Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
وتخامره كما قال عمر بن الخطاب ﵁: «الخمر ما خامر العقل»، وهو عند الشيخين، وقد قال بعضهم:
لنا خمر وليست خمر كرم … ولكن من نتاج الباسقات
كرام في السماء ذهبن طولا … وفات ثمارها أيدي الجناة
ولو قدرنا أن اسم الخمر لا يطلق إلا على ما كان من العِنَب فقد جاءت النصوص الكثيرة تدل على أنه حقيقة شرعية في عموم ما يسكر.
أما النبيذ عند من فرقوا بينه وبين الخمر فهو ما كان من غير عصير العنب، فهذا عندهم لا يسمى خمرا فلا يحرم منه إلا القدر الذي يسكر، وإنما ذكره المؤلف ليرد على من لم ير حرمة غير القدر المسكر منه وهم الحنفية وبعض الشافعية ولهم في ذلك تفصيل متمسكين بقصر الخمر على ما كان من عصير العنب، ومما يدل على أن الخمر يشمل كل مسكر قول النبي ﷺ : «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب لم يشربها في الآخرة»، رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، وقوله ﷺ : «كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرَق فملء الكف منه حرام»، رواه أبو داود والترمذي، والفرَق مكيال يسع ستة عشر رطلا، وقوله ﷺ : «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر، وهو قاض على ما في سابقه من قوله فملء الكف منه حرام، فإنه لا يؤخذ بمفهومه، بل القطرة من الخمر محرمة يقام الحد على من شربها سدا للذريعة، وروى مالك في الموطإ ومن طريقه البخاري ومسلم عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: «سئل رسول الله ﷺ عن البتع فقال: «كل شراب أسكر حرام»، والبتع هو الخمر من العسل، بل في هذه النصوص دلالة على أن كل ما أسكر من المائعات والجامدات والنباتات كالأفيون والحشيشة والمخدرات هو خمر لتوفر العلة التي هي مناط التحريم، أما ما لا يسكر بل يفتر فالمذهب أنه يؤدب فاعله، ولذلك فلا مفهوم لقول النبي ﷺ : «الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة»، رواه مسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة ﵁، ولعل المراد هو غالب ما كانت تصنع منه الخمر، ولو سلم ما ذهب إليه
стр. 2137
الذين قصروا الخمر على ماء العنب، ولم تكن هناك نصوص تعتبر كل مسكر خمرا فكيف يحدون المقدار الذي يسكر من غيره وهو متفاوت بتفاوت الناس، ومدى اعتيادهم الشرب، والنصوص كما رأيت قاطعة برد هذا المذهب، وقياس كل مسكر على ما كان من ماء العنب من أجلى القياس فكيف تركه قادة القياس؟.
ومما يذكر أن أحد الشعراء قال يرد على وكيع بن الجراح ﵀ وقد كان يرى جواز شرب نبيذ الكوفة وكثيره مسكر، وكان متأولا في ذلك، قال:
فأشربها وأزعمها حراما … وأرجو عفو رب ذي امتنان
ويشربها ويزعمها حلالا … وتلك على الشقي خطيئتان
وما قاله من وصفه بالشقي وزعمه أن عليه خطيئتين يعني خطيئة الشرب وخطيئة الاستحلال ليس بصحيح لأن من اجتهد ولم يصب الحق فله أجر واحد، فإن أصاب فله أجران، لكن لا اجتهاد مع النص عند من بلغه متى بلغه، وخير مما قاله هذا الشاعر قول الآخر:
تركت النبيذ لأهل النبيذ … وصرت حليفا لمن عابه
شراب يدنس عرض الفتى … ويفتح للشر أبوابه
стр. 2138
• قوله:
١١٧ - «ويجرد المحدود ولا تجرد المرأة إلا مما يقيها الضرب ويجلدان قاعدين».
هذه كيفية الحد إذا كان جلدا، فالذكر يجرد من كل ثيابه إلا ما يستر عورته، وهي من السرة إلى الركبة، والمرأة لا تجرد لأنها كلها عورة، فإن كان عليها ما يمنع تألمها بالضرب كالفرو ألقي عنها كي تحس بالألم وتنزجر عما ارتكبته، ويحدان قاعدين غير مربوطين، ليتمكن الضارب منهما، ومحل ضربهما الظَّهْرُ والكتفان فلا يضربان في الوجه ولا في الرأس ولا في البطن، ودليلهم على الاقتصار على ضرب الظَّهْرِ قوله ﷺ : «البينة وإلا فحد في ظهرك»، وليس هذا بالبين، ولا يكون الضرب شديدا يبضع أو يكسر، ويجلدان في وقت معتدل فلا يقصد وقت البرد الشديد ولا الحر الشديد، ويكون الجلد بسوط من جلد ذي رأس واحد لين، ويوالى بين الضرب، ولا يفرق على الأيام إلا إذا خشي هلاك المجلود بذلك.
стр. 2139
• قوله:
١١٨ - «ولا تحد حامل حتى تضع ولا مريض مثقل حتى يبرأ».
إنما يؤخر حد الحامل حتى تضع لأن جلدها قد يتأثر به حملها فضلا عن رجمها، ولا يجني أحد على غيره، وكذلك المريض، فإن حده إذا كان جلدا أو قطعا ربما أدى إلى زيادة مرضه أو موته، وليس ذلك بمقصود من الحد، بخلاف ما إذا كان الحد قتلا فإنه لا يؤخر، وقد دل على تأجيل حد الحامل حتى تضع حديث بريدة أن النبي ﷺ جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: «يا رسول الله طهرني»، فقال: «ويحك، ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه»، فقالت: «أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك»، قال: «وما ذاك»؟، قالت: «إنها حبلى من الزنا»، قال: «أنت»، قالت: «نعم»، فقال لها: «حتى تضعي ما في بطنك»، فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي ﷺ فقال: «قد وضعت الغامدية»، قال: «إذن لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه»، فقام رجل من الأنصار فقال: «إلي رضاعه يا نبي الله»، قال: «فرجمها»، رواه مسلم، فأما ترك المريض حتى يبرأ فَلِمَا رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن علي ﵁ أن أَمَةً للنبي ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فأتيتها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «أحسنت، اتركها حتى تماثل»، يقال تماثل المريض إذا قارب البرء.
стр. 2140
• قوله:
١١٩ - «ولا يقتل واطئ البهيمة وليعاقب».
واطئ البهيمة مرتكب لمنكر لأنه أتى ما لم يحله الله له، وهو معتد بنص قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، فلما لم يثبت عندهم حديث ابن عباس «من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه»، رواه أصحاب السنن الأربعة غير النسائي (د/ ٤٤٦٤)، وقد قيل إن مالكا أنكره، كان الواجب معاقبته وتعزيره، ولهذا نص المؤلف عليه.
стр. 2141
• قوله:
١٢٠ - «ومن سرق ربع دينار ذهبا أو ما قيمته يوم السرقة ثلاثة دراهم من العروض أو زِنَة ثلاثة دراهم فضة قطع إذا سرق من حرز».
أخذ مال الغير ظلما باعتبار كيفية الأخذ له صور هي الغصب والحرابة والخُلسة والانتهاب والخيانة والجحد والسرقة، ولا قطع إلا في السرقة، أو في الحرابة على التخيير وقد مر، وقد حد ابن عرفة السرقة بقوله: «أخذ مكلف حرا لا يعقل لصغره أو مالا محترما لغيره نصابا أخرجه من حرزه بقصد واحد خفية لا شبهة له فيه»، انتهى.
وللقطع في السرقة شروط في السارق والمسروق:
فالتي في السارق العقل والبلوغ وعدم مملوكيته للمسروق منه، يعنون بذلك أن العبد لا يقطع إذا سرق مال سيده، وهو في إجماعات ابن المنذر، وكونه لا ولادة له على السارق، فلا يقطع الوالد إذا سرق مال ولده، لأن له فيه شبهة، وأن لا يكون مضطرا للسرقة بسبب الجوع الشديد، فقد روى أحمد وغيره عن عمير مولى أبي اللحم ما يدل على جواز ذلك مع غرمه، قال عمير: «أقبلت مع سادتي نريد الهجرة، حتى دنونا من المدينة، قال: فدخلوا المدينة، وخلفوني في ظهرهم، قال فأصابني مجاعة شديدة، قال: فمر بي بعض من يخرج من المدينة فقالوا لي: لو دخلت المدينة فأصبت من ثمر حوائطها، فدخلت حائطا فقطعت منه قنوين، فأتاني صاحب الحائط، فأتى بي إلى رسول الله ﷺ ، وأخبره خبري، وعلي ثوبان، فقال لي: «أيهما أفضل»؟، فأشرت له إلى أحدهما، فقال: «خذه»، وأعطى صاحب الحائط الآخر وخلى سبيلي»، وهو في الصحيحة برقم (٢٥٨٠)، ولينظر أيضا حديث عبادة ابن شرحبيل عند أبي داود وابن ماجة.
