← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

• قوله: ٧٢ - «ويؤمر بذلك إن عفي عنه في العمد فهو خير له». قال القرطبي مبينا الحكمة من فرض الكفارة التي هي عتق الرقبة المؤمنة: «واختلفوا في معناها، فقيل أوجبت تمحيصا وطهورا لذنب القاتل، وذنبه ترك الاحتياط والتحفظ حتى هلك على يديه امرؤ محقون الدم، وقيل أوجبت بدلا من تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل، فإنه كان له في نفسه حق، وهو التنعم بالحياة والتصرف فيما أحل له تصرف الأحياء، وكان لله فيه حق، وهو أنه كان عبدا من عباده يجب له من اسم العبودية صغيرا كان أو كبيرا حرا كان أو عبدا مسلما كان أو ذميا ما يتميز به عن البهائم والدواب ويرتجى مع ذلك أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه، فلم يَخْلُ قاتِلُه أن يكون فَوَّتَ منه الاسم الذي ذكرنا، والمعنى الذي وصفنا، فلذلك ضمن الكفارة، وأي واحد من هذين المعنيين كان، ففيه بيان أن النص وإن وقع على القاتل خطأ فالقاتل عمدا مثله، بل أولى وجوب الكفارة عليه منه،،،»، انتهى. قال كاتبه: كلام القرطبي يدل على أن المعتمد في القول بالكفارة على القاتل عمدا عند أهل المذهب القياس الأولوي، وهو يقتضي الإيجاب، لكن المذهب أن الكفارة في قتل العمد مستحبة فظهر أن مستندهم ليس القياس، نعم اعتمد الشافعي القياس، فقد قال: إذا شرع السجود في السهو فلأن يشرع في العمد أولى، وليس ما ذكره الله في العمد بمسقط ما قد وجب في الخطإ»، انتهى. قلت: الظاهر خلافه، فإن القياس في العبادات نادر أو منعدم، وهذا نظير قياسهم وجوب قضاء الصلاة ممن تركها متعمدا على الناسي والنائم، وعمدة من ذهب إلى الكفارة في القتل العمد إذا عفى عن القاتل حديث واثلة بن الأسفع قال: أتى النبي ﷺ نفر من بني

стр. 2067

سُليم فقالوا: إن صاحبا لنا قد أوجب، قال: «فليعتق رقبة يفدي الله بكل عضو منها عضوا منه من النار» رواه أحمد وأبو داود والنسائي، ومما رأوا استحباب الكفارة فيه كل قتل عمد حصل فيه العفو، أو لم يُقَدْ من الجاني لعدم التكافؤ كقتل الحر العبدَ والذمي، وكذلك إذا كان قتل العبد والذمي خطأ فإن الكفارة إنما جاءت في المؤمن، ومما تستحب فيه الكفارة إسقاط الجنين، والله أعلم.

стр. 2068

• قوله: ٧٣ - «ويقتل الزنديق ولا تقبل توبته وهو الذي يُسِرُّ الكفر ويظهر الإسلام». لما أنهى الكلام على القتل العمد والخطإ والجراح وما تعلق بها من الدية والكفارة، وهي جناية على الغير ذكر هنا عقوبة من جنى على الدِّينِ بالخروج منه، وهو أعظم الجنايات، وأكبر الذنوب، لكونه رجوعا إلى الكفر بعد الإيمان، وذلك إما قول أو فعل أو اعتقاد، وقد يكون علنا وهو المسمى ردة، أو خفية وهو الزندقة، أما الزنديق فهو كما عرفه المؤلف من يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهو الذي كان يُدْعَى منافقا في عصر النبوة، وقد قالوا إن أصل الكلمة فارسي ولفظها «زان دين»، أي خافي الكفر، فصارت بعد التعريب «زنديق»، فهذا إن ثبت عليه ما ذُكِرَ قُتِلَ، تاب أو لم يتب، بيد أنه إن تاب قُتِلَ حدا، وكذلك إذا أنكر ما شهدت البينة به عليه من الزندقة، وإن لم يتب قُتِلَ كفرا، والفرق بينهما أن من قُتِلَ حدا فماله لوارثه، وأما الثاني كأن اعترف ولم يتب، فإن ما تركه يجعل في بيت مال المسلمين. وقد روى البخاري وأصحاب السنن عن عكرمة قال: «لما بلغ ابن عباس ﵄ أن عليا ﵁ حرق المرتدين أو الزنادقة، قال: «لو كنت أنا لم أحرقهم، ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه»، ولم أحرقهم لقول رسول الله ﷺ : «لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله»، وفي الموطإ (١٤١١) عن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال: «من غير دينه فاضربوا عنقه»، وهو مرسل كما ترى. أما أنه لا تقبل توبته فقد عللوا ذلك بأن حاله لا ينضبط لفساد طويته وخبثه، فإنه لم يعالن بالكفر كما هو شأن المرتد، بل أخفاه حتى اطُّلِعَ عليه، وقد استدل مالك بالحديث المتقدم على قتل الزنديق فقال مع بعض التصرف: «ومعناه فيما نُرى والله أعلم أن من

стр. 2069

خرج عن الإسلام إلى غيره مثل الزنادقة وأشباههم فإن أولئك إذا ظُهر عليهم قُتِلوا ولم يُستتابوا، لأنه لا تعرف توبتهم، فلا أرى أن يُستتاب هؤلاء، ولا أن يُقبل منهم قولهم، وأما من خرج من الإسلام إلى غيره وأظهر ذلك فإنه يُستتاب فإن تاب وإلا قُتِلَ»، انتهى، وبَيَّنَ بعد ذلك أن هذا الحديث ليس على عمومه، فلا يشمل من بدل دينه من غير المسلمين، وقد اعتمد مالك في التفريق بين الزنديق لا يستتاب والمرتد يستتاب بالإضافة إلى ما تقدم على أثر محمد بن عبد الله بن عبد القاري الذي سيذكر في فقرة قتل المرتد، أما إن جاء الزنديق تائبا قبل الاطلاع عليه فإن توبته تمنع قتله. فإن قلت: إذا كان الزنديق هو المنافق فما ذا يقال عن عدم قتل النبي ﷺ المنافقين خشية أن يقال إن محمدا ﷺ يقتل أصحابه فيكون ذلك سببا في التنفير من الإسلام؟، فالجواب: أن المانع من قتلهم معلل بعلة وقد زالت فيصدق عليهم الأحاديث القاضية بقتل المرتد إذ لا فرق بين المرتد والزنديق بل أمر الزندقة أخطر كما سبق.

стр. 2070

• قوله: ٧٤ - «وكذلك الساحر ولا تقبل توبته». قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ [البقرة: ١٠٢]، نفى الله تعالى عن سليمان ﵊ السحر الذي نسبه إليه اليهود، بأن نفى عنه الكفر، فدل على أن الساحر كافر، وحكم بكفر الشياطين الذين يُعَلِّمُون الناسَ السحر، فدل على أن معلم السحر كافر، وذكر عن هاروت وماروت قولهما لمن يعلمانه السحر ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، وظاهره كفر متعلم السحر، ومذهب مالك أن تعلمه بمجرده كفر، والاستدلالات المتقدمة في الآية محتملة، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ [طه: ٦٣]، فنفى عنه الفلاح أنى تَوَجَّهَ. ومن أدلة قتل الساحر ما رواه الترمذي والدارقطني والحاكم عن جندب قال، قال رسول الله ﷺ : «حد الساحر ضربة بالسيف»، لكن في سنده إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف من قِبَلِ حفظه، وقال الشوكاني في السيل (٤/ ٣٧٤) بعد أن ذكر كلام وكيع بن الجراح في توثيق إسماعيل المذكور: «ويؤيده عمل الصحابة واشتهاره بينهم من غير نكير، حتى وقع من حفصة زوج النبي ﷺ ، فإنها قتلت جارية سحرتها كما رواه مالك في الموطإ وعبد الرزاق، وأخرج أحمد وأبو داود وعبد الرزاق والبيهقي أن عمر بن الخطاب كتب قبل موته بشهر: «أن اقتلوا كل ساحر وساحرة»، ولا يصح الاحتجاج على عدم القتل بتركه ﷺ قتل اليهودي الذي سحره، فإنه إنما ترك ذلك لئلا يثير على الناس شرا،،،»، انتهى. قلت: وقيل دل عدم قتله ﷺ من سحره على أن الساحر إذا لم يفعل بسحره ما لا

