← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

• قوله: ٦٥ - «ومن أوصى بحج أنفذ، والوصية بالصدقة أحب إلينا». لا فرق في لزوم إنفاذ وصية المرء المريض بالحج عن نفسه بين الصرورة وهو من لم يسبق له الحج وغيره، فأما إن أوصى بأن يحج عنه في حال الصحة وهو صرورة فلا تنفذ وصيته، ووجهه أنه قادر على الحج ففرط فيه، والاستنابة إنما تكون عند العجز وفيه نظر. واعلم أن إنفاذ الوصية بالحج على ما تقدم مكروه عندهم، قالوا والمكروه ينفذ، وقد قال خليل: «ومنع استنابة صحيح في فرض، وإلا كره»، انتهى. وقد ترتب على القول بإنفاذ الوصية المكروهة مفاسد جمة ولاسيما في المساجد التي يحبسها أناس ويوصون بأن يدفنوا فيها، فلما كان الدفن في المساجد مكروها عندهم فحسب، قالوا تنفذ الوصية!!، وقد حضرت افتتاح مسجد في مدينة بلعباس بعيد استعادة الاستقلال وأشرف على افتتاحه وزير الأوقاف يومئذ وهو توفيق المدني ﵀ صحبة الشيخ الطيب بويجرة ﵀ وأعلنت وصية المحبس من على المنصة وذكر وجه إنفاذها الذي أشرت إليه ودفن بعد موته في المسجد، فتسبب ذلك في هجرانه من كثير من الناس، والحق أنها وصية لا يجوز إنفاذها، ولو من الواقف، فكيف إذا كان غيره؟ كما حصل غير مرة، ومنه هذا الذي جرى بعين مران من ولاية الشلف حيث توفي إمام مسجد فيها وأوصى أن يدفن في المسجد فنفذت وصيته وتنفيذ هذه الوصية لا يجوز باتفاق المالكية وغيرهم لأنها في غير ملك الموصي، ولا فيما حبسه واشترط فيه، وقد أرمت الجهة الحاكمة وجمجمت لمناصرتها للطرقية وأهل الضلال، وهي تزعم أنها تتبع المرجعية الوطنية. وقد قل هذا الأمر في بلادنا في العقود الأخيرة، لكننا ما زلنا نعاني آثار ما حصل من قبل بسبب تلك الفتاوي، ونعيش متاعب التشدد من جهة، والتساهل من جهة أخرى، ولو أخذنا بآراء من توسعوا في سد الذرائع لمنعنا الناس من الصلاة في مساجد كثيرة، والحال أن القبر ليس في قاعة الصلاة، ولا في قبلتها ولا يعرف معظم الناس مكانه.

стр. 2242

ولما كانت الوصية بالحج مكروهة عندهم بَيَّنَ المؤلف ما هو أولى من ذلك بقوله: «والوصية بالصدقة أحب إلينا»، للاتفاق على انتفاع الميت بها ووصول ثوابها ولاسيما إذا كان ذلك على وجه الوقف فتكون صدقة جارية وقد قال النبي ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، رواه مسلم وأبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة ﵁. قلت: إنما تنفذ الوصية بالصدقة إذا أوصى بها على الوجه المشروع، أما إن أوصى بغير المشروع فلا تنفذ وتصرف إن قبل الورثة في وجه مشروع، ومن أوصى أن يجتمع الناس في منزله ويقرأ عليه القرآن أو يذبح عنه في الوعدة فهذا لا يجوز إنفاذه ويصرف إلى الوجه المقبول شرعا.

стр. 2243

• قوله: ٦٦ - «وإن مات أجير الحج قبل أن يصل فله بحساب ما سار، ويرد ما بقي، وما هلك بيده فهو منه». الإجارة على الحج مختلف فيها، جوزها الأئمة على غير وجه الإجارة المعروفة لأن تكون رزقا يعطى لمن ينوب، وجوز مالك والشافعي الإجارة، وهي أقسام. قال في مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٢/ ٥٤٦): «فالمعاوضة في الحج على ثلاثة أضرب: حج بأجرة معلومة، وحج بنفقة ما بلغت، وتسمى أجرة على البلاغ، وحج بأجرة على وجه الجعالة، وهو أن يلزم نفسه شيئا، ولكن إن حج كان له من الأجرة كذا، وهي من وجه البلاغ انتهى. فالحج بأجرة معلومة يسميه بعضهم إجارة ضمان، وهي إما في شخص بعينه، وإما في ذمته، والحج على البلاغ معناه أن يعطى مقدار ما يحتاجه في النفقة ذهابا وإيابا بالعرف، والحج على الجعالة أن يُستأجر على أن يحج، فإن لم يكمل الحج فلا شيء له. ومنهم من يجعل المعاوضة أربعة أقسام بأن يجعل إجارة الضمان قسمين إجارة في الذمة وأخرى في الشخص نفسه، والمؤلف إنما تكلم على نوعين هما: البلاغ والضمان، وإجارة الضمان مفضلة على غيرها لما فيها من الاحتياط للمال. ومعنى كلامه أنه يُضمن للأجير على الحج ما أنفقه فيه، فإن أتم الحج فذاك، وإن مات أو منع قبل إنهاء ما عليه فله أو لورثته بحسب ما سار، وهذا لأنه عمل فيما استؤجر لأجله ولم يتمكن من إتمامه فلو لم يعط بمقدار ما سار لذهب عمله هدرا، وسواء مات قبل الوصول إلى مكة، أو بعد الوصول وقبل إتمام ما عليه فعله، وعليه أن يرد ما بقي من المال هو أو وارثه، وإن ضاع المال أو بعضه من أجير الضمان فإنه يضمنه لأنه قد قبض، فيرده كله إن لم يَسِرْ شيئا، أو يرد بقدر ما زاد على حقه، أما لو وقع العقد جعالة فلا يستحق الأجير بموته أو منعه شيئا من المال قبل التمام. واستثنى من ضمان الحاج الأجير فقال:

стр. 2244

• قوله: ٦٧ - «إلا أن يأخذ المال على أن ينفق على البلاغ فالضمان من الذين واجروه، ويرد ما فضل إن فضل شيء». يعني أن إجارة البلاغ يأخذ الأجير فيها بقدر ما أنفق ذهابا وإيابا، فإن مات قبل الإتمام فله من المال بقدر ما سار بالعرف، وإن ضاع المال فلا ضمان عليه، وإن نفدت النفقة أنفق من عنده ورجع بما زاد على من وَاجَرَهُ، وإنما كان الضمان على الذين واجروه على البلاغ إذا هلك المال الذي معه لأنهم فرطوا في إجارة الضمان ولجأوا إلى إجارة البلاغ.

стр. 2245

٣٩ - باب في الفرائض الفرائض جمع فريضة، والمراد النصيب الذي أوجبه الشرع للوارث، فهي بمعنى مفروضة، يقال فرضت الشيء أفرضه وفرّضته مشددا للتكثير تفريضا بمعنى أوجبته، ولذلك تطلق على ما بلغ من النعم ما تجب فيه الزكاة، وفي الفرض معنى القطع، وهو يلتقي مع الإيجاب، وإن كان أعم منه، كما يلتقي مع التقدير. ويسمى هذا العلم بعلم الفرائض، وعلم المواريث، والمواريث أعم من الفرائض، لأن الأولى تشمل وراثة المال، وسائر الحقوق التي تورث من غير المال بأن تنتقل إلى الأَولى بها. وقد عرف بأنه «علم يعرف به من يرث ومن لا يرث ومقدار ما لكل وارث»، وقال بعضهم: «هو العلم بالأحكام العملية المختص تعلقها بالمال بعد موت مالكه تحقيقا أو تقديرا»، وتحقق الملك والموت معلوم، وتقديرهما كما في المفقود والجنين، فالأول مقدر الموت، والثاني مقدر الملك، وانظر الفواكه الدواني للنفراوي، قال الحطاب في مواهب الجليل: «فحقيقته مركبة من الفقه المتعلق بالإرث، ومن الحساب الذي يتوصل به إلى معرفة ما يجب لكل وارث»، انتهى. فالذي يُدْرَسُ في هذا الباب قسمان: أولهما: ما يرجع إلى معرفة أحكام الله تعالى من كون هذا له النصف أو الثلث أو الربع أو كونه عاصبا مع غيره أو وحده. والثاني: ما يرجع إلى معرفة الحساب، والأول قد يحتاج معه إلى الحساب وقد لا يحتاج إليه. فمثال ما لا يحتاج إلى الحساب ما إذا ترك المتوفى ابنا فقط، أو ابنا وبنتا، فينبغي أن يعلم من يزاول قسمة الميراث أن الابن عاصب يحوز المال كله إذا انفرد ولم يترك الميت أبا ولا أما ولا زوجا ولا جدا ولا جدة، وفي الحالة الثانية ينبغي أن يكون عالما بأن للذكر

