← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

• قوله: ٠٨ - «ولا يقضى بذلك في نكاح أو طلاق أو حد ولا في دم عمد أو نفس إلا مع القسامة في النفس وقد قيل يقضى بذلك في الجراح». هذا هو النوع الثاني من الشهادة حيث لا يكفي إلا شاهدان، أما النكاح فقد ورد فيه النص وهو قوله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل»، رواه البيهقي عن عمران وعائشة، وقال الله تعالى عن الطلاق: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، وأما الحدود والقصاص فقد تقدم ما ذكره الكحلاني من الإجماع على عدم القضاء فيها بالشاهد واليمين، قال مالك ﵀: «ولا يقع ذلك في شيء من الحدود ولا في نكاح ولا في طلاق ولا في عتاقة ولا في سرقة، ولا في فرية، فإن قال قائل: فإن العتاقة من الأموال»، فقد أخطأ، انتهى المراد منه.

стр. 2172

• قوله: ٠٩ - «ولا تجوز شهادة النساء إلا في الأموال، ومائة امرأة كامرأتين، وذلك كَرَجُلٍ واحد يقضى بذلك مع رَجُلٍ أو مع اليمين فيما يجوز فيه شاهد ويمين». النساء لا يشهدن فيما هو من شأن الرجال إلا في الأموال، وهذا لأن الله تعالى إنما أمر باستشهاد امرأتين مع رَجُلٍ عند عدم وجود الرَّجُلَيْنِ في سياق الحديث عن كتابة السلَم إذ قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وإنما جعلت المرأتان مع الرَّجُلِ في هذا لأن «الأموال كثر الله أسباب توثيقها لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلوى وتكررها، فجعل فيها التوثق تارة بالكتابة وتارة بالإشهاد وتارة بالرهن وتارة بالضمان، وأدخل في جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال»، انتهى، قاله القرطبي في تفسيره (٣/ ٣٩١). وقوله: «ومائة امرأة كامرأتين،،، الخ، معناه أن الشرع لما لم يقبل شهادتهن إلا مقرونة بالرجال إلا ما استثني مما هو خاص بهن للضرورة، فلا يصح القول إن أربعة منهن يقمن مقام الرجلين في الحدود والدماء والنكاح والطلاق، وثمانية منهن يقمن مقام أربعة رجال في الزنا، وإلا لقال الله تعالى فإن لم يكونا رجلين فأربع نسوة، فإذا شهدت نساء كثيرات ولو مائة، فإن كان ذلك على غير مال فلا عبرة بشهادتهن، أما إن كان على مال فلا بد من رجل معهن أو يمين حتى يقضى بذلك، قالوا لأن اليمين تقوم مقام الرجل، وتدفع انفرادهن بالشهادة وما يتطرق إليها من الضلال.

стр. 2173

• قوله: ١٠ - «وشهادة امرأتين فقط فيما لا يطلع عليه الرجال من الولادة والاستهلال وشبهه جائزة». الشهادة على الولادة وعلى استهلال الصبي أي نطقه، وعلى الحيض وعيوب الفرج والبدن ليس من شأن الرجال فتشهد فيها النساء للضرورة، ولأنه إذا جازت شهادتهن مع إمكان شهادة الرجال فلأن تجوز فيما لا تتأتى فيه شهادتهم أولى، ويقضى بشهادة اثنتين، وهذا مطرد في كل ما يختص بالنساء أو يندر اطلاع الرجال عليه.

стр. 2174

• قوله: ١١ - «ولا تجوز شهادة خصم ولا ظنين». هذا بيان لمن لا تجوز شهادته، وقد عني بهذا الأمر أهل الأصول والفقه معا لاشتراك الخبر والشهادة في هذا المبحث، وقد روى أبو داود (٣٦٠٠) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ رد شهادة الخائن والخائنة، وذي الغِمْر على أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت، وأجازها لغيرهم»، وفي رواية له ولابن ماجة: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية، ولا ذي غمر على أخيه»، وفي ابن ماجة بدل الزاني والزانية: «ولا محدود في الإسلام»، وفي جامع الترمذي وضعفه عن عائشة مرفوعا، وفيه ذكر «المجلود في الحد والمجرب الشهادة، والظنين في الولاء والقرابة»، والغِمْر بكسر الغين الحقد والشحناء، والقانع جاء في قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ (٣٦)﴾ [الحج: ٣٦]، وهو الفقير المتصف بالقنوع وهو التذلل، والمراد هنا من كان ينفق عليه كالخادم والتابع، وفي الموطإ (١٤٠١) عن مالك أنه بلغه أن عمر ابن الخطاب قال: لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين»، والخصم جمعه خصوم، وخصام، وإنما لم تجر شهادة المرء على خصمه للعداوة التي بينهما، مما قد يحمله على إلحاق الضرر به، فلا يُؤْمَنُ أن يكذب لأجل ذلك، والظنين بالظاء المعجمة هو المتهم في شهادته، بأن يشهد لصالح من يواليه، وبخلافه لمن يعاديه، فهو عموم بعد خصوص، وقيل هو المتهم في دينه، والأول أولى لنص المؤلف على اشتراط العدالة إذ قال:

стр. 2175

• قوله: ١٢ - «ولا يقبل إلا العدول». العدول جمع عدل، وهو المسلم المكلف أعني البالغ العاقل لقول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ (٢)﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قال عياض: «وشروط العدالة أربعة: صدق اللهجة، واجتناب الكبائر، وتوقي المثابرة على الصغائر، والتزام مروءة مثله»، انتهى، وذكر نحوه أبو الحسن وأضاف إلى المنافي: «وحجر سفه، وبدعة وإن مع تأويل، فالسفيه المحجور عليه ليس بعدل، وكذلك البدعي كالمعتزلي والخارجي ليس بعدل، ولا يلتفت إلى تأويل أحد»، انتهى، يعني أنه إن كان مع تأويل فهو فاسق، وإن كان مع غير تأويل فهو كافر، وقال في المسوى شرح الموطإ عما يطلب في العدالة: «والمروءة هي ما يتصل بآداب النفس مما يعلم أن تاركه قليل الحياء وهي حسن الهيئة والسيرة والعشرة والصناعة، فإن كان الرجل يظهر من نفسه شيئا مما يستهجن أمثاله من إظهاره في الأغلب يعلم به قلة مروءته وترد شهادته»، انتهى، وقال االقرافي: «العدالة عندنا حق لله على الحاكم فلا يجوز له أن يحكم بغير العدل، وإن لم يشترط الخصم العدالة، وبه قال الشافعي، وعلى أنها حق لله، لو رضي الخصمان بشهادة كافر أو مسخوط لا يجوز لحاكم الحكم بذلك، قاله ابن القاسم، انتهى. قلت: ينبغي أن يقيد هذا بما إذا وجد العدول فتكون حالة ضرورة حتى لا تضيع الحقوق، قال في النوادر: «عدول كل بلد أمثلهم حالا»، انتهى، وقال ابن تيمية في الاختيارات: «والعدل في كل زمان ومكان وفي كل طائفة بحسبها، فيكون الشهيد في كل قوم من كان ذا عدل فيهم، وإن كان لو كان في غيرهم لكان عدله على وجه آخر»، انتهى.

