Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
وعليه غرمه أي نفقته، وليس يريد به الهلاك والمصيبة لأن الغُنْمَ إذا كان الخراج والغلة كان الغرم ما قابل ذلك»، قاله الباجي في المنتقى (٥/ ٢٤٠)، قال كاتبه: ويرده أن قوله له غرمه مفرد مضاف فيعم غرم الذات وغرم النفقة ويقويه قاعدة الخراج بالضمان فالظاهر أن لا ضمان على المرتهن من غير فرق بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه إلا إذا ثبت تعديه أو تفريطه، لأن الرهن قد وضعه الراهن عنده وثيقة بدَيْنٍ ينتفع به فأنى لنا أن نلزمه بالضمان ولم يثبت تعديه؟، وقال الخطابي وهو باقي كلامه السابق: «وإذا كان الرهن من ملك صاحبه كان تلفه من ملكه دون ملك المرتهن»، والله أعلم.
стр. 1927
• قوله:
٤١ - «وثمرة النخل الرهن للراهن وكذلك غلة الدور».
قوله النخل الرهن أي المرهون، ولما كان المرهون باقيا على ملك راهنه فإن ذلك يسري إلى ما يتولد منه، وقد ذكر المؤلف لذلك مثالين أولهما ثمرة النخل المرهون، لا فرق بين كونها موجودة وقت العقد أو غير موجودة، أُبِّرَتْ أو لم تُؤَبَّر، والثاني غلة الدور أي كراؤها، ومثل ذلك اللبن وكراء الدابة والسيارة، قالوا إلا أن يشترط ذلك المرتهن فتدخل في الرهن على أي حال كانت، هذا هو المشهور، واستدلوا بما في حديث أبي هريرة المتقدم من قوله ﷺ عن صاحب الرهن: «له غنمه وعليه غرمه»، أي أن الراهن يأخذ غلة الرهن، وروي عن الإمام دخول ما ذكر في الرهن، والحجة فيه ما رواه البخاري وأصحاب السنن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة»، وفيه كما ترى الربط بين أخذ الغلة ولزوم النفقة، وهو وإن كان الفعل فيه مبنيا لما لم يسم فاعله فقد جاء في رواية لهذا الحديث ما يبين أن المراد بالذي يركب الدابة ويشرب لبنها إنما هو المرتهن، قال ﷺ : «إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب نفقته»، ولو لم يرد هذا لكان النظر قاضيا به لأنه لا معنى لكون الراهن يركب ويشرب في مقابل النفقة، فإن الرهن ملكه، فكيف ينفق على ملكه بعوض، وانظر السيل الجرار (٣/ ٢٧٤) ونيل الأوطار (٥/ ٣٥٣ - ٣٥٥)، وينضاف إلى ذلك أن في استيفاء الراهن غلة المرهون حرجا وعسرا لا تأتي به الشريعة كما لو كان موضع المرتهن بعيدا عن سكنى الراهن، فلا يقدر على الاستيفاء فينتقل الأمر إلى الضمان فيتسبب ذلك في انتشار النزاع وكثرة الخلاف، والشرع متشوف إلى رفع الخلاف وتقليله، وقد علمت ترخيص الشرع في بيع العرية لدفع الحرج الناشئ عن دخول المعْرَى حائط المعْرِي، وقد ذهب الطحاوي ﵀
стр. 1928
إلى ان ذلك منسوخ نقله عنه القرطبي في تفسيره قال: «كان ذلك وقت كون الربا مباحا ولم ينه عن قرض جر منفعة ولا عن أخذ الشيء بالشيء وإن كانا غير متساويين، ثم حرم الربا بعد ذلك»، انتهى، والنسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع.
ثم أشار المؤلف إلى بعض ما يدخل في الرهن فقال:
стр. 1929
• قوله:
٤٢ - «والولد رهن مع الأَمَة الرهن تلده بعد الرهن».
إذا ولدت الأَمَةُ قبل أن تُرْهَنَ فإن ولدها لا يدخل معها، ومثلها كل أنثى، وما كان بعد ذلك دخل، سواء رهنت وهي حامل أو حملت به بعد ذلك، وهكذا الصوف الذي حل وقت جزه عند العقد، وعللوا الفرق بين دخول الصوف في الرهن، وعدم دخول الثمرة فيه كما تقدم في الفقرة التي قبل هذه أن الصوف التام سلعة مستقلة، فالسكوت عنه وقت الرهن دليل على إدخاله فيه، وبين مالك في الموطإ وجه تفريقه بين الثمر لا يدخل في الرهن وبين ولد الجارية يدخل فيه فقال: «وفرق بين الثمر وولد الجارية أن رسول الله ﷺ قال: «من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع»، قال: والأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن من باع وليدة أو شيئا من الحيوان وفي بطنها جنين أن ذلك الجنين للمشتري اشترطه المشتري أو لم يشترطه، فليست النخل مثل الحيوان، وليس الثمر مثل الجنين في بطن أمه من الرقيق ولا من الدواب»، انتهى، وإنما ذكر مالك بيع النخل المؤبرة للتنظير به هنا لأنه إذا كان النخل المؤبر تكون ثمرته للبائع مع أن ملكه قد انتقل، فكيف بالرهن وملكيته باق للراهن؟.
стр. 1930
• قوله:
٤٣ - «ولا يكون مال العبد رهنا إلا بشرط».
يقال هنا ما قيل في الاستدلال على عدم دخول الثمر في رهن الشجر، فإنه إذا كان مال العبد لبائعه ما لم يشترطه المبتاع بنص الحديث مع أن ملكية العبد قد انتقلت فكيف بالعبد يرهن وملكيته باقية لسيده؟، والله أعلم.
стр. 1931
• قوله:
٤٤ - «وما هلك بيد أمين فهو من الراهن».
إذا قبض المرتهن الرهن فقد علمت متى يضمنه ومتى لا يضمنه، أما إن وُضِعَ عند أمين فإنه لا يضمن مطلقا يستوي في ذلك ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه، لأنه لا ضمان على أمين فيكون حكمه حكم الوديعة إلا أن يثبت تعديه، وليتني أقف على الفرق بين وضع الرهن عند طرف ثالث اعتبر أمينا وبين كونه عند المرتهن الذي لم يثبت تعديه ولا تفريطه، فَلِمَ فُرِّقَ بينهما؟، وهل يكفي تعليل الفرق بأن المرتهن كان يمكنه أن يضع الرهن عند أمين ليسلم من الضمان فلما لم يفعل لزمه ذلك، إذ كيف يعاقب الشخص وقد التزم حكم الله وقد قال: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؟، وحقيقة القبض أن يقبض المرتهن، لا الأمين بل اختلف في قبضه هل يجزئ أو لا.
стр. 1932
• قوله:
٤٥ - «والعارية مؤداة يضمن ما يغاب عليه ولا يضمن ما لا يغاب عليه من عبد أو دابة إلا أن يتعدى».
صور العطاء التي ينفع المؤمن بها غيره متعددة فقد يملكه العين أو الانتفاع أو المنفعة، وقد تقدم الكلام على الهبة والصدقة والوقف والعمرى، وتكلم هنا على العارية وهي بتشديد الياء اسم مصدر أعاره إعارة، وتطلق على الشيء المعار كما في كلام المؤلف، وعلى الفعل، وعليه جاء تعريفها بأنها «تمليك منفعة مؤقتة بغير عوض»، فغير العوض يخرج الإجارة، والتوقيت يخرج الحبس، لأنه على الدوام في الغالب، وتدخل العمرى والإخدام، والمنفعة يَخرج بها تمليك الانتفاع لأنها أعم منه، ومعنى تمليك الانتفاع هو أن يُقصر النفع على الشخص ذاته، ومثاله استعمال الموظف السيارة لكونه موظفا والإمام المسكن لكونه إماما، وقريب من هذا قصر الاستفادة من السجل التجاري على صاحبه، وبطاقة الضمان على من هي له، ووثيقة الإعفاء من الضريبة على أصحابها، وهذا التفريق ينبني عليه عندهم أن مالك المنفعة يجوز له أن يملكها لغيره بإعارة أو إجارة أو هبة مع الكراهة ما لم يمنعه المعير، أما مالك الانتفاع فلا يجوز له شيء من ذلك، قال خليل: «صح وندب إعارة مالك منفعة بلا حجر وإن مستعيرا لا مالك انتفاع من أهل التبرع عليه عينا لمنفعة مباحة»، انتهى.
