Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
قال كاتبه: الظاهر رجحان القول بأن الغاصب ونحوه ممن لا شبهة له في الملك يرد الغلةَ بأنواعها، ولا يصح الاحتجاج بعموم قاعدة «الخراج بالضمان»، فيقال إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو قول الشوكاني في النيل، فإن هذا وإن كان حقا لكن المخصص موجود، وهو قول رسول الله ﷺ : «وليس لعرق ظالم حق».
стр. 2207
• قوله:
٣٧ - «والولد في الحيوان وفي الأَمَةِ إذا كان الولد من غير السيد يأخذه المستحق للأمهات من يد مبتاع أو غيره، ومن غصب أَمَةً ثم وطئها فولده رقيق، وعليه الحد».
هذا من جملة ما اتفقوا على أنه لمالك الأصل، لأنه جزء من الأم لا غلة، فيرد معها، لأن حكم الولد حكم الأم في كونه ملكا لمن هي له، وقوله من غير السيد، قيدوا السيد بكونه حرا، ويدخل في غير السيد كل من ملكها بشبهة، وقد بينه بقوله من يد مبتاع أو غيره، يعني كالموهوب له، والمتصدق عليه، وقوله ومن غصب أَمَةً ثم وطئها،،، الخ قد تقدم بيانه، ولتكراره وجه، وهو أنه هنا غاصب من المالك، وهناك غاصب ممن ملكها بشبهة فلا فرق بينهما، ويضاف هنا بأنه لا صداق عليه، وإنما عليه أرش نقصها بسبب وطئه.
стр. 2208
• قوله:
٣٨ - «وإصلاح السُّفْلِ على صاحب السُّفْلِ، والخشبُ للسقف عليه، وتعليق الغرف عليه إذا وهى السفل وهدم حتى يصلح، ويجبر على أن يصلح أو يبيع ممن يصلح».
صاحب السُّفْل بضم السين وسكون الفاء من يسكن تحت غيره سواء أكان ملاصقا للأرض أم لا، فإذا بنى أحد على بناء غيره فإن سُفْل البناء يكون إصلاحه على الذي تحته متى وَهَى، لأنه أرض للبناء الذي فوقه لا يمكن أن يقوم بدونه، وكذلك عليه الخشب الذي يعد للسقف، فإن حصل خلل في الغرف التي فوقه بسبب وهاء السفل فإن تدعيمها يكون عليه، فقوله وتعليق الغرف عليه معناه تدعيمها، لأن الضرر من جهته، فإن لم يصلح أجبر على الإصلاح، وإلا أجبر على البيع لمن يصلح.
стр. 2209
• قوله:
٣٩ - «ولا ضرر ولا ضرار».
استدل المؤلف بهذه القاعدة على ما تقدم وعلى ما يأتي مما مثل به، وهي نص حديث رواه مالك في الموطإ (١٤٢٦) أول باب (القضاء في المرفق) عن عمرو بن يحي عن أبيه مرسلا، ووصله الدارقطني (ح/ ٨٥) في كتاب الأقضية من سننه عن أبي سعيد ﵁، ورواه الحاكم والبيهقي من حديثه، وهو في صحيح الجامع الصغير للألباني من رواية أحمد والبيهقي عن ابن عباس، ومن رواية الأخير عن عبادة.
ومعنى الحديث منع الضرر من طرف واحد، ومن الطرفين على وجه المجازاة، وقيل إن الجمع بينهما توكيد، والحق أنهما متغايران بمعنى الفعل والمفاعلة، أي لا تضرن أحدا، ولا تضاره إن ضارك، وهو قاعدة عظيمة من قواعد الشرع الحنيف، وهي أن الضرر يزال، وقد جاء الوعيد الشديد والتهديد الأكيد للمضار والمشاق في قول رسول الله ﷺ : «من ضار أضر الله به، ومن شاق شق الله عليه»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة (جة/ ٢٣٤٢) عن أبي صرمة، وجاء ذلك في كتاب الله في غير موضع في مضارة الزوجة والورثة، قال الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ (١٢)﴾ [النساء: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ (٦)﴾ [الطلاق: ٦].
стр. 2210
• قوله:
٤٠ - «فلا يفعل ما يضر بجاره من فتح كوة قريبة يكشف جاره منها، أو فتح باب قبالة بابه، أو حفر ما يضر بجاره في حفره، وإن كان في ملكه».
ما ذكره هنا كله داخل في الإضرار بالجار، وهو غير جائز، والكوة بفتح الكاف وضمها الطاقة، فإن كانت تكشف من الجار ما لا يجوز منع فتحها، وإن كانت مفتوحة على بستانه ففيها خلاف، والظاهر عدم المنع، ومن فتحها قضي عليه بسدها، وإن كانت سابقة على بيت الجار فلا يقضى بسدها، ولكن يمنع من التطلع على الجار منها، فإن كانت مرتفعة عن قامة المرء بحيث لا يمكن التطلع منها إلا بسلم لم يمنع من فتحها، وقال النبي ﷺ : «من ضيق منزلا أو قطع طريقا أو آذى مؤمنا فلا جهاد له»، رواه أحمد وأبو داود عن معاذ بن أنس، وكون الحديث فيه بيان عقاب المؤذي المؤمن لا يعني أن غير المؤمن يجوز ذلك معه، وتضييق المنزل وقطع الطريق يتجاوز المؤمن.
ومما مثل به المؤلف للمضارة أن يفتح بابا قبالة باب جاره إن كانت السكة غير نافذة، ومعنى ذلك أن عموم الناس لا يمرون بها، قالوا بخلاف ما إذا أحدث حانوتا قبالة باب جاره فإنه يمنع منه ولو كانت السكة نافذة، لكون الحانوت سببا في اجتماع الناس قبالة بابه، وتطلعهم على ما في الدار عند فتحه، ومما ذكره أن يحفر بئرا أو غيره قريبا من جدار جاره فيتصدع بسببه.
وهذه الأمور ونحوها صارت الدول تراعيها قبل الموافقة على الإذن بالبناء، كما يراعى الموضع المناسب لإحداث مواضع الحرف الفردية كالنجارة والحدادة والترصيص ومواد البناء حتى لا تسبب الإزعاج للسكان، وجرى العرف بتعليق الإخبار بذلك مدة ما وتلقي الاعتراضات قبل الموافقة، فيما يسمى بالمحاسن والمساوئ، أما المناطق الصناعية فيقضي التنظيم بفصلها عن العمران تماما وإلزام العاملين بتركيب الأجهزة والآلات المانعة من نشر تلوث الهواء والماء، وتقليل الأضرار، وكل هذه الأمور يعتبرها الشرع ويقرها وهي داخلة من غير شك في حديث لا ضرر ولا ضرار.
стр. 2211
• قوله:
٤١ - «ويقضى بالحائط لمن إليه القِمْط والعقود».
القِمْطُ بكسر القاف وسكون الميم جمعه أقماط، وهي معاقد الحيطان، وأصله الحبل الذي تشد به قوائم الشاة عند الذبح، وما يشد به الصبي في المهد، ونحو هذا في الصحاح للجوهري، وهو من الدارج عندنا، والعقود جمع عقد، والمراد بها تداخل الحيطان، فمن كان الداخل في جهة جاره من جهته أو كان أصل المعاقد إلى جهته، واختلف مع جاره في الجدار ولا بينة لأحدهما ولا يعلم أيهما السابق في البناء قضي لمن كانت الأقماط والعقود في جهته بيمينه، لأن العرف جار أن وجه الحائط يكون إلى الداخل وأن ما كان من نتوءات وزوائد يكون إلى الخارج، ومثل الأقماط والعقود الطاقة إن لم تكن نافذة، أما إن كانت هذه الأمور من جهتيهما أو لم توجد فإنه يقضي بالحائط لهما معا.
