Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
• قوله:
٤٥ - «وليس فيما دون الموضحة إلا الاجتهاد، وكذلك في جراح الجسد».
ما دون الموضحة من الجراحات عددها ست: ثلاثة منها في الجلد، والثلاثة الأخرى في اللحم، فلتنظر في كتب أهل العلم، والحجة فيما قاله المصنِّف أن النبي ﷺ انتهى في بيان عقول الجراحات إلى الموضحة فما كان دونها تعين الاجتهاد في مقدار ديته، قال مالك: «الأمر المجتمع عليه عندنا أنه ليس فيما دون الموضحة من الشجاج عقل حتى تبلغ الموضحةَ فما فوقها، وذلك أن رسول الله ﷺ انتهى إلى الموضحة في كتابه لعمرو بن حزم فجعل فيها خمسا من الإبل»، انتهى، لكنهم قيدوا الاجتهاد فيما دون الموضحة بما إذا برئ الجرح على شين، فإن كان الجرح عمدا ففيه القصاص، ومثل ذلك سائر جراحات الجسد: في خطئها الاجتهاد، وفي عمدها القصاص ما لم يعظم خطره كعظام الصلب والصدر والعنق والفخذ فلا قصاص لكونها مَتَالِف والأصل عصمة الدماء.
стр. 2032
• قوله:
٤٦ - «ولا يعقل جرح إلا بعد البرء».
أي لا تؤخذ دية الجرح على ما تقدم ولا يكون فيه حكومة حتى يبرأ، لأنه قبل ذلك لا يعلم مقدار الدية، ولا يعلم هل يبرأ على شين أو لا؟، ولا فرق في هذا الانتظار بين أن يكون الواجب مقدرا كالجائفة والآمة، أو ليس فيه غير الاجتهاد كالجراح التي دون الموضحة، كما أنه لا فرق في لزوم الانتظار بين أن يكون الجرح خطأ أو عمدا مما لا قصاص فيه لكونه من المَتَالِف، وظاهر كلام المصنف أن الانتظار يكون إلى البرء، لا فرق بين أن يحصل في السنة أو قبلها، وقال بعضهم لا بد من الاستيناء سنة ولو برئ قبلها، وقد جاء في هذه المسألة حديث جابر رواه البيهقي وهو ضعيف.
ودليل انتظار البرء مطلقا أي من غير قيد السَّنَةِ حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته فجاء إلى النبي ﷺ فقال: «أقدني»، فقال: «حتى تبرأ»، ثم جاء إليه فقال: «أقدني»، فأقاده، ثم جاء إليه فقال: «يا رسول الله عرجت»، فقال: «قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله، وبطل عرجك»، ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه»، رواه أحمد والدارقطني في كتاب الحدود والديات (ح/ ٢٤)، قال في سبل السلام: وفي معناه أحاديث تزيده قوة»، انتهى.
قلت: وليس في إذنه ﷺ له في القصاص قبل البرء حجة على عدم لزوم انتظار البرء، لأنه قد نهاه، حيث أمره بالانتظار ببيان الغاية، ثم أخبره بعد أنه قد نهاه، وفيه دليل على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده.
وكما يُسْتَأْنَى بالعقل إلى أن يبرأ الجرح، فكذلك لا يقتص من الجاني حتى يبرأ المجني عليه، لاحتمال أن يكون الجرح سببا في ذهاب النفس فيستحق دم القتيل بالقسامة على ما تقدم.
стр. 2033
ويؤخر القصاص أيضا في حال الحر المفرط والبرد المفرط خوفا من أن يؤدي ذلك إلى تلف نفس الجاني، فتزهق نفس فيما دونها، فهل رأيت احتياطا مثل هذا؟، أما القتل فلا يؤخر إلا لنحو حمل أو رضاع.
стр. 2034
• قوله:
٤٧ - «وما برئ على غير شين مما دون الموضحة فلا شيء فيه».
المراد بالشين العيب والقبح الذي يخلفه الجرح في الجسد، والزين والشين من الدارج الفصيح في بلادنا، والمعنى أن ما قَدَّرَ الشرع فيه شيئا من الدية فهو اللازم برئ الجرح على شين أو لا، وما لم يقدر فيه شيئا فما برئ على شين ففيه حكومة، وما لم يخلف شينا فلا شيئ فيه متى كان خطأ أو عمدا ولم يقتص منه للعفو.
قلت لكن الكلام فيما يلزم من التعويض المادي لا في غيره من التعزير الذي للحاكم فعله.
стр. 2035
• قوله:
٤٨ - «وفي الجراح القصاص في العمد إلا في المَتَالِفَ مثل المأمومة والجائفة والمنَقِّلَة والفخذ والأنثيين والصلب ونحوه ففي كل ذلك الدية».
ما كان من الجراح في الجسد يسمى كذلك، وما كان منها في الرأس يسمى الشجاج، والقصاص يشملهما لعموم قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]، وهو عام في الجراح سواء تلك التي عين الشارع لها مقدارا من المال أو التي فيها حكومة، وكيفما كان الموضع من الجسد فيقتص من الجاني المتعمد بمقدار مساحة الجرح طولا وعرضا وعمقا، كانوا يقيسونها بالمِيلِ بكسر الميم فهو مقياسهم كما قال:
إذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت … عشيتها أو زاد وهيا هزومها
والآسي هو العالم بعلم الطب، والنطاسي الماهر فيه، والوهي الضعف، يعني أن الجرح يزداد غورا من شدة الضربة إذا قاسه الطبيب.
ومفهوم الجراح أن الضربة واللطمة إذا لم تخلف جرحا لا قصاص فيها، ومثله نتف اللحية والشارب وشعر الحاجبين، فالعمد في هذا والخطأ مستويان كذا قالوا، لكن فيها التأديب بما يراه الحاكم، وفي هذا التقييد نظر، فقد جاء عن عدد من الصحابة ﵃ خلاف ذلك قال البخاري: «وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعلي وسويد بن مقرن من لطمة، وأقاد عمر من ضربة بِالدِّرَّة، وأقاد علي من ثلاثة أسواط، واقتص شريح من سوط وخُمُوش»، انتهى، والخموش هي الخدوش.
وقال ابن القيم ﵀ بعد ذكر من ادعى الإجماع على عدم القصاص في اللطمة: «بالغ بعض المتأخرين فنقل الإجماع على عدم القَوَدِ في اللطمة والضربة، وإنما يجب
стр. 2036
التعزير، وذهل في ذلك، فإن القول بجريان القود في ذلك ثابت عن الخلفاء الراشدين، فهو أولى بأن يكون إجماعا وهو مقتضى إطلاق الكتاب والسنة»، انتهى.
ومستند مالك في عدم القصاص ما قاله من أنه ليس لطمة المريض الضعيف مثل لطمة القوي، وليس العبد الأسود يُلطم مثل الرجل ذو الحالة والهيئة، وإنما في ذلك كله الاجتهاد للجهل بمقدار اللطمة، انظر تفسير القرطبي.
والمتَالِفُ هي الجراحات التي يغلب عليها أن تؤدي إلى الموت، وقد ذكر المؤلف لها أمثلة منها كسر الفخذ وعظام الصدر والعنق ورض الأنثيين، أما قطعهما ففيه القصاص.
وقد حدث من الوسائل ما يجعل بعض ما كان قبل من المتالف ليس منها، لكن أين من يقيم الحدود وقد صار بعض المنسوبين للعلم كلما ذكروها هونوا من شأنها بقولهم إنها آخر ما يقام في الإسلام إرضاء للكفار والمستغربين، ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢]، فإنه أعلم بخلقه وهو أرحم الراحمين.