والأصل في العارية الندب لأنها تدخل في فعل الخير، وقد أمر الله به في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]، ويتأكد ذلك في القرابة والجيران والأصحاب، وقد يعرض
стр. 1933
لها الإيجاب كمن معه ما يستغني عنه وتوقفت نجاة غيره على إعارته إياه، وتكون حراما أو مكروهة كمن يعير شيئا لفعل معصية محرمة أو مكروهة، ومما جاء في ذم منع العارية أن الله تعالى جعل ذلك من جملة أوصاف المنافقين، قال الله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٧]، وقد فسر ابن عباس وابن مسعود الماعون بالعواري، وفسره الأخير بأنه القِدْر والميزان والدلو.
ولا ضير على المرء في الاستعارة متى كان محتاجا إليها، فقد روى أحمد وأبو داود والنسائي عن صفوان بن أمية ﵁ أن النبي ﷺ استعار منه يوم حنين أَدْرُعًا فقال: «أَغَصْبٌ يا محمد؟، قال: «بل عارية مضمونة»، قال: فضاع بعضها فعرض عليه النبي ﷺ أن يضمنها فقال: «أنا اليوم في الإسلام أرغب»، فرضي الله عن صفوان.
فأما ضمان العارية فإنه لما ائتمن المعير المستعير عليها كان الأصل عدم الضمان إلا لجناية أو تفريط في الحفظ أو تجاوز مدة الاستعارة أو التزام الضمان، وهو مدلول حديث صفوان المذكور من قوله ﷺ : «بل عارية مضمونة»، فهذا ليس إخبارا عن حكم العارية من حيث هو بأنها مضمونة، بل هو التزام منه ﷺ بالضمان، فعلى أن العارية حكمها أن تضمن يكون قوله مضمونة صفة كاشفة لحقيقة العارية، وعلى أنها لا تضمن تكون صفة مخصصة فيكون الأصل في العارية عدم الضمان، وقد جاء ذلك صريحا في حديث يعلى بن أمية قال، قال رسول الله ﷺ : «إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعا»، قلت: «يا رسول الله أعارية مضمونة أو عارية مؤداة»؟، قال: «بل عارية مؤداة»، رواه أحمد وأبو داود (٣٥٦٦) والنسائي، ففيه الإضراب عن العارية المضمونة وهي التي تؤدى إن كانت وإلا فقيمتها، وأثبت كونها مؤداة أي يجب رد عينها إن كانت، وهذا يؤيد كون المراد من قول النبي ﷺ في حديث صفوان المتقدم التزام الضمان لا أن العارية مضمونة بأصلها، وكما يكون الضمان بالاشتراط يكون بتطوع المستعير، وقد جاء في
стр. 1934
رواية من حديث صفوان عند أبي داود قوله ﷺ لصفوان: «فهل نغرم لك»؟، بفتح الراء، فالذي يجب في العارية إنما هو الأداء، وعلى ذلك جاء قوله ﷺ : «العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدَّيْنُ يقضى، والزعيم غارم»، رواه أبو داود (٣٥٦٥) وابن ماجة من حديث أبي أمامة ﵁، والمنحة بكسر الميم الشاة تعار للحلب، ومثلها الشجرة ليؤخذ ثمرها والأرض لتزرع، وقوله والدَّيْنُ يقضى أي يجب قضاؤه، والزعيم هو الكفيل والحميل، وغارم أي يدفع ما ضمنه عند تعذر أخذه ممن ضمنه، ومعنى أن العارية مؤداة أي يجب أداؤها وردها لصاحبها متى انتهت مدة الاستعارة، ومن أهل المذهب من تأول قوله مؤداة على معنى أنها مضمونة، واعتبروا ما في حديث صفوان بن أمية من قوله ﷺ : «بل عارية مضمونة»، مفسرا لذلك، وقد علمت أن الصواب خلافه، وقد فرق أهل المذهب في تضمين المستعير بين ما يغاب عليه فيضمنه وما لا يغاب عليه فلا يضمنه إلا إذا تعدى، ورأى بعضهم في ذلك جمعا بين الأحاديث القاضية بالضمان فحملوها على ما يغاب عليه، والأخرى القاضية بعدمه فحملوها على ما لا يغاب عليه، ومما استدل به على ضمان العارية قول النبي ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى تؤدي»، ثم إن الحسن نسي فقال: «هو أمينك لا ضمان عليه»، رواه أصحاب السنن الأربعة من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعا، (د/ ٣٥٦١)، وحسنه الترمذي، وهذا ليس صريحا في تضمين المستعير بإطلاق، بل هو دال على لزوم الأداء، وعليه فقول قتادة وهو الراوي عن الحسن إن الحسن نسي لا يسلم، بل المراد من الأداء مطلق إرجاع ما أخذه المرء وديعة أو إعارة أو إجارة إلى صاحبه، وعلى افتراض دلالته على ذلك فقد عورض بما تقدم، نعم هو نص في لزوم الحفظ فإذا لم يحفظ ضمن، وأحرى إذا تعدى، ولا بد من تقدير محذوف ليصح الكلام، وهو إما الضمان أو الحفظ أو الأداء، ولا يجوز أن يقدر الأداء لأن الشيء لا يكون غاية لنفسه، ولا يجوز أن يقدر الضمان والحفظ معا، لأن المقتضي لا عموم له، فيقال إن الحفظ هو اللازم حتى تؤدى العارية، أما الضمان فقد سبق من الأدلة ما يؤخذ
стр. 1935
منه أنه غير لازم بالأصل، هذا معنى ما قاله للشوكاني في نيل الأوطار (٦/ ٤٠ و ٤١)، وانظر معالم السنن (٣/ ١٧٥) للخطابي، أما الاستدلال على عدم الضمان بحديث: «لا ضمان على مؤتمن»، رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي رواية «ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان»، قال الحافظ:، والمغل هو الخائن، فلا يتجه لضعفهما، قال الحافظ عن الأول في إسناده ضعف، وقال عن الرواية الأخرى في إسنادها ضعيفان.
стр. 1936
• قوله:
٤٦ - «والمودع إن قال رددت الوديعة إليك صدق إلا أن يكون قبضها بإشهاد».
الكلام هنا على الوديعة وهي من الإيداع والفعل يدع، أما الماضي ودع فهو مهجور، يستعمل بدله ترك، سميت كذلك لأن المودع (بكسر الدال) يتركها عند المودع (بفتحها)، قال الله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضُّحى: ٣]، أي ما تركك، واستودعته وديعة إذا استحفظته إياها، ومعناها عند العلماء «مال استنيب على حفظه»، لكن قد تكون الوديعة غير مال كالوثيقة، فأما الإيداع فهو استنابة في الحفظ، وحكم هذه الاستنابة الجواز للفاعل والقابل، وقد يجب كمن خاف تلف ماله ووجد من يقبله وديعة عنده، ويحرم قبول المغصوب وديعة ممن لا يقدر على رده إلى صاحبه، والوديعة من جملة الأمانات التي أمر الله بردها إلى أهلها في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ (٢٨٣)﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقال النبي ﷺ : «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك»، رواه أبو داود (٣٥٣٤) والترمذي وحسنه، ورغم ضعف مخارجه فإن تعددها يدل على انتهاضه للاحتجاج، وفيه دليل على أن المودع مؤتمن من المودع، وأن الوديعة إنما تؤدى لصاحبها أو من يوكله، وعلى أن الخائن لا يرد عليه بمثل فعله، فيكون الحديث مخصصا لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ (١٢٦)﴾ [النحل: ١٢٦] وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ (١٩٤)﴾ [البقرة: ١٩٤]، فإنها كلها قاضية بالمعاقبة بالمثل فتستثنى الأمانة من هذا وتدخل فيها الوديعة والعارية لأن حبسهما في الحق يؤدي إلى انقطاع البر بين الناس وإلى ضياع الأموال هكذا جمع بين هذه النصوص وبين ذلك الحديث الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار، وانظر كلام
стр. 1937
ابن رشد عن هذا الحديث في البيان والتحصيل (٣/ ٢٤٢).