стр. 2246

مثل حظ الأنثيين، فيأخذ الابن ثلثي المال والبنت ثلثه، فهذا يكفيه. والقسم الثاني هو الحساب، وهذا كثيرا ما يحتاج إليه، ولاسيما في العول، وتصحيح المسائل، والمناسخات، وهو محتاج إلى التدرب عليه بالممارسة، ولو بالافتراض كما يفعل المؤلفون لتوضيح المسائل. وقد روى البيهقي عن الأعمش عن إبراهيم قال سألت علقمة عن الفرائض، فقال: «إذا أردت أن تَعَلمها فأمت جيرانك وورث بعضهم من بعض»، انتهى. وموضوع هذا العلم التركات، وهي لا تقتصر على المال، بل تشمل كل حق يقبل التجزي، يثبت لمستحقه بعد موت من كان له، والحق جنس يتناول المال وغيره كالخيار في البيع، فإنه إذا مات امرؤ قبل انقضاء أمد الخيار فإن ذلك الحق ينتقل إلى وارثه، ومن ذلك حق الشفعة، فلو اشترك زيد وعمرو في دار، فباع زيد حصته وثبتت الشفعة لعمرو، ومات قبل أخذه بها؛ فإن ذلك الحق ينتقل إلى وارثه، ولو قتل خالد بكرا، وكان لبكر أخ هو عمرو فمات، فإن حق القصاص ينتقل لوارثه، ومن أعتق شخصا كان له الولاء عليه، فإن مات انتقل ذلك الحق إلى ولده، ومن كان له أخت فولاية النكاح عليها له، فإن مات انتقلت الولاية لابنه إن لم يكن لها أخ غيره، وقد تبين لك من هذا أنه لا يراد بالتجزي خصوص تمايز الحقوق بالانفصال، بل المقصود أن يقال لزيد نصف الحق ولعمرو ثلثه مثلا، وقد لا يقبل الحق التجزي بل ينتقل إلى الغير حسب الترتيب المقرر شرعا كما في ولاية النكاح والحضانة والوصاية. وعلم المواريث يبحث عن العوارض الذاتية للتركة، أي ما يَلْحَقها بالقيود ككون نصف التركة للزوج عند عدم وجود فرع وارث للزوجة، وثمنها للزوجة عند وجود الفرع الوارث للزوج، وتقييد العوارض بالذاتية مخرج للعوارض غير الذاتية كأن تتلف التركة أو تسرق أو تستحق، فهذا لا يبحث في هذا العلم، بل موضع بحثه الأبواب الخاصة بتلك المسائل، أما غاية هذا العلم فهي أن يعطى كل ذي حق حقه من تركة الميت طاعة لله تعالى. وللإرث أركان وأسباب وشروط وموانع. فأركانه ثلاثة وارث ومورث وشيء يورث.

стр. 2247

وأسبابه أربعة: القرابة المخصوصة، ويرث به الأبوان، ومن أدلى بهما، أي وصل بهما إلى الميت، والأولاد ومن أدلى بهم في الجملة، والنكاح، ويرث به الزوج والزوجة فأكثر، والولاء، ويرث به المعتق بكسر التاء ذكرا كان أو أنثى، وعصبة المعتق، والرابع بيت المال إن لم يكن عاصب. وبيت المال مختلف في اعتباره وارثا، فاشترط بعض أهل العلم في اعتباره وارثا انتظامَه، ثم رأوا أن هذا الانتظام ميئوس منه، والمذهب اعتباره عاصبا منتظما كان أو غير منتظم، قال الدردير وكلامه ممزوج بكلام خليل: «(ثم) يليه (بيت المال) وإن لم يكن منتظما، وحسبه ربه، فيأخذ جميع المال إن انفرد، أو الباقي بعد ذوي الفروض، ولا يدفع ما فضل عن ذوي السهام إن لم يوجد عاصب من النسب أو الولاء (لذوي الأرحام)، إلى أن قال: «وقيد بعض أئمتنا بما إذا كان الإمام عدلا، وإلا فيرد على ذوي السهام، ويدفع لذوي الأرحام»، انتهى. قلت: هذا الأخير هو الحق، وهو الذي قاله ابن عبد البر في الكافي، وأبو بكر الطرطوشي، وقال ابن ناجي في شرحه للرسالة عند قول ابن أبي زيد: (وفي الركاز وهو دفن الجاهلية الخمس): «فإن كان الإمام عدلا دفع الواجد الخمس له، يصرفه في محله، وإن كان غير عدل فقال مالك يتصدق به الواجد ولا يدفعه إلى من يعيث فيه، وكذلك العشر وما فضل من المال عن الورثة، ولا أعرف اليوم بيت مال، وإنما هو بيت ظلم»، انتهى، ولينظر شرح الحطاب ﵀ المسمى مواهب الجليل عند قول خليل: «ثم بيت المال، ولا يرد ولا يدفع لذوي الأرحام»، انتهى، فقد أفاد وأجاد. ويعتبر النكاح سببا في الميراث ولو كان فاسدا متى كان مختلفا في فساده، ولا يشترط في الميراث بالنكاح الدخول بالمرأة كما هو معلوم، ولا يمتنع ميراث المطلقة طلاقا رجعيا ما لم تنقض عدتها. وشروط الميراث ثلاثة: تَقُدُّمُ موت الموروث أو إلحاقه بالموتى، واستقرار حياة الوارث، أو إلحاقه بالأحياء حكما وهو الحمل، والعلم بالجهة المقتضية للإرث وللميراث موانع ثلاثة قيل إنها مما اتفق عليه، وهي الرق بجميع أنواعه، لأن توريث

стр. 2248

المملوك هو توريث لمالكه، فإن ماله لسيده، وقد اختلفوا مع ذلك في الرقيق هل يملك أو لا يملك، والثاني القتل العمد، والقتل الخطأ في الدية بخاصة على المذهب، والظاهر المنع مطلقا، ويظهر أن حرمان القاتل من الميراث عقوبة مالية أنزلها الشرع به متى عفي عنه سدا لباب الطمع الذي قد يكون وراء القتل، أما المقتول فيرث القاتل، ومثاله أن يجرح شخص والده ثم يموت الولد قبل موت والده، والثالث اختلاف الدين بالإسلام والكفر، والمعتبر في ذلك وقت موت المورث، فلا ميراث لكافر أسلم بعد موت المورث وقبل قسم التركة. أما ما ذكر في كتاب الله من الوارثين من الأبناء والآباء والإخوة وغيرهم فقيل إن المراد بعمومهم الخصوص، لأنهم ليسوا أبناء ولا إخوة، فإن اختلاف الدين قد قطع هذه الصلة كما قال الله تعالى لنوح ﷺ : ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ (٤٦)﴾ [هود: ٤٦]، أو يقال وهذا أولى: إن ذلك على العموم، وجاءت السنة مخصصة له فمنعت التوارث بين المسلم والكافر، ونقل عن معاوية وأبي ذر ﵄ توريث المسلم من الكافر، لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وفي الاستدلال بهذا نظر، لكن ينبغي أن ينظر فيما عليه الأمر اليوم من الأموال التي تعطى في دول الكفار للمسلمين المتزوجين من الكتابيات، ولا يرث الكفار من ملة كفار ملة أخرى، فلا يرث النصراني اليهودي، كما قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا (٤٨)﴾ [المائدة: ٤٨]، وفي حديث جابر عن النبي ﷺ : «لا يتوارث أهل ملتين»، رواه الترمذي، ورواه النسائي والحاكم عن أسامة، وروى أحمد وأبو داود وابن ماجة عن ابن عمرو عن النبي ﷺ قال: «لا يتوارث أهل ملتين شتى»، والوصف الذي هو شتى، حجة على أن الكفر ملل في الميراث، إذ لو كان المقصود منع التوارث بين المسلمين والكفار فحسب؛ لما احتيج إلى الوصف المذكور، بل فيه دليل على أن الفرق التي تكون داخل النصرانية أو اليهودية لا تمنع التوارث، وقد ذهب بعضهم إلى منع التوارث بين الفرق المختلفة داخل ملة الكفر الواحدة، وسيذكر المؤلف هذه الموانع الثلاثة، وإنما قدمتها للمناسبة، ومن موانع الميراث انتفاء النسب باللعان، واستبهام التقدم والتأخر في الموت، أي عدم معرفة المتقدم من المتأخر من المتوارثين، قال:

стр. 2249

ويمنع الميراث فاعلم سته … فخمسة تمنع منه البته الكفر والرق وقتل العمد … والشك واللعان فافهم قصدي وواحد يمنعه في الحال … وهو الذي لم يعر عن إشكال ومن المختلف فيه اختلاف دار الكفار، فالذمي والحربي لا يتوارثان عند الحنفية، ومن ذلك الردة، فمال المرتد يكون فيئا للمسلمين، لكن هذا المانع مقيد عند بعضهم بما إذا لم يقصد المرتد حرمان ورثته، ومثله الزنديق. وليعلم أن الحقوق المتعلقة بالتركة خمسة بالاستقراء، ووجه ذلك أن الحق إما أن يكون ثابتا قبل الموت أو بعده، والثابت قبله إما أن يتعلق بالعين أي بشيء معين، أولا، فالمتعلق بالعين الحقوق العينية كالمرهون، والدين المطلق، أي غير المرتبط برهن، وهذان ثابتان قبل الموت، والثابت بالموت؛ منه ما يتعلق بالميت، وهو مؤن تجهيزه، فهو الثالث، والرابع الوصية، والخامس حق الورثة، وهما متعلقان بغير الميت، وقد قال عن هذه الخمسة خليل: «يخرج من تركة الميت حق تعلق بعين كالمرهون وعبد جنى، ثم مؤن تجهيزه بالمعروف، ثم تقضى ديونه، ثم وصاياه من ثلث الباقي، ثم الباقي لوارثه»، انتهى. قال ابن العربي في أحكام القرآن في سورة النساء عن علم الفرائض: «وكان جل علم الصحابة وعظم مناظرتهم، ولكن الخلق ضيعوه، وانتقلوا منه إلى الإجارات والسلم والبيوع الفاسدة والتدليس، إما لدين ناقص، أو علم قاصر، أو غرض في طلب الدنيا ظاهر، وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون، ولو لم يكن من فضل الفرائض والكلام عليها إلا أنها تَبْهَتُ منكري القياس وتخزي مبطلي النظر في إلحاق النظير بالنظير فإن عامة مسائلها إنما هي مبنية على ذلك، إذ النصوص لم تستوف فيها، ولا أحاطت بنوازلها، وقد روى مطرف عن مالك قال، قال عبد الله ابن مسعود: «من لم يتعلم الفرائض والحج والطلاق فبم يفضل أهل البادية»، وقال وهب عن مالك: «كنت أسمع ربيعة يقول: «من تكلم في الفرائض من غير علم بها من القرآن ما أسرع ما ينساها»، انتهى، وستعلم بعد أن كلام ابن العربي ليس على عمومه فإن مجال الرأي في الفرائض محدود بالقياس إلى غيرها. وقد كانت أسباب الميراث في الجاهلية ثلاثة: أولها: النسب، وهو خاص بالرجال

стр. 2250

لِغَنَائِهِمْ في الحروب بقتال الأعداء، وجلبهم الغنائم والسبي، ولم يكن للضعيفين وهما الطفل والمرأة من الميراث شيء، والثاني: التبني، إذ كان الرجل يتبنى ولد غيره فيرثه ويثبت له غير ذلك من الحقوق، والثالث: الحلف والعهد، يقول الرجل لغيره دمي دمك، وهدمي هدمك، فيرث الحي منهما الميت، فلما جاء الإسلام أثبت الميراث للرجال وللنساء والأطفال ولو لم يولدوا، وأبطل التبني وما رتب عليه، ولعلّ أول ما جاء في كتاب الله لإبطال ما كان في الجاهلية قول الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢]، وشرع الميراث بالمؤاخاة والهجرة في أول الأمر، وكانت الحكمة فيه ظاهرة، لأن معظم أقارب المسلمين كانوا كفارا فأحل الشرع محلهم غيرهم، ثم نسخ هذا الحكم، وصار الميراث عند جميع المسلمين لا يكون إلا بالنسب والصهر والولاء، ولينظر هنا الجامع لأحكام القرآن لقرطبي، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا في سورة النساء. والميراث إما أن يكون بالفرض أو بالتعصيب، والميراث بالفرض مقدم على الميراث بالتعصيب، والفروض المقدرة في كتاب الله ستة هي النصف، ونصف النصف، وربع النصف، والثلثان، ونصفهما، ونصف الثلث، أعني أن هذه الفرائض هي النصف والربع والثمن، والثلثان والثلث والسدس، ولا بأس أن نذكر أصحاب هذه الفروض إجمالا من غير تفصيل، ولا ذكر للقيود والحالات التي ينتقل فيها الوارث من فرض إلى آخر أو يمنع الميراث، على أن يذكر التفصيل أثناء الشرح إن شاء الله. فأصحاب النصف خمسة، هم الزوج، والبنت الواحدة، وبنت الابن، والأخت الشقيقة الواحدة، والأخت الواحدة من الأب، وأصحاب الربع اثنان، هما الزوج، والزوجة واحدة فأكثر، وأصحاب الثمن جنس واحد، هو الزوجة الواحدة، أو أكثر، وأصحاب الثلثين أربعة، هن البنتان فأكثر، وبنتا الابن فأكثر، والأختان الشقيقتان فأكثر، والأختان لأب فأكثر، وأصحاب الثلث اثنان هما الأم، والأَخَوان لأم فأكثر، لا فرق بين ذكورهم وإناثهم، وأصحاب السدس سبعة هم الأب، والجد، والأم، والجدة، وبنت الابن، والأخت لأب فأكثر، والأخ الواحد لأم، ذكرا كان أو أنثى.

стр. 2251

وعامة أحكام هذا الباب مردها إلى نصوص الكتاب والسنة والإجماع، وقد يدخلها القياس الأولوي، وقد وجدت أن باب الفرائض أكثر الأبواب ذكرا للإجماع عند ابن المنذر بعد باب الحج، إذ بلغت الإجماعات فيه أزيد من خمسين، وبلغت الإجماعات والاتفاقات التي أثبتها ابن حزم في مراتب الإجماع في هذا الباب أزيد من مائة، وهو دليل على ما ذكرت، وأن القياس في الفرائض قليل بالنسبة لغيره، وقد ذكر البخاري تعليقا في باب تعليم الفرائض قول عقبة بن عامر ﵁: «تعلموا قبل الظانين»، يعني الذين يتكلمون بالظن»، انتهى، قال الحافظ: «فيه إشعار بأن أهل ذلك العصر كانوا يقفون عند النصوص ولا يتجاوزونها، وإن نقل عن بعضهم الفتوى بالرأي فهو قليل بالنسبة، وفيه إنذار بوقوع ما حصل من كثرة القائلين بالرأي، وقيل مراده قبل اندراس العلم، وحدوث من يتكلم بمقتضى ظنه، غير مستند إلى علم، وقال، قال ابن المنير: وإنما خص البخاري قول عقبة بالفرائض لأنها أدخل فيه من غيرها، لأن الفرائض الغالب فيها التعبد وانحسام وجوه الرأي، والخوض فيها بالرأي لا انضباط له، بخلاف غيرها من أبواب العلم فإن للرأي فيها مجالا، والانضباط فيه ممكن غالبا»، انتهى، وقال الفاكهاني: «وعلم الفرائض أجل العلوم خطرا، وأعظمها قدرا وأجرا، وهو من العلوم القرآنية والصناعة الربانية»، انتهى ببعض تصرف. وقد جاء في الحض على تعلم الفرائض أحاديث منها ما رواه أحمد والترمذي والنسائي والحاكم وصححه من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما»، قال الحافظ: «رواته موثقون إلا أنه اختلف فيه على عوف الأعرابي اختلافا كثيرا،،،»، انتهى، وقال الترمذي: «هذا حديث فيه اضطراب»، انتهى، وروى البيهقي عن عكرمة قال: كان ابن عباس يضع الكبل في رجلي يعلمني القرآن والفرائض»، الكبل بفتح الكاف وكسرها وسكون الباء هو القيد، وروى أبو داود والدارقطني وابن ماجة في المقدمة والبيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «العلم ثلاثة وما سوى ذلك ففضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة»،