أما أنه لا يقتص من المتالف فلأن ذلك قد يؤدي إلى موت المقتص منه أو عدم التمكن من الاقتصار على مقدار جنايته، والقصاص الذي شرعه الله تعالى معناه المماثلة، وهي متعذرة في المتالف فيستوي فيها العمد والخطأ في لزوم الدية مع التأديب في العمد، وقد روى البيهقي عن طلحة مرفوعا: «ليس في المأمومة قود» ورُوي هذا أيضا في الجائفة والمنقلة، وقد روى سعيد بن منصور عن عطاء بن أبي رباح أن رجلا كسر فخذ رجل فخاصمه إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: «يا أمير المؤمنين أقدني»، قال: «ليس لك قَوَد، إنما لك العقل»، انتهى، لكن فيه الحجاج بن أرطاة.
وقال في الروضة الندية (٣/ ٣٥٩): «وأما تقييد ذلك بالإمكان فلكون بعض الجروح قد يتعذر الاقتصاص فيها كعدم إمكان الاقتصار على مثل ما في المجني عليه، وخطاب الشرع محمول على الإمكان من دون مجاوزة للمقدار الكائن في المجني عليه، فإذا كان لا يمكن إلا بمجاوزة للمقدار، أو بمخاطرة وإضرار، فالأدلة الدالة على تحريم دم المسلم وتحريم الإضرار به بما هو خارج عن القصاص مخصصة لدليل الاقتصاص»، انتهى.
стр. 2037
• قوله:
٤٩ - «ولا تحمل العاقلة قتل عمد ولا اعترافا به، وتحمل من جراح الخطإ ما كان قدر الثلث فأكثر، وما كان دون الثلث ففي مال الجاني».
قال ابن الأثير: «العقل هو الدية، وأصله أن القاتل كان إذا قتل قتيلا جمع الدية من الإبل فعقلها بفناء أولياء المقتول، أي شدها في عُقُلها ليسلمها إليهم، ويقبضوها منه، فسميت الدية عقلا بالمصدر، قال: والعاقلة هي العصبة والأقارب من قِبَلِ الأب الذين يعطون دية قتيل الخطإ وهي صفة جماعة عاقلة، وأصلها اسم: فاعلة من العقل، وهي من الصفات الغالبة»، انتهى.
لما أنهى المؤلف الكلام على دية النفس والأعضاء والجراح بين هنا من عليه دفع الدية، ولما كانت الدية إنما شرعت في القرآن مقرونة بقتل الخطإ، وجاءت الأحاديث مبينة أنها على العاقلة أخذ بهذا القيد جمهور الفقهاء - واعتبروا جراحات الخطأ مثل القتل الخطإ.
وقد بين هنا ما لا تتحمله العاقلة بل يكون في مال الجاني، فإن لم يكن له مال كان دَيْنًا عليه، وهو أشياء ثلاثة: أولها دية قتل العمد كيفما كان طريق ثبوته، ووجهه أن الدية إنما شرعت أصلا في الخطإ، ووجه عدم تحملها في حالة الاعتراف زيادة على ما سبق احتمال تواطؤ المعترف مع أولياء المقتول لتحصل لهم الدية، ولم يفرقوا بين العدل الثقة الذي لا يتهم وبين غيره، وقد روى مالك في الموطإ (١٥٧٧) عن ابن شهاب أنه قال: «مضت السنة أن العاقلة لا تحمل شيئا من دية العمد إلا أن يشاؤوا ذلك»، انتهى، وهذا ليس من المرفوع، ولا هو في حكمه، وروى عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقول: «ليس على العاقلة عقل في قتل العمد، إنما عليهم قتل الخطإ»، انتهى، وروى عن يحي بن سعيد وابن شهاب مثله وزادا: إلا أن تعينه العاقلة عن طيب نفس منها»، انتهى، وعن ابن
стр. 2038
عباس ﵄ قال: «لا تحمل العاقلة عمدا ولا ما جنى المملوك ولا صلحا ولا اعترافا»، رواه البيهقي وحسنه الألباني في الإرواء (ح/ ٢٣٤٠)، ومثله عن عمر في سنن الدارقطني وهو ضعيف، وإنما صح من قول عامر الشعبي كما في الإرواء أيضا، ومن ذلك ما رواه البيهقي عن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء من أهل المدينة كانوا يقولون: لا تحمل العاقلة ما كان عمدا ولا عبدا ولا صلحا، ولا اعترافا»، انتهى.
وقد قرر مالك عدم تحمل العاقلة دية العمد ثم بين أنه لم يسمع عن العاقلة في دية العمد شيئا ثم قال: و «مما يعرف به ذلك أن الله ﵎ قال في كتابه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨]، فتفسير ذلك فيما نرى والله أعلم أنه من أعطي من أخيه شيء من العقل فليتبعه بالمعروف وليؤد إليه بإحسان»، انتهى، قال الزرقاني في شرحه على الموطإ (٤/ ١٩٣): «فدل ذلك على أن دية العمد إنما هي على القاتل لأن الأمر إنما هو باتباعه لا عاقلته، وترتيب الاتباع على العفو يفيد أن الواجب أحدهما أي القصاص أو العفو، وهو المشهور عن مالك، ورواية ابن القاسم عنه، وروى أشهب عن مالك الواجب القصاص أو الدية، واختاره جماعة من المتأخرين لحديث الصحيحين مرفوعا: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يودى، وإما أن يقاد»، انتهى.
- وثانيها دية جراح العمد إذا لم يحصل القصاص لعفو أو مانع كوجودها في المتالف، ووجهه أنه في معنى القتل العمد فلا تحمله العاقلة.
- وثالثها دية جراح الخطإ متى لم تصل إلى ثلث الدية، وهذا لجريان العمل عليه في المدينة، ولقاعدة المذهب في اعتبار الثلث من الكثير، قال مالك: «الأمر عندنا أن الدية لا تجب على العاقلة حتى تبلغ الثلث فصاعدا، فما بلغ الثلث فهو على العاقلة، وما كان دون الثلث فهو في مال الجارح خاصة»، انتهى.
أما إن قيل إن الأحاديث الواردة في تحمل العاقلة الدية ليس فيها التقييد بالقتل الخطإ، بل في بعضها ما يشعر بأنه في العمد، ومن تلك الأحاديث ما رواه مسلم عن جابر قال: «كتب رسول الله ﷺ أن على كل بطن عقولة، ثم كتب أنه لا يحل أن يتولى مولى
стр. 2039
رجل مسلم بغير إذنه»، والعُقولة بضم العين هي العقل أي الدية، وروى أبو داود وابن ماجة عن جابر أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة منهما زوج وولد، فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ الزوج والولد، فقال عاقلة المقتولة: «ميراثها لنا»، فقال رسول الله ﷺ : «لا، ميراثها لزوجها وولدها»، والقتل هنا قد يكون عمدا أو شبه عمد، وثبت أنه على العاقلة، ولأن المعنى الذي لأجله جعلت الدية على العاقلة أو بعضه موجود في العمد في حال العفو، ومن بين ما يوجه به القول بكون دية الخطإ على العاقلة لا العمد أنه لا تضامن في حال العمد كيلا يكون ذريعة للتساهل في الدماء، أو يفهم منه فاهم التشجيع على القتل، ولينظر ما قاله الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ٤٥٣).
