Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
• قوله:
١٦ - «وقتل الغيلة لا عفو فيه».
الغيلة بكسر الغين المعجمة اسم هيئة من الاغتيال، وقتل الغيلة هو القتل في خفية، وهو أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه فيه أحد، كذا في النهاية، وقيل ولأجل أخذ المال، فهذا لا عفو فيه لا من القتيل ولا من أوليائه ولا من الحاكم.
ولو قدم المؤلف الكلام على العفو قبل ذكر ما لا عفو فيه لكان أولى، فإن الله تعالى كما شرع القصاص وجعله شرعا لازما فإنه جعل العفو عن القاتل إلى أولياء المقتول، فإن تمسكوا بحقهم في القَوَد فلا بد منه، إذ به تستل سخائم القلوب وتهدأ نار التارات والرغبة في الانتقام، وإن عفوا كلهم أو بعضهم زال الداعي إلى القصاص لأن القتل لا يتجزأ، قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال النبي ﷺ : «من قُتِلَ له قَتِيلٌ فهو بِخَيْر النَّظَرَيْن: إما أن يقتل وإما أن يفدى»، رواه الشيخان عن أبي هريرة، وقال أيضا: «مَنْ قَتَلَ متعمدا دُفِعَ إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قَتَلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم»، وذلك لتشديد العقل، رواه الترمذي (١٣٨٧) وابن ماجة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
ومع أن ولي المقتول مخير فقد رغب الشرع في العفو كما تقدم في كلام الله تعالى، وقال ﵊ وعلى آله: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»، رواه مسلم عن أبي هريرة.
وقد كانت شريعة اليهود لا عفو فيها كما في سِفْرِ الخروج الإصحاح الثالث، قال ابن عباس: «كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، قال: فالعفو أن يقبل في العمد الدية، والاتباع بالمعروف يتبع الطالب
стр. 1997
بمعروف، ويؤدي إليه المطلوب بإحسان، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فيما كتب على من كان قبلكم»، رواه البخاري، أما النصارى فقد تركوا القصاص لغلبة العفو والسماح بل التسيب على منهجهم، فجاء هذا الدين بالقصاص، لكن جعله من حق أولياء المقتول، وجعل العفو إليهم، واستجاش مشاعر الجاني وأصحاب الدم بتذكيرهم بأخوة الدين وهي أخوة روح، وأخوة النسب أخوة جسم، والروح أقوى من الجسد، فإذا حصل العفو لزم ترك القتل، ووجب أداء الدية إن طلبت كما هو واضح في حديث عمرو بن شعيب المتقدم، ومشهور المذهب أن الدية تتبع القصاص في السقوط، وسيأتي الكلام على ذلك، فمن قتل القاتل بعد العفو أو عاد القاتل إلى القتل بعد أن عفا عنه الأولياء فهو متوعد بالعذاب الأليم، ومع ذلك لم يمنع الله تعالى من العفو عنه وإنما أوعده لتماديه في الباطل وتكراره للمنكر.
стр. 1998
• قوله:
١٧ - «وللرجل العفو عن دمه العمد إن لم يكن قتل غيلة».
هذا فيما لو نفذت مقاتله ولم يمت؛ فعفا عن قاتله المتعمد بعد ذلك، ووجهه أنه إذا كان عفو الولي يسقط القصاص فأولى أن يكون عفو القتيل نفسه مانعا من القصاص، فإن الولي إنما قام بذلك لتعذره من المقتول، أما إذا طلب من أحد أن يقتله وأخبره أن دمه هدر فلا عبرة بذلك، لأن العفو إنما يشرع بعد وجود سببه، ولأنه لا يملك أن يقتل نفسه، وقد تقدم أنه لو قتل نفسه فإنه يقتلها يوم القيامة بما قتلها به.
قال مالك في الموطإ: «إنه أدرك من يرضى من أهل العلم يقولون في الرجل إذا أوصى أن يعفى عن قاتله إذا قتل عمدا أن ذلك جائز له وأنه أولى بدمه من غيره من أوليائه من بعده»، انتهى، وعفو القتيل ومثله عفو غيره مقيد بما إذا لم يكن القتل غيلة كما تقدم.
стр. 1999
• قوله:
١٨ - «وعفوه عن الخطإ في ثلثه».
يؤخذ بعفو القتيل عن الجاني في القتل العمد، أما إن كان القتل خطأ وعفا عن قاتله فإنه يكون في حدود ثلث الدية قياسا على الوصية التي لا يصح أن يتجاوز بها الثلث كما تقدم لأن الدية حق الورثة.
стр. 2000
• قوله:
١٩ - «وإن عفا أحد البنين فلا قتل، ولمن بقي نصيبهم من الدية».
تقدم أن عفو الولي مسقط للقصاص، وذكر هنا تفصيل ذلك، لأن أولياء المقتول إما أن يكونوا كلهم ذكورا أو كلهم إناثا أو ذكورا وإناثا، وذكر هنا القسم الأول، والبنوة ليست مقصودة لذاتها، بل المراد كل شخصين أو أكثر تساووا في الاستحقاق كالإخوة وأبنائهم والأعمام وأبنائهم فمتى عفوا جميعا فالأمر واضح، ومتى عفا بعضهم واحد أو أكثر وكانوا متساوين في الاستحقاق سقط القَوَدُ، ووجهه أن الدم لا يتبعض، فإذا سقط بعضه سقط جميعه، ولمن لم يعف نصيبه من الدية، لأن الحق المشترك بين الجماعة لا يسقط جميعه بإسقاط بعض الشركاء حيث أمكن ذلك كما هو الأمر هنا، ولا شيء للعافي من الدية إلا أن يظهر منه أنه أراد تمسكه بنصيبه منها أو جرى بذلك عرف فإنه يعمل عليه.
стр. 2001
• قوله:
٢٠ - «ولا عفو للبنات مع البنين».
ذكر هنا حكم اجتماع الذكور مع الإناث، وتحته صورتان:
أولاهما: أن تكون الإناث في درجة الذكور كاجتماع البنين والبنات أو الإخوة والأخوات فلا عفو هنا للنساء، بل يكون العفو للعاصب.
والثانية: أن تكون النساء أقرب فلا عفو إلا باجتماعهما كالبنات مع الإخوة والأعمام.
