك حصته من الثمار فإن لشريكه الشفعة فيها ما لم تيبس، فإذا يبست فاز بها المشتري وبقي للشريك حق الشفعة في الأشجار فيأخذها بما ينوبها من الثمن، بخلاف الرزع فإنه لا شفعة فيه، لكن الأرض باقية على أصلها من الشفعة، وقد قال مالك بالشفعة في الثمار دون غيره من العلماء، وقالوا إن قوله هذا كان استحسانا منه، ومما قاله عنها: «ما علمت أحدا قبلي من أهل العلم قاله، ولكني استحسنته»، انتهى. قال كاتبه: يظهر لي والله أعلم أن قول مالك بالشفعة في الثمار من القوة بمكان، وقد كان يقع في نفسي أنه استأنس في قوله هذا بالترخيص في بيع العرية بخرصها تمرا استثناء من أصل ممنوع لدفع الحرج عن المعري فقال بالشفعة في الثمار مراعاة لهذا المعنى، ف ﵀ ما كان أعلمه وما أسد نظره، ثم وجدت ابن العربي قد قاله في المسالك، وقد قالوا إن هذا واحد من أمور خمسة أو ستة رآها ﵀، ومنها استحسانه الشفعة فيما إذا بنى قوم في دار حبست عليهم ثم مات أحدهم فأراد ورثته بيع نصيبه من البناء فلإخوته فيه الشفعة، وقوله في القصاص بالشاهد واليمين، وكون أنملة الإبهام فيها خمس من الإبل، ويؤخذ من استحسانه هذا أربعة أمور أولها تحفظه الشديد من أن يقول برأيه في شيء من أمور الدين، والثاني لجوؤه إلى ذلك عند الضرورة، وقد قال عبد الله بن مسعود ﵁ في مسألة من توفي عنها زوجها ولم يكن قد فرض لها: «أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمن نفسي والشيطان، والله ورسوله منه بريئان»، وهو عند أبي داود (٢١١٦)

стр. 1870

والترمذي وابن ماجة، والثالث أن فيه ردا على من زعم تعميم قول الإمام أحمد الذي فيه لا تقل بشيء ليس لك فيه سلف، فإن بعض الناس يرفعه في وجه كل من رأوه يقول ما لا علم لهم به، فإن هذا لو اعتمد عليه من غير قيد لترك العامي لهواه بحيث لا يجاب، ولأمسك الناس عن الكلام في النوازل، مع أن المرء ينبغي أن يفرق بين ما يقوله رأيا عند الحاجة إليه، وما يقوله مبلغا لحكم الله حسب علمه، وقد يؤخذ من هذا وهو الرابع أن ما يذكره مالك ﵀ مما ظاهره أنه رأي له يكون له فيه سلف.

стр. 1871

• قوله: ٠٥ - «ولا شفعة للحاضر بعد السَّنَة». ذكر هنا بعض ما يسقط الشفعة، فإن الشفيع إما أن يكون غائبا أو حاضرا، فالحاضر وقتوا له سَنَة في المشهور، ما لم يصدر عنه ما يدل على إسقاطه حقه في الشفعة كأن يشتري من مشتري الشقص، أو يستأجره، أو يبيع هو حصته، أو رأى المشتري يهدم ويبني وسكت، فتسقط بذلك الشفعة ولو قبل مرور السنة، ووجه قولهم بالسنة وما قاربها أنها دورة زمنية كاملة جعلها الشرع مدة للزكاة وبعض الأحكام، ولأن بقاء الشفعة بعدها يترتب عليه إضرار بالبائع، وهذا ليس إلا رأيا، إذ ليس في تحديد وقت بقاء حق الشفعة له ما يعتمد عليه، وبقاء هذا الحق له قيدوه بقيود منها أن يكون الشفيع عاقلا بالغا رشيدا عالما بالبيع ولا عذر له في سكوته وإلا كان على شفعته حتى يحصل العلم أو يزول العذر.

стр. 1872

• قوله: ٠٦ - «والغائب على شفعته وإن طالت غيبته». دليل ذلك حديث جابر ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا»، رواه أحمد وأصحاب السنن، وظاهره عدم فوات هذا الحق بالطول، قال مالك: «لا تقطع شفعةَ الغائب غيبتُه، وإن طالت غيبته، وليس عندنا لذلك حد تقطع إليه الشفعة»، انتهى. قال كاتبه: لكن الشريعة التي جاءت بدفع ضرر القسمة أو الشرك عن الشفيع جاءت أيضا بدفع الضرر عموما، وليس في الحديث السابق إلا أن الغياب لا يقطع الحق في الشفعة، أما المدة التي يستمر له فيها هذا الحق فلا بد من تقييدها لما ذكرنا، فتكون من موارد الاجتهاد بحسب حال الغائب، والله أعلم، أما حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الشفعة كحل العقال، ولا شفعة لغائب»، رواه ابن ماجة والبزار، والفقرة الأخيرة له فإنه ضعيف لا تقوم به حجة، والحاصل أن مسقطات الشفعة أمور ثلاثة هي: أولها: التخلي عنها بصريح اللفظ كأن يقول تركت حقي في الشفعة أو أسقطت شفعتي، لكن إسقاطه حق الشفعة لا يعتبر إلا إذا كان بعد بيع الشقص، أما قبله فهو كالعدم لأنه قد تم قبل الاستحقاق، هكذا قالوا، وفي هذا الشرط نظر إذ ما يقال إذا آذنه شريكه بالبيع فأذن له وتنازل عن حقه وقد أمر الشرع صاحب الشقص بذلك كما تقدم في حديث جابر عند مسلم وأبي داود من قوله ﷺ : «لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع»، وكيف لا يعتبر الشرع ذلك وهو وقت ما قبل استحكام النزاع واستفحاله ثم يقر له بالحق بعد البيع مع ما في ذلك من تكثير النزاع؟، هذا مستبعد، وفي صحيح البخاري: قال الحكم: «إذا أذن له قبل البيع فلا شفعة له». وثانيها: ما يدل على تركه حقه في الشفعة كرؤيته المشتري يبني ويهدم ويغير وهو