قال كاتبه عفا الله عنه: لو قيد جعل الدية على العاقلة في حال العمد بشرط فقر القاتل حتى لا تهدر الدماء لكان متجها، ويتأيد ذلك بحديث أبي رمثة قال: «أتيت النبي ﷺ ومعي ابني فقال: «من هذا»؟، فقلت: ابني، وأشهد به، فقال: «أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه»، رواه أبو داود والنسائي، وروى أبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع النبي ﷺ فقال: «لا يجني جان إلا على نفسه، ولا يجني جان على ولده»، الجناية الذنب، ومعناه أن ما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العقاب أو القصاص لا يتحمله عنه غيره، وإذا كان هذا الأمر مراعى في جناية الوالد بحيث لا يتحملها عنه ولده فكيف بغيره؟، لكن الحديث مخصوص عند أهل الحق بتحمل العاقلة الدية، لأنها من باب التضامن والتناصر، وقاتل الخطإ لا يعتبر جانيا حقيقة بخلاف المتعمد، فيكون قصر تحمل العاقلة الدية على حال الخطإ مناسبا لاجتماع الأدلة عليه، ويبقى العمد في أصله على الجاني حتى يأتي الدليل على خلاف ذلك، والله أعلم.
стр. 2040
• قوله:
٥٠ - «وأما المأمومة والجائفة عمدا فقال مالك ذلك على العاقلة وقال أيضا إن ذلك في ماله إلا أن يكون عديما فتحمله العاقلة لأنهما لا يقاد من عمدهما وكذلك ما بلغ ثلث الدية مما لا يقاد منه لأنه متلف».
علة كون دية الجائفة والمأمومة على العاقلة أنهما لا قود فيهما لأنهما من المتالف، فأشبها من هذا الوجه جراح الخطإ، ولأن فيهما ثلث الدية، والقول الآخر للإمام أنهما في مال الجاني باعتبار العمد، فإن كان لا مال له فالدية على العاقلة صونا للحقوق عن الضياع، ومثل هذا كل ما كان من الجراحات في المتالف فإن فيه ذينك القولين، والله أعلم.
стр. 2041
• قوله:
٥١ - «ولا تعقل العاقلة من قتل نفسه عمدا أو خطأ».
لم يأت دليل يعتمد عليه في دية من أصاب نفسه عمدا أو خطأ، والأصل براءة الذمة وعصمة الأموال، ولأن الدية إنما جاءت في قتل الغير خطأ أو عمدا، قال مالك: «ولا تعقل العاقلة أحدا أصاب نفسه عمدا أو خطأ، وعلى ذلك رأ ي أهل الفقه عندنا»، انتهى.
стр. 2042
• قوله:
٥٢ - «وتعاقل المرأة الرجل إلى ثلث دية الرجل، فإذا بلغتها رجعت إلى عقلها».
يعني أن دية المرأة مثل دية الرجل من أهل دينها ما لم تبلغ الدية الثلث، فإذا بلغته ردت إلى ديتها التي تقدم بيانها مفصلا، وهي نصف دية الرجل من أهل دينها، وقوله فإذا بلغتها الصواب بلغته أي الثلث، وقد يجوز على معنى أن ذلك القدر هو دية وفيه بعد، ودليل هذا الحكم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال، قال رسول الله ﷺ : «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديته»، رواه النسائي والدارقطني وصححه ابن خزيمة، وهذا يغني عن حديث معاذ قال، قال رسول الله ﷺ : «دية المرأة على النصف من دية الرجل»، رواه البيهقي وضعفه، وعلى كل حال فالدية فيه مقيدة بما دون الثلث.
стр. 2043
• قوله:
٥٣ - «والنفر يقتلون رجلا فإنهم يقتلون به».
المراد بالنفر هنا الجماعة قلوا أو كثروا، أما في اللغة فيطلق على ما كان من الثلاثة إلى التسعة، وقيل إلى العشرة، فمتى ثبت ذلك عليهم ببينة أو إقرار، وتكافأت الدماء، وكانوا ممن يقتص منهم، لا فرق بين أن يباشروا القتل جميعا، أو يباشر بعضهم بحضور الآخرين متمالئين، فإذا كان الأمر كذلك قُتِلُوا جميعا، أما إن أمسك الواحد وهو يرى أن المباشر إنما يريد الضرب بما يضرب به الناس فقتله، فلا يقتل مع المباشر، بل يعاقب أشد العقوبة ويسجن سنة، هكذا قال مالك في الموطإ، وفيه عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه غيلة، وقال عمر: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا»، انتهى، والغيلة بكسر الغين وإسكان الياء الخديعة أي قتلوه سرا، وتمالأوا عليه وَتعاونوا عليه واجتمعوا على قتله، قال الشوكاني عليه رحمة الله في السيل الجرار (٤/ ٣٩٧): «قد علمنا من الحكمة في مشروعية القصاص للعباد أن فيه للناس حياة كما قال : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩]، ولو كان اجتماع جماعة على قتل واحد لا يقتضي ثبوت القصاص منهم لكان هذا سببا يُتذرع به إلى قتل النفوس، فإن الزاجر الأعظم إنما هو القتل لا الدية، فإن ذلك يسهل على أهل الأموال، ويسهل أيضا على الفقراء لأنهم يعذرون عن الدية بسبب فقرهم، فإذا كان القتيل ثبت قتله بفعلهم جميعا فالاقتصاص منهم هو الذي تقتضيه الحكمة الشرعية الثابتة في كتاب الله ، ولهذا شبه الله قاتل النفس بمن قتل الناس جميعا، ورحم الله عمر بن الخطاب ما كان أبصره بالمسالك الشرعية وأعرفه بما فيه المصلحة الدينية العائدة على العباد بأعظم الفائدة،،، انتهى بتصرف.
стр. 2044
قال كاتبه: ومع هذا فيمكن الاستدلال لقتل الجماعة يشتركون في قتل الواحد بحديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لو أن أهل السموات وأهل الأرض اشتركوا في دم رجل مؤمن لأكبهم الله في النار»، وقد تقدم في أوائل الباب، وقد اطرد قول مالك في قتل الجماعة بالواحد في الجماعة يقطعون يد امرئ فيقتص منهم جميعا بقطع يد كل منهم.
стр. 2045
• قوله:
٥٤ - «والسكران إن قَتل قُتل».
لا فرق في هذا الحكم على المشهور بين الطافح وهو من غاب عقله بالكلية، والنشوان وهو من بقي من عقله شيء، لأنه قد أدخل السكر على نفسه فكان سببا في زوال عقله، ولو لم يفعل به ذلك لتساكر الناس وقتلوا الأنفس وأتلفوا الأموال وادعوا عدم العقل بالسكر، فهو بهذا يختلف عن المجنون، لأن آفته سماوية، والمذهب أنه لا يلزمه الإقرار والعقود، وتلزمه الجنايات والعتق والحدود:
لا يلزم السكران إقرار عقود … بل ما جنى عتق طلاق وحدود
وقد روى مالك بلاغا أن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان ﵄ يذكر أنه أُتي بسكران قد قتل رجلا، فكتب إليه معاوية أن اقتله به»، انتهى.
وقد حمل بعض الشراح كلام المصنف على النشوان، فهو الذي يُقتل، أما الطافح ففي قتله الدية على العاقلة قال ابن عمر وهو شارح الرسالة: «حكى بعضهم الإجماع على هذا، وحكى الخلاف في النشوان»، انتهى، وهذا الذي قاله هو المتأيد بأصول الشرع، والله أعلم.