والتي في المسروق أن يكون مما ينتفع به انتفاعا شرعيا، فلا قطع على من سرق ما لا يؤكل كالحمار إذا أشرف على الموت، ولا على من سرق عصافير أو بلابل لأجل إجابته،
стр. 2142
لأن ذلك لا يشرع، وفيه نظر، وأن يكون نصابا، وسيأتي بيانه، وأن يكون مملوكا لغيره، بخلاف من سرق ملكه المرهون أو المستأجر أو المودع، وأن يكون ملك الغير تاما، فيخرج الشريك إذا سرق من مال شريكه، إلا أن يُحجب عن مال الشركة، ويسرق نصابا زيادة على حصته، وأن يكون محترما، بخلاف سرقة الخمر والخنزير أو آلة اللهو نحو الطنبور، فإنه لا يقطع، لا فرق بين أن تكون لمسلم أو ذمي، غير أنه يضمن القيمة للذمي إن تلفت العين، وإلا ردها، وأن يأخذه من حرزه، واكتفى المؤلف بذكر بعض ذلك وهو النصاب والحرز لأن بعض ما ذكر من الشروط غير مختص بالسرقة، وبعضها معروف.
وحد السرقة هو قطع اليد اليمنى من الكوع، وقد جاء هذا الحد في قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨]، وحد القطع في الآية مجمل، ولهذا اختلف فيه، والعمدة الاكتفاء في الدماء بأقل ما قيل فيها احتياطا، وإلا فاليد في اللغة صالحة لأن يراد بحدها الكوع والمرفق والمنكب، وقد يقال إن اليد متى أطلقت كان حدها الكوع، ولذلك قيدت في الوضوء بالمرفقين، وجاءت السنة الصحيحة العملية حيث أطلقت في التيمم بأن حدها الكوعان.
أما النصاب وهو الحد الأدنى الذي يجب فيه القطع، فقد بينته السنة، إذ روى مالك (١٥١٤) والشيخان وأصحاب السنن عن ابن عمر أن النبي ﷺ قطع في مِجَنٍّ ثمنه ثلاثة دراهم»، وعند بعض قيمته ثلاثة دراهم، ورويا هما وأصحاب السنن عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ قال: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا»، وهو في الموطإ (١٥١٧) عنها بلفظ: «ما طال علي وما نسيت: «القطع في ربع دينار فصاعدا»، ومقدمته تدل على أنها تقصد رفعه إلى النبي ﷺ .
والنصاب في المذهب ثلاثة أشياء: ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو ما قيمته ثلاثة دراهم من غيرهما يوم السرقة، لا يوم الحكم، لأن الأول هو وقت التعلق بالذمة، ومعنى هذا أنه يراعى في نصاب سرقة العروض قيمتها بالدرهم لا بالدينار، والظاهر في هذا العصر اعتبار القيمة بالدينار للتدنّي الكبير في الفضة، ولما فيه من الاحتياط للدماء، وربع الدينار هو ٣٠، ١ غ، ووزن الدراهم الثلاثة نحو ٩ غ، وقد ترى اختلافا بين ما هنا وما
стр. 2143
سبق من ترجيح اعتبار الفضة في الزكاة، وليس الأمر كذلك، فما تقدم فيه احتياط لحق المساكين وهذا درء للحد بالشبهة، والله أعلم.
وقد هال بعض الناس هذا الفرق الكبير بين الذي تقطع فيه اليد وهو ربع دينار، والذي تودى به وهو خمسمائة دينار، ومن هؤلاء فيما ذكروا أبو العلاء المعري الذي أورد حيرته في صورة إشكال دل على جهله وقلة عقله كما قال ابن كثير في تفسيره:
يد بخمس مئين عسجد وديت … ما بالها قطعت في ربع دينار؟
تناقض ما لنا إلا السكوت له … وأن نعوذ بمولانا من النار
ولما قال ذلك واشتهر عنه تطلبه الفقهاء - يوم كانت لهم صولة - فهرب منهم، وقد أجابوا عن شبهته ومنهم القاضي عبد الوهاب المالكي ﵀ الذي قال: «لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت»، وقيل في الجواب:
يد بخمس مئين عسجد وديت … لكنها قطعت في ربع دينار
حماية الدم أغلاها، وأرخصها … خيانة المال فانظر حكمة الباري
وقد يدل تنصيص المؤلف على النصاب الذي يقطع فيه السارق الرد على من ذهب إلى القطع في أكثر من ذلك أو أقل، واستدل القائلون بالقطع من غير تحديد بقول النبي ﷺ : «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل قتقطع يده»، رواه الشيخان عن أبي هريرة، والظاهر حمله على التنفير من السرقة، لأن قليلها الذي لا قطع فيه كثيرا ما يؤدي إلى ما فيه القطع.
وقوله إذا سرق من حرز قيد في القطع، إذ لا يقطع من سرق من غير الحرز، وليس للحرز ضابط شرعي قَارُّ، بل هو كل ما يعتبر من لم يَضَعِ الشيءَ فيه مُضَيِّعًا له، فَحِرْزُ كُلّ شيء بِحَسَبِه، ولهذا يختلف باختلاف الأموال والأحوال والأزمنة والأعراف، ومن ذلك أن يكون الشيء مع صاحبه على المذهب كما في حديث صفوان بن أمية قال: كنت نائما في المسجد على خميصة لي، فَسُرِقَتْ فأخذنا السارق فرفعناه إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بقطعه، فقلت يا رسول الله: «أفي خميصة ثمن ثلاثين درهما أنا أهبها له، أو أبيعها له، قال: «فهلا
стр. 2144
كان قبل أن تأتيني به»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي، والخميصة كساء، وفيه حجة لأهل المذهب على أن الشيء إذا كان في حضرة صاحبه فذلك حرز له.
ودليل عدم القطع على من سرق من غير الحرز حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله ﷺ عن الثمر المعلق فقال: من أصاب منه بفيه من ذي حاجة غيرَ متخذ خُبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمنَ المجن فعليه القطع»، رواه أبو داود (٤٣٩٠) والنسائي وابن ماجة، وحسنه الألباني، والمراد بالخبنة بضم الخاء وسكون الباء أن يحمل المرء شيئا في ثوبه، أصله خبن الثوب يخبنه خبنا إذا عطفه ليقصر، وفي القاموس والجُرن بالضم وكأمير ومنبر البيدر، وفي النهاية هو موضع تجفيف التمر.
стр. 2145
• قوله:
١٢١ - «ولا قطع في الخلسة».
الخلسة بضم الخاء وسكون اللام من الخلس وهو السلب، وهو الاختلاس أيضا، والمراد أخذ المال ظاهرا غفلة، فلا قطع فيها لأنها ليست سرقة، ويدل عليه حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي حسن صحيح، وفي الموطإ (١٥٢٨) عن ابن شهاب أن مروان بن الحكم أُتي بإنسان قد اختلس متاعا فأراد قطع يده، فأرسل إلى زيد بن ثابت فقال زيد بن ثابت: «ليس في الخلسة قطع»، انتهى، والمنتهب الآخذ علانية قهرا، والخائن الآخذ خفية، كأن يأتمنه المالك فيأذن له في دخول داره فيأخذ الشيء، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على عدم قطع المختلس ولم يخالف إلا إياس بن معاوية.
فإن قلت: ما وجه التفريق في القطع بين السرقة والخلسة والخيانة والانتهاب وغيرها؟، فالجواب: أن الدليل إنما دل على القطع في السرقة، ومعناها معروف عند العرب، والقرآن نزل بلغتهم، وهذا يكفينا، فإن اهتدينا إلى شيء من الحكمة في هذا التفريق فذاك وإلا سلمنا وسكتنا، ونفي القطع لا ينفي التأديب والتعزير كما علمت، وقد قال القاضي عياض ﵀: «شرع الله تعالى إيجاب القطع على السارق، ولم يجعل ذلك في غيرها كالاختلاس والانتهاب والغصب لأن ذلك قليل بالنسبة إلى السرقة، ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستغاثة إلى ولاة الأمور وتسهل إقامة البينة عليه بخلافها فيعظم أمرها، واشتدت عقوبتها ليكون ذلك أبلغ في الزجر عنها»، انتهى بالنقل عن عون المعبود (١٢/ ٣٩).