стр. 2071

يقتل؛ فلا قتل عليه، والأقوى أنه ترك ذلك للعلة التي نص عليها النبي ﷺ ، والقول شريعة عامة فيقدم على الفعل كما هو معلوم عند أهل الأصول، وأثر حفصة الذي أشار إليه الشوكاني رواه مالك (١٥٨٥) عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أنه بلغه أن حفصة زوج النبي ﷺ قتلت جارية لها سحرتها، وقد كانت دبرتها، فأمرت بها فقتلت»، وقد وصله غير مالك، وما جاء من إنكار عثمان بن عفان ﵁ على حفصة -رضي الله تعالى عنها- قتل جاريتها الساحرة فقد راجعه في ذلك ابن عمر فسكت عثمان، وتؤول إنكاره على أنه إنما أراد كراهة ذلك دون الرجوع إليه قبل قتلها. وقد ترك مالك أثرا عن عائشة أَوْرَدَهُ في موطئه بآخرة لمخالفته ما في أثر حفصة، فلم يروه يحيى بن يحي الليثي وبعض ممن روى الموطأ، لكنه في موطإ أبي مصعب الزهري (٢٧٨٢) عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها أعتقت جارية لها على دبر منها، ثم إنها مرضت بعد ذلك ما شاء الله، فدخل عليها سندي فقال: إنك مطبوبة، فقالت: من طبني؟، فقال: «امرأة من نعتها كذا وكذا، وفي حجرها صبي قد بال»، فقالت عائشة: ادع لي فلانة لجارية لها تخدمها، فوجدوها في بيت جيران لها، في حجرها صبي قد بال، فقالت: حتى أغسل بول الصبي، فغسلته ثم جاءت، فقالت لها عائشة: سحرتني؟، فقالت: نعم، فقالت: لِمَ؟، فقالت: أحببت العتق، فقالت عائشة: «فو الله لا تُعتقينَ أبدا»، فأمرت عائشة ابن أخيها أن يبيعها من الأعراب ممن يسيء ملكتها، ثم قالت: «ابتع لي بثمنها رقبة حتى أعتقها»، ففعلت،،، «انتهى المراد منه، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ١٥٩) بعد أن أورد هذا الأثر: «وفيه أن السحر حق، وأنه يؤثر في الأجسام، وإذا كان لم يُؤمن منه ذهاب النفس، وفيه أن الغيب تدرك منه أشياء بدروب من التعليم فسبحان مَنْ عِلْمُهُ بلا تَعَلُّمٍ، ومن يعلم الغيب حقيقة لا كمن يعلمه من يخطئ مرة، ويصيب أخرى تخرصا وتظننا، وفيه إثبات النشرة وأنها قد ينتفع بها، وحسبك ما جاء فيها من اغتسال العائن للمعين، وفيه أن الساحر لا يُقْتَلُ إذا كان عمله من السحر ما لا يَقْتُلُ»، انتهى. قلت: أثر عائشة -رضي الله تعالى عنها- وإن كان رجاله ثقات إلا أن فيه ما لا يرتضى، وما لا يظن بأم

стр. 2072

المؤمنين قبوله والعمل عليه، ولعل مالكا إنما أسقطه بآخرة لهذا المعنى لا لمجرد معارضته لأثر حفصة، فإنه قد أثبت المتعارض في غير باب من المرفوع فكيف بالموقوف، والله أعلم. وإذا فرق الساحر بين المرء وزوجه، أو أذهب عقل أحد، قُتِلَ من غير استتابة إذا كان يسر بذلك واطلعنا عليه، أما إن كان مجاهرا فإنه يقتل قتل المرتد بعد الاستتابة، فإن جاء تائبا قبل الاطلاع فلا يقتل، على أن يضمن ما أتلف بالاقتصاص منه، أما من استأجر شخصا ليسحر غيره فإنه يؤدب ويعزر، والضامن هو المباشر للفعل، وكل هذا في المسلم إذا سحر، أما الذمي الساحر فإنه لا يقتل، بل يؤدب إلا أن يدخل ضررا على أحد من المسلمين فإنه يكون بذلك ناقضا لعهده فيقتل إلا أن يسلم، وقال سحنون يقتل إن عثر عليه إلا أن يسلم، وجه الأول أن السحر كفر والذمي كافر، فمع عدم إلحاق الضرر لم يزدد شيئا، ووجه الثاني النظر إلى ما في السحر من الفساد فهو فساد على كفر.

стр. 2073

• قوله: ٧٥ - «ويقتل من ارتد إلا أن يتوب، ويؤخر للتوبة ثلاثا وكذلك المرأة». قتل المرتد متفق عليه بين المسلمين في الجملة، والخلاف إنما هو في قتل المرأة، ولا بد في المذهب من استتابته ثلاثة أيام يعرض عليه الرجوع عما ارتد به عن دينه، من غير تعذيب ولا تجويع ولا تخويف، وقد استدل مالك على استتابة المرتد بأثر محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاري أنه قال قدم على عمر بن الخطاب رجل من قِبَلِ أبي موسى الأشعري فسأله عن الناس فأخبره ثم قال له عمر: «هل كان فيكم من مغربة خبر»؟، فقال: «نعم، رجل كفر بعد إسلامه»، قال: «فما فعلتم به»؟، قال: «قربناه فضربنا عنقه»، قال عمر: «أفلا حبستموه ثلاثا، وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله»؟، ثم قال عمر: «اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أَرْضَ»، وهو في الموطإ (١٤١٢)، وقد قبل النبي ﷺ توبة عبد الله ابن سعد بن أبي سرح بعد أن أمر بقتله يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله ﷺ . والظاهر أنه لا يكفي في توبة المرتد أن ينطق بالشهادتين، بل برجوعه عما ارتد به كإنكار واجب أو استحلال محرم، أو تحريم مباح مما هو معلوم من الدين بالضرورة، وقد روى أحمد والبخاري وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من بدل دينه فاقتلوه»، والظاهر من قوله من بدل دينه عموم تبديل الدين كأن يخرج من النصرانية إلى اليهودية، أو العكس، لا خصوص تبديل دين الإسلام، ووجهه ما فيه من التلاعب وعدم ضبط أحوال الناس، ولكنه عند غالب العلماء مراد به تبديل دين الإسلام وهو قول مالك في الموطإ، ووجهه أن الكفر ملة واحدة، والرواية الأخرى عن مالك على وفق عموم الحديث، لكنه مخصوص إجماعا بما عدا من أسلم، وبما عدا المكره بنص كتاب الله، ومن ذلك قول النبي ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق لجماعة»، رواه

стр. 2074

الشيخان، والتارك لدينه فيما يظهر مختص بالمسلم يرتد، لأن الجماعة المعتبرة شرعا إنما هي جماعة المسلمين، فاعجب لمن يزعمون أنهم يدافعون عن الإسلام ويزعمون أنهم يجتهدون في تحسينه للناس مع أنهم لا يفتأون ينكرون بعض أحكامه لظنهم أن ذلك يزينه في أنظار الكفار وبجعله متفقا مع ما يزعم من حقوق الإنسان، ومنها حرية المعتقد، ويقولون لهم إن الإسلام كفل حرية الدين للناس فلا دليل على قتل المرتد في شرعته، لقد قال هذا رجل يدعى (طه جابر العلواني)، وهو وأمثاله يموهون بظواهر من الأدلة لا يستقيم لهم الاحتجاج بها وهم بهذا وغيره قد خرجوا عن إجماع المسلمين منها قول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وهذا في الإكراه على الدخول في الإسلام كما جاء ذلك في سبب النزول، ولأن أصل الدين عمل قلبي مؤسس على الاقتناع فلا يتأتى الإكراه عليه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾ [يونس: ٩٩] أما الردة فأمر آخر يتعلق بحماية الدين من العبث والتلاعب، وسواء أقلنا بالاستتابة أم بعدمها فإن هذا الحكم لا إكراه فيه بل هو عقوبة كسائر العقوبات، وإلا فما ذا سيقول هؤلاء في بقية الحدود أيعطلونها بزعمهم هذا أيضا، فالظاهر أن المراد من تشغيبهم هذا ليس إلا الإجهاز على البقية الباقية في نفوس المسلمين من اعتقاد مشروعية هذه الحدود ووجوبها، وإلا فإنها معطلة، نسي القوم قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠]، وتغيير أمر تعطيلها بالقلب، بل عَمُوا عما يفعله الكفار أنفسهم من قتل من يخون وطنه، فهل هان عليهم دينهم فأصبح أقل أهمية من حفنة تراب؟، مع أننا نعلم أن قتل المرتد غير معمول به في معظم بلدان المسلمين، بل ولا قدرة للواحد من الكثير منهم على فسخ نكاح المرتد من ابنته أو أخته، بل من ذا الذي يقدر على منعه من الميراث، بل ومن أن يدفن في مقابر المسلمين؟، فلم يكتفوا بكون هذا الحكم معطلا، بل أرادوا إبطال اعتقاد كونه شرعا منزلا، وإن لم يشعروا، فالله حسيبهم. ومما يرتد به المسلم عياذا بالله تعالى أن ينكر معلوما من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة أو الزكاة أو الصيام أو الحج، أو حل النكاح بشرطه، أو وجوب تغطية المرأة ما عدا