أما كلام المؤلف فمعناه أن المودَع بفتح الدال إن قال رددت الوديعة لصاحبها، أو لمن وكله بقبضها - لا إن قال رددتها لأبيه مثلا - فإنه يُصَدَّقُ لأنه مؤتمن، ولأنه مدعى عليه في ماله، وغاية ما عليه الحلف إن كان متهما لأنه منكر، لكن بشرط أن لا يكون المودع قد أشهد على الإيداع بغرض التوثيق، فإن أشهد المودع على تسليمه الوديعة بغرض التوثق لم تقبل دَعْوَى المودَع في الرد إلا ببينة تشهد له، وقاعدتهم هنا أن «كل من دفع له شيء من قراض أو وديعة مصحوبا ببينة بغرض التوثق لا يصدق في دعوى الرد إلا ببينة»، انظر الفواكه الدواني للنفراوي (٢/ ٢٨٠).
وقال زروق في شرحه (٢/ ٢١١): «وقاعدة المذهب أن من قبض بالأمانة وهو المودَع فلا يضمن بحال، ومن قبض بالذمة يضمن في كل حال، ومن قبض فيهما يضمن ما يغاب عليه لا غيره، ويقال: من قبض لنفع غيره لم يضمن، ولنفع نفسه يضمن، وما دخله نفع المالك مع نفعه ضمن ما يغاب عليه فقط»، انتهى، وقد سبق بعض هذا في الرهن فاذكره.
стр. 1938
• قوله:
٤٧ - «وإن قال ذهبت فهو مصدق بكل حال، والعارية لا يصدق في هلاكها فيما يغاب عليه».
التفصيل السابق إنما هو في دعوى رد الوديعة إلى صاحبها، أما إن ادعى المودَع تلف الوديعة أو ضياعها من غير تقصير في الحفظ فإنه يُصَدَّقُ من غير فرق بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه، قبضها ببينة للتوثق أو لا، لكن إن كان متهما لزمه الحلف، فهذا هو مراد المؤلف بقوله «فهو مصدق بكل حال»، لأن المودع قابض لنفع غيره وقد اؤتمن عليه، وإنما أعاد بيان عدم تصديق المستعير في ضياع ما يغاب عليه للمقارنة بينه وبين عدم ضمان المودع من غير فرق.
стр. 1939
• قوله:
٤٨ - «ومن تعدى على وديعة ضمنها».
هذا مما تشترك فيه العارية والوديعة والرهن وهو أنه متى ثبت التعدي لزم الضمان، فإن لم يثبت وكان المودع أو غيره قد تعدى لزمه في نفسه، فإن لم يرد قيمته كان آكلا لأموال الناس بالباطل، ومِنْ صُورِ التعدي التي ذكروها نقل الوديعة من موضع لآخر لغير مصلحة، أو لها، لكن لم ينقلها كما تنقل أمثالها، ومنها أن يودعها عند غيره من غير عذر، ومنها الانتفاع بها كالثوب المودع يلبس، فإنه لا يجوز لبسه، وكذلك السيارة والدابة تركبان لغير مصلحة المحافظة عليهما فإنه تعد يلزم به الضمان، ومن الفروق بين العارية والوديعة أن الأولى فيها تمليك المنفعة فاستعمالها فيما هي له ليس تعديا، والخروج عنه تعد، وكذلك إعارتها أو كراؤها فالظاهر أنه تعد، أما الوديعة فإن مجرد استعمالها لغير المحافظة عليها يعتبر تعديا يلزم منه الضمان، وإذا عرفت هذا فلا حاجة إلى الاستدلال بما في الحديث الضعيف وقد تقدم «ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان»، وأجود منه حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جدِّه مرفوعا: «من استودع وديعة فلا ضمان عليه» رواه ابن ماجة. وقد تعرض مالك للضمان بسبب التعدي في مال القراض والدابة تكترى والتوكيل على الشراء في باب (القضاء في كراء الدابة والتعدي بها) في الموطإ فانظره.
стр. 1940
• قوله:
٤٩ - «وإن كانت دنانير فردها في صرتها ثم هلكت فقد اختلف في تضمينه».
من أخرج الوديعة من موضعها لغير حاجة أو ضرورة فقد تصرف فيها، فإن تلفت قبل أن يردها إلى موضعها فهو ضامن، وإن حصل التلف بعد أن أرجعها إلى موضعها فقد اختلف فيه، فمن قال لا يضمن فباعتبار الأصل، لأن المودع مؤتمن، ومن قال يضمن فلأنه متعد بحلها والتصرف فيها، والمشهور منهما عدم الضمان، وهو لابن القاسم وأشهب.
стр. 1941
• قوله:
٥٠ - «ومن اتجر بوديعة فذلك مكروه، والربح له إن كانت عينا».
شأن الوديعة أن تحفظ كما هي حتى ترد إلى صاحبها كما أمر الله بذلك ورسوله ﷺ ، فإن خالف وتصرف فيها كأن اتجر بها فقد أقدم على مكروه لأن المال ليس له، وليس يبعد أن يقال بحرمة ذلك إذا لم يكن له ما يفي به في الوقت الذي ينبغي أن يردها لصاحبها، إن كانت من المثليات كالنقود والمكيلات، أما إن كانت من القيميات فلا يحوز التصرف فيها مطلقا لأنها لا يمكن ردها بذاتها لصاحبها، وبمجرد متاجرة المودع بالوديعة يلزمه الضمان فيكون الربح له لأن الخراج بالضمان كما تقدم في البيوع، قال مالك في الموطإ: «وإذا استُودع الرجل مالا فابتاع لنفسه وربح فيه فإن ذلك الربح له، لأنه ضامن للمال حتى يؤديه إلى صاحبه»، انتهى، وخلاصة حكم التصرف في الوديعة أنه على ثلاثة أحوال كما قال النفراوي ﵀: جائز ومكروه وحرام، فالجائز التصرف بإذن المودِع مطلقا، والحرام التصرف بغير إذنه حيث كانت مقومة مطلقا، أو مثلية وهو معدم»، انتهى.
قلت: ويمكن أن يقال إن المكروه هو ما إذا كانت مثلية وهو ملي، ولما بين حكم الاتجار بالوديعة إذا كانت نقدا بين الحكم إذا كانت عرضا بقوله:
стр. 1942
• قوله:
٥١ - «وإن باع الوديعة وهي عرض فربها مخير في الثمن أو القيمة يوم التعدي».
والمعنى أنه إذا حصل التعدي من المودع فباع الوديعة خُيِّرَ صاحبها بين الثمن الذي بيعت به وبين قيمتها يوم التعدي، أما الثمن فلأنه بيع فضولي، فللمالك أن يمضيه أو يرده إن لم يفت بمفوت، وأما القيمة فلأنه بالتعدي لزمه الضمان، فالحاصل أنه متى فاتت فله الأكثر من الثمن الذي بيعت به وقيمتها يوم التعدي، وهذا حكم كل متعد بالبيع لسلعة غيره ولو كان غاصبا، والله أعلم.