стр. 2146
• قوله:
١٢٢ - «ويقطع في ذلك يد الرَّجُلِ والمرأة والعبد، ثم إن سرق قطعت رجله من خلاف، ثم إن سرق فيده، ثم إن سرق فَرِجْلُهُ، ثم إن سرق جلد وسجن».
أما أن القطع على الرجال والنساء والعبيد فبنص قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، ولأن الأصل التساوي في التكليف، ولأن النبي ﷺ قطع يد المخزومية، وقال: «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، ولأن حد القطع لا يتبعض حتى يقاس ذلك على تنصيف حد الزنا المنصوص عليه بالنسبة للمملوك.
أما الترتيب الذي ذكره في القطع منى تكرر موجبه، فإن الذي في كتاب الله تعالى هو قطع الأيدي، وهذا يصدق على اليمنى واليسرى، وقراءة ابن مسعود فاقطعوا أيمانهما، وهي لم تصح قرآنا فلتكن تفسيرا، ومن الحكمة في ذلك كما قال في تفسير المنار: «إيقاع العذاب على العضو المباشر للجريمة لأن التناول يكون باليمين غالبا»، انتهى بتصرف، أما القول بأن الإطلاق لو كان مرادا والامتثال للأمر في الآية يحصل بقطع اليمين أو الشمال لما قطع النبي ﷺ إلا اليسار، على عادته من طلب الأيسر لهم ما أمكن، جريا على ما اعتاده في أنه: «ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما»، انتهى، فهو حق لو ثبت أنه ﷺ قطع اليمين، والمُعَوّلُ تفسير ابن مسعود، مع فعل الصحابة وهم يعلمون اختياره ﷺ لأيسر الأمور ما لم تكن إثما، وهم أدرى بسنته من غيرهم، ولا ريب أن قطع اليمين فيه حرمان السارق من أن يأكل بها أو يصافح أو يتناول بها الأشياء كما هي السُّنَّةُ، فقطعها من جملة النكال المعلل به حد السرقة في الآية المتقدمة، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن اليمنى هي التي تقطع أَوَّلاً.
والترتيب المذكور جاء فيما رواه الدارقطني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 2147
«إذا سرق السارق فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رِجْلَهُ فإن عاد فاقطعوا يده، فإن عاده فاقطعوا رِجْلَهُ»، صححه في الإرواء (ح/ ٢٤٣٤)، والانتقال في المرة الثانية إلى الرِّجْلِ مناسب لحاجة المرء إلى اليد أكثر من حاجته إلى الرِّجْلِ، وقد جاء بيان ما يقطع في حديث عبد الله بن زيد الجهني عند أبي نعيم وهو ضعيف.
فإن قلت: روي عن مالك القول بقتله في المرة الخامسة، فالجواب: أنه قد قيل إنه رجع عن ذلك واستقر مذهبه على الاكتفاء بتعزيره، لكن دليل ما روي عنه موجود وهو ما أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي عن جابر مرفوعا، وفيه قول جابر: «فأتي به في الخامسة فقال: اقتلوه، قال: فانطلقنا به فاجتررناه، فالقينا به في بئر، ورمينا عليه الحجارة»، وانظر الإرواء.
وقد روى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن رجلا من أهل اليمن أقطع اليد والرِّجْلِ قَدِمَ، فنزل على أبي بكر الصديق فشكا إليه أن عامل اليمن قد ظلمه، فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر: وأبيك ما ليلك بليل سارق»، ثم إنهم فقدوا عقدا لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق، فجعل الرَّجُلُ يطوف معهم ويقول: «اللهم عليك بمن بَيَّتَ أهل هذا البيت الصالح»، فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاءه به، فاعترف به الأقطع فقطعت يده اليسرى، وقال أبو بكر: «والله لدعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته»، قال ابن عبد البر: «حصل اتفاق جمهور السلف والخلف على جواز قطع الرِّجْلِ بعد اليد، من قال بقول الحجازيين، ومن قال بقول العراقيين وهم عامة العلماء قالوا بذلك وهم يقرؤون: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨] وهذه مسألة تشبه المسح على الخفين، وهم يقرؤون غسل الرجلين أو مسحهما، وتشبه الجزاء في الصيد في الخطإ، وهم يقرؤون: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (٩٥)﴾ [المائدة: ٩٥]، والجمهور لا يجوز عليه تحريف الكتاب، ولا الخطأ في تأويله، وإنما قالوا ذلك بالسنة المسنونة لهم والأمر المتبع»، انتهى.
стр. 2148
• قوله:
١٢٣ - «ومن أقر بسرقة قطع، وإن رجع أقيل وغرم السرقة إن كانت معه، وإلا اتبع بها».
هذا بيان أعظم ما ثتبت به السرقة وهو الإقرار، ولا يشترط تكريره، بل تكفي المرة الواحدة منه ما لم يكن المقر مكرها، فإن رجع عنه لم يقطع، من غير فرق بين أن يرجع معللا بالشبهة أو من دونها، لكنه يلزمه رد المسروق أو مثله، أو غرم قيمته، وإلا كان في ذمته، لأن الإقرار بحقوق الناس لا رجوع فيه، والدليل إنما جاء بقبول الرجوع فيما يترتب عليه إقامة الحد الذي هو حق لله، وسيأتي مزيد بيان لهذا، كما تثبت السرقة بالشاهدين العدلين، وهل تثبت بالشاهد الواحد والمرأتين؟، الجمهور على أن ذلك خاص بالأموال، وورودها في سياق كتابة الدَّيْنِ لا يكفي لجعل الحكم خاصا به، ما لم يأت ما يعارض ذلك نصا كما في الشهادة على الزنا والله أعلم.
стр. 2149
• قوله:
١٢٤ - «ومن أخذ في الحرز لم يقطع حتى يخرج السرقة من الحرز وكذلك الكفن من القبر»
معنى هذا أن يأخذ السارق شيئا لكنه لا يخرجه من الحرز، كأن يمسك بشاة من الحظيرة لكنه لا يخرجها منها، أو يأخذ بعض أثاث البيت، فيدرك قبل أن يخرجه منه، فلا قطع عليه، وقد عللوا ذلك بأنه لا يثبت له حكم السرقة حينئذ، كما لا يثبت حكم الزنا لمن جلس بين شعب المرأة الأربع، ولم يولج، ولا حكم الشرب لمن أحضر الخمر ولم يشرب، ولا القصاص لمن شرع فيه ولم يقتل، وقد ذكر المؤلف القبر وهو من أفراد الحرز، فإن النباش يقطع إذا سرق نصابا، وأخرجه من القبر الذي هو حرز لما فيه، لا فرق بين أن يكون القبر قريبا من العمران أو بعيدا بل لو سرق كفن ميت رمي في البحر لكان عليه القطع لأن البحر حرز له، وشرط القطع في سرقة الكفن أن يكون معتادا ولو مندوبا، أما ما زاد على ذلك فلا قطع فيه، وقد روى مالك في كتاب الجنائز عن عائشة عن أبي الرجال عن أمه عمرة قالت: لعن رسول الله ﷺ المختفي والمختفية»، يعني نباش القبور، وقد روي مسندا عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- من حديث مالك، كما في السنن للبيهقي.
стр. 2150
• قوله:
١٢٥ - «ومن سرق من بيت أذن له في دخوله لم يقطع، ولا يقطع المختلس».
إذا أذن المرء لأحد بدخول بيته أو حانوته أو مكتبه، فأخذ شيئا هو نصاب القطع فلا حد عليه، لأنه خائن، وقد تقدم بيان معنى الخيانة، وهكذا إذا أخذ الشيء خلسة، وقد كرر المؤلف هذه المسألة مع قرب العهد بها لكنه غَيَّرَ العبارة، وقد سقطت في بعض النسخ، وتقدم دليل الحكم، ويذكر هنا أن الزوج إذا سرق من مال زوجه لا قطع عليه إلا إذا كان الموضع محجورا عليه دخوله.