стр. 2075

وجهها وكفيها عن غير المحارم والزوج، أو ينكر مباحا معلوم الإباحة كالبيع، ومنها أن يسجد لصنم، أو يلقي المصحف أو بعضه في القذر، أو يستهزئ بشيء من أحكام الله تعالى بعد أن يثبت عنده أنه من الدين فضلا عن أن ينكر شيئا من العقائد القطعية كالجنة والنار ولزوم دخول النار كل من مات مشركا كافرا، أو يسب الله تعالى، أو رسوله ﷺ ، أو يطعن في عرض أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- لكونه مكذبا بالقرآن الذي بَرَّأَهَا، واختلف في تارك الصلاة عمدا من غير جحود وسيذكره المؤلف وقوله «وكذلك المرأة»، أي تقتل المرأة إذا ارتدت، لكن الحامل تؤخر حتى تضع حملها، وتجد من ترضعه أو تفطمه، وإنما نص على قتل المرأة للرد على من قال إنها لا تقتل لما رواه الشيخان وبعض أصحاب السنن عن ابن عمر أن امرأة وجدت مقتولة في بعض المغازي فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان»، وجاء النهي عن قتل المرأة والعسيف - وهو الخادم - في سنن أبي داود والنسائي عن الرباح بن الربيع التميمي، وفيه قوله عن المرأة: «ما كانت هذه لتقاتل»، والجواب أن الحديث الذي ساقوه حجة لهم وَرَدَ في الكوافر فلا يُقْتَلْنَ إذا لم يقاتلن، وقد علل النبي ﷺ النهي بقوله ما كانت هذه لتقاتل، وكلامنا في المسلمة إذا ارتدت، ويلزمهم أن يطردوا عموم ترك القتل ليشمل حالة القصاص والزنا والحرابة، أو يكونوا متناقضين، بل إن القتل لأجل الردة أعظم من القتل لأجل المعصية، فأقل ما يقال إن عموم النهي عن قتل النساء غير محفوظ، وعموم قتل المرتد مختلف فيه، فيكون أولى بالتقديم، والعلم عند الله.

стр. 2076

• قوله: ٧٦ - «ومن لم يرتد وأقر بالصلاة وقال لا أصلي أُخِّرَ حتى يمضي وقت صلاة واحدة فإن لم يصلها قُتِلَ». دلّ على هذا في الجملة قول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله». فإن قلت: لا يلزم من القتال القتل، فالجواب: أن القتال قد يلزم منه القتل فإن من يقاتل على الشيء إذا لم يرجع عنه جاز قتله، فإن قلت: فما الجواب عن كون الزكاة لا يقتل الممتنع من إعطائها؟، قلت: دل الدليل على عدم قتله إذا أمكن أخذها منه قهرا كما سيأتي، لكنه يُقْتَلُ إن جحد وجوبها، وقال النبي ﷺ : «نهيت عن المصلين»، رواه الطبراني عن أنس، ومفهومه أنه لم ينه عن قتل غير المصلين، فمن أقر بوجوب الصلاة غير أنه تركها متعمدا فإنه يؤمر بأدائها، فإن أبى أُخِّرَ مقدار ما تصلى فيه ركعة مع سجدتيها من الوقت الضروري ثم يُقْتَلُ، لأن الصلاة تدرك بذلك المقدار كما جاء في حديث أبي هريرة عند مالك والشيخين، ويقتل ولو قال أصلي، لكنه يقتل حدا لا كفرا، أي أنه يغسل ويكفن ويصلي عليه غير الفاضل، ويدفن في مقابر المسلمين، لكن إن قيل له أتصلي أم تقتل؟، فاختار القتل على الصلاة، فالظاهر أنه جاحد فَيُقتل لأجل الردة، قاله ابن تيمية ﵀، وقال خليل ﵀: «ومن ترك فرضا أخر لبقاء ركعة بسجدتيها من الضروري، وقتل بالسيف حدا، ولو قال أنا أفعل، وصلى عليه غير فاضل، ولا يطمس قبره، لا فائتة على الأصح، والجاحد كافر»، فانظر أيها المؤمن فإن هذا فيمن ترك فرضا واحدا لا فيمن ترك الصلاة أصلا.

стр. 2077

• قوله: ٧٧ - «ومن امتنع من الزكاة أخذت منه كرها». هذا إذا لم يجحدها لأنه يمكن استيفاؤها منه قهرا، بخلاف الصلاة، فإن امتنع من أدائها ولزم لذلك مقاتلته قوتل، فإن قُتِل فدمه هدر، كما فعل أبو بكر ﵁ مع مانعي الزكاة، وقال: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة»، ولقول النبي ﷺ : «في كل أربعين من الإبل السائمة بنت لبون، من أعطاها مؤتجرا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا، ليس لآل محمد منها شيء»، رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، قوله مؤتجرا من أجر وهو حال من فاعل أعطاها، أي طالبا الأجر من الله، فالائتجار هو الاحتساب، وقوله وشطر ماله بالنصب معطوف على الضمير المتصل المنصوب بالوصف في قوله آخذوها، هذا في عون المعبود، والصواب: أن الضمير المتصل مجرور بالإضافة وشطر منصوب بعد واو المعية، وشطر المال نصفه أو بعضه، وقيل إن الراوي أخطأ في هذه اللفظة، وإنما الأصل فإنا آخذوها من شطر ماله، أي نجعل ماله شطرين، فنأخذ الزكاة من أفضلهما عقوبة له، والذي فروا منه وهو كون العقوبات المالية منسوخة أو غير معروفة، وأن من أتلف شيئا إنما يضمن مثله لم يخرجوا منه بهذا التأويل، لأن أخذ الأفضل هو عقوبة أيضا، فيكون في الحديث دليل على عقوبة مانع الزكاة، والأدلة على العقوبة المالية كثيرة مرفوعة وموقوفة والجمهور على خلاف ذلك، ونقل بعضهم الإجماع على المنع، والعزمة بفتح العين وسكون الزاي الشدة في الأمر والوقوف فيه، والمراد أن أخذ الزكاة قهرا من الممتنع مع شطر ماله أمر مفروض، والعزائم تقابل الرخص، وانظر التلخيص الحبير عند الحديث (٨٢٩)، وعون المعبود (٤/ ٣١٦)، وقد استشكل أخذ الزكاة من الممتنع قهرا مع أن النية فيها مطلوبة، وأين النية من الإكراه؟، حتى أخذ من ذلك بعضهم أن النية لا تشترط في إخراج الزكاة، والجواب: أن الظاهر أنه وإن كفى المكلفَ ذلك الأخذُ إلا أنه غير مثاب عليها، بل هو معاقب على الامتناع من أدائها، فلا حجة في الحديث على عدم اشتراط النية

стр. 2078

• قوله: ٧٨ - «ومن ترك الحج فالله حسيبه». أي أن من ترك الحج فأمره إلى الله تعالى يحاسبه فلا يتعرض له، وعللوا ذلك بإمكان عدم توفر الاستطاعة التي نيط بها الإيجاب، ولأن الحج فرض على التراخي على أحد القولين، وحسب المستطيع إن لم يحج أن الله تعالى بعد أن بين افتراضه الحج على المستطيع قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فلينظروا كل من كان له جِدَةٌ ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين»، رواه سعيد بن منصور بسند صحيح كما في التلخيص الحبير (ح/ ٩٥٧)، ولينظر الدر المنثور للسيوطي، والجدة بكسر الجيم وفتح الدال مخففة؛ هي اليسار والسعة: إن الشباب والفراغ والجده … مفسدة للمرء أي مفسده

