← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

• قوله: ٥٠ - «ولا يرث قاتل الخطإ من الدية ويرث من المال». علّلوا هذا التفريق بأن الدية سببها فعل القاتل خطأ، فيحرم منها لقيام التهمة، أما غيرها فيستصحب معه الأصل، وهو غير متعمد، وتالله إنه لتوجيه وجيه لولا العموم الذي مر معك، وانظر غير هذا من الأدلة وما قاله مالك في الموطإ في باب الدماء حيث سبق للمؤلف أن ذكر هذا الحكم. ويذكرون في موانع الإرث انتفاء النسب باللعان، وانبهام التقدم والتأخر في الموت كما في موت الغرقى وحوادث السيارات والاختناق بالغاز ونحو ذلك، والانبهام في الذكورة والأنوثة، وهو الخنثى المشكل. ولا بأس بذكر كيفية توريث الخنثى، قالوا إنه قسمان من له آلة الذكر وآلة الأنثى، ومن له ثقب يخرج منه البول لا يشبه واحدا من الإثنين، والخنثى لا يتصور شرعا أن يكون أبا أو أما أو جدا أو زوجا أو زوجة لأنه لا يجوز مناكحته ما دام مشكلا، وهو منحصر في سبعة أصناف: الأولاد وأولادهم، والإخوة وأبناؤهم، والأعمام وأبناؤهم، والموالي. والخنثى إن اتضحت ذكورته أو أنوثته عمل على ذلك، وقد بين خليل ﵀ ما يزول به الإشكال بقوله: «فإن بال من واحد، أو كان أكثر، أو أسبق، أو نبتت له لحية، أو ثدي، أو حصل حيض أو مني؛ فلا إشكال»، انتهى، وهذه آخر كلمة في مختصر خليل، فإن لم يزل الانبهام بحيث لم تتضح ذكورته ولا أنوثته بعلامة؛ أُعطي نصف نصيبي ذكر وأنثى، بأن يؤتى بنصيب الذكر ويجمع إلى نصيب الأنثى، ويقسم على اثنين، فالحاصل هو ما يرثه، لكن بشرط أن يكون يرث بالجهتين كالولد وولد الولد، وأما لو ورث بالذكورة فقط كالعم؛ فإنه يأخذ نصف الذكورة فقط، لأنه لو قدر عمة لم ترث، وكذلك لو كان يرث

стр. 2312

بالأنوثة فقط، فإنه يعطى نصف نصيبها، كالأخت في المسألة المسماة بالأكدرية، فإنه لو قدر ذكرا لم يرتكب العول لأجله لأنه عاصب، ويشترط أيضا أن يكون إرثه بالذكورة والأنوثة مختلفا، فإن اتحد نصيبه على تقدير ذكورته وأنوثته كالأخ والأخت لأم؛ أعطي السدس إن كان واحدا، ويشترك مع غيره في الثلث إن كان متعددا، والله أعلم.

стр. 2313

• قوله: ٥١ - «وكل من لا يرث بحال فلا يحجب وارثا». بَيَّنَ أن بين الإرث والحجب ملازمة، فمن لا يرث لمانع لا يحجب، كالعبد والقاتل والكافر والمرتد والمنبهم زمن وفاته، فإن كان حاجبا فالغالب عليه أن يكون وارثا، والحجب نوعان: حجب حرمان، وهو المنع من الميراث بالكلية، وحجب نقصان، بأن ينقص سهم المحجوب بسبب الحاجب، فالأب يحجب الأخ والجد حجب حرمان، وهو وارث، والأخ يحجب ابن الأخ، والعم يحجب ابن العم، والابن يحجب ابن الابن، وكل هذا حجب حرمان، وولد الميت يحجب الزوج والزوجة حجب نقصان من النصف إلى الربع، ومن الربع إلى الثمن، وولد الميت يحجب أبا الميت وأمه من الثلث إلى السدس، لكن ما كل من يحجب يرث، فقد استثنوا من هذه القاعدة مسائل: أولاها: ما إذا ترك الميت أما وجدا وإخوة لأم، فإنهم يحجبونها حجب نقصان من الثلث إلى السدس بنص القرآن، ولا يرثون بالقرآن أيضا لأن الميت ليس كلالة كما تقدم. وثانيها: أبوان وإخوة، فإنهم يحجبون الأم كما تقدم من الثلث إلى السدس، ولا يرثون لحجبهم بالأب إن كانوا عصبة، أو لأن الميت لم يورث كلالة إن كانوا إخوة لأم وهم أصحاب فرض. وثالثها: المسألة المشتركة إذا كان فيها جد، فإنه يحجب الإخوة لأم، وقد تقدم بيانها. ورابعها: كما لو ترك الميت زوجا وأما وأخوين لأم وأخا لأب وجدا فإن الإخوة لأم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، ولا يرثون. وخامسها: المسماة بالمعادة، كأخ شقيق وأخ لأب وجد، فإن الأخ الشقيق يَعد على الجد الأخ لأب فيتقاسم الثلاثة المال أثلاثا، ثم يرجع الأخ الشقيق على الأخ لأب، فيأخذ ما بيده، فحجب الأخ لأب الجد من النصف إلى الثلث، ومع ذلك لم يرث شيئا.

стр. 2314

• قوله: ٥٢ - «والمطلقة ثلاثا في المرض ترث زوجها إن مات من مرضه ذلك ولا يرثها، وكذلك إن كان الطلاق واحدة وقد مات في مرضه ذلك بعد العدة». تكلم هنا على المريض يطلق امرأته فإن طلاقه لا يخلو من حالين لأنه إما أن يكون باتا سواء أكان آخر ثلاث تطليقات أو مجموعا في لفظ واحد كما هو قول الجمهور، فمتى كان ذلك في المرض المخوف فإن مطلقته ترثه إذا مات من مرضه ذاك لأنه متهم بمنعها من الميراث بالطلاق، فيعامل بنقيض قصده، ولا يرثها هو إن ماتت لأنها بانت منه، والثاني أن يطلقها طلقة رجعية ويموت في مرضه بعد انقضاء العدة، فإنها ترثه معاملة له بنقيض قصده، ولا يرثها هو لما علمت، وألحقوا بالطلاق ما لو علق طلاقها في حال صحته على شيء ثم حصل خلال مرضه المخوف، وقد تقدم ذكر ما اعتمدوا عليه في هذا القول في كتاب النكاح فارجع إليه.