стр. 2151
• قوله:
١٢٦ - «وإقرار العبد فيما يلزمه في بدنه من حد أو قطع يلزمه، وما كان في رقبته فلا إقرار له».
الأصل أن إقرار العبد كالحر يترتب عليه حكمه، لكنهم قالوا إن أقر بما فيه عقوبة في بدنه كالقذف والسرقة والزنا وشرب الخمر لزمه ما اعترف به، لأنه جناية على نفسه وإضرار بها، فلا يتهم في اعترافه، بخلاف ما لو أقر بما يرجع إلى حق يتعلق برقبته كأن يعترف بقطع يد حر خطأ، وسائر ما يمكن أن تؤخذ رقبته فيه فلا يترتب على اعترافه حكم لأنّه يُتَّهَمُ في ذلك كأن يكون راغبا في الانتقال من عند سيده أو إلحاق ضرر به، أو نفع المعترف له، ولهذا إن صدقه السيد في ذلك مضى اعترافه، وقد فرق مالك بين الأمرين في الموطإ (باب ما لا قطع فيه).
стр. 2152
• قوله:
١٢٧ - «ولا قطع في ثمر معلق ولا في الجُمّارِ ولا في النخل ولا في الغنم الراعية حتى تسرق من مراحها، وكذلك التمر في الأندر».
بَيَّنَ هنا مالا قطع فيه لكونه لم يؤخذ من الحرز ومنه الثمر المعلق في شجره على أصل خلقته، لكن اختلف فيما كان عليه باب مغلق في البساتين، فقيل يقطع، وقيل لا يقطع، أما ما كان في الدور فإنه يقطع لأنه في حرزه، قال خليل عاطفا على ما لا قطع فيه: «أو ثمر معلق إلا بغلق فقولان»، انتهى، والجُمَّار بضم الجيم وشد الميم هو ثمر النخل قبل أن يبرز من كُمه، فهذا لا قطع فيه لأنه كالمتقدم، وقد روى أحمد والأربعة عن رافع بن خديج ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا قطع في ثمر ولا كثر»، وهو في الموطإ (١٥٢٦) ومعه قصة، والكَثَر بمفتوحتين هو الجمار، والظاهر حمل عدم القطع على ما إذا كان في أصله في البساتين، ولعل ذلك لجواز الأكل منه من غير اتحاذ خبنة كما سبق، ومن ذلك الغنم في حال رعيها، فإن من أخذ منها لا قطع عليه على المشهور سواء أكان معها راعيها أَمْ لا، وقد استثنوها من قاعدة أن كل شيء بحضرة صاحبه فهو في حرزه، وعلل بعضهم هذا الاستثناء أن الغنم في حال رعيها تكون متفرقة بخلاف وقت سوقها ووجودها في مُرَاحها (بضم الميم) وهو موضع مقيلها ورقادها فإنها تكون مجتمعة، والأندر هو الجرين، والجرين موضع تجفيف التمر كما في النهاية وهو حرز لما فيه، ومثله البيدر للقمح، وكل موضع معد لجمع الحبوب وسائر ما يوضع فيه من الثمار قرب من البلد أو بعد.
стр. 2153
• قوله:
١٢٨ - «ولا يشفع لمن بلغ الإمام في السرقة والزنا واختلف في ذلك في القذف».
الشفاعة أمر مرغوب فيه كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء: ٨٥]، وقد قال مجاهد إنها نزلت في شفاعات الناس بعضهم لبعض»، ومن ذلك الشفاعة للمتهم عند الرافع له إلى الحاكم قبل بلوغ الخبر للحاكم، وذلك لأن الحد لا يثبت بمجرد الفعل، فإن بلغ الأمر الحاكم فلا يجوز العفو ولا ينفع، بل إن النبي ﷺ قد حض على ذلك بقوله: «تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب»، رواه أبو داوود والنسائي عن ابن عمرو، وقوله تعافوا أي ليعف بعضكم عن بعض، ويدل على ذلك أيضا حديث صفوان بن أمية قال: «كنت نائما في المسجد على خميصة لي، فَسُرِقَتْ فأخذنا السارق فرفعناه إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بقطعه، فقلت يا رسول الله: «أفي خميصة ثمن ثلاثين درهما؟، أنا أهبها له، أو أبيعها له، قال: «فهلا كان قبل أن تأتيني به»، رواه مالك وأحمد وأصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي، وروى مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن الزبير بن العوام لقي رجلا قد أخذ سارقا وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان فشفع له الزبير ليرسله، فقال: «لا، حتى أبلغ به السلطان»، فقال الزبير: «إذا بَلَغْتَ به السلطان فلعن الله الشافع والمشفع»، قال ابن عبد البر: «هذا منقطع ويتصل من وجه صحيح»، انتهى، وقال النبي ﷺ : «اشفعوا تؤجروا فإني لأريد الأمر فأؤخره كيما تشفعوا فتؤجروا» رواه أبو داود والنسائي عن معاوية ﵁، والمشفع هو الذي يقبل الشفاعة، فالشفاعة بعد بلوغ الخبر للسلطان هي من الشفاعة السيئة، وإنما ورد النهي عنها لأن ترك إقامة الحد حينئذ يجرئ على محارم الله، ويؤدي إلى إقامة الحد على بعض الجناة وعدم إقامته على بعضهم، وقد يقتصر الأمر على
стр. 2154
الضعيف الذي لا يجد من يشفع له، ولذلك قال النبي ﷺ لِحِبِّهِ أسامة بن زيد ﵄ لما شفع لديه في المخزومية: «أتشفع في حد من حدود الله»؟، ثم قام فخطب، فقال: «يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها»، رواه الشيخان (خ/ ٦٧٨٨) عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، ولا فرق في لزوم إقامة الحد على الجاني بين أن يكون قد تاب قبل القدرة عليه أولا.
قلت: الأدلة قوية على أن التوبة قبل القدرة على الجاني تنفعه في درء الحد عنه ما لم يطالب هو به، وقد نص عليها في حد الحرابة كما تقدم، وتعضد هذا المذهب عمومات من الكتاب والسنة، ووقع الخلاف في عفو المقذوف بعد بلوغ الأمر للإمام، فقيل يجوز العفو بناء على أن القذف حق للمقذوف، وقيل لا يجوز بناء على أنه حق لله تعالى، ما لم يرد المقذوف الستر على نفسه فيجوز اتفاقا، ويؤيد عدم جواز العفو بعد بلوغ الخبر للإمام عمومات النهي عن الشفاعة حينئذ، والله أعلم.
стр. 2155
• قوله:
١٢٩ - «ومن سرق من الكم قطع، ومن سرق من الهُرِي وبيت المال والمغنم فليقطع، وقيل إن سرق فوق حقه من المغنم بثلاثة دراهم قطع».
ذكر هنا أمثلة لما فيه القطع، ولو ذكرت أمثلة لما هو حرز لكان أفضل، والكم معروف، ومثله العمامة والحزام لأن المرء حرز لما معه سواء أكان مالكا له أو حافظا، كبيرا أو صغيرا يتأتى منه الحفظ، ولو كان نائما، أما لو سرق الشيء وصاحبَه كما لو سرق الدابة وراكبها فإنه لا يقطع، والهُرِي بضم الهاء وكسر الراء بيت يجعله السلطان للمتاع والطعام، وبيت المال للنقدين الذهب والفضة، فهذان حرز لما فيهما، أما قطع من سرق من المغنم فلضعف الشبهة، وهي أن له فيه حقا لكونه من الغانمين فهو قريب الشبه ممن سرق من مال الشركة، والقول الآخر أنه لا يقطع إلا إذا سرق أكثر مما ينوبه بثلاثة دراهم، لأن ما ينوبه حق له، وإنما أخذه بدون علم الإمام، وهو قول عبد الملك، والأول لابن القاسم.
стр. 2156
• قوله:
١٣٠ - «ويتبع السارق إذا قطع بقيمة ما فات من السرقة في ملائه، ولا يتبع في عدمه، ويتبع في عدمه بما لا يقطع فيه من السرقة».