стр. 2046
• قوله:
٥٥ - «وإن قتل مجنون رجلا فالدية على عاقلته».
لا قود على المجنون إلا أن يكون جنونه غير دائم بحيث يعقل أحيانا، فإن قتل وقت عقله تُرُبص به واقتص منه وقت رجوع عقله، فإن أيسنا من إفاقته فالدية في ماله، وقد قال رسول الله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل»، رواه الترمذي من طريق الحسن عن علي، وقال: كان الحسن في زمن علي وقد أدركه، ولكنا لا نعرف له سماعا منه، ثم رواه من غير طريق الحسن، وهو عند أبي داود عن علي وعائشة ﵄، ولا معنى لرفع القلم عن هؤلاء إلا أنهم غير ملزمين بخطاب التكليف، وخطاب الوضع أعم منه، وفي الموطإ أن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان أنه أتي بمجنون قتل رجلا، فكتب إليه معاوية: أن اعقله، ولا تقد منه، فإنه ليس على مجنون قَوَدٌ»، انتهى.
стр. 2047
• قوله:
٥٦ - «وعمد الصبي كالخطإ وذلك على عاقلته إن كان ثلث الدية فأكثر وإلا ففي ماله».
لا فرق في هذا بين الصبي المميز وغيره، وقد علمت أن الصبي والمجنون ممن رفع عنهم القلم، وعلى هذا فعمدهم وخطأهم سواء، وكون الدية في مال الصبي فيما دون الثلث لا يختص به، بل يشمل المجنون، فكان الأولى دمجه معه، لاشتراكهما في خطاب الوضع، فإن لم يكن لهما مال بقيت في ذمتهما.
стр. 2048
• قوله:
٥٧ - «وتُقْتَلُ المرأة بالرجل والرجل بها، ويُقْتَصُّ لبعضهم من بعض في الجراح».
أي أن المرأة الحرة أو المملوكة تُقْتَلُ بالرجل الحر، كما يُقْتَلُ الرجل الحر أو المملوك بالمرأة الحرة، فإن قلت فما القول فيما دل عليه قول الله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، من أخذ النفس بالنفس؟، قيل هو مخصوص بما سيذكر بعد من السُّنَّةِ التي جعلها الله مبينة لكتابه، وهكذا قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، فإن المراد منه إبطال ما كان عليه العرب من مجاوزة القصاص الذي هو قتل القاتل إلى التكايل في الدماء كما كانوا يسمونه، فيقتلون بالواحد العدد الكثير، ويقتلون غير القاتل كالمُعَظَّمِ في القبيلة، وإن لم يكن هو القاتل، فمفهوم الآية غير مراد لما في السُّنَّةِ من البيان، وقد قالت امرأة من العرب تذكر إبطال الإسلام التكايل في الدماء:
أما في بني حصن من ابن كريهة … من القوم طلاب الترات غَشَمشَم؟
فَيَقتل جبرا بامرئ لم يكن له … كفاء ولكن لا تَكايل في الدم
الترات جمع ترة بكسر التاء هي الثأر، والغشمشم هو الجريء، أقرت المسكينة ببطلان التكايل في الدماء، لكنها ندبت قومها إلى قتل القاتل وهو المسمى جبرا، وإن لم يكن كفؤا لمن قتله حسب زعمها، لبقية الجاهلية التي فيها، وعليه فلا دلالة في الآية على عدم قتل الأنثى بالذكر أو العكس اعتمادا على المفهوم لأنه مفهوم لقب، مع أنه قد جاء ما هو نص فيقدم عليه، وهو قول رسول الله ﷺ : «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم»، رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن علي ﵁.
فإن قلت: فلم لا يقتل الحر بالعبد ويقتل الحر به كما قرره المؤلف في قوله:
стр. 2049
• قوله:
٥٨ - «ولا يُقْتَلُ حر بعبد ويُقْتَلُ به العبد».
وهو يريد بالحر الذي لا يقتل بالعبد الحر المسلم، أما الحر الكافر فإنه يُقْتَلُ بالعبد المسلم، والواجب في العبد إن قُتل قيمته، وفي جرحه ما نقص من قيمته.
أما الجواب عن السؤال فإن العموم الذي في حديث علي قاض بقتل الحر المسلم بالعبد المسلم فيُتمسك به ما لم يأت ما يخصصه.
وقد جاءت أحاديث ضعيفة في عدم قتل الحر بالعبد، منها ما رواه الدارقطني والبيهقي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا يقتل حر بعبد»، وجاء ما يدل على عدم قتل الرجل بمملوكه، وهو ضعيف أيضا، وجاء ما يدل على بقاء أصل التكافؤ، وهو قول النبي ﷺ : «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، رواه أحمد وأصحاب السنن من طريق الحسن عن سمرة، والخلاف في سماعه منه معروف، وعلى افتراض ثبوته فقد نحا به بعض العلماء كابن القيم منحى التعزير لا القود، فلم يبق إلا التمسك بالأصل واستصحابه، فمن قال إن الأصل القصاص قال يقتل الحر بالعبد، ومن قال إن الأصل حرمة الدماء منع القود ز
وممن قالوا بذلك الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ٣٩٣) قال: «والظاهر عدم ثبوت قتل الحر بالعبد لاسيما مع تعارض الأدلة ترجيحا لجانب الحظر وعملا بأصالة عصمة النفوس حتى يَرِدَ ما يدل على عدم العصمة بوجه يصلح بذلك وتقوم به الحجة، ولا سيما مع قوله سبحانه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، فإنه يدل بمفهومه على أنه لا يقتل الحر العبد»، انتهى.
قلت: كلا، بل الأصل هو القصاص من القاتل، فما لم يأت الدليل المانع فليتمسك به، وقد علمت المراد من سياق الآية، أما عكس هذا وهو قتل العبد بالحر فقد نقل الإجماع عليه غير واحد.
стр. 2050
• قوله:
٥٩ - «ولا يقتل مسلم بكافر ويقتل به الكافر».
مراده لا يقتل مسلم حرا كان أو عبدا بكافر قال أبو جحيفة: «سألت عليا ﵁ هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟، قال: «العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر»، رواه البخاري وغيره، وهو مرفوع كما دل عليه اللفظ الآخر: «هل عندكم من النبي ﷺ شيء سوى القرآن»؟، قال: «لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا أن يعطيَ الله عبدا في كتابه، وما في هذه الصحيفة»، قلت: «وما في الصحيفة»؟، قال: «العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر»، والقائمة - وتدعى القائم أيضا - هي موضع الإمساك بالسيف، وروى أبو داود وابن ماجة عن ابن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، يرد مشدهم على مضعفهم، ومسرعهم على قاعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده».
وفي الحديث النهي عن قتل الكافر المعاهد لمجرد كفره، لكن القائلين بإثبات القصاص من المسلم للذمي حملوا لفظ الكافر في الحديث على الحربي بخاصة، والذي بعثهم على ذلك أن المراد لا يصح أن يكون «لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده بكافر»، قالوا: فيحتاج إلى حمل الكافر على خصوص الحربي دفعا للتناقض لأن المعاهد كافر، وهو كما ترى مفتقر إلى التقدير كي يفهم هذا المعنى منه، والأصل عدم التقدير، بل إن اللجوء إلى التقدير من غير حاجة عبث كما قال الشوكاني في السيل الجرار، مع معارضة ذلك بما في حديث علي السابق، ومعنى الحديث عند الجمهور النهي عن قتل المعاهد من غير موجب غير الكفر.