стр. 2315

• قوله: ٥٣ - «وإن طلق الصحيح امرأته طلقة واحدة فإنهما يتوارثان ما كانت في العدة، فإن انقضت فلا ميراث بينهما بعدها». إنما يتوارث الزوجان في هذه الحال لأن الزوجة ما زالت في العصمة، لقول الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨]، لكن قوله طلقة واحدة؛ ليس كما ينبغي، والمتعين أنه متى كانت العصمة قائمة حصل التوارث، لا فرق بين الطلقة والطلقتين، فإن الذي يحرم المرأة على زوجها حتى تنكح غيره هو الطلاق الثلاث على ما في المجموع منه في اللفظ من الخلاف، وقد تقدم في بابه، أو يقال إن المؤلف أراد بقوله طلقة واحدة، الطلقة الرجعية.

стр. 2316

• قوله: ٥٤ - «ومن تزوج امرأة في مرضه لم ترثه ولا يرثها». هذا إذا كان المرض مخوفا ومات فيه، لأنه يتهم في زواجه بإرادة إدخال وارث جديد على الورثة، فيعامل بنقيض قصده، ولا يرثها هو أيضا، وقد عللوا ذلك بفساد النكاح ولو كان محتاجا إليه، قالوا ولو أذن الوارث على المشهور، لكنهم استثنوا هذا من قاعدتهم التي فيها أن ما كان من النكاح مختلفا في فساده فإنه يقع به التوارث، ووجه الاستثناء أنه منهي عنه كما قاله الشيخ علي العدوي في حاشيته على شرح أبي الحسن، وما أجدر هذا بالاعتبار لو صح النهي، لكن جاء ذلك عن ابن شهاب ويحي بن سعيد شيخي مالك، وهو لازم فعل عثمان بن عفان حيث ورث نساء ابن مكمل منه وكان قد طلقهن وهو مريض وهو في الموطإ وقد تقدم الكلام عليه في النكاح.

стр. 2317

• قوله: ٥٥ - «وترث الجدة للأم السدس وكذلك التي للأب، فإن اجتمعتا فالسدس بينهما». إنما ورثت الجدة التي للأم السدس لحديث بريدة عن أبيه ﵄ أن رسول الله ﷺ جعل للجدة السدس إدا لم يكن دونها أم»، رواه أبو داود والنسائي، وعن قبيصة بن ذؤيب قال: «جاءت الجدة إلى أبي بكر فسألته ميراثها، فقال: مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله شيئا، فارجعي حتى أسأل الناس»، فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس، فقال: «هل معك غيرك»؟، فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثلما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر، قال: ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر، فسألته ميراثها، فقال: مالك في كتاب الله شيء، ولكن هو ذاك السدس، فإن اجتمعتما فهو بينكما، وأيكما خلت به فهو لها»، رواه مالك وأحمد وأصحاب السنن الثلاثة والنسائي في الكبرى كلهم من طريق مالك، وقال الترمذي صحيح، هكذا نقل تصحيح الترمذي غير واحد، وهو مما اختلفت النسخ فيه، وفي إحداها قوله عن سنده الثاني في الحديث: «وهذا أحسن، وهو أصح من حديث ابن عيينة»، انتهى، ولا يلزم من هذا القول الصحة كما هو معلوم في فن المصطلح، لكن ابن المنذر نقل الإجماع على أن للجدة السدس إذا لم يكن للميت أم، وكما ترث الجدة التي للأم السدس ترث التي للأب السدس إذا انفردت قياسا عليها، فإن اجتمعتا كان السدس بينهما، لأنهما جنس واحد، فيشترك أفراده فيما فرض للواحد منه كأن يكون للميت أكثر من زوجة، ولم يأت نص يجعل للمتعدد أكثر من المنفرد كما هو الشأن في المتعدد من الإخوة للأم، ويدل على هذا قول عمر للجدة الأخرى وهي أم الأب: «فإن اجتمعتما فهو بينكما، وأيكما خلت به فهو لها»، والله أعلم.

стр. 2318

• قوله: ٥٦ - «إلا أن تكون التي للأم أقرب بدرجة فتكون أولى به لأنها التي فيها النص، وإن كانت التي للأب أقربهما فالسدس بينهما نصفين». إذا اجتمعت الجدة لأم والجدة لأب وكانتا متساويتين في القرب من الميت؛ فالسدس بينهما، وإن كانت التي للأم أقرب فالسدس لها وحدها، لأنها هي التي جاء فيها النص، بخلاف ما إذا كانت التي للأب هي الأقرب فإن التي للأم لا تسقط، بل يكون السدس بينهما لما سبق، وقد بين ذلك مالك في الموطإ إذ قال: «الأمر المجتمع عليه عندنا الذي لا اختلاف فيه والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا أن الجدة أم الأم لا ترث مع الأم دنيا شيئا، وهي فيما سوى ذلك يفرض لها السدس فريضة،،، إلى أن قال: فإذا اجتمعت الجدتان أم الأب وأم الأم وليس للمتوفى دونهما أب ولا أم فإني سمعت أن أُمَّ الأم إذا كانت أقعدهما كان لها السدس دون أم الأب، وإن كانت أم الأب أقعدهما أو كانتا في القعدد من المتوفى بمنزلة سواء فإن السدس بينهما نصفين»، انتهى، ومعنى الأقعد الأقرب، ومعنى دنيا المباشرة، والقُعدَد القرب.

стр. 2319

• قوله: ٥٧ - «ولا يرث عند مالك أكثر من جدتين أم الأب وأم الأم وأمهاتهما». إنما ترث الجدة لأم إذا لم توجد أم الميت دنية، وترث الجدة لأب إذا لم يوجد أبو الميت، وترث أم أم الأم، وأم أم الأب عند فقد القربى من الجنسبن لقيامهما مقام الجدتين المباشرتين، وتحجب القربى البعدى منهما، ومهما يكن فإنه لا ترث أكثر من جدتين من الجهتين، وقد علمت من الأثر المتقدم أن فيه جدتين فحسب، ولأن القربى تحجب البعدى، وقد قال مالك في الموطإ: «ثم لم نعلم أحدا ورث غير جدتين منذ كان الإسلام إلى اليوم»، انتهى، ومثل ذلك قال شيخه الزهري.

