← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقال النبي ﷺ : «يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا» (١)، فأخذ منه بعضهم أن هناك صراطين، والذي يظهر خلاف ذلك لقوله يخلص المؤمنون من النار، والصراط يكون على النار، فهذا من تتمة الصراط، أو طرفه الذي يلي الجنة أورثنا الله إياها بمنه وكرمه.

стр. 247

(حوض النبي ﷺ -¬) • قوله: ٢٥ - «والإيمان بحوض رسول الله ﷺ ترده أمته، لا يظمأ من شرب منه، ويذاد عنه من بدل وغَيَّرَ». قال الحافظ في فتح الباري: «مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به أن الله قد خص نبيه محمدا ﷺ بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي، إذ روى ذلك عن النبي ﷺ من الصحابة ما ينيف على الثلاثين، منهم في الصحيحين ما ينيف على العشرين، وفي غيرهما بقية ذلك، مما صح نقله واشتهرت رواته، إلى أن قال: وأجمع على إثباته السلف وأهل السنة من الخلف، وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة، وأحالوه على ظاهره، وغلوا في تأويله من غير استحالة عقلية ولا عادية تلزم من حمله على ظاهره وحقيقته، ولا حاجة تدعو إلى تأويله، فخرق من حرفه إجماع السلف، وفارق مذهب أئمة الخلف» (١)، انتهى. والحوض هو مجمع الماء، جمعه حياض وأحواض، وقد أشير إلى أصل ماء حوض النبي ﷺ في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [سورة الكوثر]، والكوثر الخير الكثير، دلّت الصيغة بما فيها من الزيادة على كثرة ما اشتقت منه، وفي صحيح البخاري هم ابن عباس ﵄ قال: الكوثر الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه»، قال أبو بشر قلت لسعيد: إن أناسا

стр. 248

يزعمون أنه نهر في الجنة؟، فقال سعيد: «النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه». وجاء في صحيح مسلم عن أبي ذر أن الحوض يشخب فيه ميزابان من الجنة، يشخب يسيل، فيستدل به على أن الحوض ليس في الجنة، وقوى ذلك بعضهم بأنه يذاد عنه من بدل وغير، ومن كان كذلك لا يدخل الجنة. وعن أنس عن النبي ﷺ قال: «بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟، قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه مسك أذفر» (١)، فهذا أصل حوضه ﷺ ، وقيل هما حوضان داخل الجنة وخارجها وليس بجيد كما هو بين. ومما جاء في وصف الحوض قول رسول الله ﷺ : «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ أبدا»، وهو في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وقد روى الترمذي عن سمرة مرفوعا: «إن لكل نبي حوضا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة» (٢). وترد الحوض أمة نبينا محمد ﷺ ، ويذاد عنه أي يطرد ويبعد من بدل أو غَيَّرَ، وقد ورد هذا في جملة الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ من قوله ﷺ : «وأنا فرطهم على الحوض، فلا يذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم، ألا هلم، ألا هلم، فيقال: إنهم بدلوا بعدك، فأقول فسحقا، فسحقا، فسحقا» (٣). قال ابن عبد البر: «وكل من أحدث في الدين ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به؛ فهو من المطرودين عن الحوض والمبعدين، والله أعلم، وأشدهم طردا من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم، مثل الخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين

стр. 249

ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، وجميع أهل الزيغ والبدع، فهؤلاء كلهم مبدلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم، وتطميس الحق، وقتل أهله وإذلالهم، كلهم مبدل، يظهر على يديه من تغيير سنن الإسلام أمر عظيم، فالناس على دين الملوك، ورحم الله ابن المبارك فإنه القائل: وهل بدل الدين إلا المل … وك وأحبار سوء ورهبانها؟

стр. 250

(الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص) • قوله: ٢٦ - «وأن الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصها، فيكون فيها النقص، وبها الزيادة، ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة». ١ - مشمولات الإيمان: معنى الإيمان في اللغة التصديق قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]، وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤]، أي صدقنا، أما الإيمان في الشرع فهو تصديق الرسول ﷺ فيما جاء به من عند ربه بالاعتقاد والقول والعمل. وما قاله المؤلف من شمول الإيمان للاعتقاد والقول والعمل هو قول السلف، فهو عندهم اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان. قال الإمام القاسم بن سلام المتوفى سنة (٢٢٤) في كتابه المسمى (الإيمان ومعالمه وسننه واستكماله ودرجاته): «اعلم أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين، فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب، وشهادة الألسنة، وعمل الجوارح، وقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بالقلوب والألسنة، فأما الأعمال فإنها تقوى وبر، وليست من الإيمان، وإذا نظرنا في اختلاف الطائفتين وجدنا الكتاب والسنة يصدقان

стр. 251

الطائفة التي قالت الإيمان بالنية والقول والعمل جميعا، وينفيان ما قالت الأخرى»، انتهى. وإذا ذكر عن السلف أن الإيمان قول وعمل؛ فالمراد انضمامهما إلى الاعتقاد الذي هو الأصل، أو يريدون بالقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، وبالعمل ما هو أعم من عمل القلب والجوارح، فتدخل الاعتقادات وغيرها. وذهب المرجئة إلى أن الإيمان اعتقاد ونطق فحسب، ووافقهم الماتريدية في ذلك، لكنهما افترقا، فالأولون لا يضر عندهم مع الإيمان معصية، والآخرون وإن لم يدخلوا العمل في مسمى الإيمان إلا أنهم يرون أن المعاصي يعاقب عليها الإنسان، فالتقوا مع السلف في ضرر المعاصي، وخالفوهم في اعتبار الأعمال من الإيمان. وذهب المعتزلة إلى أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، فوافقوا السلف في هذا، لكنهم اعتبروا مرتكب الكبيرة ليس مؤمنا ولا كافرا، وهو عندهم مخلد في النار. وذهب الكرامية إلى أنه النطق فقط، فالمنافق على قولهم مؤمن، لكنهم قالوا بنفوذ الوعيد فيه، وهذه الأقوال فاسدة، وفسادها متفاوت، وأشدها فسادا قول الجهم بن صفوان الذي زعم أن الإيمان هو المعرفة القلبية، ويلزم عليه أن يكون بعض الكفار مؤمنين، وهذا مناقض لكلام الله، قال تعالى في فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. واعلم أنه قد صح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «اليقين الإيمان كله»، ولا متمسك فيه لمن ذهب إلى أن الإيمان هو مجرد التصديق لعدة اعتبارات، منها الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة على دخول الأعمال في الإيمان، ومن ذلك قول النبي ﷺ : «الإيمان بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» (١)، وأثرابن مسعود مع ذلك ليس فيه مخالفة لهذا القول، فإنه حصر الإيمان في اليقين باعتباره أصله وأهم أجزائه، ومن بلغ هذه الدرجة من التصديق انبعثت جوارحه للعمل بلا شك، فإن الإذعان القلبي يتعذر معه عدم العمل، ولا يستثنى من ذلك إلا من