стр. 2079

• قوله: ٧٩ - «ومن ترك الصلاة جحدا لها فهو كالمرتد يستتاب ثلاثا فإن لم يتب قُتِلَ». لا خصوصية لجحد الصلاة، بل مثلها جحد كل ما كان معلوما من الدين بالضرورة، ومثله على الراجح إنكار المشهور المجمع عليه متى كان منصوصا، واختلف في تكفير قديم العهد بالإسلام إذا أنكر مجمعا عليه من غير المشهور، مما ليس منصوصا نحو القراض، وإنما اشترطوا في المشهور كونه منصوصا للاحتياط، لأن بعض أهل الأصول يرون أن الإجماع لا يقع إلا بالاستناد إلى نص، وقد أشار إلى هذا التفصيل صاحب المراقي ﵀، والسلف في البيت الأخير من كلامه فاعل الفعل اختلف، قال: والكافر الجاحد ما قد أُجمعا … عليه مما علمه قد وقعا عن الضروري من الديني … ومثله المشهور في القوي إن كان منصوصا وفي الغير اختلف … إن قدم العهد بالإسلام السلف

стр. 2080

• قوله: ٨٠ - «ومن سب رسول الله ﷺ قُتِلَ ولا تُقْبَلُ توبته». حكى ابن المنذر الإجماع على قتل من سب رسول الله ﷺ ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨]، وقد أمر النبي ﷺ بقتل أناس كانوا يؤذونه بالسب ويهجونه بالشعر وهم كفار، فكيف بمن فعل ذلك من المسلمين؟، ومن هؤلاء كعب بن الأشرف اليهودي، أرسل إليه النبي ﷺ محمد بن مسلمة مع نفر آخرين، وقال عنه: «قد استعلن بعداوتنا وهجائنا»، وفي الصحيح قوله عنه: «إنه يؤذي الله ورسوله»، ومنهم عبد الله بن خطل وجاريتاه اللتان كانتا تغنيان شعره الذي هجا به رسول الله ﷺ ، فمن سب من المسلمين المكلفين النبي ﷺ أي شتمه أو لعنه أو قذفه أو استخف بحقه أو غَيَّرَ صفته، أو ألحق به نقصا في دينه أو عقله أو غض من منزلته التي أعطاها الله له، أو طعن في وفور علمه بالله تعالى أكثر من غيره من المسلمين، أو قال إن منزلته دون الأولياء والصالحين، أو نسب إليه ما لا يليق به على طريق الذم، وهكذا إذا قال أنه ليس بشرا، أو قال أنه يعلم الغيبَ مُطلقًا، ومثله في ذلك سائر الأنبياء المتفق على نبوتهم وكذا الملائكة، فمن حصل منه شيء من ذلك عياذا بالله تعالى فإما أن يتوب أولا، فإن تاب قُتِلَ حدا، وإن لم يتب قُتِلَ كفرا، وإنما لم تنفعه التوبة في دفع الحد عنه لأنه بمثابة الزاني، وشارب الخمر والقاذف لا تنفعه التوبة في إسقاط الحد عند الجمهور، ولأنه مرتد بما فيه حق الغير، بخلاف الحرابة كما سيأتي، فهو يشبه الزنديق، وهو لا تعرف له توبة، قالوا ولا تقبل له توبة ولو لم نطلع عليه حتى جاء تائبا، وفرقوا بينه وببين الزنديق بأن حق الزندقة لله تعالى فيسقط بالتوبة وسب النبي ﷺ حق آدمي فلا يسقط، قالوا ويقتل ولو ظهر أنه لم يرد ذم النبي ﷺ لجهل أو سكر أو تهور في الكلام ولا تقبل منه دعوى سبق اللسان، ولا دعوى سهو ولا نسيان، وهذه الأمور وإن كان في بعضها نظر، لكن قول

стр. 2081

بعض أهل العلم بها فيه عبرة لمن اعتبر، ولا حجة في عدم قتل الأحمق المطاع بعد قوله هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، إما لأن قتل المرتد لم يكن قد تقرر بعد، أو لغير ذلك مما يعتور الفعل، أما القول فشريعة عامة فهو مقدم، أما أن يحتج لعدم قبول توبة شاتم الرسول بأن النبي ﷺ لم يَدْعُ كعب بن الأشرف إلى التوبة، فليس كما ينبغي لأنه كان يهوديا، نعم يتجه الاحتجاج بعدم قبوله توبة عبد الله بن خطل، فإنه قتل وهو متعلق بأستار الكعبة مع كونه كان كافرا فالمسلم أولى بهذا الحكم. وقد روى ابن حزم في المحلى (١١/ ٤١٠) عن أبي برزة الأسلمي قال: «أغلظ رجل لأبي بكر الصديق، قلت: «ألا أقتله»؟، فقال أبو بكر: «ليس هذا إلا لمن شتم النبي ﷺ »، وهذا يدل على أن ساب النبي ﷺ عنده كافر، والأثر هذا رواه أبو داود والنسائي عن أبي برزة وفيه قول أبي بكر ﵁: «لا والله، ما كانت لبشر بعد محمد ﷺ »، واللفظ المتقدم يبين مراد أبي بكر من قوله هذا، وهو أنه لا يقتل ساب غير النبي ﷺ ، لا أن مراده أنه ليس له أن يقتل من لم يرتكب إحدى الثلاث التي هي الزنا بعد الإحصان، أو الكفر بعد الإيمان، أو النفس بالنفس، وروى ابن حزم أيضا عن عبد الحميد بن الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه كان على الكوفة لعمر بن عبد العزيز فكتب إليه: «إني وجدت رجلا بالكوفة يسبك، وقامت عليه البينة فهممت بقتله، أو قطع يده، أو قطع لسانه، أو جلده، ثم بدا لي أن أراجعك فيه»، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: «سلام عليك، أما بعد: والذي نفسي بيده لو قتلته لقتلتك، ولو قطعته لقطعتك، ولو جلدته لأقدته منك، فإذا جاءك كتابي هذا فاخرج به إلى الكناسة فسبه كالذي سبني، أو اعف عنه فإن ذلك أحب إلي، فإنه لا يحل قتل امرئ مسلم يسب أحدا من الناس إلا رجلا سب رسول الله ﷺ »، انتهى، وروى أبو داود والنسائي والدارقطني عن عكرمة قال: حدثنا ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ ، وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المغول فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذُكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فجمع الناس فقال: «أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام»، فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل

стр. 2082

حتى قعد بين يدي النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كانت البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي ﷺ : «ألا اشهدوا أن دمها هدر»، قال الحافظ في بلوغ المرام رواته ثقات، والمغول بكسر الميم وسكون الغين المنقوطة، وفتح الواو، سيف قصير يخبأ تحت الثياب أو هو الخنجر في عرف اليوم.

стр. 2083

• قوله: ٨١ - «ومن سبه من أهل الذمة بغير ما به كفر أو سب الله بغير ما به كفر قتل إلا أن يسلم». وهذا لأن كفر الكافر فيه الاستنقاص، فإذا كان استنقاصه بما به كفر فلا يؤاخذ به لأن الشرع قد أقره، وأمنه على نفسه وماله مع قيله ذلك واعتقاده إياه، ومثاله أن يقول عن النبي ﷺ ليس هو آخر المرسلين، ولا بعث للناس أجمعين، ولا أن شريعته خاتمة شرائع النبيين، أو يقول عن مولانا ثالث ثلاثة، أو أن المسيح هو ابن الله أو أن عزير بن الله، فهذا من دينه الباطل الذي أقر عليه فهو كذلك إلى نزول عيسى ﷺ حيث لا يقبل منهم حينئذ غير الإسلام، أما ما ليس من دينهم كأن يقول عن النبي ﷺ حاشاه - إنه بخيل، أو ليس بعالم، أو غير ذلك من الألفاظ المزرية، أو يقول عن الله تعالى إنه عاجز أو شحيح أو كاذب فهذا يُقْتَلُ إلا أن يسلم، لأن حامله عليه الاستنقاص المستأنف لا الاعتقاد المقر، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ [الأنفال: ٣٨]، ولأن الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها» كما في الصحيح.

стр. 2084

• قوله: ٨٢ - «وميراث المرتد لجماعة المسلمين». يعني أن ميراث المرتد الذي يُقْتَلُ لأجل ردته أو يموت حتف أنفه هو لجماعة المسلمين أي يوضع في بيت المال إن كان، فهو من جملة الفيء، ولو كان ورثته كفارا شرط أن يكون حرا، أما العبد فماله لسيده، فإن تاب برجوعه إلى الإسلام فإن ماله يرد إليه ولو عبدا، وقد احتج لهذا بقول النبي ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم»، رواه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن أسامة بن زيد ﵁، لكن هذا كما ترى ليس فيه إلا منع ميراث المسلمين له، فيمكن أن يقال يرثه ورثته من غير المسلمين، كما قال به علي بن أبي طالب، إذ لا دليل على استثناء المرتد من عموم الكافر في الحديث، ويحتمل أن يرثه أهل دينه الجديد، لأنه منهم، ويحتمل أن يكون ماله فيئا، وهذا هو الأقوى، لأن غيره إما مخالف للنص أو فيه دفع المال الذي للمسلمين إلى غيرهم، والله أعلم.