стр. 2051
• قوله:
٦٠ - «ولا قصاص بين حر وعبد في جرح، ولا بين مسلم وكافر».
القصاص في الجراح تبع للقصاص في الأنفس، فما قيل في ذاك يقال في هذا، لأن شرط القصاص تكافؤ الدماء، فإن جرح عبد حرا فالعبد رهن بما جنى، وإن كان العكس وللجرح أرش معين كان الواجب هو ذلك العقل منسوبا إلى قيمة العبد، فمثلا عقل الموضحة هو خمس من الإبل، وهو يمثل (١/ ٢٠) من الدية، فيكون الواجب في الموضحة في العبد نصف عشر قيمته، وعقل الآمَّة ثلث الدية فعقلها في العبد ثلث قيمته، أما إن لم يكن للجرح عقل منصوص، ففيه ما نقص من قيمته، بأن يقوم سالما، ثم ناقصا، والفرق بينهما هو الأرش، وقد فصل مالك ذلك في باب (ما جاء في جراح العبد) فانظره، وإن جرح مسلم كافرا فإن كان للجرح عقل فعليه ديته، وإلا ففيه حكومة، وإن جنى الكافر على المسلم ولم يكن قصاص فكذلك.
стр. 2052
• قوله:
٦١ - «والسائق والقائد والراكب ضامنون لما وطئت الدابة».
السائق هو الذي يتبع الدابة ليحثها على السير، والقائد الذي يمسك بزمامها ويتقدمها، والراكب هو الذي فوقها، فهؤلاء كل منهم ضامن لما أفسدت الدابة إن كان وحده، لأنه قادر على منعها وتوجيهها، فإن اجتمعوا ضمن السائق والقائد دون الراكب إلا أن يكون ذلك بسببه، فإن كان هناك عون من السائق والقائد فالضمان على الجميع، قال مالك: «القائد والسائق والراكب كلهم ضامنون لما أصابت الدابة إلا أن ترمح الدابة من غير أن يفعل بها شيء ترمح له، وقد قضى عمر بن الخطاب في الذي أجرى فرسه: بالعقل، فالقائد والراكب والسائق أحرى أن يغرَموا من ذلك الذي أجرى فرسه»، انتهى، يقال رمحت الدابة ترمح بفتح الميم إذا ضربت بِرِجْلٍ وقيل بِالرِّجْلَيْن.
стр. 2053
• قوله:
٦٢ - «وما كان منها من غير فعلهم أو وهي واقفة لغير شيء فعل بها فذلك هدر، وما مات في بئر أو معدن من غير فعل أحد فهو هدر».
هذا إذا لم تكن الدابة معروفة بالصك أو بالعض، ولم تربط على طريق الناس، وقد صرح بالأخير مالك في الموطإ، أما إن كانت معروفة بذلك ولم يحتط الذي معها فالضمان عليه، وقوله لغير شيء إي أنها إن أتلفت شيئا من غير أن تنخس أو تضرب فلا ضمان، وكذلك البئر والمعدن ينهار على من فيه من غير تسبب أو تفريط، بخلاف ما إذا حُفر البئر على الطريق، وقد أصل مالك ذلك بأن من فعل ما يجوز له فعله في الطريق فلا ضمان عليه، ومن فعل ما لا يجوز له فعله فعليه الضمان، وقوله هدر يعني لا شيء فيه لقول النبي ﷺ : «العجماء جرحها جُبَارٌ، والبئر جُبَارٌ، والمعدن جُبَارٌ وفي الركاز الخمس»، رواه مالك (١٥٨٣) والشيخان وأصحاب السنن الأربعة، قال مالك: وتفسير الجُبَار أنه لا دية فيه.
стр. 2054
• قوله:
٦٣ - «وتُنَجَّمُ الدية على العاقلة في ثلاث سنين، وثلثها في سَنَة، ونصفها في سنتين».
تنجيم الدية هو تقسيطها بأن تدفع بالتدريج، والغرض من ذلك الرفق بالعاقلة لأنها مواسية، فإن كانت الدية كاملة فمدة التنجيم ثلاث سنين، وإن كانت الثلثَ كما في الآمّة، فإنها تدفع في سَنَةٍ، وإن كانت النصفَ كما في قطع اليد فإنها تدفع في سنتين، وإنما تقسط الدية إذا كانت عن قتل خطإ أو جرح خطإ، أو جرح لا قصاص فيه لكونه من المَتَالِف، أما القتل العمد والجرح العمد وقيمة الرقيق فإنها حَالَّةٌ في مال الجاني، أي لا تؤجل، قال الترمذي: أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ في ثلاث سنين في كل سَنَةٍ ثلث الدية»، انتهى، أما تنجيمها فيما دون الثلاث سنين ففيه آثار عن عمر بن الخطاب في مصنفي ابن أبي شيبة وعبد الرزاق.
стр. 2055
• قوله:
٦٤ - «والدية موروثة على الفرائض».
لَمَّا بَيَّنَ مقدار الدية وتنجيمها ذكر هنا مصرفها وهو جميع الورثة غير القاتل كما سيأتي، وإنما نص على هذا لأن الميراث في الأصل إنما يجري فيما كان في ملك المرء قبل موته، كالدَّيْنِ ومؤخر الجرايات والرواتب، أما الدية فإنها مسببة عن الموت، وكونها موروثة على الفرائض يناسب اشتراك الوارثين في دم الميت، وهي تعم دية الخطإ ودية العمد، يأخذ كل وارث من الرجال والنساء نصيبه منها إلا القاتل، وسيأتي دليل استثنائه، ومن الأدلة على ذلك ما رواه مالك (١٥٧٩) عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب نشد الناس بمنى: من كان عنده علم من الدية أن يخبرني، فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال: كتب إلي رسول الله ﷺ أن أورث امراة أشيم الضبابي من دية زوجها فقال عمر بن الخطاب: ادخل الخباء حتى آتيك، فلما نزل عمر بن الخطاب أخبره الضحاك، فقضى بذلك عمر بن الخطاب، قال ابن شهاب: وكان قتل أشيم خطأ»، انتهى، وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب كان يقول: «الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا»، حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان: أن النبي ﷺ ورث امراة أشيم الضبابي من دية زوجها»، قال الألباني في الإرواء (ح/ ٢٦٤٩) عن حديث مالك هو منقطع، وقال عن الذي يليه: «إنه مرسل، لأن سعيد بن المسيب في سماعه من عمر خلاف»، انتهى.
قلت: لعله لذلك جاء فيه الخطأ الذي بينه ابن عبد البر في الاستذكار حيث قال: «أخطأ من قال عن ابن عيينة في هذا الحديث: «حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان الكلابي»، فجعل الضحاك هو الذي كتب إلى عمر، وَوَهِمَ وَهْمًا بَيِّنًا، لأن عمر شافهه الضحاك بذلك في بيته، أو في خبائه بمنى، انتهى.
стр. 2056
• قوله:
٦٥ - «وفي جنين الحرة غُرَّةٌ عبد أو وليدة تُقَوَّمُ بخمسين دينارا أو ستمائة درهم، وتورث على كتاب الله».