стр. 252

عاجلته المنية عقب إيمانه، وقد سفيان الثوري: «لو أن اليقين وقع في القلب كما ينبغي لطار اشتياقا إلى الجنة وهربا من النار»!!. ٢ - زيادة الإيمان ونقصانه: يلزم من دخول الأعمال في الإيمان زيادته ونقصانه، وهذا هو قول السلف، فقد روى اللالكائي بسنده عن البخاري أنه لقي أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، قال فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص. وأدلة زيادة الإيمان من الكتاب والسنة متكاثرة منها قول الله ﵎: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]، ومنها جميع الأحاديث التي فيها نفي الإيمان عن العاصي حال معصيته، كالزاني، وشارب الخمر، والسارق، فإن المراد نفي الإيمان الكامل، فثبت بذلك نقصان الإيمان، ومن ذلك قول رسول الله ﷺ في تغيير المنكر بالقلب: «وذلك أضعف الإيمان» (١)، وهذه صيغة تفضيل، على أنه متى ثبتت الزيادة لزم منها إمكان النقص، ومتى ثبت النقص لزم منه إمكان الزيادة، والله أعلم. قال القاضي عبد الوهاب: «إلا أن زيادته بالطاعة ونقصانه بالمعصية لا يبلغ به نقصان ارتفاع بالجملة، حتى ينتفي اسمه وحكمه، فيكون من به التصديق مقارنا للمعاصي بالجوارح كافرا»، انتهى. وإذا ثبت بهذا زيادة الإيمان ونقصانه باعتبار الطاعات والمعاصي؛ فليعلم أن التصديق نفسه يتفاوت، كما يتفاوت العلم بالأشياء، فإن المرء يجد هذا من نفسه، ولا يعتبر هذا شكا، ومن الأدلة على ذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ فسألوه: «إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به»، قال: وقد وجدتموه؟، قالوا: نعم، قال: «ذاك صريح الإيمان»، وفي صحيح مسلم عنه أيضا قال، قال رسول الله ﷺ : «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟،

стр. 253

فمن وجد من ذلك شيئا فليقل: آمنت بالله». ولا ريب أن المرء حال الوسوسة لا يكون في نفس الدرجة التي يكون عليها دونها، لكنها الوسوسة العابرة، أما المستقرة فتحتاج إلى دفع. وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال في بيان الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، والفرق موجود بين عبادة المؤمن ربه كأنه يراه، وبين عبادته وربه يراه، ومن خلا من الأمرين، وقال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحُجُرات: ١٤]، قال ابن رجب ﵀ في كتابه جامع العلوم والحكم: «وأما إذا نفي الإيمان عن أحد، وأثبت له الإسلام كالأعراب الذين أخبر الله عنهم، فإنه ينتفي رسوخ الإيمان في القلب، وتثبت لهم المشاركة في أعمال الإسلام الظاهرة، مع نوع إيمان يصحح لهم العمل، إذ لولا هذا القدر من الإيمان لم يكونوا مسلمين، وإنما نفي عنهم الإيمان لانتفاء ذوق حقائقه، ونقص بعض واجباته، وهذا مبني على أن التصديق القائم بالقلوب متفاضل، وهذا هو الصحيح»، انتهى، قلت: وعلى هذا أبو جعفر بن جرير الطبري وابن كثير في تفسيريهما، وذهب فريق من العلماء إلى أن آية الحجرات نزلت في المنافقين منهم البخاري ﵀. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وقال النبي ﷺ لحنظلة الأسيدي ﵁: «لو تدومون على ما تكونون عليه عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وطرقكم ولكن ياحنظلة ساعة وساعة» (١). ٣ - علاقة القول بالعمل والنية: الربط بين القول والعمل والإخلاص ومتابعة السنة قد كثر ذكره عند أهل العلم المتقدمين ﵏ منهم الحميدي في عقيدته إذ قال: «ولا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل وقول إلا بنية، ولا قول وعمل بنية إلا بسنة»، ومنهم الأوزاعي: «لا يستقيم الإيمان إلا

стр. 254

بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بالنية موافقة للسنة». أ - قوله: «ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل»، العمل شرط في صحة الإيمان، وهو الذي تظافرت عليه أقوال السلف، وسبق أن أوردت ما رواه اللالكائي عن البخاري، فكل من الاعتقاد والقول والعمل داخل في الإيمان، وقال الشارح أبو الحسن: قيل معناه لا يصح، ثم قال: "وقيل الكمال في كلامه على ظاهره"، والحق هو الأول كما علمت. ب - وقوله: «ولا قول ولا عمل إلا بنية»، المراد بالنية هنا الإخلاص لله في العمل، ويقابله الرياء، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وهي هنا أيضا القصد إلى العبادة، ولذلك يحمل نفي الكمال هنا على نفي الصحة، فيما كان من الأقوال والأعمال مشترطا فيه النية، وقد قال ﵊: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١)، وهو في الصحيحين عن عمر، ومن تلك الأعمال طهارة الحدث، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والأضحية، ونحوها، والنية فيها إما لتمييزها عن العادة، كالذبح يكون للحم، ويكون للأضحية، وللعقيقة، والنذر، وإخراج المال يكون صدقة تطوع، ويكون زكاة واجبة، وإما لتمييز ذاتها عن غيرها، كوجوب نية الصلاة المعينة، وهي كونها ظهرا، أو عصرا، وأداء، أو قضاء. ومن الأعمال ما لا تتوقف صحته على النية كرد الودائع، والمغصوبات، وتسديد الديون، وإخراج النفقات الواجبة للزوجة والأولاد والأبوين، فهذه ونحوها إذا فعلها المكلف برئت ذمته، لأن النية ليست شرطا في صحتها، وقد قالوا إنها ليس فيها أجر، إذا لم يستحضر فاعلها امتثال ما هو به مأمور، وفي هذا القول نظر. وكذلك ترك المحرمات لا يؤجر التارك إلا إذا تركها امتثالا، فقد قالوا في تعريف المحرم إنه ما يعاقب على فعله، ويثاب على تركه امتثالا، قال صاحب المراقي: وليس في الواجب من نوال … عند انتفاء قصد الامتثال فيما له النية لا تشترط … وغير ما ذكرته فغلط

стр. 255

ومثله الترك لما يحرم … من غير قصد نعم فذا مسلم ومما يدل على أن النفقات الواجبة يؤجر عليها المرء بالنية حديث الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري مرفوعا: «نفقة الرجل على أهله صدقة» (١)، فإنه قد قيد في رواية بالاحتساب، وكذلك النفقة المشروعة عموما، فقد قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلا أجرت عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك» (٢)، فقيد الأجر بابتغاء وجه الله. وقد يكون في إطلاق القول بأن الأعمال المطلوبة التي ليست النية شرطا في صحتها لا يؤجر عليها المسلم إلا بالنية نظر، فإن الذي يظهر أن ثبوت الأجر الأصلي الذي على العمل المطلوب يكون بمجرد فعله، إذا لم تكن النية شرطا فيه، فإن الواجب وكذا المندوب في فعلهما الثواب، وفي ترك الواجب العقاب، أما الأجر المقيد الحصول عليه بالاحتساب؛ فإنه القدر الزائد الذي يناله إن هو قصد الامتثال، فإن هذا القصد يجعل العمل ولو مباحا فيه الأجر، وقد قال النبي ﷺ : «وفي بُضع أحكم صدقة، قالوا: أياتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» (٣)، فناط النبي ﷺ اعتبارها صدقة بمجرد كون الفعل مباحا حلالا، فإذا كان الأجر يحصل بفعل المباح الفطري الجبلي الذي تتقاضاه طبيعة الإنسان، فكيف بفعل الواجب الشاق الذي لا تتقاضاه، بل يحمل المرء نفسه عليه حملا؟، وقد ساق النبي ﷺ إتيان الشهوة مع التسبيح، والتحميد، والتكبير، وهي عبادات مساقا واحدا، ويتأيد هذا بكون المسلم حين أسلم قد دخل على المشروع من الأفعال دخولا عاما، من كونها مأذونا فيها، فيؤجر على كل ما يفعل، فكيف بالواجبات؟. قال سليمان الداراني: «من عمل خيرا من غير نية كفاه نية اختياره الإسلام على غيره