стр. 2085

• قوله: ٨٣ - «والمحارب لا عفو فيه إذا ظُفر به». هذا هو حد الحرابة بكسر الحاء، والمحارب اسم فاعل من حارب، ومشهور المذهب أن الحرابة لا تختص بمن أخاف السبيل خارج الحواضر، بل العبرة بالطريقة التي يقترف بها المحارب جرمه، قال مالك ﵀: «المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو برية وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون ثائرة ولا ذَحْل ولا عداوة»، انتهى، والثائرة ما يحصل بين الناس من الخلافات التي تُفْضِي إلى التقاتل، والذخل بالذال المعجمة المفتوحة والحاء المبهمة الساكنة هو الثأر، هذا هو المشهور في حد الحرابة، والرواية الثانية نفى فيها أن تكون الحرابة في المصر. قال القاضي أبو بكر بن العربي: «كنت في أيام حكمي بين الناس إذا جاءني أحد بسارق وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم، وأصحابه يأخذون مال الرجل حكمت فيهم بحكم المحاربين، فافهموا هذا من أصل الدين، وارتفعوا إلى يفاع العلم عن حضيض الجاهلين»، انتهى، المراد باليفاع الأعلى، واليفاع أعلى الجبل، وقد ذكر خليل صورا للحرابة منها قطع الطريق لمجرد منع المرور، أو أخذ المال المعصوم من المسلم والذمي على وجه يتعذر معه الغوث، أو تغييب عقل الغير لأخذ ما معه، ومخادع الصبي وغيره ليأخذ ما معه، ومنه من يدخل زقاقا أو دارا يقاتل ليأخذ المال، وقد ذكر مؤلفنا أن المحارب متى ظُفر به أي قبض عليه قَبْلَ أن يتوب لا يجوز العفو عنه لأن حد الحرابة حق لله تعالى وهو دفع الفساد، وسيأتي حكم ما إذا تاب قبل أن يقدر عليه.

стр. 2086

• قوله: ٨٤ - «فإن قتل أحدا فلا بد من قتله». قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤]. الظاهر أن الآية في المسلمين المحاربين بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، لأن الكافر لا يقيد قبول توبته بهذا، ويؤيد ذلك أن العرنيين الذين ورد أن الآية نزلت فيهم كانوا قد أسلموا، وظاهرها تخيير الإمام في هذه الأمور الأربعة التي هي القتل والصلب وتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف والنفي من الأرض، لكن الإمام إنما يختار واحدا منها بناء على اجتهاده في رعاية مصالح الإسلام ودفع الشر عن أهله كالتخيير الذي في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا (٤)﴾ [محمد: ٤]، كما أنها بظاهرها تدل على عدم الجمع بين أكثر من حد، لكن للعلماء في دلالتها مذاهب:. فقيل يقام على المحارب بقدر جرمه، ولهذا فقد يجمع عليه أكثر من حد. وقيل إن استحق حد القتل اكتفي به لأنه يأتي على كل ما دونه. وقيل لا ينبغي أن يصلب قبل القتل لما يترتب على ذلك من منعه من الصلاة. وقول مالك أن الإمام مخير على ظاهر الآية، لأن الأصل في حرف أو التخيير، فإن قتل أحدا فلا بد من قتله، وهو مراد المؤلف من قوله «فلا بد من قتله» لأن عفو الأولياء عن القاتل لا يجدي في الحرابة فعفوهم خاص بما عداها من القتل العمد العدوان، قال القرطبي في تفسيره (٦/ ١٥٦): «وأجمع أهل العلم على أن السلطان ولي من حارب، فإن قتل محارب أخا امرئ أو أباه في حال المحاربة فليس إلى طالب الدم من أمر المحارب

стр. 2087

شيء، ولا يجوز عفو ولي الدم، والقائم بذلك الإمام، جعلوا ذلك بمنزلة حد من حدود الله»، انتهى. ومما تختص به الحرابة عند جمهور العلماء وهو المذهب أن القاتل يُقْتَلُ من غير مراعاة تكافؤ الدماء، لأن القتل هنا ليس لمجرد القصاص وَحْدَهُ، بل انضم إليه الفساد العام من التخويف وسلب المال وغيرهما، قال خليل: «ويجب قتله ولو بكافر أو بإعانة ولو جاء تائبا، وليس للولي العفو»، انتهى، ومن ذلك أن القطع في الحرابة عند مالك إذا رآه الإمام فلا يتوقف على أخذ النصاب الذي يقيد به القطع في السرقة كما سيأتي، لأن الله تعالى ذكر ما يفعل بالمتصف بوصف الحرابة وتحتها مفردات من المعاصي ولم يقيدها بقيد فتكون أصلا، والأصول لا يرد بعضها إلى بعض، ولا يقاس بعضها على بعض، على أحد قولي العلماء، ولأن أخذ المال في الحرابة قد أخذ قهرا وغلبة فلا يقيد بقيود حد السرقة.

стр. 2088

• قوله: ٨٥ - «وإن لم يقتل فيسع الإمام فيه اجتهاده بقدر جرمه وكثرة مقامه في فساده فإما قتله، أو صلبه ثم قتله، أو يقطعه من خلاف أو ينفيه إلى بلد يسجن بها حتى يتوب». قد تقول: لم اقتصروا في لزوم قتل القاتل في الحرابة على ما إذا قَتَل؟ قلت: لأن فيه احتياطا للدماء فإذا قَتَل كان قتله واجبا بالنص خارج حد الحرابة، وإذا ارتكب ما دون القتل لم يجب على الإمام واحد من تلك الأمور بل المرجع في تحديد واحد منها اجتهاده، فيفعل ما يراه كافيا في ردعه. قالوا: فإن كان ذا قوة فعل به أشد العقوبة، وهو القطع من خلاف، وإن لم يكن ذا شوكة فعل به أيسر العقوبات وهو النفي إلى بلد في مسافة القصر يسجن فيه حتى يتوب، والنفي خاص بالرجال الأحرار، قال خليل مبينا ما يندب أن يراعى في تنزيل حد الحرابة: «وندب لذي التدبير القتل، والبطش القطع، ولغيرهما ولمن وقعت منه فلتة النفي والضرب»، انتهى. وفي كلام المؤلف الجمع بين أكثر من حد وقد علمت ما فيه، لكنهم قالوا عن الصلب إنه من صفات القتل والمشهور أنه يقدم، ورأوا أنه ليس فيه جمع بين عقوبتين، وظاهر الآية أن الصلب عقوبة مستقلة، ولأن الصلب يجوز أن لا يصل إلى القتل، فإن كان بعده أمكن أن يقال إنه ليس عقوبة مستقلة، وذهب أشهب إلى أنه يجمع بين القتل والصلب على أن يؤخر الصلب، وهذا أقرب لأن المقصود اشتهار الأمر برؤية الناس حتى ينزجروا عن الحرابة، قالوا ولا يقتل على صفة يعذب بها ولا بحجارة، والصلب خاص بالرجل دون المرأة المحاربة لما فيه من كشف عورتها، أما القطع فبأن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى في فور واحد لا أن يفرق بينهما في وقتين، فإن عاد إلى الحرابة قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، فإن عاد قتل، ولعل ذلك لعدم وجود محل إقامة الحد مع تكرار الجرم، لكنه ليس بلازم.

стр. 2089

• قوله: ٨٦ - «فإن لم يقدر عليه حتى جاء تائبا وضع عنه كل حق هو لله من ذلك وأخذ بحقوق الناس من مال أو دم». إن لم يظفر بالمحارب حتى جاء تائبا أو ألقى السلاح أو كاتب الحاكم باعتزامه ذلك فإنه يسقط عنه كل حق هو لله تعالى، وهو حد الحرابة أعني الأمور الأربعة المذكورة في الآية، لأن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾، راجع إليها جميعا، وخرج بقول المؤلف كل حق هو لله، أمران: حقوق الآدميين من الدماء والأموال، وحقوق الله تعالى في غير الحرابة كالزنا وشرب الخمر، ويجوز برجوع المحارب قبل القدرة عليه عفو الأولياء عن الدم من غير دية أو مع الدية على ما تقدم، وقد أشار خليل ﵀ إلى ما يسقط بترك الحرابة بقوله: «وسقط حدها بإتيان الإمام طائعا، أو ترك ما هو عليه».