стр. 1943
• قوله:
٥٢ - «ومن وجد لقطة فليعرفها سَنَةً بموضع يرجو التعريف بها».
حرمة مال المسلم ومثله الذمي معلومة سواء أكان في حوزته أم لا، فإن كان الأول وأخذ من حرز مثله فهو سرقة، وإن لم يكن في حرز مثله فاختلس فهو خيانة، وإن أخذ قهرا فهو غصب، وسيأتي الكلام عليه، وهكذا إذا أخذ بالغش أو الرشوة أو الربا فإن كل ذلك محرم، ولا تزول حرمة مال المسلم ومثله الذمي ولو ضاع وهي اللقطة، فإن أكلها من غير أن يلتزم في ذلك ما شرعه الله تعالى فقد أكلها بالباطل.
واللقطة بضم اللام وفتح القاف ما يلتقط، وهذا الوزن هو المعروف في الاستعمال لكن سكون القاف هو القياس، لأن فعلة بضم ففتح معناه الكثير اللقط كهُمزة وضُحكة، وهو غير مراد هنا، والالتقاط أن يعثر على الشيء من غير طلب، وليست أنواع الأموال التي يعثر عليها متساوية في حكم الالتقاط، تجد ذلك فيما حد به ابن عرفة اللقطة حيث قال: «مال وجد بغير حرز محترما ليس حيوانا ناطقا ولا نعما بل عينا أو عرضا أو رقيقا صغيرا،،،»، انتهى، وقال خليل عنها: «مال معصوم عَرَض للضياع وإن كلبا أو فرسا،،،»، انتهى، فخرج بالمال اللقيط، وبالمحترم مال الحربي فإنه إما فيء أو غنيمة، وقد تقدم ذلك في باب الجهاد، ودخل مال الذمي، وخرج بقوله: ليس حيوانا ناطقا،،، العبد الآبق، وخرجت الإبل والبقر والغنم فإنها تسمى ضالة وحكمها مختلف عن لقطة النقود والعروض، وقد يلتقي بعضها به، والضالة نعم محترم وجد بغير حرز، واللقيط صغير آدمي لم يعلم أبوه ولا رقه.
وقد اختلف في حكم الالتقاط، والمذهب أنه يحرم بنية التملك، فإن حصل ترتب على الملتقط بمجرد تلك النية الضمان، فتأمل هذا أيها القارئ يرحمك الله، وقد قال رسول الله ﷺ : «ضالة المسلم حرق النار»، رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن الجارود بن المعلى.
стр. 1944
وقد يقال بامتناع الالتقاط إن أمن الضياع إلا إذا كان المالك معروفا، ويمتنع أيضا إن علم أن المالك قد وضعه حيث هو لموجب، ويجب الالتقاط إن خيف على المال الخيانة، لكنه لا يضمن إن لم يلتقطه، ولا فرق في المذهب بين اللقطة في الحرم وغيرها إلا من حيث لزوم تعريف الأخيرة أبدا، إذ لا تحل لملتقطها، فأما حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول الله ﷺ نهى عن لقطة الحاج»، رواه أحمد ومسلم وأبو داود، فقد تأولوه على معنى ترك التعريف بها لما جاء في قوله ﷺ عن مكة: «لا تحل لقطتها إلا لمنشد».
أما تعريف اللقطة فهو واجب، فلو تراخى في التعريف حتى تلفت، ثم جاء ربها فإنه يضمنها، ويكون التعريف سَنَةً لحديث زيد بن خالد الجهني قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن اللقطة، فقال: «اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها»، قال: «فضالة الغنم يا رسول الله؟، قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب»، قال: «فضالة الإبل؟، قال: «مالك ولها؟، معها سقاؤها وحذاؤها تَرِدُ الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها»، رواه مالك (١٤٤٠) والشيخان (م/ ١٧٢٢)، والعفاص هو الوعاء الذي تكون فيه النفقة من جلد أو خرقة أو غير ذلك من العفص وهو الثني والعطف، وبه سمي الجلد الذي يجعل على رأس القارورة، كذا في النهاية، والوكاء بكسر الواو الخيط الذي يشد به الوعاء، وإنما أمره بمعرفة وكائها وعفاصها ليسأل مدعيها عنهما إن جاء يطلبها، ولأنه لا ينبغي أن يظهرها حال التعريف، ولا يحملها كي لا تضيع، والذي يقوم بالتعريف الملتقط نفسه، فإن كان ممن ليس من شأنه ذلك فمن يوكله ولو بأجرة من اللقطة، ويكون التعريف في الموضع الذي يرجو أن يكون صاحبها فيه أو يطلبها فيه أو يبلغه الخبر منه، فإن التقطت في قرى أهل الكفر فالأفضل تسليمها لمقدميهم من الأحبار والرهبان، قال خليل: «وتعريفها سنة بمظان طلبها كأبواب المساجد والأسواق»، انتهى، والظاهر أن الإخبار بذلك في إعلان معلق بمداخل المساجد والمحلات والأسواق مما يعين على التعريف.
واعلم أن أهل المذهب قد بينوا أن ليس كل ما يلتقط يجب تعريفه سنة، فالذي يعَرف على النحو المتقدم هو ما كان له بال، أما ما كان نحو الدلو والمخلاة والدراهم
стр. 1945
القليلة فإنها تعرف أياما لا سنة على الراجح عندهم، وجاء ما يؤخذ منه لو صح أن تعريف مثل هذا يكون ثلاثة أيام، وهو ما رواه أحمد وغيره من حديث يعلى بن مرة يرفعه: «من التقط لقطة يسيرة حبلا أو درهما أو شبه ذلك فليعرفها ثلاثة أيام، فإن كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام»، لكن فيه عمر بن عبد الله بن يعلى قال في التقربب ضعيف، ومع ضعفه فما فيه أشبه بالتيسير على الناس، وإلا ما التقط أحد شيئا، ولكان ذلك ذريعة إلى ضياع الأموال وعدم الانتفاع بها أصلا، وذكروا أمثلة لما لا يعرف كالعصا والسوط، واستدل لذلك بحديث جابر ﵁ قال: «رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به»، رواه أبو داود (١٧١٧) وفي سنده المغيرة بن زياد وهو صدوق له أوهام كما في التقريب، ووثقه جماعة من الحفاظ، ويجوز أكل الشيء التافه، وكذا ما يخشى ضياعه إن ترك كاللحم والفواكه، وقد يقال بمطلوبية بيع مثل هذا والاحتفاظ بقيمته ممن لم يأكله، ويستدل لجواز أكل ما هو حقير في الحال بحديث أنس ﵁ قال: «مر النبي ﷺ بتمرة في الطريق فقال: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها»، رواه الشيخان، وهو يشهد لحديث جابر المتقدم في الجملة، ويستفاد منه حرمة الصدقة عليه ﷺ حقيرها وجليلها بخلاف الحقير من مال المسلم الذي لا يعرف، وفيه التورع عن أكل ما يشتبه فيه.
стр. 1946
• قوله:
٥٣ - «فإن تمت سَنَة ولم يأت لها أحد فإن شاء حبسها وإن شاء تصدق بها وضمنها لربها إن جاء».
الذي عليه جمهور أهل العلم أن مدة التعريف سنة لما في حديث زيد بن خالد الجهني وقد تقدم، وقيل إن التعريف يكون ثلاث سنين لما في حديث أبي بن كعب ﵁ عند البخاري (٢٤٢٦) قال: «وجدت صرة فيها مائة دينار فأتيت النبي ﷺ فقال: «عرفها حولا»، فعرفتها فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته ثانيا فقال: «عرفها حولا»، فلم أجد، ثم أتيته ثالثا فقال: «احفظ وعاءها ووكاءها وعددها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها»، فاستمتعت بها، فلقيته بعد بمكة فقال: «لا أدري ثلاثة أحوال أو حولا واحدا»؟، والشاك هو سلمة بن كهيل الراوي عن أبي بن كعب.