стр. 256

من الأديان»، انتهى، والله أعلم. وللشيخ علي الصعيدي العدوي هاهنا تعليق على كلام الشارح أبي الحسن يحسن إثباته، قال: «ولا يخفى أن حمل النية على القصد لا يناسب، لأن هذا الحمل من باب الفروع، ولم يكن الكلام فيها، فالمناسب أن يحمل على الإخلاص، أي لا يصح قول ولا عمل إلا بإخلاص، فقد قال الفاكهاني بعد قول المصنف إلا بنية ما نصه: «أي مخلصة لله ، والإجماع على أن الإخلاص في العبادات فرض، وهو أن يبتدئ الأعمال لله، فإن ابتدأ العمل لغير الله فسد باتفاق، فإذا ابتدأه لله وأحب أن يحمد عليه فلا يضره ذلك، وإذا ابتدأه لله ثم اطُلع عليه فأتمه لغير الله ولم يدفع ذلك عن قلبه، فما بعد يبطل باتفاق، وما قبل قولان، والمشهور البطلان، وأما إذا دفع ذلك فلا بطلان باتفاق»، انتهى ملخصا. ج - وقوله: «ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة»، المراد بالسنة هنا الشرع كله، وهو إطلاق شائع عند السلف، ومرد الشرع إلى الكتاب، وهو أصل الأدلة، ثم السنة فإنها مبينة للكتاب تخصص عامه، وتقيد مطلقه، وتبين مجمله بما فيها من أقوال وأفعال وتقريرات، كما تنفرد بالتشريع، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ [النحل: ٦٤]، ثم الإجماع والقياس بشرطهما. فينبغي للمؤمن أن لا يعبد الله تعالى بقول أو فعل أو قصد ونية إلا ما كان منه موافقا للسنة، والعبادات تكون أقوالا وأفعالا واعتقادات، فلا يصح شيء منها إذا خالف السنة، فإن الله تعالى لا يعبد إلا بما شرع، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، والقفو الاتباع، وحرم الله تعالى القول عليه بلا علم، بل جعله فوق الإشراك به فقال تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا

стр. 257

فهو رد» (١)، وقال أيضا: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» (٢). وقال الله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، قال ابن كثير: «ولم يقل أكثر عملا، بل أحسن عملا، ولا يكون العمل حسنا حتى يكون خالصا لله ، على شريعة رسول الله ﷺ ، فمتى فقد العمل واحدا من هذين الشرطين حبط وبطل». وما أحسن ما قال تافضيل بن عياض ﵀ عن آية سورة الملك: «أحسن عملا؛ أخلصه وأصوبه»، قالوا: «ما أخلصه وأصوبه»؟، قال: «إن العمل إذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، وإذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص ما ابتغي به وجه الله، والصواب: ما كان على السنة». هذا، وقد أمر رسول الله ﷺ باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، كما في حديث العرباض بن سارية - وهو في سنن الترمذي وقال حسن صحيح - قال: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال:» أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (٣). وعطف سنة الخلفاء الراشدين على سنته يدل على أنها ليست هي، فإن العطف يقتضي المغايرة، وقد اختلف في المراد منها، ولا ريب أن ما اجتهدوا فيه، وسكت عليهم باقي الصحابة يدخل في هذا المقام، ويستبعد أن يكون المراد من سنتهم ما اتفق عليه جميع الخلفاء، فإن هذا لا يكون حتى يموتوا، وقبل الولاية لم يكن الخليفة معروفا، وإنما قلنا بالمغايرة لأنه نظير قول النبي ﷺ عندما سئل عن الفرقة الناجية، فقال: «ما أنا عليه

стр. 258

وأصحابي» (١)، ومن المتعذر أن يكون المراد ما عليه أصحابه في حياته، فإنه لا كلام لهم معه فيما الشأن فيه التوقيف، ولا يُحتاج إلى الإجماع في حياته، ولذلك قيد الإجماع بكونه بعد موته ﷺ ، والمقصود أنه لو كان المراد بسنة الخلفاء الراشدين ما نقل عنه ﷺ من الأقوال والأفعال والتقريرات ما ساغ نسبة ذلك للخلفاء، فكأنه قال عليكم بسنتي، وسنتي. ومن العجب أن يعدل الإمام ابن حزم عن هذا الأمر الظاهر، فيتأول في فهم الحديث على غير عادته، ومما قاله ﵀ في هذا المقام: «قد علمنا أنه ﷺ لا يأمر إلا بما يقدر عليه، وجدنا الخلفاء الراشدين من بعده قد اختلفوا اختلافا شديدا، فلا بد من ثلاثة أوجه لا رابع لها: إما أن نأخذ بكل ما اختلفوا فيه، وهذا باطل، أو نأخذ بأي ذلك شئنا، وهذا خروج عن الإسلام، والثالث أخذ ما أجمعوا عليه وليس ذلك إلا فيما أجمع عليه سائر الصحابة، والرابع أن يكون أمر باتباعهم في اقتدائهم بسنته ﷺ فهكذا نقول، ليس يحتمل هذا الحديث غير هذا الوجه أصلا» (٢). ولا يخفى عنك أن قوله: «والثالث أخذ ما أجمعوا عليه، وليس ذلك إلا فيما أجمع عليه سائر الصحابة»؛ معارضة للنص بمحض الرأي، فضلا عن كون الأمر باتباع سنتهم منوطا بوصف الخلافة، فلو قيل إن ذلك هو ما أجمعوا عليه لما تأتى امتثال هذا الأمر إلا بعد تولي آخرهم الخلافة، أما ما اختلفوا فيه فإن كان اجتهادا منهم في غيبة الدليل؛ فمن أخذ باجتهاد أي منهم كفاه. ومثله العلامة الشوكاني فإنه قال في إرشاد الفحول تعليقا على حديث: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهديتم» (٣) «على أنه لو ثبت من وجه صحيح لكان معناه أن مزيد علمهم بهذه الشريعة المطهرة الثابتة من الكتاب والسنة، وحرصهم على اتباعها، ومشيهم على طريقتها؛ يقتضي أن اقتداء الغير بهم في العمل بها واتباعها هداية كاملة، حتى لو قيل لأحدهم: لم قلت كذا؟، لم فعلت كذا؟، لم يعجز عن إبراز الحجة من الكتاب والسنة،

стр. 259

ولم يتلعثم في بيان ذلك، وعلى مثل هذا الحمل يحمل ما صح عنه ﷺ من قوله: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (١)، وما صح عنه من قوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الهادين» (٢)، اعرف هذا واحرص عليه، فإن الله لم يجعل إليك ولا إلى سائر هذه الأمة رسولا إلا محمدا ﷺ ولم يأمرك باتباع غيره، ولا شرع لك على لسان واحد من أمته حرفا واحدا». وهذا كلام فيه كثير من الحق، لكنه ليس كافيا في فهم معنى الحديث، بل فيه شيء من التعطيل له، نعم إنهم بحكم ملازمتهم للنبي ﷺ ومعاصرتهم للوحي يفهمون من تصرفاته ومقاصده ما لم ينقلوه نقلا، فإن أبا بكر الصديق لم يكن من المكثرين للرواية عن النبي ﷺ ، ومع ذلك فإنه لا يكاد يعثر له على شيء خالف فيه السنة ﵁. وقد روى ابن عبد البر في الاستذكار، باب ترك الوضوء مما مست النار، آثارا تدل على هذه المزية التي لأبي بكر وعمر، منها أن مكحولا كان يتوضأ مما مست النار، حتى لقي عطاء بن أبي رباح، فأخبره عن جابر أن أبا بكر الصديق أكل ذراعا أو كتفا ثم صلى ولم يتوضأ، فترك مكحول الوضوء، فقيل له: أتركت الوضوء؟، فقال: لأن يقع أبو بكر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يخالف رسول الله ﷺ . وذكر عن مالك بن أنس ﵁ قوله: «إذا جاء عن النبي ﵇ حديثان مختلفان وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر، كان فيه دلالة على أن الحق فيما عملا به». فلو كان الأمر على ما ذهب إليه هذا الإمام لما كان للخلفاء الراشدين مزية على بقية الصحابة، فكيف يصنع بوصف الخلافة وهو قدر زائد على وصف الصحبة؟، وكيف يصنع بحديث الأمر بالاقتداء بالعمرين، وقد خصهما من بين الصحابة بذلك؟، فجعل الشوكاني الأحاديث الثلاثة كلها أمرا واحدا إذ سوى بين من فاضل بينهم في هذا الأمر رسول الله ﷺ .