стр. 2252

لكن فيه زياد بن عبد الرحمن بن أنعم الإفريقي وهو ضعيف، والآية المحكمة خلاف المنسوخة لأنها لا يعمل بها، والسنة القائمة هي الثابتة في الرواية، والفريضة العادلة، إما من العدل في القسمة فتكون معدلة على السهام والأنصباء المذكورة في الكتاب والسنة، أو هي المستنبطة من الكتاب والسنة ومن معناهما فتعدل ما أخذ منهما»، هذا معنى ما ذكره الخطابي ﵀ في المعالم، والمعنى الأخير الذي ذكره للفريضة العادلة هو الذي يلتقي مع ما فهمه ابن ماجة من هذا الحديث لأنه لم يذكره في باب الفرائض، وقوله وما سوى ذلك فضل، أي لا حاجة إليه، فهو من فضول العلم، وروى الدارمي والبيهقي عن الأعمش عن إبراهيم قال، قال عمر بن الخطاب ﵁: «تعلموا الفرائض فإنها من دينكم»، وهو منقطع. وقال ابن عبد البر ﵀ كما في فتح الباري: «أصل ما بنى عليه مالك والشافعي وأهل الحجاز ومن وافقهم في الفرائض قول زيد بن ثابت، وأصل ما بنى عليه أهل العراق ومن وافقهم فيها قول علي بن أبي طالب، وكل من الفريقين لا يخالف قول صاحبه إلا في اليسير النادر إذا ظهر له مما يجب الانقياد له»، انتهى. قلت: ويستدل أهل العلم على أن زيد بن ثابت ﵁ يترجح قوله على غيره كما هو صنيع البيهقي في كتابه السنن الكبرى بما جاء في حديث أنس بن مالك قال، قال رسول ﷺ : «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأفرضهم زيد، وأقرؤهم أُبَيٌّ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، وإن لكل أمة أمينا، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن الجراح»، رواه أحمد والترمذي وابن ماجة، وقد تعلم زيد السريانية في أقل من شهر بأمر من النبي ﷺ ، وأخذ ابن عباس بركابه، فقال له زيد: «تنح يا ابن عم رسول الله، فقال: «إنا هكذا نفعل بكبرائنا وعلمائنا»، رواه البيهقي عن أبي سلمة، لكن كون زيد أفرض الصحابة لا يلزم منه أن تكون كل أقواله في الفرائض راجحة، فهذا عبد الله بن عباس دعا له رسول الله ﷺ بأن يفقهه الله في الدين وأن يعلمه التأويل وهو حبر الأمة، ومع ذلك ترك الناس بعض ما ذهب إليه، ﵁ وعن أصحاب رسول الله أجمعين.

стр. 2253

• قوله: ٠١ - «ولا يرث من الرجال إلا عشرة: الابن، وابن الابن وإن سفل، والأب، والجد للأب وإن علا، والأخ، وابن الأخ وإن بَعُدَ، والعم، وابن العم وإن بعد، والزوج، ومولى النعمة». ذكر هنا الوارثين من الرجال، وعددهم عشرة بالإجمال، وخمسة عشر بالتفصيل، وهم الابن الذي هو أقوى العصبة، ولذلك ابتدأ به، وابن الابن وإن نزل، والأب، والجد وإن علا، والأخ الشقيق، والأخ لأب، والأخ لأم، وابن الأخ الشقيق، وابن الأخ للأب، والعم الشقيق، والعم للأب، وابن العم الشقيق، وابن العم لأب، والزوج، والمولى وهو المعتِق بكسر التاء، وكذا من يقوم مقام المعتق من ابنه أو معتق المعتق، فلا يرث غير هؤلاء كالجد لأم، وابن البنت، وابن الأخ لأم، والعم من جهة الأم، فهؤلاء من أولي الأرحام، وكل الوارثين من الرجال يرثون بالتعصيب إلا الأخ لأم، والزوج، فإنهما يرثان بالفرض، لكن قد يكون الزوج من العصبة كما إذا كان ابن عم لزوجته وتوفيت، أو كان معتقا لها، وقد يكون الأخ لأم ابن عم، فيجمع لهما بين الإرث بالفرض والتعصيب، وكذلك لو اجتمع ابنا عم لامرأة، أحدهما زوج، والآخر ابن لأم، فإن كلا منهما يأخذ فرضه، ثم يقتسمان الباقي بالتساوي تعصيبا، وقد ترجم بذلك البخاري، قال: «باب ابني عم أحدهما أخ للأم، والآخر زوج»، انتهى، وجميع الوارثين من الرجال يرثون بالنسب إلا الزوج، ومولى النعمة، إلا أن يكون الزوج ابن عم كما سبق، وقد قام الدليل على توريث هؤلاء، وسيأتي ذكره عند الكلام على ما لكل منهم من فرض أو تعصيب إن شاء الله.

стр. 2254

• قوله: ٠٢ - «ولا يرث من النساء غير سبع: البنت، وبنت الابن، والأم، والجدة، والأخت، والزوجة، ومولاة النعمة». بَيَّنَ هنا الوارثات من النساء، وهن سبعة بالإجمال، وعشرة بالتفصيل، البنت، وبنت الابن وإن نزل، والأم، والجدة لأم، والجدة لأب، والأخت الشقيقة، والأخت لأب، والأخت لأم، والزوجة، والمعتقة، أو من يقوم مقامها كابنها، وسبب ميراث جميعهن النسب إلا الزوجة والمعتقة، وجميعهن يرثن بالفرض إلا الأخوات الشقيقات أو لأب مع البنات أو مع بنات الابن، والمعتقة، وإلا الأم في المسألتين المسماتين بالغراوين، وسيأتي ذكر الدليل على توريث هؤلاء عند الكلام على ما لكل منهن لكونه في الغالب مقترنا بذلك، وقد ذكر النفراوي ﵀ في شرحه المسمى الفواكه الدواني أمورا هامة رأيت إثباتها هنا مع بعض التصرف والإضافة، وهي: - أن كل ذكر مات وخلف جميع من يرثه من الذكور فإنه لا يرث منهم إلا اثنان: الأب والابن، وبيان ذلك أن الأب يحجب من كان من جهته كالجد والأعمام والإخوة، والابن يحجب من كان يدلي به كابنه ومن دون ابنه. - وثاني الأمور أن كل ذكر مات وخلف جميع من يرثه من النساء فإنه لا يرثه منهن إلا خمس الأم والبنت وبنت الابن والزوجة والأخت الشقيقة ومن عداهن محجوب على التوزيع. - وثالثها أن كل من مات وخلف جميع من يرثه من الرجال والنساء فإنه لا يرثه منهم إلا خمسة الابن والأب والبنت والأم والزوجة. - ورابعها أن كل امرأة ماتت وخلفت جميع من يرثها من الذكور فإنه لا يرثها منهم إلا ثلاثة الابن والأب والزوج.

стр. 2255

- وخامسها أن كل امرأة ماتت وخلفت جميع من يرثها من النساء فإنه لا يرثها منهن غير أربع بنتها وبنت ابنها وأمها وأختها الشقيقة. - وسادسها أن كل امرأة توفيت وخلفت جميع من يرثها من الرجال والنساء لا يرثها منهم غير ابنها وأبيها وزوجها وأمها وبنتها. - وسابعها أن كل من انفرد من الذكور فإنه يرث جميع المال إلا الزوج والأخ لأم، إلا أن يكون الزوج أو الأخ لأم ابن عم للميت أو يكون مولى له وقد تقدم بيان ذلك. - وآخر هذه الأمور أن كل امرأة انفردت بالميراث فإنها لا تحوز المال كله إلا المعتقة لأنها ترث بالتعصيب، انتهى، وهذا بناء على عدم مشروعية الرد، وعدم توريث ذوي الأرحام. واعلم أن الوارثين من الرجال والنساء قد يمنعن من الميراث بسبب الحجب، لكن منهم من لا يحجب بحال، إما لكونه يُدلَى به للميت ولا يدلي هو بأحد إليه، وهم الابن والأب والأم، أو لكون موجب الميراث هو السبب كالزوج والزوجة.