стр. 2320

• قوله: ٥٨ - «ويذكر عن زيد بن ثابت أنه ورث ثلاث جدات: واحدة من قبل الأم واثنتين من قبل الأب: أم الأب وأم أبي الأب ولم يحفظ عن الخلفاء توريث أكثر من جدتين». لما كان أهل المدينة ومالك منهم قد اعتمدوا مذهب زيد بن ثابت في الفرائض كما تقدم، وكان له قول بتوريث ثلاث جدات واحدة من قبل الأم واثنتين من قبل الأب نبه المؤلف عليه، وهو قوله وقول علي بن أبي طالب كما في سنن البيهقي، وعند الدارقطني، والأوسط لابن المنذر، وسنن الدارمي، ولينظر سند هذه الآثار، وإنما ترك مالك هذا القول من زيد اتباعا للخلفاء الأربعة الذين أمرنا باتباع سنتهم، كذا قيل، وروى الدارقطني عن عبد الرحمن بن يزيد قال: أعطى رسول الله ﷺ ثلاث جدات السدس: ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم، وهو مرسل، وقال في التلخيص الحبير: قد نقل اتفاق الصحابة والتابعين على ذلك إلا ما روي عن سعد بن أبي وقاص أنه أنكر ذلك، ولا يصح إسناده عنه»، انتهى بالنقل عن التعليق المغني على الدارقطني، وقد علمت قبل قول مالك وشيخه الزهري الذي نفيا فيه علمهما بمن ورث أكثر من جدتين، لكن عدم العلم بالشيء ليس علما، ولا هو نفي لوجود من ورث أكثر من جدتين، فكلامهما حق.

стр. 2321

• قوله: ٥٩ - «وميراث الجد إذا انفرد فله المال». المراد بالجد هنا خصوص أبي الأب، فإن أبا الأم لا يرث، وهو إما أن ينفرد، أو يكون معه ابن، أو ابن ابن، أو صاحب فرض غير الإخوة، أو الإخوة. فإن انفرد ورث جميع المال لأنه أب، والأب عاصب يحوز المال كله عند الانفراد، قال تعالى: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ (٦)﴾ [يوسف: ٦]، وقال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨].

стр. 2322

• قوله: ٦٠ - «وله مع الولد الذكر أو مع ولد الولد الذكر السدس». هذه هي الحالة الثانية لميراث الجد، فإنه يأخذ السدس مع الابن، وابن الابن، وهو فرض الأب معهما لقول الله تعالى:. ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾.

стр. 2323

• قوله: ٦١ - «فإن شركه أحد من أهل السهام غير الإخوة والأخوات فليقض له بالسدس فإن بقي شيء من المال كان له». وهذه هي الحالة الثالثة، وذلك إذا ورث مع الجد صاحب فرض غير الإخوة والأخوات؛ كان له فرضه وهو السدس، ثم يأخذ ما بقي تعصيبا، هذا ظاهر كلام المصنف، إلا أن أهل المذهب قيدوا أخذ الجد السدس من رأس المال ثم أخذه ما بقي تعصيبا بما إذا ترك المتوفى بنتا أو أكثر أو بنت ابن كذلك، كما تقدم في ميراث الأب، فأما إذا كان أصحاب الفروض غير من ذكر كالزوج والزوجة والأم فليس له إلا ما بقي تعصيبا. مثال: توفي رجل عن بنتين، وجد لأب، فالمسألة من ستة، للبنتين ثلثاها أربعة، وللجد سدسها واحد، وله الباقي تعصيبا، وهو واحد، ولو توفيت امرأة عن زوج، وجد؛ فالمسألة من اثنين، للزوج النصف واحد لعدم وجود الفرع الوارث، وللجد الباقي وهو النصف تعصيبا.

стр. 2324

• قوله: ٦٢ - «فإن كان مع أهل السهام إخوة فالجد مخير في ثلاثة أوجه يأخذ أي ذلك أفضل له: إما مقاسمة الإخوة أو السدس من رأس المال أو ثلث ما بقي». وهذه هي الحالة الرابعة في ميراث الجد، وذلك إذا وجد مع أهل السهام إخوة، فهنا يخير الجد بين ثلاثة أمور يأخذ ما كان منها أحظى له أي أنفع، وهي مقاسمة الإخوة، أو السدس من رأس المال، أو ثلث الباقي، وفي الموطإ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن معاوية بن أبي سفيان كتب إلى زيد بن ثابت يسأله عن الجد فكتب إليه زيد بن ثابت: «إنك كتبت إلي تسألني عن الجد والله أعلم، وذلك مما لم يكن يقضي فيه إلا الأمراء، يعني الخلفاء، وقد حضرت الخليفتين قبلك يعطيانه النصف مع الأخ الواحد، والثلث مع الإثنين، فإن كثرت الإخوة لم ينقصوه من الثلث»، انتهى. فمثال أفضلية المقاسمة له أن يترك الميت جدا وجدة وأخا، فالمسألة من ستة، للجدة سدسها، والباقي خمسة بين الجد والأخ بالتساوي، لكن تصحح المسألة بضرب عدد المنكسر عليهم وهو اثنان في المخرج الأصلي، وهو ستة، فتصير من اثني عشر، للجدة اثنان، ولكل من الجد والأخ خمسة، وهذا خير له مما لو أخذ السدس من رأس المال فإنما يأخذ سهما واحدا، وهو خير له أيضا مما لو أخذ ثلث الباقي بعد أن تأخذ الجدة السدس لأن ثلث الخمسة هو واحد وكسر. ومثال كون أخذه السدسَ من رأس المال أفضلَ له ما لو كان الوارثون جدا وزوجة وابنتين وأخا، للجد السدس، وللزوجة الثمن، وللبنتين الثلثان، والأخ عاصب، فالمسألة من أربعة وعشرين، للجد سدسها أربعة، وللزوجة الثمن ثلاثة، وللبنتين الثلثان ستة عشر، ويأخذ الأخ الباقي تعصيبا وهو واحد، ولو أخذ الجد ثلث الباقي بعد الزوجة والبنتين وهو خمسة لأخذ سهما وكسرا، ولو قاسم الأخ لأخذ سهمين ونصفا، فبهذا كان أخذه السدس