стр. 2176

• قوله: ١٣ - «ولا تجوز شهادة المحدود». المحدود هو الذي أقيم عليه الحد فلا تجوز شهادته، لأن الحد لا يقام إلا على فاسق، ولا تجوز شهادة الفاسق، واحتمال أن يكون صادقا فيما قاله أو بريئا مما اتهم به لا يمنع من تسميته بذلك، لكن هذا مقيد بما إذا لم يتب فإن تاب ففيه تفصيل سيأتي.

стр. 2177

• قوله: ١٤ - «ولا شهادة عبد ولا صبي ولا كافر». تُرَدُّ شهادة الصبي لأنه غير مكلف، وكذلك العبد مع أنها مختلف فيها، لأنه ليس من رجالنا كما قالوا، ولأنه مستغرق في خدمة سيده، واشتغاله بالشهادة أَدَاءً وتَحَمُّلاً يُفَوِّتُ عليه ذلك، أما الكافر فشهادته على المسلمين لا تقبل بالإجماع، واختلف في قبولها على مثله، وفي الوصية في السفر عند عدم المسلم. واعلم أن المعتبر في الشهادة وقتُ الأداء لا وقت التحمل، فكل من الصبي والعبد والكافر تقبل شهادتهم إذا أدوها بعد زوال المانع بشرط أن لا تكون قد ردت بذلك المانع، لما يترتب على التراجع عن الحكم الأول من الاضطراب، ولأن من ردت شهادته قد يسعى في رفع المعرة التي لحقته بسبب رد شهادته.

стр. 2178

• قوله: ١٥ - «وإذا تاب المحدود في الزنا قبلت شهادته إلا في الزنا». لا فرق في قبول شهادة المحدود إذا تاب، حُدَّ للزنا أو لغيره، وإنما ذكره المؤلف مثالا، والمشهور أن كل من حُدَّ وتاب تقبل شهادته إلا فيما حُدَّ فيه، أو عُزِّرَ من أجله، وقيل تقبل في كل شيء، وهو الأصل، وهو لابن القاسم، وهو ظاهر المدونة، ووجه سابقه ما فطر عليه المرء من دفع المعرة عن نفسه بتكثير أمثاله، وهذا توسع في سد الذريعة من غير برهان، ومن تراجم الموطإ «شهادة المحدود في القذف وغيره إذا ظهرت توبته»، انتهى، فليس المراد بالتوبة مجرد قوله تبت بل يعرف ذلك بالقرائن.

стр. 2179

• قوله: ١٦ - ولا تجوز شهادة الابن للأبوين، ولا هما له، ولا الزوج للزوجة، ولا هي له». ذكر هنا أمثلة لمن لا تقبل شهادتهم للتهمة، ولو قدمت مع نظائرها لكان أحسن، فمن ذلك شهادة الأصل للفرع، والفرع لأصله، ويدخل فيه ما إذا شهد الابن لأحد أبويه على الآخر، وكذلك الزوجة لزوجها وعكسه في حال العصمة، والأجير لمن استأجره، والمولى لمن أعتقه، والصديق والشريك لصاحبه، كل ذلك عندهم مردود بالتهمة، وقد تقدم الدليل. ومما جاء في رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵄ قوله له: «والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد، أو مجربا في شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو قرابة، فإن الله تولى منكم السرائر ودرأ عنكم بالبينات»، انتهى، وانظرها في سنن الدارقطني كتاب الأقضية والأحكام (النص/ ١٥)، والاستذكار (٧/ ١٠٣)، والإرواء (ح/ ٢٦١٩)، وإعلام الموقعين (١/ ٨٥). وقد أثبت ابن القيم نص رواية أبي عبيد، وشرحه شرحا وافيا مطولا ﵀، وقال في مقدمة ذلك: «وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكمُ والمفتي أحوج شيء إليه، وإلى تأمله والتفقه فيه»، انتهى، والظنين في الولاء من ينتمي إلى غير مواليه، والظنين في القرابة من يقول أنا ابن فلان أو قريبه وهو كاذب، قال ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ١٢٨): «دل هذا على أن الشهادة لا تُرَدُّ بالقرابة، وإنما ترد بتهمتها، وهذا هو الصواب كما تقدم، وذكر ما رواه أبو عبيد عن عمر قال: تجوز شهادة الوالد لولده والولد لوالده، والأخ لأخيه إذا كانوا عدولا، لم يقل الله حين قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ إلا والدا وولدا وأخا»، انتهى، ثم قال ابن القيم: «وقوله: فإن الله تولى

стр. 2180

من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلا بالبينات» يريد بذلك أن من ظهرت لنا منه علانية خير قبلنا شهادته، ووكلنا سريرته إلى الله سبحانه، فإن الله سبحانه لم يجعل أحكام الدنيا إلى السرائر، بل على الظواهر، والسرائر تبع لها، وأما أحكام الآخرة فعلى السرائر، والظواهر تبع لها»، انتهى.

стр. 2181

• قوله: ١٧ - «وتجوز شهادة الأخ العدل لأخيه». اشترطوا في قبول شهادة الأخ لأخيه أن يكون مبرزا في العدالة، وهو لابن القاسم وهو المعتمد، وهو الذي في مختصر خليل، وقيل يكتفى بمطلق العدالة وهو ظاهر المصنف، وهو المشهور كما قال زروق، وقيد قبولها بالأموال وما آل إليها لا ما فيه الحمية أو دفع المضرة، وقيدوا أيضا بما إذا لم تكن عليه نفقته، لأنه يدخل في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الذي فيه ذكر القانع، وقد تقدم ذكره في الفقرة الحادية عشرة، أو يتكرر له معروفه لأنه قريب من الأول، والظاهر أن من علم منه العدالة الحقيقية قبلت شهادته لغيره وعليه من غير فرق بين قريب وبعيد وعدو وصديق، ولا يستثنى من ذلك إلا من ورد النص برد شهادته، أو قامت التهمة دون قبولها.

стр. 2182

• قوله: ١٨ - «ولا تجوز شهادة مجرب في كذب، أو مظهر لكبيرة». المجرب في الكذب هو الذي يعتاده مرة بعد مرة في غير ما هو جائز، فخرج من كذب مرة في السَّنَةِ فلا ترد شهادته بذلك، ما لم يترتب عليها مفسدة، ولا تقبل شهادة مظهر الكبيرة أي فاعلها أظهرها أو لا حيث ثبتت عليه كما هو ظاهر المدونة، وإنما خص الكبيرة مما يقدح به بعد ذكر الكذب لأنها أهم ما يتطلب معرفته في قبول الشهادة أو ردها، وفي رسالة عمر لأبي موسى الأشعري قوله: «والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد، أو مجربا في شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو قرابة».