стр. 2256

• قوله: ٠٣ - «فميراث الزوج من الزوجة إن لم تترك ولدا ولا ولد ابن النصف فإن تركت ولدا أو ولد ابن منه أو من غيره فله الربع». دلّ على هذا قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ (١٢)﴾ [النساء: ١٢]، وهذا إجماع، ولا فرق في الولد الذي ينتقل بسبب وجوده الزوج من النصف إلى الربع أن يكون منه أو من غيره بنكاح أو زنا أو لعان من حر أو عبد مسلم أو كافر، لكن يشترط في الولد أو ولده أن يكون حرا مسلما غير قاتل، وحيث كان وارثا فإنه يحجب، ولا يحجب حيث لم يكن وارثا.

стр. 2257

• قوله: ٠٤ - «وترث هي منه الربع إن لم يكن له ولد ولا ولد ابن، فإن كان له ولد أو ولد ابن منها أو من غيرها فلها الثمن». دلّ على هذا قول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ (١٢)﴾ [النساء: ١٢]، ولا فرق بين أن يكون الولد من المتوفاة أو من غيرها، ولو كانت أم ولد، ويشترط في توارث الزوجين أن يكون النكاح صحيحا أو مختلفا في صحته، ويتوارثان متى كانت العصمة قائمة بينهما، كأن طلقها وكان الطلاق رجعيا، ولم تنقض العدة، وقد سبق الكلام على حكم نكاح المريض وطلاقه، وسيأتي ذكره.

стр. 2258

• قوله: ٠٥ - وميراث الأم من ابنها الثلث إن لم يترك ولدا أو ولد ابن أو اثنين من الإخوة ما كانوا فصاعدا». ميراث الأم من ولدها ذكرا كان أو أنثى؛ إما الثلث من رأس المال، أو ثلث الباقي، أو السدس من رأس المال، فترث الثلث من رأس المال إذا لم يترك ولدها ولدا، ولا ولد ابن، ولا اثنين من الإخوة فصاعدا، لا فرق بين أن يكونوا ذكورا فقط، أو إناثا فقط، أو ذكورا وإناثا، أشقاء كانوا أو لأب أو لأم، مع اشتراط أن يكونوا أحرارا غير قاتلين كما سبق، وقد دل على أن الأم ترث الثلث من رأس المال قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ (١١)﴾ [النساء: ١١]، أي وورثه أبواه فحسب، هذا ما عليه الجمهور، وسيأتي التفصيل.

стр. 2259

• قوله: ٠٦ - «إلا في فريضتين: في زوجة وأبوين، فللزوجة الربع، وللأم ثلث ما بقي، وما بقي للأب، وفي زوج وأبوين، فللزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي، وما بقي للأب». هذا مستثنى من ميراث الأم الثلث من رأس المال، وذلك في صورتين يسميهما الفرضيون بالعمريتين، وبالغراوين، وبالغريبتين: أولاهما أن يكون الوارثون زوجة وأبا وأما، والثانية أن يكون الوارثون زوجا وأبا وأما، فتأخذ الأم الثلث في الصورة، وإن كانت لا تأخذه في الحقيقة، بل تأخذ الربع، وإنما قيل بذلك رعاية للقاعدة المتقررة، وهي أن للذكر مثل حظ

стр. 2260

الأنثيين، فجعلوها في هاتين الصورتين عاصبة لوجود الأب معها، ولو أعطيت الأم في الصورتين الثلث من رأس المال؛ لكان حظها في إحداهما ضعفي حظ الأب، ولا نظير له في اجتماع وارثين ذكر وأنثى يدليان بجهة واحدة، وفي الصورة الأخرى تأخذ أكثر، وذهب إلى هذا من الصحابة عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وعلي ذكرهم ابن المنذر، والمسألة في الموطإ في ترجمة ميراث الأب والأم من ولدهما. فأما الصورة الأولى فالمسألة فيها من أربعة: للزوجة الربع: سهم واحد، وللأم ثلث الباقي: واحد، وهو في الحقيقة الربع لا الثلث، وللأب ثلثا الباقي وهو النصف سهمان. ولو أعطيت الأم الثلث من رأس المال لكانت المسألة من اثني عشر للزوجة ربعها، وهو ثلاثة أسهم، وللأم ثلثها، وهو أربعة أسهم، والباقي للأب وهو خمسة أسهم. وأما الصورة الثانية فالمسألة فيها من ستة، للزوج نصفها ثلاثة أسهم، وللأم ثلث الباقي واحد، وللأب ثلثا الباقي اثنان. ولو أعطيت الأم الثلث من رأس المال لكانت المسألة من ستة، لكن الأم تأخذ سهمين وهي ثلث ستة، ويأخذ الأب الباقي وهو سهم واحد، فتحول قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين إلى العكس وهو أن للأنثى حظ الذكرين. والمسألة خلافية وقع التعارض فيها بين قاعدة أن للذكر مثل حظ الأنثيين، مع ما دلت عليه السنة من أن البداءة تكون بأصحاب الفرائض، وأن العصبة إنما يأخذون الباقي، الأولى منهم فالأولى، والأم من أصحاب الفرائض، والأب عاصب، وقد قال النبي: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر»، رواه الشيخان عن ابن عباس ﵄، والمراد بالأولى الأقرب، لأنه من الوَلْي وهو القرب لا الأحق، وإلا لخلا الحديث عن الفائدة قاله النووي ﵀، والحديث قاض بأن الأقرب إذا كان واحدا استأثر بالباقي، وإلا اشترك المتساوون في اقتسامه، واستثنوا من هذا من يُحجب كالأخ لأب إذا كان معه بنت وأخت شقيقة كما سيأتي إن شاء الله، وكذا يستثنى الأخ والأخت لأم، فإن الأخ الشقيق وإن كان أولى إلا أن الأخ لأم يقدم عليه لأنه صاحب فرض، وقوله ﷺ «ذكر»، هو للتوكيد حتى لا يتوهم أن مفهومه غير مراد، فإن التعبير بالرجل كثيرا ما تدخل فيه المرأة لتساوي المكلفين في الأحكام. وقد ذهب ابن عباس ﵄ إلى أن الأم تأخذ الثلث من رأس المال، وقال لا أجد ثلث الباقي في كتاب الله، وهو قول شريح القاضي وداود الظاهري، ومعتمدهم أن قول الله تعالى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ (١١)﴾ [النساء: ١١]، أعم من أن يكون مع الأم زوج أو زوجة أولا، ويقوي هذا المذهب الحديث المذكور، وهي عند الجمهور على معنى وورثه أبواه فحسب، والآية ظاهرة في أن الورثة الأبوان فقط، وقد أرسل ابن عباس ﵄ عكرمة إلى زيد بن ثابت فسأله عن امرأة تركت زوجها وأبويها قال: «للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي»، قال: «تجده في كتاب الله، أو تقول فيه برأيك»؟، قال: «أقول فيه برأيي، لا أُفَضِّلُ أُمًّا على أَبٍ»، انتهى، وهو في مصنف عبد الرزاق، ومن طريقه رواه ابن المنذر، كما رواه البيهقي، قال الخطابي: فهذا من باب تعديل الفريضة إذا لم يكن فيها نص، وذلك أنه اعتبرها بالمنصوص عليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، فلما وجد نصيب الأم الثلث، وكان باقي المال وهو الثلثان للأب؛ قاس النصف الفاضل من المال على كل المال،،، إلى أن قال: وصار عامة الفقهاء إلى قول زيد»، انتهى، وذهب محمد بن