وقد روى الدارقطني والبيهقي عن حارثة بن ظفر أن دارا كانت بين أخوين فحظرا في وسطها حظارا ثم هلكا وترك كل واحد منهما عقبا فادعى كل واحد منهما أن الحظار له من دون صاحبه فاختصم عقباهما إلى النبي ﷺ ، فأرسل حذيفة بن اليمان فقضى بالحظار لمن وجد معاقد القمط تليه، ثم رجع فأخبر النبي ﷺ ، فقال له: «أصبت»، وفيه دهثم بن قُران وهو متروك كما في التعليق المغني، ورواه ابن ماجة (٢٣٤٣) مختصرا عن دهثم أيضا عن نمران بن حارثة عن أبيه حارثة بن ظفر، والحظار والحظيرة ما يعمل للإبل من الشجر ونحوه ليقيها الريح والبرد.
стр. 2212
• قوله:
٤٢ - «ولا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ».
الماء والكلأ إما أن يكونا في أرض صاحبهما أو لا، وقد تكلم المؤلف هنا على ما إذا كان الماء في غير أرضه بدليل ما يأتي من قوله: «ومن كان في أرضه عين أو بئر فله منعها،،،».
والمؤلف ﵀ ولوع بإيراد النصوص الدالة على الحكم الذي يريد ذِكْرَهُ أو ما يقاربه، وما الفقه من غير سنة رحمك الله؟، وقد ذكر هنا نص حديث رواه مالك عن أبي هريرة مرفوعا، ورواه البخاري ومسلم عنه عن النبي ﷺ قال: «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ»، والفضل هو الزائد عن الحاجة، والكلأ الحشيش رطبا كان أو يابسا.
ووجه الربط بين منع الأول ومنع الثاني بجعله علة له أن أرباب الماشية إذا علموا أنهم لا تسقى مواشيهم من الماء تركوا المراعي القريبة منه، أما القول بأن المواشي إذا لم تشرب لم تأكل شيئا، واعتباره من باب سد الذرائع كما قاله ابن ناجي فلينظر.
وفي المدونة: أرأيت الحديث الذي جاء لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلإ»، قال: لم أسمع من مالك فيه شيئا، ولا أحسبه إلا في الصحارى والبراري، وأما في القرى والأرضين التي قد عرفها أهلها واقتسموها وعرف كل إنسان حقه فلهذا أن يمنع كلأها عند مالك إذا احتاج إليه»، انتهى.
قالوا وكما لا يجوز له منعه لا يجوز له هبته ولا بيعه ولا يورث عنه، سواء أكان غديرا أو بئرا حفرت بالصحراء لا للملكية، أما في الأرض المحروثة فقد قال مالك: إذا كانت الأرض للرجل فلا بأس أن يمنع كلأها إذا احتاج إليه، وإلا فَلْيُخَلِّ بين الناس وبينه»، وهو في المدونة (٤/ ٣٧٤)، ومما لا يجوز له المنع منه عندهم أن يحفر البئر بنية السقي لا بقصد التملك، أما قول رسول الله ﷺ : «من حفر بئرا فله أربعون ذراعا عطنا لماشيته»، رواه البيهقي عن عبد الله بن مغفل، فإن المراد والله أعلم من حفر في أرض موات.
стр. 2213
وقد جاء في منع بيع الماء ومنع الناس منه ما ينبغي أن يكون عبرة للعالمين في هذا العصر الذي عم فيه بيعه، فمن ذلك ما رواه الشيخان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم: رجل يحلف على سلعة لقد أعطي فيها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل حلف يمينا بعد العصر ليقتطع به مال امرئ مسلم، ورجل منع فضل ماء، فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك»، ومن ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «من منع فضل مائه أو فضل كلإه منعه الله من فضله يوم القيامة»، رواه أحمد، ومنه حديث جابر عند مسلم والنسائي وابن ماجة (٢٤٧٧) قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء»، ولم يعزه في مسالك الدلالة لمسلم، وعن أبي المنهال قال: سمعت إياس بن عَبْدٍ المُزَنِي - ورأى ناسا يبيعون الماء - فقال: «لا تبيعوا الماء، فإني سمعت رسول الله ﷺ نهى أن يباع الماء»، رواه الأربعة واستثنى في مسالك الدلالة ابن ماجة مع أنه عنده، وروى أبو داود (٣٧٤٤) عن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ قال: غزوت مع النبي ﷺ ثلاثا أسمعه يقول: «المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلإ والماء والنار».
قال الخطابي: «معناه الكلأ الذي يَنْبُتُ في موات الأرض، يرعاه الناس، ليس لأحد أن يختص به دون أحد، أو يحجره عن غيره، وأما الكلأ إذا كان في أرض مملوكة لمالك بعينه فهو مال له ليس لأحد أن يشركه فيه إلا بإذنه»، انتهى، وقد نازع بعض أهل العلم في هذا فذهبوا إلى ظاهره وقالوا إن هذه الأمور الثلاثة لا تملك، ولا يصح بيعها مطلقا، وإن كان المشهور بين العلماء فيها هو أن المراد ما لم يحز منها بملك، وقال الشوكاني في نيل الأوطار: «اعلم أن أحاديث الباب تنتهض بمجموعها فتدل على الاشتراك في الأمور الثلاثة مطلقا، ولا يخرج شيء من ذلك إلا بدليل يخص به عمومها لا بما هو أعم منها مطلقا كالأحاديث القاضية بأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه، لأنها مع كونها أعم إنما تصلح للاحتجاج بها بعد ثبوت المال وثبوته في الأمور الثلاثة محل النزاع»، انتهى، ومراده بثبوت المال مشروعية تملك الشخص لهذه الأمور الثلاثة كغيرها مما يتملك، والمذهب كما علمت حمل الأحاديث على ما كان من الآبار في الفلاة لأنها مباحة لكل الناس.
стр. 2214
• قوله:
٤٣ - «وأهل آبار الماشية أحق بها حتى يسقوا، ثم الناس فيها سواء».
أما أن أهل آبار الماشية أحق بها فلأنهم حفروها لأنفسهم ولشرب مواشيهم، فهم أحق بها لأن رب الشيء أحق به، فما زاد عن حاجتهم فلا يجوز لهم منع الناس منه، قال النفراوي معللا: «لأنهم لم يحفروها لبيع مائها»، انتهى، وقوله ثم الناس فيها سواء، أي فلا يبيعوا الفاضل عن حاجتهم للنهي عن ذلك، وهم سواء متى استووا في الوصف، فإن اختلفوا كالمسافر والحاضر قدم المسافر، ولبعض أهل المذهب ترتيب فيمن يقدم من الناس ومن الحيوان في السقي، وهو ترتيب لا يسع المرء إلا التسليم به لأن قواعد الشرع تقره، ومحصله أنه يقدم شرب رب الماء، ثم يشرب المسافر ثم الحاضر، وبعد ري الأنفس يأتي دور الدواب، فتقدم دواب رب الماء، ثم دواب المسافر، ثم ماشية رب الماء، ثم ماشية المسافر، ثم ماشية الناس في الفضل سواء، وإنما قدمت الدواب على الماشية لأنه إن خيف عليها الموت ذكيت فانتفع بها بخلاف غيرها فإنها تنفق وتضيع على أربابها.