стр. 2183

• قوله: ١٩ - «ولا جار لنفسه ولا دافع عنها ولا وصي ليتيمه، وتجوز شهادته عليه». مثال من يجلب بشهادته نفعا لنفسه أن يشهد لشريكه في شيء من مال الشركة بخلاف غير مال الشركة فتجوز شهادته بشرط التبريز كما تقدم في شهادة الأخ لأخيه، ومثال من يدفع عنها ضررا أن يكون لزيد دَيْنٌ على بكر وادعى خالد دَيْنًا على بكر، فيشهد زيد لبكر أن أنه قضى خالدا دَيْنَهُ فلا تقبل شهادته لأنه يتهم بدفع الخصومة في المال عن نفسه، وفي شهادة الوصي ليتيمه تهمة جلب المال ليتصرف فيه، وإنما نص عليه مع دخوله فيما تقدم ليرتب عليه قوله «وتجوز شهادته عليه»، لانتفاء التهمة. وقد أجمل زروق ﵀ في شرحه ما ترد من أجله الشهادة فقال: «واعلم أن مواضع الشهادة سبعة: أولها التغفل فلا يقبل المتغفل ولو كان عدلا، الثاني الجلب لنفسه والدفع عنها، الثالث التهمة بالحب والبغض، ومنه الوالد والولد والخصم وما في معناه، والرابع العداوة، والخامس نقص المعرة بتكثير مثلها، ومنها شهادة المحدود في حده، والسادس الحرص على الأداء والتحمل»، انتهى ببعض التصرف، وقوله مواضع الشهادة لعل الصواب مواضع رد الشهادة، ولم أجد السابع، والسادس ليس على إطلاقه بل بقيد أن يكون صاحب الحق عالما بشهادة الشاهد، وإلا فإن المبادرة بالشهادة قبل طلبها قد جاء مدحها في قول النبي ﷺ : «خير الشهود من أدى شهادته قبل أن يسألها»، رواه البيهقي عن زيد ابن خالد، ويعارضه قوله ﷺ : «خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يخونون ولا يؤتمنون، ويَشْهدون ولا يُسْتَشْهَدُون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السِّمَنُ»، رواه الشيخان عن عمران بن حصين، وقد حملوا الأول على ما إذا كان صاحبها غير عالم بها، والثاني على شهادة الباطل ومع ذلك يبادر بها متحملها، والله أعلم.

стр. 2184

• قوله: ٢٠ - «ولا يجوز تعديل النساء ولا تجريحهن». ليس كل من تجوز شهادته تعتمد تزكيته، ومن ذلك النساء لا يجوز تعديلهن ولا تجريحهن لا للرجال ولا للنساء لنقصهن عن رتبة الرجال، ولأن التعديل أصل يستدام العمل به كما قال زروق، ولأن التزكية والتجريح ليس شهادة على المال، ولا على ما المقصود منه المال، ولحاجة التعديل إلى طول الممارسة والخبرة، وذلك مفقود في النساء غالبا، ولا فرق بين ما تجوز شهادتهن فيه وما لا تجوز. قلت: الظاهر جواز تزكية النساء لما في حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- في حادثة الإفك حيث قال النبي ﷺ لبريرة: «هل رأيت فيها شيئا يريبك؟»، فقالت: «لا، والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها قط … الحديث، ومعنى أغمصها به أي ما رأيت شيئا أعيبها به وأطعن عليها بسببه، وقد ترجم عليه البخاري بقوله: «تعديل النساء بعضهن بعضا»، والله أعلم.

стр. 2185

• قوله: ٢١ - «ولا يقبل في التزكية إلا من يقول عدل رضا». قال سحنون ﵀: «ليس كل من تجوز شهادته تجوز تزكيته، ولا يجوز في التزكية إلا العدل المبرز والناقد الفطن الذي لا يُخْدَعُ عَقْلُه، ولا يُسْتَزَلُّ في رأيه»، انتهى، واعلم أن الشهادة نوعان شهادة الحقوق وشهادة التعديل، وقد اختلف هل يتساويان في العدالة أو يشترط في الثانية التبريز فيها، ومن شهد بالتعديل فينبغي أن يقول في شهادته إن فلانا عدل رضا فإن جَمَعَهُمَا صَحَّتْ تزكيته، وإن اقتصر على واحد فقد اختلف في كفايتها، ومعنى أنه رضا أي فيما بينه وبين الناس، فيرجع للسلامة من موانع الشهادة، ومنى أنه عدل، أي فيما بينه وبين الله، فيرجع لسلامة في الدين، إذ قد يكون العدل مغفلا كثير السهو والنسيان، وقد يكون الفطن غير عدل، قال الله سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ (٢)﴾ [الطلاق: ٢]، وقال تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وحمل بعضهم الرضا على تحمله، والعدل على أدائه. والتعديل جائز وإن لم يعرف المُعَدِّلُ اسم المُزَكَّى ولا لقبه ولا كنيته على المشهور، ولا يشترط أن يذكر وجه التزكية بخلاف الجرح فلا يقبل إلا ببيان سببه، أعني أن يكون مُفَسَّرًا، إذ ربما كان ما اعتمد عليه في الجرح ليس بقادح في العدالة، وإذا اختلف عدلان في الحكم على شخص قُدِّمَ قول من جرحه لأنه قد اطلع على ما لم يطلع عليه المزكي، والمثبت مقدم على النافي.

стр. 2186

• قوله: ٢٢ - «ولا يقبل في ذلك ولا في التجريح واحد». دلّ على هذا قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، والتعديل والتجريح شهادة، لكنهم فرقوا بين أن تكون التزكية علانية فلا يقبل فيها إلا اثنان، وبين أن تكون سرا وهي ما يبتدئ فيه القاضي بالسؤال فيكتفى بتزكية الواحد، وقيل لا فرق بينهما، وهو ظاهر كلام المؤلف. قلت: هذا بناء على أن التعديل والتجريح شهادة وقيل إنهما من باب الإخبار فيعمل بخبر الواحد على الأصل إن حصل به للحاكم الظن الغالب لا فرق بين رجل وامرأة، وهو الحق كما مر معك.

стр. 2187

• قوله: ٢٣ - «وتقبل شهادة الصبيان في الجراح قبل أن يفترقوا أو يدخل بينهم كبير». المشهور قبول شهادة الصبيان في الجراح، روى مالك في الموطإ عن هشام ابن عروة أن عبد الله بن الزبير كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح»، وقال مالك: «الأمر المجتمع عليه عندنا أن شهادة الصبيان تجوز فيما بينهم من الجراح، ولا تجوز على غيرهم، إذا كان ذلك قبل أن يتفرقوا أو يُخَبَّبُوا، أو يُعَلَّمُوا، فإن افترقوا فلا شهادة لهم إلا أن يكونوا قد أشهدوا العدول على شهادتهم قبل أن يتفرقوا»، انتهى، وقد أشار المؤلف إلى بعض شروط قبول شهادة الصبيان للضرورة، فهو يعني بالصبيان خصوص ا المميزين منهم، وأن يكون ذلك في الجراح، والمشهور قبول شهادتهم في القتل أيضا، وأن يتفقوا في الشهادة، وأن يكون ذلك قبل تفرقهم وقبل دخول كبير بينهم، لأنهم قبل التفرق على أصلهم من عدم الكذب، وتفرقهم أو دخول كبير معهم مظنة تلقينهم ما يقولون، وأن يكون الشهود والمشهود لهم أو عليهم في جماعة واحدة، وثمة شروط أخرى تطلب في الشروح الموسعة.