إقامة الحد على السارق لا يعفيه من إرجاع المسروق لصاحبه إن كان قائما لأن الحد حق الله تعالى بانتهاك الحرز، والمال لصاحبه، ولا مانع من اجتماعهما، بل له نظير وهو اجتماع الجزاء في الصيد المملوك في الحرم مع ضمان قيمته لمالكه، فإن تلف المسروق أو بعضه ضمن قيمة التالف إن كان مليا مستمر الملاء من يوم السرقة إلى يوم القطع، فإن أعسر جزءا من الزمن بَيْنَ سرقته وقطعه فلا يتبع، لئلا تجتمع عليه عقوبتان: القطع وشغل الذمة، وقد استحسن ابن القيم تفريق المالكية بين الموسر والمعسر، فقال: «وهذا استحسان حسن جدا، وما أقربه من محاسن الشرع، وأولاه بالقبول،،،»، انتهى، لكن إن سرق دون النصاب أو رجع عن إقراره ضمن من غير فرق بين موسر ومعسر، هكذا قالوا، والله أعلم، وقد روى النسائي والحاكم عن أُسيد بن حضير عن النبي ﷺ في السرقة قوله: «إذا كان الذي ابتاعها من الذي سرقها غير متهم يخبر سيدها، فإن شاء أخذ الذي سرق منه بثمنها، وإن شاء اتبع سارقه».
وقد انتهى بهذا باب الدماء والحدود، فلله الحمد والمنة.
стр. 2157
٣٨ - باب في الأَقْضية والشهادات
الأَقضِية بفتح الهمزة جمع قضاء، كَقَباء وأقبية، ومثله قضايا جمع قضية، ومن معاني القضاء قي اللغة الحكم، والمقصود هنا الإخبار عن حكم شرعي على وجه الإلزام، والفرق بينه وبين الفتوى أنها لا إلزام معها، وعطف الشهادات على الأقضية لأنها أهم ما يعتمد عليه في القضاء، لأن المقصود من الباب بيان ما يستند إليه في إصدار الحكم.
والشهادات جمع شهادة، من شهد بمعنى حضر وأخبر وأعلم، والثاني والثالث هما الصالحان هنا، قال الجوهري: الشهادة خبر قاطع والمشاهدة المعاينة مأخوذة من الشهود، أي الحضور، ولأن الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره، وقيل مأخوذ من الإعلام».
والفرق بين الشهادة وبين الرواية أن الشهادة إخبار يختص بمعين، والرواية إخبار لا يختص معين، وهي فرض كفاية متى كان المرء في موضع يصلح غيره لها تحملا وأداء، وإلا كانت فرض عين يأثم الممتنع منها، ويجبره الحاكم عليها بالضرب والسجن لما في الامتناع من ضياع الحقوق، وقد نهى الله تعالى الشهداء أن يمتنعوا من أداء الشهادة متى دُعُوا، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قيل إن النهي عن الامتناع من تحمل الشهادة، وقيل إنه في الأداء لأن قوله الشهداء يدل على أنهم قد تحملوا، وهو الأقوى، وهو قول الجمهور، قال ابن كثير: «والشاهد حقيقة فيمن تحمل، فإن دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت وإلا فهي فرض كفاية»، انتهى، ومع ذلك فليس يبعد ما قاله أهل المذهب من كونها فرض عين في التحمل عند عدم وجود من تثبت به الحقوق، لأن الحفاظ عليها واجب، والله أعلم.
والمباحث الأصيلة في هذا الباب أن يذكر فيه ما يدل على حكم القضاء وهو أنه من فروض الكفاية، وفضل القائم فيه بالحق، وخطورته، وما ينبغي أن يكون عليه القاضي من الصفات من العدل والتسوية بين الخصوم، وما يعتمد عليه في القضاء من الشهادة والإقرار واليمين والنكول.
стр. 2158
أما الفقهاء فقد يذكرون أمورا من أبواب المعاملات كالنكاح والطلاق والبيع والوكالة وغيرها على وجه التطبيق أو لكونها مختلفة فيما تثبت به، وقد أدخل المؤلف في الباب الحديث عن الصلح والفلس والقسمة وهي أمور لم يترجم لها، فاستدركها هنا.
قال ابن رشد في بداية المجتهد (٢/ ٤٥٩): «وأصول هذا الكتاب تنحصر في ستة أبواب، أحدها: في معرفة من يجوز قضاؤه، والثاني: في معرفة ما يقضى به، والثالث: في معرفة ما يقضى فيه، والرابع: في معرفة من يقضى عليه أو له، والخامس: في كيفية القضاء، والسادس: في وقت القضاء»، انتهى.
وخطر القضاء عظيم، ولذلك كان العلماء القادرون عليه يفرون منه خوفا من تبعاته وخطورته، وقد قال رسول الله ﷺ : «من جُعِلَ قاضيا بين الناس فقد ذُبِحَ بغير سكبن»، رواه أبو داود عن أبي هريرة ﵁، قال ابن الصلاح كما في عون المعبود: «ذُبح من حيث المعنى، لأنه بين عذاب الدنيا إن رشَد، وبين عذاب الآخرة إن فسَد»، انتهى، وقيل معناه أنه آيل إلى ذلك كما في قوله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» على أحد أقوال من تأولوا الإفطار، وقال الخطابي في معالم السنن (٤/ ١٥٩): «معناه التحذير من طلب القضاء والحرص عليه، يقول من تصدى للقضاء فقد تعرض للذبح، فليحذره وليتوقه، وقوله بغير سكين يحتمل وجهين أحدهما أن الذبح إنما يكون في ظاهر العرف بالسكين، فعدل به ﵇ عن غير ظاهر العرف وصرفه عن سنن العادة إلى غيرها ليعلم أن الذي أراد بهذا القول إنما هو ما يخاف عليه من هلاك دينه دون بدنه، والوجه الآخر أن الذبح الوجيء الذي يقع به إزهاق الروح وإراحة الذبيحة وخلاصها من طول الألم وشدته إنما يكون بالسكين، وإذا ذبح بغير السكبن كان ذبحه خنقا وتعذيبا فضرب المثل في ذلك ليكون أبلغ في الحذر والوقوع فيه»، انتهى.
وقال بعضهم في هذا المعنى:
ولما أن توليت القضايا … وفاض الجور من كفيك فيضا
ذبحت بغير سكين وإنا … لنرجو الذبح بالسكين أيضا
وقال ﵊: «القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة: رَجُلٌ عَلِمَ
стр. 2159
الحق فقضى به، فهو في الجنة، ورَجُلٌ قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار»، رواه أصحاب السنن عن بريدة ﵁، والقاضي الذي في الجنة بالقيد الذي في الحديث لا وجود له في غالب دول المسلمين اليوم.
والذي يجوز قضاؤه هو المسلم الذكر الحر البالغ العاقل العدل، واختلف في اشتراط الاجتهاد، وهذا هو الأصل لو كان ذلك ممكنا، لكنه قد يتعذر مع كثرة المحاكم، فيمكن أن يقوم مقامه توحيد الأحكام في الجملة، وقد أبى ذلك بعض أهل العلم بحجة أنه طريق إلى الحكم بغير ما أنزل الله، والذي أعلمه أن من جملة أسباب الحكم بغير ما أنزل الله عدم وجود أحكام مقننة ميسورة في متناول القضاة فأعجبوا بما عليه الغربيون، والذي ينبغي هو وجود هيئة للقضاء فيها المجتهدون.
وقد اختلف في قضاء المرأة، والظاهر أن القضاء من الأمور العامة فيصدق عليه قول رسول الله ﷺ : «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، رواه البخاري عن أبي بكرة، وترجم عليه النسائي بقوله: «النهي عن استعمال النساء في الحكم»، ومن العجب أن يرد بعض المحسوبين على العلم هذا الحديث بتضعيفه، وهو في صحيح البخاري، ثم بضرب الأمثال له، وهو أن بعض الدول تولت النساءُ الحكمَ فيهن كدولة اليهود وبريطانيا وجزيرة سرنديب وقادتهم إلى النصر، وكأن هذا القائل يرى الفلاح المنفي عن الناس الذين تتولى أمرهم امرأة في هذا النصر الذي زعمه، ورأى مالك ﵀ أن المصر الواحد لا يكون فيه إلا قاض واحد، وقد يقال إن هذا ناتج عن كونه يشترط فيه الاجتهاد، لأنه مع تعدد القضاة في المدينة الواحدة يحصل الاختلاف في الحكم الواحد فيؤدي إلى الاضطراب، والذي يصلح للدول في هذا العصر أن تتوحد الأحكام في أمهات المسائل وتقنن انطلاقا من الأدلة الشرعية لتكون مرجعا للقاضي مع ترك مجال للنظر في الأمور التي تقبل ذلك، وقد سهل هذا المنحى في هذا العصر كون كل العقوبات تقريبا هي السجن والغرامات على خلاف الشرع، وهي أمور يسهل بيان حد أعلى لها وحد أدنى يجتهد داخله القاضي، ولايعني هذا أني أوافق على عقوبة الناس بغير ماشرع الله.