ولما تكلم على حكم الماء الكائن في الغدران أو في آبار الماشية التي تحفر لمجرد السقي منها لا بنية تملكها شرع فيما كان من العيون والآبار في الأرض المملوكة فقال:
стр. 2215
• قوله:
٤٤ - «ومن كان في أرضه عين أو بئر فله منعها إلا أن تنهدم بئر جاره وله زرع يخاف عليه فلا يمنعه فضله، واختلف هل عليه في ذلك ثمن أم لا»؟.
الأرض المملوكة قد تكون مملوكة بذاتها، أو بمنفعتها كالمكتراة والموهوبة، فصاحب هذه الأرض له أن يمنع ماءه أو يبيعه إلا أن يخاف على ضياع زرع غيره، ولا مال مع صاحبه فيجب عليه أن يمكنه منه مجانا ولا يتبعه بثمنه على المعتمد، ولما كان عدم جواز منع فضل الماء لا يلزم منه منع أخذ ثمنه بَيَّنَ الخلاف فيه بقوله: «واختلف هل عليه،،،» الخ، والمذهب أنه لا ثمن عليه في ذلك ولو كان مليا، وهو ظاهر ما في المدونة.
وأقول في ختام هذه الفقرة إني كنت ذكرت لبعض أصدقائي ما جاء في النهي عن بيع الماء ومنع الناس منه، وفضل التصدق به، ومن ذلك قول النبي ﷺ : «أفضل الصدقة سقي الماء»، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم عن سعد بن عبادة ﵁، فنفعه الله بهذا الحديث، فلا تكاد تراه يسافر إلا ومعه الماء يعطيه لمن يمر به من العمال والرعاة ونحوهم، ولا يكاد منزله يفرغ من الماء المعبإ يعطي من يزوره ويزوده به فجازاه الله خيرا، ورزقنا العلم بما نتعلم قال مالك: أدركت الناس وما يعجبهم القول ولكن يعجبهم العمل، وكان السلف يقولون: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل، وروى الطبراني عن أنس ﵁ أن سعدًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمِّي توفيت، ولم توص، أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: «نعم، وعليك بالماء".
стр. 2216
• قوله:
٤٥ - «وينبغي أن لا يمنع الرجل جاره أن يغرز خشبة في جداره، ولا يقضى عليه».
دلّ على هذا حديث أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره»، ثم يقول أبو هريرة: «ما لي أراكم عنها معرضين؟، والله لأرمين بها بين أكتافكم، رواه مالك في الموطإ والشيخان وبعض أصحاب السنن، وقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار، وللرجل أن يضع خشبة في حائط جاره، وإذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع»، رواه أحمد وابن ماجة عن ابن عباس، فنفى الضر المبتدأ به، والضرار وهو الذي يفعل ليقابل به، ومذهب مالك كراهة منع الجار من ذلك، ولهذا قال المؤلف: «ولا يقضى عليه»، لكنهم قيدوا عدم القضاء له بما إذا لم يضطر إليه وإلا قضي له به، وهكذا إن قبل أن يغرز خشبته في جداره فليس له الرجوع إلا بعد المدة المعينة للغرز أو المعتادة في مثل ذلك، وقد صدر مالك كتاب المرفق في الموطإ بحديث «لا ضرر ولا ضرار»، وذكر بعده حديث المسألة التي نحن بصددها، فكأنه بذلك أورد معتمده في صرف النهي عن المنع إلى الكراهة، ولا ريب أن الجار إن تضرر بوضع جاره الخشبة في جداره، فإن الأمر ليس كما إذا لم يتضرر، فإن من ذهب إلى إيجاب ذلك قيده بما إذا لم يتضرر به المالك، وأن لا يُقَدَّمَ على حاجة المالك، فالظاهر مع هذه القيود الإيجاب، وما ورد من الأدلة مما يدل على حرمة مال المسلم وعدم حله إلا بطيب نفسه، فإنه أعم من هذا، لأن «معناه التمليك والاستهلاك، وليس المرفق من ذلك لأن النبي ﷺ قد فرق في الحكم بينهما، فغير واجب أن يجمع ما فرق رسول الله ﷺ »، قاله ابن عبد البر.
стр. 2217
• قوله:
٤٦ - «وما أفسدت الماشية من الزرع والحوائط بالليل فذلك على أرباب الماشية، ولا شيء عليهم في فساد النهار».
كلامه هنا في الدابة التي لا سائق لها ولا قائد ولا راكب، لأن الكلام على هذا قد تقدم في قوله من باب الدماء والحدود: «والسائق والقائد والراكب ضامنون لما وطئت الدابة»، فما أتلفته الماشية بالليل فهو على أربابها، يضمن المثلي مثليا والقيمي قيميا، ولو كان أكثر من قيمة الدابة، وذلك ما لم يكونوا قد ربطوها ربطا وثيقا أو أغلقوا عليها الباب ثم تفلتت، غير أنهم فرقوا بين العبد يجني فإنه يُسَلَّمُ في جنايته إلى المجني عليه، بخلاف الماشية فلا تُسَلَّمُ، ولعل الوجه فيه أن العبد مكلف بخلاف الماشية.
وقول المؤلف: «من الزرع والحوائط»، يخرج ما لو وطئت أحدا نائما بالليل فقتلته مثلا فإنه لا ضمان على ربها، أما ما أفسدته بالنهار وهي غير معروفة بالعداء فلا ضمان عليهم فيه على الأصل كما تقدم، وقد قال رسول الله ﷺ : «العجماء جرحها جُبَار، والبئر جُبَار، والمعدن جُبَار، وفي الركاز الخمس»، رواه مالك (١٥٨٣) والشيخان وأصحاب السنن الأربعة، قال مالك: وتفسير الجُبَار أنه لا دية فيه»، انتهى، لكن رب الماشية يضمن ما أتلفته بالليل إن كان معها راعيها الذي له القدرة على منعها، لأنه حينئذ بمثابة الراكب والقائد والسائق، وهكذا إذا سرحت قريبا من المزارع والحوائط، وذهب يحي بن يحي الليثي إلى الضمان مطلقا، وألزم به القضاة في الأندلس، ولمالك رواية تردد فيها، وللباجي في المنتقى تفصيل جيد في المسألة يحسن الاطلاع عليه.
ودليل المشهور ما رواه مالك (١٤٣١) عن حرام بن محيصة أن ناقة البراء ابن عازب دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها»، وهو مرسل صحيح، قد
стр. 2218
وصله أبو داود وابن ماجة (٢٣٣٢)، وانظر الصحيحة للألباني (ح/ ٢٣٨)، ومعنى ضامن على أهلها مضمون كما قاله ابن عبد البر.
وللمسأله أصل في شرع من قبلنا، قال الله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٧/ ٢٠٥): «ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن أن النفش لا يكون إلا بالليل»، انتهى، ويقال عن الماشية نفشت بالليل وهملت بالنهار، وهذا كما ترى ليس فيه التعرض لحكم الإتلاف بالنهار.