стр. 2090

• قوله: ٨٧ - «وكل واحد من اللصوص ضامن لجميع ما سلبوه من الأموال» اللصوص جمع لص، ولا يريد المؤلف بهم السراق، بل مراده المحاربون الذين الكلام فيهم، فمن ظُفر به منهم أو جاء تائبا فإنه يضمن جميع ما أتلف من الأموال، وله أن يرجع على شركائه إذا أمكنه ذلك، وسواء أخذ المال هو أو أخذه غيره وهو حاضر، لأن المعين شريك، وكل واحد من الشركاء كالكل، واختلفوا في اللصوص المجتمعين على السرقة بقيدها الآتي، فقيل كل منهم مخاطب بما أخذه، وقال ابن رشد إذا تعاونوا عوملوا معاملة المحاربين، وهذا هو الراجح، ومثلهم البغاة والغصاب، فإذا وَجَد بعضُ المغصوب منهم مالا بيد الغاصب وقَدر عليه ساغ له الاستبداد بقدر ما غُصب منه، ورد ما فضل لغيره من المجتي عليهم، ولا يتحاصون كأرباب الديون»، قاله الشيخ علي الصعيدي العدوي بتصرف.

стр. 2091

• قوله: ٨٨ - «وتقتل الجماعة بالواحد في الحرابة والغيلة وإن ولي القتل واحد منهم، ويقتل المسلم بقتل الذمي قتل غيلة أو حرابة». هذه هي المرة الثالثة التي يذكر فيها المؤلف قتل الجماعة بالواحد، وذكرها هنا تكرار محض، بخلاف ما سبق، وقد تقدم دليل هذا الحكم، ولعله إنما أعاد ذكرها ليرتب عليها عدم اشتراط تكافؤ الدماء في قتل الحرابة لأن القتل ليس لمجرد القصاص، بل وللفساد أيضا، وعليه فيقتل المسلم بالكافر الذمي، لأن القتل حق لله تعالى لا للذمي، قال في الموطإ: «الأمر عندنا أن لا يقتل مسلم بكافر إلا أن يقتله مسلم قتل غيلة فيقتل به»، انتهى.

стр. 2092

• قوله: ٨٩ - «ومن زنى من حر محصن رجم حتى يموت». عقوبة الزاني ثلاثة أشياء: الرجم والجلد، والجلد مع التغريب، والجلد من غير تغريب، وقد ذكرها المؤلف وابتدأ بالرجم. وقد روى مالك (١٤٩٧) والشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة وزيد بن خالد قالا إن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت بكتاب الله»، وقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: «نعم فاقض لنا بكتاب الله وائذن لي»، فقال رسول الله ﷺ : «قل»، قال: «إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أُخْبِرْتُ أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم»، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم رَدٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها»، فغدا عليها فاعترفت فأمر سول الله ﷺ فرجمت»، والعسيف هو الأجير وَزْنًا ومَعْنىً كما هو تفسير مالك له، ومعنى مطالبة الرجلين النبي ﷺ أن يحكم بكتاب الله هو طلب التعجيل بالحكم، وقيل إن هذا صدر من جفاة الأعراب فلا عبرة به، ويرده ما وصف به أحدهما من كونه أفقه من خصمه، ويراد بكتاب الله ما شرعه الله، لا خصوص ما في القرآن، وقيل المراد ما نسخ من آية الرجم من التلاوة مع بقاء الحكم، وقد جاء ذلك في حديث ابن عباس الطويل عند البخاري، وفيه قول عمر بن الخطاب ﵁: «كان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما وجدنا الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف،،،»، انتهى، والآية المنسوخ لفظها مع بقاء حكمها هي: «الشيخ الشيخة فارجموهما البتة»، قال

стр. 2093

عمر: «فإنا قد قرأناها»، لفظ مالك. وقد قال الله تعالى في حد الزنى الذي كان قبل: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء: ١٥]، فحكم حبس الزانية وُقِّتَ بما قبل أن يجعل الله لها سبيلا، وقد قال النبي ﷺ : «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم»، رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن عبادة بن الصامت ﵁، وهو نص في الجمع بين الجلد والرجم، وجمهور العلماء على خلاف ذلك متمسكين بأن النبي ﷺ لم يجلد ماعزا ولا الغامدية، ولا تلك التي زنى بها العسيف، ولا اليهوديين، واعتبروا أن فعله ناسخ لقوله لأنه آخر الأمرين، ولأن الخليفتين بعده رجما ولم يجلدا، وإن كان علي ﵁ قد جمع بينهما، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ »، وقال بعض أهل العلم يجوز الجمع بينهما، والأفضل الاقتصار على الرجم كما كان النبي ﷺ يفعل، وهذا أولى من القول بالنسخ. بعد هذا فلا بد من كلمة زائدة على الشرح، لاستفحال شر هذه المعصية وكثرة الوسائل إليها في هذا العصر فأقول: إن حرمة الزنا معلومة من الدين بالضرورة، فقد مدح الله عباده بتبرئتهم منها مقرونة بتبرئتهم من الشرك والقتل في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٨]، وأخبر عن المفلحين من المؤمنين أنهم يحفظون فروجهم عن غير أزواجهم وما ملكت أيمانهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]، وكان اجتناب الزنا من جملة ما بايع عليه رسول الله ﷺ المؤمنين والمؤمنات، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الممتحنة: ١٢]، وقال النبي ﷺ كما في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت ﵁:

стр. 2094

«بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا،،، الحديث بطوله، وقال النبي ﷺ : «إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان على رأسه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه»، وهذا أشد من قول النبي ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن،،،»، وهو طرف من حديث عن عدد من الصحابة، ونهى عن الاقتراب من الزنا لا مجرد مواقعته في قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢]، والنهي عن الاقتراب نهي عن كل ما يؤدي إليه، ومع ذلك جاء التنصيص على الكثير من الذرائع إلى هذه الفاحشة الخطيرة مما هو ممنوع في نفسه مع كونه وسيلة إليها، وما ليس كذلك، فمن ذلك التبرج الذي قال فيه ربنا لأزواج النبي ﷺ وهن أمهات المؤمنين: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ومنها الخروج من البيت لغير حاجة فقال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، ومنها النظر إلى غير المحارم والزوج، وإبداء الزينة، والضرب بالأرجل في السير وكلها مجموعة في قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. وما أحسن قول القائل: وإنك مهما ترسل الطرف رائدا … لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر … عليه ولا عن بعضه أنت صابر ومنها استعطار المرأة إذا خرجت قال النبي ﷺ : «أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فَمَرَّتْ على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زانية»، رواه أحمد والنسائي عن أبي موسى، وروى البيهقي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أيما امرأة تطيبت ثم خرجت إلى المسجد لم تقبل لها صلاة حتى تغتسل»، والظاهر أن المراد الاغتسال

стр. 2095

الشرعي لا اللغوي، ومنها خروج المرأة للحَمَّام من غير ضرورة قال النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَدْخُلِ الحمام بغير إزار، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُدْخِلْ حليلته الحَمَّامَ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر»، رواه الترمذي والحاكم عن جابر ﵁، ومنها خَلْوَة الرجل بالمرأة غير محرمه وزوجه، لقول النبي ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان»، رواه أحمد عن عامر بن ربيعة ﵁، ومنها الاختلاط من غير ما ضرورة كما عليه المؤسسات التعليمية والإدارية والشركات ووسائل النقل والأسواق، وقد صار في هذا الزمان مما لا ينفك عنه الناس بل صار مفروضا في المدارس وغيرها يعاقب من خالف ذلك، ومنها لمس غير المحرم والزوج ومصافحته، وقد قال نبينا ﷺ : «لأن يُطْعَنَ في رأس أحدكم بِمَخِيطٍ من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له»، رواه الطبراني عن معقل بن يسار ﵁، ومن ذلك سفر المرأة من غير محرم أو زوج قال النبي ﷺ : «لا يحل لامرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم منها»، رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁، ومنها الخضوع بالقول قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [الأحزاب: ٣٢]، ومنها الدخول على النساء عموما والمغيبات منهن خصوصا، وهن اللاتي غاب عنهن أزواجهن، وهو أمر زائد على الخلوة فيما يظهر بخلاف ما رآه فيه الترمذي ﵀، لقول النبي ﷺ : «إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟، قال: الحمو الموت»، رواه الشيخان والترمذي وغيرهم عن عقبة بن عامر ﵁، وروى الترمذي عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تَلِجُوا على المغيبات فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم، قلنا: ومنك؟، قال: «ومني ولكن الله أعانني عليه فأسلم»، والمغيبات جمع المغيبة النساء اللاتي غاب عنهن أزواجهن، وأسلم هو مضارع الثلاثي سلم مسند إلى المتكلم أي فأنا أسلم من كيده فهو ﷺ وعلى آله محفوظ من خواطر السوء، ومنها عدم تزويج المحتاج إلى الزواج قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]، وقال النبي ﷺ : «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد

стр. 2096

عريض»، رواه الترمذي (١٠٨٤) وابن ماجه عن أبي هريرة، ومنها تقنين سن الزواج بحيث تمنع المرأة من الزواج فيما دون العشرين، والرجل نحو ذلك، حتى يبلغا سنا معينا، مع أن جواز تزوج الصغيرة قد جاء في نص قرآني قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ ى ى ئى﴾ [الطلاق: ٤]، فمن أنكر جواز ذلك فقد أنكر حكم القرآن المجمع عليه، وقد ضيق بعضهم بهذا أبواب الحلال، ووسعوا أبواب الحرام تحت زعم مساواة المرأة للرجل، ومنها مساواة الرجل بالمرأة في العمل والحصول على الوظيف، وبقطع النظر عما في ذلك من المخالفات التي لا يرتاب فيها العامي من المسلمين فإن هذه التسوية لا تتلاءم مع ما يزعم من قوانين الاقتصاد وتوفير العيش للناس إذ كيف يسوى بين المرأة التي لا تنفق على نفسها فضلا عن غيرها مع من هو ملزم بالإنفاق عليها وعلى أولادها منها ومن غيرها، فهذا يتنافى مع ما يزعم في بلدان المسلمين من بناء الاقتصاد على العقلانية والنفع والمصلحة وغير ذلك مما يروج له، بل إن كثيرا من الأعمال التي تسند إلى المرأة لا داعي لها غير تقليد الكفار والسعي في استجلاب رضاهم بتحقيق مبدإ المساواة المزعوم، ومن ذلك دخول أجهزة نقل الصور إلى البيوت كالتلفاز والأقراص وغيرها، وقد أصبح التفرج عليها من الرجال والنساء وكأنه أمر مباح، مع أن الله تعالى أمر الرجال والنساء بغض أبصارهم من غير فرق بين رؤية حس، ورؤية صورة، بل النظر إلى الصورة في الجهاز أشد ضررا من أكثر من وجه، ثم استفحل هذا الأمر فلم يعد الفرد يجتمع بغيره مما قد يكون سببا في التقليل من هذا الأمر، بل صار لكل فرد جهازه الخاص بتفرج عليه على أي حال أراد، وقد سعى الشرع إلى إبعاد ما ينبه الغريزة الجنسية قبل أوانها ويعجل بظهورها، ومن ذلك الأمر بإفراد الأولاد كل بمضجع خاص به، فقد قال النبي ﷺ : «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع»، رواه أبو داود وغيره، ونهي أن يفضي الرجل إلى الرجل والمرأة إلى المرأة في الثوب الواحد ليس بينهما شيء، وأمر المرأة أن تتحفظ بحيث لا تنزع ثيابها إلا حيث تكون آمنة من أن ينظرها من لا يحل له النظر إليها، قال النبي ﷺ : «أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها خرق الله عنها ستره»، رواه أحمد وغيره عن أم سلمة

стр. 2097

-رضي الله تعالى عنها-، حتى القواعد من النساء اللاتي لا أَرَبَ للرجال فيهن وإن رخص لهن الشرع في التخفف من بعض ثيابهن بقيود ندبهن إلى التزام ما تلتزمه الشواب من النساء من التحفظ، وعصرنا هذا فيه من الوسائل إلى خلاف ذلك ما لا يخفى، وقد قال الصادق المصدوق: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»، رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أسامة ﵁، ومما أخبر به النبي ﷺ قوله: «لا تقوم الساعة حتى يتسافدوا في الطريق تسافد الحمير، قلت: إن ذلك لكائن؟، قال: نعم ليكونن»، رواه البزار والحاكم عن ابن عمرو، وهو في الصحيحة برقم (٤٨١)، التسافد نزو الذكر على الأنثى. فمن استحل الزنا كفر، ومن فعله فعليه الحد كما سيأتي، ومن قنن تعاطيه في الناس بإقراره وجود البغاء المنظم كما عليه كثير من حكام المسلمين فقد أتى بابا من الكبائر لا ريب فيه، ومع ذلك يخشى على إيمانه من أصله، فإنه ليس من اليسير التسليم بأن تقنين المحرمات القطعية بالنصوص القانونية التي تجيزها يختلف عن جحدها وعدم التسليم بحرمتها، ومع ذلك فإننا لا نذهب إلى تكفير الفاعلين المعينين، وإن كنا نراهم من زمرة الظالمين، وهكذا ما جاءت به القوانين الوضعية من اعتبار من لم تبلغ سن كذا فإنها ليست راشدة، فمن زنى بها فلا ضير عليها هي، ويلزم هو بالزواج منها ويعاقب دونها، ويلحق به الولد الذي جاء منها، فإن التكاليف الشرعية يتوجه الخطاب بها إلى كل من بلغ سن التكليف، فهذا من تبديل الشريعة وتغييرها والله المستعان

стр. 2098

• قوله: ٩٠ - «والإحصان أن يتزوج امرأة نكاحا صحيحا ويطأها وطأ صحيحا». أصل الإحصان في اللغة المنع، وقال في الصحاح: «أحصن الرجل إذا تزوج فهو محصن، بفتح الصاد، وأحصنت المرأة عفت، وأحصنها زوجها، فهي محصنة، ومحصنة، وقال ثعلب: كل امرأة عفيفة، فهي محصنة ومحصنة، وكل امرأة متزوجة، فهي محصنة لا غير»، انتهى. والزواج من وسائل العفة التي بها تحفظ الفروج من الزنا، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً (٤)﴾ [النور: ٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣]، وقال: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥]، وقد جاء هذا المعنى في كتاب الله في قوله عما تحد به الأمة إذا زنت: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥]. والمقصود أنه يشترط في رجم الزاني أن يكون قد تزوج زواجا صحيحا مع حصول الجماع، وهو بالغ عاقل حر، والمرأة بالغة أو ممن يوطأ مثلها، ويعلم من هذا أن صفة الإحصان قد يكتسبها الزوجان معا، وقد يكتسبها أحدهما دون الآخر، فالزوجة الكتابية تحصن زوجها المسلم ولا يحصنها، والمجنونة تحصن العاقل ولا يحصنها، والبالغة الحرة تصير محصنة بالعبد البالغ وبالمجنون ولا يصير بها محصنا، وخرج بشرط النكاح الصحيح النكاح الفاسد، وبالوطء الصحيح وطء الحائض والنفساء فلا يحصل بواحد منهما الإحصان، وقال ابن رشيق في شروط الإحصان كما في شرح ابن ناجي: شروط الإحصان ست أتت … فخذها على النص مستفهما بلوغ وعقل وحرية … ورابعها كونه مسلما زواج صحيح ووطء مباح … متى اختل شرط فلن يرجما

стр. 2099

• قوله: ٩١ - «فإن لم يحصن جلد مائة جلدة وغربه الإمام إلى بلد آخر وحبس فيه عاما». هذا هو النوع الثاني مما يحد به الزاني متى كان غير محصن، وقد جاء ذلك في حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم»، رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة، عن أُبيّ بن كعب مرفوعا: «الثيبان يجلدان ويرجمان، والبكران يجلدان وينفيان»، وهو في الصحيحة برقم (١٨٠٨). والمذهب أن النفي يكون إلى مسافة تقصر فيها الصلاة وهي أربعة برد، لأن النبي ﷺ نفى من المدينة إلى خيبر، ويسجن في منفاه عاما لأنه بدونه قد يكون سببا في نشر الشر، قالوا ونفقته في الانتقال إلى المنفى وفي السجن من ماله إن كان له مال، وإلا فمن بيت مال المسلمين، وإلا فعلى جماعة المسلمين. فقارن رعاك الله ما كان عليه الناس من الاحتياط لأموال المسلمين بحيث لا ينفق شيء منها إلا فيما هو مشروع وبين ما عليه المعاصرون حيث ينفق على المسجونين من أموال المسلمين ويوفر لهم في السجن ما لا يتوفر لكثير من الفقراء خارجه، وما ذا لو أُحْدِثَ من النظم ما يجعل المسجون ينفق عليه من ماله أو يفرض عليه مبلغ يدفعه متى كان غنيا؟.

