Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
• قوله:
١٨ - «وأما الكبير فلا تجوز حيازته له».
إنما جازت حيازة الوالد لولده الصغير لكونه محجورا عليه فكان ذلك استثناء من الأصل، أما الكبير فهو مالك لأمر نفسه مستقل بالتصرف في ماله فلا تصح حيازة الوالد له، ولأن في تمضية حيازته له توسيعا لباب المنازعات والدعاوي.
стр. 1892
• قوله:
١٩ - «ولا يرجع الرجل في صدقته ولا ترجع له إلا بالميراث».
المراد بالرجوع في الصدقة استعادة امتلاكها بسبب من الأسباب لا مجرد إبطالها، لأنها في هذا لا خصوصية لها، فإن جميع العطايا ما عدا الوصية لازمة بمجرد القول، ودليل المنع ما تقدم من تشبيه العائد في عطيته بالعائد في قيئه لشمول العطية الهبة والهدية والصدقة، أما الدليل الخاص فما في حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: «حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه منه، وظننت أنه بائعه برخص، فسالت عن ذلك النبي ﷺ فقال: «لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه»، رواه مالك (٦٢٥) والبخاري (٢٦٢٣)، قوله حملت على فرس يريد أنه ملكه شخصا ليركبه في الجهاد، وقوله فأضاعه أي لم يحسن القيام عليه، فالحامل لعمر ﵁ على شرائه ما رآه من ضياعه، لكونه كان فرسا كريما عتيقا، ووصف شراء الصدقة بالرجوع فيها باعتبار التسامح في السعر الذي قد يعامل به البائع المشتري، أو لمجرد عودها إليه، فهذا في صدقة يشتريها المتصدق فكيف بالرجوع فيها من غير شراء؟، ولم يفرقوا بين أن يشتريها من المتصدق عليه أو من غيره، وهو في المدونة، وفي الموطإ: «تركها أحب إلي»، ومثل الشراء أسباب التملك الأخرى، ولذلك قال خليل: «وكره تملك صدقة بغير ميراث».
وإنما استثني رجوع الصدقة بالميراث لأنه لا دخل للمتصدق في حصوله ولا خيار له، فلا تهمة عليه، وليس بعد ذلك إلا أن يمنع من ميراثه بسبب تصدقه، وهذا بعيد عن مقاصد الشرع وهديه، وقد جاء في رجوع الصدقة بالميراث حديث بريدة عند مسلم وأبي داود، وفيه قول النبي ﷺ : «قد وجب أجركِ ورجعت إليك في الميراث»، أما بغير الميراث فالظاهر أنه يحرم استرجاعها، وقيل يكره ببيع أو غيره وثمة صور يسوغ استرجاعها أو استرجاع شيء منها كالزوجة تتصدق على زوجها ثم ينفق عليها من تلك الصدقة، والوالد
стр. 1893
يتصدق على ولده ثم يفتقر فيأكل مما أعطاه، وقد علمت من قبل أن العرية وهي من هذا الجنس رخص في شرائها للضرورة.
وقد اختلف فيما إذا أخرج المرء صدقة لشخص فوجده قد ذهب، فقيل لا يجوز له أكلها لأنه لما قصد التصدق بها وخرج بها لزمته، وقيل إن كان المتصدق عليه مُعَيَّنًا فلم يجده، أو لم يقبلها جاز له أكلها، وإن لم يكن مُعَيَّنًا لم يجز له ذلك، وعن مالك يتصدق بها على غيره وليس ذلك بواجب عليه، هكذا في حاشية الصعيدي.
стр. 1894
• قوله:
٢٠ - «ولا بأس أن يشرب من لبن ما تصدق به».
اعتبر بعض الشراح هذا من المؤلف مناقضا لما تقدم من المنع من الرجوع في الصدقة، وفي المدونة ما يؤخذ منه المنع، ولا يظهر ذلك، ووجهه أنه شيء قليل تافه، فلا يمنع ولأنه أخرجه بصفة وعاد إليه بأخرى من غير تسبب فيه، فلا يدخل في العود المنهي عنه، ولما يترتب على منعه من الحرج فيما لو وهب منيحة لجاره أو قريبه ودعاه لطعام أو وليمة، ويمكن حمل ما جاء من المنع على ما إذا أمضى الصدقة ثم استمر يشرب من اللبن من غير إذن المتصدق عليه، والله أعلم.
стр. 1895
• قوله:
٢١ - «ولا يشتري ما تصدق به».
هذا مكرر مع قوله الذي حصر فيه جواز رجوع المتصدق في صدقته في رجوعها إليه بالميراث، ويمكن على بعد حمل ما تقدم على رجوعه فيها من غير عوض، وكلامه هنا على الرجوع بعوض، ومهما يكن فدليل المنع ما سبق من قول النبي ﷺ لعمر: «لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه»، والله أعلم.
стр. 1896
• قوله:
٢٢ - «والموهوب للعوض إما أثاب القيمة أو رد الهبة، فإن فاتت فعليه قيمتها، وذلك إذا كان يرى أنه أراد الثواب من الموهوب له».
هذا هو النوع الثاني من الهبة وهو المسمى هبة الثواب، أي الهبة التي يقصد بها الواهب أن يحصل على العوض من الموهوب له، وهي قسمان: ما صرح فيه بذلك، وما لم يصرح فيه به فيعرف بالقرائن، قالوا ومن القرائن أن يهب الفقيُر للغني، والخادم للمخدوم، فإن لم يعرف وادعى الواهب أنه إنما وهب لأجل العوض كان المرجع هو عرف الناس، وهذا مراد المؤلف بقوله: «إذا كان يرى أنه أراد الثواب من الموهوب له»، وبهذا يظهر لك أن هبة الثواب عقد معاوضة بعوض مجهول، وهذا هو الواقع الغالب فيها، وقد لا يكون العوض مجهولا بأن يسميه الواهب ويشترطه، فإذا لم تقبض جاز الرجوع فيها، وإن قبضها تعين على الموهوب له أحد أمرين: إما أن يثيب عليها قيمتها، أو يرد عينها، فإن فاتت بزيادة أو نقصان فعليه قيمتها يوم قبضها.
وقد استدلوا على مشروعية هبة الثواب بحديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها»، وقد تقدم، وهذا ليس نصا بل ولا ظاهرا فيما استدلوا به عليه، فإن فعله ﷺ يدل على الاستحباب، واستحباب التهادي قد مر دليله، ثم من أين أخذوا أن الذين أهدوا إليه كانوا يريدون المكافأة؟، ومما استدلوا به قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم: ٣٩].
قال ابن كثير ﵀: «من أعطى عطية يريد أن يرد الناس عليه أكثر مما أهدى لهم، فهذا لا ثواب له عند الله، بهذا فسره ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ومحمد بن كعب والشعبي، وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه، إلا أنه قد نُهِيَ عنه رسول الله
стр. 1897
ﷺ خاصة قاله الضحاك، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدَّثر: ٦]، أي لا تعطي العطاء تريد أكثر منه، وقال ابن عباس: الربا رباءان، فربا لا يصح - يعني ربا البيع - وربا لا بأس به، وهو هدية الرجل يريد فضلها وأضعافها ثم تلا هذه الآية، انتهى كلام ابن كثير، وروى مالك في الموطإ عن عمر قال: «ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها»، انتهى.
قال كاتبه: ما أجدر هذا النوع أن يسمى بيعا، فإن المراد من الهبة لغة وشرعا الإكرام والإحسان وتأليف القلوب، فحق هذا النوع أن يدرج في مباحث البيع، لكن الجهل بأحد عوضيه وهو الغالب عليه يمنع من إلحاقه به، فإن عرف العوض باشتراطه وتم التراضي بقبول الهبة فالصواب اعتباره بيعا، وإن جهل فلا مناص لمن اعتبروا هذا النوع مشروعا أن يغرموا الموهوب له قيمته إن فات، أما القول بأنه شبيه بنكاح التفويض فزلة من قائله، أما الاستدلال بآية سورة الروم فإنه لولا ما جاء من المأثور عن السلف المكرمين لكان المتجه أن يبقى على معنى الآية في الربا المحرم، لأنه أصل الحقيقة الشرعية، والمجاز لا يصار إليه من غير دليل، ويكون قوله تعالى: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾، مشابها لقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾، نظير قوله سبحانه: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾.