وفي قوله «فاستمتع بها»، وقوله في رواية أخرى «فاستنفقها» دليل على جواز الانتفاع بها مع بقاء عينها أو ببيعها، فليس اللازم للملتقط الحبس أو التصدق فقط، بل وكذلك الأمر الثالث وهو الاستنفاق، لكن هذا لا يلزم منه عدم الضمان إن جاء صاحبها، وقد ذكر خليل الأمور الثلاثة فقال: «وله حبسها بعده أو التصدق أو التملك ضامنا فيهما»، انتهى.
стр. 1947
• قوله:
٥٤ - «وإن انتفع بها ضمنها».
الملتقط لا يضمن اللقطة إن هلكت من غير تحريكها لمصلحتها كذهابه بالدابة لتسقى، أو السيارة إلى الحظيرة، فإن انتفع بها ضمنها حصل ذلك قبل مدة التعريف أو بعدها لأنه بالانتفاع نوى تملكها.
стр. 1948
• قوله:
٥٥ - «وإن هلكت قبل السنة أو بعدها من غير تحريك لم يضمنها».
هذا نظير ما تقدم في الوديعة، فالملتقط لا ضمان عليه إذا هلكت اللقطة قبل السنة أو بعدها من غير تحريك، وقد تقدم في الوديعة أنه إذا نقلها عن موضعها لغير موجب كأن ركبها أو أكراها ضمنها، وتختلف اللقطة عنها في أن إيداعها عند غيره لا ضمان عليه فيه، لأن ربها لم يأتمنه عليها، أما إن باعها بعد السنة فليس لربها إلا الثمن، وقبل السنة يخير بين ثلاثة أمور هي: إمضاء البيع فيأخذ الثمن، أو يرد البيع ويأخذها إن كانت قائمة، أو يأخذ قيمتها إن فاتت، وتكون قيمتها يوم البيع لا يوم الالتقاط بخلاف الغصب.
стр. 1949
• قوله:
٥٦ - «وإن عرف طالبها العفاص والوكاء أخذها».
يدل على ذلك حديث عياض بن حمار قال، قال رسول الله ﷺ : «من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل، أو ليحفظ عفاصها ووكاءها، فإن جاء صاحبها فلا يكتم فهو أحق بها، وإن لم يجئ صاحبها فهو مال الله يؤتيه من يشاء»، رواه أحمد وأصحاب السنن غير الترمذي، وقال الألباني سنده صحيح، وقوله فيه «فهو مال الله يؤتيه من يشاء»، لا دليل فيه على عدم ضمانها لربها إن جاء بعد مدة التعريف فإنه مجمل يبينه قول النبي ﷺ في حديث زيد بن خالد الجهني عند الشيخين: «اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن لم تعرَف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه»، وفيه دليل على أنها تؤدى إلى صاحبها متى عرفها قبل مرور زمن التعريف وبعده على السواء، فإما أن يؤديها بعينها إن كانت قائمة وإلا أدى قيمتها، وتؤدى إلى مدعيها من غير يمين بعد ذكره ما يدل على أنها له بأن عرف تينك الصفتين، وأحرى لو عرف ما زاد عليهما كالعدد والوزن إن كانا، ويدخل سائر ما يميز اللقطة مما لم يذكر، وظاهر كلام المؤلف أن من لم يعرف إلا إحدى الصفتين لا يأخذها، وليس الأمر كذلك، فإنه إن عرف صفة واحدة سلمت له بعد الاستئناء مدة، لاحتمال أن يأتي من يعرف الوصفين، قال خليل: «واستؤني في الواحدة إن جهل غيرها لا إن غلط»، انتهى، فإن ادعاها شخصان قضي بها لمن عرف صفة زائدة على ما عرفه الآخر، فإن عرفا الوصفين أو الأوصاف واستويا ولم ينفصل بها أحدهما حلفا وقسمت بينهما.
стр. 1950
• قوله:
٥٧ - «ولا يأخذ الرجل ضالة الإبل من الصحراء».
وهذا لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك كما في حديث زيد بن خالد الجهني: «مالك ولها؟، معها سقاؤها وحذاؤها تَرِدُ الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها»، فبين استغناءها عن الملتقط بما ركب الله في طبعها من القوة، فتركها في موضعها أقرب إلى أن يجدها ربها، لكن يؤخذ من قوله ﷺ : «ترد الماء وتأكل الشجر»، أنه متى انعدم ما تعيش عليه في ظن المرء وخشي عليها التلف تغير الحكم، والمعروف في المذهب خلاف ذلك إلا إذا خاف عليها من الخائن فإنه يأخذها، ولعل هذا هو وجه قول المؤلف من الصحراء لكونها ليس فيها الناس كأماكن العمران، وقد روى أحمد ومسلم (١٧٢٥) عن زيد بن خالد الجهني - وهو راوي حديث التعريف - قوله ﷺ : «من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها»، والله أعلم.
стр. 1951
• قوله:
٥٨ - «وله أخذ الشاة وأكلها إن كانت بفيفاء لا عمارة فيها».
أخذ هذا من قوله ﷺ في حديث زيد بن خالد المتقدم: «هي لك أو لأخيك أو للذئب»، ويحتمل أن المراد بقوله «أو لأخيك» أعم من أن يكون صاحبها أو ملتقطا آخر، والأقوى أن يكون المراد صاحبها، لأن المخاطب ملتقط، فكل ملتقط فهو مثله، وقول مالك في الشاة هو أنه إن أخذها من مكان لا عمران فيه وأكلها فلا ضمان عليه إن جاء ربها، لأن الحديث حصر أحوالها في أن يأكلها الذئب أو يأخذها الملتقط، وقال هي لك فجعلها ملكا له أو للذئب، ولا ضمان على الذئب فكذلك من ذكر معه، وقد انفرد مالك ﵀ بذلك، ولا دلالة فيه على عدم ضمانها لصاحبها، لأنه إذا لم يستفد ذلك من قوله ﷺ : «فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها»، فلأن لا يستفاد الحكم من ذلك الاقتران أولى، وإنما المراد أن عدم التقاطها يعرضها للضياع، ومما يدل على أنها باقية على ملك صاحبها أنه لو جاء قبل أن يأكلها الملتقط لكان اللازم تسليمها له، وقد ذهب إلى هذا من قال بتملكها بالالتقاط وغيرُه، وقيد أهل المذهب عدم الضمان بما إذا لم يصل بها إلى العمران فإن استهلكها فيه ضمن لأنها لا تضيع فيه.
ولم يتكلم المؤلف على غلة اللقطة كاللبن والجبن والسمن وغير ذلك من أوجه الانتفاع والريع، وهي في مدة التعريف للملتقط، ولو زادت على مقدار قيامه على اللقطة بما يلزمها من الإنفاق، وقيل له ما يقابل قيامه عليها، والزائد في ذمته، لكن الصوف والنسل وما زاد من كرائها على علفها فهو لربها، فإن لم تكن لها غلة وقد أنفق عليها فله مطالبة صاحبها بذلك فيعطيه نفقتها ويأخذها وله أن يسلمها له في ذلك ولو كانت النفقة أكثر من قيمتها لأن ربها لا يلزمه ما زاد على ذلك، ولو ظهر على ربها دين قدمت عليه نفقة الملتقط كما في الرهن، وقد روى ابن أبي شيبة حدثنا الأحوص عن أبي إسحاق عن العالية قالت: كنت جالسة عند عائشة فأتتها امرأة فقالت: يا أم المؤمنين إني وجدت شاة ضالة فكيف تأمريني أن أصنع بها؟، فقالت: عرفي واعلفي واحلبي».