وقد روي عن مالك أن للنساء مدخلا في العفو، قال القاضي عبد الوهاب في المعونة (٣/ ١٣١١): «اختلف عنه في النساء هل لهن مدخل في الدم أو لا؟، فعنه فيه روايتان: إحداهما أن لهن فيه مدخلا كالرجال، والأخرى أن لا مدخل لهن إذا لم يكن في درجتهن عصبة، فوجه الأولى قوله ﷺ : «ومن قتل له قتيل فأهله بين خيرتين: إن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا عفوا وأخذوا الدية»، فعم، وقوله: «يحلف خمسون منكم»، ولأن القصاص المستحق مبني على استحقاق الميراث، فوجب أن بثبت لجميع الورثة كسائر الحقوق، واعتبارا بالرجال، ووجه الثانية ولاية الدم مستحقة بالنصرة، ولسن من أهلها،،،»، انتهى، ثم فرع على القول بإثبات الحق للنساء خلافا آخر فيما لهن من الحق: هل هو القود دون العفو أو العكس؟.
وروى عبد الرزاق في المصنف (باب العفو) عن زيد بن وهب أن عمر بن الخطاب رفع إليه رجل قتل رجلا فأراد أولياء المقتول قتله، فقالت أخت المقتول وهي امرأة القاتل قد عفوت عن حصتي من زوجي، فقال عمر: «عتق الرجل من القتل».
стр. 2002
• قوله:
٢١ - «ومن عفي عنه في العمد ضرب مائة وحبس عاما».
متى فات القصاص بالعفو على ما تقدم، أو بعدم تكافؤ الدم كما لو قتل المسلم الكافر، أو الحر العبد ضرب الجاني مائة وحبس عاما إلحاقا لما ذكر بحال السيد إذا قتل عبده فإنه ولو لم يقتل به فإنه لا يسقط عنه ما لله تعالى من حق في ذلك فيعاقب عقوبة الزاني البكر، ولعل عمدتهم ما رواه ابن ماجة (٢٦٦٤) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قتل رجل عبده عمدا متعمدا فجلده رسول الله ﷺ مائة ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين»، قال الألباني ضعيف جدا»، ورواه الدارقطني نحوه، ولينظر التلخيص الحبير (ح/ ١٦٨٦)، وفي الموطإ في (باب العفو في قتل العمد) قال مالك في القاتل عمدا إذا عفي عنه أنه يجلد مائة جلدة ويسجن سنة»، انتهى.
وإذا كان مجرد رأي فينبغي أن ينظر فيه مع ما روى الشيخان وأصحاب السنن عن أبي بردة بن نيار أن النبي ﷺ قال: «لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله».
стр. 2003
• قوله:
٢٢ - «والدية على أهل الإبل مائة من الإبل».
الدية واحدة الديات بكسر الدال والياء المخففة من ودى يدي دية وأمره د، ودو، وديا، ويقال: اتدى فلان إذا أخذ الدية، قال في لسان العرب «هي حق القتيل»، والصواب أنها ما يعطى عوضا عن دم القتيل إلى وارثه، وأهل الإبل هم مَنْ مالُهم الإبل، ولو كان المقتول ممن مالهم الوَرِق والذهب لأن مراعاة غالب المال توسعة وتيسير على مخرجه، نظيره الزكاة، وإيجاب الدية في كتاب الله، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢]، وهي كما ترى إنما شرعت أصلا في قتل الخطإ، أما من عفي عنه في قتل العمد فقد تكون فيه الدية، وهي مختلفة بحسب الجاني كما سيذكر، وليس في الآية بيان مقدار الدية، ولا على من تجب، وقد بينت ذلك السُّنَّةُ، بَيَّنَ مقدارها النبي ﷺ بفعله كما تقدم في حديث سهل بن أبي حثمة عند مالك والبخاري ومسلم: «فوداه النبي ﷺ فبعث إليهم بمائة ناقة».
وفي حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن،،، الحديث، وفيه: «ومن اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قَوَدٌ إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدية مائة من الإبل»، رواه مالك (١٥٤٥) مرسلا، وأبو داود في المراسيل والنسائي وغيرهم، ولينظر هنا التلخيص الحبير (ح/ ١٦٨٨) وسبل السلام (٣/ ٢٤٤) وما فيها من كلام الأئمة ابن عبد البر وابن كثير والحاكم والعقيلي ويعقوب بن سفيان وغيرهم عن هذا الحديث، وهو العمدة في الديات، وستكرر الإشارة إليه في هذا الشرح.
واعتبط معناه قتله من غير موجب للقتل، ويلزم منه أنه قتله عامدا ظالما، وقد أجمع أهل العلم على أنها على أهل الإبل مائة، واختلفوا فيما يجب على غير أهل الإبل
وليس في الآية بيان من الذي عليه الدية فيكون الأصل أن يتولى ذلك القاتل، إلا ما
стр. 2004
دل الدليل على خلافه، وقد جاءت السنة بافتراض الدية على العاقلة، وهم عصبة القاتل من النسب والولاء، وذلك كما قال القرطبي في تفسيره لآية قتل الخطإ في سورة النساء: «ولا شك أن إيجاب المواساة على العاقلة خلاف قياس الأصول في الغرامات وضمان المتلفات، والذي وجب على العاقلة لم يجب تغليظا، ولا أن وزر القاتل عليهم، ولكنه مواساة محضة»، انتهى.
قلت: وفيه دعم الروابط والتعاون والتكافل بين القرابة، وبيان ذلك أن القاتل وإن كان غنيا فإنه لا ينفرد بدفع الدية وحده، ومن الحكمة في هذا أن المرء قد يتكرر منه القتل الخطأ فيذهب كل ماله، ولا يجد أولياء القتيل من يعوضهم فيذهب الدم هدرا، وقد روى الطبراني عن حمل بن النابغة مرفوعا: «العقل على العصبة، وفي السقط غرة عبد أو أمة»، وكون الدية على العصبة هو في الصحيحين من حديث أبي هريرة.
стр. 2005
• قوله:
٢٣ - «وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الوَرِقِ اثنا عشر ألف درهم».
حجة مالك في هذا ما رواه عن عمر في الموطإ (١٥٤٦) بلاغا أنه قَوَّمَ الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الوَرِق اثني عشر ألف درهم»، قال مالك: فأهل الذهب أهل الشام وأهل مصر، وأهل الورق أهل العراق»، انتهى، وذكر ﵀ أن الأمر المجتمع عليه عندهم أن لا يقبل من أهل واحد من هذه الأجناس غيره، والظاهر والله أعلم أن الدية إنما تكون في الإبل وأن ما عداها إنما هو بالنظر إلى قيمة الإبل كيفما كان الغلاء والرخص، فهي في غير الإبل ليست توقيفية، وقد جاء من المرفوع في غير الإبل حديث ابن عباس ﵄ قال: قتل رجل رجلا على عهد رسول الله ﷺ فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألفا»، رواه أصحاب السنن الأربعة، قال الحافظ في بلوغ المرام: رجح النسائي وأبو حاتم إرساله، وقال في سبل السلام: «وإنما رجح النسائي وأبو حاتم إرساله لما قاله البيهقي إن محمد بن ميمون رواه عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس إنما قال لنا فيه عن ابن عباس مرة واحدة،،، قال محمد بن إسماعيل: وزيادة العدل مقبولة وكونه قالها مرة واحدة كاف في الرفع، فإنه لو اقتصر عليها لحكم برفع الحديث،.