وهذا يمضي على قاعدة القرآن حيث جاء التشريع متدرجا في الأمور التي فشت في الناس كالخمر والميسر والربا، ومما يقوي ذلك اقتران الربا بذكر الصدقة والموازنة بينهما في مواضع ثلاثة من القرآن هنا وفي سورتي البقرة وآل عمران، ثم إن القول بأن النبي ﷺ خص بالمنع اعتمادا على آية سورة المدثر ليس كما ينبغي، فبعد التسليم بدلالة الآية على ذلك يأتي الاعتراض بأن الأصل في التشريع العموم، ودعوى الخصوصية مفتقرة إلى الدليل، بل لا يبعد أن يكون المراد من الخطاب أمته من باب إياك أعني واسمعي يا جارة، ثم إن تلك الآية لو حملناها على ما قالوا لدلت بالمفهوم على جواز طلب المكافأة بالمثل في حقه ﷺ ، لأنه إنما نهاه ربه عن الاستكثار: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، على أننا لو قدرنا صحة حمل الآية على هبة الثواب فليس لنا أن نتجاوز في كونها دالة على ما يضمره المعطي من الرجاء في المكافأة الزائدة على ما أعطى، فتكون الآية إن صح شمولها لما قالوا متجهة إلى
стр. 1898
إصلاح مقاصد الناس من وراء ما يعطون، لا إلى إقرارهم على ما يفعلون، وصيغتها صالحة للتنفير من هذا القصد لكون ما يترتب عليه من المكافأة لا يربو عند الله، لأن ظاهره شيء، والمراد منه شيء آخر، وحسب العاقل من هذا شرا، وهدية الثواب قد فشت في بلادنا في العقود المتأخرة فشوا كبيرا ولاسيما بين النساء في المناسبات المختلفة كالزواج والولادة والختان والحصول على الشهادات وربما افتعلت بعضهن واختلقت وخرقت مناسبة لتجمع النساء فتسترجع ما أهدت لهن، فإن لم تسترجع كانت الملامة التي كثيرا ما تعقبها الندامة.
стр. 1899
• قوله:
٢٣ - «ويكره أن يهب لبعض ولده ماله كله».
الولد يشمل الذكر والأنثى والصغير والكبير والبار والعاق، ومثل كل المال جله عندهم، والمشهور أن الكراهة للتنزيه، والقول غير المشهور أنها للتحريم وهو الحق لما مر بك في حديث النعمان بن بشير، والعلة في ذلك جلية، فإن تفضيل بعض الأولاد على بعض يتسبب في العقوق والتباغض والتحاسد والفُرْقة وقطع الصلات، وهذه من الحوالق، ويزيد على هذا أن التبرع بجميع المال يدخل المرء نفسه به في ضيق وفقر، وليس كل الناس متساوين فيما يترتب عليه من الآثار، وقد تعلقوا من حديث النعمان بن بشير بأن النبي ﷺ إنما أمره بالرجوع وامتنع من الشهادة فدل ذلك على عدم كمال الهبة، ولو كانت باطلة لقال إنها باطلة، وهذا تأويل باطل لما مر معك، وقد قيدوا الجواز بما إذا لم تكن الهبة في المرض المخوف المتصل بالموت لأنها حينئذ وصية، ولا وصية لوارث، كما قيدوا الكراهة بما إذا لم يقم عليه بقية أولاده خوفا من رجوع النفقة عليهم لفقره، ومما اعتبروه مكروها أن يقسم المرء ماله كله بين أولاده بالسوية إن كان فيهم ذكور وإناث، فإن كانوا ذكورا فقط أو إناثا فقط وقسمه بينهم بالسوية فلا كراهة، ولا كراهة أيضا إذا قسمه بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، والقياس في تقسيم المال بين الأولاد على الميراث قد لا يسلم.
стр. 1900
• قوله:
٢٤ - «وأما الشيء منه فذلك سائغ».
علّلوا هذا بأنه لا يولد عداوة، وبأنه قد أبقي ما يعطيه لبقية أولاده، وتعليل جواز إعطاء القليل بما ذكر يجعل إعطاء الكثير ممنوعا لأنه سبب في العداوة فكيف يكون مكروها؟، واعتمدوا على ما رواه مالك في الموطإ أن أبا بكر ﵁ نحل أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- جذاذ عشرين وسقا وقد تقدم، والظاهر عدم التفريق بين القليل والكثير ما لم يكن ذلك استهلاكا كالضيافة أو الحاجة الخاصة كالزكاة على القول بكفاية إعطاء الوالد ولده، أو يكون في التسوية عسر كحاجة الوالد إلى مخالطة بعض ولده دون بعض، فإن الله تعالى قد شرع مخالطة اليتامى لما في اجتناب ذلك من المشقة والعسر فكيف بالوالدين؟، قال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ [البقرة: ٢٢٠] والله أعلم.
стр. 1901
• قوله:
٢٥ - «ولا بأس أن يتصدق على الفقراء بماله كله لله».
لما كانت الصدقة على غير الأولاد من الفقراء ينتفي فيها ما تقدم من توريثها الشحناء والتقاطع والعقوق كان جائزا للمرء بل مندوبا له أن يتصدق بماله كله، وقد ذكروا أمورا لا بد منها حتى يكون التصدق بجميع المال كذلك، وهي أن تكون نفسه طيبة بذلك بحيث لا يندم، وأن يكون راجيا مؤملا الحصول على مماثل في المستقبل، وأن يكون غير محتاج إليه في نفسه أو فيمن تلزمه نفقته، بل قد يصل الأمر إلى التحريم إذا تحقق الحاجة إلى المال لينفق على من تلزمه نفقته فإنه كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول، وإذا كان الشرع قد منع من الوصية أكثر من الثلث رعاية لحق الورثة فكيف بحق الأحياء الذين تجب نفقتهم عليه؟، والمتحقق أن الذي يسوغ هو أن يتصدق بما يفضل عن مؤونة من ينفق عليه، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ (٢١٩)﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقال البخاري ﵀ في إحدى تراجم صحيحه: «باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ومن تصدق وهو محتاج أو أهله محتاج أو عليه دين فالدين أحق أن يقضى من الصدفة والعتق والهبة، وهو رد عليه، ليس له أن يتلف أموال الناس، وقال النبي ﷺ : «من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله»، إلا أن يكون معروفا بالصبر فيؤثر على نفسه، ولو كان به خصاصة كفعل أبي بكر ﵁ حين تصدق بماله، وكذلك آثر الأنصار المهاجرين، ونهى النبي ﷺ عن إضاعة المال، فليس له أن يضيع أموال الناس بعلة الصدقة،،،»، انتهى، انظر فتح الباري (٣/ ٣٧١).
стр. 1902
• قوله:
٢٦ - «ومن وهب هبة فلم يحزها الموهوب له حتى مرض الواهب أو أفلس فليس له حينئذ قبضها، ولو مات الموهوب له كان لورثته القيام فيها على الواهب الصحيح».