стр. 2160
• قوله:
٠١ - «والبينة على المدعي واليمين على من أنكر».
هذه قطعة من حديث ابن عباس ﵄، رواه البيهقي عنه، ولفظه في السنن الكبرى: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنك»، وهو في الصحيحين بنحوه، وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه»، وإنما كان اليمين على المنكر لأن المدعي قد يكون من أهل الصدق والعدل، ومع ذلك لا يصدق فيما ادعاه وهو على خلاف الأصل في تصديق العدل، فجعل اليمين على المنكر، والحديث من قواعد القضاء العامة.
لكن تحديد المدعي والمدعى عليه قد لا يتيسر دائما، ولهذا قال سعيد ابن المسيب ﵀: «من عرف الفرق بين المدعي والمدعى عليه فقد عرف وجه القضاء»، انتهى، وقال ابن عرفة: «المدعي هو من عريت دعواه من مرجح غير شهادة، ومعناه أنه إذا كانت معه شهادة فهي بينته، والمدعى عليه من اقترنت دعواه به أي بالمرجح، وقد يقال: المدعي هو الذي يقول كان، والمنكر هو الذي يقول لم يكن، وقيل المدعي هو من لو سكت لما نوزع في سكوته، والمنكر هم الذي إذا سكت لم يترك على سكوته
قال في الاختيارات الفقهية: «ويجب أن يفرق بين فسق المدعى عليه وعدالته، فليس كل مدعى عليه يرضى منه باليمين، ولا كل مدع يطالب بالبينة، فإن المدعى به إذا كان كبيرة والمطلوب لا تعلم عدالته فمن استحل أن يقتل أو يسرق استحل أن يحلف لا سيما عند خوف القتل أو القطع»، انتهى.
قلت: قوله فمن استحل أن يقتل،،، الخ كيف يقال هذا والمدعى عليه لم يثبت بعد ما اتهم به، فكيف يجعل علة لما بعده؟.
стр. 2161
• قوله:
٠٢ - «ولا يمين حتى تثبت الخلطة أو الظِّنَّةُ، كذلك قضى حكام أهل المدينة، وقد قال عمر بن العزيز: «تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور».
لما كان قوله ﷺ : «واليمين على من أنكر» عموم، بين أن اليمين لا تتوجه على كل منكر لم يقم المُدَّعِي عليه بينة على دعواه، بل المذهب أنه يشترط في ذلك المخالطة بين المتداعيين، أو التهمة، ومثال الأولى أن يكون داينه، أو تكرر ابتياعه منه، وتثبت الخلطة بشاهد، بل وبامرأة واحدة، وبإقرار المدعى عليه، ومثال الثانية أن يدعي على آخر أنه سرقه، أو غصبه ماله، والظنة بكسر الظاء المشالة هي التهمة، ووجه استثناء هذا من اشتراط الخلطة عندهم أن المدعى عليه فيهما متهم في نفسه، وألحقوا بذلك الحالَ التي يتعذر فيها إثبات الخلطة كالسفر، وأراد بقوله كذلك قضى حكام أهل المدينة»، تخصيص عموم الحديث بعمل أهل المدينة، وأكد ذلك بقول عمر بن عبد العزيز ﵁، وهو أحد الخلفاء الصالحين بعد الخلفاء الأربعة الراشدين، ومعاوية بن أبي سفيان ﵃ أجمعين، أي تحدث للناس أحكام مستنبطة بالاجتهاد مما ليس فيه نص، لتكون كفاء لما يحدثون من الفجور، ومن الفجور الكذب وهو الذي يهدي إليه أيضا، وشاهد هذا ما حكم به عمر بن الخطاب حين أمضى على الناس الطلاق الثلاث في كلمة واحدة لكونهم تتايعوا فيه ووافقه الصحابة، وقد روى مالك عن حميد بن عبد الرحمن المؤذن أنه كان يحضر عمر بن عبد العزيز وهو يقضي بين الناس فإذا جاءه الرجل يدعي على الرجل حقا نظر، فإن كان بينهما مخالطة أو ملابسة أحلف الذي ادعي عليه، وإن لم يكن شيء من ذلك لم يحلفه»، انتهى، وذكر مالك أنه الأمر عندهم في المدينة.
قال ابن عبد البر في الكافي: «وفي الأصول أن من جاء بما لا يشبه ولا يمكن في
стр. 2162
الأغلب كُذِّبَ ولم يقبل منه، ثم روى بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: لما أوتي يعقوب بقميص يوسف ولم ير فيه خرقا قال: «كذبتم لو أكله السبع لخرق قميصه»، وروى أيضا عن الشعبي قال: «كان في قميص يوسف ثلاث آيات: حين قُد قميصه من دبره، وحين أُلقيَ على وجه أبيه فارتد بصيرا، وحين جاءوا بالدم عليه وليس فيه شق علم أنه كذب لأنه لو أكله السبع خرق قميصه»، انتهى
стр. 2163
• قوله:
٠٣ - «وإذا نكل المدعى عليه لم يقض للطالب حتى يحلف فيما يدعي فيه معرفة».
يقال نكل عن الشيء ينكل إذا نكص عنه وجبن، والمراد أن امتناع المدعى عليه من الحلف لا يترتب عليه بمجرده الحكم للمدعي بما ادعاه، بل لا بد من حلفه عليه.
لكنهم جعلوا الدعوى نوعين: دعوى التحقيق، ودعوى التهمة، والأولى هي التي فيها كلام المؤلف، وينقلب اليمين فيها على المدعي متى نكل المدعى عليه، فيبين صفة الشيء وقدره قبل أن يحكم له به، وقد أشار المؤلف إلى هذا النوع بقوله «فيما يدعي فيه معرفة»، لأنه لا يجوز أن يدعي على أحد شيئا وهو غير عالم به، ومن ثم فلا ينتظر أن يحلف عليه وهو يعلم أنه كاذب، فإنه يمين غموس.
وقد نقل مالك في الموطإ الاتفاق على رد اليمين في هذا النوع حيث قال: «فهذا مما لا اختلاف فيه بين أحد من الناس، ولا ببلد من البلدان»، انتهى، قال الباجي في المنتقى معقبا (٥/ ٢٢١): «ليس مما لا اختلاف فيه، فإن أبا حنيفة وأكثر الكوفيين لا يرون رد اليمين على المدعي بنكول المدعى عليه»، انتهى، ثم تأول الباجي ما قاله مالك من الاتفاق على وجه فيه شيء
ويستأنس لرد اليمين بقول النبي ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الله بن سهل في حديث القسامة وقد تقدم: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم»؟، قالوا: «لم نحضر فكيف نحلف يا رسول الله»؟، قال: «فتبرئكم يهود بخمسين يمينا»؟، قالوا: «ليسوا بمسلمين»؟.
والدعوى الثانية هي المسماة دعوى التهمة كأن يدعي أنه سرق ماله، وهذه لا تنقلب فيها اليمين على المدعي، بل يغرم المدعى عليه بمجرد نكوله على المشهور، وإنما لم يكن في هذه رد اليمين لأن الدعوى مجرد تهمة، فلا يكلف المدعي الحلف على ما لا علم
стр. 2164
له به بخلاف الأخرى وهي دعوى التحقيق، والله أعلم.
قال زروق ﵀: «إذا حلف الطالب مع نكول المطلوب نزلت يمينه منزلة عدل، ونكول غريمه منزلة عدل، يثبت حقه في الأصل بما يشبه العدلين، والأصل في الحقوق أن لا تثبت إلا بشيئين: أولهما الشاهدان، ثم بالشاهد واليمين، أو المرأتين واليمين، أو الأصل واليمين، أو اليمين والنكول»، انتهى.
стр. 2165
• قوله:
٠٤ - «واليمين بالله الذي لا إله إلا هو ويحلف قائما، وعند منبر النبي ﷺ في ربع دينار فأكثر، وفي غير المدينة يحلف في ذلك في الجامع، وموضع يعظم منه».
هذا هو اللفظ الذي يحلف به ولو كان الحالف كتابيا على المشهور، ولا يعتبر مسلما بحلفه هذا، فيقول: والله الذي لا إله إلا هو إن لي عند فلان كذا دينارا أو درهما أو غير ذلك من العروض، ودليله ما رواه أبو داود عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال - يعني لرجل حلفه -: «احلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندي شيئ»، رواه أبو داود، لكنه ضعيف كما في الإرواء، فإن بلغ المحلوف عليه ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو قيمتهما من العروض غلظت عليه اليمين.