стр. 1952
• قوله:
٥٩ - «ومن استهلك عرضا فعليه قيمته، وكل ما يوزن أو يكال فعليه مثله».
هذا حكم عام يشمل من استهلك وديعة أو لقطة أو رهنا أو مغصوبا أو مسروقا أو مبيعا على الخيار، أو أتلف مال غيره خطأ أو عمدا، مع مراعاة القيود التي لا بد من وجودها لضمان ما ذكر وغيره، ولو كان المتلف صبيا أو مجنونا، لأن ضمانه من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف، والأول أعم من الثاني، ويُضمن المثلي بمثله كالقمح والشعير، والقيمي بقيمته كالحيوان والدور يوم التعدي، فأما ضمان المثلي بمثله فواضح لأن به تبرأ الذمة، ولقول الله نعال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ (١٢٦)﴾ [النحل: ١٢٦]، وأما ضمان القيمي بقيمته فلأن إيجاب رد مثله لا يتأتى لاختلاف أفراد الجنس الواحد في القيمة، بل قد تتحد القيمة في حال، وتختلف في حال، كمن أتلف ثلاجة فإنها إن كانت جديدة فقد يجد مثلها، لكنها إن كانت مستخدمة فإن إيجاب مثلها جديدا فيه ظلم للضامن، وإيجابُ مثلها مستعملا فيه عسر، وقد لا يتأتى، فقول المؤلف: «ومن استهلك عرضا فعليه قيمته»، هذا إذا كان العرض ليس مثليا، يدل عليه قوله عن المكيل والموزون «فعليه مثله»، ومن المكيل اللبن والزيت والقمح، ومن الموزون الذهب والفضة غير المصوغين، ويدخل في المثلي المعدود الذي لا تختلف أفراده كالبيض والجوز، ولعل منه سائر السلع التي من جنس واحد مع اتحاد نماذجها، فالحاصل أنه مهما تأتى رد المثل فهذا هو المطلوب، فإن تعذر فالقيمة، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٧/ ١٤٨): «أجمع العلماء لا خلاف بينهم فيما علمت أن من استهلك ذهبا أو وَرِقًا، أو طعاما مكيلا أو موزونا أنه عليه مثل ما استهلك من صنفه بوزنه وكيله على ظاهر قول الله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ «أنتهى، ونقل الاتفاق ابن رشد في بداية
стр. 1953
المجتهد (٢/ ٣١٧).
قلت: هذا إذا كان الذهب والفضة غير مصوغين أما المصوغ منهما فالظاهر أنه من القيمي، وذكر الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار ((٦/ ٧١) وهو بصدد ذكر أقوال مالك ﵀ في ضمان ما استهلك: «وعنه أيضا ما كان مكيلا أو موزونا فالقيمة وإلا فالمثل، قال في الفتح وهو المشهور عندهم»، انتهى.
قلت: هو في الفتح كما ذكره الشوكاني، والمشهور خلافه كما علمت، ويقال ما هي المثليات إذا لم يدخل فيها المكيلات والوزونات، كما كان عليه الأمر في غابر الأزمان؟
وفي المسألة حديث أنس ﵁ قال: «أهدت بعض أزواج النبي ﷺ إليه طعاما في قصعة فضربت عائشة ﵁ القصعة بيدها فألقت ما فيها، فقال النبي ﷺ : «طعام بطعام وإناء بإناء»، رواه الترمذي (١٣٥٩) وصححه، وهو في صحيح البخاري وعند بقية أصحاب السنن نحوه، وعند أبي داود والنسائي قول عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «قلت يا رسول الله ما كفارة ما صنعت»؟، قال: «إناء مثل إناء وطعام مثل طعام»، وفي سنده جسرة بنت دجاجة، لكن حسنه الحافظ في الفتح ((٥/ ١٥٥)، فقوله: إناء بإناء يدل على أن القيمي يضمن بمثله، ولا يضمن بالقيمة إلا إذا لم يوجد المثل، وهو رواية عن مالك أعني ضمان القيمي بالمثل إلا عند التعذر، ويؤيده رواية ابن أبي حاتم للحديث بلفظ: «من كسر شيئا فهو له وعليه مثله» انظر نيل الأوطار (٦/ ٧١)، ووجه ضمان القيمي بقيمته أن القيمي يعسر العثور على مثله من كل وجه فاللجوء إلى القيمة أولى، لكن يقال إن النبي ﷺ جعل القصعة في مقابل القصعة مع أنهما قد تكونان مختلفتين كما جعل الطعام في مقابل الطعام، ومن النادر أن يكون هذا مثل ذاك، بل قال الحافظ في الفتح: «وفي طرق الحديث ما يدل على أن الطعامين كانا مختلفين»، انتهى.
وقد استدل الغماري في مسالك الدلالة (ص ٢٧٢) على ضمان القيمي بقيمته بحديث ابن عمر مرفوعا: «من أعتق شركا له في عبد فإن كان معه ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه وأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق عليه ما عتق»، رواه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة، ثم قال مبينا وجه الاستدلال: «فأوجب القيمة في العبد بالإتلاف بالعتق لأن إيجاب مثله من جهة
стр. 1954
الخلقة لا يمكن لاختلاف الجنس الواحد في القيمة، فكانت القيمة أقرب إلى إبقاء حقه، ولأن ما لا يجوز الجزاف في عدد مبيعه فإنه لا يجب بإتلافه المثل»، انتهى.
قلت: ليس في الحديث دليل على ما ساقه له، أو ليس أن (المتلَف) هنا شقص في العبد يتعذر ضمان مثله، وليس لاختلاف الجنس فحسب، لأن إعطاء مالك الشقص مثلَه متوقف إما على البحث عمن يشركه في امتلاك شقص عبد آخر وهذا عسير، أو تعويض مالك الشقص بعبد كامل، وفي هذا جور على معتق الشقص، فلا مناص من اعتماد قيمة الشقص المملوك، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتقويم العبد، فلا يكون في الحديث دلالة على ما ذكره، وليس كل قيمي مثل العبد، وبهذا يظهر أن هذا الحديث ليس أقوى في الدلالة على الضمان بالقيمة من حديث القصعة، وإن رجح ذلك ابن عبد البر أيضا في الاستذكار (٧/ ١٤٩) بقوله: «والحديث في القضاء بالقيمة في الشقص من العبد أصح من حديث القصعة فهو أولى أن يمتثل، والله أعلم»، انتهى، أما قول الغماري إن ما لا يجوز الجزاف في عدد مبيعه لا يجب بإتلافه المثل، فإنها دعوى لا تسلم على إطلاقها، فإن الثياب مثلا لا يجوز بيعها جزافا، لكن من أتلف ثوبا جديدا وكان له نظير فَلِمَ لا يقال إنه يضمنه بمثله؟، وهكذا سائر العروض متى اتحدت نماذجها وتوفرت كما عليه الأمر الآن.
стр. 1955
• قوله:
٦٠ - «والغاصب ضامن لما غصب».
الغصب في اللغة أخذ الشيء ظلما، فهو فيها أعم منه عند الفقهاء، وقد عرف بأنه «أخذ مال قهرا عدوانا من غير حرابة»، وتعقب بدخول المنفعة فيه لأنها تقوم بالمال مع أنها لا تسمى غصبا، وراعى ذلك من حده بقوله هو» أخذ مال غير منفعة قهرا ظلما لا لخوف قتال»، فقيد غير منفعة يخرج التعدي الذي هو أخذ المنافع في الاصطلاح عندهم، وبقيد القهر تخرج السرقة فإنها تكون خفية، ومثلها ما أخذ على وجه الخيانة والاختلاس، وقوله ظلما يخرج أخذ المال قهرا لا ظلما كالزكاة يأخذها الحاكم المسلم من مانعها، وكأخذ المرء ماله من المحارب، وكبيع مال المدين المماطل المليء، كما يخرج أخذ المال غيلة فإنه لا قهر فيه، وخرج أخذ المال بالحرابة لأنه وإن كان غصبا فإنه يخالف أحكام الغصب، وأخرجوا عن أحكام الغصب أخذ الوالد مال ولده أو ولد ولده لأن له شبهة فيه.