стр. 260

ثم لا يخفى أن الأمر في قوله ﷺ : «فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي»، وفي قوله: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» موجه لأصحابه أنفسهم، إن لم يكن خاصا بهم، على أن يدخل غيرهم معهم بالقياس، وإذا كان الأمر موجها إليهم أصالة فكيف بغيرهم؟. قال ابن القيم: «ونحن نشهد الله علينا شهادة نسأل عنها يوم القيامة أنه إذا صح عن الخليفتين الراشدين اللذين أمرنا رسول الله ﷺ باتباعهما والاقتداء بهما قول وأطبق أهل الأرض على خلافه لم نلتفت إلى أحد منهم». وقال الإمام ابن تيمية: تعليقا على حديث العرباض: «فهذا أمر وتحضيض على لزوم سنة الخلفاء وأمر بالاستمساك بها، وتحذير من المحدثات المخالفة لها، وهذا الأمر منه والنهي؛ دليل بين في الوجوب، ثم اختص من ذلك قوله: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»، فهذان أمر بالاقتداء بهما، والخلفاء الراشدون أمر بلزوم سنتهم، وفي هذا تخصيص للشيخين من وجهين: أحدهما أن السنة ما سنوه للناس، وأما القدوة فيدخل فيها الاقتداء بهما فيما فعلاه مما لم يجعلاه سنة، أن السنة أضافها إلى الخلفاء لا إلى كل منهم، فقد يقال (إما) ذلك فيما اتفقوا عليه، دون ما انفرد به بعضهم، وأما القدوة فعين القدوة بهذا وبهذا وفي هذا الوجه نظر» (١). قلت: قد سبق القول بأن هذا الأمر لو كان منوطا بما اتفقوا عليه جميعا؛ لتعذر العمل على وفقه إلا بعد تولي علي ﵁ الخلافة؛ فضلا عن غيره، إذ وصف الخلافة لم يكن معروفا لهم إلا بعد أن تولوها، فيكون الأمر بالتمسك بسنتهم ليس موجها إلا لمن عاش حتى تولى علي، ولعل هذا هو الذي جعل الإمام ابن تيمية يقول في آخر كلامه السابق: «وفي هذا الوجه نظر»، وما أحسن قول ابن القيم ﵀: «وبالجملة فما سنه الخلفاء الراشدون أو أحدهم للأمة فهو حجة لا يجوز العدول عنها» (إعلام الموقعين: ٢/ ٢٢٦).

стр. 261

(لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب) • قوله: ٢٧ - «وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة». عدم تكفير أهل القبلة بالذنب ورد في حديث رواه أبو داود عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل،،، الحديث»، سكت عنه المنذري ﵀، لكن فيه يزيد أبي نشبة وهو مجهول كما في التقريب. وأهل القبلة كناية عن المسلمين، فهؤلاء لا يخرج من الإسلام أحد منهم بارتكابه ذنبا من الذنوب فعلا أو تركا عند أهل السنة، إلا الجاحد لمعلوم من الدين بالضرورة من الواجبات والمحرمات والمباحات، أو فاعل ما يستوجب الردة مع انتفاء المانع من الحكم عليه بالكفر، قال البخاري ﵀: «باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك، لقول النبي ﷺ : «إنك امرؤ فيك جاهلية» (١)، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ومن الأدلة على ذلك ما تقدم من أن الإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، ومع ذلك فإن أصله عند أهل السنة لا يزول، ويدل على ذلك أيضا أن الله تعالى يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، بل يخرج منها من لم يعمل خيرا قط، ومن الأدلة على ذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ

стр. 262

وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]، فشمل الطائفتين المتقاتلتين بوصف الإيمان، مع أن الغالب أن تكون إحداهما باغية معتدية، وأمر بالإصلاح بينهما، ثم أمر بقتال الباغية، وأثبت مع ذلك للجميع الأخوة في الدين. والأجود التعبير الذي في العقيدة الواسطية وهو قوله: «لا يكفرون مسلما بمطلق الذنب»، وذلك لاختلافهم في تكفير تارك الصلاة عمدا من غير جحود، لكن حسب من تركها اختلاف المسلمين في كونه مسلما، وجمهور العلماء على عدم تكفيره بمجرد الترك، بل اعتبروه فاسقا، وظاهر معظم النصوص مع قول من كفره، منها قول النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» (١)، وروى الترمذي أيضا عن شقيق العقيلي قال: «كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة». ومن حجج الذين لا يكفرون من تعمد ترك الصلاة قول النبي ﷺ : «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، فإن شاء عذبه، وإن شاءأدخله الجنة» (٢). وثبت أن الله تعالى يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، بل ومن لم يعمل خيرا قط من الموحدين وقد تقدم، ومن المعلوم أن الكفار يخلدون في النار بالإجماع، فدل هذا الحديث على المقصود. وقد اعتبر المعتزلة مرتكب الكبيرة في المنزلة بين المنزلتين، فلا هو بالمؤمن ولا هو بالكافر في الدنيا، ومع ذلك فهو عندهم مخلد في النار في الآخرة، وهكذا الخوارج، وقد جاء التحذير الشديد والوعيد الأكيد لمن كفر مسلما، ومن ذلك قول النبي ﷺ : «من قال لأخيه ياكافر فقد باء بها أحدهما» (٣).

стр. 263

(الشهداء أحياء عند ربهم) • قوله: ٢٨ - «وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون، وأرواح أهل الشقاوة معذبة إلى يوم الدين». قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ [البقرة: ١٥٤]، فنهى أن يقال عمن قتلوا في سبيل الله إنهم أموات، كما نهى عن اعتبارهم أمواتا، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وقد اختلف الناس في تفسير هذه الحياة، حتى قال بعضهم إنها ما يكون لهم من الذكر الطيب وحسن الأحدوثة، وجعلها بعضهم حياة مادية كحياة الناس، والمجزوم به من هاتين الآيتين أنهم يختلفون فيما بعد الموت عن غيرهم من الناس، وحيث إن جميع من يموت؛ روحه باقية بعد مغادرة جسده، فلو كانت حياة الشهداء حياة روحية بحتة لما كان لهم هذه المزية، وحيث إن هذا أمر غيبي فيسلم له، ولا يبحث عن كيفيته، والله أعلم. ومما جاء في حياتهم هذه قول النبي ﷺ : «أرواح الشهداء في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل» (١)، قال مسروق أنا سألت عبد الله عن هذه الآية فقال: أما أنا فقد سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فذكره. فإن قيل جاء في حديث كعب بن مالك أن النبي ﷺ قال: «إنما نسمة المؤمن طائر

стр. 264

يعلق في شجر الجنة، حتى يبعثه الله إلى جسده يوم يبعثه» (١)، وفي حديث أم هانئ -رضي الله تعالى عنها- أنها سألت رسول الله ﷺ : «أنتزاور إذا متنا ويرى بعضنا بعضا»؟، فقال رسول الله ﷺ : «تكون النسم طيرا تعلق بالشجر، حتى إذا كانوا يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها» (٢)، فأي مزية للشهداء على بقية المؤمنين؟، فالجواب أن الفرق واضح بين المنزلتين المذكورتين لكل منهما في الحديثين، فأرواح الشهداء تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، وهذه منزلة رفيعة، وأرواح بقية المؤمنين تعلق أي تأكل في شجر الجنة، قال ابن القيم في النونية: لكن أرواح الذين استشهدوا … في جوف طير أخضر ريان فلهم بذاك مزية في عيشهم … ونعيمهم للروح والأبدان بذلوا الجسوم لربهم فأعاضهم … أجسام تلك الطير بالإحسان ولها قناديل إليها تنتهي … مأوى لها كمكامن الإنسان