стр. 2219
• قوله:
٤٧ - «ومن وجد سلعته في التفليس فإما حاصص، وإلا أخذ سلعته إن كانت تعرف بعينها، وهو في الموت أسوة الغرماء».
كلامه هنا على بعض مسائل التفليس، وهو مصدر فلس المشدد، يقال: فلسه الحاكم تفليسا إذا حكم بذلك عليه، وقد قيل إن التفليس عدم المال، والظاهر أنه كذلك بقيد سبق وجوده، ففي مقاييس اللغة يقال: أفلس الرجل صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم»، انتهى، يريد أنه لا يملك إلا أدنى المال، وهو الفلوس، وفي اللسان: «أفلس الرجل إذا لم يبق له مال»، انتهى.
وقد قسموا التفليس قسمين: التفليس الأعم، وهو قيام ذي الدَّيْنِ على المدين الذي ليس عنده ما يفي بدينه، أي الذي تزيد ديونه على ما يملك، ومن أحكامه أن لصاحب الدَّيْنِ أن يمنع من أحاط الدَّيْنُ بماله من التبرعات، ومن السفر الذي يحل فيه وقت الدين، لكن لا يمنعه مما ينمي به ماله كالبيع والشراء، والقسم الثاني هو التفليس الأخص، وهو حكم الحاكم بخلع مال المفلس لغرمائه لعجزه عن قضاء ما لزمه، ومن أحكامه أن المفلس يُمْنَع من تصرفاته كلها، إلا أن يبيع لأجل الوفاء قال الحسن: «إذا أفلس وتبين لم يجز بيعه ولا عتقه ولا شراؤه»، علقه البخاري.
والمقصود أن من باع سلعة ولم يقبض ثمنها من المشتري حتى فُلس، فإن وجدها بعينها عند المفلس، وشهدت له بينة بذلك، فهو بالخيار إما أن يحاصص غيره من الغرماء، وهم الدائنون فيأخذ بنسبة ما له منه، فإن بقي له شيء فهو في ذمة المدين، وإن لم يختر المحاصصة فله أن يأخذ سلعته نفسها بالثمن الذي باعها به، لا فرق بين أن تكون قيمتها قد علت أو نزلت، وتخيير من وجد سلعته بعينها ثابت ما لم يدفع له الغرماء ثمن سلعته، فإن دفعوه له فلا كلام له، كما قيد هذا التخيير بما إذا كان التفليس طارئا بعد البيع، أما إن كان
стр. 2220
قبله مع علم الدائن به فإنه لا يكون أحق بسلعته، بل ليس له إلا المحاصصة، لأنه دخل على التفليس.
وقد بين المؤلف مفهوم التفليس بقوله: «وهو في الموت أسوة الغرماء»، يريد أنه إذا مات المدين، فإنه ليس للدائن إلا محاصصة الغرماء بثمن سلعته، ولو وجد متاعه بعينه، وذلك لانتقال الملك إلى الورثة، ولأن الدليل إنما دل على حالة التفليس، أما غيرها فيستوي فيها الدائنون
ودليل أخذ الدائن سلعته إن وجدها بعينها ما رواه مالك (١٣٧٠) وأبو داود (٣٥٢٠) عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول الله ﷺ قال: «أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء»، وهو مرسل، وفي الموطإ (١٣٧١) والصحيحين وسنن أبي داود (٣٥٢٢) وابن ماجة عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أدرك ماله عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره»، وقوله ﷺ : «أسوة الغرماء»، الأسوة بضم الهمزة وكسرها ما يؤتسى به ويتبع، والمعنى أنه مثلهم.
قلت: التقييد الذي في الحديث وهو قوله ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا» لا بد من اعتباره، ولأنه قد صرح بمفهومه في رواية البيهقي قال: «وإن كان قبض من ثمنها شيئا فهي أسوة الغرماء».
стр. 2221
• قوله:
٤٨ - «والضامن غارم، وحميل الوجه إن لم يأت به غرم حتى يشترط أن لا يغرم».
الضمان مصدر ضمن يضمن من باب فرح، ويقال الضامن والحميل والزعيم والكفيل، وقد عرف خليل الضمان بقوله «شغل ذمة أخرى بالحق»، فشغل ذمة جنس، وقوله أخرى، يخرج البيع والحوالة، والذمة في التعريف يراد بها الواحدة والمتعددة، وقد تعقب بأنه غير مانع وغير جامع، وعرفه ابن عرفة بقوله: «التزام دَيْنٍ لا يسقطه، أو طلب من هو له لمن هو عليه»، فخرجت الحوالة بقوله: «لا يسقطه»، وقوله: «أو طلب،،، الخ»، يدخل ضمان الوجه وضمان الطلب.
والضمان من المعروف، فلا يجوز أخذ المعاوضة عليه، ومثله القرض والشفاعة، وقد قال النبي ﷺ : «من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها منه فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا»، رواه أحمد وأبو داود عن أبي أمامة، وقد تقدم ذكره.
ويصح الضمان من أهل التبرع، أي ممن له ذلك، ولا يشترط فيه رضا المضمون عنه، ويرجع الضامن على مضمونه بما أداه عنه، قال ابن عاصم:
وسمي الضامن بالحميل … كذاك بالزعيم والكفيل
وهو من المعروف فالمنع اقتضى … من أخذه أجزائه أو عوضا
وصح من أهل التبرعات … وثلث من يمنع كالزوجات
ويأخذ الضامن من مضمونه … ثابت ما أداه من ديونه
والضمان أقسام ثلاثة:
- ضمان مال، وهو التزام دَيْنٍ لا يسقط عمن هو عليه، وهو المراد بقول المؤلف
стр. 2222
«والضامن غارم»، وقد دل عليه قول النبي ﷺ : «العارية مؤداة والمنحة مردودة والدَّيْنُ يقضى والزعيم غارم»، رواه أبو داود (٣٥٦٥) والترمذي وحسنه وابن ماجة من حديث أبي أمامة ﵁.
- والثاني ضمان الوجه، وهو إحضار الغريم وقت الحاجة إليه، فتبرأ ذمة الضامن بذلك، ولو كان المضمون ميتا، فإن لم يأت به غرم لأنه داخل في عموم الدليل المتقدم، لكن إن اشترط عدم الغرم لم يغرم، لأن المسلمين على شروطهم.
- والثالث ضمان الطلب، وهو التفتيش عن الغريم المضمون، ولا غرم على الضامن إلا إذا فرط أو تخلى عما التزمه، قال خليل: «وضمن إن فرط أو هرب وعوقب»، انتهى.
وقال ابن عاصم:
ويبرأ الضامن للوجه متى … أحضر مضمونا لخصم ميتا
стр. 2223
• قوله:
٤٩ - «ومن أحيل بِدَيْنٍ فرضي فلا رجوع له على الأول، وإن أفلس هذا إلا أن يغره منه».