والغصب داخل في أكل أموال الناس بالباطل، وقد جاء النهي عن ذلك والوعيد عليه في كتاب الله مما لا يخفى، ومن كلام رسول الله ﷺ في هذا المقام قوله في خطبته يوم النحر بمنى: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا»، رواه الشيخان عن أبي بكرة ﵁، وقال: «لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادا ولاعبا، وإذا أخذ عصا أخيه فليردها عليه»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي (٢١٦١) وحسنه عن السائب بن يزيد عن أبيه، وعن أنس ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه»، رواه الدارقطني، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يسيرون مع النبي ﷺ فنام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزع، فقال النبي ﷺ : «لا يحل لمسلم أن يروع مسلما»، رواه أبو داود، والغصب اجتمع فيه القهر والترويع وأخذ المال الحرام، وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت قال
стр. 1956
رسول الله ﷺ : «من ظلم شبرا من الأرض طوقه من سبع أرضين»، رواه الشيخان، وقوله «من ظلم شبرا» أي قَدْرَ شبر، وأوقع الظلم على الشبر مع أنه المأخوذ لا المظلوم زيادة في التشنيع، والمخلوقات غير العاقلة تتضرر بظلم بني آدم كما جاء ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ (٤٥)﴾ [فاطر: ٤٥]، روى ابن جرير عن أبي سلمة قال: سمع أبو هريرة رجلا وهو يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، قال: فالتفت إليه فقال: بلى والله، حتى إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم»، انتهى.
وقد كان الصحابة يتشددون في الابتعاد عما فيه شبهة فضلا عن المحرم، فعن محمد ابن سيرين أن أصحاب رسول الله ﷺ نزلوا بأهل ماء وفيهم أبو بكر الصديق، فانطلق النعمان فجعل يقول لهم يكون كذا وكذا، وهم يأتونه بالطعام واللبن ويرسل هو بذلك إلى أصحابه، فأخبر أبو بكر بذلك فقال: أراني آكل كهانة النعمان منذ اليوم، ثم أدخل يده في فمه فاستقاءه، وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنت في غزوة ذات السلاسل فذكر قسمته الجزور بين القوم وأنهم أعطوه منها، فأتى به إلى أصحابه فطبخوه فأكلوه، ثم سأله أبو بكر وعمر عنه فأخبرهما فقالا له: «والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا»، ثم قاما يتقيآن ما في بطونهما»، وعن مالك عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب شرب لبنا فأعجبه فسأل فأخبر أنه حلب له من لبن الصدقة، فأدخل عمر أصبعه فاستقاء، ودخل معمر على أهله فإذا عندها فاكهة فأكل منها ثم سأل عنها فقالت له: أهدتها إلينا فلانة النائحة فقام معمر فتقيا ما أكل»، ذكرها كلها ابن حزم ﵀ في المحلى (٨/ ١٤٣).
أما أن الغاصب ضامن لما غصب فهذا لا خلاف فيه، فإنه معتد بالغصب، فأقل ما يجب عليه رد المغصوب بذاته لمن غصب منه، والمشهور أن الضمان يعتبر وقت الغصب إن فات المغصوب، وقيل إن الضمان يكون بالأكثر من يوم الغصب إلى يوم التلف، لأن كل المدة التي قضاها المغصوب عند الغاصب مشمولة بحكم الغصب، وهو قول أشهب وابن وهب وعبد الملك، وهذا وجيه جدا.
стр. 1957
أما الاستدلال على لزوم الضمان بقول النبي ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى تؤدي»، رواه أصحاب السنن الأربعة من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعا وحسنه الترمذي، فإنه في رد الموجود من المأخوذ وديعة كان أو عارية، لكن ليس فيه دليل على ضمان كل مأخوذ، ولا شك أن المغصوب يضمن ولا يسوى بينه وبين العارية والوديعة والرهن متى كان تلف هذه الثلاثة من غير تفريط.
стр. 1958
• قوله:
٦١ - «فإن رد ذلك بحاله فلا شيء عليه».
قوله: فلا شيء عليه»، يعني أن الغاصب لا يؤخذ منه أكثر مما غصبه إن كان المغصوب قائما، وليس المراد أنه غير آثم، ولا أن الحاكم لا يؤدبه باجتهاده على ما ارتكب من الغصب، بل إنه لا يعفى عنه ولو سامحه المغصوب منه لكون التأديب فيه دفع للفساد، وهو حق الله تعالى، كما يجب عليه التوبة والاستغفار، قالوا ويؤدب الصبي إذا غصب أو سرق أو زنى لأجل الفساد لا لكون ذلك محرما عليه.
стр. 1959
• قوله:
٦٢ - «وإن تغير بيده فربه مخير بين أخذه بنقصه أو تضمينه القيمة».
تغير المغصوب إما أن يكون بأمر سماوي لا دخل لأحد فيه، أو بفعل الغاصب، فإن كان الأول ولو كان النقص كبيرا خير المغصوب منه بين أخذه كما هو أو تضمين الغاصب قيمته يوم الغصب، فلو أن رجلا اغتصب سيارة قيمتها يوم الغصب مليون دينار، فوقعت عليها صخرة أفسدت غطاء محركها، فلربها أن يأخذها كما هي من غير أرش العيب، أو يعطيه الغاصب مليون دينار ويمسكها.
стр. 1960
• قوله:
٦٣ - «ولو كان النقص بتعديه خير أيضا في أخذه وأخذ ما نقصه، وقد اختلف في ذلك».
هذه حالة تعدي الغاصب على المغصوب، ولا فرق فيه بين الخطإ والعمد، فيخير المغصوب منه بين أخذه مع أرش النقص الذي لحقه، وبين أخذ قيمته يوم الغصب، والمؤلف قد حذف أحد شقي التعبير، وتعليل ذلك أن العيب اللاحق بالمغصوب هنا هو تعد جديد، بخلاف ما لو كان النقص بسماوي، وهذا قول ابن القاسم.
فمثلا لو غصب امرؤ سيارة قيمتها يوم الغصب مليون دينار فسافر بها الغاصب فأتلف شيئا فيها فقوم التلف بمائتي ألف دينار، فلصاحب السيارة أن يأخذها مع ما نقص من قيمتها، وهوالمائتا ألف دينار، وبين أخذ قيمتها يوم الغصب، وهي مليون دينار، وقيل ليس له إلا أخذه بحاله أو أخذ قيمته يوم الغصب كما في الصورة التي قبل هذه، لأنه لا يضمن بقيمته يوم الجناية اللاحقة، وإنما يضمن بها يوم الغصب، فالتعدي مسبوق بالضمان، فلا يحدث له حكم آخر، وهو قول ثان لابن القاسم وسحنون وأشهب، والأول عندهم هو الراجح.
стр. 1961
• قوله:
٦٤ - «ولا غلة للغاصب، ويرد ما أكل من غلة أو انتفع».