سبق أن ذكر المؤلف بطلان الهبة متى لم تحز حتى مات الواهب في بداية حديثه على الهبة والصدقة والحبس وذلك قوله: «فإن مات قبل أن تحاز عنه فهي ميراث،،،»، وذكر هنا أنه إن مرض الواهب قبل حيازة الهبة بطلت، وقد قيدوا ذلك بما إذا لم يجد في طلبها، ومثل المرض التفليس، وهو إحاطة الدين بمال المتبرع بهبة أو صدقة أو حبس، وقد سبق أثر أبي بكر الذي في الموطإ وفيه استرجاعه ما وهب لأم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها-، ثم بين المؤلف أن الهبة لا تسقط بموت الموهوب له ما لم يقل الواهب هي لفلان دون غيره، ويعبرون عن هذا بقولهم ما لم تقصد عينه، فإذا توفر ذلك فللورثة أن يطالبوا بها متى كان الواهب صحيحا، لأنها كما سبق لازمة بالعقد فتنتقل إلى الوارث كبيع الخيار، ثم تكلم المؤلف على الحبس فقال:
стр. 1903
• قوله:
٢٧ - «ومن حبس دارا فهي على ما جعلها عليه إن حيزت قبل موته».
الحبس مصدر حبسته أحبسه من باب ضرب بمعنى وقفته فهو حبيس، والجمع حبُس بضم الباء كبريد وبرد، وتسكين الباء للتخفيف لغة، ويقال أيضا حبسته تحبيسا، ويسمى الحبس وقفا من وقف الشيء يقفه، واستعمال الرباعي منه وهو أوقف لغة ضعيفة، والمراد هنا: وَقْفُ العين وتسبيل المنافع على وجه التأبيد، فخرج إعطاء الذات، وقيد التأبيد في التعريف وهو أغلبي تخرج به العارية، فإن إعطاء منفعتها مؤقت، وإنما قلت أغلبي لأن تحبيس المنفعة في المذهب لا يشترط فيه التأبيد ولا التنجيز، وبناء عليه قد يجتمع الوقف مع العارية في الصورة، والوقف داخل في الصدقات، غير أن الموقوف عليه فردا كان أو جهة لا يتصرف في العين، وإنما يملك المنفعة، وهو مما اختص به المسلمون، وقد قال الشافعي ﵀: إن الجاهلية لم تحبس فيما علمت، وإنما حبس أهل الإسلام.
وقد روى البخاري (٢٧٣٧) ومسلم وأصحاب السنن عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب أصاب أرضا بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه فما تأمر به؟، قال: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها»، فتصدق بها عمر: أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول»، وروى الترمذي وحسنه والنسائي وعلقه البخاري (٢٧٧٨) عن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قدم المدينة وليس فيها ماء يستعذب غير بئر رومة فقال: من يشتري بئر رومة فيجعل فيه دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟، فاشتريتها من صلب مالي»، ومثل هذا حديث أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار
стр. 1904
بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب ماله إليه بيرحاء مستقبلة المسجد، وكان النبي ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس فلما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢]، قام أبو طلحة فقال: «يا رسول الله إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها حيث أراك الله، فقال: «بخ، ذاك مال رابح»، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، قال أبو طلحة: أفعل ذلك يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه»، لكن هذا ليس في خصوص الحبس، بل في الصدقة، إذ الظاهر أنه ملكهم رقبتها لا منفعتها، وفي الحديثين حرص الصحابيين على الإنفاق من أحسن أموالهما اتباعا لأمر الله تعالى، بل إنفاق الأحسن، ويدل على ذلك قول رسول الله ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له»، رواه مسلم والأربعة غير ابن ماجة عن أبي هريرة، وقال ﵊: «سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من علم علما أو أجرى نهرا أو حفر بئرا أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو ورث مصحفا أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته»، رواه البزار عن أنس، وهو في الصحيحة برقم (٣٦٠٢)، والصدقة الجارية هي الحبس، لأن رقبتها باقية لا تنتقل ملكيتها لأحد، فبذلك تكون جارية، فليس قوله ﷺ جارية بالصفة الكاشفة، بل هي مخصصة، وقال الترمذي: «لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين خلافا في جواز وقف الأرضين»، انتهى.
وأركان الوقف أربعة، الأول: الواقف، وشرطه أن يكون من أهل التبرع وهو المكلف الرشيد المالك للمتبرع به، فيدخل المريض والزوجة في الثلث.
والثاني: الموقوف عليه، وشرطه أن يكون محتاجا إلى الموقوف ولو للصرف في مصالحه، وأن يكون أهلا للتملك حِسًّا كالآدمي، وحُكْمًا كالمسجد، ولا فرق عندهم بين المسلم والكافر الذمي في جواز الوقف عليه، قريبا كان أو أجنبيا، فإن كان الوقوف عليه فردا فيشترط قبوله، وإن كان جهة كالمسجد والفقراء وطلاب العلم وسائر المرافق
стр. 1905
المشروعة فلا يشترط، ولا يتوقف ثبوت الوقف على حكم الحاكم في المذهب، فإن لم يعين الجهة صح الوقف ويصرف لغالب مصرف تلك البلدة مما يحتاجه المسلمون في مصالحهم المشروعة، قال البخاري: «إذا قال داري صدقة لله ولم يبين للفقراء أو غيرهم فهو جائز، ويعطيها للأقربين أو حيث أراد، قال النبي ﷺ لأبي طلحة حين قال أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة، فأجاز النبي ﷺ ذلك، وقال بعضهم لا يجوز حتى يبين لمن والأول أصح»، انتهى، والذي قال لا يجوز هو الشافعي ﵀ في أحد قوليه، ومن أوصى بشيء لما لا يجوز الصرف فيه فوصيته باطلة، قال خليل: «وبطل على معصية وحربي وكافر لكمسجد أو على بنيه دون بناته،،،».
والثالث: العين الموقوفة، وهي العقار ومثله عندهم الحيوان والعروض والنقود، واختلف في الطعام الذي تطول إقامته، فقيل يوقف وهو المشهور، وقيل لا، والمراد من وقف الطعام عند القائلين به أن يستلف ويرد مثله فنزل بدل المنتفع به منزلة دوام العين، والمذهب جواز وقف الطعام والنقود.
والرابع: ما يتم به الوقف وهو شيئان الصيغة ولها ألفاظ هي حبست ووقفت، ومنها تصدقت مع قيد يفيد الحبس كقوله لا يباع، والثاني ما يقوم مقام الصيغة في الدلالة على الوقف عرفا كالإذن في الصلاة في المكان ثم يخلى بينه وبين الناس من غير أن يختص به بعضهم.
وقد ذكر المؤلف أمورا: أولها: حيازة الوقف قبل وفاة الواقف، وقد تقدم الكلام على ذلك في الهبة والوقف مثلها، والثاني: تمثيله لما يوقف بالدار لأن العقار هو الأصل في الوقف، والثالث: وجوب التزام ما عينه الواقف مصرفا للوقف فردا كان أو جهة، فلا يغير ولا يبدل بشرط جواز الصرف لتلك الجهة شرعا، سواء كان وقفه لوصف، أو لشخص، قال تعالى: «﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ [البقرة: ١٨١]، وقد قال النبي ﷺ : «المسلمون على شروطهم»، رواه أبو داود عن أبي هريرة، وقد
стр. 1906
استفاض عن الصحابة أنهم كانوا يقفون ويشترطون قال البخاري: «ووقف أنس دارا فكان إذا قدم نزلها، وتصدق الزبير بدوره، وقال للمردودة من بناته: «أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها، فإن استغنت بزوج فليس لها حق، وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سكنى لذوي الحاجات من آل عبد الله»، انتهى.
стр. 1907
• قوله:
٢٨ - «ولو كانت حبسا على ولده الصغير جازت حيازته له وليُكْرِهَا له، ولا يسكنها، فإن لم يدع سكناها حتى مات بطلت».