قلت: وعلى أصل المذهب من العمل بالمرسل يكون عمر بن الخطاب فيما سنه معتمدا على المرفوع، لكنه لا يكون حجة على أن ذلك المبلغ توقيفي كما عليه أهل المذهب، لجواز أن يكون أولياء القاتل ليسوا من أهل الإبل فلم يكلفهم النبي ﷺ أن يعطوا ما ليس عندهم، وقد تقدم في الزكاة ذكر هذا الأمر، وهو هل فرض إخراج الزكاة من ذات المزكى معناه أنه لا يجزئ غيره، أو هو من باب الرفق بالمزكي بحيث يعطي مما
стр. 2006
عنده؟، فكذلك الأمر هنا، على أنه قد جاء ما يدل على أن الأمر راجع إلى قيمة المائة ناقة، وهو ما رواه أحمد والبيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كان يُقَوِّمُ دية الخطإ على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق، ويقومها على أثمان الإبل، فإذا غلت رفع في قيمتها، وإذا هانت نقص من قيمتها، وبلغت على عهد رسول الله ﷺ ما بين أربعمائة إلى ثلاثمائة دينار، أو عدلها من الورق: ثمانية آلاف، وقضى رسول الله ﷺ على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان دية عقله في شاة فألفا شاة، قال الألباني في التعليقات الرضية: سنده حسن، فهذا نص في أن ما عدا الإبل هو قيمة المائة منها، وهو مذهب الشافعي، وفي سنن أبي داود من طريق عمرو بن شعيب نحوه، غير أن فيه أن الدية بلغت على عهد النبي ﷺ ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم،،، إلى أن قال: فكان كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال: «ألا إن الإبل قد غلت»، قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة»، انتهى، ولو قدرت قيمة المائة من الإبل اليوم في دية قتل الخطإ لحامت حول السبعمائة مليون سنتيم، ومن الغنم ألف شاة، ومن البقر خمسون، والله أعلم.
стр. 2007
• قوله:
٢٤ - «ودية العمد إن قُبِلَتْ خمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون بنت مخاض».
الدية هنا مغلظة، ولذلك كانت مربعة، أي أنها من أربعة أصناف، ولم أقف على هذا التفصيل في حديث مرفوع، وإنما هو من قول الزهري ﵀ على ما رواه عنه مالك في الموطإ أنه كان يقول «في دية العمد إذا قُبِلَتْ خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة»، انتهى، فهل هذا مجرد رأي من الزهري؟، الظاهر خلافه، فإنه مما لا يقال بالرأي كما سيأتي ذكره عن صاحب الاستذكار ﵀، وإنما قال المؤلف «إن قُبِلَتْ»، لأن قتل العمد لا شيء فيه غير القصاص أو العفو مجانا في مذهب مالك، فإن تطوع الجاني بدفع الدية فذاك، أما إن طلبها الولي وامتنع الجاني فلا يجبر عليها، وخالف أشهب ﵀، وقد تقدم دليل هذا القول وهو الراجح إن شاء الله، والله أعلم.
стр. 2008
• قوله:
٢٥ - «ودية الخطإ مخمسة: عشرون من كل ما ذكرناه، وعشرون ابن لبون ذكرا».
ذهب أكثر أهل العلم إلى أن دية الخطإ أخماس، بيد أنهم اختلفوا في أصنافها، ومذهب مالك أنها عشرون من كل من الحقاق، والجذاع، وبنات اللبون، وبنات المخاض، وبني اللبون، وقد جاء هذا التفصيل في حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «دية الخطإ أخماسا عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بني لبون»، رواه الدارقطني، وقال هذا إسناد حسن ورواته ثقات، وهو عند أصحاب السنن الأربعة «وعشرون بني مخاض»، بدل بني لبون، قال الحافظ: وإسناد الأول أقوى، وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر موقوفا وهو أصح من المرفوع»، انتهى، قال ابن عبد البر في الاستذكار: «وأسنان الإبل في الديات لم تؤخذ قياسا ولا نظرا، وإنما أخذت اتباعا وتسليما، وما أخذ من جهة الأثر فلا مدخل فيه للنظر، فكل يقول بما صح عنده من سلفه ﵃ أجمعين»، انتهى.
стр. 2009
• قوله:
٢٦ - «وإنما تغلظ الدية في الأب يرمي ابنه بحديدة فيقتله فلا يقتل به ويكون عليه ثلاثون جذعة وثلاثون حقة وأربعون خَلِفَة في بطونها أولادها».
الوالد لا يُقْتَلُ بِقَتْلِ ولده إذا رماه بخشبة أو حديدة أو حجر غير قاصد قتله لقول رسول الله ﷺ : «لا يقاد الوالد بالولد»، رواه أحمد والترمذي وابن ماجة عن عمر بن الخطاب، ورواه نحوه أبو داود عن عمر وابن عباس، قالوا إلا أن تقوم قرينة على إرادته قتله فيقتل به كأن يصجعه ويذبحه على المشهور، وقال أشهب لا يقتل به ولو قام الدليل على إرادته قتله، ولعله للإطلاق الذي في الحديث السابق، قالوا لأن الوالد سبَبٌ لوجود الولد فلا يكون الولد سببا لإعدامه، وهذا ليس بشيء، والمعتمد الحديث، ولا خصوصية للوالد المباشر بل الجد وإن علا والأم وإن علت مثله في الحكم، فإن الجد أب بنص القرآن، بل وكذلك الأب الكافر يقتل ابنه الكافر فإنهم إذا تحاكموا إلينا لم يقد به.