стр. 2188

• قوله: ٢٤ - «وإذا اختلف المتبايعان استحلف البائع ثم يأخذ المبتاع أو يحلف ويبرأ». جاء في ذلك حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود وقد أتاه رجلان تبايعا سلعة، فقال أحدهما أخذتها بكذا وكذا، وقال هذا بعتها بكذا وكذا، فقال أبو عبيدة: «أتي ابن مسعود في مثل هذا فقال: حضرت النبي ﷺ أتي بمثل هذا، فأمر البائع أن يستحلف، ثم يختار المبتاع، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك»، رواه أحمد والنسائي (٤٦٤٩)، وهذا لفظه، وهو منقطع لأن أبا عبيدة لم يدرك أباه عبد الله بن مسعود، لكن قوي بما وافقه كحديث عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده قال عبد الله سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فهو ما يقول رب السلعة أو يتركا»، رواه النسائي وابن ماجة (٢١٨٦)، فكلام المؤلف فيما إذا تم البيع واختلف البائعان في قدر الثمن، أو في جنس المبيع، أو نوعه، أو في الأجل إن كان أحد العوضين مؤجلا، أو في كونه على البت أو على الخيار، ولا بينة لواحد منهما، هنا يبتدأ بتحليف البائع، قيل على وجه الندب، والمشهور أن البدء به واجب، فيحلف على إثبات دعواه، ونفي قول صاحبه في يمين واحدة، بأن يقول: والله لقد بعته بدينارين لا بدينار، أو لقد بعته على البت لا على الخيار، فإذا حلف ثبت ما ادعاه، فإن حلف الآخر برئت ذمته وتفاسخا إن كانت السلعة قائمة، وإن أبى قضي للحالف، وإنما لم يقض للبائع بمجرد الحلف لأن كلا منهما مدع ومدعى عليه فتوجه اليمين إلى كل منهما.

стр. 2189

• قوله: ٢٥ - «وإذا اختلف المتداعيان في شيء بأيديهما حلفا وقسم بينهما، وإن أقاما بينتين قضي بأعدلهما، فإن استويا حلفا وكان بينهما». إذا ادعى شخصان شيئا كل منهما يدعيه لنفسه، وهو مما يشبه أن يكتسبه كل منهما، ولا دليل ولا بينة لأحدهما، وكان الشيء بأيديهما حلفا وقسم بينهما، فإن كان بيد كل منهما بينة كالشاهدين فإن أمكن الترجيح - وصوره كثيرة - قضي لصاحب البينة الراجحة، وإن لم يمكن الترجيح فهما كالعدم، فيحلفان على ما تقدم، وقوله بأيديهما مخرج ما إذا كان الشيء بيد أحدهما فإنه يكون له بيمينه، قال في الاختيارات الفقهية: «وإن كانت العين بيد أحدهما فمَن شاهدُ الحال معه كان ذلك لوثا فيحكم له بيمينه»، انتهى، ويخرج أيضا ما إذا كان عند غيرهما فإنه يقضى به لمن شهد له من كان المتاع عنده، وقد دل على أن المدعيين للشيء ولا بينة لأحدهما يقسم بينهما حديث أبي موسى الأشعري أن رجلين ادعيا بعيرا أو دابة إلى النبي ﷺ ليست لواحد منهما بينة، فجعله النبي ﷺ بينهما، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة، ووثق المنذري إسناده، قال الخطابي: «يشبه أن يكون هذا البعير أو الدابة كان في أيديهما معا، فجعله النبي ﷺ بينهما لاستوائهما في الملك باليد، ولولا ذلك لم يكونا بنفس الدعوى يستحقانه لو كان الشيء في يد غيرهما»، انتهى، ويذكر هنا الحديث الذي رواه الشيخان والنسائي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: «إنما ذهب بابنك»، وقالت الأخرى: «إنما ذهب بابنك»، فتحاكما إلى داود ﵇، فقضى به للكبرى، فخرجتا إلى سليمان بن داود فأخبرتاه، فقال: «ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: «لا تفعل يرحمك الله، هو لها» فقضى به للصغرى»، ويعارض حديثَ أبي موسى المتقدم حديثُ أبي هريرة أن رجلين اختصما في متاع إلى النبي ﷺ ليس لواحد

стр. 2190

منهما بينة، فقال النبي ﷺ : «استهما على اليمين ما كان، أحبا ذلك أو كرها»، والاستهام الاقتراع، وقد جمع بينهما البيهقي ﵀ بما حاصله أنه يحتمل أن تكون قصة واحدة حكم فيها رسول الله ﷺ بالقسمة، فلما طلب كل منهما يمين صاحبه على النصف الذي حصل له تنازعا فيمن يبدأ بالحلف فأمرهما بالاقتراع على ذلك، وهو جَمْعٌ حسن

стр. 2191

• قوله: ٢٦ - «وإذا رجع الشاهد بعد الحكم أغرم ما أتلف بشهادته إن اعترف أنه شهد بزور قاله أصحاب مالك». إذا رجع الشاهد عن شهادته فإن ذلك جرحة فيه ما لم يُبَيِّنْ وجه رجوعه كالشبهة والشك، ثم إن كان رجوعه قبل الحكم فإنه لا يحكم بها، وإن كان بعد الحكم فلا ينتقض، لاحتمال كذبه في رجوعه، وسواء أكان ذلك قبل القبض أم بعده، لكنه يغرم ما أتلفه بسبب شهادته، ومعظم أصحاب مالك على أن الضمان إنما يكون عليه في حال تعمده الزور، وقال بعضهم منهم ابن القاسم ومطرف إنه يغرم مطلقا، وهو ظاهر المدونة، ووجهه أن العمد والخطأ في أموال الناس سواء.

стр. 2192

• قوله: ٢٧ - «ومن قال رددت إليك ما وكلتني عليه أو على بيعه أو دفعت إليك ثمنه أو وديعتك أو قراضك فالقول قوله». الوكيل والمودع والمقارض مؤتمنون على ما بأيديهم، وما قاموا به فعل خير، وهو لمنفعة المالك أو لهم وله، فإذا قال واحد منهم إنه رد ما وكل على بيعه، أو على حفظه، أو قال رددت رأس مال القراض فالقول قوله مع يمينه حيث ائتمنه صاحبه ولم يُشهد على تسليمه ما ذكر، فإن أشهد فهو دليل على أنه لم يأتمنه، فلا تبرأ ذمة الوكيل ومن معه مما هو عنده إلا بالإشهاد على رده، قال القرطبي: «كل مال قبض على وجه الأمانة بإشهاد لا يبرأ منه إلا بالإشهاد على دفعه لقوله تعالى: ﴿فَاشْهَدُوا﴾، فإذا دفع لمن دفع إليه بغير إشهاد فلا يحتاج إلى إشهاد إن كان قبضها بغير إشهاد، والله أعلم»، انتهى، ولم يتكلم المؤلف على الوكالة إلا في هذا الموضع عرَضا، بخلاف الوديعة والقراض فقد تقدما.

стр. 2193

• قوله: ٢٨ - «ومن قال دفعت إلى فلان كما أمرتني فأنكر فلان فعلى الدافع البينة وإلا ضمن». وإنما اختلف الحكم هنا عن سابقه لأن مدعي الدفع فيما سبق أمين عند من دفع إليه لا عند غيره، أما هنا فليس الأمر كذلك؛ فلا بد من البينة، ويدخل أيضا من بعث بمال صلة أو صدقة أو هبة لمعين، فأنكر المبعوث إليه تسلم ذلك، فعلى الرسول البينة وإلا غرم، بخلاف ما لو بعث إلى غير معين كالمساكين وطلاب العلم، وقيل إنما يضمن إن جرت العادة بالإشهاد على مثل هذا، وإلا فلا

стр. 2194

• قوله: ٢٩ - «وكذلك على ولي الأيتام البينة أنه أنفق عليهم أو دفع إليهم، وإن كانوا في حضانته صُدِّقَ في النفقة فيما يشبه». أمر ربنا بالإشهاد على تسليم أموال اليتامى لهم فقال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٦]، والإشهاد هذا «مستحب عند طائفة من العلماء فإن القول قول الوصي لأنه أمين، وقالت طائفة هو فرض، وهو ظاهر الآية،،،»، قاله القرطبي، والأيتام إما أن يكونوا في حضانة المنفق عليهم أو لا، فإن كانوا في حضانته وخالفوه في أصل الإنفاق أو في مقداره فالقول قوله فيما أنفق عليهم مما يشبه، لعسر الإشهاد على ذلك، ومفهومه أنه لا بد من الإشهاد على تسليم أموالهم إليهم وإلا ضمن، وكذلك إذا لم يكونوا في حضانته فإن عليه البينة فيما أنفق عليهم ولا بد، ولو طال الزمن بعد بلوغهم، وقيل إن طال قُبل قوله مع يمينه، ومثل الوصي فيما ذكر مقدم القاضي والحاضن والكافل، وعلم من هذا أن ولي غير الأيتام كالمحجور إما أن يطالب بالبينة على الإنفاق على الأصل أو من باب أولى.