استحضر هنا ما تقدم من كفاية حيازة الوالد لولده الصغير حتى تتم بذلك الهبة، والوقف والصدقة في ذلك مثلها، ومثل ولده في حيازته له من هو في حجره من الصبيان، فإذا حازها له فليكرها له ولا يسكنها، أما إن لم يكرها واستمر على سكناها حتى مات بطل الوقف على ما مر، وحقيقة الحيازة رفع يد الواقف عن الوقف، وتمكين الموقوف عليه من التصرف في الذات الموقوفة أو التخلية بين الشيء الموقوف وبين الناس كما في المسجد والطاحون ونحوهما.
стр. 1908
• قوله:
٢٩ - «وإن انقرض من حبست عليه رجعت حبسا على أقرب الناس بالمحبس يوم المرجع».
هذا صادق بصورتين:
الأولى: فيما لو حبس على فرد أو أفراد معينين فانقرضوا، أو تعذر صرف الحبس لهم، فإنه يرجع إلى الفقراء من أقاربه لأنهم أولى بصدقته الواجبة والمندوبة، فلما انقرض ما اشترطه رجع الأمر إلى الأصل الذي كان عليه أن يراعيه في وقفه، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ [البقرة: ٢١٥]، وقد تقدم قول النبي ﷺ : «الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم صدقة وصلة»، رواه أحمد والترمذي والنسائي عن سلمان بن عامر، وقوله ﷺ : «من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه»، رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن أنس، وفي رواية: «من سره أن يعظم الله رزقه وأن يمد في أجله فليصل رحمه»، وقوله ﷺ : «ثم أدناك أدناك»، وهو من جملة حديث، قال خليل في مختصره: «ورجع إن انقطع لأقرب فقراء عصبة المحبس، وامرأة لو رجلت عَصَبَ، فإن ضاق قدم البنات».
والصورة الثانية: ما لو وقف على أخ شقيق وكان للواقف أخ لأب فمات الأخ الشقيق فإن الوقف يرجع للأخ لأب لأنه أقرب إلى الواقف من ابن الأخ الشقيق، ومراعاة الأولوية في القرابة يكون يوم رجوع الوقف لأنه يوم الاستحقاق، لا في اليوم الذي تم فيه، لأنه قد يصير البعيد يوم التحبيس قريبا بعده، أما لو كان الوقف على الفقراء فالانقراض غير منتظر، ولو حصل فالظاهر أنها تصرف في وجه من وجوه الخير مع مراعاة الأولوية كالجهاد إن كان فبث العلم فالحج، والله أعلم.
ولما كانت العمرى تختلف عن الوقف في مسألة الرجوع هذه بين حكمها في أثناء كلامه على الحبس، وسيعود إليه لاستكمال الكلام عليه:
стр. 1909
• قوله:
٣٠ - «ومن أعمر رجلا حياته دارا رجعت بعد موت الساكن ملكا لربها، وكذلك إن أعمر عقبه فانقرضوا، بخلاف الحبس».
العمرى بضم العين وسكون الميم مأخوذة من العُمُر لأنه ظرف لهذه العطية أو العارية، وقوله أعمر رجلا حياته درا يعني جعلها له مدة عمره والمجعول له هو المعمَر بفتح الميم، أما الواهب فهو المعْمِر بكسرها، وهي في المذهب هبة منافع الشيء مدة عمر الموهوب له، أو مدة عمره وعمر عقبه، وكذلك لو قيدت بعمر الواهب، ولا تتوقف صحتها على لفظ بعينه، بل كل ما دل على المقصود عمل عليه، فمن الألفاظ أن يقول وهبت لك غلتها مدة عمري، أو مدة عمرك، أو أسكنتك، وقالوا هي جائزة، وكان أصلها المنع لجهالة مدة الانتفاع إلا أنها استثنيت لورود النص بها، والظاهر أنها مندوبة إذ هي في المذهب من جنس العارية، وبين الأحاديث الواردة فيها تعارض في الظاهر يحتاج إلى التأمل، فمنها حديث جابر قال: «إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: «هي لك ولعقبك»، فأما إن قال: هي لك ما عشت»، فإنها ترجع لصاحبها»، رواه أحمد ومسلم وأبو داود، وقد أعلت الفقرة الأخيرة من هذا الحديث بالإدراج، ولولا ذلك لكان فيها دليل على رجوع العين لصاحبها بعد وفاة المعْمَر كما هو المذهب، ومما جاء فيها حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «العمرى ميراث لأهلها أو قال جائزة»، رواه الشيخان، والمعنى أنها يملكها المعطى، وعن يزيد بن ثابت قال، قال رسول الله ﷺ : «من أعمر عمرى فهي لمعمره محياه ومماته، لا ترقبوا، من أرقب شيئا فهو سبيل الميراث، رواه أحمد وأبو داود والنسائي، والمعمر بضم الميم الأولى وفتح الثانية قد علمت أنه هو الموهوب له، وفيه دليل على أن العمرى تورث بموت المعمر، ولا ترجع لصاحبها، وعليه يكون الشرط فاسدا، وروى أحمد والنسائي عن ابن عباس قال، قال رسول الله ﷺ : «العمرى جائزة لمن
стр. 1910
أعمرها، والرقبى جائزة لمن أرقبها»، قوله أُعمرها، مبني للمجهول، وكذلك قوله أُرقبها، وعن ابن عمر ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ : «لا تُعمروا ولا تُرقبوا، من أُعمر شيئا أو أُرقبه فهو له حياته ومماته»، رواه أحمد والنسائي، والصواب إن شاء الله هو حمل النهي في الحديث عن العمرى والرقبى على ما تعارف عليه الناس مما يخالف ما جاء به الشرع، والفقرة الأخيرة في الحديث دالةٌ على ما قلت، وقوله «فهو له حياته ومماته»، يعني أنه لا يرجع إلى معطيه بعد ممات المعطى بل يورث، وروى مالك في الموطإ (١٤٣٧) ومن طريقه مسلم (١٦٢٥) عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: «أيما رجل أُعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي يُعطاها لا ترجع للذي أعطاها أبدا، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث»، وفقرة التعليل مدرجة من كلام أحد رواته وهو أبو سلمة.
فحصل من هذه النصوص أن الشرع صحح ما كان عليه أمر الجاهلية في العمرى من تمليك المنافع المؤقت بعمر المعطى، فجعله دائما ينتقل للورثة لكون التوقيت كالرجوع في الهبة، وقد تقدم النهي عنه، ولما يترتب على ذلك من الاضطراب والاختلاف في الميراث، قال الحافظ في الفتح (٥/ ٢٩٥): «فجاء الشرع بمراغمتهم فصحح العقد على نعت الهبة المحمودة، وأبطل الشرط المضاد لذلك، فإنه يشبه الرجوع في الهبة،،، فشرط الرجوع المقارن للعقد مثل الرجوع الطارئ بعده فنهى عن ذلك»، انتهى.
فإن قلت: لِمَ ذهب مالك إلى رجوع العمرى لصاحبها وقد روى حديث جابر وفيه تمليكها للمعمر؟، فالجواب: أنه اعتبر كعادته بما رواه بعد الحديث من الآثار من قول القاسم ابن محمد وقد سئل عن العمرى وما يقول الناس فيها؟، فقال: «ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم وفيما أعطوا»، فكأنه والله أعلم اعتبر قول المعمِر للمعمَر: «هي لك مدة عمرك» كالشرط، ومن ذلك أنه روى عن نافع أن عبد الله بن عمر ورث من حفصة بنت عمر دارها، قال: وكانت حفصة قد أسكنت بنت زيد بن الخطاب ما عاشت، فلما توفيت بنت زيد قبض عبد الله بن عمر المسكن ورأى أنه له»، انتهى، فلهذا مع ما رأى من عمل أهل المدينة تأول الحديث على أنه في المنافع، وقال: «وعلى ذلك الأمر عندنا أن العمرى ترجع إلى الذي أَعمرها إذا لم يقل هي لك ولعقبك»، انتهى، ولينظر ما
стр. 1911
كتبه الزرقاني في شرحه على الموطإ فيما استفيد من الأحاديث الواردة في العمرى فقد أجاد وأفاد ﵀.