والتغليظ يكون بالحال والزمان والمكان واللفظ، وأصله قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾ [المائدة: ١٠٦]، ولا تغليظ في المذهب بالزمان، والغرض من التغليظ تخويف الحالف حتى لا يحلف إن لم يكن محقا، وذلك بشيئين: أولهما أن يحلف قائما، فلو حلف جالسا لم يجزه على المشهور، بناء على أن التغليظ واجب، فيعد إباؤه القيام نكولا، وقال ابن العربي: «والذي عندي أنه يحلف كما يحكم له بها، إن كان قائما فقائما، وإن كان جالسا فجالسا، إذ لم يثبت في أثر ولا نظر اعتبار ذلك»، انتهى، وثاني ما تغلظ به اليمين أن يحلف في مسجد النبي ﷺ عند منبره، وقد تقدم الكلام على التغليظ به في أول باب الدماء والحدود أثناء الكلام على القسامة، وذكر هناك حديث جابر الذي رواه مالك وغيره.
أما التغليظ بالحلف على المصحف فلم يقل به أهل المذهب، قال ابن العربي:
стр. 2166
«وهو بدعة ما ذكرها أحد قط من الصحابة» انتهى، نقله عنه القرطبي في تفسيره، وإنما جعلوا الحد ربع دينار أو ثلاثة دراهم لأن ما دونهما تافه، فلا حاجة إلى القيام، ولا إلى الحلف عند المنبر لأن التغليظ يناسب ما كان الحلف من أجله.
وقد شرح الغماري عبارة المصنف على أنها هكذا «وعند قبر الرسول ﷺ »، بدل وعند منبر النبي ﷺ وهو إما تصحيف من بعض الجاهلين، وقد يكون تحريفا من القبوريين، ومن العجب أن يذكر أبو الحسن، وابن غنيم النفراوي في شرحيهما أن من جملة التغليظ أن يحلف عند مقام ولي، أو يحلف بالطلاق.
قلت: نقل ابن المنذر الإجماع على أنه لا ينبغي للحاكم أن يستحلف بالطلاق والعتاق والمصحف»، وفي دعوى الإجماع على المصحف شيء، وأشار النفراوي ﵀ إلى أن التحليف عند مقام الولي من جملة الأقضية التي تجد للناس بسبب ما أحدثوا من الفجور، مع أنه نص على أن الأقضية التي تحدث لا ينبغي أن تتضمن محرما، قال كاتبه: بل التحليف عند مقام الولي من أعظم الفجور، ويظهر أن الذي دعاهم إلى هذا هو كون بعض المسلمين يعظمون المقبورين ويخشون أن يرتكبوا قرب قبورهم المخالفات كما هو الواقع فكان هذا مدعاة لاعتبار الحلف عند قبورهم من التغليظ، وهذا ما لا يجوز قوله ولا العمل به، فإن فيه فتحا لباب الإشراك بالله تعالى، ومن الغريب أن يعامل المسلم الناكب عن الحق بما هو عليه من الباطل، فإن تحليفه عند القبر تقرير له على معتقده الذي قد يكون شركا، فكيف يعامل المسلم كما يعامل الكفار حيث يحلفون في الأمكنة التي يعظمونها كما سيأتي، والله المستعان.
стр. 2167
• قوله:
٥ - «ويحلف الكافر بالله فقط حيث يعظم».
هذا مخالف لما سبق من أن الكتابي يحلف بالصيغة التي يحلف بها المسلم، وهو قول ثان في المسألة، ومنهم من فرق بين النصراني واليهودي، فجعل صيغة اليهودي كالمسلم، وقد جاء في حديث حابر بن عبد الله عند مسلم أن رسول الله ﷺ قال ليهوديين: «أنشدتكما بالله الذي أنزل التوراة على موسى ﵇ … »، وجاء أيضا من حديث البراء في قصة اليهودي الزاني، لكن فيه أنه دعا رجلا من علمائهم فقال: «أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى … »، أنشدك بالله أسألك به وأذكرك به.
والموضع الذي يعظمه النصراني هو الكنيسة واليهودي البيعة وبيت النار للمجوسي.
قلت: إن كان هذا الحكم أخذ بالقياس فلا اعتبار به للفارق فإن تعظيم المسلم لما بين الركن والمقام وللمنبر والمسجد والمصحف حق، وتعظيم الكافر لمتعبده باطل، ولأن في تحليفه هناك إقرارا له على ذلك التعظيم ولا يعترض على هذا بإقراره على دينه فيحتاج هذا القول إلى الدليل، والله الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 2168
• قوله:
٠٦ - «وإذا وجد الطالب بينة بعد يمين المطلوب لم يكن علم بها قضي له بها، وإن كان علم بها فلا تقبل منه، وقد قيل تقبل منه».
إذا توجهت اليمين على المدعى عليه وحلف فقد استوفى الحكم ما ينبغي فيه، فإن أتى المدعي بالبينة على دعواه فإما أن يكون عالما بها أَوْ لَا، فإن لم يكن عالما بها كأن نسي من كان شاهدا قُبِلَتْ وقُضِيَ له بها، لأن اليمين لم تقع موقعها، ولأنها لا تبرئ الذمة، وإنما تقطع الخصومة، ولا فرق بين أن تكون البينة حاضرة أو غائبة غيبة قريبة كالأسبوع، وإن كان عالما بها لم تقبل منه، لأن الشرع لم يجعل للحكم أمرين هما البينة واليمين، بل جعل أحدهما، كيف وقد صدر؟، ولأنه كالعابث بفعله هذا، وقد فرط في حقه، وقيل تقبل منه، وصححه ابن القصار وغيره، وشرط في القول الأول أن يكون تاركا للبينة بالتصريح أو بالإعراض، بخلاف ما إذا كانت حاضرة وتركها لأنه ظن أنها لا تنفعه فله القيام بعد علمه بصلاحيتها.
стр. 2169
• قوله:
٠٧ - «ويقضى بشاهد ويمين في الأموال».
اكتفى الشرع بالأيمان وحدها في اللعان والقسامة على ما تقدم، أما الشهادة فأقسام عدة، منها ما كان منها على الزنا واللواط، وهو أربعة شهداء، وما كان في الحدود والقصاص والنكاح والطلاق، وهو شاهدان، وقد تقدم هذان القسمان، وأشار هنا إلى النوع الثالث، وهو القضاء بالشاهد واليمين عند عدم وجود شاهدين، وذلك في الأموال بخاصة، وسيذكر شهادة النساء والصبيان.
ودليل القضاء بالشاهد واليمين حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد»، رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة، وروى مالك في الموطإ (١٤٠٤) عن جعفر ابن محمد عن أبيه أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد»، وهو مرسل، وقد وصله غير مالك عن جابر، وأورد مالك عقبه أثرا عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامله بالكوفة وهو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أن اقض باليمين مع الشاهد، وذكر مثله بلاغا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار.
وحديث القضاء بالشاهد واليمين رواه عدد من الصحابة يبلغ التواتر، وعورض بمفهوم قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وبمفهوم قوله ﷺ : «شاهداك أو يمينه»، والمفهوم لا يقاوم المنطوق، وقد أطال مالك القول في هذا الباب من الموطإ ورد على المخالفين بالأثر والنظر، قال ابن العربي: «ما أطنب مالك في مسألة كإطنابه في هذه المسألة، فلقد سلك فيها طريق الجدال وكَثَّرَ الأسئلة والأجوبة، وأفاض في ضرب الأمثال، والتفريق بين مثال ومثال، وتحقيق الفرق بين الأصل والتوابع، وظهر له في ذلك علم عظيم من الأصول والأحكام بما يتفقه به جميع الطوائف»، انتهى.
قلت: ابن العربي ﵀ ممن يرى أن مالكا قد ضمن موطأه الأصول التي اعتمدها في الاستنباط، نص على ذلك في مقدمة القبس، ووعد ببيانه في مظانه من الموطإ، وقد وفى
стр. 2170
بوعده فهو ينبه عليه كلما رأى ما يستند إليه.
