← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

• قوله: ٦٤ - «ولا غلة للغاصب، ويرد ما أكل من غلة أو انتفع». كلام الشيخ ظاهر في رد الغاصب الغلة مطلقا لا فرق بين كون المغصوب ربعا أو حيوانا أو غيرهما، ولا بين كون الغلة متولدة من المغصوب أولا، ووجهه أن الغلة نماء ملك المغصوب منه فتعطى حكمه، فكما يجب رد العين المغصوبة للمالك فكذلك يجب رد غلتها وريعها إليه، ومثال أكل غلة المغصوب أن يغتصب أرضا مشجرة فيأكل ثمرتها، أو يساقي بها، ومثال الانتفاع أن يغتصب دارا أو سيارة فيسكنها أو يكريها، وهذا القول هو رواية أشهب وابن زياد عن مالك، وعليه درج خليل حيث قال: «وله هدم بناء عليه وغلة مستعمل وصيد عبد وجارح وكراء أرض بنيت كمركب نخر وأخذ ما لا عين له قائمة وصيد شبكة وما أنفق في الغلة»، انتهى. قال الدردير شارحا قوله وغلة مستعمل: «رُجح حمله على العقار من دور ورباع وأرض سكنها أو زرعها أو (أكراها) دون الحيوان المستعمل الذي نشأ عن استعماله غلة ككراء الدابة أو العبد أو استعمالهما لأنه مذهب المدونة فيضمن في العقار إذا استعمل وإلا فلا، ولا يضمن في الحيوان إلا ما نشأ من غير استعمال كلبن وصوف، والأرجح حمله على ظاهره من العموم»، انتهى، والذي عناه الدردير بقوله رجح حمله على العقار،،، الخ، هو قول ابن القاسم في المدونة، حيث قصر رد الغلة على ما كان من غير تحريك الغاصب كنسل الحيوان واللبن والصوف ومنفعة العقار، فهذا يرد لربه إن كان موجودا أو مثله إن كان مثليا وإلا فقيمته. والحجة للقول الأول حديث يحي بن عروة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «من أحيا أرضا ميتة فهي له»، قال أبو داود وذكر مثله، قال: فلقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ : غرس أحدهما نخلا في أرض للآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال: «فلقد رأيتها وإنها

стр. 1962

لتضرب أصولها بالفؤوس وإنها لنخل عُمّ حتى أخرجت منها»، رواه أبو داود (٣٠٧٤)، وقوله وذكر مثله يريد ما جاء في حديث سعيد بن زيد الذي أورده قبله وفيه: «ليس لعرق ظالم حق»، وقد شاركه في روايتها أصحاب السنن عن سعيد بن زيد، وقد حسنه الحافظ في بلوغ المرام، وقوله وإنها لنخل عم هو بضم العين قال الخطابي: «عم طوال جمع عميم، ورجل عميم إذا كان تام الخلق»، انتهى، وقوله: «لعرق ظالم» هو بإضافة العرق للظالم، وبالتنوين فيكون وصفا لعرق، والأول أولى لأنه حقيقة وهي مُقَدَّمَةٌ، والثانية مجاز، وإن أنكر الإضافة الخطابي كما نقله عنه محمد حامد الفقي فيما علقه على بلوغ المرام، ولم أجده في المعالم، ولعله في كِتَابه غلط المحدثين، والمراد بعرق الظالم ما يغرسه الغاصب في أرض هي ملك لغيره، فهذا ليس له فيه حق، ومثله ما احتفر فيها من الآبار، وما استخرج منها من المعادن، وما بني عليها من المباني، أو شق فيها من الطرق، فالأصل في هذا كله أنه ملك لصاحب الأرض، والله أعلم. والحديث وإن كان في الأرض بالنظر إلى سبب وروده فإن غير الأرض مثلها بجامع الغصب، قال الشوكاني في السيل الجرار (٣/ ٣٥٢): «ومن خالف في ذلك فليس بيده رواية ولا دراية»، انتهى، لكن الشوكاني ﵀ مال في نيل الأوطار (٥/ ٣٢٧) إلى خلاف هذا حيث قال: «قيل عن هذا الحكم - يعني الخراج بالضمان - مختص بمن له ملك في العين التي انتفع بخراجها كالمشتري الذي هو سبب ورود الحديث، وإلى ذلك مال الجمهور، وقالت الحنفية إن الغاصب كالمشتري قياسا، ولا يخفى ما في هذا القياس، لأن الملك فارق يمنع الإلحاق، والأولى أن يقال إن الغاصب داخل تحت عموم اللفظ ولا عبرة بخصوص السبب كما تقرر في الأصول»، انتهى، قال كاتبه: أنكر العلامة الشوكاني دخول غلة المغصوب بالقياس، وأدخلها بعموم اللفظ، فكان كما قال ذلك الأعرابي الذي قدم وأخر في الآيتين الأخيرتين من سورة الزلزال، فلما روجع في ذلك قال وهو مخطئ على كل حال: خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه … كلا طرفي هرشى لهن طريق إن دخول الغاصب في العموم حق بناء على ما عليه جمهور أهل الأصول، لكن غصب الأرض خرج بقوله ﷺ : «وليس لعرق ظالم حق»، وغير الأرض يخرج بالإلحاق،

стр. 1963

ولعل الشوكاني إنما كان بصدد تقرير القاعدة ولا يمنع تقريرها من التخصيص كما علمت. وروى أحمد وأصحاب السنن الأربعة غير النسائي وحسنه الترمذي عن رافع بن خديج ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وله نفقته»، فهذا مخصص لحديث عروة السابق كما ترى، وإذا زادت النفقة على المغصوب فليس للغاصب شيء زيادة على ذلك. والذي تقدم من ضمان الغلة إنما هو فيما إذا استعمل الذات المغصوبة، أما لو عطل ما اغتصبه كأن أقفل الدار وحبس الدابة وبور الأرض وترك العبد دون استخدام فلا ضمان عليه في شيء من ذلك عندهم وفيه نظر، لأنه بالغصب فوت ما في المغصوب من المنافع على صاحبه، أما لو غصب المنفعة - وهو المسمى بالتعدي - فإنه يضمن قيمتها ولو لم يستعمل ذا المنفعة بل عطله.

стр. 1964

• قوله: ٦٥ - «وعليه الحد إن وطئ، وولده رقيق لرب الأمة». وهذا لأنه زان، إذ أنها ليست زوجته ولا مملوكته، ولا حلالَ من الفروج غير هاتين، أما أن الولد رقيق فعلى الأصل، فإنه تابع لأمه، ولو كان أبوه حرا ما لم يكن مالكا، فكيف وهو زان؟، ولو قال المؤلف وولدها رقيق لكان أولى لبعده عن الإيهام، إذ لا توارث بين الزاني وما نشأ من مائه، وإنما يرث ولد الزنا أمه.

стр. 1965

• قوله: ٦٦ - «ولا يطيب لغاصب المال ربحه حتى يرد رأس المال على ربه». هذا بناء على أن الربح الناشئ عن المال المغصوب حلال كمن غصب نقودا فاتجر بها فحصل منها ربح، فإنه لما كان ضامنا للأصل كانت الغلة له، وقد تمسكوا في هذا بعموم قوله ﷺ : «الخراج بالضمان»، رواه أصحاب السنن عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، وقد علمت أنه وارد فيما قبض بإذن الشرع فيه، قال الشيخ زروق: «وهذا عام في كل شيء أخذ بوجه جائز»، انتهى، لكن هل يخص هذا العموم بالسبب أم العبرة بعموم لفظه؟، قال الشوكاني في السيل الجرار (٣/ ٣٥٢): «لا يخفاك أنه وارد في غير مقبوضه (الصواب: في عين مقبوضة) بإذن الشرع فكيف يصح إلحاق العين المغصوبة بها؟، ومعلوم أن الغاصب ضامن على كل حال فكيف يستحق عوضا وهو الخراج في مقابل ضمانه»، انتهى، وقد تقدم قوله الذي تمسك فيه بعموم اللفظ، وقد قيل بالكراهة وقيل بالحرمة، وهذا هو الأقوى لأنه نشأ عن حرام ولو كان محتاجا إلى تحريك وعمل فإذا لم تطب به نفس مالك أصله فإنه لا يجوز له أخذه.