стр. 2195

• قوله: ٣٠ - «والصلح جائز إلا ما جر إلى حرام، ويجوز على الإقرار والإنكار». بعد أن ذكر ما يقضى به من الشهادة بأنواعها، واليمين ابتداء وردا ذكر هنا الصلح لأن الأصل القضاء، والصلح استثناء حيث كان القضاء شرعيا، أما إن كان القضاء ليس كذلك فإن الصلح هو الأصل. وكلامه هو معنى حديث رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي هريرة ﵁ ولفظه: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا»، وهو في الترمذي نحوه من حديث عمرو بن عوف. والصلح في اللغة قطع المنازعة بين المتخاصمين، حض الله عليه بقوله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾، وقال تعالى:، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ (١)﴾ [الأنفال: ١] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحُجُرات: ١٠]، وحكمه عند جمهور العلماء الاستحباب، وهو المراد بقول المؤلف جائز، وكثيرا ما يكون الصلح خيرا من الحكم لأنه يؤدي إلى قطع النزاع ظاهرا وباطنا، بخلاف الحكم فإنه على الظاهر، وقد يكون المحكوم عليه غير مستحق لما حكم له به كما قال النبي ﷺ : «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فَأَقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار»، رواه مالك أول كتاب الأقضية، وهو في الصحيحين عن أم سلمة. وقد كتب عمر لأبي موسى: «رد الخصوم حتى يصطلحوا فإنَّ فَصْلَ القضاء يُحْدِثُ بين القوم الضغائن»، رواه البيهقي، وانظر تفسير القرطبي (٥/ ٣٨٤)، وفي الحديث: «ألا أدلك على صدقة يحب الله موضعها؟ تصلح بين الناس فإنها صدقة يحب الله موضعها»،

стр. 2196

وهو في صحيحة الألباني برقم (٢٦٤٤). وقد حده ابن عرفة بقوله: «انتقال عن حق أو دعوى بعوض لرفع نزاع، أو خوف وقوعه»، انتهى، فيدخل في قوله انتقال عن حق الإقرار، أي فيما إذا أقر أحد الخصمين للآخر بحقه، ومع ذلك طلب الصلح، ويدخل في قوله أو دعوى الصلح على الإنكار، وخرج بقوله بعوض الانتقال بغير عوض، فلا يسمى صلحا عندهم، وقوله أو خوف وقوعه يدخل فيه صلحا الإقرار والإنكار لصلاحية ذلك لكل منهما، لكن صلح الإقرار متفق عليه بخلاف صلح الإنكار. فمثال الصلح على الإقرار أن يقر له بأن البيع كان بعرض أو حيوان، ثم يتصالحان على أخذ دراهم بدله، فهذه معاوضة صحيحة يعتبر فيها ما يعتبر في البيع مما يحل ويحرم، وكذلك إذا كان إجارة أو هبة بأن وقع الصلح على بعض ما أقر به، فينبغي توفر الشروط المعتبرة في كل ذلك. ومثال الصلح على الإنكار أن تتوجه اليمين إلى أحد المتخاصمين فيفتدي منها بالمال، ولو علم براءة نفسه، قال في المدونة في كتاب الأيمان والنذور: «ومن لزمته يمين فافتدى منها بمال جاز ذلك»، انتهى، وإنما نص المؤلف على الصلح على الإنكار لأن من أهل العلم من منعه من أهل المذهب وغيره كالشافعي، لكونه من أكل أموال الناس بالباطل، وأهل المذهب يقولون إن فيه سقوط الخصومة واندفاع اليمين عن المنكر، ويدل عليه عموم قوله ﷺ : «الصلح جائز بين المسلمين»، لكن هذا الجواز منظور فيه إلى العقد والظاهر فقط، أما في واقع الحال والباطن فالأمر مختلف، فإنه إن كان المنكر صادقا وعلم بذلك خصمه فلا يحل لخصمه أخذ شيء مما وقع الصلح عليه، لأن الصلح كالحكم في أموال الناس وقد تقدم الحديث بأن حكم الحاكم لا يحل الحرام ولا يحرم الحلال في الباطن. ومثال الصلح الذي يحلل الحرام الصلح على الدَّيْنِ المشروع بخمر أو خنزير، ومثال الصلح الذي يحرم الحلال الصلح على ثوب بسلعة بشرط أن لا ينتفع بها، أو بثمر قبل بدو صلاحه لا على شرط الجذ، وكمصالحة امرأته على أن لا يطأ ضرتها، أو لا يقسم

стр. 2197

لها، فمعنى يحرم الحلال ويحلل الحرام أي في زعم المتصالحين بناء على شروط الصلح. وإذا وقع الصلح مستوفيا لشروطه كان لازما ولا يجوز نقضه ويملك المصالح ما صالح عليه إلا إذا اتهم بسرقته، وينقض إذا أقر الظالم ببطلان دعواه، أو شهدت بينة للمظلوم بعد الصلح لا علم له بها على ما تقدم في الفقرة السادسة. واعلم أن الإصلاح بين الناس في هذا الزمان قد ازدادت أهميته الشرعية عما كان عليه حين كان الحكام قائمين على تطبيق أحكام الله بين الناس، فهو اليوم مندرج في التقليل من الحكم بغير ما أنزل الله، بل هو من وسائل استعادة هذا الحكم لو أولاه أهل العلم عنايتهم، واستغلوا ما هو متاح لهم من الوسائل، بل يتجه القول بان الصلح اليوم واجب على من قدر عليه، وواجب على المتخاصمين قبل ذلك، إذ يمتنع من حيث المبدأ لجوؤهم إلى المحاكم متى علموا أنها لا تحكم في الأمر المتنازع فيه بحكم الله تعالى، إلا إذا تعذر على المؤمن الوصول إلى حقه عن طريق الصلح، فيجوز له أخذ حقه المقرر شرعا لا الزيادة عليه، فهذا زيادة على ما في الصلح من المنافع والمصالح كالتخفيف عن المحاكم لو كانت شرعية وتجنيب الناس طول الفصل في المسائل التي يتقاضون فيها، وما في ذلك من اضطرارهم إلى توكيل من يدافع عنهم وما يلزم من صرف الأموال في ذلك، وقد كثرت الوسائط كالمحامين والمحضرين القضائيين ونفقات التقاضي وطول أمد الفصل في النزاعات، وهذا لو كان الحكم يجري بما أنزل الله، والصلح وإن كان بعض الدعاة وغيرهم يقومون به فرادى فإنه غير كاف، ولا مؤثر تأثير الصلح الذي تقوم عليه الهيآت، فينبغي إنشاؤها، ولا يسع المقام ذكر هذه الفروق، وقد ذكرت شيئا من هذا في كتاب عن الحزبية في ص (٤٧) إلى (٥٠). فإن قلتَ: إن العلماء قد اختلفوا في لزوم التحكيم كما قال الشافعي ﵁: التحكيم جائز غير لازم، قال لأنه لا يقدم آحادُ الناس الولاةَ والحكامَ، ولا يأخذ آحاد الناس الولاية من أيديهم»، انتهى، وخالفه مالك ﵀ فقال: «إذا حكَّمَ رَجُلٌ رَجُلاً فَحُكْمُهُ مَاضٍ، وإذا رُفِع إلى قاض أمضاه إلا أن يكون جَوْرًا بَيِّنًا»، انتهى، وانظر أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٦٢٢)، فالجواب: أن كلام العلماء ينبغي أن ينزل منزلته، وأن ينظر إليه في محيطه، وما