стр. 265

(سؤال القبر) • قوله: ٢٩ - «وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويسألون: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة». الواقع في القبور أشياء: الفتنة، والعذاب، والضغطة، والمراد بالفتنة سؤال الملكين منكر ونكير الميت، واسمهما ثابت بالسنة، فلا التفات لقول المنكرين، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قبر الميت أو قال أحدكم؛ أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر، والآخر النكير،،،» (١). وفي الحديث الصحيح عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ قال: «إذا أقعد المؤمن في قبره أتي، ثم شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٢). ويسأل المؤمن والكافر والمنافق، فلا مفهوم لقوله «وأن المؤمنين يفتنون»، قال الشيخ أبو الحسن: «ظاهر كلام الشيخ أن الكافر لا يسأل، وهو كذلك عند ابن عبد البر، وقال القرطبي وابن القيم يسأل، واتفقوا على أن المنافق يسأل»، انتهى. قلت: والحق أن الجميع يسأل، فقد جاء في الصحيح عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان، فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟، لمحمد ﷺ ، فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه

стр. 266

عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما جميعا، قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره، ثم رجع إلى حديث أنس قال: وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟، فيقول لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين»!! (١). وقد جاء عن بعض التابعين قوله: إنما يفتن رجلان: مؤمن ومنافق، فلعل هذا كان مستند من ذهبوا إلى أن الكافر لا يسأل، مع كون سؤاله لا حاجة إليه في نظرهم، ولأن الحديث ورد في بعض رواياته: وأما الكافر أو المنافق على الشك من الراوي. وقد ثبت أن العبد يسأل عن ثلاثة: عن ربه، ودينه، ونبيه، فمن حديث البراء بن عازب ﵁ مرفوعا: «فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟، فيقول ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟، فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟، فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: ما علمك؟، فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به، وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة،،، الحديث (٢)، وقد ذكر فيه سؤال الكافر أيضا لكن دون ذكر السؤال عن الدين. وهذه الثلاثة التي يسأل عنها الناس في قبورهم هي التي قال فيها رسول الله ﷺ : «من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا، وبمحمد رسولا، وبالإسلام دينا؛ غفر له ذنبه» (٣). وأما عذاب القبر؛ فهو للكفار، ولبعض الموحدين ممن شاء الله تعذيبهم، وهو ثابت بالقرآن والسنة وإجماع السلف، فأما الكفار فقد قال تعالى في بعضهم: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦]، وقال

стр. 267

تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾ [الأنفال: ٥٠]، فهذا عذاب للكفار عند الوفاة، وفي حديث أبي هريرة وقد سبق طرف منه، أنه يقال للأرض التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» (١). وأما المؤمنون الموحدون؛ فيدل على تعذيب بعضهم قول النبي ﷺ : «لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر» (٢)، ووجه الدلالة منه أن المؤمن إنما يدفُن المؤمن غالبا، وقد يدفن الكافر أيضا، فلو كان المؤمن لا يعذب لزال المانع من دعائه ﷺ بإسماعهم من عذاب القبر، لكن عذاب بعض الموحدين في القبر عذاب مؤقت، وهو من رحمة الله تعالى بهم، حتى يخلصوا إلى الحساب وقد خفت عنهم سيئاتهم، أو غفرت لهم بالكلية. وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه مر بقبرين يعذبان، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها بنصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة، فقالوا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟، فقال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا» (٣)، وهو حجة في تعرض بعض الموحدين لعذاب القبر. نعم قد اختلف في صاحبي القبرين: هل هما مسلمان أو كافران، والصواب: الأول، كما بينه الحافظ ابن حجر، بل الحديث نفسه دال على ذلك، إذ كيف يصنع النبي ﷺ ما يخفف عن الكافر وقد أمر المار بقبر الكافر أن يبشره بالنار؟، والظاهر أن ذلك سنة ولبس خاصا به، ولأن عذاب الكافرأولى أن يكون على كفره، وإنما حسابه على ما دون كفره زيادة في وزره على القول بأنهم مكلون بفروع الشريعة. واعلم أن سماع عذاب القبر ليس بمستحيل في العقل، فقد ثبت أنه يسمعه ما عدا

стр. 268

الإنس والجن، وقد علمت سماع النبي ﷺ له، مع احتمال أن يكون ذلك بوحي، ولو كان محالا ما ذكر المانع له من سؤال ربه أن يسمعه أمته، وإنما أشرت إلى هذا لأني سمعت شريطا قيل إن بعض علماء طبقات الأرض الروس وهم يبحثون بآلاتهم في أعماقها رغبوا في تسجيل أصوات (الماجما) أعني الصخور الذائبة في باطن الأرض، ثم أخذوا يصفون تلك الأصوات حتى أمكن أن يتبين فيها أصوات رجال ونساء يصيحون ويعولون، ونحن المسلمين لا يتوقف إيماننا بالغيب على شيء مما يكتشفه العلم الحديث، لكننا لا نحيل منه إلا ما منعه الشرع، والله أعلم. وما أكثر ما كان النبي ﷺ يستعيذ من هذا العذاب بعد أن أطلعه الله تعالى على حصوله لبعض المؤمنين، ففي الصحيح عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فقال: نعم عذاب القبر (حق)، قالت عائشة: فما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر»، ولذلك والله أعلم كانت الاستعاذة منه أمرا مطلوبا، بل واجبا دبر كل صلاة عند بعض أهل العلم في جملة أمور ورد الأمر بالدعاء بها، ففي الصحيح عن أبي هريرة كان رسول الله ﷺ يدعو: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» (١)، وورد في رواية لمسلم الأمر به بلفظ: «إذا تشهد أحدكم فليقل: الحديث» (٢). وقد اختلف هل يكون هذا العذاب للروح فقط، أو للجسد فقط، أو للروح والجسد معا، وهذا الأخير هو الصحيح، فقد ورد في حديث البراء المتقدم: «فتعاد روحه في جسده»، وهذا نص، غير أن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا، فلا يقال: إننا لو فتحنا القبر ما وجدنا شيئا، ولأنه ورد في كثير من النصوص التي تحدثت عن هذا الأمر ذكر أوصاف إنما يتصف بها الجسد لا الروح، كقول النبي ﷺ فيقعدانه، ويقولان له،،، ويفسح له،،، الخ، وهذا يقال

стр. 269

عن الإنسان برمته، ولأنه هو الأصل، فلا يعدل عنه إلى غيره لعدم وجود ما يمنع منه شرعا ولا عقلا. وقد قال بعض الناس إن السؤال في القبر للروح وحدها، وهو محجوج بما تقدم. وقال شارح الطحاوية ﵀: «فالروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق، أحدها: تعلقها به في بطن الأم جنينا، الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض، الثالث: تعلقها به في حال النوم، فلها به تعلق من وجه، ومفارقة من وجه، الرابع: تعلقها به في البرزخ، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقا كليا، بحيث لا يبقى لها إليه التفات البتة، فإنه ورد ردها إليه وقت سلام المسلم، وورد أنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، وهذا الرد إعادة خاصة لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة، الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد، وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه، إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتا ولا نوما ولا فسادا فالنوم أخو الموت،،،»، انتهى. وأما ضمة القبر، وتسمى الضغطة أيضا فالمراد بها أن القبر ينضم على من فيه انضماما شديدا، ولعل ذلك بالنسبة للمؤمن مما يخفف الله به عنه ذنوبه، فيخلص إلى الحساب مغفورا له، أو مخففا عنه، أو خفف عنه بعضها، وينبغي أن يفرق بين هذه الضغطة التي تعم الجميع، وبين ما ورد في حديث البراء المتقدم من قوله ﷺ عن الكافر: «ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه» (١)، فإن هذا أمر آخر كما هو ظاهر، لأنه قابله في المؤمن بقوله: «ويفسح له في قبره مد بصره» (٢). وقد ورد في الحديث ما يدل على أن هذه الضغطة لا ينجو منها أحد، قال النبي ﷺ : «لو نجا أحد من ضمة القبر؛ لنجا سعد بن معاذ، ولقد ضم ضمة ثم روخي عنه» (٣)، وقال النبي ﷺ عن صبي دفن: «لو أفلت أحد من صمة القبر لأفلت هذا الصبي» (٤)، لكن روى

стр. 270

الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أم علي بن أبي طالب خلع النبي ﷺ قميصه، وألبسها إياه، واضطجع في قبرها، فلما سوي عليها التراب قال بعضهم: يا رسول الله رأيناك صنعت شيئا لم تصنعه بأحد، فقال: «ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنة، واضطجعت معها في قبرها ليخفف عنها من ضغطة القبر، إنها كانت من أحسن خلق الله إلي صنيعا بعد أبي طالب»، وهذا لو صح ما كان فيه غير التخفيف، ومن أين له الصحة؟.