стр. 1873

ساكت من غير مانع، وقال الشعبي: «من بيعت شفعته وهو شاهد لا يغيرها فلا شفعة له»، وهو في صحيح البخاري أيضا. وثالثها: ترك المطالبة بحقه في الشفعة من غير عذر بعد علمه بالعقد وحضوره بالبلد مدة سنة، فإن حضر العقد وسكت فتسقط شفعته بمرور شهرين، ولينظر معتمد هذا التحديد.

стр. 1874

• قوله: ٠٧ - «وعهدة الشفيع على المشتري». قال في االصحاح: يقال: عُهدَتُه على فلان، أي ما أدرك فيه من درك فإصلاحه عليه»، انتهى، والمقصود أن المشتري هو الذي يتحمل تبعة ما يظهر في الشقص الذي اشتراه من عيب يوجب الرد، أو استحقاق، فيرجع الشفيع عليه بثمنه، أو يرده بالعيب عليه، فأنت ترى أن الشفيع هنا قد نزل منزلة المشتري، ونزل مشتري الشقص منزلة البائع، أما عهدة مشتري الشقص فتكون على من باع له، فيرجع عليه بالثمن عند الرد، وهذا الحكم ماض ولو تكرر البيع، فللشفيع الأخذ بأي البيوع شاء، وينتقض ما بعده، ويدفع الثمن لمن بيده الشقص، فلو فرضنا أن الشقص بيع مرتين، وأراد الشفيع الأخذ بالشفعة فإن اتفق الثمنان فلا إشكال، وإن كان الثمن الأول أكثر كعشرين مثلا - وقد أخذ به الشفيع - والثاني عشرة دفع لكل منهما عشرة، وإن كان الثاني هو الأكثر كعشرين مثلا، والأول عشرة - وقد أخذ بالأول - دفع للثاني عشرة ويرجع البائع الثاني على الأول بعشرة، ويقتضي كون العهدة على المشتري أنه إذا استحقها أحد من يد الشفيع أخذها من غير شيء، وعاد الشفيع على المشتري، ورجع المشتري على البائع، وانظر المعونة (٢/ ١٢٧٦). ويمكن أن يقال إن عهدة الشفيع تقف عند البيع الأول لكونه ليس صحيحا فإن البائع مطالب أن لا يبيع حتى يعرض حصته على مخالطه فيكون هو الذي عليه العهدة لتفريطه، وقد تقدم قول النبي ﷺ : «لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه»، وعبارة لا يصلح تدل على عدم الجواز، فإنه ليس بعد الصلاح إلا الفساد، كما أنه ليس بعد الحق إلا الضلال، وقد وقفت بعد هذا على كلام للشوكاني في السيل الجرار (٣/ ١٨٠) قال: «الشفعة وجد سببها بالعقد الأول فإذا انضم إليها الطلب وبذل ما دفعه للمشتري من الثمن فلا حكم للعقود التي ترتبت على هذا العقد الذي كان هو السبب للشفعة، بل تبطل كلها،

стр. 1875

ويتراجع أهلها بما دفعوه من الأثمان سواء زادت على ما دفعه المشتري الأول أو نقصت،،، إلى أن قال: «وأما الحكم لجميعها بالصحة وتفويض الشفيع إلى ما يقترحه ويريده فخارج عن مسلك العدل والعقل، فإنه يؤدي إلى تغريم بعض البائعين بعد أن باع ملكه بيعا أذن الله فيه، وأحل له ما قبضه من الثمن بمجرد هذا التشهي المجعول للشفيع خبطا وجزافا»، انتهى.

стр. 1876

• قوله: ٠٨ - «ويوقف الشفيع فإما أخذ أو ترك». ما تقدم من إمهال الشفيع السنة والشهرين مقيد بما إذا لم يوقف، أي يطالب بالأخذ بحقه أو تركه، وذلك بعد بيع الشقص الذي فيه حق الشفعة بيعا لازما، حينذاك يكون للمشتري أن يطالب الشفيع بإظهار رغبته في الأخذ بحقه أو عدم رغبته، فإن فعل فذاك، وإلا فله رفع أمره إلى الحاكم، وإنما كان له ذلك لما يلحقه من الضرر بسبب منعه من التصرف في حصته التي اشتراها، فإن اختار الأخذ بحقه وكان المشتري قد تصرف فيه بالهبة أو بالوقف فإن للشفيع نقض ذلك كله، قالوا ولو بني في الشقص مسجد، قال مالك: «ومن اشترى أرضا فيها شفعة لناس حضور فليرفعهم إلى السلطان فإما أن يستحقوا وإما أن يسلم له السلطان، فإن تركهم فلم يرفع أمرهم إلى السلطان وقد علموا باشترائه فتركوا ذلك حتى طال زمانه ثم جاءوا يطلبون شفعته فلا أرى لهم ذلك»، انتهى.