стр. 1966

• قوله: ٦٧ - «ولو تصدق بالربح كان أحب إلى بعض أصحاب مالك، وفي باب الأقضية شيء من هذا المعنى». هذا بناء على القول بأن أخذ الربح مكروه كراهة تنزيه، والقول بالتصدق بربح المغصوب لأشهب ﵀، ووجهه عدم حل الأصل، ولما في الربح من الشبهة، ولأن التصدق به مما يرجى معه أن يكون فيه كفارة لما اقترفه الغاصب من إثم الغصب، فإن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والمشهور عندهم أنه مع رد الأصل يطيب له الربح. قال كاتبه: لو علمت من قال بأن للغاصب الذي استغل المغصوب أجر مثله داخل حدود الربح ويرد على المغصوب منه ما فضل لقلت به، والله أعلم.

стр. 1967

٣٧ - باب في أحكام الدماء والحدود المراد بالدماء القتل وهو خطأ وعمد، ويدخل في الباب قطع الأعضاء والجراح والشجاج عمدها وخطؤها، أما أحكامها فما يترتب على الفاعل من القَوَدِ والقصاص والدية، والقَوَدُ من قولك استقدت الحاكم من القاتل فأقادني منه، أي طلبت منه أن يقتله ففعل، والدية مصدر ودى القاتلُ القتيلَ يَديه دِيَةً إذا أعطى وليه المال الذي شرع إعطاؤه في مقابل النفس، وتسمية المال دية من باب التسمية بالمصدر كما في الهبة، ويدخل في الدية غرة إسقاط الجنين. والقصاص يشمل القصاص في النفس والقصاص في الأطراف والجراح، وخص بعضهم الأول بالقود. أما الحدود فجمع حد، وهو في اللغة المنع، وفي الشرع ما فرض لمنع الجاني من العود لمثل فعله وزجر غيره، والمراد بيان أسبابها وهي الردة والحرابة والزنا والقذف والشرب والسرقة، وبيان ما تثبت به، وذكر تقاديرها ولوازمها وما يلحق بها من الأدب والتعزير والكفارة. ومما شرعت الحدود له زيادة على ما فيها من الردع والزجر أنها كفارات لما ارتكب من استوجبها، يدل على ذلك قول النبي ﷺ في حديث عبادة بن الصامت قال، قال رسول الله: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه»، رواه الشيخان، وقال النبي ﷺ : «أيما عبد أصاب شيئا مما نهى الله عنه، ثم أقيم عليه حده، كفر عنه ذلك الذنب»، رواه أحمد والحاكم والدارمي عن خزيمة بن ثابت، وهو في الصحيحة برقم (١٧٥٥)، ولهذا المعنى أثر عن بعض من بدر منه شيء من ذلك كالزنا حرصهم على أن يقام عليه الحد ليقينه بما فيه من المصلحة له، بتطهيره من الذنب، كالغامدية وماعز.

стр. 1968

• قوله: ٠١ - «ولا تقتل نفس بنفس إلا ببينة عادلة أو باعتراف أو بالقسامة إذا وجبت». حفظ الكليات مما اتفقت عليه الشرائع، وهي الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والعرض، والمال، فكان عقاب المرتد والزنديق والساحر والقاتل القتل، ومن شرب أو قذف الجلد، ومن زنى الجلد والرجم، ومن سرق القطع، فالحدود كلها لحفظ هذه الكليات، وكذلك غيرها من الأحكام. والقتل قسمان: خطأ وعمد، وكل منهما في القرآن، وللخطإ صور كثيرة يجمعها كلها عدم القصد إلى القتل، منها أن يرمي المشركين فيقتل مسلما، أو يريد قتل من يستحق القتل من زان أو مرتد فيصيب بريئا، أو يرمي صيدا فيصيب امرأ، ولعل منه أن يتهاون في إصلاح سيارته كالعجلات والمكبح فيموت معه أحد بانقلابها، أو يتجاوز السرعة المحددة، أو لا يتوقف عند موضع توقف، أو يحمل امرأ في شاحنة ليست محمية بالجوانب فيسقط ويموت، ونحو ذلك، وليس منه أن تكون سيارته واقفة فيضربها شخص بسيارته فيموت، أو يصدمه شخص وهو في طريقه على اليمين فيموت، أو يرمي شخص بنفسه أمام السيارة فتقتله ونحو ذلك. والعمد ما توفر فيه القصد إلى القتل، وكان بما يقتل به كالسيف والخنجر، وذهب مالك إلى أن من قتل بما لا يقتل بمثله غالبا مع قصده الضرب كالعضة واللطمة وضربة السوط والقضيب وشبه ذلك فإنه قتل عمد فيه القود، وهو عند الجمهور داخل في شبه العمد وهو الصواب. وشبه العمد عندهم هو ما إذا قصد الضرب ولم يرد القتل، وقد ذكر القول به

стр. 1969

عن مالك، وهو قول ابن وهب من أصحابه، وقد جاء هذا في غير حديث، من ذلك قول رسول الله ﷺ : «ألا إن دية الخطإ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا: مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها»، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان من حديث عبد الله بن عمرو، وهو طرف من حديث في خطبة النبي ﷺ يوم الفتح بمكة، انظر الإرواء (ح/ ٢١٩٧)، وليس بين شبه العمد والخطإ غير التشديد في الدية. وقد ذكر مالك أمثلة للعمد عنده في الموطإ باب ما يجب في العمد ومما قاله: «والأمر المجتمع عليه الذي لا اختلاف فيه عندنا أن الرجل إذا ضرب الرجل بعصا، او رماه بحجر، أو ضربه عمدا، فمات من ذلك، فإن ذلك هو العمد وفيه القصاص،،،»، انتهى، وقد رجح القرطبي الرواية التي عن مالك بإثبات شبه العمد فقال: «وهو الصحيح، فإن الدماء أحق ما احتيط لها إذ الأصل صيانتها في أهبها، فلا تستباح إلا بأمر بَيّنٍ لا إشكال فيه، وهذا فيه إشكال، لأنه لما كان مترددا بين العمد والخطإ حكم له بشبه العمد، فالضرب مقصود، والقتل غير مقصود، وإنما وقع بغير القصد فيسقط القَوَدُ وتغلظ الدية»، انتهى، ومهما يكن فقد قال مالك بتغليظ الدية في قتل الرجل ولده اتباعا لما في قصة المدلجي الذي ضرب ابنه بالسيف فقتله، وسيذكره المؤلف في أسباب تغليظ الدية. والقتل العمد من أكبر الكبائر لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣] والمراد خلود من استحل القتل، أو يكون المراد بالخلود طول البقاء كما في قول الشاعر: «ألا لا أرى على الحوادث باقيا … ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا» وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ

стр. 1970

كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا (٣٢)﴾ [المائدة: ٣٢]، وقال النبي ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول لله وما هن؟، قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات»، رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁، وهو شامل لقتل كل نفس بغير حق مؤمنة كانت أو كافرة غير الكافر الحربي، وقال النبي ﷺ : «أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة»، رواه الطبراني والضياء في المختارة عن أنس ﵁، وعدم قبول توبة القاتل عمدا قول ابن عباس ومالك، ولأن شرط التوبة من مظالم العباد تحللهم منها ورد تبعاتها ولا سبيل للقاتل إلى ذلك حيث لم يدرك المقتول فيعفو عنه، ولا داعي لحمل الحديث المذكور على المستحل لقتله، ولا على الزجر، لكن ليس معنى كونه لا توبة له أنه مخلد في النار كما تقول الخوارج والمعتزلة، ولا أن ذلك الذنب لا يغفر له، لأن أسباب مغفرة الذنوب كثيرة لا تنحصر في التوبة، فإن منها ما يرجع إلى كسب الإنسان وفعله، ومنها ما يرجع إلى ما يبتليه الله به في حياته فيكون سببا في غفران ذنوبه، ومنها ما يرجع إلى استغفار غيره له وشفاعته فيه بإذن ربه، وقد قال ﵊: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، ومنها ما يصيبه في القبر وعرصات القيامة من العذاب والشدة والضيق. وقال النبي ﷺ : «لن يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما»، رواه البخاري (٦٨٦١) عن ابن عمر، وفي رواية «في فسحة من ذنبه»، الفسحة السعة، ومعنى الأولى سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره، ومعنى الثانية قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول»، قاله ابن العربي في القبس (٣/ ٩٧٨)، وهو في فتح الباري، وقال ابن عمر: «إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام من غير حله»، رواه البخاري، والورطات بمفتوحتين جمع ورطة بسكون الراء هي الهلاك، والمراد عدم نجاة من وقع فيما ذكر،