فأما ما ذكره من تغليظ الدية فقد رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵄ مرفوعا: «الدية ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خَلِفَة في بطونها أولادها»، والخلفة بفتح الخاء وكسر اللام معناها الحامل، لكن الحديث كما ترى في مطلق الدية، فجعل أهل المذهب التغليظ نوعين أخفهما في قتل العمد متى كان العفو وقَبِلَ الجاني دفع الدية، أو امتنع القصاص لفقد التكافؤ، وأثقلهما في قتل الوالد ولده لأنه لا قود عليه، وهو متجه قوي، ويؤيده ما قضى به عمر بن الخطاب كما رواه مالك (١٥٨٠) عن يحي بن سعيد عن عمرو بن شعيب أن رجلا من بني مدلج يقال له قتادة حذف ابنه بالسيف فأصاب ساقه فنُزِيَ في جرحه فمات فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له فقال عمر: «اعدد لي على ماء قديد عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك، فلما قدم إليه عمر بن الخطاب أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خَلِفَةً، ثم قال: أين
стр. 2010
أخو المقتول؟، قال: هاأنا، قال: خذها، فإن رسول الله ﷺ قال: «ليس للقاتل شيء»، انتهى، قوله فَنُزِيَ في جرحه»، نزي بضم النون وكسر الزاي، أي نزف وخرج الدم بكثرة، وقد اعتبر بعضهم تغليظ الدية على الوالد القاتل ابنه قولا من مالك بشبه العمد في خصوص هذه الصورة من القتل.
стр. 2011
• قوله:
٢٧ - «وقيل ذلك على عاقلته، وقيل ذلك في ماله».
اختلف في دية قتل الوالد ولده على من تكون؟، فقيل على العاقلة إذ لا قصاص بين الوالد وولده، ولأن الباعث له على ضربه كما هو المفروض هو الأدب له لا إرادة قتله، ولأن عمر بن الخطاب ﵁ طلب من سراقة بن جعشم ذلك العدد من الإبل، وليس هو والد القتيل، فالظاهر أن سراقة جمعها من عاقلة القاتل باعتباره سيدها، وقيل الدية في مال الجاني لأن القتل فيه شبهة، وهذا التعليل متناقض كما ترى، فالأولى القول بأن ترك القصاص لحرمة الأبوة، وأن الاعتماد في الدية على الأثر.
стр. 2012
• قوله:
٢٨ - «ودية المرأة على النصف من دية الرجل».
يعني أن المرأة الحرة المسلمة ديتها خمسون من الإبل مربعة أو مخمسة بحسب القتل من خطإ أو عمد أو تغليظ، ومن الذهب خمسمائة دينار، ومن الفضة ستة آلاف درهم، وقد علمت أن لا توقيف في غير الإبل فالصواب لزوم قيمة تلك الأعداد، وقد استدل مالك بما رواه عن يحي بن سعيد عن ابن المسيب أنه كان يقول: «تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث الدية»، انتهى، وروى عن ابن شهاب، وبلغه عن عروة بن الزبير أنهما كانا يقولان مثل قول سعيد بن المسيب في المرأة أنها تعاقل الرجل إلى ثلث ديته، فإذا بلغت ثلث ديته كانت إلى النصف منها، ومعنى معاقلتها له إلى ثلث ديته أنها تساويه فيما دون ثلث ديته، وعن معاذ ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «دية المرأة على النصف من دية الرجل»، رواه البيهقي عنه وضعفه، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال، قال رسول الله ﷺ : «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديته»، رواه النسائي والدارقطني وصححه ابن خزيمة، ومن جهة النظر فإنها لما كانت تأخذ مع الرجل نصف الحصة من الميراث كان عقلها نصف عقله، ولأن الذي يفوت الأهل بفقد الذكر ليس كالذي يفوتهم بفقد الأنثى، وظاهر الآية المساواة لكن السنة مبينة للقرآن، والله المستعان.
стр. 2013
• قوله:
٢٩ - «وكذلك دية الكتابيين، ونساؤهم على النصف من ذلك».
يعني أن دية الكتابيين وهم اليهود والنصارى الذكور نصف دية الحر المسلم، ودليله قول النبي ﷺ : «دية عقل الكافر نصف عقل المؤمن»، رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو، ورواه أبو داود عنه بلفظ: «دية المعاهد نصف دية الحر»، والمراد بالكافر في الأول خصوص المعاهد ويدخل فيه المستأمن، إذ دم الحربي هدر، وفي الموطإ (١٥٧٤) بلاغا عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه قضى أن دية اليهودي والنصراني إذا قتل أحدهما على نصف دية الحر المسلم»، وقوله ونساؤهم،،، الخ الواو فيه للاستئناف يعني أن نساء الكفار ديتهن نصف دية رجالهم.
стр. 2014
• قوله:
٣٠ - «والمجوسي ديته ثمانمائة درهم ونساؤهم على النصف من ذلك، ودية جراحهم كذلك».
في الموطإ (١٥٧٥) عن يحي بن سعيد أن سليمان بن يسار كان يقول: «دية المجوسي ثمانمائة درهم»، قال مالك: وهو الأمر عندنا»، انتهى، أما أن النساء المجوسيات على النصف من دية رجالهم فلعموم قول النبي ﷺ : «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديته».
ودية جراح الكفار تجري على نسق دية النفس فلا خصوصية للمجوس، فإن المرأة منهم على النصف من دية الرجل، فمثلا دية قتل الكتابية (٢٥) ناقة، أو (٢٥٠) دينارا، أو (٣٠٠٠) درهم، فتكون دية قطع يدها اثنا عشر بعيرا ونصف بعير (١٢.٥)، أو (١٥٠٠) درهم، والمجوسية دية قتلها (٤٠٠) درهم، ودية قطع يديها كذلك، لكن هذا ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بما دون ثلث الدية، فمتى كانت دية المرأة دون ثلث الدية ساوت المرأة الرجل مسلما كان أو غيره، فإذا بلغته عادت إلى النصف من ديته، وسيأتي المزيد.
стр. 2015
• قوله:
٣١ - «وفي اليدين الدية وكذلك في الرجلين أو العينين، وفي كل واحدة منهما نصفها».
لما أنهى الكلام على دية القتل ذكر دية قطع الأعضاء وإفساد منافعها والجراح، متخلصا إليها من الكلام على دية جراح أهل الكتاب.
ودية الجراح تكون في أربعة أحوال: حال الخطإ، وحال العمد الذي جرى فيه العفو، وحال تعذر القصاص لعدم المكافأة، وحال خوف تلف النفس بالقصاص.
ولا يكون العفو في الجراح إلا من المجني عليه، فإن الله قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥].