стр. 1877

• قوله: ٠٩ - «ولا توهب الشفعة ولا تباع». إنما شرعت الشفعة لدفع الضرر عن المخالط بحيث يدخل عليه في الشقص من لا يعرف شركته ولا معاملته، فلو جاز بيعها أو هبتها لتناقض ذلك مع ما شرعت لأجله، لكن اختلف في بيع الشفعة لمشتري الشقص نفسه ومعناه أن الشفيع يقرره على البيع بمقابل ويسقط بذلك حقه، والظاهر عدم الجواز لأن المقصود من الشفعة الأخذ أو الترك فيكون بيعها من باب أكل أموال الناس بالباطل، لأن الشفيع وإن كان له حق إلا أنه غير متقوم فهو مثل حق العتبة الذي أصبح الناس يتعاملون به بحيث لا يخلي المكتري المحل المكترى إلا إذا أعطاه مالكه أو من يرغب في اكترائه بعده قيمة (العتبة)، وأعظم منه وأوغل في الباطل ما يدعى بالمفتاح أو (الخلو) في السكنى، ومن كراء السجل التجاري لمن يعتمد عليه في التجارة باسم مالكه، وكذا الشهادة العلمية المتخصصة المشترطة في موافقة الجهات المختصة على القيام ببعض الأعمال وإنشاء بعض الهيآت، والله أعلم.

стр. 1878

• قوله: ١٠ - «وتقسم بين الشركاء بقدر الأنصباء». متى تقررت الشفعة لواحد أخذها وحده، فإن تعدد الشفعاء فإنهم يتحاصون في الشقص بمقدار سهامهم، فلو كان لثلاثة أفراد دار يملك أحدهم نصفها، والثاني ثلثها، والثالث سدسها، فباع صاحب النصف نصيبه، فإنه ينظر في نسبة الثلث إلى السدس فيعرف أنه ضعفه فيأخذ صاحب الثلث ثلثي الشقص، فيصير له ثلثا الدار، ويأخذ صاحب السدس ثلث الشقص، فيصير له ثلثها، وقيل يقتسمان الشقص على الرؤوس بالسوية بقطع النظر عن الأنصباء، والله أعلم.

стр. 1879

• قوله: ١١ - «ولا تتم هبة ولا صدقة ولا حبس إلا بالحيازة». قال ابن العربي في المسالك (٦/ ٤٤٩): الهبة على الحقيقة لله وحده لأن حقيقتها هو العطاء بغير عوض مما لا يجب، والذي يعطي على الحقيقة بغير عوض ولا يجب عليه هو الله سبحانه، ولا يتصور ذلك في الآدمي لأنه مجبول على التلفت إلى الأغراض، إما في جلب منفعة، وإما في دفع مضرة، فلذلك كانت هبته محمولة على القصد إلى البدلية فيها»، انتهى بتصرف. والهبة مصدر وهب يهب هبة ووهبا ووهبا، ويقال موهب وموهبة بكسر الهاء فيهما، وهما اسم مصدر، والاستيهاب سؤال الهبة، والاتهاب قبولها. قال الحافظ في الفتح (٥/ ٢٤٣): «والهبة تطلق بالمعنى الأعم على أنواع الإبراء، وهو هبة الدَّيْنِ ممن هو عليه، والصدقة، وهي هبة ما يتمحض به طلب ثواب الآخرة، والهدية، وهي ما يكرم به الموهوب له، وتطلق الهبة بالمعنى الأخص على ما لا يقصد له بدل، وعليه ينطبق قول من عرف الهبة بأنها «تمليك بلا عوض»، انتهى ببعض الحذف. وقد حض الشرع على الهبة بمعناها الأعم لما فيها من تقوية الصلات بين الناس، وإشاعة التواد والتحاب فقال النبي ﷺ : «تهادوا تحابوا»، رواه البخاري في الأدب المفرد، وأبو يعلى عن أبي هريرة ﵁، وقد حسنه صاحب التلخيص الحبير، وبلوغ المرام، وصاحب الإرواء، وفي الموطإ من (كتاب الجامع) عن عطاء الخراساني مرسلا: «تصافحوا يذهب الغِلّ، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء»، والغل بكسر الغين الحقد، والشحناء البغضاء، وقال النبي ﷺ : «لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة»، رواه البخاري عن أبي هريرة، وفيه الحض على التهادي ولو باليسير كفرسن الشاة وهو عُظَيم قليل اللحم، وهو