تكلم المؤلف على الحوالة قبل إنهاء الكلام على الضمان لقرب معناها منه، وهي بفتح الحاء، قال في القاموس: «الحوالة كسحابة»، وقد عرفوها بأنها «نقل الدَّيْنِ من ذمة إلى ذمة تبرأ به الأولى»، انتهى، وقال ابن عرفة: «هي طرح الدَّيْنِ عن ذمة بمثله في أخرى»، انتهى، وحكمها الجواز، وقد يقال إنها تتعدى ذلك لما فيها من تقليل الذمم المشغولة، والشرع متشوف إلى هذا، ولأن النبي ﷺ قال: «مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع»، رواه مالك والشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة، والمطل التأخير من وقت لآخر، وأتبع معناه أحيل، والمليء الغني، وقوله فليتبع ثلاثي بسكون التاء وفتح الباء، أي جعل تابعا للغير بطلب حقه منه، وقيل بشد التاء رباعي اتبع، والحوالة مستثناة بالدليل من أصل ممنوع وهو بيع الدَّيْنِ بالدَّيْنِ لأنها في معناه، والحكمة منها تقليل الذمم المشغولة، فمن أحيل بدَيْن ثابت له على شخص ورضي بالحوالة فلا يقبل منه الرجوع عنها، بمطالبة المحيل بدفعه له ولو أفلس المحال عليه إلا أن يكون المحيل غارا له كأن يعلم بإفلاس المحال عليه.
ثم أشار إلى بعض شروط الحوالة بقوله:
стр. 2224
• قوله:
٥٠ - «وإنما الحوالة على أصل دَيْنٍ وإلا فهي حمالة».
معناه أن شرط الحوالة أن يكون للمحيل دَيْنٌ على المحال عليه، فإن لم يكن له دَيْنٌ عليه فإنها تعتبر ضمانا وحمالة، ولو وقعت بلفظ الحوالة، والفرق بينهما أن الحوالة تبرأ بها ذمة من عليه الدَّيْنُ، بخلاف الضمان فإن الضامن يرجع بما أدى على المضمون بعد إثباته الدفع، ويشترط في الحوالة رضا المحيل والمحال فقط، لا المحال عليه، إلا أن يكون بين المحال والمحال عليه عداوة، ومنها ثبوت دَيْنٍ لازم للمحيل على المحال عليه، لأنها عقد لازم كما مر، ولا يتصور لزومه مع عدم لزوم الدَّيْنِ، ومنها إقرار المحال عليه بالدَّيْنِ، ولو كان للمحيل على الدَّيْنِ بينة لاحتمال الطعن فيها أو الإتيان بما يبطلها، فيتسع النزاع وينتشر، ومن شروطها حلول الدَّيْنِ المحال به فقط.
стр. 2225
• قوله:
٥١ - «ولا يغرم الحميل إلا في عُدم الغريم أو غيبته».
هذا رجوع من المؤلف إلى إتمام الكلام على الضمان، فيكون قيدا لقوله والضامن غارم، فَذِكْرُهُ معه أولى، وسيعود للحديث عن التفليس، ووجه ذكره هنا بيان الفرق بين الحمالة والحوالة في الضمان، وقد جمع بينهما مالك في موطئه في ترجمة (القضاء في الحمالة والحول)، ومعنى كلامه أن ضامن المال لا يغرم إلا إذا كان الغريم معدما، أو غائبا غيبة بعيدة، فلا يُستوفى الحق منه إلا إذا تعذر استيفاؤه من الأصل كالرهن، أما إن لم يكن عند المضمون إلا بعض الدين فإن الضامن يكمل الباقي.
стр. 2226
• قوله:
٥٢ - «ويحل بموت المطلوب أو تفليسه كل دَيْنٍ عليه، ولا يحل ما كان له على غيره».
المراد بالمطلوب هو المدين، ومعنى حلول الدين بموته وجوب رده إلى صاحبه، وهو وارثه، فإن كان الدائن يعلم منهم من هو أمين عدل صح والله أعلم أن يُسَلَّمَ إليه، وإلا تعين إخبار الورثة كلهم، ووجه حلول الدين بموت المدين أن الأجل في الدين للرفق به، وبموته يزول هذا، بل الرفق به أن يؤدى عنه دينه كما علم من عدم صلاته ﷺ على من عليه دين حتى يقضى، ولأن ماله صار لغيره من الورثة، وقد قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، ولقول النبي ﷺ : «نفس المؤمن معلقة بدَيْنِهِ حتى يقضى عنه»، رواه الترمذي (١٠٧٨) وحسنه، وابن ماجة (٢٤١٣) وغيرهما عن أبي هريرة، وقال النبي ﷺ : «من فارق الروح الجسد وهو بريء من ثلاث دخل الجنة: من الكنز، والغلول والدَّيْن»، رواه ابن ماجة (٢٤١٢) عن أبي هريرة.
وقوله ﵊: «من فارق الروح الجسد» عائده محذوف، فإما أن يقال من فارق روحه جسده، فتكون الألف واللام عوضا عن المضاف إليه، أو يقدر العائد محذوفا مع حرف الجر، أي من فارق الروح الجسد منه.
وأما حلول الدين بالتفليس - والمراد به هنا الأخص منه، وهو حكم الحاكم به لا مجرد قيام الغرماء عليه - فلأنه يفسد الذمة، فأشبه الموت، وقد قيدوا حلول الدين بالموت والتفليس بما إذا لم يكن صاحب الدين قد قتل المدين، لأنه حينئذ متهم بقتله لتعجيل حصوله على الدين، والثاني أن لا يكون من عليه الدين شرط عدم الحلول بالموت أو بالفلس.
стр. 2227
وكل هذا إذا مات المدين أو أفلس، أما لو حصل ما ذكر للدائن فإنه لا يحل ما له على غيره من الدين لوجود ذمة من عليه الدين، لكن إن شرط الحلول بموته أو فلسه فقد قيل يعمل به حيث وقع الشرط خارج العقد، لأنه إن وقع فيه أدى إلى فساده لجهالة الأجل، والله أعلم.
стр. 2228
• قوله:
٥٣ - «ولا تباع رقبة المأذون فيما عليه، ولا يتبع به سيده».
كلامه هنا عن العبد الذي أذن له مالكه في التجارة، فإنه إذا أفلس لا يجوز بيعه في الدين المترتب عليه، ولا يتبع به سيده، وإنما يكون ذلك في ذمته سواء أبقي في ملك سيده، أم أعتقه، لكن إن قال سيده عاملوه وما عاملتموه فذلك علي فإنه يتبع به، ويباع في الدين العبد لأن السيد صار ضامنا والعبد ماله.
стр. 2229
• قوله:
٥٤ - «ويحبس المديان ليستبرأ، ولا حبس على معدم».
استدل بعضهم على هذا بقول النبي ﷺ : «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته»، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة (٢٤٢٧) عن عمرو بن الشريد، وليس بمتجه لتقييد حل عقوبة المدين بما إذا كان واجدا، أي قادرا على الأداء، واللي هو المطل وهو التأخير من وقت إلى وقت، وحل عرضه معناه شكايته كأن يقول ظلمني، وعقوبته فسرت بسجنه.
وفي كلام المؤلف ما يدل على أن الذي يحبس إنما هو مجهول الحال حتى يثبت عسره بشهادة رجلين عدلين، دل على قوله «ليستبرأ»، أي ليعلم حاله.
أما من علم عسره - وهو المعدم بفتح الدال - فلا يحبس لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠]، والملي يحبس، فإن أبى الأداء عزر بين الحين والآخر حتى يؤدي ما عليه.