وقبل شرح كلام المؤلف أثبت هنا ما جاء من المرفوع في دية الجراح للإحالة عليه عند الشرح، فأقول مما اعتمد عليه في ذلك حديث عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسنن والديات وبعث به مع عمرو بن حزم فقرئت على أهل اليمن هذه نسختها: «من محمد النبي ﷺ إلى شرحبيل بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قبل ذي رعين ومعافر وهمدان، أما بعد:،،،» وكان في كتابه أن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قَوَدٌ إلا أن يرضى أولياء المقتول، وأن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرِّجْلِ الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل (كذا)، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرِّجْل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل،
стр. 2016
وفي الموضحة خمس من الإبل، وإن الرَّجُلَ يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار»، رواه مالك والشافعي من حديث عمرو بن حزم مرسلا، ووصله ابن حبان والنسائي والحاكم والبيهقي والدارمي واللفظ المثبت للنسائي، وقال الحاكم وهو قاعدة من قواعد الإسلام ولينظر بطوله في نصب الراية للزيلعي في باب الزكاة، ومن ضعفه فإما لراو فيه، أو لكونه صحيفة، وممن صححه ابن حبان والحاكم والبيهقي وقال أحمد أرجو أن يكون صحيحا، وذهب إلى اعتماده لا من حيث السند بل من حيث إطباق العلماء على الرجوع إليه الشافعي، وابن عبد البر فإنه قال: «وفي إجماع العلماء في كل مصر على معاني ما في حديث عمرو بن حزم دليل واضح على صحة الحديث، وأنه يستعني عن الإسناد لشهرته عند علماء المدينة وغيرهم»، انتهى، وانظر نيل الأوطار: (٧/ ١٦٢ و ٢١٢).
ومقابل الجناية على الأعضاء والجراح أربعة أمور: الدية، أو بعضها، أو الأرش، أو الحكومة، والفقهاء متفقون على هذا في الجملة، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل، وقد ذكر ابن عبد البر ذلك فقال: «ولا خلاف بين العلماء في أن الأنف إذا أوعي جذعا الدية كاملة، ولا خلاف بينهم في دية اليد والرِّجْل والعين إذا أصيبت من ذي عينين، ولا في الأصابع إلا الإبهام، ولكنه اختلف في حكم بعضه، وكذلك المأمومة والجائفة لا خلاف في أن في كل واحد منهما ثلث الدية»، انتهى.
وذُكر ذلك عن العلماء في الموسوعة الفقهية، وأثبته الشيخ أبو مالك في كتابه صحيح فقه السنة، وبين أن الأعضاء المجني عليها إما أن تكون:
- لا نظير لها في البدن كالأنف واللسان فهذا فيه الدية كاملة.
- أو يكون له نظير واحد كاليد والرِّجْل، ففي الجناية على الفرد منه نصف الدية.
قلت: وهذا قال عنه مالك إنه بلغه أن في كل زوج من الإنسان الدية كاملة، وهو في الموطإ (١٥٦٠).
- أو تكون أفراده أربعة كأشفار العينين ففي الواحد ربع الدية.
- أو عشرة كأصابع اليدين والرجلين، ففي الفرد عشر الدية.
- أو أكثر كالأسنان فمن أتلفها جميعا ففي ذلك الدية كاملة، وفي الواحدة منها ربع
стр. 2017
عشر الدية أي خمس من الإبل.
والذي ذكره المؤلف هو أن من قطع من شخص عضوين مزدوجين كمجموع يديه لا فرق بين كون القطع من الكوع أو من المرفق أو من المنكب، أو قطع رجليه من الكعبين أو الركبتين أو من الفخذين، أو قلع عينيه، ومن ذلك الأنثيان، ففي كل واحد من هذه الأربعة الدية كاملة، والمذهب أنها في حال الخطإ على العاقلة، وفي العمد من مال الجاني، ومن تسبب في شل الرجلين أو اليدين أو زوال نور العينين فالدية كاملة، أما ذهاب العضو الواحد من هذه الثلاثة أو ذهاب فائدته ففيه نصف الدية، إلا عين الأعور ففيها الدية كاملة، وسيأتي ذكرها، وقطع رِجْلِ الأعرج كرِجْلِ الصحيح إن كان العرج خفيفا، فإن كان االعرج عن جناية سابقة أخذ أرشها فلا يأخذ عن الجناية الثانية إلا بحساب ما بقي، ويقال هذا في اليد أيضا، وفي اليد الشلاء إذا قطعت حكومة، والمراد بها الاجتهاد في معرفة ما يجب، قال مالك: «الأمر عندنا في اليد الشلاء إذا قطعت أنه ليس في ذلك إلا الاجتهاد، وليس في ذلك عقل مسمى»، انتهى.
ودلّ على ما تقدم في الجملة ما في حديث مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم في العقول: «وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرِّجْل خمسون»، انتهى، يعني من الإبل، وهو نصف الدية، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قضى رسول الله ﷺ في اليد إذا قطعت نصف العقل»، رواه البيهقي.
стр. 2018
• قوله:
٣٢ - «وفي الأنف يقطع مارنه الدية».
مارن الأنف هو ما لان منه، وهو ما دون القصبة، والمارنان المنخران، كذا في النهاية، فهذا فيه الدية على المشهور، ويقابله ما رواه ابن نافع من أن الدية في استئصاله من أصله، وهو الذي في حديث أبي بكر ين محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده «وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية»، وجاء نحوه عند البزار عن عمر ﵁، وأوعب بضم الهمزة مبني للمجهول أي قطع بتمامه، وفي بعض الروايات إذا استؤصل المارن الدية كاملة، فهذا اختلاف من الرواة بلا ريب، فهل هو من التعبير عن الكل بالجزء وهو سائغ في اللغة، وهل يؤخذ بالأدنى احتياطا للدماء، أو بالأعلى احتياطا للأموال؟، الظاهر الأول، لاسيما مع قابلية أن يحمل الإيعاب على المارن وذاك ما جاء في رواية عبد الرزاق: عن ابن طاوس في الكتاب الذي عندهم عن النبي ﷺ في الأنف إذا قطع مارنه الدية، وعللوا وجوب الدية في المارن بأن فيه قطع زوج هما الغضروف الذي يجمع المنخرين، ولأن الأنف فيه جمال المرء وذهاب مارنه كذهابه، فإن لم يستأصل المارن فبحساب ما استؤصل مقيسا من المارن لا من أصل الأنف، وعلى هذا يكون ما دون استئصال المارن فيه حكومة، وفي ذهاب حاسة الشم مع قطع الأنف دية واحدة، فإن تسبب له في ذهاب الشم ثم قطعه بعد ذلك ففيه ديتان.
стр. 2019
• قوله:
٣٣ - «وفي السمع وفي العقل الدية».