والمذهب أن الرقبى باطلة، ولعل مالكا اعتمد معنى للرقبى يخالف العمرى فمنعها لذلك، قال في الصحاح: «وأرقبته دارا أو أرضا إذا أعطيته إياها فكانت للباقي منكما، وقلت: إن مت قبلك فهي لك، وإن مت قبلي فهي لي، والاسم منه الرقبى، وهي من المراقبة، لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه»، انتهى، ثم وجدت في شرح الزرقاني (٤/ ٤٩) للموطإ قوله: «فالرقبى بهذا التفسير هي بمعنى العمرى، وهذه لم يمنعها مالك، بل ترجع إلى صاحبها، وإنما منع الرقبى بمعنى أن يكون لشخصين داران فيقول كل منهما لصاحبه إن مت قبلي فهما لي، وإن مت قبلك فهما لك، من المراقبة، لأن كلا منهما يرقب موت صاحبه»، انتهى، ولهذا قال خليل ﵀ عاطفا على ما لا يجوز: «لا الرقبى، كذَوَي دارين قالا: إن مت قبلي فهما لي وإلا فلك»، انتهى، وقال علي الأجهوري: «إن محل عدم الجواز إذا وقع ما ذكر في عقد واحد»، انتهى، وبهذا يتبين لك أن ما ذكره الحافظ ﵀ في الفتح (٥/ ٢٩٥) من إطلاق القول إن مالكا منع الرقبى غير دقيق، وقد سوى ابن عباس بين العمرى والرقبى فيما رواه عنه النسائي قال: «العمرى والرقبى سواء».
وقوله: «بخلاف الحبس»، معناه أن الحبس لا يرجع للمحبس لأنه تحبيس للذات وتسبيل للمنفعة، فإذا انقرض مصرفه صرف في مصالح المسلمين على ما تقدم، فالقرق بينه وبين العمرى التأبيد فيه، وعدمه فيها على المذهب.
стр. 1912
• قوله:
٣١ - «فإن مات المُعْمِرُ يومئذ كانت لورثته يوم موته ملكا».
المعمر بكسر الميم الثانية هو المعطي، ومعنى كلامه أنه إذا مات المعمر يوم رجوع الدار له بسبب موت المعْمَرِ بفتح الميم كانت لورثته، هذا هو الظاهر من كلامه، فهو ذِكْرٌ لصورة أخرى بعد الصورة السابقة التي ترجع العمرى فيها لمعطيها نفسه، وهو الذي وجدت النفراوي شرح به كلام المصنف، فأما حمل كلام المؤلف على ما إذا قال له: أعمرتك هذه الدار أيام حياتي فإنه متى مات المعطي رجعت ميراثا بين الورثة، فهذا وإن كان صحيحا لكنه ليس مقصودا للمؤلف، وإن كان هو الذي وجه به الفاكهاني كلامه وأقره عليه ابن ناجي في شرحيهما رحمهما الله.
стр. 1913
• قوله:
٣٢ - «ومن مات من أهل الحبس فنصيبه على من بقي».
هذا رجوع إلى الكلام على الحبس، يريد أن نصيب من مات من أهل الحبس إذا كان على أفراد معينين فإنه يقسم على من بقي منهم لأن تشريكهم في صيغة عقد الحبس يقتضي أن يكون مقصورا على من يصدق عليه الاسم كيفما كان العدد، ومثاله أن يقول هذا وقف على أولاد فلان، فيموت أحدهم، لكن هذا ينبغي أن يقيد بما إذا لم يكن نصيب المتوفى قد دخل في ملكه قبل موته كأن يكون الحبس حديقة قد طابت ثمارتها أو زرعا حضر وقت حصاده فها هنا يوزع نصيبه على وارثه وتنتقل حصته فيمايستقبل إلى من بقي ممن شملهم الحبس، وإذا قسمت منفعة الحبس على الوقوف عليهم المعينين فإنه يعطى غنيهم وفقيرهم وذكرانهم وإناثهم على السواء ولا يفاضل بينهم لأن شأن العطايا التساوي إلا لشرط من الواقف يخالف ذلك، ولم يمنع منه مانع شرعي، فإيثار بعض المحبس عليهم على بعض لا يكون بين المعينين بأشخاصهم.
ثم أشار ﵀ إلى المحبس عليهم بأوصافهم فقال:
стр. 1914
• قوله:
٣٣ - «ويؤثر في الحبس أهل الحاجة بالسكنى والغلة».
ها يوجه إلى متولي أمر الوقف من ناظر أو حاكم أو غيرهما، فينبغي له أن يؤثر بمنفعة الحبس أهل الحاجة من كثرة العيال وشدة الفقر فيقدمهم على غيرهم إما بأن يعطيهم أكثر من غيرهم، أو يسكنهم دون من سواهم متى لم يمكن استيعاب جميعهم، فإن استووا في الفقر أو الغنى فينبغي له أن يؤثر الأقرب على غيره، وقد اختلف في المراد بالإيثار هل يكون بتفاوت العطاء أو بتقديم بعضهم على بعض، والظاهر أنه يراعى في العطاء الأول، ويراعى عند عدم إمكان سكنى الجميع مثلا الثاني، لأن قصد المحبس على غير المعين الإرفاق والإحسان وسد الخلة، ومن حاز أقوى درجات الوصف كان أولى، والله أعلم.
стр. 1915
• قوله:
٣٤ - «ومن سكن فلا يخرج لغيره إلا أن يكون في أصل الحبس شرط فيمضى».
لما ذكر إيثار أهل الحاجة على غيرهم ذكر هنا أن الحبس إذا كان على معينين فمتى استفاد مَنْ تناوله لفظُ الحبس بالسكنى لكونه مستحقا لها فلا يجوز إخراجه منها، لتعطى لغيره، كأن كان فقيرا ثم استغنى لأنه دخلها بوجه جائز، ووصف الاستحقاق قائم، وإقرار إخراجه يعني إقرار إخراج من عوضه متى استغنى مثلا، وهكذا، وفي ذلك من الاضطراب والفساد ما لا يخفى، إلا أن يخرج منها خروج انقطاع فيسقط حقه، فإن اشترط المحبس على المعينين أن من استغنى خرج من الحبس عمل عليه، والكلام هنا - والتكرار مقصود - إنما هو في حبس على معينين كأولاد فلان، أما لو كان على الفقراء أو على طلاب العلم أو أبناء السبيل فسكن بعضهم لوصفه ثم زايله الوصف فإنه يخرج لغيره، والله أعلم.
стр. 1916
• قوله:
٣٥ - «ولا يباع الحبس وإن خرب».