стр. 1971

قال الحافظ: «وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال لمن قتل عامدا بغير حق: «تزود من الماء البارد فإنك لن تدخل الجنة»، انتهى، وفي سنن الترمدي (١٣٩٥) عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم»، وجعله في صحيح الجامع الصغير عن عبد الله بن عمر فانظره، وفيه أيضا عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لو أن أهل السموات وأهل الأرض اشتركوا في دم رجل مؤمن لأكبهم الله في النار»، قال الترمذي غريب يعني ضعيفا، وهو في صحيح الجامع الصغير، وهو صالح للاحتجاج به على قتل الجماعة يشتركون في قتل الواحد. ولعظيم خطر الدماء كانت أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة، كما جاء ذلك عن النبي ﷺ فيما رواه الشيخان عن عبد الله بن مسعود، ولا تعارض بين هذا وبين كون أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة كما رواه الترمذي، فإن هذا في حقوق الله تعالى، وذاك في حقوق المخلوقين. وكما يحرم قتل المؤمن يحرم قتل الكافر الذمي والمستأمن، وهو من الكبائر أيضا لقول النبي ﷺ : «من قتل معاهدا لم يرَح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما»، رواه البخاري والنسائي وغيرهما عن عبد الله بن عمرو ﵁، لم يرح بفتح الراء يقال راح يريح ويراح لم يشم ريحها، وعن أبي بكرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «من قتل نفسا معاهدة بغير حلها حرم الله عليه الجنة أن يشم ريحها»، رواه أحمد والنسائي. كما حرم الله أن يقتل المرء نفسه ابتداء أو بترك ما يضطر إليه من المحرمات كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها، قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، وقال النبي ﷺ : «من قتل نفسه بحديدة فحديدته يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا»،

стр. 1972

رواه الشيخان وبعض أصحاب السنن، ومعنى يتوجأ بها يضرب بها نفسه، ويتحساه يشربه، فتأمل رحمك الله كيف كان جزاؤه من جنس عمله فلما فاته القصاص في الدنيا اقتص الله تعالى منه في الآخرة بقتله نفسه بما قتلها به في الدنيا، وفيه إشارة خفية إلى أن قتل النفس قد يكون أعظم من قتل الغير، بل جاء ما يدل على أن المرء متى أفسد عضوا من أعضائه فإنه يبقى يوم القيامة على الصفة التي مات عليها عقوبة له، فقد روى أحمد ومسلم عن جابر قال: لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص فقطع بها براجمه فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه وهيئته حسنة، ورآه مغطيا يديه، فقال له: «ما صنع بك ربك»؟، قال: «غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ »، فقال: «ما لي أراك مغطيا يديك؟، قال: «قيل لي: «لن نصلح منك ما أفسدت»، فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «وليديه فاغفر»، وفي صحيح البخاري عن جندب ﵁ عن النبي ﷺ فيمن جرح فجزع فأخذ سكينا فخز بها يده فما رقأ الدم حتى مات، قال الله : بادرني عبدي بنفسه فحرّمت عليه الجنة». ولمنع هذا الخطر وردع المقدمين عليه، شرع الله تعالى القصاص وقال في شأنه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٨ - ١٧٩]، والمراد مما في الأولى قصر القصاص على القاتل فلا يتعدى إلى غيره كما كان عليه العرب، قال القرطبي في تفسيره (٢/ ٢٥١): «المراد بالقصاص في الآية قتل من قتل كائنا من كان، ردا على العرب التي كانت تريد أن تَقْتُلَ بمن قُتِلَ من لم يَقْتُلْ، وتقتل في مقابلة الواحد مائة افتخارا واستظهارا بالجاه والمقدرة، فأمر الله بالعدل والمساواة، وذلك بأن يُقْتَلَ من قَتَلَ،،،»، انتهى، وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ

стр. 1973

وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]، هذه مثل الأولى ليست بمعزل عن غيرها من الأدلة التي يتعين أن يؤخذ الحكم من مجموعها، فإن الكل من عند الله لا يصح أن يضرب دليل بدليل، لا كتاب بكتاب، ولا سنة بسنة، ولا سنة بكتاب، ولا كتاب بسنة. وقد بين النبي ﷺ الحالة التي يجوز فيها قتل المسلم - والذي يتولى ذلك الحاكم في قوله: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق لجماعة»، رواه الشيخان، قوله ﷺ والنفس بالنفس، هذا هو الأصل، لكن جاء ما يستند إليه في تكافؤ الدماء على ما يأتي، وقوله والتارك لدينه يعني المرتد بأي سبب من الأسباب، أما المفارق للجماعة فيتناول كل خارج عن الجماعة ببدعة مكفرة أو بغي أو حرابة كما سيأتي. وقول المؤلف: «ولا تقتل نفس بنفس إلا ببينة عادلة،،،»، هذا في القتل العمد، قال رسول الله ﷺ : «العمد قَوَدٌ والخطأ دية» رواه الطبراني عن عمرو بن حزم وهو في الصحيحة برقم (١٩٨٦). وأركان القصاص ثلاثة: الأول الجاني، والثاني المجني عليه، والثالث الجناية، وشرط الأول التكليف وعصمة الدم، فخرج الصبي والمجنون والحربي، لأنه إن لم يسلم قتل، لكن قتله ليس قصاصا، وإن أسلم جب الإسلام ما قبله، والمكافأة للمقتول، فلا يقتل المسلم بالكافر الذمي ولا الحر بالعبد، كما لا يقتل الوالد بولده إلا في قتل الغيلة، وشرط المجني عليه عصمة دمه، وشرط الجناية العمد العدوان، وسيفصل المؤلف ذلك، وقد علمت أن قوله تعالى عن القصاص في القتلى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ لا دليل فيه مثلا على عدم قتل الذكر بالأنثى، ولا على عدم قتل الحر بالعبد، بل مرد ذلك إلى النصوص الأخرى، وسيأتي ذكرها في موضعها

стр. 1974

إن شاء الله تعالى. وأول ما يثبت به القتل البينة، وهي ما يبين الحق ويظهره، شهادة كانت أو غيرها، وهو يريد بها هنا خصوص الشهادة، وأقل ذلك شهادة رجلين عدلين، يشهدان على أنه قتله، ويتفقان في الوصف، فلو قال أحدهما قتله بالخنجر، وقال الآخر بحجر لم تقبل الشهادة، ولا يثبت القتل برجل وامرأتين كما هو الشأن في الأموال المنصوص عليها بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، لكنهم إنما اشترطوا الرجلين في ثبوت القتل الموجب للقصاص، أما إذا آل الأمر إلى قبول الدية من الأولياء فيكتفى برجل وامرأتين كما قاله ابن شاس في الجواهر، ووجهه والله أعلم أن الشهادة مع استبعاد القصاص صارت من قبيل إثبات حق مالي وإن كان سببه القتل. والأمر الثاني: إقرار الجاني بجنايته بأن يشهد رجلان على ذلك، بشرط أن يكون مختارا، فإن أكره على الإقرار فلا عبرة باعترافه، ومثل المكره الصبي والمجنون، وإقرار المكلف على نفسه أقوى أدلة الثبوت لأن العاقل لا يكذب على نفسه كذبا يضر بها، ولأن النبي ﷺ اعتمد في إثبات الحد على اعتراف الغامدية وماعز وغيرهما، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقال: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾. [الأنعام: ١٣٠] والثالث: القسامة، بيد أنها ليست بينة بنفسها بل متى قبلها الأولياء وصحبها ما لا بد منه، مما ينبغي أن يتوفر في الجاني، من التكليف والكفاءة وعدم الوالدية، وعدم عفو بعض الأولياء، وبشرط أن يكون الحالفون رجالا، وأن يكونوا اثنين فأكثر في استحقاق القصاص، ولذلك قال: «إذا وجبت»، أي إذا تعينت طريقا لإثبات القتل، بأن قبلها أولياء