المعنى أن من أبطل سمع غيره من أذنيه فعليه الدية كاملة كان ذلك بقطع أو بغيره، فإن أبطل سمع أذن واحدة فنصف الدية، ولو لم يكن يسمع إلا بواحدة، فلم يجعلوها مثل عين الأعور، وفي دية السمع حديث معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وفي السمع الدية مائة من الإبل»، رواه البيهقي وهو ضعيف كما في مسالك الدلالة، وروى ابن أبي شيبة عن أبي قلابة قال: رمى رجل رجلا بحجر في رأسه في زمان عمر بن الخطاب ﵁ فذهب سمعه وعقله ولسانه وذكره فلم يقرب النساء فقضى عمر فيها بأربع ديات»، وقال مالك إنه بلغه،،، فذكر أن: «في الأذنين إذا ذهب سمعهما الدية كاملة، اصطلمتا أو لم تصطلما»، انتهى المراد منه، ومعنى الاصطلام الاستئصال، وما ذكره مروي عن سعيد بن المسيب وربيعة وأبي الزناد ومكحول فلعله يقصد ببلاغه بعضهم، ومن أزال عقل غيره بضرب أو أمر آخر عمدا أو خطأ بحيث صار لا يعقل باستمرار ففيه الدية كاملة، ووجهه أنه لم يعد متمتعا بما يختص به الإنسان وهو العقل فأشبه القتل، أما إن تسبب في زوال عقله في بعض الأوقات دون بعض كأن صار يجن في الشهر بعض الأيام فله من الدية بمقدار ذلك، فإن كان يغيب نصف الشهر فله نصف الدية، وإن كان يغيب ثلثه فله ثلثها، وقد قالوا إنه إذا قطع يديه فزال عقله فله ديتان وإن زاد قطع الرِّجْلَين فله ثلاث ديات فإن مات من ذلك فإن اللازم دية واحدة، وتعدد الديات بسبب الجناية هو ما صرح به مالك في الموطإ قال: «الأمر عندنا أن الرجل إذا أصيب من أطرافه أكثر من ديته فذلك له، إذا أصيب يداه ورجلاه وعيناه فله ثلاث ديات، وقال في عين الأعور إذا فقئت إن فيها الدية كاملة»، انتهى.
стр. 2020
• قوله:
٣٤ - «وفي الصُّلْب يكسر الدية».
الصُّلْب بضم الصاد وسكون اللام عظم الظهر وبدايته من الكاهل وينتهي بِعَجْب الذَّنَبِ، وهو الذي لا يبقى بعد فناء الإنسان غيره، والمراد كسر عظم الظهر ويؤدي ذلك غالبا إلى عدم القدرة على القيام والقعود أو القيام فقط، فإن منعه القيام وحده ففيه حكومة، أي اجتهاد في مقدار الأرش، وكون الصلب فيه الدية هو في حديث عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعن ابن المسيب أن السُّنَّةَ مضت في العقل أن في الصلب الدية، رواه ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عنه، لكن هذا موقوف كما يعلم من فن المصطلح ومع ذلك فهو دال على أن هذا قد شاع في عهد التابعين، وهم من خير القرون.
стр. 2021
• قوله:
٣٥ - «وفي الأنثيين الدية».
الأنثييان هما البيضتان وبهما يكون الإنجاب، فقطعهما معا فيه الدية، وفي قطعهما مع الذكر ديتان، وفي قطع إحداهما نصفها، وعن بعض الصحابة في اليسرى ثلثا الدية لأن الإنجاب منها، وفي الأخرى ثلثها، وهذا إن ثبت دل على أن الاجتهاد عندهم سائغ في المفاضلة بين الزوجين من الأعضاء لتفاوت منفعتيهما، وقد ذهب بعضهم إلى المفاضلة بين الشفتين.
стр. 2022
• قوله:
٣٦ - «وفي الحشفة الدية».
الحشفة هي رأس الذَّكَر، وفي قطعها الدية، فإن قطع بعضها فبحساب المقطوع منسوبا إلى أصل الحشفة لا إلى أصل الذكر، كما مر في دية الأنف، فإن قطع الذكر كله ففيه الدية لا فرق بين شاب وشيخ وعِنِّين ومعترَض للإطلاق الذي في الدليل.
стр. 2023
• قوله:
٣٧ - «وفي اللسان الدية، وفي ما منع منه الكلام الدية»
أما أن في قطع اللسان الدية فقد تقدم دليله، وأما أن الدية فيما منعه من الكلام فلأن فائدة اللسان الكلام فإذا فقده المرء فاتت منفعته، ولذلك قالوا إن قطع منه ما لا يمنع الكلام ففي ذلك القدر الاجتهاد، وهذا التفصيل مروي عن عمر رواه عنه البيهقي كما في مسالك الدلالة، ونظرا لهذا المعنى قالوا إن من قطع لسان أخرس ففيه حكومة، ما لم يؤد قطعه إلى ذهاب الصوت وإلا ففيه الدية، ومعنى الحكومة أن يُقَوَّمَ المجني عليه قيمة عبد ثم ينظر كم نقص من قيمته نتيجة الجناية، فإذا قيل إن الناقص هو عشر قيمته أو خمسها كان التعويض بمقدار تلك النسبة من الدية، وهذا متجه قوي لو كان الأرقاء موجودين، فالظاهر أن معنى الحكومة التحكيم من غير اعتبار بما ذُكِر وهو نظر المرء العارف فيقضي بما يراه منسوبا إلى الدية لا إلى قيمة العبد، والله أعلم.
стр. 2024
• قوله:
٣٨ - «وفي ثديي المرأة الدية».
لا فرق في هذا الحكم بين ثديي الشابة والعجوز لأن في قطعهما تفويتا على المرأة ما فيهما من جمال بملء صدرها، مع أمور أخرى قد تختلف فيها النساء، وقد تقدم اتفاق الفقهاء في الجملة على أن الجناية على العضوين فيها الدية، وقال مالك في الموطإ (١٥٦١) إنه بلغه «أن في ثديي المرأة الدية كاملة، وأخف ذلك عندي الحاجبان وثديا الرجل»، انتهى، وقال ربيعة مبينا منافع الثدي: «في ثدي المرأة سداد لصدرها، وثمال لولدها، وهو بمنزلة المال في الغنى، وبمنزلة الأثاث في الجمال، وبمنزلة الجرح الشديد في المصيبة، فأرى فيه نصف دية المرأة»، انتهى، وانظر مسالك الدلالة ص (٢٨٦)، يقصد بالسداد الكمال، وبالثمال اللبن، أما إن قطع الحلَمة فإن انقطع اللبن ففيها مثل قطع الثدي، وإن لم يذهب اللبن ففيها حكومة، أما الصغيرة فيُستأنى بها، أي ينتظر ليرى أينبتان أم لا؟، فإن نبتتا فلا عقل، وإلا فالحكم ما سبق، فإن ماتت قبل معرفة المآل فالدية مراعاة للأصل.