قال النفراوي ﵀ في شرحه على الرسالة عما ينبغي أن يتوفر في الحبس: «إلا أن الذكر يحبس مع الذكور، والأنثى مع النساء، قال خليل: «وحبس النساء عند أمينة خالية وذات أمين، والخنثى المشكل ومثله الشاب الذي يخشى عليه يحبس منفردا، ولا يجوز وضع حديد ونحوه في عنق المحبوس إلا أن يكون معروفا بالعداء»، انتهى، وقال: «لا يجوز لحاكم ولا صاحب حق منع من يسلم على المحبوس ولا من يخدمه إذا اشتد مرضه، وقيل مطلقا، وله منع زوجته من الدخول عليه للجلوس عنده، لا إن أرادت السلام عليه كغيرها فلا تمنع، وعكسه كذلك لو كانت هي المحبوسة، وأما لو كان أحد الزوجين محبوسا لحق صاحبه لجاز له الدخول والإقامة أيضا»، انتهى.
стр. 2230
• قوله:
٥٥ - «وما انقسم بلا ضرر قسم من ربع أو عقار، وما لم يتقسم بغير ضرر فمن دعا إلى البيع أجبر عليه من أباه».
الكلام هنا على القسمة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ [النساء: ٨]، وقال تعالى عن المشركين الذين يجعلون لله ما يكرهون وهن البنات: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢]، وقال نبينا ﷺ : «الشفعة فيما ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة».
والقسمة في اللغة بيان أنصباء من لهم شركة في الشيء، وسبب الشركة متعدد كالإرث والشراء والاتهاب، ومتى طلب القسمة أحد الشركاء نظر، فإن كان مما يقسم من غير ضرر أعني من غير تفويت مصلحته كالأرض والبناء استجيب له، لأن حاجة الناس إلى القسمة قائمة حتى يتمكنوا من التصرف في أموالهم بالبيع وغيره، ولأنه قد يكون في الشركة ضرر.
أما إن كان المشترك فيه مما لا يقبل القسمة أو يقبلها بضرر كالثوب والخف والرحا والحمام، فهذا متى طلب واحد من الشريكين البيع لزم الآخر قبوله، وإلا أجبر عليه، وله حق الشفعة على ما تقدم.
وقد قال ابن عرفة في حد القسمة: «هي تصيير مشاع من مملوك مالكين معينا ولو باختصاص تصرف فيه بقرعة أو تراض»، انتهى.
وقد ذكر في تعريفه أنواع القسمة الثلاثة، وهي
قسمة التراضي، وقسمة القرعة، وهاتان تكونان في الأعيان، وتختص قسمة القرعة بأنها لا تكون إلا في صنف واحد مما تماثل أو تجانس كما سيأتي.
стр. 2231
والثالثة قسمة المهايأة، ولا تكون إلا في المنافع، اتحدت أو تعددت، وهي كالإجارة، فيلزم فيها تعيين الزمن، ومثالها أن يكون لشخصين دار فيتفقان على أن يسكنها أحدهما سنة والآخر سنة، ولا يشترط تساويهما في زمن المنفعة حيث كان ذلك بالتراضي.
وقد أوضح قسمة المهايأة ابن عرفة بقوله: «اختصاص كل شريك فيه بمشترك فيه عن شريكه زمنا معينا من متحد أو متعدد»، انتهى.
стр. 2232
• قوله:
٥٦ - «وقسم القرعة لا يكون إلا في صنف واحد».
القسمة بالقرعة لا تكون إلا في صنف واحد كالعقار والحيوان، واختلف في مشروعيتها في المثليات كالمكيلات والموزونات، ولعل سبب الاختلاف عدم الحاجة إليها لأن التساوي فيها يتحقق، فإن كان الذي يراد قسمه بالقرعة متعددا أجريت القرعة على كل صنف على حدة، ولا بد فيه مع ذلك من التعديل والتقويم، أي الاجتهاد في جعل الأنصباء متقاربة القيمة ما أمكن، ولذلك يرد فيها بالغبن، ويجبر عليها من أباها، ولا يجوز الجمع فيها بين حظ اثنين، كأن يقسم شيء بين ثلاثة قسمين، ثم يقال هذا لاثنين وهذا لواحد وتجرى القرعة بعد ذلك قال في الموطإ: «سمعت مالكا يقول فيمن ترك أموالا بالعالية والسافلة إن البعل لا يقسم مع النضح إلا أن يرضى أهله بذلك، وإن البعل يقسم مع العين إذا كان يشبهها، وان الأموال إذا كانت بأرض واحدة الذي بينهما متقارب أنه يقام كل مال منها ثم يقسم بينهم والمساكن والدور بهذه المنزلة»، انتهى، العالية والسافلة موضعان بالمدينة، والبعل ما يشرب بعروقه وقيل ما سقي بماء السماء، والنضح، المراد ما سقي بالناضح وهو البعير الذي يحمل الماء، وإنما رأى جمع البعل مع العين لأن كلا منهما يخرج منه العشر، وإنما لم يجمع البعل وخلافه في قسمة القرعة لأنها تكون بالجبر، لكن إن رضي الشركاء أن تقسم بينهم بالقرعة أو تراضوا من غير قرعة جاز ذلك.
стр. 2233
• قوله:
٥٧ - «ولا يؤدي أحد الشركاء ثمنا، وإن كان في ذلك تراجع لم يجز القسم إلا بتراض».
هذا في القسمة بالقرعة، يعني أنه لا يصح فيها أن يرد أحد الشريكين للآخر شيئا، ومثاله: أن يتفقا على الاقتراع على سيارتين، فيقال: من أخذ السيارة كذا يعطى عشرين ألف دينار لمن أخذ الأخرى، فهذا لا يصح، لأن ذلك يخرج القسمة أن تكون بالقرعة إلى أن تكون بيعا، والبيع لا يكون إلا عن تراض كما جاء في الحديث، والقرعة مبنية على الإجبار فتنافيا.
ويذكر أن مالكا روى في موطئه (١٤٣٠) بلاغا عن ثور بن يزيد الديلي أنه قال بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «أيما دار أو أرض قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية، وأيما دار أو أرض أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام»، وهو عند أبي داود وابن ماجة من حديث ابن عباس نحوه وصححه الألباني في الإرواء (ح/ ١٧١٧)، وفيه أصل عظيم من أصول القسمة، فقد يكون فيه دليل على أنه لا ينبغي مراجعتها بعد طول العهد وتملك الناس أموالهم والتصرف فيها لما ينشأ عن ذلك من المفاسد، ومن هذا الباب تقرير الإسلام الكفار على أنكحتهم إذا أسلموا وعلى أملاكهم ومواريثهم، ولهذه المسألة علاقة بالمبدأ المعمول به في عرف الدول اليوم، ويعبرون عنه بقولهم احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، ويظنون أنه من مخترعات القوانين الدولية المعاصرة، لكنهم لا يعملون به إلا إذا خدم مصالحهم.
стр. 2234
• قوله:
٥٨ - «ووصي الوصي كالوصي».
التشبيه واقع على من أوصاه الولي وهو الأب، فإن له أن يوصي غيره لأن الأب أنزله منزلته، وهكذا وإن تسلسل، فيكون بمنزلته في كل ما للوصي فعله من نكاح وغيره، ولا يصدق ذلك على من جعله الحاكم وصيا، فليس له أن يوصي غيره ويحله محله، وقد سبق شيء من هذا في النكاح.
стр. 2235
• قوله:
٥٩ - «وللوصي أن يتجر بأموال اليتامى، ويزوج إماءهم».