غرض الشرع من الوقف تكثير الأملاك العامة التي لا ترجع ملكيتها لأحد بعينه، لأن الطباع تتقاضى الملكية الفردية وتحرص عليها، فمن ثم كان المطلوب استمرار ما حبس حتى تمتد منفعته، وبهذا يتبين أن صيانة الأحباس واجبة كي يستمر نفعها فينبغي أن ينفق من غلتها على إصلاحها، بل هو مقدم على الإنفاق على مصرفها متى وهى بناؤها لأن المنفعة متوقفة على وجود العين، فإذا خربت أو اندثرت فقد فات المراد منها، أما إن خربت وتيسر تجديدها بنفقات المحسنين أو أوقاف أخرى ساغ ذلك فيما يظهر، بل تعين، فإن خرب الوقف بحيث صار لا ينتفع به فظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز بيعه، ولا بيع أنقاضه لأنه مخالفة لشرط واقفه وتبديل لمقصده، وقد قيل إن مالكا منع بيعه ولو لم ترج عودة منفعته، وأجازه ابن القاسم، ولعل منع مالك من ذلك من باب سد الذرائع وهو من أصوله التي قوي اعتماده عليها فخشي أن تقوى دعاوى عدم صلاح الوقف وادعاء خرابه فتنقطع أوقاف المسلمين، ويتسلط عليها النظار الظالمون، وقد احتجوا على ما ذهبوا إليه ببقاء أحباس السلف إلى وقتهم، وقال سحنون: «هذه جل الأحباس قد خربت فلا شيء أدل على سنتها منها، ألا ترى أنه لو كان البيع يجوز فيها ما أغفله من مضى، ولكن بقاءه خرابا دليل على أن بيعه غير مستقيم، وبحسبك حجة في أمر قد كان متقادما أن تأخذ منه ما جرى الأمر عليه،،،»، انتهى، ومعهم العموم الذي في حديث ابن عمر الصحيح وقد تقدم: «لا يباع ولا يوهب ولا يورث»، وهذا الذي في المدونة من اتباع السلف واقتفاء آثارهم في مثل هذا الأمر من أعظم الأدلة على ما كان عليه علماء الأمة من الحرص على الاتباع والتخوف من المخالفة والإحداث في الدين ولو تبينت المصالح في خلاف ذلك في بادئ الرأي، وإن كان مجرد ترك السلف للأحباس من غير انتفاع بها ليس حجة على عدم جواز بيعها لما قد يكون وراء ذلك من الأسباب التي نجهلها، ولأن ترك المال يضيع غير
стр. 1917
مشروع، وعدم البيع في بعض الصور هو تعطيل لمصلحة الأوقاف، ولذلك قيل يجوز بيعه إذا لم تُرْجَ عودة منفعته وكان في بقائه ضرر، وهذا هو الذي ينبغي أن يعتمد إذ ما فائدة بقائه خربا؟، لكن ينبغي أن يقال لا يلجأ إلى ذلك إلا إذا تعذر ترميمه وإصلاحه أو استحال الانتفاع به لسبب ما، على أن يوضع ثمن المبيع في مثله أو قريب منه، وقد عللوا عدم جواز بيعه بأنه قد يوجد من يصلحه بإجارته سنين هكذا قال ابن الجهم، فإن لم يكن في بقائه ضرر ورجي عود منفعته منع بيعه، وسعي في إصلاحه، ولما كان من الحبس غير العقار ما يجوز بيعه لفوات نفعه ذكر مثالا له فقال:
стр. 1918
• قوله:
٣٦ - «ويباع الفرس الحبس يَكْلَبُ ويجعل ثمنه في مثله أو يعان به فيه».
هذا مثال لما حبس من العروض، ثم تعذر استيفاء المنفعة منه كالحيوان يمرض، والثوب يخلق، وقوله يَكْلَبُ من باب فرح إذا أصيب بالكَلَب بمفتوحتين، يريد أن الفرس المحبس إذا أصيب بالكلب ومثله الهرم والمرض فإنه يجب بيعه ويجعل ثمنه في فرس آخر يُشْتَرَى ويُحْبَسُ بدله، فإن لم يف ثمن المبيع بثمن المشترى زيد عليه من الصدقات ما يفي بذلك، فإن لم يمكن وضع الثمن في شقص نوع المبيع إن أمكن، فإن لم يمكن تصدق بثمنه في مصرف الجهاد في سبيل الله لأن الفرس إنما يُرتَبَط في الأصل لذلك عندما كانت الخيل وسيلة عظيمة من وسائل الجهاد، قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ (٦٠)﴾ [الأنفال: ٦٠]، وإن كان ثوبا تصدق بثمه على من لا ثياب لهم، وهكذا، ومن ذلك حُصُرُ المسجد وسائر أثاثه ومحتوياته فإنه متى كانت زائدة عن حاجة المسجد كان نقلها لمسجد آخر هو المرغوب، ومثلها المصاحف تكثر في المسجد وتزيد على الحاجة ومساجد أخرى في حاجة إليها، فإن بيع شيء من أثاث المسجد فليصرف في مثله ليجلب نظيره، لكن ذلك الآن ينبغي أن يتم بعد استشارة الهيئة المشرفة، وكتابة محضر بذلك، والله أعلم.
لكن الذي يباع عند عدم الانتفاع به إنما هو غير العقار، ولهذا قال خليل: «وبيع ما لا ينتفع به من غير عقار في مثله أو شقصه، كأن أتلف، وفضلُ الذكور وما كبر من الإناث في إناث لا عقارٌ وإن خرب، ونقض ولو بغير خرب، إلا لتوسيع كمسجد ولو جبرا»، انتهى، فانظر كيف كان أهل العلم يجتهدون في تكثير الوقف وتنميته، فمتى كان من ذكور الحيوان الموقوف ما فضل عن النزو والطرق بيع واشتري بثمنه إناث، وهكذا تباع إناث الحيوان التي كبرت وانقطع لبنها، ويشترى بثمنها غيرها من الإناث ذوات الدر، وقد ألحقوا بمسجد الجماعة - وقيل الجمعة - توسعة الطريق والمقبرة، قالوا لأن نفع هذه أقوى من
стр. 1919
نفع الوقف، على أن يشترى بالثمن نظير ما بيع ليكون حبسا، وقد أدخل في مسجد النبي ﷺ دور محبسة كانت تليه، وكما يباع الحبس لتوسعة المسجد يباع الملك على صاحبه جبرا، وقد عممت الدول هذا الأمر في هذا العصر تحت عنوان نزع الملكية للمصلحة.
стр. 1920
• قوله:
٣٧ - «واختلف في المعاوضة بالرَّبْعِ الخرب بِربْعٍ غير خرب».
هذه من صور البيع غير أن فيها تعويضا للحبس بمثله أرضا أو مسكنا، فتكون مقايضة، وقد سبق قول خليل ﵀: «لا عقارٌ وإن خرب ونقض ولو بغير خرب»، انتهى، ومعناه أنه اختلف في جواز استبدال العقار الخرب بعقار آخر غير خرب، فأجازه بعضهم نظرا إلى انتفاء نفعه، وذلك هو مقصود واقفه، والاستبدال يحافظ به على المقصود، ومنعه آخرون لما فيه من تغيير مراد الواقف، ولأنه ذريعة إلى الاجتراء على الأوقاف بتغييرها والتصرف فيها على غير مراد واقفيها، ولإمكان ترميمه وإصلاحه، وقد نقل الجواز عن ربيعة ومالك ومنعه ابن القاسم وهو المعتمد عندهم، والظاهر الأول عند تعذر الإصلاح، والله أعلم.
стр. 1921
• قوله:
٣٨ - «والرهن جائز ولا يتم إلا بالحيازة».
الرهن بفتح الراء مصدر رهن الشيء يرهنه من باب جعل فهو مرهون، وجمع الرهن رُهُن بمضمومتين ورهان، ويطلق الرهن على العين المرهونة من إطلاق المصدر على اسم المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق، وقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ من هذا المعنى، ومعناه في اللغة اللزوم والحبس، لأن المرهون محبوس عند الدائن حتى يستوفي دَيْنَهُ، ومن هذا المعنى قول النبي ﷺ : «كل مولود رهين بعقيقته»، أي مرهون معلق نفعه لوالده في الآخرة على فعلها، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدَّثر: ٣٨] أي محبوسة بما عملت فتجزى به، والمراد به في كلام المؤلف المصدر أي الإقدام على فعل الرهن، إذ لا تكليف كما يقولون إلا بفعل، وقد دل على جوازه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقيد السفر غير معتبر، فيجوز الرهن في الحضر أيضا عند الجمهور، وإنما خص السفر بالذكر لأنه مظنة افتقاد الكاتب، فيقوم الرهن مقام التوثق الذي يحصل بالكتابة، وقال أنس ﵁: «رهن النبي ﷺ درعا له عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله»، رواه أحمد والبخاري والنسائي، وقالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «اشترى رسول الله طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد»، رواه الشيخان، وثبت أن الشعير كان ثلاثين صاعا.