стр. 2261

سيرين إلى أن الأم تأخذ ثلث المال كله في مسألة الزوجة، أما في مسألة الزوج فتأخذ ثلث الباقي فرارا من أن تأخذ أكثر من الأب، وهو قول مركب من القولين ومحاولة من قائله للجمع بينهما، قال ابن المنذر: «وهذا قول لا نعلم أحدا قال به»، انتهى، وميراث الأم في هاتين الصورتين مما يُعَايَى به أي يُلْغَز، فيقال: امرأة ورثت الربع بالفرض من غير عول ولا رد وليست بزوجة»، ومعنى الرد أن يتوفى المرء عن صاحب فرض واحد أو متعدد ولا عاصب له، ويبقى من التركة شيء، فيعطى أصحاب الفروض فروضهم، ويُرد الباقي عليهم خلا الزوج والزوجة فلا يرد عليهما، ومثال الرد أن يتوفى عن بنت تأخذ النصف فرضا والنصف الآخر ردا، وليس في المذهب الرد. قال بعض أهل العلم في توجيه تقديم الزوجين على الأبوين في الميراث: «إن حق الأزواج في الأموال والنفقات آكد من حق الوالدين، وإن كانا أشرف وأجدر من الزوج بالاحترام، ذلك أن الوالدين يكونان عند زواج الولد عريقين في الاستقلال بأنفسهما في المعيشة من جهة، وأقل حاجة إلى المال من الأولاد وأزواجهم الذين أو اللواتي في سنهم غالبا لانصرام أكثر أعمارهما، ولأنهما إذا احتاجا إلى مال الأولاد كان ذلك على مجموع أولادهما، وأما الزوجان فإنهما يعيشان مجتمعين كل منهما متمم لوجود الآخر حتى كأنه نصف ماهيته، ويكون ذلك بانفصال كل منهما عن والديه لاتصاله بالآخر، فبهذا كانت حقوق المعيشة بينهما آكد، ولهذا تقرر في الشريعة أن يكون حق المرأة على الرجل في النفقة هو الحق الأول، فإذا لم يجد إلا رغيفين وسد رمقه بأحدهما وجب عليه أن يجعل الثاني لامرأته، لا لأحد أبويه، ولا لغيرهما من أقاربه، فصلة الزوجية أشد وأقوى صلة حيوية اجتماعية حتى إن صلة البنوة فرع منها، وإن كان حق الأولاد أقوى من جهة أخرى»، انتهى.

стр. 2262

• قوله: ٠٧ - «ولها في غير ذلك الثلث إلا ما نقصها العول إلا أن يكون للميت ولد أو ولد ابن أو اثنان من الإخوة ما كانا فلها السدس حينئذ». باستثناء الصورتين السابقتين المسماتين بالغراوين؛ فإن الأم تأخذ الثلث من رأس المال، لكن قد ينقص نصيبها بسبب العول، وهذا لا يختص بها، والعول في اللغة يأتي لمعان منها الميل ورفع الصوت بالبكاء ويقال عال الرجل إذا كثر عياله أو افتقر، ولعل هذا المعنى هو المناسب للعول في الاصطلاح، وهو أن يكون نصيب الورثة أكثر من سهام التركة، فيلحق كلا منهم النقصُ بحسب نسبة ميراثه من التركة، أو يقال هو أن لا تفي التركة بالفروض المجتمعة فيها، ولا يقال ينبغي أن يرجح بعض الورثة على بعض فيعطى ويسقط غيره، فإنه ترجيح من غير مرجح، أو هو مما لا دليل عليه، لأن الشرع قد أمر بإعطاء أصحاب الفروض فروضهم فلزم أن يعطوا كلهم، أما العاصب فإن لم يبق شيء فلا يعال لأجله للتنصيص على أنه إنما يأخذ ما أبقت الفرائض، ونظير العول؛ تَحَاصُّ أصحاب الديون في مال المفلس، فإن ماله يوزع عليهم بنسبة ما لكل منهم، وقد تقدم. ولا بأس بالتعجيل بذكر مثال للعول هنا، وهو ما إذا توفيت امرأة وتركت زوجا وأختين فالمسألة من ستة، فإن أخذ الزوج النصف لم يبق للأختين غير النصف، وإن أخذت الأختان الثلثين لم يبق للزوج غير الثلث، فتعول إلى سبعة للزوج ثلاثة، وللأختين أربعة، وكذلك لو مات امرؤ وخلف زوجة وأبوين وابنتين، فإن لكل من الأبوين السدس وللزوجة الثمن، وللبنتين الثلثان، فتكون المسألة من أربعة وعشرين، فلو أعطي كل من الأبوين السدس لكان نصيبهما ثمانية، ويضم إليه نصيب البنتين، وهو ستة عشر، فلم يبق للزوجة شيء، فتعول المسألة بقدر ثمن الزوجة، وهو ثلاثة، فتصير من سبعة وعشرين، وسيتكلم المؤلف على العول في نهاية الباب.

стр. 2263

وفريضة الأم الثالثة هي السدس، وذلك إذا ترك ولدها ولدا أو ولد ابن، أو اثنين من الإخوة الأشقاء أو لأب أو لأم فصاعدا لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾، وظاهر قوله تعالى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ أنها لا ترث السدس إلا أن يكونوا ثلاثة فأكثر لأن أقل الجمع ثلاثة، وعليه ابن عباس ﵄، وقد روي أنه قال لعثمان بن عفان ﵁: «بم صار الأخوان يردان الأم إلى السدس؟، وإنما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾، والأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة»؟، فقال عثمان: «هل أستطيع نقض أمر كان قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في الأمصار؟، انتهى، وفيه شعبة ابن دينار ضعيف، والأثر في تفسير الطبري، وقيل إنه قال له: «إن قومك حجبوها وهم أهل الفصاحة والبلاغة»، انتهى، ومراده أنهم أعرف باللغة، وقد ساق ابن العربي أدلة كثيرة من القرآن على إطلاق الاثنين وإرادة الجمع لكن مع وجود القرينة، فانظرها في كتابه أحكام القرآن، ومما استدل به لمذهب الجمهور قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦]، ووجه ذلك أن أهل العلم أجمعوا أن من ترك أختا وأخا أن المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، وإنما قال الله ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً﴾، فهو مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾، مع أن المختار عند الأصوليين أن الاثنين أقل الجمع، وصلاة الجماعة تكون باثنين، وروى ابن ماجة والدارقطني عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: «اثنان فما فوقهما جماعة»، وفيه مجهول، وليس يمتنع أن يكون الشرع قد اعتبر الاثنين في الإرث وفي صلاة الجماعة بمثابة الجماعة في الحكم، وبقيت اللغة على أصلها فلا تلازم بين الأمرين، ولعل هذا قريب من مراد قول مالك في الموطإ، قال بعد ذكر الآية: «فمضت السنة أن الإخوة اثنين فصاعدا»، انتهى، وقد نقل عن ابن عباس أن السدس الذي حجبت عنه الأم بالإخوة الثلاثة فأكثر يعطى لهم، وقال: «إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم، لا لأبيهم»، قال الطبري في التفسير: «فكفى إجماعهم على خلافه شاهدا على فساده»، انتهى.

стр. 2264

• قوله: ٠٨ - «وميراث الأب من ولده إذا انفرد ورث المال كله». الكلام هنا على ميراث الأب وله ثلاث فرائض، أولاها أخذ المال كله من ولده المتوفى ذكرا كان أو أنثى، أو ما بقي منه بعد أخذ أصحاب الفرائض فرائضهم كالبنت وبنت الابن والأم، وهذا لكونه عاصبا له، وليس معه من يقدم عليه من ابن الميت وابن ابنه.

стр. 2265

• قوله: ٠٩ - «ويفرض له مع الولد الذكر أو ولد الابن السدس». هذه هي فريضة الأب الثانية، وهي السدس من رأس المال متى خلف ولده ابنا أو ابن ابن، لقول الله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١].

стр. 2266

• قوله: ١٠ - «فإن لم يكن له ولد ولا ولد ابن فرض للأب السدس وأعطي من شركه من أهل السهام سهامهم ثم كان له ما بقي». فريضة الأب الثالثة أنه يأخذ السدس من أصل التركة، ثم يأخذ الباقي بعد إعطاء أصحاب الفروض فروضهم، وذلك إذا لم يترك المتوفى ابنا ولا ابن ابن، فيجمع الأب هنا بين الميراث بالفرض والتعصيب، يأخذ السدس بقول الله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾، ويأخذ الباقي تعصيبا لكونه أَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ كما قال رسول الله ﷺ : «ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر»، رواه الشيخان عن ابن عباس ﵄، والذي يرث معه الأب السدس في هذه الصورة إنما هو البنت وبنت الابن واحدة كانت أو أكثر، فلا بد من وجود واحدة منهما فأكثر، سواء وجد صاحب فرض آخر أَوْلَا، وذلك لكون أخذه السدس في الآية مقيدا بوجود الولد، والولد الذكر يقدم عليه في التعصيب، فيكون له السدس فحسب، أما الأنثى فلا شأن لها بالتعصيب، فيجمع الأب معها بين الفرض والتعصيب، وقد لا يبقى شيء يأخذه الأب، كما لو ترك امرؤ بنتين وأبوين، فالمسألة من ستة، للبنتين الثلثان أربعة، ولكل من الأبوين السدس واحد.