стр. 2198

رمى إليه قائله، وإلا كان تحريفا له، فالشافعي ﵀ قصد الاحتياط لمنزلة الحاكم في إقامة شرع الله، فإذا غلب على الأحكام أن تتم عن طريق الصلح والتحكيم كان في ذلك افتيات عليه، وقد يؤدي إلى التفريط في الأحكام فتتناسى بسبب التنازل عنها عن طريق الصلح، لكن هذا إنما يكون إذا كان ولاة المسلمين قائمين بالحكم الشرعي حامين لبيضة الإسلام، ولا يخفى ما عليه المسلمون من التفريط في هذا المقام. وإذا كان التحكيم قد شرعه الله تعالى لما فيه من مصلحة للحاكم نفسه وللقاضي، إذ فيه تخفيف عنه، فإن فيه أيضا مصلحة للمتخاصمين حيث يجتنبون مشقة الترافع إليه، وانكشاف الأسرار التي يَحْسُنُ أن لا تذاع، والمحاكمات في هذا العصر تجري في العلن، ومن ذلك إمكانية التعافي في الحدود قبل بلوغها للحاكم لو كان الحكم الشرعي قائما، فلهذا قال العلماء إن أصله الجواز، ولقول النبي ﷺ : «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو حلل حراما، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو حلل حراما»، رواه الترمذي وابن ماجة عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده، وقال الترمذي حسن صحيح، وبعضه عند أحمد وفي سنن أبي داود والحاكم عن أبي هريرة وقد تقدم، لكن حكمه اليوم الوجوب للسبب الذي علمت، لاسيما إذا اجتهد المؤمنون ليطالبوا الحكام بتوثيق ما وقع عليه الصلح حتى يصير غير مختلف عن الحكم القضائي من حيث التنفيذ، وقد وجد هذا الذي كنت أطالب به، إذ أحدث في القضاء عندنا شيء من هذا القبيل، لكن المدار على من انتدبوا للإصلاح بين الناس هل يعرفون الشرع؟، الظاهر خلافه، فلم يخرج الأمر عن مخالفة حكم الله قضاء أو صلحا، والله أعلم

стр. 2199

• قوله: ٣١ - «والأَمَةُ الغَارَّةُ تتزوج على أنها حرة فلسيدها أخذها وأخذ قيمة الولد يوم الحكم له». مرد هذا إلى قول رسول الله ﷺ : «من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به، ويتبع البَيِّعُ من باعه»، رواه أبو داود (٣٥٣١) من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب، لكن له شواهد صحيحة، والمراد بالبيع بفتح الباء والياء المكسورة المشددة المشتري، أي من اشترى شيئا بشبهة فوجده مالكه عنده فهو أحق به ويرجع مشتريه على من باعه بثمنه، قال الخطابي في معالم السنن (٣/ ١٦٦): «هذا في الغصوب ونحوها إذا وجد ماله المغصوب والمسروق عند رجل كان له أن يخاصمه فيه، ويأخذ عين ماله منه، ويرجع المأخوذ منه على من باعه إياه»، انتهى. والأَمَة إذا تزوجت من غير إذن سيدها فقد علمت أن نكاحها باطل، لقول النبي ﷺ : «أيما عبد نزوج بغير إذن أهله فهو عاهر»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر، وتزوج الأَمَة من غير إذن مالكها أشد مخالفة من تزوج العبد لكونه قد يكون ولي نفسه بخلافها، وقد تقدم هذا في النكاح، وذكر هنا أن الأمة إذا تزوجت حرا وغرته بأن أوهمته أنها حرة، فلسيدها أخذها أي استرجاعها ممن تزوجت منه، يعني فيفسخ نكاحها لوقوعه على الوجه غير المشروع، ولأنها لا تخرج عن ملك سيدها بذلك، والمرء إذا وجد ما يملك فهو أحق به، أما أخذ مالكها قيمة الولد فلأنه من أمته فهو ملك له أيضا، لكن لما دخل أبوه على أنها حرة فكان ولدا له، وكان يعتق عليه جبرا، جمع بين الحقين بذلك، وأما أن قيمته تكون يوم الحكم فلأنه اليوم الذي ثبت له الحق فيه ظاهرا، وقول المؤلف فله أخذها يدل على أنه يجوز له إبقاؤها زوجة، وفيه تفصيل، وقيل لا يأخذها وإنما يأخذ قيمتها، وعُلِمَ من هذا أن مالكها إذا أذن لها في الزواج والاستخلاف في الولاية، وإنما غرت بدعواها أنها حرة بالمقال أو بشاهد الحال، فهذه يقام على نكاحها، وإن اختلف في مقدار صداقها الذي يستمر عليه النكاح، أما إن أذن لها في النكاح لا في الاستخلاف فنكاحها يفسخ.

стр. 2200

• قوله: ٣٢ - «ومن استحق أَمَةً قد ولدت فله قيمتها وقيمة الولد يوم الحكم، وقيل يأخذها وقيمة الولد، وقيل له قيمتها فقط، إلا أن يختار الثمن فيأخذه من الغاصب الذي باعها». الاستحقاق والاستيجاب قريبان من السواء كما قال في لسان العرب، قال: استحق فلان الشيء إذا استوجبه، أي كان حقا له، ومن شأن الحق أن يطلب، واستحق الشيء على مشتريه أي ملكه عليه، وأخرجه الحاكم من يد مشتريه إلى من استحقه، وقد عرفوا الاستحقاق بأنه «رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله، أو حرية كذلك من غير عوض»، انتهى، ويظهر منه أن المالك الثاني للشيء قد ملكه بوجه فيه شبهة بخلاف نحو الغاصب والسارق، فهذا لا يدخل في باب الاستحقاق، وقد ذكر المؤلف فيمن استحق أَمَةً ملكها حر وولدت منه أقوالا ثلاثة رويت عن الإمام نفسه، و المشهور هو الاول. أولها: أن له أن يأخذ قيمتها وقيمة الولد يوم الحكم، ووجه ذلك أنها دخلت في ملك الثاني بوجه مشروع، إذ هو جاهل بكونها مغصوبة، أما وجه أخذ قيمة الولد فلأنه تَخَلَّقَ وهو حر حسب اعتقاد والده، وهذا هو المُعَوَّلُ عليه، ولمن استحقت عليه الرجوع على بائعها له بثمنها، لا فرق بين كون ما غرمه زائدا على ثمن الشراء أو مساويا أو أقل منه. والثاني: يأخذها ويأخذ قيمة الولد. والثالث: أن له أن يأخذ قيمتها فقط لفواتها بالولادة، ولا شيء له في ولدها لثبوت حريته، لكن إن اختار الثمن الذي اشتراها به من هي عنده من الغاصب فله أن يأخذه منه. وفي رسالة ابن أبي زيد نظائر لهذه المسألة التي فيها أقوال ثلاثة للإمام، وباقيها منْ ترك الفاتحة من ركعة، والتيمم لكل صلاة، وتغليظ الدية على الأب متى ضرب ابنه بحديدة، وكفن الزوجة على من يكون، وتقديم الظهر وتأخيرها، وقد ذكرها ابن ناجي في شرحه.