والرهن عند العلماء أن يجعل شيء من متاع المدين عند الدائن توثقة له في دَيْنِهِ، وحده ابن عرفة بأنه «ما قبض توثقا به قي دَيْنٍ»، انتهى، فخرجت الوديعة والمصنوع عند صانعه، وعرفه خليل بمعناه المصدري فقال: «بذل من له البيع ما يباع أو غررا ولو اشترط في العقد وثيقة بحق»، ذكر جواز رهن الغرر فلا يؤثر في عقد البيع لكونه خارجا عنه، ولأن الرهن يجوز تركه من أصله، فإذا رضي الدائن برهن شيء فيه غرر فلا ضير لأن شيئا خير من لا شيء.
стр. 1922
وأركان الرهن أربعة:
أولها: العاقدان وهما الراهن أعني معطي الرهن وهو المدين، والمرتهن وهو قابض الرهن وهو الدائن، وينبغي أن يكونا ممن يصح منهما البيع، ويتوقف اللزوم إن كان الراهن صبيا أو عبدا أو سفيها على إجازة أوليائهم.
والثاني: المرهون، وشرطه أن يكون مما يتأتى استيفاء كل الدَّيْنِ أو بعضه من ذاته أو من ثمنه أو من منافعه، ويجوز أن يكون الرهن بالمشاع وبما فيه غرر لما تقدم.
والثالث: المرهون به، وينبغي أن يحوز أمرين أن يكون دَيْنًا في الذمة يمكن استيفاؤه من الرهن، فلا يصح الرهن في معين، ولا في منفعة المعين، وأن يكون ذلك الدَّيْنُ لازما أو صائرا إلى اللزوم، كالجعل بعد العمل لا قبله.
والرابع: الصيغة ولا يتعين لفظ في الإيجاب والقبول من العاقدين بل كل ما دل على ذلك أجزأ.
ولما كان الرهن وثيقة بحق اشترط في تمامه القبض، لا في صحة عقده، لأن بالقبض يختص المرتهن به، دل على ذلك قول الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، حيث جعل صفة القبض لازمة له، ولأنه باق على ملك صاحبه، قال في السيل الجرار: «فلا يثبت به الحق للمرتهن إلا بالتراضي مع القبض»، انتهى، وفائدة ذلك أنه إن لم يقبضه لا يختص به من بين الغرماء ولو جد في قبضه بخلاف ما تقدم في الهبة والصدقة من كفاية الجِدّ في حوزهما، فإن تراخى في قبضه حتى أفلس الراهن أو مات بطل، قال خليل عاطفا على ما يبطل الرهن: «وبموت راهنه أو فلسه قبل حوزه ولو جَدَّ فيه»، انتهى، لكن لا يشترط أن يقبضه الدائن، بل يصح أن يقبضه أمين إن امتنع الراهن من تسليمه للمرتهن، والرهن واحد من أمور عدة لا تتم إلا بالحيازة منها الهبة والعمرى والحبس والنُّحْلَة والعَرِيّة والإخدام وغيرها.
стр. 1923
• قوله:
٣٩ - «ولا تنفع الشهادة في حيازته إلا بمعاينة البينة».
إذا أقام المرتهن من يشهد له على أنه قد حاز الرهن فإن هذا لا يكفي في إثبات الحيازة إذا حصل المانع منها كالتفليس والموت وتنوزع في زمن حصوله: هل هو قبل الحيازة أو بعدها؟، بل لا بد من معاينة البينة على أنه قد حيز بالفعل قبل حصول المانع، وقيل بل لا بد من ثبوت التحويز وهو الشهادة على معاينة تسليم الراهن الرهن للمرتهن، وفي المدونة ما يدل لكل من القولين، وقيد بعضهم الخلاف بما إذا كان الرهن مما ينقل، أما إن كان مما لا ينقل نحو الدور والأرض فإن الشهادة تنفع فيه على إقرارهما بالحيازة، قال خليل: «وهل تكفي بينة على الحوز قبله وبه عمل، أو التحويز؟، تأويلان، وفيها دليلهما»، انتهى، وقال القاضي عبد الوهاب في المعونة (٢/ ١١٥٤): «إذا تعلق بمال الغريم حقوق الغرماء وثبت أنه كان قد رهن شيئا من ماله لبعضهم وأقر أنه أقبضه إياه فلا يقبل إلا ببينة تشهد بمعاينة القبض خلافا للشافعي في قوله إنه يكفي التقارر على ذلك، لأن إقرار المقرر على نفسه إنما يقبل فيما لا يسقط حق غيره ويمكن أن يكونا قد تراضيا على الإ قرار بذلك ليسقط حق باقي الغرماء فلم يقبل إلا بشهادة البينة عليه»، انتهى.
стр. 1924
• قوله:
٤٠ - «وضمان الرهن من المرتهن فيما يغاب عليه ولا يضمن ما لا يغاب عليه».
المرهون إما أن يكون عند المرتَهِن أو عند أمين، فإن كان عند أمين فضمانه من الراهن، وإن كان عند المرتهن فضمانه منه، ويترادان ما نقص أو زاد متى كان مما يغاب عليه، أي يخفى هلاكه كالحلي والثياب قالوا وكالسفينة في حال سيرها، لأن عدم تضمينه يؤدي إلى ضياع أموال الناس، ولأنه كان يمكنه أن يتفصى من الضمان بجعله عند أمين، وإن كان مما لا يغاب عليه فضمانه من الراهن على المشهور إلا أن تقوم بينة على تعدي المرتهن فيضمنه.
وقد استدل لضمان الرهن من الراهن بقول النبي ﷺ : «لا يغلَقُ الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه»، رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة، وهو في الموطإ أول الباب مرسلا وهو المحفوط عن سعيد بن المسيب بلفظ: «لا يغلَقُ الرهن»، فقيل هو نهي، فتكون القاف ساكنة تحرك بالكسر للالتقاء الساكنين، وقيل هو نفي فيكون الفعل مرفوعا، والمدار على الرواية، وغلق يغلق كفرح، قال ابن الأثير: «يقال غلق الرهن يغلق غلوقا إذا بقي في يد المرتهن لا يقدر الراهن على تخليصه، والمعنى أنه لا يستحقه المرتهن إذا لم يفتكه صاحبه، وكان هذا من فعل الجاهلية أن الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت المعين ملك المرتهن الرهن فأبطله الإسلام»، انتهى، فالمنهي عنه هو امتلاك الرهن بمجرد حلول الوقت، وقال الخطابي في معالم السنن (٣/ ١٦٢): «معناه أنه لا يستغلق ولا ينعقد حتى لا يفك، والغلق الفكاك، وحقيقته أن الرهن وثيقة في يد المرتهن يترك في يده إلى غاية يكون مرجعها إلى الراهن، وليس كالبيع يستغلق فيملك حتى لا يفك»، انتهى.
قلت: كيف يكون مرجع الغاية إلى الراهن، والحال أن الرهن وثيقة يستخلص منها
стр. 1925
الدَّيْنُ متى تعذر دفعه، فلعل المقصود أن يأخذه من غير نظر إلى مقدار الدين فيكون ربا، وقال القرطبي: «لا يجوز غلق الرهن وهو أن يشترط المرتهن أنه له بحقه إن لم يأته به عند أجله»، انتهى، وفسر بما إذا قال الراهن للمرتهن إن لم آتك بمالك فالرهن لك، فالظاهر من نفي غلق الرهن هذا الاشترط، لأن المرهون قد تكون قيمته أكثر من الدين فيكون هذا الشرط ذريعة إلى ربا الجاهلية، أو أقل فيضيع مال الدائن، وليس المراد من الحديث المنع من استخلاص الدين من الرهن لأن هذا هو الذي من أجله شرع الرهن، وقريب من هذا المعنى تفسير مالك لغلق الرهن في الموطإ وغيره.