متى تجاوز حمل الحرة المسلمة المرحلة الأولى، وهي النطفة وجنى عليه جان كان فيه ما ذكر، لا فرق بين أن يكون الزوج حرا أو عبدا، ولا فرق بين الجنين الذكر والأنثى، وهذا إذا نزل ميتا، أما إن نزل حيا بأن استهل صارخا ثم مات ففيه الدية كاملة، ولو ماتت الأم من الضرب، ونزل الجنين ميتا بعد ذلك لم يكن فيه شيء لأنه تبع لأمه، والمراد بالمرحلة الأُولى تجاوز الجنين أن يكون نطفة، وإنما ناطوا الدية ببلوغ الحمل أن يكون علقة لأن بها مبتدأ تخلقه، وما قبلها لا يختلف عن وقت الإنزال، ولهذا جعلوها ناقلة للأَمَةِ إلى أم ولد كما تقدم، وقد جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال، قال رسول: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة تكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه مَلَكًا ويؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد،،، الحديث، رواه الشيخان وأصحاب السنن، والدية عبد أو وليدة تكون قيمة كل منهما خمسين دينارا أو ستمائة درهم، ويدلك هذا على ما تقدم من أنهم يرون الذهب والفضة أصلا في الدية لا قيمة، لأن قيمة الغُرَّة قد تختلف من وقت لآخر، وقد ذكر مالك عن ربيعة أنه كان يقول: الغرة تقوم بخمسين دينارا، أو ستمائة درهم، ودية المرأة خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم»، قال مالك: «فدية جنين الحرة عشر ديتها، والعشر خمسون دينارا، أو ستمائة درهم»، انتهى، قال كاتبه: قيمة الغرة ليست ثابتة حتى تجعل عشر دية الأم على الاستقرار والدوام كما تقدم معك في مائة من الإبل التي هي أصل الدية، لكن لما فقد الأصل هنا وهو الغرة فأين السبيل إلى معرفة قيمتها؟، ولذلك فلا بأس إن شاء الله أن يتمسك بكون دية الجنين عشر دية أمه، اعتمادا على ذلك التقويم القديم،
стр. 2057
والمرجع في ذلك مائة من الإبل، ومما يذكر أن الإمام ﵀ تمضية منه لتلك القيمة قال بها فيمن أسقط حمل غير الإنسان، فعليه عشر قيمة الأم، ويظهر من هذا أنه اعتبر عشر الدية أصلا قاس عليه عشر قيمة الأَمَةِ، ثم عشر قيمة الدابة، أشار إلى هذا ابن حزم في المحلى (١١/ ٣٥ و ٣٨)، وإذا كنا في الدية قد لزمنا التمسك بنسبة العشر لما ذكرنا فلا داعي لذلك في الدابة، بل يقال يضمن الجاني الفرق بين قيمتها حاملا وقيمتها من غير حمل، أما جرح الدابة ففي الموطإ: «والأمر عندنا فيما أصيب من البهائم أن على من أصاب منها شيئا قدر ما نقص من ثمنها»، انتهى، والله أعلم.
ودليل دية الجنين حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة: عبد أو أمة»، رواه مالك (١٥٥٥) والشيخان، والغرة بضم الغين المعجمة وتشديد الراء أصلها البياض في وجه الفرس، كأنه عبر بالغرة عن الجسم كله»، قاله في الروضة الندية، وأهل المذهب يستحبون مع ذلك أن يكون العبد أو الأمة من البيض لا من السودان تمسكا بذلك الوصف، وقد قال بلزوم وصف البياض أبو عمرو بن العلاء، قال ابن الأثير بعد ذكره: وليس ذلك بشرط عند الفقهاء.
ومذهب مالك أن دية الجنين في مال الجاني، لكون ذلك هو الأصل حتى يأتي ما ينقل عنه، وقد جاء ما يدل أنها على العاقلة، وهو حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قضى في جنين امرأة من بني لحيان بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله ﷺ أن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها»، رواه البخاري (٦٩٠٩)، وليس الحديث بالصريح في تحميل العاقلة دية الجنين ابتداء، لكن بجمع ما ورد من الروايات يحصل ذلك، فعن المغيرة ابن شعبة أن امرأتين كانتا تحت رجل من هذيل فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقال أحد الرجلين: «كيف ندي من لا صاح ولا أكل، ولا شرب ولا استهل، فمثل ذلك يطل»، فقال: أسجع كسجع الأعراب؟، فقضى فيه غرة، وجعلها على عاقلة المرأة»، رواه مسلم وأبو داود واللفظ له، وهو في الموطإ (١٥٥٦) نحوه مرسلا عن سعيد بن المسيب، قال القرطبي في تفسيره (٥/ ٣٢٢) مبينا رجحان مذهب غير مالك اعتمادا على الحديث المتقدم: «وهو
стр. 2058
حديث صحيح نص في موضع الخلاف يوجب الحكم، ولما كانت دية المرأة المضروبة على العاقلة، كان الجنين كذلك في القياس والنظر»، انتهى.
أما أن دية الجنين تورث على كتاب الله فلأن مقدارها محدد بالنسبة إلى الدية وهو عشر دية الأم، ولأنها جناية على آدمي، لا على عضو منه، أو قل هي عمد في الأم خطأ في الجنين، فتعطى حكم الدية في الميراث، وقد تقدم دليله، وهو الذي تضمنه جواب ابن شهاب الذي رواه ابن وهب عنه أنه سئل عن رجل ضرب امرأته فأسقطت، ما دية السقط؟، قال: «بلغنا أن القاتل لا يرث من الدية شيئا، فديته على فرائض الله تعالى، ليس للذي قتله من ذلك شيء»، انتهى، ومما يدل على ذلك أن النبي ﷺ أفرد ما يجب في الجنين عما يجب في أمه، فجعل في الأم دية، وجعل في الجنين غرة، فصح أن حكم الغرة كحكم دية النفس، لا كحكم دية الأعضاء»، انتهى.
قلت: لو ذهب ذاهب إلى التفصيل في المسألة فقال إن ما أسقط قبل نفخ الروح هو للأم إن جني عليها، لأنه بمثابة العضو منها، أو لأبيه إن كانت هي الجانية، وأن ما كان بعد النفخ فإنه موروث على الفرائض لو قيل هذا لكان متجها قويا، ثم إني وقفت على هذا التفصيل من غير ذكر الأب لابن حزم ﵀ فانظره في المحلى (١١/ ٣٣).
стр. 2059
• قوله:
٦٦ - «ولا يرث قاتل العمد من مال ولا دية».
قاتل العمد إذا اقتص منه فلا دية، وإذا عفي عنه وكانت فيه الدية فإنه لا يرث منها شيئا، ولا من مال المقتول لقول النبي ﷺ : «القاتل لا يرث»، رواه الترمذي وبعد بيان ضعفه قال: «والعمل على هذا عند أهل العلم أن القاتل لا يرث»، انتهى، وهو في صحيح الجامع، وروى ابن ماجة (٢٦٤٦) وغيره عن عمر بن الخطاب مرفوعا: «ليس للقاتل ميراث»، وهو حسن كما في الزوائد، أما تعليلهم عدم توريثه بقاعدة من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه فليس بشيء، وما كل متعجل معاقبا بحرمانه مما تعجله.
стр. 2060
• قوله:
٦٧ - «وقاتل الخطإ يرث من المال دون الدية».