كلام الشيخ ظاهر في رد الغاصب الغلة مطلقا لا فرق بين كون المغصوب ربعا أو حيوانا أو غيرهما، ولا بين كون الغلة متولدة من المغصوب أولا، ووجهه أن الغلة نماء ملك المغصوب منه فتعطى حكمه، فكما يجب رد العين المغصوبة للمالك فكذلك يجب رد غلتها وريعها إليه، ومثال أكل غلة المغصوب أن يغتصب أرضا مشجرة فيأكل ثمرتها، أو يساقي بها، ومثال الانتفاع أن يغتصب دارا أو سيارة فيسكنها أو يكريها، وهذا القول هو رواية أشهب وابن زياد عن مالك، وعليه درج خليل حيث قال: «وله هدم بناء عليه وغلة مستعمل وصيد عبد وجارح وكراء أرض بنيت كمركب نخر وأخذ ما لا عين له قائمة وصيد شبكة وما أنفق في الغلة»، انتهى.
قال الدردير شارحا قوله وغلة مستعمل: «رُجح حمله على العقار من دور ورباع وأرض سكنها أو زرعها أو (أكراها) دون الحيوان المستعمل الذي نشأ عن استعماله غلة ككراء الدابة أو العبد أو استعمالهما لأنه مذهب المدونة فيضمن في العقار إذا استعمل وإلا فلا، ولا يضمن في الحيوان إلا ما نشأ من غير استعمال كلبن وصوف، والأرجح حمله على ظاهره من العموم»، انتهى، والذي عناه الدردير بقوله رجح حمله على العقار،،، الخ، هو قول ابن القاسم في المدونة، حيث قصر رد الغلة على ما كان من غير تحريك الغاصب كنسل الحيوان واللبن والصوف ومنفعة العقار، فهذا يرد لربه إن كان موجودا أو مثله إن كان مثليا وإلا فقيمته.
والحجة للقول الأول حديث يحي بن عروة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «من أحيا أرضا ميتة فهي له»، قال أبو داود وذكر مثله، قال: فلقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ : غرس أحدهما نخلا في أرض للآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال: «فلقد رأيتها وإنها
стр. 1962
لتضرب أصولها بالفؤوس وإنها لنخل عُمّ حتى أخرجت منها»، رواه أبو داود (٣٠٧٤)، وقوله وذكر مثله يريد ما جاء في حديث سعيد بن زيد الذي أورده قبله وفيه: «ليس لعرق ظالم حق»، وقد شاركه في روايتها أصحاب السنن عن سعيد بن زيد، وقد حسنه الحافظ في بلوغ المرام، وقوله وإنها لنخل عم هو بضم العين قال الخطابي: «عم طوال جمع عميم، ورجل عميم إذا كان تام الخلق»، انتهى، وقوله: «لعرق ظالم» هو بإضافة العرق للظالم، وبالتنوين فيكون وصفا لعرق، والأول أولى لأنه حقيقة وهي مُقَدَّمَةٌ، والثانية مجاز، وإن أنكر الإضافة الخطابي كما نقله عنه محمد حامد الفقي فيما علقه على بلوغ المرام، ولم أجده في المعالم، ولعله في كِتَابه غلط المحدثين، والمراد بعرق الظالم ما يغرسه الغاصب في أرض هي ملك لغيره، فهذا ليس له فيه حق، ومثله ما احتفر فيها من الآبار، وما استخرج منها من المعادن، وما بني عليها من المباني، أو شق فيها من الطرق، فالأصل في هذا كله أنه ملك لصاحب الأرض، والله أعلم.
والحديث وإن كان في الأرض بالنظر إلى سبب وروده فإن غير الأرض مثلها بجامع الغصب، قال الشوكاني في السيل الجرار (٣/ ٣٥٢): «ومن خالف في ذلك فليس بيده رواية ولا دراية»، انتهى، لكن الشوكاني ﵀ مال في نيل الأوطار (٥/ ٣٢٧) إلى خلاف هذا حيث قال: «قيل عن هذا الحكم - يعني الخراج بالضمان - مختص بمن له ملك في العين التي انتفع بخراجها كالمشتري الذي هو سبب ورود الحديث، وإلى ذلك مال الجمهور، وقالت الحنفية إن الغاصب كالمشتري قياسا، ولا يخفى ما في هذا القياس، لأن الملك فارق يمنع الإلحاق، والأولى أن يقال إن الغاصب داخل تحت عموم اللفظ ولا عبرة بخصوص السبب كما تقرر في الأصول»، انتهى، قال كاتبه: أنكر العلامة الشوكاني دخول غلة المغصوب بالقياس، وأدخلها بعموم اللفظ، فكان كما قال ذلك الأعرابي الذي قدم وأخر في الآيتين الأخيرتين من سورة الزلزال، فلما روجع في ذلك قال وهو مخطئ على كل حال:
خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه … كلا طرفي هرشى لهن طريق
إن دخول الغاصب في العموم حق بناء على ما عليه جمهور أهل الأصول، لكن غصب الأرض خرج بقوله ﷺ : «وليس لعرق ظالم حق»، وغير الأرض يخرج بالإلحاق،
стр. 1963
ولعل الشوكاني إنما كان بصدد تقرير القاعدة ولا يمنع تقريرها من التخصيص كما علمت.
وروى أحمد وأصحاب السنن الأربعة غير النسائي وحسنه الترمذي عن رافع بن خديج ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وله نفقته»، فهذا مخصص لحديث عروة السابق كما ترى، وإذا زادت النفقة على المغصوب فليس للغاصب شيء زيادة على ذلك.
والذي تقدم من ضمان الغلة إنما هو فيما إذا استعمل الذات المغصوبة، أما لو عطل ما اغتصبه كأن أقفل الدار وحبس الدابة وبور الأرض وترك العبد دون استخدام فلا ضمان عليه في شيء من ذلك عندهم وفيه نظر، لأنه بالغصب فوت ما في المغصوب من المنافع على صاحبه، أما لو غصب المنفعة - وهو المسمى بالتعدي - فإنه يضمن قيمتها ولو لم يستعمل ذا المنفعة بل عطله.
стр. 1964
• قوله:
٦٥ - «وعليه الحد إن وطئ، وولده رقيق لرب الأمة».
وهذا لأنه زان، إذ أنها ليست زوجته ولا مملوكته، ولا حلالَ من الفروج غير هاتين، أما أن الولد رقيق فعلى الأصل، فإنه تابع لأمه، ولو كان أبوه حرا ما لم يكن مالكا، فكيف وهو زان؟، ولو قال المؤلف وولدها رقيق لكان أولى لبعده عن الإيهام، إذ لا توارث بين الزاني وما نشأ من مائه، وإنما يرث ولد الزنا أمه.
стр. 1965
• قوله:
٦٦ - «ولا يطيب لغاصب المال ربحه حتى يرد رأس المال على ربه».
هذا بناء على أن الربح الناشئ عن المال المغصوب حلال كمن غصب نقودا فاتجر بها فحصل منها ربح، فإنه لما كان ضامنا للأصل كانت الغلة له، وقد تمسكوا في هذا بعموم قوله ﷺ : «الخراج بالضمان»، رواه أصحاب السنن عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، وقد علمت أنه وارد فيما قبض بإذن الشرع فيه، قال الشيخ زروق: «وهذا عام في كل شيء أخذ بوجه جائز»، انتهى، لكن هل يخص هذا العموم بالسبب أم العبرة بعموم لفظه؟، قال الشوكاني في السيل الجرار (٣/ ٣٥٢): «لا يخفاك أنه وارد في غير مقبوضه (الصواب: في عين مقبوضة) بإذن الشرع فكيف يصح إلحاق العين المغصوبة بها؟، ومعلوم أن الغاصب ضامن على كل حال فكيف يستحق عوضا وهو الخراج في مقابل ضمانه»، انتهى، وقد تقدم قوله الذي تمسك فيه بعموم اللفظ، وقد قيل بالكراهة وقيل بالحرمة، وهذا هو الأقوى لأنه نشأ عن حرام ولو كان محتاجا إلى تحريك وعمل فإذا لم تطب به نفس مالك أصله فإنه لا يجوز له أخذه.
следующие страницы →