стр. 1975

المقتول، وانضم إليها ما يلزم من اللوث الذي سيأتي بيانه. ومعنى القسامة الأيمان التي توزع على أولياء القتيل المدعين للدم، وقد وَقَّتَهَا الشارع بخمسين يمينا يحلفها أولياء القتيل فيثبت لهم الدم، والدليل على ثبوت الدم بالقسامة حديث سهل بن أبي حثمة أنه أخبره رجال من كبراء قومه أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جَهد أصابهم، فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل، وطرح في فقير بئر أو عين، فأتى يهود فقال: «أنتم والله قتلتموه»، فقالوا: «والله ما قتلناه»، فأقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن فذهب محيصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر فقال رسول الله ﷺ : «كَبّرْ، كَبّرْ»، يريد السن، فتكلم حويصة، ثم تكلم محيصة، فقال رسول الله ﷺ : «إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يأذنوا بحرب»، فكتب إليهم رسول الله ﷺ في ذلك، فكتبوا: «إنا والله ما قتلناه»، فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم»، فقالوا: «لا»، قال: «أفتحلف لكم يهود»؟، قالوا: «ليسوا بمسلمين»، فوداه رسول الله ﷺ من عنده فبعث إليهم بمائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار، قال سهل: «لقد ركضتني منها ناقة حمراء»، رواه مالك في الموطإ (١٥٩١) والبخاري ومسلم وغيرهما، وفيه من العلم: خروج المرء في طلب الرزق، لكن الدار التي خرجوا إليها ليست دار كفر، فإن خيبر كانت قد فتحت وعامل النبي ﷺ اليهود فيها على الأرض كما تقدم في المساقاة، وفيه تقديم الكبير في الكلام وإن كان الصغير أعرف بما يتحدث فيه، وفيه الحكم بالدية على القوم يعلم أن امرءا قتل في محلتهم متى لم يعرف الجاني لكونهم متضامنين بعد قيام الأولياء بالقسامة، وفيه مخالفة المعروف من أن على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين، فخولف هنا لوجود اللوث وللاحتياط للدماء، وقد ثبت ما يدل على خلاف ذلك مما يجري على الأصل وهو حلف المدعى عليهم متى لم تكن بينة، وفيه استحقاق أولياء

стр. 1976

القتيل الدم بالقسامة لكن إذا كان معروفا وقام على ذلك لوث، وفيه أن القسامة ليست لازمة لهم بل هم مخيرون فيها، وفيه رد اليمين إذا نكل من توجهت عليه، وفيه أن هذه الإحالة يمكن أن يرفضها المدعون لما يرونه من عدم جدواها، وفيه تحليف الكافر في نفي التهمة عن نفسه، وفيه دية الحاكم للواحد من رعيته من بيت المال متى لم يقم الدليل القاضي بدفع القاتل وعاقلته الدية، وفيه أن الدية مائة من الإبل، وأنها إن لم يمنع مانع تكون حَالَّةً، وفيه أن القسامة إنما اعتمدت في إثبات القتل إذا كان معها ما يقويها وهو هنا وجود القتيل في محلة القوم. واعلم أن القسامة كان يعمل بها في الجاهلية، وهي عند الجمهور مما أبقاه الإسلام احتياطا للدماء، وقد جاء في ذلك حديث مسلم عن رجل من الأنصار أن رسول الله ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى بها رسول الله ﷺ بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود»، وقد مر بك أن النبي ﷺ لم يقض بها، بمعنى أنه لم يجعلها لازمة يُلزم بها أولياء القتيل فيترتب عليها الأثر، فينبغي أن يؤول القضاء بهذا المعنى، ومن ثم فلا موجب للقول إن الصحابي الذي روى حديث مسلم المذكور قد أخطأ في استنباط قضائه ﷺ بها من حديث سهل ابن أبي حثمة كما ذهب إليه العلامة الشيخ محمد إسماعيل الكحلاني في سبل السلام (٣/ ٢٥٦)، وله سلف في إنكار القول بالقسامة، ثم إنه ﵀ حمل تصرف النبي ﷺ مع أولياء القتيل فيما عرضه عليهم من القسامة وكذلك ما عرضه عليهم من حلف اليهود لهم على أنه مجرد تلطف منه ليبين لهم كيف أن الحكم بالقسامة لا يجري على أصول الإسلام، وذكر أنه مما يبين أنه لم يحكم بها أنهم لما قالوا له: «وكيف نحلف ولم نحضر ولم نشاهد»؟، لم يبين لهم أن هذا الحكم في القسامة من شأنه ذلك، وأنه حكم الله فيها وشرعه، بل عدل إلى قوله: «يحلف لكم يهود»، فقالوا: «ليسوا بمسلمين»، فلم يبين لهم أن ليس لكم إلا اليمين من المدعى عليه مطلقا، مسلمين كانوا أو غيرهم، بل عدل إلى إعطاء الدية من عنده»، انتهى، قال كاتبه: «إقدام الأولياء على القسامة ليس إلزاما، لكن إذا قبلوه قضى به الحاكم، فمعنى

стр. 1977

قضائه ﷺ بها أنه جعلها مما يقضى به، أما دعوى أن الأمر تلطف منه ﷺ في إبطال القسامة فمستبعد، إذ كيف يعرض عليهم ما ليس بمشروع في أمر خطير كهذا؟، لاسيما وقد كان هذا بعد مرور ما يزيد على العشرين سنة على الرسالة المحمدية؟، أما امتناعهم منها فأمر يرجع إليهم، كشأن الأيمان كلها على من توجهت عليه، وكونهم امتنعوا منها لأنهم لم يشاهدوا ولم يحضروا فهذا لا يعني أن غيرهم مثلهم دائما، فقد يحصل للأولياء أو لبعضهم من الأدلة ما يعلمون به أن القتيل فلان، وقد لا يحصل، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ١٩٩): «ليس أحد من أهل العلم يجيز لأحد أن يحلف على ما لم يعلم، أو يشهد بما لم يعلم، ولكنه يحلف على ما لم ير ولم يحضر إذا صح عنده وعلمه بما يقع العلم بمثله، فإذا صح ذلك عنده واستيقنه حلف عليه»، انتهى. أما أن الحكم بالقسامة لا يجري على أصول الإسلام فإن الأصول لا يلغى أحدها للآخر، ولا يقاس بعضها على بعض، وإلا ردت، ومن تلك الأصول التي رأوا القسامة مخالفة لها حديث «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر»، وقد تقدم بيان وجه مخالفة القسامة لغيرها، لكن لو افترض ترجيح الرواية التي فيها البدء بحلف المدعى عليهم لما كان فيه إسقاط للقسامة، ورحم الله ابن عبد البر فمع أنه قال عن الأخبار الواردة في القسامة: «وما أعلم في شيء من الأحكام المروية عن النبي ﷺ من الاضطراب والتضاد ما في هذه القصة، فإن الآثار فيها متضادة متدافعة، وهي قصة واحدة،،،»، انتهى، أقول مع هذا، فهو يرى كما في الاستذكار (٨/ ٢٠٩): «السنة إذا ثبتت فهي عند جماعة العلماء عبادة يدنو العامل بها من رحمة ربه، وينال المسلم بها درجة المؤمن المخلص والاعتلال لها ظن، والظن لا يغني من الحق شيئا، ألا ترى أن هذا الظن من مالك ليس بأصل عنده، ولو كان أصلا عنده لقاس عليه أشباهه ويصدق الذي يدعي قطع الطريق على من زعم أنه سلبه، وقتل وليه في طريق،،،»، انتهى المراد منه. وقد بين مالك وجه اختلاف القسامة عن الأيمان في الحقوق فقال ﵀: «وإنما