أما موضع الاستدلال من الحديث على أن ضمان الرهن من الراهن فهو قوله ﷺ «له غنمه وعليه غرمه»، فإن الضمير للمالك، فهو الذي يضمن على ظاهر اللفظ، لأن الغلة له وقد تقدم أن الخراج بالضمان، بيد أنهم ألزموه الضمان في حالة كونه مما لا يغاب عليه، وجعلوا الضمان على المرتهن في حالة كونه مما يغاب عليه، وعللوا ذلك بأن منفعة الرهن ليست متمحضة لطرف واحد منهما كما هو الشأن في القرض، فإن منفعته للمدين، فكان الضمان عليه، والمنفعة في الوديعة لصاحبها فكان الضمان عليه، وفي الرهان هي لهما: الراهن يحصل على المال إن كان الرهن في قرض، ويتأخر دفعه إن كان في بيع، والمرتهن يتوثق بالرهن وينتفع به كما سياتي، فكان على كل منهما الضمان في حال دون حال، قال في الموطإ: «الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا في الرهن أن ما كان من أمر يعرف هلاكه فهو من الراهن، وأن ذلك لا ينقص من حق المرتهن شيئا»، انتهى، فإن اشترط الراهن عدم الضمان فقد اختلفوا فيه، فقال ابن القاسم إن الشرط باطل لمناقضته مقتضى العقد، وقال أشهب إن الشرط لازم وصوبه اللخمي، والخلاف إنما هو فيما إذا كان الشرط في صلب العقد، فأما إن كان بعد العقد فالشرط لازم عند الجميع، ولعلهم لم يختلفوا فيما إذا كان الشرط بعد العقد لأنه لا تهمة فيه، أما قبله فيمكن أن يدخل في القرض الذي يجر منفعة بحيث يستغل فيه المقرض حاجة المقترض فيلزمه الضمان.
وينبغي أن يشار إلى أن مالكا وأصحابه يقتضي مذهبهم أنهم قد حملوا قوله «له غُنْمُهُ وعليه غرمه» على افتراض ثبوته على معنى أن «له غلته وخراج ظهره وأجرة عمله،
стр. 1926
وعليه غرمه أي نفقته، وليس يريد به الهلاك والمصيبة لأن الغُنْمَ إذا كان الخراج والغلة كان الغرم ما قابل ذلك»، قاله الباجي في المنتقى (٥/ ٢٤٠)، قال كاتبه: ويرده أن قوله له غرمه مفرد مضاف فيعم غرم الذات وغرم النفقة ويقويه قاعدة الخراج بالضمان فالظاهر أن لا ضمان على المرتهن من غير فرق بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه إلا إذا ثبت تعديه أو تفريطه، لأن الرهن قد وضعه الراهن عنده وثيقة بدَيْنٍ ينتفع به فأنى لنا أن نلزمه بالضمان ولم يثبت تعديه؟، وقال الخطابي وهو باقي كلامه السابق: «وإذا كان الرهن من ملك صاحبه كان تلفه من ملكه دون ملك المرتهن»، والله أعلم.
стр. 1927
• قوله:
٤١ - «وثمرة النخل الرهن للراهن وكذلك غلة الدور».
قوله النخل الرهن أي المرهون، ولما كان المرهون باقيا على ملك راهنه فإن ذلك يسري إلى ما يتولد منه، وقد ذكر المؤلف لذلك مثالين أولهما ثمرة النخل المرهون، لا فرق بين كونها موجودة وقت العقد أو غير موجودة، أُبِّرَتْ أو لم تُؤَبَّر، والثاني غلة الدور أي كراؤها، ومثل ذلك اللبن وكراء الدابة والسيارة، قالوا إلا أن يشترط ذلك المرتهن فتدخل في الرهن على أي حال كانت، هذا هو المشهور، واستدلوا بما في حديث أبي هريرة المتقدم من قوله ﷺ عن صاحب الرهن: «له غنمه وعليه غرمه»، أي أن الراهن يأخذ غلة الرهن، وروي عن الإمام دخول ما ذكر في الرهن، والحجة فيه ما رواه البخاري وأصحاب السنن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة»، وفيه كما ترى الربط بين أخذ الغلة ولزوم النفقة، وهو وإن كان الفعل فيه مبنيا لما لم يسم فاعله فقد جاء في رواية لهذا الحديث ما يبين أن المراد بالذي يركب الدابة ويشرب لبنها إنما هو المرتهن، قال ﷺ : «إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب نفقته»، ولو لم يرد هذا لكان النظر قاضيا به لأنه لا معنى لكون الراهن يركب ويشرب في مقابل النفقة، فإن الرهن ملكه، فكيف ينفق على ملكه بعوض، وانظر السيل الجرار (٣/ ٢٧٤) ونيل الأوطار (٥/ ٣٥٣ - ٣٥٥)، وينضاف إلى ذلك أن في استيفاء الراهن غلة المرهون حرجا وعسرا لا تأتي به الشريعة كما لو كان موضع المرتهن بعيدا عن سكنى الراهن، فلا يقدر على الاستيفاء فينتقل الأمر إلى الضمان فيتسبب ذلك في انتشار النزاع وكثرة الخلاف، والشرع متشوف إلى رفع الخلاف وتقليله، وقد علمت ترخيص الشرع في بيع العرية لدفع الحرج الناشئ عن دخول المعْرَى حائط المعْرِي، وقد ذهب الطحاوي ﵀
стр. 1928
إلى ان ذلك منسوخ نقله عنه القرطبي في تفسيره قال: «كان ذلك وقت كون الربا مباحا ولم ينه عن قرض جر منفعة ولا عن أخذ الشيء بالشيء وإن كانا غير متساويين، ثم حرم الربا بعد ذلك»، انتهى، والنسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع.
ثم أشار المؤلف إلى بعض ما يدخل في الرهن فقال:
стр. 1929
• قوله:
٤٢ - «والولد رهن مع الأَمَة الرهن تلده بعد الرهن».
إذا ولدت الأَمَةُ قبل أن تُرْهَنَ فإن ولدها لا يدخل معها، ومثلها كل أنثى، وما كان بعد ذلك دخل، سواء رهنت وهي حامل أو حملت به بعد ذلك، وهكذا الصوف الذي حل وقت جزه عند العقد، وعللوا الفرق بين دخول الصوف في الرهن، وعدم دخول الثمرة فيه كما تقدم في الفقرة التي قبل هذه أن الصوف التام سلعة مستقلة، فالسكوت عنه وقت الرهن دليل على إدخاله فيه، وبين مالك في الموطإ وجه تفريقه بين الثمر لا يدخل في الرهن وبين ولد الجارية يدخل فيه فقال: «وفرق بين الثمر وولد الجارية أن رسول الله ﷺ قال: «من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع»، قال: والأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن من باع وليدة أو شيئا من الحيوان وفي بطنها جنين أن ذلك الجنين للمشتري اشترطه المشتري أو لم يشترطه، فليست النخل مثل الحيوان، وليس الثمر مثل الجنين في بطن أمه من الرقيق ولا من الدواب»، انتهى، وإنما ذكر مالك بيع النخل المؤبرة للتنظير به هنا لأنه إذا كان النخل المؤبر تكون ثمرته للبائع مع أن ملكه قد انتقل، فكيف بالرهن وملكيته باق للراهن؟.
стр. 1930
• قوله:
٤٣ - «ولا يكون مال العبد رهنا إلا بشرط».
يقال هنا ما قيل في الاستدلال على عدم دخول الثمر في رهن الشجر، فإنه إذا كان مال العبد لبائعه ما لم يشترطه المبتاع بنص الحديث مع أن ملكية العبد قد انتقلت فكيف بالعبد يرهن وملكيته باقية لسيده؟، والله أعلم.
следующие страницы →