стр. 1880

للبعير موضع الحافر للفرس، واستعمل في الشاة مجازا، والمراد مِنْ ذِكْرِهِ أن لا يقتصر التهادي على الكثير لأنه قد لا يتيسر فتفوت المصلحة المترتبة عليه، فلا ينبغي احتقار ما يهدى من المهدي ومن المهدى إليه، ورواه الترمذي (٢١٣٠) فزاد في بدايته: «تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر،،،»، لكن فيه أبا معشر وهو ضعيف، والوحر بفتح الواو غشه ووساوسه، وقيل الحقد والغيظ، وقيل العداوة وقيل أشد الغضب»، هكذا في النهاية، وكان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها»، رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، وقال: «لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت»، رواه البخاري عن أبي هريرة، والكراع بضم الكاف مستدق الساق العاري من اللحم، وجاء فيما لا يرد مما يهدى حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث لا تُرد: الوسائد والدهن واللبن» رواه الترمذي. وجاء النهي عن الهدية مكافأة على الشفاعة الحسنة فكيف بالشفاعة السيئة؟، فقد روى أبو داود (٣٥٤١) عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا»، وفيه إطلاق الشارع لفظ الربا على المال المحرم، ومثل ذلك الهدية لذي السلطان فإن هدايا العمال غلول. وروى أحمد وابن حبان عن ابن عباس ﵄ أن أعرابيا وهب للنبي ﷺ هبة فأثابه عليها، قال: «رضيت»؟، قال: «لا»، قال: فزاده، قال: «رضيت»؟، قال: لا»، قال: فزاده، قال: «رضيت»؟، قال: نعم، قال: فقال رسول الله ﷺ : «لقد هممت أن لا أتهب إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي»، قوله: أن لا أتهب أي أن لا أقبل هبة، وفيه حجة لمن امتنع من قبول الهبة ممن يؤذيه بها كأن يمن بها أو ينتظر منه الإثابة عليها وهو غير قادر على ذلك، إذ لا يهم النبي ﷺ إلا بحق، فيكون هذا مستثنى من مطلوبية قبول الهدية المأمور به اقتداء بفعل النبي ﷺ ، ويناسب أن يذكر هنا حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ذبوا بأموالكم عن أعراضكم» قالوا: يا رسول الله، كيف نذب بأموالنا عن أعراضنا قال: «يعطى

стр. 1881

الشاعر، ومن تخافون من لسانه»، رواه الديلمي وغيره عنه، وهو في الصحيحة برقم (١٤٦١)، وهذا يدخل في باب بذل الدنيا من أجل الدين، وقد دل عليه كتاب الله أيضا، وقد قال زهير: ومن يجعل النعروف من دون عرضه • يفره ومن لا يتق الشتم يشتم والهبة في المذهب قسمان: هبة ثواب وهي العطية يقصد بها صاحبها عوضا ماليا من الموهوب له، وهذه نوعان: الأول مصرح فيه بالغرض، وغير مصرح به، وسيأتي البيان، والثاني هبة لإكرام المعطى، فهذه خرجت مخرج الصدقة، وهي عطية يراد بها الثواب من الله تعالى، ولا يدخل في الهبة العارية والوقف والعمرى فإن الذات فيها باقية على ملك صاحبها، والذي أعطي إنما هو منفعتها، وهذا من التقريب لا من التحقيق، وإلا فإن الصدقة كما تكون بالذات تكون بالمنافع فتدخل فيها العارية وغيرها، والاصطلاح متى لم يعارض به الحق فلا ضير فيه. وأحكام الهبة والصدقة والحبس واحدة، ومما تختلف الهبة عنهما أمران: أحدهما: أنها تعتصر، أي يجوز أن يسترجعها الوالد من ولده كما سيأتي. والثاني: أن الهبة يجوز الرجوع فيها بشرائها، ولا يجوز شيء من ذلك في الحبس والصدقة. والثلاثة: تصح وتلزم بمجرد القول أو الفعل الدال على تبرع المالك بها، ويقضى على الفاعل بدفعها على المذهب، وليس له الرجوع فيها، وللمعطى بفتح الطاء أن يحوزها ولا يتوقف ذلك على إذن المعطي. فيعتبر في الهبة القبول، وهو ركن فيها، والحيازة وهي شرط في تمامها، وقال بعضهم إنما اشترطت الحيازة خوفا من قول المعطي في مرضه مثلا «ادفعوا لفلان كذا، فإني كنت قد وهبت له قبل مرضي»، فيحرم الوارث، وهذا لا يجوز، وعلى هذا فلا يصح أن يؤخذ