стр. 1978

فرق بين القسامة في الدم والأيمان في الحقوق أن الرجل إذا داين الرجل استثبت عليه في حقه، وإن الرجل إذا أراد قتل الرجل لم يقتله في جماعة من الناس، وإنما يلتمس الخلوة قال: فلو لم تكن القسامة إلا فيما تثبت به البينة، ولو عمل فيها كما يعمل في الحقوق هلكت الدماء واجترأ الناس عليها إذا عرفوا القضاء فيها»، انتهى، واصبر على ما ذكره المؤلف من تفاصيل أحكام القسامة التي لم يعد لها وجود في إثبات القتل قال ﵀:

стр. 1979

• قوله: ٠٢ - «يقسم الولاة بالله خمسين يمينا ويستحقون الدم». المقصود بالولاة هنا عصبة المقتول من النسب، سواء أكانوا وارثين أم لا، ومقدار ما يحلفونه لا دخل للعقل فيه لورود النص به وهو قوله ﷺ : «أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم»، واستحقاق الدم يكون بالقصاص من القاتل إن علم، وبالدية في حال عفو جميعهم أو بعضهم، أو عدم معرفة عين القاتل، فإن كانوا خمسين حلف كل منهم يمينا واحدة، على أن يكون ذلك على التوالي، وإن كانوا أقل من ذلك وزعت عليهم الأيمان بحسب عددهم، والصيغة أن يقول الحالف كما في المدونة: «تالله الذي لا إله لا هو إن فلانا قتله»، متى شهد واحد على القتل، أو مات من ضربه، وثبت ضربه إياه بشهادة رجلين على الضرب، أو على إقرار الجاني بالضرب، وصيغة الحلف هذه من تغليظ الأيمان وسيأتي الحديث عنها في باب الأقضية.

стр. 1980

• قوله: ٠٣ - «ولا يحلف في العمد أقل من رجلين». المقرر عندهم أنه لا يحلف في العمد إلا الذكور لأنهم هُمُ الذين يكونون عصبة، ومن ذلك أنه لا يقبل في العمد حلف أقل من رجلين، وعللوا ذلك بأن أيمان الأولياء أقيمت مع اللوث الآتي ذكره مقام البينة، فكما لا يكتفى في البينة بشهادة واحد فكذلك لا يكتفى في الأيمان بواحد، واستدل لهذا أيضا بقول النبي ﷺ : «أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم»، فخاطب الجماعة، وأقل الجماعة في المذهب اثنان، وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٢١٢): «ظاهر الحديث يشهد لقول مالك هذا، لأنه قال لأخي المقتول عبد الرحمن بن سهل ولابني عمه حويصة ومحيصة: «أتحلفون وتستحقون»؟، ولم يقل للأخ وحده: «أتحلف»؟، ومعلوم أن الأخ يحجب ابني عمه عن ميراث أخيه»، انتهى.

стр. 1981

• قوله: ٠٤ - «ولا يقتل بالقسامة أكثر من رجل واحد». المدعى عليهم القتل إما أن يكونوا جماعة أو واحدا، فإن كان القاتل واحدا قتل بالقسامة، وإن تعدد فلا يقتل إلا واحد، فيكون القسم على أنه القاتل، وقيل يقسمون على الجميع ثم يقتل واحد منهم، ونسب لابن القاسم، والأول هو المشهور، ونسب لابن القاسم أيضا، لكن يعزر الآخرون بالجلد والسجن على كل حال، وإنما لم يقتل بالقسامة غير واحد لأنها إنما وردت في واحد كما تقدم، ولأنه أمر خاص جاء على خلاف المعتاد في أحكام الشرع فلا يتوسع فيه، ولأن المحقق واحد والباقي مشكوك في أمره فيترك لأن الحدود تدرأ بالشبهات.

стр. 1982

• قوله: ٠٥ - «وإنما تجب القسامة بقول الميت: دمي عند فلان، أو بشاهد على القتل، أو بشاهدين على الجَرْح، ثم يعيش بعد ذلك ويأكل ويشرب». هذا هو الذي يسمونه لوثا، وهو في اللغة القوة، لأنه من لي الشيء على الشيء، واللي يكتسب به الشيء قوة، يقال لاث العمامة على رأسه يلوثها لوثا، عَصَبَهَا»، كذا في الصحاح، والمراد هنا أمر ينشأ عنه غلبة الظن بصدق مدعي الدم على غيره، وهو ثلاثة أشياء: الأول: قول المقتول دمي عند فلان أي قتلني فلان، ويثبت ذلك بشاهدين، تأخر الموت عن قوله هذا أو لا، واشترط بعضهم مع قوله وجود الجُرح ونحوه، وهو المشهور المعمول به، وهو قول ابن القاسم، وقيل هو لوث مطلقا على ظاهر المدونة. قال أبو الحسن: «لم يختلف في هذا قول مالك وجميع أصحابه أنه لوث في العمد يوجب القسامة والقَوَد»، انتهى. وقال الشيخ علي الصعيدي العدوي معلقا على كلامه: «وأما الخطأ ففيه خلاف، والمشهور أيضا أن الولاة يقسمون ويستحقون الدية طردا للقاعدة، وقيل لا قسامة في ذلك، لأنها دعوى في مال، وهو مروي عن مالك»، انتهى. والثاني من أنواع اللوث شهادة واحد على معاينة القتل خطأ كان أو عمدا، لكن بعد ثبوت موت المجني عليه، وروي عن مالك عدم اشتراط العدالة، والمشهور أن غير العدل لا يكون لوثا لسقوط شهادته شرعا، فلا يختلف الأمر عن الأصل، بدعوى أنها مجرد تقوية، ويستوي في إثبات اللوث شهادة الرجال والنساء فيقوم مقام الرجل امرأتان لأنه لوث وهو لا يقضى به وحده.

стр. 1983

والثالث هو قوله «أو بشاهدين على الجَرْح» هو بفتح الجيم لأن المراد فعل الجاني، ومثل الجرح الضرب، فإذا شَهِدَ رجلان على أنهم رأوه جرحه أو ضربه لا فرق بين العمد والخطإ، وتأخر موته، ومن ذلك أن يأكل أو يشرب بعد معاينة البينة فإن للأولياء أن يقسموا على أنه مات من ذلك، ويستحقون الدم أو الدية حسب أصل القتل الذي يدعونه، أما إن أنفذت مقاتله، أو لم يأكل ولم يشرب وبقي بعد الضرب أو الجرح مغمورا لم يتكلم ولم يُفق حتى مات فإن الجاني يقتل به أو يودى من غير قسامة، وإنما قيد الأمر برؤية الشاهدين للجاني يضربه لأنهما إن شهدا على قوله بأنه ضربه أو جرحه فإنه مفتقر إلى القسامة تأخر موته أو لا لضعف الشهادة على الدعوى عن الشهادة على المعاينة. قال مالك في الموطإ: «الأمر المجتمع عليه عندنا والذي سمعت ممن أرضى في القسامة والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث أن يبدأ بالأيمان: المدَّعُونَ في القسامة فيحلفون، وأن القسامة لا تجب إلا بأحد أمرين: إما أن يقول المقتول: «دمي عند فلان»، أو يأتي ولاة الدم بلوث من بينة، وإن لم تكن قاطعة على الذي يُدَّعَى عليه الدم، فهذا يوجب القسامة لمدعي الدم على من ادعوه عليه، ولا تجب القسامة عندنا إلا بأحد هذين الوجهين»، انتهى. وقد أنكر العلماء على مالك ﵀ الاعتماد على قول المقتول دمي عند فلان، وقالوا قد جعل سُنَّةً ما لا مدخل له في السُنَّةِ، وشنع بعضهم على من احتج لهذا الأمر بقصة قتيل بني إسرائيل إذ أحياه الله فقال قتلني فلان فقبل قوله، قال ابن عبد البر: «وهذه غفلة شديدة أو شعوذة لأن الذي ذبحت البقرة من أجله، وضرب ببعضها كانت فيه آية لا سبيل إليها اليوم، فلا تصح إلا لنبي أو بحضرة نبي»، انتهى. قال كاتبه: قول القتيل دمي عند فلان قد يكون أقوى من مجرد وجود القتيل في محلة قوم، وقد قضى النبي ﷺ كما رأيت بالقسامة لأجل ذلك، والذين استأنسوا بقصة القتيل الذي أحياه الله وجعل نطقه آية، لم يحتجوا به من حيث كونه آية، بل احتجاجهم بمعزل عن جانب المعجزة لأن المعتمد هو نطقه بعد أن أحياه الله، والقائل دمي عند فلان قالها