стр. 2267

• قوله: ١١ - «وميراث الولد الذكر جميع المال إن كان وحده أو يأخذ ما بقي بعد سهام من معه من زوجة وأبوين أو جد أو جدة». للابن ثلاث حالات مع وفاة أبيه أو أمه، أولها أن يأخذ المال كله إن انفرد، أو كان معه إخوة ذكور فيقتسمون المال بالسوية، والثانية أنه يأخذ ما بقي تعصيبا إن كان معه صاحب فرض كالزوج والزوجة والأب والأم والجد والجدة، فإن كان معه زوجة فالمسألة من ثمانية لها الثمن، والباقي له، وإن كان معه أبوان، فالمسألة من ستة، لكل منهما السدس والباقي له، وإن كان معه زوجة وأبوان فالمسألة من أربعة وعشرين لكل من الأبوين السدس، فلهما ثمانية، وللزوجة الثمن، وهو ثلاثة، والباقي له وهو ثلاثة عشر، والحالة الثالثة مقاسمة أخواته، وسيأتي ذكرها، وهذا مما أجمع عليه أهل العلم كما ذكره ابن المنذر في الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف في أول كتاب الفرائض.

стр. 2268

• قوله: ١٢ - «وابن الابن بمنزلة الابن إذا لم يكن ابن». ابن الابن بمنزلة الابن غالبا إذا لم يكن ابن للميت من صلبه، وهو لا يرث معه بالإجماع كما في الأوسط لابن المنذر، أما أنه بمنزلة الابن فلقول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، أما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ (٢٧)﴾ [الأعراف: ٢٧]، ففيه شيء، وإنما قيل غالبا لأن الابن يختلف عن ابن الابن في أنه لا يسقط ميراثه بحال، وابن الابن قد يسقط ميراثه كما لو ترك الميت أبوين وابنتين وابن ابن، فمجموع ما للأبوين الثلث، والثلثان للبنتين، ولم يبق لابن الابن شيء، كما يسقط بحجب الابن له، وسيأتي ذكر بقية ما يختلف فيه ابن الابن عن الابن في الحجب والتعصيب، قال الحافظ في الفتح: «وقد أجمعوا على أن بني البنين ذكورا وإناثا كالبنين عند فقد البنين إذا استووا في التعدد، فعلى هذا تخص هذه الصورة من عموم «فلأولى رجل ذكر»، انتهى.

стр. 2269

• قوله: ١٣ - «فإن كان ابن وابنة فللذكر مثل حظ الأنثيين وكذلك في كثرة البنين والبنات وقلتهم يرثون كذلك جميع المال أو ما فَضَلَ منه بعد من شركهم من أهل السهام. ذكر هنا الحالة الثالثة لميراث الابن، وهي ما إذا كان معه بنت واحدة أو أكثر، فيتقاسمون التركة للذكر مثل حظ الأنثيين، لا فرق بين أن ينفردوا بالمال، أو يكون معهم أهل سهام فتعطى لهم سهامهم قبل أن يرثوا هم، فإن كان الوارث ابنا وابنة فالمسألة من ثلاثة ثلثاها للابن، وثلثها للبنت، وإن كان معهما زوجة فالمسألة من ثمانية للزوجة ثمنها واحد، والسبعة لا تقبل القسمة على ثلاثة، فتضرب الثلاثة التي هي عدد المنكسر عليهم في أصل المسألة وهو ثمانية فتكون من أربعة وعشرين، للزوجة ثمنها ثلاثة، والباقي واحد وعشرون ثلثها للبنت وهو سبعة، وثلثاها للابن وهو أربعة عشر. ولنذكر هنا الحكمة من جعل نصيب الذكر مثل حظ الأنثيين، قال النووي ﵀: «وحكمته أن الرجال تلحقهم المؤن كالقيام بالعيال والضيفان وإرفاد القاصدين، ومواساة السائلين، وتحمل الغرامات وغير ذلك»، انتهى. قلت: هذه الحكمة التي ذكرها النووي ﵀ إذا تخلفت بأن أصبحت المرأة عاملة، أو كانت معيلة لمن كانوا في كفالتها، فإن الحكم لا يختلف، وإنما ذكرت هذا لشيء قرأته في إحدى الجرائد منذ حين، وقد كتبته في رسالتي التي سميتها (هل الحزبية وسيلة إلى الحكم بما أنزل الله)، ص (٦٨) في الطبعة الصادرة سنة (١٤٢٣ هـ) له صلة بالموضوع، وهو ما قاله رئيس المجلس الإسلامي الأعلى يومئذ، إذ صرح بأن قسمة التركة على قاعدة ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؛ يمكن أن يعاد فيها النظر متى أصبحت المرأة عاملة، والرجل يلعب النرد»، لكنه استدرك ذلك بزخرف من القول فقال: «على أن يتم ذلك في إطار روح الدين الإسلامي»، فاعجب لهذا الذي صدر ممن بُوِّئَ ذلك المنصب، ورحم الله جميع المؤمنين.

стр. 2270

• قوله: ١٤ - «وابن الابن كالابن في عدمه فيما يرث ويحجب». كما يحجب الابن الزوج حجب نقصان من النصف إلى الربع ويحجب الزوجة من الربع إلى الثمن، فكذلك ابن الابن يحجبهما حجب نقصان، وكذلك يحجب ابن الابن الأب من التعصيب إلى السدس، والأم من الثلث إلى السدس كما تقدم، لكن ابن الابن ليس كالابن في هذا بإطلاق، فإن الابن يحجب بنت الابن حجب حرمان، ولا يحجبها ابن الابن بل يعصبها.

стр. 2271

• قوله: ١٥ - «وميراث البنت الواحدة النصف». ترث البنت الواحدة التي للصلب النصف إن انفردت عن جنسها، ولم يكن للميت ابن ذكر، كأن تترك المتوفاة بنتا وزوجا، فللزج الربع وللبنت النصف، والباقي تأخذه البنت بالرد إن قيل به، وهو ليس في المذهب، أو يترك الرجل بنتا وزوجة، فللزوجة الثمن، وللبنت النصف فرضا، والباقي ردا إن قيل به، ودليل أخذ البنت الواحدة النصف قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾.

стр. 2272

• قوله: ١٦ - «والاثنتين الثلثان فإن كثرن لم يزدن على الثلثين شيئا». للاثنتين من بنات الصلب فأكثر الثلثان، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾، وقد اختلف في الاستدلال بهذه الآية، فإن ظاهرها أن لهما الثلثين إن زدن على الثنتين، ويدل على ما ذهب إليه الجمهور من توريث الإثنتين الثلثين أن للأختين فأكثر الثلثين بنص كتاب الله تعالى وبالإجماع، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾، فأحرى أن يكون ذلك للبنتين لكونهما أولى منهما بالميراث، ولأن الأخوات مع البنات عصبات كما سيأتي، ومما يدل على ذلك أيضا أن الله تعالى جعل للواحدة النصف بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، ولم يذكر للاثنتين شيئا، فدل على أن لهما الثلثين، وأما ما قيل من أن الظرف «فوق»، زائد كما هو في قوله تعالى ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢] فلا يصح لوجوه، منها: أنه مردود بقوله في السياق فلهن ثلثا ما ترك، إذ لم يقل فلهما ثلثا ما ترك، ومهما يكن فقد نقل الإجماع على ذلك، ودلت عليه السنة إذ روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن جابر قال: «جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ﷺ بابنتيها من سعد فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يَدَعْ لهما مالا، ولا تنكحان إلا بمال»، فقال: «يقضي الله في ذلك»، فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك»، وفيه جواز القول عمن مات في سبيل الله إنه شهيد، وفيه دليل على ما تقدم من أن المرأة كانت لا تُوَرث في الجاهلية، وقد قيل إن أول توريث حصل في الإسلام هو توريث ابنتي سعد بن الربيع ﵁.