стр. 1882

من قول المؤلف «ولا تتم هبة ولا صدقة ولا حبس إلا بالحيازة عدم اللزوم، وقد استُدل على ما ذكره من الحيازة بما رواه مالك في الموطإ عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: إن أبا بكر كان قد نحلها جذاذ عشرين وسقا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك، وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا فلو كنت جذذتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله، قالت عائشة فقلت: يا أبت والله لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هي أسماء فمن الأخرى؟، قال أبو بكر ذو بطن بنت خارجة أراها جارية»، قول عائشة نحلها يقال نحله إذا أعطاه والنحلة بكسر النون العطية بلا عوض، وقولها جذاذ عشرين وسقا تعني مقدار ما يحصل من جني ثمرته، والجذاذ القطع، وموضع الدليل منه قول أبي بكر ﵁: «فلو كنت جذذتيه واحتزتيه كان لك»، واحتاز الشيء مثل حازه، إذا ضمه إليه، وجذذتيه واحتزتيه بمد التاء فتولدت عنه الياء، وقد روى مالك (١٤٣٥) عن عمر أيضا ما يدل على اشتراط الحيازة في تمام الهبة، وقد رد ابن العربي الاستدلال بهذا الأثر ونحوه على اشتراط الحيازة في إمضاء الهبة فقال: «ولما رأى الناس أن عقد الهبة تبرع محض قالوا إنه لا يلزم إلا بالقبض، وإليه صغى أكثر الفقهاء، منهم الشافعي وأبو حنيفة، وعجبا لهم، من أين نزعوا لهذا الأصل، والهبة عقد من العقود ومبنى العقود على اللزوم، ومحلها القول، منه تكون، وبه تلزم، وقد بين الله ذلك في كتابه فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (١)﴾ [المائدة: ١]، وبعد أن أورد على نفسه الاحتجاج بأثر أبي بكر قال: «كيف تعلقتم بهذا في هذا الأصل العظيم وهو قول واحد من الصحابة»؟، انتهى، وقد علمت مما تقدم أن الهبة لازمة بالقول أو الفعل، والحيازة تمام لها. وقد يؤخذ من أثر أبي بكر أمر آخر وهو تفضيل بعض الأولاد على بعض، وقد روى مالك في موطئه قبله حديث النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: إن أباه بشيرا أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال: «إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي»، فقال رسول الله ﷺ : «أكل ولدك نحلته مثل هذا»؟، فقال: «لا»، فقال رسول الله ﷺ : «فارتجعه»، انتهى، وقد حمل مالك ﵀ هذا

стр. 1883

الحديث كما ذكره ابن عبد البر في الاستذكار (٧/ ٢٢٦) على ما إذا كان ما نحله لبعض ولده هو ماله كله، فكأن المعنى عنده أن أمره بارتجاع المال ليس لتفضيل بعض الأولاد على بعض، بل لبقاء الوالد من غير مال، ولعل دافعه إلى هذا المسلك ما ثبت عنده من فعل أبي بكر ﵁ قال كاتبه: حمل الحديث على المعنى الذي حكاه ابن عبد البر عن مالك لا دليل عليه، فإنه ﷺ لم يسأله عما إذا كان له مال غير ما نحله لابنه، بل سأله بقوله «أكل ولدك نحلته مثل هذا»؟، فقال: «لا»، ولأن التسوية بين الأولاد في العطية قد عللت برغبة الوالد في استوائهم في برهم به، ووصف النبي ﷺ ذلك بأنه شهادة على جور، واثر أبي بكر واقعة تقبل الاحتمال، قال ابن العربي ﵀: «ورده هو الصحيح في الحكم، فإن قيل قد قال: «أشهد على هذا غيري؟، قلنا: هذا هو تأكيد التحريم، لأن أمرا لا يرضاه رسول الله ﷺ ولا يشهد به، من الذي يرضاه أو يشهد به؟، وسائر ألفاظ الحديث نص صريح فلا يرد بهذا المحتمل»، انتهى.

стр. 1884

• قوله: ١٢ - «فإن مات قبل أن تحاز عنه فهي ميراث إلا أن يكون ذلك في المرض فذلك نافذ من الثلث إن كان لغير وارث». لما كانت الحيازة شرطا في اللزوم فإذا لم تحز الهبة وما ذكر معها من الصدقة والحبس حتى مات المتبرع بطلت وصارت من جملة الميراث، وهو قول مالك في الموطإ، وظاهر كلام المؤلف البطلان من غير قيد، والمشهور أن البطلان مقيد بما إذا لم يطالب الموهوب له بها وَيَجِدَّ في ذلك في حياة المعطي، فامتنع من ذلك، وهذا قول ابن القاسم، ووجهه أنه سعى في حيازتها فلم يمكن من ذلك، فكان في حكم الحائز، ولم يفرق ابن الماجشون بين الجاد وغيره، وكذلك إذا جحد المعطي، وأقام المعطى له البينة على العطية فإنها يقضى بها له، نص عليه مالك في الموطإ أيضا. أما إن وقعت الهبة وما معها في المرض المتصل بموت الواهب فإنها لا تبطل بعدم الحيازة لصيرورتها وصية بالموت، فتنفذ في حدود ثلث التركة بشرط أن تكون لغير وارث على ما تقدم في الوصية، والله أعلم.