يريد أنه يجوز للوصي أن يدفع أموال اليتامى لمن يتجر فيها على وجه القراض أو غيره من المعاملات لتنمى لهم، قالوا وله أن لا يفعل، لأن ذلك ليس واجبا عليه، وذكروا أنه يكره له أن يعمل فيها بنفسه لئلا يحابيها، إلا أن يكون عمله مجانا، ومن صح عنده حديث «اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة»، وقد تقدم فيها ارتقى الحكم من الإباحة إلى ما فوقها، وقولُ المؤلف: «ويزوج إماءهم»، يعني إماء اليتامى، ولا فرق بين الإماء والعبيد، وقد تقدم في باب النكاح الكلام على تزويج أولاد من أوصاه حيث قال: «وللوصي أن يزوج الطفل في ولايته، ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها»، والله أعلم.
стр. 2236
• قوله:
٦٠ - «ومن أوصى إلى غير مأمون فإنه يعزل».
من أوصى لفاسق ابتداء سقطت وصيته، وكذلك إذا طرأ عليه الفسق، وكذلك لو أوصى لعاجز، أو لمن ليس له كفاءة، أو طرأ ذلك عليه فإنه يعزل، لأن الشروط المطلوب توفرها في الوصي تراعى ابتداء ودواما.
стр. 2237
• قوله:
٦١ - «ويبدأ بالكفن ثم الدَّيْن ثم الوصية ثم الميراث».
ذكر ترتيب ما يخرج من تركة الميت هو بباب الفرائض أليق، وتقديم الكفن على غيره لا خلاف فيه، وإن اختلف في مقدار ما يقضى منه للميت عند التشاح، ووجه تقديمه أن المال إنما انتقل إلى الوارث لأن الميت لم يعد في حاجة إليه، والكفن وسائر مؤن التجهيز المشروع ليس كذلك، ويقدم الكفن ولو أتى على جميع التركة، ويليه رد الدين ثم الوصية من ثلث الباقي، وقد قيد الله في أربعة مواضع من كتابه دفع سهام الوارثين بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، قال ابن كثير ﵀: «أجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدين مقدم على الوصية، وذلك عند إمعان النظر يؤخذ من فحوى الآية الكريمة»، انتهى، قال بعض أهل العلم: «وإنما قدمت الوصية لشبهها بالميراث من جهة أنها بغير عوض، فقدمت عليه للمسارعة لإخراجها، ولذا أتى بأو للتسوية بينهما في الوجوب، وليفيد تأخر الإرث عنهما مجتمعين»، انتهى، قلت غير أنه في المذهب يقدم من أفراد الدين الحق المتعلق بالذات كالمرهون والعبد الجاني.
стр. 2238
• قوله:
٦٢ - «ومن حاز دارا على حاضر عشر سنين تنسب إليه وصاحبها حاضر عالم لا يدعي شيئا فلا قيام له».
إذا حاز المرء دارا أو غيرها من أنواع العقار وصاحبها حاضر ليس بينه وبينه شركة ولا قرابة قريبة وهو عالم بدعواه الملكية ساكت لم يتكلم من غير عذر ولا إكراه، ومضى على ذلك من الزمان ما يتمكن منه المرء من السعي في استرداد ماله دل ذلك على أن المحوز ليس له لقضاء العرف بخلاف ذلك، فإن لم يأت ببينة على أنه قد أكرى أو أعار أو نحو ذلك فلا شيء له، وقد استدلوا على تلك المدة التي لا تقبل فيها الدعوى بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من حاز شيئا عشر سنين فهو له»، رواه ابن وهب عن سعيد بن المسيب مرسلا، وفيه عبد الجبار الأيلي وهو ضعيف، وقد رواه عبد الجبار أيضا عن زيد بن أسلم، قلت: ورواه أبو داود في مراسيله عن هلال بن بشر حدثنا يحيى بن محمد سمعت زيد بن أسلم فذكره بلفظ: «من احتاز شيئا عشر سنين فهو له»، وهلال ثقة، ويحيى صدوق يخطئ كثيرا كما في التقريب لابن حجر، والحديث في الضعيفة للألباني ﵀ يرقم (٤٨٥٣)، وقيل إن المدة سبع سنين، وقيل إن الأمر يرجع إلى اجتهاد الحاكم وهو قول مالك، وهو الذي يتجه.
стр. 2239
• قوله:
٦٣ - «ولا حيازة بين الأقارب والأصهار في مثل هذه المدة».
يريد أن حيازة المرء للعقار والأرض في تلك المدة لا تقتضي الملكية إن كان ما حازه لقريبه كالإخوة والأعمام أو لصهره، ووجه ذلك أن المرء له من المعاملة مع قريبه وصهره وشريكه بحيث يمكنه من أملاكه ويخول له التصرف فيها ما لا يفعله مع غيره من الناس، فمضي تلك المدة ليس حجة على الملكية بالحيازة، بل لا بد من مضي مدة أكبر كأربعين سنة متى كان التصرف بالهدم والبناء لا بالزرع فقط، وهذا ما لم يكن بين الأقارب والأصهار عداوة وإلا فهم كالأجانب في المدة، أما الابن مع أبيه فالأمر مختلف إذ لا حيازة إلا مع الزمن الطويل الذي تهلك فيه البينات وينقطع فيه العلم.
стр. 2240
• قوله:
٦٤ - «ولا يجوز إقرار المريض لوارثه بدين أو بقبضه».
المؤلف لا يريد مطلق المرض، بل المخوف منه بخاصة، فإن إقراره بالدين للوارث يتهم فيه، فلا يقبل منه من غير بينة، فإن فيه إثبات مال للوارث فصار كالوصية له، ومثل ذلك إقراره بقبض الدين الذي له على الوارث من غير بينة، كما لو قال الدين الذي لي على ابني فلان - وهو بار به مع وجود العاق - قد أداه، وقد تقدم ذكر نكاح المريض وطلاقه وله صلة بما هنا فانظره.
стр. 2241
• قوله:
٦٥ - «ومن أوصى بحج أنفذ، والوصية بالصدقة أحب إلينا».
لا فرق في لزوم إنفاذ وصية المرء المريض بالحج عن نفسه بين الصرورة وهو من لم يسبق له الحج وغيره، فأما إن أوصى بأن يحج عنه في حال الصحة وهو صرورة فلا تنفذ وصيته، ووجهه أنه قادر على الحج ففرط فيه، والاستنابة إنما تكون عند العجز وفيه نظر.
واعلم أن إنفاذ الوصية بالحج على ما تقدم مكروه عندهم، قالوا والمكروه ينفذ، وقد قال خليل: «ومنع استنابة صحيح في فرض، وإلا كره»، انتهى.
وقد ترتب على القول بإنفاذ الوصية المكروهة مفاسد جمة ولاسيما في المساجد التي يحبسها أناس ويوصون بأن يدفنوا فيها، فلما كان الدفن في المساجد مكروها عندهم فحسب، قالوا تنفذ الوصية!!، وقد حضرت افتتاح مسجد في مدينة بلعباس بعيد استعادة الاستقلال وأشرف على افتتاحه وزير الأوقاف يومئذ وهو توفيق المدني ﵀ صحبة الشيخ الطيب بويجرة ﵀ وأعلنت وصية المحبس من على المنصة وذكر وجه إنفاذها الذي أشرت إليه ودفن بعد موته في المسجد، فتسبب ذلك في هجرانه من كثير من الناس، والحق أنها وصية لا يجوز إنفاذها، ولو من الواقف، فكيف إذا كان غيره؟ كما حصل غير مرة، ومنه هذا الذي جرى بعين مران من ولاية الشلف حيث توفي إمام مسجد فيها وأوصى أن يدفن في المسجد فنفذت وصيته وتنفيذ هذه الوصية لا يجوز باتفاق المالكية وغيرهم لأنها في غير ملك الموصي، ولا فيما حبسه واشترط فيه، وقد أرمت الجهة الحاكمة وجمجمت لمناصرتها للطرقية وأهل الضلال، وهي تزعم أنها تتبع المرجعية الوطنية.