стр. 2325

أحظى له. ومثال أفضلية ثلث الباقي للجد ما لو كان الوارثون أما وجدا وخمسة إخوة، فتكون المسألة من ستة، للأم السدس، وهو واحد، والباقي خمسة أسهم، فإن أخذ الجد السدس كان له سهم، وإن قاسم الإخوة كان له أقل من سهم، وإن أخذ ثلث الباقي كان له سهم وكسر، فيكون هو الأحظى له، فتكون المسألة من ثمانية عشر بعد ضرب مخرج الثلث الذي هو ميراث الجد وهو ثلاثة في أصل المسألة وهو ستة، فللأم سدسها ثلاثة، وللجد ثلث الباقي - وهو خمسة عشر - خمسة، والباقي عشرة فيأخذ كل من الإخوة سهمين. وقد تستوي المقاسمة مع ثلث الباقي كما لو كان مع الجد أم وأخوان، للأم السدس واحد، والباقي خمسة يستوي ثلثها مع المقاسمة، كما قد يستوي السدس من رأس المال، وثلث الباقي، والمقاسمة، فلو تركت المتوفاة زوجا وجدا واثنين من الإخوة، فالمسألة من ستة، للزوج نصفها ثلاثة، والجد إن أخذ السدس من رأس المال أخذ واحدا، وإن أخذ ثلث الباقي أخذ واحدا، وكذلك إن قاسم الأخوين لاشتراك الثلاثة في ثلاثة أسهم.

стр. 2326

• قوله: ٦٣ - «فإن لم يكن معه غير الإخوة فهو يقاسم أخا وأخوين أو عدلهما أربع أخوات، فإن زادوا فله الثلث فهو يرث الثلث مع الإخوة إلا أن تكون المقاسمة أفضل له». هذه الحالة لا يكون فيها مع الجد غير جنس الإخوة، وتحتها ثلاث صور: ١ - أن يكون معه أخ واحد فيقاسمه بالتساوي لأن ذلك خير له من السدس ومن ثلث الباقي، فتكون المسألة من اثنين. ٢ - أن يكون للميت أخوان فتستوي المقاسمة وثلث جميع المال، فالمسألة من ثلاثة، ومثلها ما إذا ترك الميت عدل أي مساوي أخوين وهو أربع أخوات فيقاسمهن للذكر مثل حظ الأنثيين فتستوي المقاسمة وثلث جميع المال، فالمسألة من ستة. ٣ - أن يزيد الإخوة على اثنين أو مساويهما وهو أربع أخوات؛ فله الثلث من رأس المال، فلو كان الوارثون جدا وثلاثة إخوة؛ فإن المسألة من تسعة بعد ضرب مخرج الثلث في عدد رؤوس المنكسر عليهم، فللجد ثلثها ثلاثة، ولكل واحد من الإخوة اثنان.

стр. 2327

• قوله: ٦٤ - «والإخوة للأب معه في عدم الشقائق كالشقائق، فإن اجتمعوا عاده الشقائق بالذين للأب فمنعوه بهم كثرة الميراث ثم كانوا أحق منهم بذلك». ما سبق من التفصيل في ميراث الجد مع الإخوة يستوي فيه الإخوة الأشقاء والذين للأب، متى انفرد الجد بالجنس الواحد منهم، أما إن اجتمع الأشقاء الذكور والذين للأب مع الجد فهي المسألة المسماة بالمعادة، ومعناها أن الأشقاء يعادون الجد بالذين للأب، أي يحاسبونه بهم، فيدخلون في الوارثين، فينقص ميراثه بسبب ذلك مع أنهم محجوبون، لأن الأشقاء أولى بالميت منهم. ومثال المعادة أن يترك الميت جدا وأخا شقيقا وأخا لأب، فإن الأخ لأب لا يرث لكونه محجوبا بالشقيق، لكن الشقيق يعاد الجد به، فيكون للجد الثلث مقاسمة بدل النصف - على اعتبار أن الأخ لأب لا يرث لأنه محجوب بالشقيق - ثم يرجع الأخ الشقيق فيأخذ الثلث الذي عاد به الجد. قال ابن عبد البر في الاستذكار (٥/ ٣٤٣): «انفرد زيد بن ثابت من بين الصحابة - رضوان الله عليهم - بقوله في معاداته الجد بالإخوة للأب مع الإخوة للأب والأم، ثم يصير ما وقع لهم في المقاسمة إلى الإخوة للأب والأم، لم يقله أحد غيره إلا من اتبعه فيه، قد خالفه فيه طائفة من الفقهاء القائلين بقوله في الفرائض لإجماع المسلمين أن الإخوة للأب لا يرثون شيئا مع الإخوة للأب والأم، فلا معنى لإدخالهم معهم وهم لا يرثون لأنه حيف على الجد في المقاسمة.

стр. 2328

• قوله: ٦٥ - «إلا أن يكون مع الجد أخت شقيقة ولها أخ لأب أو أخت لأب أو أخ وأخت لأب فتأخذ نصفها مما حصل وتسلم ما بقي إليهم». المقصود أن الأخت هنا وإن عادت الجد بمن معها إلا أنها لا تأخذ كل ما عادت به، بل تكتفي بأخذ ما يكمل لها النصف المقرر لها، فإن بقي شيء أخذه من معها وإن لم يبق فلا شيء له. فمثال ما يبقى معه شيء ما لو ترك الميت جدا وأختا شقيقة وأخا لأب، فأصل المسألة من خمسة، وهي عدد الرؤوس لأنها لا فرض فيها، وما لا فرض فيه فأصله أعني مخرجه عدد الرؤوس، وهم هنا خمسة، لأن الجد يعصب الأخوات، فيكون للجد سهمان، وللأخ سهمان، وللأخت سهم واحد، لكنها هنا لها النصف فلتستكمله، ونصف الخمسة اثنان ونصف، فيضرب أصل المسألة وهو خمسة في مقام النصف وهو اثنان، فتصبح من عشرة، للجد أربعة باعتبار أنه عاصب يأخذ مثلي الأنثى، وللأخت خمسة، بعد أن كمل لها النصف، وللأخ لأب الباقي وهو واحد. ومثال ما لم يبق معه شيء من الميراث ما لو ترك جدا وأختا شقيقة وأختا لأب، فهي من أربعة للجد نصفها اثنان، ولكل من الأختين واحد، ثم ترجع الشقيقة على التي للأب بواحد لتكمل به النصف المقرر لها فلا يبقى للتي للأب شيء. ولنذكر المثال الذي أشار إليه المؤلف بقوله أو أخ وأخت لأب، أي أن الميت ترك جدا وأختا شقيقة وأخا لأب وأختا لأب، فالمسألة من ستة، للجد سهمان، وللأخ لأب سهمان، ولكل من الأختين سهم واحد، ثم ترجع الشقيقة على التي للأب فتأخذ سهمها فيصير لها اثنان، ولم يكمل لها النصف بعد، فتأخذ من الأخ لأب واحدا، ثم ترجع الأخت لأب للأخ لأب فتقاسمه السهم الذي بيده فلا تصح قسمة الواحد على ثلاثة، فيضرب