وجهه أن الدية مسببة عن فعله فيمنع منها لقيام التهمة، أما المال فلبقائه على الأصل، قال مالك ﵀: «الأمر الذي لا اخنلاف فيه عندنا أن قاتل العمد لا يرث من دية من قتل شيئا، ولا من ماله، وأن الذي يقتل خطأ لا يرث من الدية شيئا، وقد اختلف في أن يرثه من ماله لأنه لا يتهم على أنه قتله ليرثه وليأخذ من ماله، فأحب إلي أن يرث من ماله، ولا يرث من ديته»، انتهى، وهذا الذي قاله الإمام توجيه حسن، لكنه لا يقوى أن يقف في مواجهة العموم الذي مر بك في قول النبي ﷺ : «ليس للقاتل ميراث»، قال في سبل السلام (٣/ ١٠١): «وذهبت الهادوية ومالك إلى أنه إن كان القتل خطأ ورث من المال دون الدية، ولا يتم لهم دليل ناهض على هذه التفرقة، بل أخرج البيهقي عن خلاس أن رجلا رمى بحجر، فأصاب أمه، فماتت من ذلك، فأراد نصيبه من ميراثها، فقال له إخوته: لا حق لك، فارتفعوا إلى علي ﵁ فقال له علي: «حقك من ميراثها الحجر»، فأغرمه الدية، ولم يعطه من ميراثها شيئا»، انتهى.
стр. 2061
• قوله:
٦٨ - «وفي جنين الأَمَة من سيدها ما في جنين الحرة، وإن كان من غيره ففيه عشر قيمتها».
أما أن جنين الأمة من سيدها فيه ما في جنين الحرة، فقد اتفق على ذلك أهل العلم كما قال في بداية المجتهد، ولأن الجنين حر، وأما إن كان من غير السيد سواء أكان من زوج حر أو عبد أو من زنا ففيه عشر قيمتها، فلأن الغرة مقدرة بعشر دية الأم، ودية الأمة قيمتها، فدية جنينها عشر قيمتها، وقد تبين لك أن القول بقيمة الغرة دافعنا إليه افتقاد الأصل الذي هو الغرة اليوم، ومع ذلك فإن أدلة دية الجنين جاءت مطلقة من غير بيان الفرق بين حمل الأمة من سيدها أو من غيره، فالصواب إبقاؤها على هذا الإطلاق، والله أعلم.
стр. 2062
• قوله:
٦٩ - «ومن قتل عبدا فعليه قيمته».
مر بك افتقار القائلين بعدم القصاص بين الحر والعبد إلى الدليل، ولا فرق عند القائلين بعدم القصاص في قتل المملوك بين العمد والخطإ في كون الواجب هو قيمته بالغة ما بلغت، ولو كانت أكثر من دية الحر، غير أنه ينضاف إليها في العمد التعزير فيما يظهر، إلا أن يقتل غيلة ففيه القود لحق الله، والعلم عنده.
стр. 2063
• قوله:
٧٠ - «وتقتل الجماعة بالواحد في الحرابة والغيلة وإن ولي القتل بعضهم».
لا تظنن أن هذه المسألة مكررة مع ما تقدم في قتل الجماعة بالواحد في قول المؤلف «والنفر يَقْتُلُونَ رجلا فإنهم يُقْتَلُونَ به»، فإن تلك فيما إذا اشتركوا في قتله بالفعل، أو كان بينهم تمالؤ وتعاون عليه، أما حال الحرابة والغيلة فلا يشترط فيه التمالؤ ولا التعاون لأنهم كذلك في الأصل، وكذبك يقتل الربيئة، وهو الذي يرقب ليرى من يجيء، وتشمل الحرابة قطع الطريق لمنع المرور أو أخذ المال المعصوم، والغيلة تقدم معناها، وهي من أفراد الحرابة، والحرابة لا يشترط فيها التكافؤ في الدماء، بل يقتل فيها الحر بالعبد والمسلم بالذمي، ولا يجوز فيها العفو عن القاتل لحق الله تعالى، وسيأتي الكلام عليها.
стр. 2064
• قوله:
٧١ - «وكفارة القتل في الخطإ واجبة: عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين».
من إعظام الله تعالى لشأن قتل النفس أن جعل في عمده القصاص، إلا أن يعفو الأولياء أو بعضهم ففيه الدية إن طلبوها، وفي خطئه تعويض أولياء المقتول بالدية تطييبا لخواطرهم، وتعويضا لهم عما فاتهم بقتل صاحبهم، إلا أن يعفى عنها أو عن بعضها، وكما تجب الدية متى كان القاتل بالغا عاقلا تجب ولو كان القاتل صبيا أو مجنونا لأنها من خطاب الوضع، ثم الكفارة لحق الله سبحانه، ولما في القتل من الخطر، ولاحتمال تقصير القاتل في التوقي والحذر، شرعت الكفارة، مع أن الإثم مرفوع عنه لقول الله تعالى ذاكرا ما يدعوه به صالحو عباده: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقد جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا قال الله: نعم، أي أنه سبحانه قَبِلَ هذا الدعاء بعدم المؤاخذة من عباده، والكفارة غير معهودة في الخطإ إلا في قتل النفس وهي في غيره جبران، وهي شيئآن على الترتيب: عتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد الرقبة، كما هو الحال اليوم، أو لم يقدر على ثمنها فليصم شهرين متتابعين، فإن عجز عنهما تربص وقت القدرة، ولا يجزئه الإطعام، والقول به عند العجز اعتمادا على قياس القتل على الظهار فيه نزاع، وانظر تفسير ابن كثير، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢].
واعلم أن الكفارة تكون بعدد القتلى، فمن قتل ثلاثة أنفس فإن عليه ثلاث كفارات،
стр. 2065
وهكذا إذا تعدد القاتلون كما لو قتل شخصان نفسا واحدة فإن على كل منهما كفارة بخلاف الدية فيشتركان فيها مناصفة، ولما كانت الكفارة قربة فإن القاتل الكافر لا يطالب بها، كما لا يطالب بها العبد لكونه لا يملك، لكن ما ذا لو قيل إذا سقط عنه ما فيه مال، فلم يسقط عنه ما يليه والله تعالى يقول: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾، والميسور لا يسقط بالمعسور؟، ولا كفارة في قتل كافر، لأن المنصوص في القرآن قتل المؤمن، ولا في قتل عبد، قال القرطبي: «وأجمع العلماء على أن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، أنه لم يدخل فيه العبيد، وإنما أريد به الأحرار دون العبيد، فكذلك قوله ﵇ «المسلمون تتكافأ دماؤهم»، أريد به الأحرار خاصة»، انتهى، وقد ذكر هذا محتجا على عدم الاقتصاص من الحر للعبد، ولينظر
стр. 2066
• قوله:
٧٢ - «ويؤمر بذلك إن عفي عنه في العمد فهو خير له».
قال القرطبي مبينا الحكمة من فرض الكفارة التي هي عتق الرقبة المؤمنة: «واختلفوا في معناها، فقيل أوجبت تمحيصا وطهورا لذنب القاتل، وذنبه ترك الاحتياط والتحفظ حتى هلك على يديه امرؤ محقون الدم، وقيل أوجبت بدلا من تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل، فإنه كان له في نفسه حق، وهو التنعم بالحياة والتصرف فيما أحل له تصرف الأحياء، وكان لله فيه حق، وهو أنه كان عبدا من عباده يجب له من اسم العبودية صغيرا كان أو كبيرا حرا كان أو عبدا مسلما كان أو ذميا ما يتميز به عن البهائم والدواب ويرتجى مع ذلك أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه، فلم يَخْلُ قاتِلُه أن يكون فَوَّتَ منه الاسم الذي ذكرنا، والمعنى الذي وصفنا، فلذلك ضمن الكفارة، وأي واحد من هذين المعنيين كان، ففيه بيان أن النص وإن وقع على القاتل خطأ فالقاتل عمدا مثله، بل أولى وجوب الكفارة عليه منه،،،»، انتهى.