стр. 2201

• قوله: ٣٣ - «ولو كانت بيد غاصب فعليه الحد وولده رقيق معها لربها». الأقوال السابقة في الأَمَةِ المستحقة ممن وطئها بوجه مشروع، أما إن عثر عليها بيد غاصب أخذها قهرا من مالكها وحصل منه وطء فإنه يحد حد الزاني البكر أو المحصن، ويأخذها ربها مع الولد رقيقا، وحكم من اشتراها من الغاصب عالما بذلك حكم الغاصب.

стр. 2202

• قوله: ٣٤ - «ومستحق الأرض بعد أن عَمَرت يدفع قيمة العمارة قائما، فإن أبى دفع إليه المشتري قيمة البقعة براحا، فإن أبى كانا شريكين بقيمة ما لكل واحد». قوله «عمرت الأرض»، أي صارت عامرة، وهو مثلث الميم كنصر وكرم وسمع، وقد أفرد المصنف استحقاق الأَمَةِ بالذكر لما لها من الخصوصية، ثم ذكر بقية المستحقات ممثلا لها باستحقاق الأرض، وهي إما أن يكون من ملكها بشبهة قد عمرها بالبناء والغرس أولا، فإن لم يكن قد عمرها فالأمر واضح، وإن كان قد عمرها فالمستحق مخير بين ثلاثة أمور: فإما أن يدفع للمالك الثاني قيمة العمارة قائمة ويأخذ أرضه، وإما أن يدفع إليه المالك بالشبهة قيمة الأرض براحا، أي خالية مما عمرت به، فإن أبى كانا شريكين في الأرض المعمورة بنسبة ما لكل منهما، فالمستحق بنسبة أرضه غير معمورة، والمستحق منه بنسبة قيمة عمارته، ويقال مثل هذا فيمن ملك ثوبا بشبهة فرقعه، أو سيارة فأصلحها، أو دَارًا فجددها، وإنما ابتدئ بتخيير المالك الأصلي لأن ملكيته خالية من الشبهة، وإنما روعي في الاستحقاق قيمة العمارة لأن المالك الثاني أخذها بوجه مشروع، وكذلك لو اشتراها من يد غاصب غير عالم بالغصب، وقد استثنوا من هذا الأمر الأرض الوقف يبني فيها المالك بالشبهة، فإن حكمها نقض العمارة لا غير، لأن إعطاء قيمة العمارة يؤدي إلى بيع الوقف، ولأنه ليس لمالك الوقف شخص معين فيطالب بذلك، وقوله يدفع قيمة العمارة قائما هذا يكون على التأبيد إن كان الباني مشتريا مثلا، وقد يكون مغيا إذا كان الباني مستأجرا للأرض أو مستعيرا وحصل الاستحقاق قبل انتهاء مدة الاستئجار أو الإعارة. وقد روي أن أبا بكر الصديق ﵁ أقطع رجلا أرضا فأحياها وغرس فيها، ثم

стр. 2203

جاء آخر فاستحقها، ثم اختصما في ذلك إلى عمر ﵁، فقضى للأول أن يعطيه قيمة ما أحيا، فقال: «لا أفعل»، فقال للآخر: «أعطه قيمة أرضه بيضاء»، فلم يفعل، فقضى أن تكون الأرض بينهما: هذا بقيمة أرضه، وهذا بقيمة عمارته»، انتهى، ذكره النفراوي في شرحه على الرسالة، ولما أقف عليه.

стр. 2204

• قوله: ٣٥ - «والغاصب يؤمر بقلع بنائه وزرعه وشجره، وإن شاء أعطاه ربها قيمة ذلك الشجر والنقض ملقى بعد قيمة أجر من يقلع ذلك، ولا شيء عليه فيما لا قيمة له بعد القلع والهدم». روى مالك (١٤٢١) وأبو داود (٣٠٧٤) عن عروة بن الزبير عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق»، وعند أبي داود: «ولقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفؤوس، وإنها لَنَخْلٌ عُمٌّ، حتى أُخرجت منها»، نخل عم بضم العين وتشديد الميم هي التامة الطول، مفردها عميم، وقوله وليس لعرق ظالم حق»، العرق بكسر العين وسكون الراء، وروي بمفتوحتين، وقد ذكر الأخير زروق، ومعنى الأول أنه لا ينبنى على فعله حق، ومعنى الثاني أن تعبه وخدمته لا عبرة بها، كنى بالعرق عن ذلك، ولهذا يؤمر بقلعه إلا أن يرضى صاحب الأرض، ولا يعطى قيمة العمارة قائمة، بل مهدومة إن كانت لها قيمة سواء هدمت بالفعل أو لم تهدم، وأجر من يقلع ذلك على الغاصب. وإنما لم يكن للغاصب قيمة العمارة قائمة لأنه لا شبهة له في ملك الأرض، قال مالك ﵀ في تفسير عرق الظالم: «والعرق الظالم كل ما احتفر أو غرس أو أخذ بغير حق»، انتهى.

стр. 2205

• قوله: ٣٦ - «ويرد الغاصب الغلة ولا يردها غير الغاصب». سبق الكلام على شيء من هذا في باب الشفعة، ووعد المؤلف هناك باستيفاء الكلام عليه في الأقضية، وكلامه هناك كالمخالف لما هنا، فقد علمت أنه قال: «ولا يطيب الربح لغاصب المال حتى يرد رأس المال على ربه»، وظاهر كلامه هنا أن الغاصب ومثله السارق والخائن والمختلس وكل من لا شبهة له فيما اغتله يرد الغلة التي استوفاها من الذوات التي أخذها، إما يرد مثلها إن كانت مثلية معلومة الكم، كالأشجار التي يقطف ثمارها والأغنام يجز صوفها أو يستهلك ألبانها، فإن جهلت الكمية أو كانت مقومة رد القيمة كيفما كانت، وقد تقدم لك قول النبي ﷺ : «وليس لعرق ظالم حق»، ولأن أصل المال ليس له، فأشبه ذلك ما لو طالت الأشجار فإن أغصانها وثمارها للمالك، لكن أهل المذهب يجعلون الغلة ثلاثة أنواع لكل منها حكم: أولها غلة ما لا ينتفع به إلا بالاستعمال نحو الدواب والدور والأرض، فهذه لا يضمنها إلا باستعماله إياها، فلو عطل هذه المذكورات فلا تلزمه أجرتها في مدة استيلائه عليها، وثانيها غلة تنشأ من غير تحريك كثمر الشجر ولبن الأنعام وصوفها فهذه يردها من غير خلاف، وثالثها غلة هي ربح المال المغصوب، ومثله نماء البذر المغصوب بالنبات، فهذا لا يرد ما ترتب عليه قالوا لأنه مثلي فاللازم رد مثله، وفيه وجه آخر وهو أنه ناتج عن جهده وتحريكه. وإن كان المغصوب والمسروق ونحوهما يحتاج إلى نفقة فإن الغاصب يرد من الغلة الزائدَ على ما أنفقه على المغصوب بشرط أن لا تتجاوز الغلة إلى الذات المغصوبة، فإن لم يكن للشيء المغصوب غلة ضاعت النفقة على الغاصب، ولا يرجع بها في المغصوب لأنه ظالم بأخذه، وقوله ولا يردها غير الغاصب يعني كالمشتري والوارث، والمتهب غير العالم بالغصب، ودليله قول النبي ﷺ : «الخراج بالضمان»، رواه أصحاب السنن عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- وحسنه الترمذي، وقد تقدم بيان معناه.