стр. 2329

أصل المسألة وهو ستة في ثلاثة وهو عدد المنكسر عليهم فتصير ثمانية عشر، يأخذ منها صاحبا الفرض وهما الجد والأخت الشقيقة ما كان له مضروبا في ثلاثة، فللجد ستة، وللأخت الشقيقة تسعة، وللأخ لأب سهمان، وللأخت لأب سهم واحد، هكذا قالوا، ولا أحسب أن الشرع يأتي بمثل هذا، والظاهر أن الجد يحجب الإخوة فلا نفتقر إلى هذا التعني لحل هذه الإشكالات.

стр. 2330

• قوله: ٦٦ - «ولا يربى للأخوات مع الجد إلا في الغراء وحدها وسنذكرها بعد هذا». لا يربى للأخوات يريد لا يزاد لهن على نصيبهن الذي هو المقاسمة على قاعدة أن الذكر يأخذ نصيبي الأنثى، إلا في المسألة التي تسمى الغراء وسيذكر ها في آخر الباب.

стр. 2331

• قوله: ٦٧ - «ويرث المولى الأعلى إذا انفرد جميع المال كان رجلا أو امرأة، فإن كان معه أهل سهم كان للمولى ما بقي بعد أهل السهام، ولا يرث المولى مع العصبة، وهو أحق من ذوي الأرحام الذين لا سهم لهم في كتاب الله ». المولى الأعلى هو المعتق بكسر التاء، وفي مقابله المولى الأسفل، وهو المعتق بفتحها، وهذا لا يرث، والأول يرث جميع مال من أعتقه متى لم يكن معه صاحب فرض، ولا عاصب نسبي، لأن المولى عاصب بالإجماع فينطبق عليه عند افتقاد العاصب النسبي قول النبي ﷺ : «فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر»، لكنه في العصبة من النسب، أما الدليل الخاص فقوله ﵊: «الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب»، رواه الطبراني عن عبد الله بن أبي أوفى، ولا فرق في هذا بين العاصب الذكر والعاصب الأنثى، فإن لم يوجد المولى الذي باشر العتق، ورث المال أولى عصبته كما تقدم، وإن كان ثمة صاحب فرض أعطى فرضه، ويأخذ المولى ما بقي، ومثاله أن يترك المتوفى بنتا ومولى فللبنت النصف، والباقي وهو النصف للمولى، أما أنه لا يرث مع العصبة فللأولوية المذكورة في الحديث، وأما أنه مقدم على من لا سهم له في كتاب الله من ذوي الأرحام فلأنهم غير وارثين بالمرة، فلا وجه للقول إنه مقدم عليهم لإشعاره بأنهم يرثون في غيبته وهو بخلاف المقصود عند من لم يورثوا ذوي الأرحام.

стр. 2332

• قوله: ٦٨ - «ولا يرث من ذوي الأرحام إلا من له سهم في كتاب الله». استدل لعدم توريث ذوي الأرحام الذين لا سهم لهم في الكتاب والسنة بقول النبي ﷺ : «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر»، رواه الترمذي عن عمرو بن خارجة، قالوا: وليس لهم حق في الكتاب ولا في السنة، والجواب: أن القول بأنهم ليس لهم حق في الكتاب موضع نزاع، إلا أن يكون المراد أنهم ليس لهم فرض معين، والخلاف إنما يظهر فيما لو انعدم الوارثون المنصوص عليهم ببيان فرائضهم أو لكونهم عصبة، وقد سبق الكلام في توريث ذوي الأرحام.

стр. 2333

• قوله: ٦٩ - «ولا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقن أو جره من أعتقن إليهن بولادة أو عتق». رجع إلى الكلام على ميراث المرأة بالولاء بعد أن أقحم الكلام على ذوي الأرحام إمعانا في البيان، والمقصود أن المعتق ذكرا كان أو أنثى يرث المعتَق، لكن ميراث الأنثى لا يتعدى أن ترث من أعتقته، أو ما جره عتقها بالولادة والعتق، ومثال الجر بالولادة أن تعتق المرأة رقبة، فتتزوج تلك الرقبة، ويحصل لها ولد ويموت الولد وله مال، ولا عاصب له، ومثال الجر بالعتق أن تعتق المرأة رقبة وتعتق تلك الرقبة رقبة أخرى، وتموت الرقبة هذه ولها مال، فمتى لم يكن للرقبة المعتقة عاصب من النسب ورثتها المعتقة بالكسر.