стр. 1984

حال الحياة فاجتمعا في هذا، أما أن يقال إن فيه قبول الدعوى من غير بينة فهو مصادرة لأنه لا يحكم به وحده، بل هو لوث يتجه معه حلف الأولياء، فالمسألة من موارد الاجتهاد، نعم يتجه إنكار المنكرين على مالك ﵀ أن يكون بدء المدعين في القسامة بالأيمان مما اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث، كيف وابن شهاب وهو شيخه روى عن سليمان بن يسار أن النبي ﷺ بدأ باليهود في الأيمان؟، فينزل قوله على أنه لم يعلم بالمخالف فالتعبير بذلك متعين، والله أعلم.

стр. 1985

• قوله: ٠٦ - «وإذا نكل مدعو الدم حلف المدعى عليهم خمسين يمينا». نكل بفتح الكاف وضمها في المضارع، والنكول الامتناع، وهذا مأخوذ من كلام النبي ﷺ في حديث سهل بن حثمة بعد أنْ أبى المدعون الحلف معللين ذلك بأنهم لم يحضروا قال: «أفتحلف لكم يهود»؟، لكن قالوا إنما توجه الأيمان إلى المدعى عليهم فيحلفون ذلك العدد والمتهم من جملتهم، إذا نكل ولاة الدم كلهم، أو بعضهم وكانوا مساوين لمن لم ينكل في القرب من الميت أو دونه، وأولى إن كان الممتنعون أقرب إليه، أما إن كانوا أبعد ممن لم ينكل كالعم مع الابن أو مع الأخ فلا يؤثر نكولهم.

стр. 1986

• قوله: ٠٧ - «فإن لم يجد من يحلف من ولاته معه غير المدعى عليه وحده حلف الخمسين، ولو ادعي القتل على جماعة حلف كل واحد خمسين يمينا». في كلامه الإظهار في موضع الإضمار قلقت العبارة بسببه، ولو قال أبو محمد ﵀ «فإن لم يجد المدعى عليه من يحلف معه من العصبة حلف الخمسين وحده»، لكان أوضح، وإنما اكتفي بحلفه لأنه مُتَّهَمٌ، وهو أعرف بنفسه وببراءته فقوي جانبه حيث لم تتجه إليه التهمة بالقتل إلا باللوث مع أن المدعين نكلوا فجاز أن يحلف وحده الخمسين يمينا بخلاف المدعين، فإن القسامة من جانبهم لا تقبل إلا إذا بلغوا أن يكونوا جماعة كما سبق، وكذلك لو تعدد المتهمون، وليس لهم أولياء، فإنهم يحلفون ذلك العدد، قال مالك: «فإن لم يوجد أحد يحلف إلا الذي ادُعي عليه حلف هو خمسين يمينا وبرئ»، انتهى، وقال في موضع آخر عن تعدد المدعى عليهم: «ولا تقطع الأيمان عليهم بقدر عددهم،،، إلى أن قال: «وهذا أحسن ما سمعت في ذلك»، انتهى، ووجهه أن كلا منهم يدفع عن نفسه فينبغي أن يحلف العدد الذي يحلفه أولياؤه لو وجدوا، وإذا نكل المدعى عليه حبس حتى يحلف ولو طال حبسه، وقيل يطلق بعد سنة. واعلم أنه لا تكرار في قوله: «ولو ادعي القتل على جماعة حلف كل واحد خمسين يمينا»، مع ما سبق من قوله: «وإذا نكل مدعو الدم حلف المدعى عليهم خمسين يمينا»، لأن الأيمان في الأخير مطلوبة من أولياء القاتل، والأيمان في الذي قبله تتجه إلى مَنِ ادُّعِيَ عليهم القتل فردا فردا، وبهذا يظهر لك أن ما قاله صاحب الفواكه الدواني من أن أنه محض تكرار ليس بصحيح، وقد رد ما حمل الشراح عليه كلام المؤلف بقوله: «وما أجاب بعض الشراح من حمل ما سبق على دعوى القتل على واحد بعيد من كلامه»، انتهى، ويبدو أن حامله على ذلك ما زاده من عنده في خلال شرحه على كلام المصنف سهوا، فقد أثبت قوله: وإذا نكل مدعو الدم حلف كل واحد خمسين يمينا»، فلعلها نسخة، والصواب: «وإذا نكل مدعو الدم حلف المدعى عليهم خمسين يمينا».

стр. 1987

• قوله: ٠٨ - «ويحلف من الولاة في طلب الدم خمسون رجلا خمسين يمينا وإن كانوا أقل قسمت عليهم الأيمان». لا بد من استيفاء الخمسين يمينا في القسامة، فإن كان الأولياء أقل من خمسين قسمت الأيمان عليهم، ويجبر الكسر على من كان حظه من اليمين أكثر، وإن كانوا أكثر من خمسين اكتفي بحلف خمسين منهم، وقيل يحلفون كلهم، والظاهر إيثار الأكثر حظا وتقديم الوارث على غيره، أما إن كانوا خمسين فالأمر واضح، فإن حلف منهم خمسون فهذا هو المقدم وإن حلف بعضهم أعني اثنين فأكثر العددَ المطلوبَ اكتفي بذلك.

стр. 1988

• قوله: ٠٩ - «ولا تحلف امرأة في العمد». استحقاق الدم في العمد شرطه الذكورية لأنه مختص بالعصبة، فلا حظ للمرأة فيه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ [الإسراء: ٣٣]، ولأن شهادة النساء لا تصح في إثبات القتل العمد فلا تصح فيما قام مقامها وهي القسامة متى وجبت، وللعاصب الاستعانة في القسامة بعاصبه الأجنبي من المقتول كما لو كان القتيل الأم فلابنها إن انفرد الاستعانة بعمه في الحلف لأنه عاصب له، ولا يضر كونه أجنبيا من أمه، فإن لم يستعن بأحد أو لم يجد من يستعين به فإن الأيمان تُرَدُّ على الجاني، قال مالك: «الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أنه لا يحلف في القسامة في العمد أحد من النساء، وإن لم يكن للمقتول ولاة إلا النساء فليس للنساء في قتل العمد قسامة ولا عفو»، انتهى، وقال خليل: «ولا يحلف في العمد أقل من رجلين عصبة وإلا فَمُوَالٍ»، انتهى، فإن انفردت النساء يصير المقتول بمنزلة من لا وارث له فترد الأيمان على المدعى عليه كما سبق.

стр. 1989

• قوله: ١٠ - «وتحلف الورثة في الخطإ بقدر ما يرثون من الدية من رجل أو امرأة». إثبات القتل الخطإ بالقسامة تشارك فيه النساء لأنه من قبيل الشهادة على الحقوق المالية، وشهادتهن فيها منصوصة في آية الدين، فيحلف الورثة الرجال والنساء، وتحلف النساء إن انفردن، وتحلف المرأة إن انفردت الأيمان كلها، لكن لا تأخذ إلا فرضها من الدية، والحلف يكون بمقدار سهم الوارث من الدية، فلو ترك المقتول زوجة وبنتا وأخا، فإن الزوجة تحلف (٦) أيمان، لأنها ثمن الخمسين، وتحلف البنت (٢٥) يمينا، لأنها نصف الخمسين، ويحلف الأخ الباقي وهو (١٩) يمينا، لأنه عاصب يأخذ ما أبقته الفرائض، والله أعلم.