وقد قل هذا الأمر في بلادنا في العقود الأخيرة، لكننا ما زلنا نعاني آثار ما حصل من قبل بسبب تلك الفتاوي، ونعيش متاعب التشدد من جهة، والتساهل من جهة أخرى، ولو أخذنا بآراء من توسعوا في سد الذرائع لمنعنا الناس من الصلاة في مساجد كثيرة، والحال أن القبر ليس في قاعة الصلاة، ولا في قبلتها ولا يعرف معظم الناس مكانه.
стр. 2242
ولما كانت الوصية بالحج مكروهة عندهم بَيَّنَ المؤلف ما هو أولى من ذلك بقوله: «والوصية بالصدقة أحب إلينا»، للاتفاق على انتفاع الميت بها ووصول ثوابها ولاسيما إذا كان ذلك على وجه الوقف فتكون صدقة جارية وقد قال النبي ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، رواه مسلم وأبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة ﵁.
قلت: إنما تنفذ الوصية بالصدقة إذا أوصى بها على الوجه المشروع، أما إن أوصى بغير المشروع فلا تنفذ وتصرف إن قبل الورثة في وجه مشروع، ومن أوصى أن يجتمع الناس في منزله ويقرأ عليه القرآن أو يذبح عنه في الوعدة فهذا لا يجوز إنفاذه ويصرف إلى الوجه المقبول شرعا.
стр. 2243
• قوله:
٦٦ - «وإن مات أجير الحج قبل أن يصل فله بحساب ما سار، ويرد ما بقي، وما هلك بيده فهو منه».
الإجارة على الحج مختلف فيها، جوزها الأئمة على غير وجه الإجارة المعروفة لأن تكون رزقا يعطى لمن ينوب، وجوز مالك والشافعي الإجارة، وهي أقسام.
قال في مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٢/ ٥٤٦): «فالمعاوضة في الحج على ثلاثة أضرب: حج بأجرة معلومة، وحج بنفقة ما بلغت، وتسمى أجرة على البلاغ، وحج بأجرة على وجه الجعالة، وهو أن يلزم نفسه شيئا، ولكن إن حج كان له من الأجرة كذا، وهي من وجه البلاغ انتهى.
فالحج بأجرة معلومة يسميه بعضهم إجارة ضمان، وهي إما في شخص بعينه، وإما في ذمته، والحج على البلاغ معناه أن يعطى مقدار ما يحتاجه في النفقة ذهابا وإيابا بالعرف، والحج على الجعالة أن يُستأجر على أن يحج، فإن لم يكمل الحج فلا شيء له.
ومنهم من يجعل المعاوضة أربعة أقسام بأن يجعل إجارة الضمان قسمين إجارة في الذمة وأخرى في الشخص نفسه، والمؤلف إنما تكلم على نوعين هما: البلاغ والضمان، وإجارة الضمان مفضلة على غيرها لما فيها من الاحتياط للمال.
ومعنى كلامه أنه يُضمن للأجير على الحج ما أنفقه فيه، فإن أتم الحج فذاك، وإن مات أو منع قبل إنهاء ما عليه فله أو لورثته بحسب ما سار، وهذا لأنه عمل فيما استؤجر لأجله ولم يتمكن من إتمامه فلو لم يعط بمقدار ما سار لذهب عمله هدرا، وسواء مات قبل الوصول إلى مكة، أو بعد الوصول وقبل إتمام ما عليه فعله، وعليه أن يرد ما بقي من المال هو أو وارثه، وإن ضاع المال أو بعضه من أجير الضمان فإنه يضمنه لأنه قد قبض، فيرده كله إن لم يَسِرْ شيئا، أو يرد بقدر ما زاد على حقه، أما لو وقع العقد جعالة فلا يستحق الأجير بموته أو منعه شيئا من المال قبل التمام.
واستثنى من ضمان الحاج الأجير فقال:
стр. 2244
• قوله:
٦٧ - «إلا أن يأخذ المال على أن ينفق على البلاغ فالضمان من الذين واجروه، ويرد ما فضل إن فضل شيء».
يعني أن إجارة البلاغ يأخذ الأجير فيها بقدر ما أنفق ذهابا وإيابا، فإن مات قبل الإتمام فله من المال بقدر ما سار بالعرف، وإن ضاع المال فلا ضمان عليه، وإن نفدت النفقة أنفق من عنده ورجع بما زاد على من وَاجَرَهُ، وإنما كان الضمان على الذين واجروه على البلاغ إذا هلك المال الذي معه لأنهم فرطوا في إجارة الضمان ولجأوا إلى إجارة البلاغ.
стр. 2245
٣٩ - باب في الفرائض
الفرائض جمع فريضة، والمراد النصيب الذي أوجبه الشرع للوارث، فهي بمعنى مفروضة، يقال فرضت الشيء أفرضه وفرّضته مشددا للتكثير تفريضا بمعنى أوجبته، ولذلك تطلق على ما بلغ من النعم ما تجب فيه الزكاة، وفي الفرض معنى القطع، وهو يلتقي مع الإيجاب، وإن كان أعم منه، كما يلتقي مع التقدير.
ويسمى هذا العلم بعلم الفرائض، وعلم المواريث، والمواريث أعم من الفرائض، لأن الأولى تشمل وراثة المال، وسائر الحقوق التي تورث من غير المال بأن تنتقل إلى الأَولى بها.
وقد عرف بأنه «علم يعرف به من يرث ومن لا يرث ومقدار ما لكل وارث»، وقال بعضهم: «هو العلم بالأحكام العملية المختص تعلقها بالمال بعد موت مالكه تحقيقا أو تقديرا»، وتحقق الملك والموت معلوم، وتقديرهما كما في المفقود والجنين، فالأول مقدر الموت، والثاني مقدر الملك، وانظر الفواكه الدواني للنفراوي، قال الحطاب في مواهب الجليل: «فحقيقته مركبة من الفقه المتعلق بالإرث، ومن الحساب الذي يتوصل به إلى معرفة ما يجب لكل وارث»، انتهى.
فالذي يُدْرَسُ في هذا الباب قسمان:
أولهما: ما يرجع إلى معرفة أحكام الله تعالى من كون هذا له النصف أو الثلث أو الربع أو كونه عاصبا مع غيره أو وحده.
والثاني: ما يرجع إلى معرفة الحساب، والأول قد يحتاج معه إلى الحساب وقد لا يحتاج إليه.
فمثال ما لا يحتاج إلى الحساب ما إذا ترك المتوفى ابنا فقط، أو ابنا وبنتا، فينبغي أن يعلم من يزاول قسمة الميراث أن الابن عاصب يحوز المال كله إذا انفرد ولم يترك الميت أبا ولا أما ولا زوجا ولا جدا ولا جدة، وفي الحالة الثانية ينبغي أن يكون عالما بأن للذكر
следующие страницы →