стр. 271

(الملائكة الحفظة وغيرهم) • قوله: ٣٠ - «وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم، ولا يسقط شيء من ذلك عن علم ربهم، وأن ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه». الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الستة، والملائكة جمع ملك، وهم مخلوقون من النور، كما قال رسول الله ﷺ : «خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» (١). وقد وصف الله تعالى الملائكة في مواضع عدة من كتابه، وسمى بعضهم، قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الشورى: ٥]. وممن ذكروا في القرآن جبريل وهو أمين الوحي، الواسطة بين الله وبين أنبيائه، كما قال الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤]، وميكائيل، وهو موكل بالنبات والقطر، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٨]، وملك الموت، الموكل بقبض أرواح الخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة: ١١]، أما نسبة التوفي إلى الله تعالى فلأن بيده الأمر قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، ولملك الموت

стр. 272

أعوان، وبهذا الاعتبار نسب إليهم التوفي في آيات عدة، منها قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام: ٦١]، وقد سمي في بعض الأحاديث عزرائيل ولم يصح، وذكر في الحديث إسرافيل الموكل بالنفخ في الصور للبعث يوم القيامة. وقد خص رسول الله ﷺ ثلاثة من الملائكة بالذكر في دعائه المشهور: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل» (١) الحديث، ومنهم حملة العرش كما قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، ومنهم ملك الجبال المذكور في الصحيح، في رجوع النبي ﷺ من الطائف، ومنهم مالك خازن النار، المذكور في قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. ومنهم الحفظة، وهم جمع حافظ، ككتبة جمع كاتب، وظلمة، جمع ظالم، والمراد الإيمان بأن الله ﵎ وكل بالعباد ملائكة حافظين يكتبون أعمالهم وأقوالهم، وقد ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]، قال ابن كثير: «يعني وإن عليكم لملائكة حفظة كراما فلا تقابلوهم بالقبائح، فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم». وصفهم بالحفظ وبعلمهم أفعال الناس بتيسير الله لهم سبيل الاطلاع عليها، كما أخبر الله تعالى أنهم لا يفوتهم شيء من أقوال الناس، فدل أن أعمالهم أحرى أن لا يفوتهم شيء منها، قال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٧ - ١٨]، أي يتلقى الملكان أقوال العباد لتسجيلها، فكيف بأعمالهم؟، فإنها أولى بالتسجيل، والقعيد هو المقاعد، كالجليس للمجالس، فدل على الملازمة، والرقيب المراقب، والعتيد المعد، فأخبر بالملكين الذي على اليمين، والذي على الشمال، وورد أن الأول يكتب الحسنات، وأن الثاني يكتب السيئات. ولما كان مولانا قد تفضل على عباده أن يجزيهم على الهم بالحسنة وإن لم

стр. 273

يعملوها، وعلى الهم بالسيئة إن تركوها حسنة كذلك؛ كان الظاهر أن الحفظة يكتبون الهم، وقد دل على هذا ما جاء في الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله: «إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإذا عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة» (١). والظاهر أن الصبي تكتب له الحسنات، ولا تكتب له السيئات، فقد روى مالك ومسلم وأبو داود عن ابن عباس أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبيا فقالت: «ألهذا حج؟، قال: «نعم ولك أجر» (٢)، لكن هذا الحج لا يكفيه عن حجة الإسلام متى بلغ، وكان مستطيعا، لقوله ﵊: «أيما صبي حج ثم بلغ فعليه أن يحج حجة أخرى،،، الحديث» (٣)، ولأنهم مأمورون على وجه الاستحباب بالصلاة، كما قال النبي ﷺ : «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». وقول المؤلف: «ولا يسقط شيء من ذلك عن علم ربهم»، يريد أن الله تعالى وكلهم بهذا العمل لحكمة يعلمها، كما وكل غيرهم من الملائكة بأعمال أخرى، وهو القادر على كل شيء إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، كما أن علمه سبحانه محيط بكل شيء، قال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].، وفي تكليفهم بذلك تشريف لهم، ونستفيد منه أن الأكثر طاعة لله تعالى وعلما به أولى أن يتولى أمور الناس من غيره. قال الرازي في تفسيره: «إن الله تعالى أجرى أموره بين عباده على ما يتعاملون به فيما بينهم، لأن ذلك أبلغ في تقرير المعنى عندهم، ولما كان الأبلغ عندهم في المحاسبة إخراج كتاب بشهود؛ خوطبوا بهذا فيما يحاسبون به يوم القيامة، فيخرج لهم كتبا منشورة، ويحضر

стр. 274

هناك ملائكة يشهدون عليهم كما يشهد عدول السلطان على من يعصيه ويخالف أمره». والملائكة الذين يلازمون بني آدم نوعان: الحفظة للأعمال الكاتبون لها، وقد تقدم ذكرهم، والحافظون للإنسان مما شاء الله أن يحفظ منه من الآفات، وهم المذكورون في قوله تعالى على أحد التفسيرين: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ [الرعد: ١٠ - ١١]. قال ابن كثير ﵀: «أي للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حرس بالليل، وحرس بالنهار، يحفظونه من السوء والحادثات، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر، ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان الأعمال، وصاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه: واحد من ورائه، وأخر من قدامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل بدلا، حافظان وكاتبان كما جاء في الحديث الصحيح: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بكم كيف تركتم عبادي؟، فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون» (١).

стр. 275

(القرون الثلاثة المفضلة) • قوله: ٣١ - «وأن خير القرون القرن الذين رأوا رسول الله ﷺ وآمنوا به، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». يجمع علاقتنا بالسلف الصالح ثلاثة أمور ذكرها المؤلف، وهي اعتقاد أفضليتهم، والاستغفار لهم، واقتفاء آثارهم، وقد ابتدأ بالأفضلية. والقرن هنا هو الجيل من الناس، ويطلق على الأمة كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨]، ويطلق على مدة محددة من الزمان اختلف في مقدارها، والصواب: أنها مائة عام. والمراد أن على المؤمن أن يعتقد وجوبا أن خير الأجيال الجيل الذي بعث فيهم رسول الله ﷺ وهم أصحابه، ولا وجه لاعتبار الجيل في حديث خيركم قرني، وسيأتي ذكره؛ الناس عموما، ثم يقال إن الحديث مخصوص كما ذكر بعضهم، بل إن كفار ذلك الزمان هم شر الأجيال. والصحابي كل من رأى النبي ﷺ مؤمنا به ثم مات على ذلك، فقولنا: مؤمنا به؛ احتراز ممن رآه غير مؤمن به، ثم آمن بعد ذلك، ولو في حياته، فإنه ليس صحابيا إذا لم يلقه مؤمنا، وقولنا: ثم مات على ذلك احتراز ممن رآه مؤمنا به ثم ارتد، ورجع إلى الإسلام ولم يره مرة أخرى مؤمنا به، فقد اختلف فيه، والمحدثون مطبقون على إثبات روايته، والمراد بالرؤيا لقاؤه، فإن من لم يره لمانع كعمى؛ هو صحابي بالإجماع كعبد الله بن أم مكتوم ﵁.