стр. 1990

• قوله: ١١ - «وإن انكسرت يمين عليهم حلفها أكثرهم نصيبا منها». يريد أن اليمين إذا انكسرت فإنها تكمل للذي له نصيب أكبر من كسرها، ومثاله أن يترك ورثة هم زوج وأخ وأخت، فيحلف الزوج (٢٥) يمينا، لأن له نصف التركة، ويحلف الأخ (١٧) يمينا، لأنه يأخذ من ال (٢٥) ستة عشر وثلثين، وتأخذ الأخت ثمانية وثلثا، فيكمل كسر اليمين على الأخ لاستحواذه على أكثره، قال خليل: «وجبرت اليمين على أكثر كسرها»، انتهى.

стр. 1991

• قوله: ١٢ - «وإذا حضر بعض ورثة دية الخطإ لم يكن له بد أن يحلف جميع الأيمان ثم يحلف من يأتي بعده بقدر نصيبه من الميراث». لما ناط الشرع الحكم بالقسامة على عدد من الأيمان فلا بد من استكمالها، وقد علمت أن القتل بالقسامة لا يقبل فيه إلا الجماعة وأقلها اثنان، أما القتل الخطأ فلا يشترط فيه ذلك، فإذا حضر بعض الورثة وطالب بالقسامة أمر بحلف الأيمان كلها حتى يحكم بالقسامة، ويرتب عليها الأثر، فإذا حلفها أخذ من التركة مقدار سهمه منها، فإذا جاء وارث آخر فإنه يحلف بمقدار نصيبه من الميراث فقط كي يأخذ حَظّه منه، ولا يغني عنه حلف من تقدمه في خصوص نصيبه، ولا يكلف حلف الأيمان كلها كالذي سبقه لأن القسامة قد حكم بها قبل يمينه، فأخذه نصيبه من الميراث موقوف على حلفه، فإن نكل بطل نصيبه منه، وقد نص على تفاصيل ذلك مالك ﵀ في الموطإ فقال: «إذا قام بعض ورثة المقتول الذي يقتل خطأ يريد أن يأخذ من الدية بقدر حقه منها، وأصحابه غُيب لم يأخذ ذلك ولم يستحق من الدية شيئا قل ولا كثر دون أن يستكمل القسامة، فإذا حلف استحق حصته من الدية، وذلك أن الدم لا يثبت إلا بخمسين يمينا، ولا تثبت الدية حتى يثبت الدم، فإذا جاء بعد ذلك من الورثة أحد حلف من الخمسين يمينا بقدر ميراثه منها، وأخذ حقه، إلى أن قال: وهذا أحسن ما سمعت»، انتهى باختصار.

стр. 1992

• قوله: ١٣ - «ويحلفون في القسامة قياما». تغليظ الحلف يكون بالحال وبالزمان وبالمكان، ولعل الخمسين يمينا المشترطة في القسامة روعي فيها التغليظ والترهيب والزجر عن أن يقدم أحد على الدعوى من غير تثبت، ومما يناسب هذا أن يحلف المدعون والنافون قياما، هذا هو المشهور، وقال ابن الماجشون يحلفون قعودا، ومما يعضد حلفهم قياما ما في حديث ابن عمر عند مسلم في قصة المتلاعنين حيث تلا النبي ﷺ على عويمر العجلاني آيات من سورة النور ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وفيه: «ثم دعاها فوعظها كذلك»، وعند أبي داود والنسائي من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ أمره أن يضع يده عند الخامسة على فيه، وقال: «إنها موجبة»، وعند البخاري من حديث ابن عباس: «فجاء فقام هلال فشهد، ثم قامت فشهدت»، وقال لهما النبي ﷺ : «الله يعلم إنَّ أحدكما لَكَاِذبٌ فهل فيكما من تائب»؟، كررها ثلاث مرات، والمشهور أنه إن أبى المدعون الحلف قياما فقد نكلوا عن الأيمان فيبطل حقهم، وقد قيل في الحلف على الحقوق المالية كلها كما في القسامة، فهذا من التغليظ بالحال، واختلف في التغليظ بالزمان، وهو كون القسامة بعد صلاة العصر، وقد جاء في ذلك حديث أبي هريرة الصحيح وفيه قوله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم، إلى أن قال: «ورجل حلف على يمين بعد صلاة العصر»، وفي كلام الله تعالى إشارة إلى ذلك والسنة بينته، وقال تعالى عن الحلف على الوصية في السفر: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ (١٠٦)﴾ [المائدة: ١٠٦]، وقد ذهب فريق من أهل العلم إلى أن الصلاة هنا هي صلاة العصر لأنها معظمة في جميع الأديان، لكن مشهور المذهب عدم تغليظ الحلف بالزمان، والله أعلم.

стр. 1993

• قوله: ١٤ - «ويجلب إلى مكة والمدينة وبيت المقدس أهل أعمالها للقسامة، ولا يجلب في غيرها إلا من الأميال اليسيرة». وهذا من تغليظ الأيمان بالمكان، وللمساجد مزية على غيرها فإنها خير البقاع، وهذه الثلاثة لها فضل على سائر المساجد، فإنها لا تشد الرحال إلا لها، ففي الحلف فيها زجر وردع وتخويف لمن أقدم على الحلف كاذبا، وروى مالك في الموطإ (١٤٠٦) من حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على منبري آثما تبوأ مقعده من النار»، وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة، ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار، أو وجبت له النار»، وثبت عن عمر ﵁ أنه جلب المدعى عليهم في القسامة من اليمن إلى مكة، ومن الكوفة إلى مكة ليحلفوا فيها، وحمل معاوية ﵁ بعضهم من المدينة إلى مكة ليحلفوا فيها عند الحطيم أو بين الركن والمقام، والمدينة حرم فلا يحتاج إلى الانتقال منها إلى غيرها.

стр. 1994

• قوله: ١٥ - «ولا قسامة في جرح ولا في عبد ولا بين أهل الكتاب ولا في قتيل بين الصفين أو وجد في محلة قوم». هذه خمس مسائل لا قسامة فيها، فالمدار فيها على البينة، أما أنه لا قسامة في جرح فلأنها لم ترد إلا في دعوى القتل أو الدية كما مر، فلا تقاس الجراحات عليهما، لكن متى ثبت الجرح بالبينة فإن كان خطأ فالدية وإن كان عمدا وتكافأت الدماء فالقصاص. وإن ادعي قتل العبد على أحد فإن قامت على ذلك بينة بشاهدي عدل، أو رجل وامرأتان، أو شاهد مع يمين المدعي فعلى القاتل قيمة العبد كيفما كان القتل عمدا أو خطأ لأن شبهه بالمال أقوى، وهو مبني على عدم القصاص من العبد للحر، وعليه مع ذلك في العمد في المذهب جلد مائة والسجن عاما، قال مالك ﵀ في الموطإ: «الأمر عندنا في العبيد أنه إذا أصيب العبد عمدا أو خطأ ثم جاء سيده بشاهد حلف مع شاهده يمينا واحدة ثم كان له قيمة عبده، وليس في العبيد قسامة في عمد ولا خطإ، ولم أسمع أحدا من أهل العلم قال ذلك،،، وهذا أحسن ما سمعت»، انتهى. فإن قيل: فما يفعل بقول النبي ﷺ : «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، رواه أحمد وأصحاب السنن من طريق الحسن عن سمرة، والخلاف في سماعه منه معروف، وقد حسنه الترمذي، وفي رواية بعض أصحاب السنن زيادة: «ومن خصى عبده خصيناه»، والجدع قطع الأنف، ومثله الأطراف والشَّفَة، والخصاء بكسر الخاء قطع الأنثيين أو رضهما. قلت: إن ثبت الحديث كان من باب سد الذرائع إلى الفساد، فإن السادة إذا علموا عدم تكافؤ الدماء بين المالكين والمملوكين أوشك أن يكون ذلك مدعاة للاستهانة بدماء العبيد والتقحم في قتلهم فيكون الحديث من قبيل التعزير لا من باب القصاص، وقد أشار