стр. 2334

• قوله: ٧٠ - «وإذا اجتمع من له سهم معلوم في كتاب الله وكان ذلك أكثر من المال أدخل عليهم كلهم الضرر وقسمت الفريضة على مبلغ سهامهم». تكلم هنا على العول، وهو في اللغة الميل والجور، وهو في الاصطلاح الزيادة في السهام والنقص في الأنصباء، والمقصود أن يجتمع من الورثة من أصحاب الفروض من لا تفي التركة بما لهم، فيدخل المسألة العول، حتى يوزع عليهم النقص بالتساوي، كشأن الغرماء إذا ضاق المال عن ديونهم، والعول ليس أمرا متفقا عليه، فقد قال به أكثر العلماء، فمن الصحابة عمر بن الخطاب، وقد قيل إنه أول من أعال الفرائض، ومنهم علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، ومنهم الأئمة الأربعة واختاره ابن المنذر، وأباه عبد الله بن عباس وأهل الظاهر وغيرهم. وقد رأى ابن عباس أن الفروض إذا تزاحمت أن كل فريضة لم يهبطها الله إلا إلى فريضة فإنها تقدم كميراث الزوج والزوجة والأبوين، فأما الفرائض التي تسقط ولا تنزل فإنها تؤخر عند التزاحم فإن لم يبق شيء سقطت، هذا معنى كلامه ﵁ وهو في المحلى لابن حزم، والأوسط لابن المنذر. أما كيف يعرف أن المسألة محتاجة إلى العول فبمعرفة أصلها أولا، ثم يعطى كل وارث سهمه، فإن أوفى أصل المسألة بسهام الورثة أو بقي منه شيء؛ فلا حاجة إلى العول، وإن لم يف الأصل بالسهام دخلها العول. ومثاله أن تتوفى امرأة عن زوج وأخت شقيقة وأخرى لأب، فللزوج النصف، وللشقيقة النصف، وللتي للأب السدس تكملة الثلثين، فتكون المسألة من ستة للزوج نصفها ثلاثة، وللأخت النصف الآخر، فلا يبقى للتي للأب شيء، فتعول المسألة بمقدار سهم الأخت لأب وهو واحد، إلى سبعة، للزوج ثلاثة، وللأخت ثلاثة، وللتي للأب واحد.

стр. 2335

ومن المعلوم أن أصول مسائل الفرائض سبعة هي الاثنان والثلاثة والأربعة والستة والثمانية والإثنا عشر والأربعة والعشرون، لكن العول لا يدخل إلا ثلاثة منها وهي الستة، والإثنا عشر، والأربعة والعشرون. فالستة تعول أربع مرات: إلى سبعة، وإلى ثمانية، وإلى تسعة، وإلى عشرة. فمثال عولها إلى سبعة، زوج وأختان لغير أم، للزوج النصف، وللأختين الثلثان، فالمسألة من ستة، ومجموع السهام سبعة، فتصير السبعة مخرج المسألة. ومثال عولها إلى ثمانية، زوج وأم وأخت لغير أم، للزوج النصف، وللأم الثلث، وللأخت النصف، فتكون المسألة من ستة، فإذا جمعت السهام كانت ثمانية فيصير مخرجها ثمانية. ومثال عولها إلى تسعة، زوج، وأم، وأخت شقيقة، واثنتان لأب، وأخ لأم، فللزوج النصف، وللأم السدس، وللشقيقة النصف، وللأختين لأب السدس، وللأخ لأم السدس، ومجموع السهام تسعة، فتصير التسعة مخرجا بدل الستة، وليصحح ما في حاشية علي العدوي على شرح أبي الحسن، وما في الفواكه الدواني من الخطإ الذي حصل في عول هذا الأصل. ومثال عولها للعشرة، زوج، وأخت لأبوين، وأخت لأب، وأم، وولدي أم، للزوج النصف، وللشقيقة النصف، وللتي للأب السدس، وللأم السدس، ولولدي الأم الثلث، فتكون المسألة من ستة، ومجموع سهامها عشرة، فتعول بمقدار ثلثيها أعني ثلثي الستة، وهو أربعة، فيصير مخرجها عشرة. وأما الاثنا عشر فتعول ثلاث عولات هي: ثلاثة عشر، وخمسة عشر، وسبعة عشر. ومثال الأولى زوج وأم وبنتان، للزوج الربع، وللأم السدس، وللبنتين الثلثان، فيكون أصلها من اثني عشر، ومجموع السهام ثلاثة عشر، فيصير ذلك هو المخرج بعد العول. ومثال عولها إلى خمسة عشر؛ زوج وأبوان وابنتان، للزوج الربع، ولكل من الأبوين السدس، وللبنتين الثلثان، فالمسألة من اثني عشر، لكن مجموع السهام خمسة عشر، فتكون هي المخرج بعد العول.

стр. 2336

ومثال عولها إلى سبعة عشر، زوجة وأم وولداها وأخت لأبوين، وأخت لأب، فللزوجة الربع، ولأم السدس، ولولدي الأم الثلث، وللأخت الشقيقة النصف، والتي للأب لها السدس، فالمسألة من اثني عشر، ومجموع السهام سبعة عشر فتجعل مخرجا بعد العول. وأما الأربعة والعشرون، فتعول عولة واحدة إلى سبعة وعشرين، ومثالها زوجة وأبوان وابنتان، فللزوجة الثمن، ولكل من الأبوين السدس، وللبنتين الثلثان، فتكون من أربعة وعشرين، ومجموع السهام سبعة وعشرون فيصير مخرجها مجموع السهام، والله أعلم.

стр. 2337

• قوله: ٧١ - «ولا يعال للأخت مع الجد إلا في الغراء وحدها وهي امرأة تركت زوجها وأمها وأختها لأبوين أو لأب وجدها فللزوج النصف وللأم الثلث وللجد السدس فلما فرغ المال أعيل للأخت بالنصف ثلاثة ثم جمع إليها سهم الجد فيقسم جميع ذلك بينهما على الثلث لها والثلثين له فتبلغ سبعة وعشرين سهما». ذكر هذه المسألة المستثناة مالك في ميراث الجد فانظرها، والمؤلف يريد أن أخت الميت لا ترث مع جده بالفرض، بل بالتعصيب، لأنها معه كما لو كانت مع أخيها، فميراثها بالتعصيب كما تقدم إلا في الغراء وتسمى الأكدرية أيضا، وإنما سميت غراء لأنها مشتهرة لا مثيل لها من غرة الفرس، أو لأن الجد غر الأخت حيث أعيلت المسألة لأجلها، ثم جمع ما معه إلى ما معها فقاسمها، وقيل إنما سميت الأكدرية لأن أصل زيد بن ثابت ﵁ أنه لا يفرض في باب الجد والإخوة للأخت، ولا يعال لأجلها، وقد أعيل هنا وفرض، ومثالها ما إذا كان الوارثون أما وجدا وزوجا وأختا لغير أم، فللأم الثلث، وللزوج النصف، وللجد السدس، فأصل المسألة من ستة، فلم يبق للأخت شيء، فيعال لها بالنصف وهو ثلاثة، فتصير المسألة من تسعة، إذ لو لم يعل لها؛ فإما أن تقاسم الجد في سدسه فينقص عنه، وإما أن لا تقاسمه فتحرم الميراثَ مع أنها غير محجوبة عند من يرى توريث الإخوة مع الجد، وبعد العول يجمع لها سهم الجد، وهو واحد فيصير المجموع أربعة ولا ثلث للأربعة، فتضرب التسعة في ثلاثة وهي عدد المنكسر عليهم فتصير سبعة وعشرين، للأم اثنان مضروبة في ثلاثة بستة، وللزوج النصف، وهو ثلاثة مضروبة في ثلاثة بتسعة، والباقي بين الجد والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين، فيكون له ثمانية، ولها أربعة، والحمد لله الذي