стр. 2100

• قوله: ٩٢ - «وعلى العبد في الزنا خمسون جلدة وكذلك الأَمَة وإن كانا متزوجين». راعى الشرع ضعف المملوك وما يتعرض له من الابتذال والامتهان وعدم امتلاكه أمر نفسه بحيث لا يكون حرا في تحصين نفسه، فرحمه وراعى ضعفه فخفف الحد عنه، ولأنه مال فلا يتلف على مالكه، وتنصيف الحد على الأَمَة إذا زنت وكانت متزوجة هو نص القرآن، قال الله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥]، وظاهر الآية عدم إقامة الحد على الأمة إلا إذا كانت متزوجة، لأن الإحصان هو الزواج، ولما كان حد الأمة واحدا أحصنت أو لم تحصن اضطرب الناس في معنى الإحصان هنا، ومما حمل عليه أنه الإسلام، والصواب إن شاء الله إبقاء معناه على أصله، وتكون الآية دالة على حد الأمة المتزوجة، وهو خمسون جلدة نصف حد الحرة البكر، ثم جاءت السُّنَّةُ بجعل حد الأَمَة مطلقا خمسين أحصنت أو لم تحصن لأن القتل لا يتنصف، وذلك أن النبي ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: «إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير»، رواه الشيخان (خ/ ٦٨٣٧) عن أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄، والضفير الحبل من شعر كما جاء مفسرا في بعض الروايات، وقوله ﷺ : «إذا زنت فاجلدوها»، قال الحافظ: «قيل أعاد الزنا في الجواب غير مقيد بالإحصان للتنبيه على أنه لا أثر له، وأن موجب الحد في الأَمَة مطلق الزنا»، انتهى، أما تنصيف الحد على العبد فبالقياس على الأَمَة لعدم الفارق بينهما، ولذلك كان مفضلا أن لو ذكر المؤلف حد الأَمَة لأنه هو المنصوص المقيس عليه قبل حد العبد لأنه مقيس.

стр. 2101

• قوله: ٩٣ - «ولا تغريب عليهما ولا على امرأة». هذا هو النوع الثالث من حد الزاني وهو الجلد من غير نفي، فالمرأة لا تنفى، لما في ذلك من تعريضها لما هو محرم عليها من السفر من غير محرم، وكذا ما يتوقع من الفساد في السجن، فإن فرض على محرمها أو زوجها السفر لمرافقتها كان فيه عقاب لغير المستحق، حتى ولو كانت النفقة في مالها، أو في بيت المال، وكذلك لا نفي على المملوك لما في ذلك من تفويت مصلحة السيد فيه، ولأن الشرع قد وضع عنه الحج والجمعة، ومع هذا فليس في حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الذي بين فيه النبي ﷺ حد الأَمَة ذكر للتغريب، والله أعلم.

стр. 2102

• قوله: ٩٤ - «ولا يحد الزاني إلا باعتراف». هذا بيان لما يثبت به الزنا حتى يقام على مرتكبه الحد، وهو أحد أمور ثلاثة سبق ذكر قول عمر ﵁ عنها: «والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف،،،»، ولكل من هذه الثلاثة دليله. فأما الاعتراف فهو أن يقر على نفسه بالزنا، ولو مرة واحدة، وأن يستمر على الإقرار، ولا بد أن يكون ممن يصح منه الاعتراف بأن يكون بالغا عاقلا غير مكره ولا سكران، ودليله حديث أبي هريرة وزيد بن خالد المتقدم وفيه قول النبي ﷺ : «واغد يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها»، ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: «أتى رجل من المسلمين رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال: «يا رسول الله إني زنيت»، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه فقال: «يا رسول الله إني زنيت»، فأعرض عنه، حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله ﷺ فقال: «أبك جنون»؟، قال: «لا»، قال: «فهل أحصنت»؟، قال: «نعم»؟، فقال النبي ﷺ : «اذهبوا به فارجموه»، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: «لما أتى ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ قال له: «لعلك قَبَّلْتَ أو غمزت أو نظرت»، قال: «لا، يا رسول الله»، قال: «أنكتها»؟، - لا يكني - قال: «نعم»، فعند ذلك أمر برجمه»، الغمز هنا هو الجس باليد، ويطلق على الرمز بالعين والحاجب، والظاهر من هذا أن على الحاكم أن لا يكتفي في الاعتراف بقول المقر زنيت، لإمكان اعتقاده أن الزنا يطلق على ما هو أعم من الإيلاج، فيبين ذلك له، ويستفصله في الأمور التي يجب فيها الحد حتى يصل به إلى اللفظ الصريح الذي لا يحتمل غير المواقعة كما فعل النبي ﷺ مع ماعز، بل يستحب تلقين المقر ما يسقط عنه الحد، فإن في بعض روايات قصة ماعز قوله ﷺ : «أشربت خمرا»؟، قال: «لا»، وهو حجة على عدم اعتبار إقرار السكران كما هو المذهب، لكنهم استثنوا من ذلك

стр. 2103

من اشتهر بانتهاك الحرمات، قال مالك: «وذلك أن الحد الذي هو لله لا يؤخذ إلا بأحد وجهين: إما ببينة عادلة تثبت على صاحبها، وإما باعتراف يقيم عليه حتى يقام عليه الحد، فإن أقام على اعترافه أقيم عليه الحد». وروى مسلم وأبو داود والنسائي عن بريدة عن النبي ﷺ قال: «استغفروا لماعز بن مالك لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم».

стр. 2104

• قوله: ٩٥ - «أو بحمل يظهر». هذا هو الأمر الثاني مما يثبت به الزنا، وهو الحمل ممن لم يكن لها زوج، ولا سيد قد أقر بوطئها، ومثلهما ذات الزوج والسيد الذي لا يولد له كالصبي، ومن ولدت بعد الزواج ولدا كاملا في مدة لا يلحق الولد فيها بالزوج، وهو ما قل عن ستة أشهر، لكونها أقل مدة الحمل، لقول الله تعالى في مدة الرضاع: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقوله تعالى في مدة الحمل والرضاع: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقد أثر ذلك عن علي وابن عباس ﵃ كما في مصنف عبد الرزاق، وأثر علي في الموطإ (١٥٠٢)، وقد جاء ما يدل على الحد بالحمل، وهو حديث ابن عباس الطويل عند البخاري وفيه قول عمر ﵁: «والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف،،،»، انتهى، وعمر قاله على المنبر ولا مخالف له، ومما يحتمل الاستدلال به على الرجم بالحبل حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر»، وقد تقدم، وهذا لفظ مسلم، وقوله «فتبين زناها»، من أفراده الحمل من غير ذوات الأزواج والسيد المقر بالوطء، لكن الحد بالحبل يمتنع بأمور سيذكرها المؤلف، والله أعلم

стр. 2105

• قوله: ٩٦ - «أو بشهادة أربعة رجال أحرار بالغين عدول يرونه كالمرود في المكحلة ويشهدون في وقت واحد». هذا هو الأمر الثالث مما يثبت به حد الزنا، والمرود هو المِيل وهما بكسر الميم ما يكتحل به، والمُكحُلة بضم الميم وسكون الكاف وضم الحاء الوعاء الذي يوضع فيه الكحل، وهذا اللفظ مما ذكره النبي ﷺ لماعز للتثبت من كونه زنى، فقد قال له: «أنكتها؟، قال: «نعم»، قال: «كما يغيب المرود في المكحلة، والرشاء في البئر»؟، قال: «نعم»، والرشاء هو الحبل. وقد شدد الشرع في ثبوت الزنى وإقامة حده ما لم يشدد في غيره لعظم الجرم، ولما يترتب على ثبوته من المفاسد والمضار في الأعراض، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [النور: ١٩]، سمى الله الزنا فاحشة، وهي الفعل القبيح المفرط القبح، ومن المعلوم أن الحقوق تثبت بالشاهدين وبالشاهد واليمين، وينوب عن الرجل امرأتان في الأموال عند الجمهور، وتجوز شهادة النساء حيث يتعذر غيرها، بل وشهادة الصبيان بعضهم على بعض، وشهادة غير المسلمين على الوصية في السفر، وفي بعض هذه الأنواع اختلاف، لكن الزنى انفرد عن غيره بأنه لا يثبت إلا بأربعة شهداء بإجماع المسلمين، ولقول الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ (١٥)﴾ [النساء: ١٥]، ولثبوت حد القذف إذا لم يشهد أربعة كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وقوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، أي أنهم كاذبون في حكم الله تعالى، وفي ظاهر الأمر لا في باطنه، فإن الحدود مرتبة على حكم الله الذي شرعه، لا على علمه الذي تعلق بالإنسان على ما هو عليه قاله القرطبي في تفسيره، وبهذا تنحل أمامك عقدة أمر
следующие страницы →