стр. 276

وهذه الأفضلية للصحابة ثابتة بالكتاب وبالسنة وإجماع أهل الحق من هذه الأمة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فأخبر الله تعالى بأنه رضي عنهم لمجرد كونهم مهاجرين وأنصارا، فإن التعبير بالمشتق يشي بعلية ما منه الاشتقاق، ففيها دليل بين على عدالتهم عموما، إذ لو كانوا كغيرهم ما كان لنوط الرضا بالهجرة والنصرة فائدة، ورضي عن غيرهم بقيد اتباعهم بإحسان. قال ابن كثير ﵀ عند هذه الآية من سورة التوبة: «فيا ويل من أبغضهم أو سبهم، أو أبغض أو سب بعضهم،،،»، إلى أن قال: «وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن ﵃، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون». ويأتي في الأفضلية الذين جاءوا من بعد الصحابة وهم التابعون، وقد قيل في تعريف التابعي هو من صحب الصحابي، وقيل من لقيه، قال النووي وهو الأظهر. قلت: في حديث أبي سعيد الخدري الآتي «هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله»؟، فذكر في الطبقات الثلاثة الصحبة، لكن قوله ﷺ في الحديث الآتي: «ثم الذين يلونهم» (١)؛ ليس فيه التقييد بالصحبة التي هي منزلة أعلى، ويلي التابعين في الفضل الذين جاءوا من بعدهم، وهم تابعو التابعين. وعن عمران بن حصين ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٢)، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة»، ويدل على هذه الطبقات في الجملة قوله ﷺ وهو في الصحيح: «يأتي على الناس زمان فيغزو فئام

стр. 277

من الناس، فيقولون فيكم من صاحب رسول الله ﷺ ؟، فيقولون لهم نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟، فيقولون نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟، فيقولون نعم، فيفتح لهم» (١)، والفئام الجماعة. وقد رُوي عن عمار بن ياسر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره» (٢). قال ابن كثير في تفسيره (للآية الرابعة عشرة من سورة الواقعة): «فهذا الحديث بعد الحكم بصحة إسناده؛ محمول على أن الدين كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه إلى من بعدهم، كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها، وتثبيت الناس على السنة وروايتها وإظهارها، والفضل للمتقدم، وكذلك الزرع هو محتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني، ولكن العمدة الكبرى على الأول، واحتياج الزرع إليه آكد، فإنه لولاه ما نبت في الأرض، ولا تعلق أساسه فيها، ولهذا قال ﵊: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم إلى قيام الساعة» (٣)، انتهى. قلت: ومن الأحاديث التي ينبغي أن تفهم على هذا النحو قول النبي ﷺ : «تأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين، قيل منهم أو منا يا رسول الله؟، قال: بل منكم» (٤)، وقوله ﷺ : «إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها» (٥)، وصح لفظ: «فطوبى للغرباء»، ومعنى يأرز ينضم بعضه إلى بعض. قال الشوكاني بعد بيان ما جمع به الجمهور بين الأحاديث ورده: «والذي يستفاد من

стр. 278

مجموع الأحاديث أن للصحابة مزية لا يشاركهم فيها من بعدهم، وهي صحبته ﷺ ومشاهدته، والجهاد بين يديه، وإنفاذ أوامره ونواهيه، ولمن بعدهم مزية لا يشاركهم الصحابة فيها، وهي إيمانهم بالغيب في زمان لا يرون فيه الذات الشريفة التي جمعت من المحاسن ما يقود بزمام كل مشاهد إلى الإيمان إلا من حقت عليه الشقاوة، وأما باعتبار الأعمال؛ فأعمال الصحابة فاضلة مطلقا، من غير تقييد بحالة مخصوصة كما يدل عليه حديث: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (١). وقد رأى بعض العلماء أن الأفضلية حاصلة لكل جيل متقدم على الجيل الذي بعده، باعتبار أن المتقدم أقرب إلى أزمنة الخير، وبالقياس على ما في الحديث، ولقول ابن مسعود ﵁: «لا يأتي يوم إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم سمعته من نبيكم ﷺ »، والصواب أن يقال: إنه قد يظهر في بعض البلدان أو الأزمان المتأخرة من يكون من الناس أفضل ممن تقدمهم، فإن البلدان لا تتساوى في الخير والشر وإن كانت في زمان واحد، وقد ورد مدح أهل الشام، وأهل اليمن، لكن هذا لا ينفي أن القاعدة ماضية في الجملة، وأن الخير يتناقص بمرور الزمان، وقد كان بعضهم في عهد الصحابة كعائشة -رضي الله تعالى عنها- يقول: ذهب الذين يعاش في أكنافهم … وبقيت في خلف كجلد الأجرب!!

стр. 279

(أفضل الصحابة الخلفاء الراشدون) • قوله: ٣٢ - «وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ﵃ أجمعين». تقدم الحديث عن أفضلية الصحابة على من بعدهم، لكنهم ﵃ متفاضلون أيضا فيما بينهم، ومن الأدلة على ذلك قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، بل إن النبي ﷺ في بعض أحاديثه كان يخص بعضهم بوصف الصحبة كقوله ﷺ : «هل أنتم تاركو لي أصحابي» (١)، وقوله ﷺ : «الله الله في أصحابي» (٢)، فإنه إنما يخاطب الحاضرين وهم أصحابه، لكنه ﷺ خص بعضهم برتبة من الصحبة تفوق صحبة غيرهم، وقد صرح بشمول الصحبة للجميع في قوله ﷺ : «وددت أني لقيت إخواني، قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك؟، قال: «بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين آمنوا بي ولم يروني» (٣)، رواه الإمام أحمد عن أنس، وهو في صحيح الجامع للألباني، فاستفيد منه اختلاف من رآه مؤمنا به عمن لم يره وآمن به في التسمية، إذ وصف من آمن به ولم يره بالأخوة، ومن آمن به ورآه بالصحبة، ويؤخذ منه اشتراط الإيمان حين الصحبة، وفضل الله يؤتيه من يشاء من عباده. وكما أن الصحبة فضل عظيم، فإن الكفر وإن كان واحدا، إلا أن من حضر عهد

стр. 280

التنزيل، ورأى النبي ﷺ ولم يؤمن به أشد كفرا من غيره، يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١]. وأفضل الصحابة الخلفاء الأربعة على ترتيبهم في الخلافة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، ويدلك ذلك على أن الأمة الصالحة لا يتولى أمرها إلا الصالحون، فأبو بكر الصديق خير الأمة بعد نبيها ﷺ ، فكان هو الخليفة الأول عليها، وعمر بعده في الفضل والخلافة ولاه بوصيته له وعهده إليه، ثم جعلها عمر في الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فكان عثمان هو الخليفة باتفاقهم، ثم تولاها علي أيضا بالبيعة العامة، ومن نازعه لم ينازعه في الخلافة، بل في أخذ القود من قتلة عثمان متى يكون؟، وقد أجمع أهل السنة على أفضلية أبي بكر ثم عمر حكاه النووي في التقريب، وجمهور أهل السنة على أن عثمان بن عفان بعد عمر، يليه علي بن أبي طالب ﵃. وقد ورد في الخلفاء الحديث الذي فيه الأمر باتباع سنتهم، وخص منهم أبا بكر وعمر بالأمر بالاقتداء بهما، وهي منزلة أعلى، قال ابن عمر ﵄: «كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان» (١)، ومعنى قوله نخير نقول فلان خير من فلان، ولا يلزم من تركهم المفاضلة إذ ذاك أن لا يكونوا اعتقدوا بعد ذلك تفضيل علي على من سواه، كما يدل عليه أن الشائع عند السلف ترتيب علي بعد عثمان ﵄، فإنه ﵁ هو الخليفة الرابع، بل إن بعض السلف كان يقدمه على عثمان بن عفان، وقال بعضهم بعدم تفضيل أحدهما على الآخر، وقد تقدم قول مالك في المسألة، وهو أنه يرى أفضليتهم بحسب رتبتهم في الخلافة، وهو الذي عليه المؤلف. ويلي الخلفاء الأربعة في الفضل الستة الباقون من العشرة المبشرين بالجنة، وهم سعد ابن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة عامر بن الجراح ﵃. ويلي هؤلاء أهل بدر، الذين أخبر النبي ﷺ أن الله تعالى قال عنهم: «اعملوا ما شئتم

стр. 281

فقد غفرت لكم» (١)، ومعنى هذا أن الله تعالى علم أنهم لا يقعون في الشرك الذي لا يغفره، أما ما دون ذلك فقابل للمغفرة فأعلم بمغفرته لهم، لكن العقوبات النيوية تقام على من حصل منهم ما يستوجبها. ثم أهل أحد، الذين نزل فيهم أو في بعضهم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٢ - ١٧٣]. ثم من بايع تحت الشجرة، وقد قال الله تعالى فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨]، وقال فيهم رسول الله ﷺ «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» (٢)، ثم بقية الصحابة، وقد جمع بعضهم ذلك في أبيات، فقال: فالستة الباقون ثم أهل … بدر فأهل أحد فكل من بايع النبي تحت الشجره … فسائر الصحابة المفتخره فمن بقي من أمة النبي … على اختلاف وصفه الجلي قال عبد الله بن مسعود ﵁: «من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم».