قال كاتبه: كلام القرطبي يدل على أن المعتمد في القول بالكفارة على القاتل عمدا عند أهل المذهب القياس الأولوي، وهو يقتضي الإيجاب، لكن المذهب أن الكفارة في قتل العمد مستحبة فظهر أن مستندهم ليس القياس، نعم اعتمد الشافعي القياس، فقد قال: إذا شرع السجود في السهو فلأن يشرع في العمد أولى، وليس ما ذكره الله في العمد بمسقط ما قد وجب في الخطإ»، انتهى.
قلت: الظاهر خلافه، فإن القياس في العبادات نادر أو منعدم، وهذا نظير قياسهم وجوب قضاء الصلاة ممن تركها متعمدا على الناسي والنائم، وعمدة من ذهب إلى الكفارة في القتل العمد إذا عفى عن القاتل حديث واثلة بن الأسفع قال: أتى النبي ﷺ نفر من بني
стр. 2067
سُليم فقالوا: إن صاحبا لنا قد أوجب، قال: «فليعتق رقبة يفدي الله بكل عضو منها عضوا منه من النار» رواه أحمد وأبو داود والنسائي، ومما رأوا استحباب الكفارة فيه كل قتل عمد حصل فيه العفو، أو لم يُقَدْ من الجاني لعدم التكافؤ كقتل الحر العبدَ والذمي، وكذلك إذا كان قتل العبد والذمي خطأ فإن الكفارة إنما جاءت في المؤمن، ومما تستحب فيه الكفارة إسقاط الجنين، والله أعلم.
стр. 2068
• قوله:
٧٣ - «ويقتل الزنديق ولا تقبل توبته وهو الذي يُسِرُّ الكفر ويظهر الإسلام».
لما أنهى الكلام على القتل العمد والخطإ والجراح وما تعلق بها من الدية والكفارة، وهي جناية على الغير ذكر هنا عقوبة من جنى على الدِّينِ بالخروج منه، وهو أعظم الجنايات، وأكبر الذنوب، لكونه رجوعا إلى الكفر بعد الإيمان، وذلك إما قول أو فعل أو اعتقاد، وقد يكون علنا وهو المسمى ردة، أو خفية وهو الزندقة،
أما الزنديق فهو كما عرفه المؤلف من يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهو الذي كان يُدْعَى منافقا في عصر النبوة، وقد قالوا إن أصل الكلمة فارسي ولفظها «زان دين»، أي خافي الكفر، فصارت بعد التعريب «زنديق»، فهذا إن ثبت عليه ما ذُكِرَ قُتِلَ، تاب أو لم يتب، بيد أنه إن تاب قُتِلَ حدا، وكذلك إذا أنكر ما شهدت البينة به عليه من الزندقة، وإن لم يتب قُتِلَ كفرا، والفرق بينهما أن من قُتِلَ حدا فماله لوارثه، وأما الثاني كأن اعترف ولم يتب، فإن ما تركه يجعل في بيت مال المسلمين.
وقد روى البخاري وأصحاب السنن عن عكرمة قال: «لما بلغ ابن عباس ﵄ أن عليا ﵁ حرق المرتدين أو الزنادقة، قال: «لو كنت أنا لم أحرقهم، ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه»، ولم أحرقهم لقول رسول الله ﷺ : «لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله»، وفي الموطإ (١٤١١) عن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال: «من غير دينه فاضربوا عنقه»، وهو مرسل كما ترى.
أما أنه لا تقبل توبته فقد عللوا ذلك بأن حاله لا ينضبط لفساد طويته وخبثه، فإنه لم يعالن بالكفر كما هو شأن المرتد، بل أخفاه حتى اطُّلِعَ عليه، وقد استدل مالك بالحديث المتقدم على قتل الزنديق فقال مع بعض التصرف: «ومعناه فيما نُرى والله أعلم أن من
стр. 2069
خرج عن الإسلام إلى غيره مثل الزنادقة وأشباههم فإن أولئك إذا ظُهر عليهم قُتِلوا ولم يُستتابوا، لأنه لا تعرف توبتهم، فلا أرى أن يُستتاب هؤلاء، ولا أن يُقبل منهم قولهم، وأما من خرج من الإسلام إلى غيره وأظهر ذلك فإنه يُستتاب فإن تاب وإلا قُتِلَ»، انتهى، وبَيَّنَ بعد ذلك أن هذا الحديث ليس على عمومه، فلا يشمل من بدل دينه من غير المسلمين، وقد اعتمد مالك في التفريق بين الزنديق لا يستتاب والمرتد يستتاب بالإضافة إلى ما تقدم على أثر محمد بن عبد الله بن عبد القاري الذي سيذكر في فقرة قتل المرتد، أما إن جاء الزنديق تائبا قبل الاطلاع عليه فإن توبته تمنع قتله.
فإن قلت: إذا كان الزنديق هو المنافق فما ذا يقال عن عدم قتل النبي ﷺ المنافقين خشية أن يقال إن محمدا ﷺ يقتل أصحابه فيكون ذلك سببا في التنفير من الإسلام؟، فالجواب: أن المانع من قتلهم معلل بعلة وقد زالت فيصدق عليهم الأحاديث القاضية بقتل المرتد إذ لا فرق بين المرتد والزنديق بل أمر الزندقة أخطر كما سبق.
стр. 2070
• قوله:
٧٤ - «وكذلك الساحر ولا تقبل توبته».
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ [البقرة: ١٠٢]، نفى الله تعالى عن سليمان ﵊ السحر الذي نسبه إليه اليهود، بأن نفى عنه الكفر، فدل على أن الساحر كافر، وحكم بكفر الشياطين الذين يُعَلِّمُون الناسَ السحر، فدل على أن معلم السحر كافر، وذكر عن هاروت وماروت قولهما لمن يعلمانه السحر ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، وظاهره كفر متعلم السحر، ومذهب مالك أن تعلمه بمجرده كفر، والاستدلالات المتقدمة في الآية محتملة، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ [طه: ٦٣]، فنفى عنه الفلاح أنى تَوَجَّهَ.
ومن أدلة قتل الساحر ما رواه الترمذي والدارقطني والحاكم عن جندب قال، قال رسول الله ﷺ : «حد الساحر ضربة بالسيف»، لكن في سنده إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف من قِبَلِ حفظه، وقال الشوكاني في السيل (٤/ ٣٧٤) بعد أن ذكر كلام وكيع بن الجراح في توثيق إسماعيل المذكور: «ويؤيده عمل الصحابة واشتهاره بينهم من غير نكير، حتى وقع من حفصة زوج النبي ﷺ ، فإنها قتلت جارية سحرتها كما رواه مالك في الموطإ وعبد الرزاق، وأخرج أحمد وأبو داود وعبد الرزاق والبيهقي أن عمر بن الخطاب كتب قبل موته بشهر: «أن اقتلوا كل ساحر وساحرة»، ولا يصح الاحتجاج على عدم القتل بتركه ﷺ قتل اليهودي الذي سحره، فإنه إنما ترك ذلك لئلا يثير على الناس شرا،،،»، انتهى.
قلت: وقيل دل عدم قتله ﷺ من سحره على أن الساحر إذا لم يفعل بسحره ما لا
следующие страницы →