стр. 1885

• قوله: ١٣ - «والهبة لصلة الرحم أو لفقير كالصدقة لا رجوع فيها». اعلم أن ذا الرحم أولى بالعطاء من البعيد، لقول رسول الله ﷺ : «الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم صدقة وصلة»، رواه أحمد والترمذي والنسائي عن سلمان بن عامر الضبي، ولقوله ﷺ : «من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه»، رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن أنس، وفي رواية: «من سره أن يعظم الله رزقه وأن يمد في أجله فليصل رحمه»، وصلة الرحم أعم من أن تكون بالعطية أو بغيرها. ومراد المؤلف الهبة لذي الرحم لأجل صلته، والرحم هنا مجاز، أُطلق المحل وأريد الحال، أي الذي يجمعك به الرحم، وقد قيد بعض الشراح ذا الرحم بمن يحرم نكاحه، واللفظ أعم منه فلينظر، وقد حكى ابن عبد البر في الاستذكار (٧/ ٢٣٤) أن مذهب مالك عدم التفريق في هبة الثواب بين أن تكون لذي الرحم وغيره، وإذا كنت على ذكر من أن الهبة لا يرجع فيها الواهب تبين لك أن لا مفهوم لقول المصنف هنا، فيكون مراده ذكر بعض الأفراد من هبة غير الثواب لا تقبل فيها دعوى إرادة الثواب، لكونها ظاهرة في عدم إرادة ذلك القصد، فما كان كذلك ألحق به كالهبة للفقير والصالح واليتيم، وكلام الشراح هنا فيه اضطراب، ولعل ما ذكرته من قصر كلام المؤلف على ذبك المعنى يزيل الإشكال إن شاء الله، والعلم عند الله، وقد أطلق الترمذي القول في عدم جواز الرجوع في الهبة لذي الرحم المحرم، ونسبه لبعض أهل العلم من الصحابة ومن دونهم، فجعلوا الهبة لذي الرحم مثل الصدقة، وروى الدارقطني والبيهقي والحاكم عن سمرة قال، قال رسول الله ﷺ : «إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها»، وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين وتعقب كذا قال الغماري في مسالك الدلالة، وقال الحافظ في التلخيص الحبير (ح/ ١٣٣٠): «سنده ضعيف»، وانظر نيل الأوطار (٦/ ١١٥). وقد جاء في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «العائد في

стр. 1886

هبته كالعائد في قيئه»، رواه أحمد والشيخان (خ/ ٢٦٢١) وأبو داود والنسائي، وظاهر هذا التشبيه التحريم، وفي لفظ: «ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه»، وهذا لا يدل على خلاف ما تقدم لأن المراد التنفير من الرجوع في الهبة، فكيف بالصدقة والحبس؟، وقال الطبري: «يخص من عموم هذا الحديث من وهب بشرط الثواب، ومن كان والدا والموهوب له ولده، والهبة لم تقبض، والتي ردها الميراث على الواهب، لثبوت الأخبار باستثناء كل ذلك، وأما ما عدا ذلك كالغني يثيب الفقير ونحو من يصل رحمه فلا رجوع»، انتهى بالنقل عن فتح الباري (٥/ ٢٩١)، باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته. وقد جاء ما أخذ منه الفرق بين هبة الثواب فيجوز الرجوع فيها وغير الثواب فلا يجوز الرجوع فيها، إذ روى مالك في الموطإ (١٤٣٦) عن داود بن الحصين عن أبي غطفان بن طريف المري أن عمر بن الخطاب قال: «من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض منها»، انتهى، وسيأتي الكلام على هبة الثواب.

стр. 1887

• قوله: ١٤ - «ومن تصدق على ولده فلا رجوع له». لم يقيد الولد بالصغر في نسخة من هذا الكتاب، وفي أخرى تقييده بذلك، قال النفراوي: «لا مفهوم للصغير بل وكذلك الكبير»، انتهى، ووجه التقييد فيما ظهر لي أن نفقة الصغير واجبة على الوالد، ومع ذلك لا رجوع له في التصدق عليه، فكيف بالكبير الذي لا تجب نفقته عليه؟، وإنما امتنع الرجوع في الصدقة على الولد لعموم النهي عن الرجوع فيها، ويعرف الفرق بين الصدقة والهبة بالقرائن، وإنما نص عليه حتى لا يتوهم دخولها في اعتصار الهبة التي للولد كما سيأتي، وما ذكره المؤلف هنا من عدم الرجوع لا يوافق أيا من الأقوال الثلاثة التي في المذهب، وقد حكاها أبو الحسن في شرحه، ورجح علي الصعيدي آخرها، وهي أن له الرجوع مطلقا، والثاني أن له الرجوع فيها بالشراء من غير ضرورة، والثالث أن له الرجوع فيها للضرورة على أن يعطيه قيمتها، وكلام المؤلف محتمل للأخير، ولما كانت الهبة لازمة بالكلام ونحوه استثنى من ذلك اعتصار الهبة التي لم تخرج مخرج الصدقة بل مخرج المودة والمحبة للولد بقوله:

стр. 1888

• قوله: ١٥ - «وله أن يعتصر ما وهب لولده الصغير أو الكبير ما لم ينكح لذلك أو يداين أو يحدث في الهبة حدثا». احتجوا على جواز رجوع الوالد فيما وهبه لولده بحديث طاوس عن ابن عمر، وابن عباس ﵃ أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لأحد أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل فإذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه»، رواه أصحاب السنن (د/ ٣٥٣٩)، وصححه الترمذي (١٢٩٩) والألباني، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٧/ ٢٣٦) بعد أن حكى تعليق الشافعي القول بالحديث على اتصاله: «قد وصل حديث طاوس حسين المعلم وهو ثقة ليس به بأس»، انتهى، واسترجاع الهبة من الولد يسمى اعتصارا، وهو خاص بالأب دنية - أي الأب المباشر - فلا يجوز ذلك للجد، وله الرجوع من غير فرق بين ولده الذكر والأنثى والغني والفقير حاز الهبة أو لم يحزها، ما لم ينكح الولد أو يداين، والهبة التي تسترجع إنما هي المعطاة لا لأجل الصلة أو الفقر أو إرادة ثواب الآخرة. فإن قلت: هذه أمور باطنة فأنى لنا أن نعلمها؟، فالجواب: أنها قد تعلم بالتصريح، وإلا فإن المعطي يعلم وجه عطائه فيكون ممنوعا عليه الرجوع، فإن خالف أثم، وكثير من أحكام الله تعالى أمانات عند المكلفين لا رقيب عليهم فيها غيره سبحانه. وإنما منعوا رجوع الوالد في حالة نكاح الولد ذكرا كان أو أنثى أو مداينته لأنه قد اعتمد في ذلك على الهبة، وشُغلت ذمته بناء عليها، وهكذا إذا أحدث في الهبة حدثا يغيرها بالزيادة أو النقصان، كأن وهبه والده آجرا فبني به، أو حديدا فصنع به آنية، أو أرضا فبنى عليها، فهذا يمتنع معه الرجوع، قال مالك في الموطإ: «الأمر المجتمع عليه عندنا فيمن نحل ولده نُحْلًا أو أعطاه عطاء ليس بصدقة أن له أن يعتصر ذلك ما لم يستحدث الولد دَيْنًا يداينه الناس به، ويأمنونه عليه من أجل ذلك العطاء الذي أعطاه أبوه، فليس لأبيه أن يعتصر من ذلك شيئا،،،»، انتهى، وذكر من أمثلة ما لا رجوع فيه الابن يتزوج وكذلك البنت.

стр. 1889

• قوله: ١٦ - «والأم تعتصر ما دام الأب حيا، فإذا مات لم تعتصر، ولا تعتصر من يتيم، واليتم من قِبَلِ الأب». الأم دنية - لا الجدة - كالأب في جواز اعتصارها ما وهبته لولدها صغيرا كان أو كبيرا، لدخولها في لفظ الوالد في قوله ﷺ في حديث ابن عباس المتقدم: «لا يحل لأحد أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده»، وقيدوا هذا بما إذا لم تكن هبتها على وجه الصدقة أو صلة الرحم أو لفقره مع بعده عن أبيه فلا يجوز لها الاعتصار، وهذا كله إذا كان أبوه حيا حين الهبة، أما إن كان ميتا وكان الولد صغيرا فإن هبتها له تجري مجرى الصدقة بقرينة اليتم فهي لأجل الإشفاق عليه والرحمة به، ولا يقال للولد إنه يتيم إلا إذا فقد الأب، وفاقد الأم لا يدعى يتيما، وهذا في الآدمي بخلاف الحيوان، وإنما نص عليه المؤلف ليؤخذ منه أن موت الأم لا يمنع الأب من جواز اعتصار الهبة من ولده.

стр. 1890

• قوله: ١٧ - «وما وهبه لابنه الصغير فحيازته له جائزة إذا لم يسكن ذلك أو يلبسه إن كان ثوبا، وإنما يحوز له ما يعرف بعينه». لما كان الولد الصغير - ومثله السفيه - لا قدرة له على حيازة ما يهبه له والده فإن حيازة الأب كافية في تمام الهبة، لأن الأب هو الذي يحوز لمحجوره. وقد ذكروا لصحة حيازة الوالد لولده شروطا ثلاثة: أحدها: أن يشهد على الهبة كي تثبت، وقد جاء ذلك في كلام لعثمان ﵁ سيأتي. والثاني: أن لا يستعمل الوالد ما وهبه لابنه، كأن يسكن الدار أو يلبس الثوب، لأن حيازة الأب لابنه على خلاف الأصل، وقد أضيف إلى ذلك ما يدل على استمرار الملكية. والثالث: أن يهب له ما يعرف بعينه كأن يقول وهبتك داري أو أرضي ويعينها أما إن كان لا يعرف ولم يضعه عند غيره حتى مات أو فقد الأهلية بجنون أو فلس فإن الهبة تبطل. والدليل على كفاية حيازة الوالد لولده الصغير أنه لو لم يعتبر ذلك كافيا فإما أن يقال إن هبته لولده الصغير لا تشرع أصلا، وهذا باطل، وإما أن يقال يلزمه أن يضع ما وهبه لابنه عند غيره كي تتم الهبة، وهذا فيه تفضيل غير الوالد عليه في رفقه وعطفه على ولده. ثم وقفت على ما جاء في أثر لعثمان بن عفان ﵁ وهو قوله: «أحق من يحوز عن الصبي أبوه»، إذ روى عبد الرزاق عن عروة أخبرني المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاريِّ أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: «ما بال أقوام ينتحلون أولادهم، فإذا مات الابن قال الأب: مالي وفي يدي، وإذا مات الأب قال: كنت نحلت ابني كذا وكذا، لا تحل إلا لمن حازه وقبضه عن أبيه»، قال الزهري: فأخبرني سعيد بن المسيب قال: فلما أتى عثمان شكي ذلك إليه فقال عثمان: نظرنا في هذه النحول فرأينا أحق من يحوز عن الصبي أبوه»، ورواه مالك (١٤٣٥) نحوه دون كلام الزهري في قصة عثمان، وروى مالك (١٤٥٧) أيضا عن سعيد بن المسيب عن عثمان بن عفان أنه قال: «من نحل ولدا صغيرا لم يبلغ أن يحوز فأعلن بها وأشهد عليها فهي جائزة، وإن وليها أبوه».