стр. 2025
• قوله:
٣٩ - «وفي عين الأعور الدية».
المراد أن من أتلف العين الصحيحة من الأعور ففيها الدية كاملة سواء طمسها أو أذهب نورها، ووجهه أن بصره قد ذهب كله بإتلافها، فالجاني عليه كأنما أتلف عينيه جميعا، وقد قضى بهذا عمر وعلي وابن عمر ﵃، وانظر الإرواء (٧/ ٣١٥)، وقال مالك: «في عين الأعور الصحيحة إذا فقئت خطأ إن فيها الدية كاملة»، انتهى، أما إن كانت الجناية على العين العوراء فليس فيها عقل مسمى، وإنما فيها حكومة، وهو في الموطإ أيضا.
стр. 2026
• قوله:
٤٠ - «وفي الموضحة خمس من الإبل».
الموضحة من الجراح والشجاج، وقد أدخلها المؤلف في أثناء الكلام على الأعضاء، وسيأتي شرحها، وفيها نصف عشر الدية، أعني خمسا من الإبل كما في الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ لأهل اليمن.
стр. 2027
• قوله:
٤١ - «وفي السن خمس».
يعني أن السن إذا قلعت ففيها خمس من الإبل وتقدم دليلها، وألحقوا بقلعها ما إذا ضربت فاضطربت جدا بحيث لا تعود لحالتها الأولى، أو تغير لونها باسوداد أو احمرار أو اصفرار، إما لما في ذلك من الدلالة على ذهاب منفعتها، أو فقدان جمالها، والأسنان وإن كنت متفاوتة في المنفعة والجمال فقد جاءت السنة بتساويها في الدية لا فرق بين ما كان منها في مقدم الفم كالثنايا والأنياب أو في داخله ومؤخره كالأضراس، فقد روى أبو داود وابن ماجة عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الأسنان سواء: الثنية والضرس سواء»، قال الألباني في التعليقات الرضية (٣/ ٣٨٢): سنده صحيح.
стр. 2028
• قوله:
٤٢ - «وفي كل أصبع عشر، وفي الأنملة ثلاث وثلث، وفي كل أنملة من الإبهامين خمس من الإبل».
لما كان في قطع اليدين الدية وكان فيهما عشرة أصابع قسمت الدية عليها لكل منها عشرها وهو عشر من الإبل من غير اعتبار لتفاوت منافع الأصابع كما هو شأن الأسنان، وهذا للتيسير على الناس، وروى أحمد وأبو داود والنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال، قال رسول الله ﷺ : «في كل أصبع عشر من الإبل، وفي كل سن خمس من الإبل، والأصابع سواء والأسنان سواء»، وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «هذه وهذه - الخنصر والإبهام - سواء»، والخنصر بكسر الخاء المعجمة والنون والصاد المكسورة، هو آخر أصابع اليد، وإلى جواره البنصر فالوسطى فالسبابة فالإبهام، وهذا الحكم قد جاء في حديث عمرو بن حزم المتقدم، ولما كان في كل إصبع ثلاث أنامل فإنه إن قطع بعض الأصبع كان فيه من الدية بحساب ذلك وهو ثلاثة أبعرة وثلث، إلا الإبهام فإن في الأنملة الواحدة منه خمسا من الإبل جريا على نفس القياس، وهذا الحكم إنما هو في قطع إصبع المسلم، أما الذمي فدية إصبعه عشر ديته، ففي إصبعه خمس من الإبل، وفي الأنملة منه بعير وسدس، وفي أنملة إبهامه بعيران ونصف.
стр. 2029
• قوله:
٤٣ - «وفي المُنَقِّلة عشر ونصف عشر».
المنقلة بفتح النون والقاف المكسورة المشددة وتسمى الهاشمة أيضا، وسيبينها المؤلف، فيها خمسة عشر من الإبل، لما في حديث عمرو بن حزم: «وفي المُنَقِّلَة خمسة عشر من الإبل»، وإنما تكون كذلك إذا كانت في الرأس أو في اللحي الأعلى، فإن كانت في غيرهما ففيها حكومة، وقد قالوا إن العمد والخطأ في المنقلة في ذينك الموضعين سواء، إذ لا قصاص فيها لأنها من المتالف أي أن القصاص قد يؤدي إلى قتل المقتص منه لعسر التزام المماثلة المطلوبة، فإن كانت في غيرهما ففيها القصاص.
стр. 2030
• قوله:
٤٤ - «والموضحة ما أوضح العظم والمنقلة ما طار فراشها من العظم ولم تصل إلى الدماغ وما وصل إليه فهي المأمومة ففيها ثلث الدية، وكذلك الجائفة».
عرف ﵀ هنا أربعا من الجراحات، أولها الموضحة، وهي من الوضوح عكس الخفاء يقال وضح الشيء بفتح الضاد يضح، والمراد بها الجرح الذي يبلغ العظم فيوضحه بعد أن يزول الساتر الذي يستره وهو الجلد وما تحته من اللحم كيفما كان مقدار ما يظهر من العظم قالوا ولو مساحة رأس الإبرة، ولا تكون الموضحة إلا في الرأس والجبهة والخدين، والثانية المنقلة وهي ما زال بسببها العظم بعد كسره بالضرب، فإن تجاوز الجرح إلى الدماغ فهي الثالثة، وهي المأمومة، أي التي بلغت أم الرأس، وهي الجلدة التي تجمع الدماغ، ويقال لها آمّة بالمد والميم المشددة أيضا، ولا تكون المأمومة إلا في الرأس والجبهة، ولما لم يسبق له ذكر دية المأمومة بينها بقوله: «ففيها ثلث الدية»، أي ثلاثة وثلاثون بعيرا وثلثه، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قضى رسول الله ﷺ في المأمومة ثلث العقل: ثلاثا وثلاثين بعيرا أو قيمتها من الذهب أو الوَرِق أو البقر أو الشاء، والجائفة مثل ذلك»، وهو حجة على أهل المذهب في أن الإبل هي الأصل، أما غيرها فالمعتبر القيمة وقد تقدم ذلك، والرابعة الجائفة وهي ما أفضت إلى الجوف سواء من الظَّهْر أو من البطن ولو بمقدار إبرة ففيها ثلث الدية لما في حديث عمرو بن حزم: «وفي الجائفة ثلث الدية».