стр. 2338

بنعمته تتم الصالحات. ولنذكر هنا الرد، وهو صرف الباقي من الميراث إلى ذوي الفروض النسبية بنسبة فروضهم إذا لم يوجد عاصب، وقيد النسبية يخرج الزوجين فإنه لا يرد لهما، وقد علمت قبل أن بيت المال في المذهب مصرف لباقي التركة إذا لم يوجد عاصب متى كان بيت المال منتظما، وأن الرد غير معمول به عندهم، وأين بيت المال اليوم؟. وكيفية الرد تتوقف على من يرد عليهم، لأنهم إما أن يكونوا جنسا واحدا، أو مختلفا، وهل يرد على الجميع أو على بعضهم، فهذه ثلاثة أحوال، فإن كانوا جنسا واحدا فإن أصل المسألة هو عدد رؤوسهم، وإن كان في المسألة جنسان؛ فإن أصل المسألة يجعل من مجموع سهامهم، وإن كان فيهم من لا يرد عليه فإن أصل المسألة هو مخرج فرضه، فيعطى فرضه، ثم يقسم الباقي على حسب ما سبق من كونهم جنسا واحدا، أو أجناسا مختلفة. فمثال الأول: ما إذا كان الورثة خمس بنات، فإن لهن الثلثين، لكن لما كان الرد لهن وهن جنس واحد؛ يكون أصل المسألة من عددهن وهو خمسة، فلكل بنت سهم منها. ومثال الثاني: ما إذا كان الوارثون أما وأختين لأم، فإن للأم السدس، واحد، وللأختين لأم الثلث أي اثنان، ومجموع السهام ثلاثة فيكون هو أصل المسألة للأم واحد، وللأختين لأم اثنان. ومثال الثالث: زوجة وجدة وأختان لأم، فأصل المسألة من اثني عشر، وترد إلى أربعة، للزوجة ربعها واحد، والباقي يقسم على الجدة والأختين لأم بنسبة واحد إلى اثنين، فلها واحد وللأختين لأم اثنان.

стр. 2339

٤٠ - باب في جمل من الفرائض والسنن الواجبة والرغائب سلك المؤلف في رسالته منهج الوصف، وربما ذكر درجة الحكم من واجب ومندوب وغيرهما أحيانا، فأراد بهذا الباب استدراك ما فاته من ذلك أَوَّلاً، وليذكر أمورا لم يعقد لها بابا مستقلا، فهو إذن باب جامع لا يختص بشيء من أبواب الفقه، ولهذا كثيرا ما يحيل عليه الشراح لمعرفة الحكم، والظاهر أن معرفة صفة العبادة خير من مجرد معرفة حكمها من واجب أو مستحب، إلا أن يقترن بذلك العلم بالكيفية، وقد ذكرت في مقدمة هذا الكتاب شيئا من هذا عند حديثي على خصائص هذه الرسالة. وأضيف هنا أن مما يشهد لتقديم الوصف آية الوضوء التي في سورة المائدة، وهي من أواخر السور نزولا، ولم تنزل إلا بعد مدة من إيجاب الله الوضوء، وذلك حتى يكون حكما متلوا، وقد عرفه الصحابة بفعل النبي ﷺ ووصفه، وإنما يستند العلماء في معرفة حكم غسل أعضاء الوضوء إلى آيته، وكون فعله ﷺ بيانا لها، وقد جاء الأمر بالمضمضة والاستنثار. قال أبو بكر بن العربي عن باب الجامع في الموطإ: «هذا كتاب اخترعه مالك ﵁ لفائدتين: إحداهما أنه خارج عن رسم التكليف المتعلق بالأحكام التي صنفها أبوابا ورتبها، والأخرى أنه لحظ الشريعة وأنواعها، ورآها مقسمة إلى أمر ونهي، وإلى عادة وعبادة، وإلى معاملات وجنايات، فنظمها أسلاكا، وربط كل نوع بجنسه، وشذت عنه من الشريعة معان مفردة، لم يتفق نظمها في سلك واحد لأنها متغايرة المعاني، ولا أمكن أن يجعل لكل منها بابا لصغره، فجمعها أشتاتا، وسمى نظامها كتاب الجامع»، انتهى. ولمالك في الموطإ أبواب سماها جامعا بحسب الباب الأم، كجامع الوقوت، وجامع الوضوء، وجامع الحيضة، وقال أبو الحسن في آخر باب الفرائض من شرحه: «ثم