стр. 1995

إلى هذا ابن القيم ﵀، وحمله عليه الخطابي ونظر له بحديث قتل شارب الخمر في الرابعة، والله أعلم. أما أنه لا قسامة بين أهل الكتاب فالمراد نفيها بين المسلم والذمي حيث وقف اللوث إلى جانب قتل المسلم له، كأن يقول دمي عند فلان أو يراه الشاهدان يضربه، وذلك لعدم التكافؤ بينهما، ولأنها استثناء جاء في قتل الحر المسلم فلا يتعدى به محله، لكن متى ثبت قتل الذمي ببينة أخذ وليه ديته، وضرب الجاني مائة وسجن عاما إن كان القتل عمدا، وأعطى الدية وحدها إن كان خطأ، والدية على المذهب في العمد في مال الجاني، وفي الخطإ على العاقلة. أما عدم مشروعية القسامة في القتيل يوجد بين الصفين، فالمراد القتال الذي يكون بين فريقي المسلمين الباغي كل منهما على الآخر، فيكون دم القتيل فيه هدرا حيث لم يعرف قاتله، ولو قال دمي عند فلان على المختار من أقوال ثلاثة فيه، فإن عرف قاتله ببينة اقتص منه، أما لو كان القتال بين فريقين من المسلمين أحدهما باغ متأول فدم أفراد الفريق الباغي هدر، هكذا قالوا. والمراد بمحلة قوم خصوص ما كان منها مطروقا من عموم الناس لا مطلق المحلة، وإلا فإن حديث القسامة إنما ورد في محلة قوم هم اليهود ولكن لما كانت المحلة خاصة بهم حملوا وزر ما وقع فيها، والعلة في منع القسامة في المحلة غير الخاصة أن في ذلك ذريعة إلى القتل إذ لا يريد أحد أن يقتل أحدا إلا قتله وطرحه فيها لينقل التهمة إلى ساكنيها، والله أعلم.

стр. 1996

• قوله: ١٦ - «وقتل الغيلة لا عفو فيه». الغيلة بكسر الغين المعجمة اسم هيئة من الاغتيال، وقتل الغيلة هو القتل في خفية، وهو أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه فيه أحد، كذا في النهاية، وقيل ولأجل أخذ المال، فهذا لا عفو فيه لا من القتيل ولا من أوليائه ولا من الحاكم. ولو قدم المؤلف الكلام على العفو قبل ذكر ما لا عفو فيه لكان أولى، فإن الله تعالى كما شرع القصاص وجعله شرعا لازما فإنه جعل العفو عن القاتل إلى أولياء المقتول، فإن تمسكوا بحقهم في القَوَد فلا بد منه، إذ به تستل سخائم القلوب وتهدأ نار التارات والرغبة في الانتقام، وإن عفوا كلهم أو بعضهم زال الداعي إلى القصاص لأن القتل لا يتجزأ، قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال النبي ﷺ : «من قُتِلَ له قَتِيلٌ فهو بِخَيْر النَّظَرَيْن: إما أن يقتل وإما أن يفدى»، رواه الشيخان عن أبي هريرة، وقال أيضا: «مَنْ قَتَلَ متعمدا دُفِعَ إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قَتَلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم»، وذلك لتشديد العقل، رواه الترمذي (١٣٨٧) وابن ماجة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ومع أن ولي المقتول مخير فقد رغب الشرع في العفو كما تقدم في كلام الله تعالى، وقال ﵊ وعلى آله: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»، رواه مسلم عن أبي هريرة. وقد كانت شريعة اليهود لا عفو فيها كما في سِفْرِ الخروج الإصحاح الثالث، قال ابن عباس: «كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، قال: فالعفو أن يقبل في العمد الدية، والاتباع بالمعروف يتبع الطالب

стр. 1997

بمعروف، ويؤدي إليه المطلوب بإحسان، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فيما كتب على من كان قبلكم»، رواه البخاري، أما النصارى فقد تركوا القصاص لغلبة العفو والسماح بل التسيب على منهجهم، فجاء هذا الدين بالقصاص، لكن جعله من حق أولياء المقتول، وجعل العفو إليهم، واستجاش مشاعر الجاني وأصحاب الدم بتذكيرهم بأخوة الدين وهي أخوة روح، وأخوة النسب أخوة جسم، والروح أقوى من الجسد، فإذا حصل العفو لزم ترك القتل، ووجب أداء الدية إن طلبت كما هو واضح في حديث عمرو بن شعيب المتقدم، ومشهور المذهب أن الدية تتبع القصاص في السقوط، وسيأتي الكلام على ذلك، فمن قتل القاتل بعد العفو أو عاد القاتل إلى القتل بعد أن عفا عنه الأولياء فهو متوعد بالعذاب الأليم، ومع ذلك لم يمنع الله تعالى من العفو عنه وإنما أوعده لتماديه في الباطل وتكراره للمنكر.

стр. 1998

• قوله: ١٧ - «وللرجل العفو عن دمه العمد إن لم يكن قتل غيلة». هذا فيما لو نفذت مقاتله ولم يمت؛ فعفا عن قاتله المتعمد بعد ذلك، ووجهه أنه إذا كان عفو الولي يسقط القصاص فأولى أن يكون عفو القتيل نفسه مانعا من القصاص، فإن الولي إنما قام بذلك لتعذره من المقتول، أما إذا طلب من أحد أن يقتله وأخبره أن دمه هدر فلا عبرة بذلك، لأن العفو إنما يشرع بعد وجود سببه، ولأنه لا يملك أن يقتل نفسه، وقد تقدم أنه لو قتل نفسه فإنه يقتلها يوم القيامة بما قتلها به. قال مالك في الموطإ: «إنه أدرك من يرضى من أهل العلم يقولون في الرجل إذا أوصى أن يعفى عن قاتله إذا قتل عمدا أن ذلك جائز له وأنه أولى بدمه من غيره من أوليائه من بعده»، انتهى، وعفو القتيل ومثله عفو غيره مقيد بما إذا لم يكن القتل غيلة كما تقدم.

стр. 1999

• قوله: ١٨ - «وعفوه عن الخطإ في ثلثه». يؤخذ بعفو القتيل عن الجاني في القتل العمد، أما إن كان القتل خطأ وعفا عن قاتله فإنه يكون في حدود ثلث الدية قياسا على الوصية التي لا يصح أن يتجاوز بها الثلث كما تقدم لأن الدية حق الورثة.

стр. 2000

• قوله: ١٩ - «وإن عفا أحد البنين فلا قتل، ولمن بقي نصيبهم من الدية». تقدم أن عفو الولي مسقط للقصاص، وذكر هنا تفصيل ذلك، لأن أولياء المقتول إما أن يكونوا كلهم ذكورا أو كلهم إناثا أو ذكورا وإناثا، وذكر هنا القسم الأول، والبنوة ليست مقصودة لذاتها، بل المراد كل شخصين أو أكثر تساووا في الاستحقاق كالإخوة وأبنائهم والأعمام وأبنائهم فمتى عفوا جميعا فالأمر واضح، ومتى عفا بعضهم واحد أو أكثر وكانوا متساوين في الاستحقاق سقط القَوَدُ، ووجهه أن الدم لا يتبعض، فإذا سقط بعضه سقط جميعه، ولمن لم يعف نصيبه من الدية، لأن الحق المشترك بين الجماعة لا يسقط جميعه بإسقاط بعض الشركاء حيث أمكن ذلك كما هو الأمر هنا، ولا شيء للعافي من الدية إلا أن يظهر منه أنه أراد تمسكه بنصيبه منها أو جرى بذلك عرف فإنه يعمل عليه.
следующие страницы →