стр. 2273

• قوله: ١٧ - «وابنة الابن كالبنت إذا لم تكن بنت وكذلك بناته كالبنات في عدم البنات». أما أن بنت الابن وارثة فلأنه يصدق عليها أنها بنت لدخولها في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، فإن ولد الولد ولد، وقد قيل إن الولد حقيقة في ولد الصلب، مجاز فيمن دونه، وقيل هو حقيقة فيهما، والمقصود أن بنت الابن تأخذ النصف إن انفردت ولم يكن للميت بنت، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، فإن كانتا اثنتين فأكثر فلهما الثلثان كما تقدم في البنتين.

стр. 2274

• قوله: ١٨ - «فإن كانت ابنة وابنة ابن فللابنة النصف ولابنة الابن السدس تمام الثلثين وإن كثرت بنات الابن لم يزدن على ذلك السدس شيئا إن لم يكن معهن ذكر وما بقي للعصبة». بنت الابن الواحدة أو أكثر تأخذ مع البنت السدس تكملة الثلثين، ودليل ذلك ما رواه البخاري عن هُزَيل بن شرحبيل أنه قال: «سئل أبو موسى الأشعري عن بنت وبنت ابن وأخت، فقال: «للبنت النصف، وللأخت النصف، ولا شيء لبنت الابن»، وقال للسائل: «ائت ابن مسعود فإنه سيوافقني»، فسأل ابن مسعود وأخبره بقول أبي موسى، فقال: «لقد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين، لأقضين فيها بقضاء النبي ﷺ : للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي للأخت»، وقوله «لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين»، يريد إن هو قضى بما قضى به أبو موسى، لأنه كان عالما بالدليل، بخلاف أبي موسى فلم يكن على علم به، وقال ما قاله مجتهدا، وقوله تكملة الثلثين؛ يدل على أن هذا فرض واحد، وقيل فرضان، وعلى كل فالمسألة المذكورة من ستة للبنت نصفها ثلاثة، ولبنت الابن سدسها واحد، وللأخت الباقي اثنان.

стр. 2275

• قوله: ١٩ - «وإن كانت البنات اثنتين لم يكن لبنات الابن شيء، إلا أن يكون معهن أخ فيكون ما بقي بينهن وبينه للذكر مثل حظ الأنثيين وكذلك إذا كان ذلك الذكر تحتهن كان ذلك بينه وبينهن كذلك». إذا كانت البنات أكثر من واحدة فإن فرضهن الثلثان، فلا شيء لبنت الابن معهما لأن الثلثين تكملا، ولا مدخل لبنات الابن في الباقي لأنهن لسن عاصبات، لكن إن كان معهن أخ لهن، أو أنزل منهن درجة، أو ابن عم في درجتهن، فإنهن يقتسمن معه الباقي للذكر مثل حظ الأنثيين، فعلى هذا لو قال المؤلف: «إلا أن يكون معهن ذكر»، لكان أولى ليشمل ما إذا كان أخا لهن أو ابن عم، فالحاصل أن فرائض بنت الابن أربعة هي: ١ - النصف إن كانت واحدة، وليس للميت بنت، ولا ابن ابن. ٢ - الثلثان إن كانتا اثنتين فأكثر، وليس للميت بنت، ولا ابن ابن ٣ - السدس تكملة الثلثين إن كان للميت بنت فقط. ٤ - ترث بالتعصيب إذا كان معها ابن ابن في درجتها أو أسفل منها، أو ابن عم سواء أخذا المال كله كما إذا لم يكن للميت وارث غيرهم، أو كان له بنتان تكمل بهما الثلثان، فيأخذان الباقي وهو السدس تعصيبا، فإن لم يكن عاصب لبنت الابن في حال أخذ البنتين أو أكثر الثلثين فلا شيء لها، فابن الابن يعصب من في درجته من بنات الابن، ويعصب من فوقه منهن، ولا يعصب من تحته، بخلاف ابن الأخ فلا يعصب بنت الأخ لأنها ليست وارثة، ولا الأخت لأنها صاحبة فرض كما سيأتي.

стр. 2276

• قوله: ٢٠ - «وكذلك لو ورث بنات الابن مع الابنة السدس وتحتهن بنات ابن معهن أو تحتهن ذكر كان ذلك بينه وبين أخواته أو من فوقه من عماته ولا يدخل في ذلك من دخل في الثلثين من بنات الابن». لما كانت بنت الابن وارثة وإن نزلت فإنه إذا كان معها من يعصبها كان لها حق في التركة ولو اكتمل الثلثان، فلا فرق في هذا بين بنت الابن وبنت ابن الابن، فالحاصل أن ابن الابن يعصب من في درجته لا فرق بين أخته وبنت عمه، كما يعصب من فوقه إلا إذا كانت صاحبة فرض، ويسقط من تكون أسفل منه، وانظر هذه الأمثلة يتضح لك المراد: المثال الأول: الورثة هم بنت صلبية، وبنت ابن، وابن ابن ابن، فللبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، والباقي يأخذه ابن ابن الابن تعصيبا، ولا يعصب بنت الابن لأنها صاحبة فرض. المثال الثاني: الورثة هم بنتان صلبيتان، وابن ابن، وبنت ابن ابن، فللبنتين الثلثان، ولابن الابن الباقي تعصيبا، ولا شيء لبنت ابن الابن لأنها محجوبة بابن الابن، إذْ هي أنزل منه درجة. المثال الثالث: الورثة هم بنتان صلبيتان، وبنت ابن، وابن ابن، فللبنتين الثلثان، والباقي وهو الثلث يأخذه ابن الابن وبنت الابن تعصيبا، للذكر مثل حظ الأنثيين، ولو لم يوجد ابن الابن لحرمت بنت الابن الميراث، لأن الثلثين تكملا، ولذلك يسمون ابن الابن في هذه الصورة الأخ المبارك، لكونه كان سببا في ميراث أخته، لأنها صارت عصبة به، وهذه التسمية مرغوب عنها. المثال الرابع: الورثة هم: زوج، وأم، وأب، وبنت صلبية، وبنت ابن، للزوج الربع، وللأم السدس، وللأب السدس، وللبنت النصف، ولبنت الابن السدس، أصل المسألة من

стр. 2277

اثني عشر، وتعول بثلاثة إلى خمسة عشر، للزوج ثلاثة، ولكل من الأب والأم اثنان، وللبنت ستة، ولبنت الابن اثنان تكملة الثلثين، ولو وجد معها ابن ابن لما كان لها شيء، لأن الفروض استغرقت التركة، وهي عاصبة بأخيها، وقد سقط فتسقط معه، إذ لا يلزم العول إلا لأصحاب الفروض، فتكون المسألة من اثني عشر، وتعول إلى ثلاثة عشر، ولذلك يسمون أخاها في هذه الصورة الأخ المشؤوم، وهذه التسمية خطأ، وقوله: «ولا يدخل في ذلك من دخل في الثلثين من بنات الابن»، لأن بنت الابن الواحدة أو المتعددة قد أخذت السدس فهو فرضها المقرر لها فلا وجه لدخولها في التعصيب مع بنات ابن الابن اللائي معهن من يعصبهن.

стр. 2278

• قوله: ٢١ - «وميراث الأخت الشقيقة النصف». للأخوات الشقيقات خمس حالات يرثن في اثنتين منها بالفرض، ويكن في واحدة عصبة مع الغير، وفي أخرى عصبة بالغير، ويسقطن في واحدة، فالأخت الشفيقة الواحدة ترث من أخيها ومن أختها النصف، ودليله قول الله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦]، فالميت إن لم يترك ولدا مطلقا ولا أبا كان لأخته النصف، وإن ترك ولدا ذكرا لم ترث الأخت معه، وإن ترك بنتا واحدة أو أكثر كانت الأخت كالعاصب وسيأتي الكلام على ذلك.

стр. 2279

• قوله: ٢٢ - «والاثنتين فصاعدا الثلثان». هذه هي فريضة الأخت الثانية، وهي أن الأختين الشقيقتين فأكثر يرثن من أخيهن ومن أختهن الثلثين، بشرط عدم وجود الفرع الوارث، ولا الأب، ودليله قول الله تعالى:. ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾

стр. 2280

• قوله: ٢٣ - «فإن كانوا إخوة وأخوات شقائق أو لأب فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين قلوا أو كثروا». وهذه هي الحالة الثالثة إذا لم يكن للميت ابن ولا ابن ابن، ولا أب على ما تقدم، ودليله قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، إذ الكلالة من لا ولد له ولا والد.
следующие страницы →