стр. 2031
• قوله:
٤٥ - «وليس فيما دون الموضحة إلا الاجتهاد، وكذلك في جراح الجسد».
ما دون الموضحة من الجراحات عددها ست: ثلاثة منها في الجلد، والثلاثة الأخرى في اللحم، فلتنظر في كتب أهل العلم، والحجة فيما قاله المصنِّف أن النبي ﷺ انتهى في بيان عقول الجراحات إلى الموضحة فما كان دونها تعين الاجتهاد في مقدار ديته، قال مالك: «الأمر المجتمع عليه عندنا أنه ليس فيما دون الموضحة من الشجاج عقل حتى تبلغ الموضحةَ فما فوقها، وذلك أن رسول الله ﷺ انتهى إلى الموضحة في كتابه لعمرو بن حزم فجعل فيها خمسا من الإبل»، انتهى، لكنهم قيدوا الاجتهاد فيما دون الموضحة بما إذا برئ الجرح على شين، فإن كان الجرح عمدا ففيه القصاص، ومثل ذلك سائر جراحات الجسد: في خطئها الاجتهاد، وفي عمدها القصاص ما لم يعظم خطره كعظام الصلب والصدر والعنق والفخذ فلا قصاص لكونها مَتَالِف والأصل عصمة الدماء.
стр. 2032
• قوله:
٤٦ - «ولا يعقل جرح إلا بعد البرء».
أي لا تؤخذ دية الجرح على ما تقدم ولا يكون فيه حكومة حتى يبرأ، لأنه قبل ذلك لا يعلم مقدار الدية، ولا يعلم هل يبرأ على شين أو لا؟، ولا فرق في هذا الانتظار بين أن يكون الواجب مقدرا كالجائفة والآمة، أو ليس فيه غير الاجتهاد كالجراح التي دون الموضحة، كما أنه لا فرق في لزوم الانتظار بين أن يكون الجرح خطأ أو عمدا مما لا قصاص فيه لكونه من المَتَالِف، وظاهر كلام المصنف أن الانتظار يكون إلى البرء، لا فرق بين أن يحصل في السنة أو قبلها، وقال بعضهم لا بد من الاستيناء سنة ولو برئ قبلها، وقد جاء في هذه المسألة حديث جابر رواه البيهقي وهو ضعيف.
ودليل انتظار البرء مطلقا أي من غير قيد السَّنَةِ حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته فجاء إلى النبي ﷺ فقال: «أقدني»، فقال: «حتى تبرأ»، ثم جاء إليه فقال: «أقدني»، فأقاده، ثم جاء إليه فقال: «يا رسول الله عرجت»، فقال: «قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله، وبطل عرجك»، ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه»، رواه أحمد والدارقطني في كتاب الحدود والديات (ح/ ٢٤)، قال في سبل السلام: وفي معناه أحاديث تزيده قوة»، انتهى.
قلت: وليس في إذنه ﷺ له في القصاص قبل البرء حجة على عدم لزوم انتظار البرء، لأنه قد نهاه، حيث أمره بالانتظار ببيان الغاية، ثم أخبره بعد أنه قد نهاه، وفيه دليل على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده.
وكما يُسْتَأْنَى بالعقل إلى أن يبرأ الجرح، فكذلك لا يقتص من الجاني حتى يبرأ المجني عليه، لاحتمال أن يكون الجرح سببا في ذهاب النفس فيستحق دم القتيل بالقسامة على ما تقدم.
стр. 2033
ويؤخر القصاص أيضا في حال الحر المفرط والبرد المفرط خوفا من أن يؤدي ذلك إلى تلف نفس الجاني، فتزهق نفس فيما دونها، فهل رأيت احتياطا مثل هذا؟، أما القتل فلا يؤخر إلا لنحو حمل أو رضاع.
стр. 2034
• قوله:
٤٧ - «وما برئ على غير شين مما دون الموضحة فلا شيء فيه».
المراد بالشين العيب والقبح الذي يخلفه الجرح في الجسد، والزين والشين من الدارج الفصيح في بلادنا، والمعنى أن ما قَدَّرَ الشرع فيه شيئا من الدية فهو اللازم برئ الجرح على شين أو لا، وما لم يقدر فيه شيئا فما برئ على شين ففيه حكومة، وما لم يخلف شينا فلا شيئ فيه متى كان خطأ أو عمدا ولم يقتص منه للعفو.
قلت لكن الكلام فيما يلزم من التعويض المادي لا في غيره من التعزير الذي للحاكم فعله.
стр. 2035
• قوله:
٤٨ - «وفي الجراح القصاص في العمد إلا في المَتَالِفَ مثل المأمومة والجائفة والمنَقِّلَة والفخذ والأنثيين والصلب ونحوه ففي كل ذلك الدية».
ما كان من الجراح في الجسد يسمى كذلك، وما كان منها في الرأس يسمى الشجاج، والقصاص يشملهما لعموم قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]، وهو عام في الجراح سواء تلك التي عين الشارع لها مقدارا من المال أو التي فيها حكومة، وكيفما كان الموضع من الجسد فيقتص من الجاني المتعمد بمقدار مساحة الجرح طولا وعرضا وعمقا، كانوا يقيسونها بالمِيلِ بكسر الميم فهو مقياسهم كما قال:
إذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت … عشيتها أو زاد وهيا هزومها
والآسي هو العالم بعلم الطب، والنطاسي الماهر فيه، والوهي الضعف، يعني أن الجرح يزداد غورا من شدة الضربة إذا قاسه الطبيب.
ومفهوم الجراح أن الضربة واللطمة إذا لم تخلف جرحا لا قصاص فيها، ومثله نتف اللحية والشارب وشعر الحاجبين، فالعمد في هذا والخطأ مستويان كذا قالوا، لكن فيها التأديب بما يراه الحاكم، وفي هذا التقييد نظر، فقد جاء عن عدد من الصحابة ﵃ خلاف ذلك قال البخاري: «وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعلي وسويد بن مقرن من لطمة، وأقاد عمر من ضربة بِالدِّرَّة، وأقاد علي من ثلاثة أسواط، واقتص شريح من سوط وخُمُوش»، انتهى، والخموش هي الخدوش.
وقال ابن القيم ﵀ بعد ذكر من ادعى الإجماع على عدم القصاص في اللطمة: «بالغ بعض المتأخرين فنقل الإجماع على عدم القَوَدِ في اللطمة والضربة، وإنما يجب
следующие страницы →