стр. 282

(الثناء على الصحابة والإمساك عما شجر بينهم) • قوله: ٣٣ - «وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر، والإمساك عما شجر بينهم، وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب». هذا هو الأمر الثاني الذي نحن مطالبون به في علاقتنا بالصحابة، فإنهم إذا كان لهم من الفضل ما تقدم من ثناء الله تعالى وثناء رسوله ﷺ عليهم، ووصاته بهم؛ فإن الواجب على المسلم أن لا يذكرهم إلا بخير، وأن ينظر فيما نسب إليهم من الأمور فيتأكد من ثبوتها عنهم أولا، ثم يفهمها الفهم الصحيح، ثم يحملها على ما تحتمله من الحسن متى وجد لذلك مخرجا، وينظر إلى ما بدر منهم بعد ذلك باعتباره اجتهادا في الحق، والمصيب فيه مأجور أجرين، والمخطئ مأجور أجرا واحدا، ولأن فضيلة الصحبة عظيمة فتغمر ما يكون لبعضهم من الأمور غير المرتضاة، فإننا إذا كنا مأمورين بذلك حيال المسلمين عموما وفيهم العصاة والفساق فكيف بالصحابة وقد ثبتت لهم العدالة على وجه العموم؟، وقد جاء في الحديث: «لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» (١)، بل روي الأمر بذكر محاسن الموتى، والكف عن ذكر مساوئهم مرفوعا. واعلم أن الطعن في الصحابة يلزم منه التشكيك في الدين لأنه إنما وصل إلينا عن طريقهم، وقد أخبر الله تعالى بحفظه، فمن لم يعدلهم أو عدل بعضهم دون سائرهم فقد ذم

стр. 283

من مدحه الله تعالى ورسوله، واعتبر أن الله تعالى أوكل حفظ دينه لمن ليس أهلا له، وإنما شأن المؤمن مع من تقدمه من أهل الإيمان ما حكاه الله تعالى في قوله الذي تضمن جميع المسلمين الذين لهم حق في الفيء: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ٨ - ١٠]. هذا شأن المؤمن إزاء من سبقه من المسلمين وهو الاستغفار لهم، والترحم عليهم، قال ابن كثير ﵀: «وما أحسن ما استنبط مالك ﵀ من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب، لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء بقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [آخر سورة الفتح]، ومن في قوله تعالى منهم ليس للتبعيض، بل لبيان الجنس، على غرار قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]. قال القرطبي: «قال أبو عروة الزبيري: كنا عند مالك بن أنس فذكروا عنده رجلا ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ ، فقرأ مالك هذه الآية: «محمد رسول الله»، إلى أن بلغ: «ليغيظ بهم الكفار»، فقال مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية». وقال ابن كثير: ومن هذه الآية انتزع مالك رحمة الله عليه في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة ﵃، قال لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة ﵃

стр. 284

فهو كافر لهذه الآية، ووافقه طائفة من العلماء». وقال الشيخ زروق: قال أبو القاسم الحكيم: «اليهود والنصارى أحسن حالا من الروافض وإن كانوا مسلمين، لأنه لو قيل ليهودي: من أفضل الناس؟، قال: موسى، فإذا قيل: من أفضل الناس بعده؟، قال: نقباؤه، ولو قيل للنصراني: من أفضل الناس؟، قال عيسى، فإذا قيل له من بعده في الفضل؟، قال: حواريوه، ولو قيل لرافضي: من أفضل الناس؟، قال: محمد ﷺ ، فإذا قيل له: من شر الناس بعده؟، قال: أصحابه، فقبح الله رأيهم فيما أتوا من ذلك». واعلم أن الناس إزاء ما شَجَرَ بين الصحابة أحد رجلين: رجل من العامة فالمطلوب منه أن لا يخوض في شيء من ذلك، بل يحب الصحابة كلهم، ويثني عليهم، وإن قام بنفسه حب بعضهم أكثر من الآخر فلا حرج عليه، لكن ينبغي أن يجاهد نفسه بحيث يكون هذا الحب متفاوتا بحسب المنزلة التي عرفها لهم اعتمادا على ما جاء في الأخبار يطوع نفسه لذلك كي يخرج من هواه، وهذا ما ينزل عليه قول المصنف: «والإمساك عما شجر بينهم». أما الثاني فرجل من أهل العلم فهذا إن احتاج إلى الكلام في شيء من ذلك كمحاجة مخالف، أو رد شبهة، فعليه أن يتثبت مما ينسب إليهم أولا، وأن لا يظن بأحد منهم سوءا، فإن ما قد يصدر عن الواحد منهم مغمور في فضل الصحبة، فكيف إذا وجد لما صدر عنهم مخرجا في الحق، وعلى هذا ينزل قول المصنف: «وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر»، والخير في الإمساك عن ذلك، كيف وقد قال رسول الله ﷺ : «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا» (١). وقال الشيخ زروق: «وقد سئل ميمون بن مهران عن أهل صفين، فقال: «تلك دماء طهر الله منها أيدينا، فلا نخضب بها ألسنتنا».

стр. 285

(طاعة العلماء والأمراء) • قوله: ٣٤ - «والطاعة لأئمة المسلمين من ولاة أمورهم، وعلمائهم». توسع المؤلف في الجامع فيما أجمله هنا فقال: «والسمع والطاعة لأئمة المسلمين، وكل من ولي أمر المسلمين عن رضا أو عن غلبة فاشتدت وطأته من بر أو فاجر فلا يخرج عليه جار أو عدل، ويغزى معه العدو، ويحج معه البيت، ودفع الصدقات إليهم مجزية إذا طلبوها ونصلي خلفهم الجمعة والعيدان (كذا)، قال غير واحد من العلماء وقاله مالك: «لا يصلى خلف المبتدع منهم إلا أن يخافه فيصلي، واختلف في الإعادة»، انتهى، ويلاحظ أنه لم يذكر هنا العلماء. ومعنى قوله في الرسالة أن من الواجب طاعة ولاة أمور المسلمين وعلمائهم، إذ إن هؤلاء هم الذين يؤتم بهم، ويتبعون كل في مجاله، أما العلماء فإن الناس مطالبون بسؤالهم كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]، وقال النبي ﷺ : «ألا سألوا إذ لم يعلموا؟، فإنما شفاء العي السؤال» (١)، كما أن العالم مطالب إذا سئل أن لا يكتم، بل هو مطالب بعدم الكتمان متى قامت الحاجة إلى ما عنده ولو لم يسأل، وقد تقدم شيء من هذا. وأما الأمراء فإن العقد الذي على أساسه يبايع المسلم غيره ليسوسه هو التزام ما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا يكون الأمر كذلك إلا إذا كان عالما بهما، وحصول الحاكم على الشرعية متوقف على أمور منها: كونه في نفسه أهلا لأن يتولى الحكم ذاتا وصفة،
следующие страницы →