стр. 1891

• قوله: ١٨ - «وأما الكبير فلا تجوز حيازته له». إنما جازت حيازة الوالد لولده الصغير لكونه محجورا عليه فكان ذلك استثناء من الأصل، أما الكبير فهو مالك لأمر نفسه مستقل بالتصرف في ماله فلا تصح حيازة الوالد له، ولأن في تمضية حيازته له توسيعا لباب المنازعات والدعاوي.

стр. 1892

• قوله: ١٩ - «ولا يرجع الرجل في صدقته ولا ترجع له إلا بالميراث». المراد بالرجوع في الصدقة استعادة امتلاكها بسبب من الأسباب لا مجرد إبطالها، لأنها في هذا لا خصوصية لها، فإن جميع العطايا ما عدا الوصية لازمة بمجرد القول، ودليل المنع ما تقدم من تشبيه العائد في عطيته بالعائد في قيئه لشمول العطية الهبة والهدية والصدقة، أما الدليل الخاص فما في حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: «حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه منه، وظننت أنه بائعه برخص، فسالت عن ذلك النبي ﷺ فقال: «لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه»، رواه مالك (٦٢٥) والبخاري (٢٦٢٣)، قوله حملت على فرس يريد أنه ملكه شخصا ليركبه في الجهاد، وقوله فأضاعه أي لم يحسن القيام عليه، فالحامل لعمر ﵁ على شرائه ما رآه من ضياعه، لكونه كان فرسا كريما عتيقا، ووصف شراء الصدقة بالرجوع فيها باعتبار التسامح في السعر الذي قد يعامل به البائع المشتري، أو لمجرد عودها إليه، فهذا في صدقة يشتريها المتصدق فكيف بالرجوع فيها من غير شراء؟، ولم يفرقوا بين أن يشتريها من المتصدق عليه أو من غيره، وهو في المدونة، وفي الموطإ: «تركها أحب إلي»، ومثل الشراء أسباب التملك الأخرى، ولذلك قال خليل: «وكره تملك صدقة بغير ميراث». وإنما استثني رجوع الصدقة بالميراث لأنه لا دخل للمتصدق في حصوله ولا خيار له، فلا تهمة عليه، وليس بعد ذلك إلا أن يمنع من ميراثه بسبب تصدقه، وهذا بعيد عن مقاصد الشرع وهديه، وقد جاء في رجوع الصدقة بالميراث حديث بريدة عند مسلم وأبي داود، وفيه قول النبي ﷺ : «قد وجب أجركِ ورجعت إليك في الميراث»، أما بغير الميراث فالظاهر أنه يحرم استرجاعها، وقيل يكره ببيع أو غيره وثمة صور يسوغ استرجاعها أو استرجاع شيء منها كالزوجة تتصدق على زوجها ثم ينفق عليها من تلك الصدقة، والوالد

стр. 1893

يتصدق على ولده ثم يفتقر فيأكل مما أعطاه، وقد علمت من قبل أن العرية وهي من هذا الجنس رخص في شرائها للضرورة. وقد اختلف فيما إذا أخرج المرء صدقة لشخص فوجده قد ذهب، فقيل لا يجوز له أكلها لأنه لما قصد التصدق بها وخرج بها لزمته، وقيل إن كان المتصدق عليه مُعَيَّنًا فلم يجده، أو لم يقبلها جاز له أكلها، وإن لم يكن مُعَيَّنًا لم يجز له ذلك، وعن مالك يتصدق بها على غيره وليس ذلك بواجب عليه، هكذا في حاشية الصعيدي.

стр. 1894

• قوله: ٢٠ - «ولا بأس أن يشرب من لبن ما تصدق به». اعتبر بعض الشراح هذا من المؤلف مناقضا لما تقدم من المنع من الرجوع في الصدقة، وفي المدونة ما يؤخذ منه المنع، ولا يظهر ذلك، ووجهه أنه شيء قليل تافه، فلا يمنع ولأنه أخرجه بصفة وعاد إليه بأخرى من غير تسبب فيه، فلا يدخل في العود المنهي عنه، ولما يترتب على منعه من الحرج فيما لو وهب منيحة لجاره أو قريبه ودعاه لطعام أو وليمة، ويمكن حمل ما جاء من المنع على ما إذا أمضى الصدقة ثم استمر يشرب من اللبن من غير إذن المتصدق عليه، والله أعلم.

стр. 1895

• قوله: ٢١ - «ولا يشتري ما تصدق به». هذا مكرر مع قوله الذي حصر فيه جواز رجوع المتصدق في صدقته في رجوعها إليه بالميراث، ويمكن على بعد حمل ما تقدم على رجوعه فيها من غير عوض، وكلامه هنا على الرجوع بعوض، ومهما يكن فدليل المنع ما سبق من قول النبي ﷺ لعمر: «لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه»، والله أعلم.
следующие страницы →