стр. 2206

قال كاتبه: الظاهر رجحان القول بأن الغاصب ونحوه ممن لا شبهة له في الملك يرد الغلةَ بأنواعها، ولا يصح الاحتجاج بعموم قاعدة «الخراج بالضمان»، فيقال إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو قول الشوكاني في النيل، فإن هذا وإن كان حقا لكن المخصص موجود، وهو قول رسول الله ﷺ : «وليس لعرق ظالم حق».

стр. 2207

• قوله: ٣٧ - «والولد في الحيوان وفي الأَمَةِ إذا كان الولد من غير السيد يأخذه المستحق للأمهات من يد مبتاع أو غيره، ومن غصب أَمَةً ثم وطئها فولده رقيق، وعليه الحد». هذا من جملة ما اتفقوا على أنه لمالك الأصل، لأنه جزء من الأم لا غلة، فيرد معها، لأن حكم الولد حكم الأم في كونه ملكا لمن هي له، وقوله من غير السيد، قيدوا السيد بكونه حرا، ويدخل في غير السيد كل من ملكها بشبهة، وقد بينه بقوله من يد مبتاع أو غيره، يعني كالموهوب له، والمتصدق عليه، وقوله ومن غصب أَمَةً ثم وطئها،،، الخ قد تقدم بيانه، ولتكراره وجه، وهو أنه هنا غاصب من المالك، وهناك غاصب ممن ملكها بشبهة فلا فرق بينهما، ويضاف هنا بأنه لا صداق عليه، وإنما عليه أرش نقصها بسبب وطئه.

стр. 2208

• قوله: ٣٨ - «وإصلاح السُّفْلِ على صاحب السُّفْلِ، والخشبُ للسقف عليه، وتعليق الغرف عليه إذا وهى السفل وهدم حتى يصلح، ويجبر على أن يصلح أو يبيع ممن يصلح». صاحب السُّفْل بضم السين وسكون الفاء من يسكن تحت غيره سواء أكان ملاصقا للأرض أم لا، فإذا بنى أحد على بناء غيره فإن سُفْل البناء يكون إصلاحه على الذي تحته متى وَهَى، لأنه أرض للبناء الذي فوقه لا يمكن أن يقوم بدونه، وكذلك عليه الخشب الذي يعد للسقف، فإن حصل خلل في الغرف التي فوقه بسبب وهاء السفل فإن تدعيمها يكون عليه، فقوله وتعليق الغرف عليه معناه تدعيمها، لأن الضرر من جهته، فإن لم يصلح أجبر على الإصلاح، وإلا أجبر على البيع لمن يصلح.

стр. 2209

• قوله: ٣٩ - «ولا ضرر ولا ضرار». استدل المؤلف بهذه القاعدة على ما تقدم وعلى ما يأتي مما مثل به، وهي نص حديث رواه مالك في الموطإ (١٤٢٦) أول باب (القضاء في المرفق) عن عمرو بن يحي عن أبيه مرسلا، ووصله الدارقطني (ح/ ٨٥) في كتاب الأقضية من سننه عن أبي سعيد ﵁، ورواه الحاكم والبيهقي من حديثه، وهو في صحيح الجامع الصغير للألباني من رواية أحمد والبيهقي عن ابن عباس، ومن رواية الأخير عن عبادة. ومعنى الحديث منع الضرر من طرف واحد، ومن الطرفين على وجه المجازاة، وقيل إن الجمع بينهما توكيد، والحق أنهما متغايران بمعنى الفعل والمفاعلة، أي لا تضرن أحدا، ولا تضاره إن ضارك، وهو قاعدة عظيمة من قواعد الشرع الحنيف، وهي أن الضرر يزال، وقد جاء الوعيد الشديد والتهديد الأكيد للمضار والمشاق في قول رسول الله ﷺ : «من ضار أضر الله به، ومن شاق شق الله عليه»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة (جة/ ٢٣٤٢) عن أبي صرمة، وجاء ذلك في كتاب الله في غير موضع في مضارة الزوجة والورثة، قال الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ (١٢)﴾ [النساء: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ (٦)﴾ [الطلاق: ٦].

стр. 2210

• قوله: ٤٠ - «فلا يفعل ما يضر بجاره من فتح كوة قريبة يكشف جاره منها، أو فتح باب قبالة بابه، أو حفر ما يضر بجاره في حفره، وإن كان في ملكه». ما ذكره هنا كله داخل في الإضرار بالجار، وهو غير جائز، والكوة بفتح الكاف وضمها الطاقة، فإن كانت تكشف من الجار ما لا يجوز منع فتحها، وإن كانت مفتوحة على بستانه ففيها خلاف، والظاهر عدم المنع، ومن فتحها قضي عليه بسدها، وإن كانت سابقة على بيت الجار فلا يقضى بسدها، ولكن يمنع من التطلع على الجار منها، فإن كانت مرتفعة عن قامة المرء بحيث لا يمكن التطلع منها إلا بسلم لم يمنع من فتحها، وقال النبي ﷺ : «من ضيق منزلا أو قطع طريقا أو آذى مؤمنا فلا جهاد له»، رواه أحمد وأبو داود عن معاذ بن أنس، وكون الحديث فيه بيان عقاب المؤذي المؤمن لا يعني أن غير المؤمن يجوز ذلك معه، وتضييق المنزل وقطع الطريق يتجاوز المؤمن. ومما مثل به المؤلف للمضارة أن يفتح بابا قبالة باب جاره إن كانت السكة غير نافذة، ومعنى ذلك أن عموم الناس لا يمرون بها، قالوا بخلاف ما إذا أحدث حانوتا قبالة باب جاره فإنه يمنع منه ولو كانت السكة نافذة، لكون الحانوت سببا في اجتماع الناس قبالة بابه، وتطلعهم على ما في الدار عند فتحه، ومما ذكره أن يحفر بئرا أو غيره قريبا من جدار جاره فيتصدع بسببه. وهذه الأمور ونحوها صارت الدول تراعيها قبل الموافقة على الإذن بالبناء، كما يراعى الموضع المناسب لإحداث مواضع الحرف الفردية كالنجارة والحدادة والترصيص ومواد البناء حتى لا تسبب الإزعاج للسكان، وجرى العرف بتعليق الإخبار بذلك مدة ما وتلقي الاعتراضات قبل الموافقة، فيما يسمى بالمحاسن والمساوئ، أما المناطق الصناعية فيقضي التنظيم بفصلها عن العمران تماما وإلزام العاملين بتركيب الأجهزة والآلات المانعة من نشر تلوث الهواء والماء، وتقليل الأضرار، وكل هذه الأمور يعتبرها الشرع ويقرها وهي داخلة من غير شك في حديث لا ضرر ولا ضرار.
следующие страницы →