أما قصر الشاهد مع اليمين على الأموال فَلِمَا جاء في رواية أحمد لحديث ابن عباس من زيادة: «إنما كان ذلك في الأموال»، لكن قائلها عمرو بن دينار الراوي عن ابن عباس، قال إن ذلك في الحقوق، ومهما يكن فإن قوله قضى بالشاهد واليمين حكاية فعل، والفعل لا عموم له، لكن قصره على شيء دون غيره مفتقر إلى الدليل، قال في سبل السلام (٤/ ١٣٢): «والحق أنه لا يخرج عن الحكم بالشاهد واليمين غير الحد والقصاص للإجماع على أنهما لا يثبتان بذلك»، انتهى.
وقد وجه ابن العربي هذا الأمر بقوله في المسالك (٦/ ٢٩٥): «إن قول المتداعيين قد تعارضا وتساويا، وليس قبول أحدهما أولى من قبول الآخر، فشرع الله الترجيح، ولهذا قال علماؤنا لا يكون الشاهد واليمين إلا في الأموال وما جرى مجراها، لأن النبي ﷺ إنما قضى به فيها، ولم يقو القوة التي تراق بها الدماء، وتقام بها الحدود، فإن هذه معان تسقط بالشبهة، والشبهة بالشاهد واليمين قائمة، فاقتصر بها على موردها وهي الأموال»، انتهى.
стр. 2171
• قوله:
٠٨ - «ولا يقضى بذلك في نكاح أو طلاق أو حد ولا في دم عمد أو نفس إلا مع القسامة في النفس وقد قيل يقضى بذلك في الجراح».
هذا هو النوع الثاني من الشهادة حيث لا يكفي إلا شاهدان، أما النكاح فقد ورد فيه النص وهو قوله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل»، رواه البيهقي عن عمران وعائشة، وقال الله تعالى عن الطلاق: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، وأما الحدود والقصاص فقد تقدم ما ذكره الكحلاني من الإجماع على عدم القضاء فيها بالشاهد واليمين، قال مالك ﵀: «ولا يقع ذلك في شيء من الحدود ولا في نكاح ولا في طلاق ولا في عتاقة ولا في سرقة، ولا في فرية، فإن قال قائل: فإن العتاقة من الأموال»، فقد أخطأ، انتهى المراد منه.
стр. 2172
• قوله:
٠٩ - «ولا تجوز شهادة النساء إلا في الأموال، ومائة امرأة كامرأتين، وذلك كَرَجُلٍ واحد يقضى بذلك مع رَجُلٍ أو مع اليمين فيما يجوز فيه شاهد ويمين».
النساء لا يشهدن فيما هو من شأن الرجال إلا في الأموال، وهذا لأن الله تعالى إنما أمر باستشهاد امرأتين مع رَجُلٍ عند عدم وجود الرَّجُلَيْنِ في سياق الحديث عن كتابة السلَم إذ قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وإنما جعلت المرأتان مع الرَّجُلِ في هذا لأن «الأموال كثر الله أسباب توثيقها لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلوى وتكررها، فجعل فيها التوثق تارة بالكتابة وتارة بالإشهاد وتارة بالرهن وتارة بالضمان، وأدخل في جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال»، انتهى، قاله القرطبي في تفسيره (٣/ ٣٩١).
وقوله: «ومائة امرأة كامرأتين،،، الخ، معناه أن الشرع لما لم يقبل شهادتهن إلا مقرونة بالرجال إلا ما استثني مما هو خاص بهن للضرورة، فلا يصح القول إن أربعة منهن يقمن مقام الرجلين في الحدود والدماء والنكاح والطلاق، وثمانية منهن يقمن مقام أربعة رجال في الزنا، وإلا لقال الله تعالى فإن لم يكونا رجلين فأربع نسوة، فإذا شهدت نساء كثيرات ولو مائة، فإن كان ذلك على غير مال فلا عبرة بشهادتهن، أما إن كان على مال فلا بد من رجل معهن أو يمين حتى يقضى بذلك، قالوا لأن اليمين تقوم مقام الرجل، وتدفع انفرادهن بالشهادة وما يتطرق إليها من الضلال.
стр. 2173
• قوله:
١٠ - «وشهادة امرأتين فقط فيما لا يطلع عليه الرجال من الولادة والاستهلال وشبهه جائزة».
الشهادة على الولادة وعلى استهلال الصبي أي نطقه، وعلى الحيض وعيوب الفرج والبدن ليس من شأن الرجال فتشهد فيها النساء للضرورة، ولأنه إذا جازت شهادتهن مع إمكان شهادة الرجال فلأن تجوز فيما لا تتأتى فيه شهادتهم أولى، ويقضى بشهادة اثنتين، وهذا مطرد في كل ما يختص بالنساء أو يندر اطلاع الرجال عليه.
стр. 2174
• قوله:
١١ - «ولا تجوز شهادة خصم ولا ظنين».
هذا بيان لمن لا تجوز شهادته، وقد عني بهذا الأمر أهل الأصول والفقه معا لاشتراك الخبر والشهادة في هذا المبحث، وقد روى أبو داود (٣٦٠٠) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ رد شهادة الخائن والخائنة، وذي الغِمْر على أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت، وأجازها لغيرهم»، وفي رواية له ولابن ماجة: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية، ولا ذي غمر على أخيه»، وفي ابن ماجة بدل الزاني والزانية: «ولا محدود في الإسلام»، وفي جامع الترمذي وضعفه عن عائشة مرفوعا، وفيه ذكر «المجلود في الحد والمجرب الشهادة، والظنين في الولاء والقرابة»، والغِمْر بكسر الغين الحقد والشحناء، والقانع جاء في قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ (٣٦)﴾ [الحج: ٣٦]، وهو الفقير المتصف بالقنوع وهو التذلل، والمراد هنا من كان ينفق عليه كالخادم والتابع، وفي الموطإ (١٤٠١) عن مالك أنه بلغه أن عمر ابن الخطاب قال: لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين»، والخصم جمعه خصوم، وخصام، وإنما لم تجر شهادة المرء على خصمه للعداوة التي بينهما، مما قد يحمله على إلحاق الضرر به، فلا يُؤْمَنُ أن يكذب لأجل ذلك، والظنين بالظاء المعجمة هو المتهم في شهادته، بأن يشهد لصالح من يواليه، وبخلافه لمن يعاديه، فهو عموم بعد خصوص، وقيل هو المتهم في دينه، والأول أولى لنص المؤلف على اشتراط العدالة إذ قال:
стр. 2175
• قوله:
١٢ - «ولا يقبل إلا العدول».
العدول جمع عدل، وهو المسلم المكلف أعني البالغ العاقل لقول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ (٢)﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قال عياض: «وشروط العدالة أربعة: صدق اللهجة، واجتناب الكبائر، وتوقي المثابرة على الصغائر، والتزام مروءة مثله»، انتهى، وذكر نحوه أبو الحسن وأضاف إلى المنافي: «وحجر سفه، وبدعة وإن مع تأويل، فالسفيه المحجور عليه ليس بعدل، وكذلك البدعي كالمعتزلي والخارجي ليس بعدل، ولا يلتفت إلى تأويل أحد»، انتهى، يعني أنه إن كان مع تأويل فهو فاسق، وإن كان مع غير تأويل فهو كافر، وقال في المسوى شرح الموطإ عما يطلب في العدالة: «والمروءة هي ما يتصل بآداب النفس مما يعلم أن تاركه قليل الحياء وهي حسن الهيئة والسيرة والعشرة والصناعة، فإن كان الرجل يظهر من نفسه شيئا مما يستهجن أمثاله من إظهاره في الأغلب يعلم به قلة مروءته وترد شهادته»، انتهى، وقال االقرافي: «العدالة عندنا حق لله على الحاكم فلا يجوز له أن يحكم بغير العدل، وإن لم يشترط الخصم العدالة، وبه قال الشافعي، وعلى أنها حق لله، لو رضي الخصمان بشهادة كافر أو مسخوط لا يجوز لحاكم الحكم بذلك، قاله ابن القاسم، انتهى.
قلت: ينبغي أن يقيد هذا بما إذا وجد العدول فتكون حالة ضرورة حتى لا تضيع الحقوق، قال في النوادر: «عدول كل بلد أمثلهم حالا»، انتهى، وقال ابن تيمية في الاختيارات: «والعدل في كل زمان ومكان وفي كل طائفة بحسبها، فيكون الشهيد في كل قوم من كان ذا عدل فيهم، وإن كان لو كان في غيرهم لكان عدله على وجه آخر»، انتهى.
следующие страницы →