стр. 2340

انتقل يتكلم على ما اختص به مذهب مالك -رحمه الله تعالى- لا يوجد في تصانيف غيره من المذاهب»، انتهى. والجمل جمع جملة، والمراد ما يذكره من الأمور المحكوم عليها بالإيجاب والحرمة وغيرهما، فمثلا الوضوء للصلاة فريضة جملة، والسواك مستحب جملة وهكذا. والفرائض جمع فريضة بمعنى مفروضة، وهي الواجب والمحتم واللازم، والسنن جمع سنة وهي في اللغة الطريقة حسنة كانت أو سيئة، والمقصود هنا ما ليس بواجب. وأراد بقوله الواجبة أي المؤكدة، وقيل هي الواجبة بالسنة، والرغائب جمع رغيبة هي ما دون السنة مما رغب فيه الشرع ولم يظهره النبي ﷺ في جماعة، فهي دون السنة وفوق المستحب، وهذا اصطلاح لأهل المذهب المغاربة، واعتبر المالكية البغداديون ما ليس بواجب في منزلة واحدة، والصواب إن شاء الله أن ما دون الواجب قد قام الدليل على تفاوته في المنزلة في الجملة، فإن الصلاة قبل المغرب ليست في منزلة الرواتب، ولا الرواتب النهارية في منزلة الوتر الذي ذهب بعض أهل العلم إلى أنه واجب، وقد قيل أيضا بإيجاب ركعتي الفجر وهي مما لم يتركه النبي ﷺ لا سفرا ولا حضرا، لكن أهل المذهب أكثروا من التفاصيل والاصطلاحات في هذا الأمر فلم ينضبط لهم ما راموه، قال زروق ﵀: «وقد اضطرب أهل المذهب بما يفهم منه أن ذلك راجع للاصطلاح، وهو لا يتقيد بغير قصد واضعه»، انتهى.

стр. 2341

• قوله: ٠١ - «الوضوء للصلاة فريضة وهو مشتق من الوضاءة إلا المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين منه فإن ذلك سنة». الوضوء بضم الواو هو الطهارة المائية المعروفة، وبفتحها الماء المعد له، واشتقاقه من الوضاءة وهي البهاء والحسن، وأما كونه فريضة فلقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (٦)﴾ [المائدة: ٦]، وقال النبي ﷺ : «لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول»، رواه مسلم عن ابن عمر، وروى الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة أنه قال، قال رسول الله ﷺ : «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ»، ونفي القبول هنا نفي للصحة وللثواب. وفرائض الوضوء في المذهب سبعة: غَسْلُ الأعضاء الأربعة المذكورة في الآية، والنية والدلك والموالاة (الفور)، ورواية المدنيين أن ترتيب الفرائض من الواجبات وما أحراه أن يكون كذلك، ما لم يصح فعل النبي ﷺ الوضوء عير مرتب، ولو مرة. وقوله إلا المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين منه فإن ذلك سنة»، بقي عليه ﵀ غسل اليدين إلى الكوعين، ورد مسح الرأس، أما الاستنثار فقد استغنى عنه بذكرالاستنشاق، وسابع السنن في المشهور ترتيب الفرائض. وقد جاء في الأذنين قول النبي ﷺ : «الأذنان من الرأس»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي أمامة، ولم يقل النبي ﷺ ذلك ليبين الجانب الخَلقي، فإن الغرض بيان الشرع، وللشرع هنا ثلاثة أمور: أولها حكم المسح من إيجاب أو استحباب، ومسح الرأس واجب فيكون مسهما واجبا بالقرآن، والثاني الصفة وهي المسح أو الغسل، والرأس يمسح، والثالث تجديد الماء لهما وعدمه، فمن اكتفى بالاستدلال بالحديث على

стр. 2342

عدم تجديد الماء فقد قصر العموم على بعض أفراده من غير دليل، بل الظاهر أنهما من الرأس في المسح وفي عدم التجديد، وفي الحكم، وقد جاء عن مالك ﵀ في المدونة باب ما جاء في مسح الرأس قال: «الأذنان من الرأس، ويستأنف لهما الماء، وكذلك فعل ابن عمر»، انتهى، وفعل ابن عمر المذكور هو في الموطإ، فالظاهر من قوله أنه يريد أنهما يمسحان ولا يغسل ظاهرهما مع الوجه كما هو وارد عن بعض السلف. فأما المضمضة وهي إدخال الماء في الفم وخضخضته ثم مجه أي رميه؛ فقد ثبتت من فعل النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة، وجاءت أيضا من قوله في حديث لقيط بن صبرة عند أبي داود: «إذا توضأت فمضمض»، وهذا أمر وهو عند أهل المذهب للإيجاب إذا لم تصرفه قرينة، وأما الاستنشاق والاستنثار فمثل المضمضة لقول النبي ﷺ : «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر»، رواه مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ﵁، وجاء الأمر بالمبالغة في الاستنشاق لغير الصائم في حديث لقيط بن صبرة قال: «قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء»، قال: «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة.

стр. 2343

• قوله: ٠٢ - «والسواك مستحب مرغب فيه». السواك ككتاب جمعه سُوك ككتب، هو الآلة التي يستاك بها، وقيل يطلق عليها وعلى الفعل، والفعل هو المراد من كلام المؤلف، إذ لا تكليف إلا بفعل، ويقال استاك وتسوك، قال: إذا هي لم تستك بعود أراكة … تنخل فاستاكت به عود إسحل» ولم يذكر المؤلف وقت الاستياك لأنه مطلوب مرغوب مطلقا، لكن ذكرَه مقرونا بالوضوء يدل على مراده، والمشهور استحبابه، والظاهر أنه سنة على اصطلاحهم، لأن ما ذكروه في تعريفها موجود فيه، وقد قال النبي ﷺ : «أمرت بالسواك حتى خشيت على أسناني»، رواه الطبراني عن ابن عباس، وعند البزار عن أنس: «حتى خشيت أن أدرد»، والدرد سقوط الأسنان، وعن حذيفة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة، والشوص دلك الأسنان وتنقيتها، وعن شريح بن هانئ قال سألت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «بأي شيء يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته»؟، قالت: بالسواك»، رواه مسلم وأبو داود وغيرهما، وقال ﷺ : «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب»، رواه أحمد عن أبي بكر، وجعله في صحيح فقه السنة من مسند عائشة فانظره، ومطهرة بفتح الميم مصدر ميمي موضع التطهير بمعنى مطهر، ومرضاة للرب مرض له، ويدل على تأكده مع الصلاة والوضوء قوله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»، رواه مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة، وليس في الموطإ عند كل صلاة، وصح أيضا مرفوعا بلفظ: «مع كل وضوء»، وهو في صحيح البخاري معلقا بلفظ نحوه، وفي الموطإ موقوفا، وفيه دليل على أن أصل دلالة الأمر الوجوب، وأن النبي ﷺ إذا ترك اشتراع شيء إشفاقا على أمته بَيَّنَهُ، كما

стр. 2344

في تأخير صلاة العشاء مرة، وعدم خروجه مع كل سرية، وفي ذلك ولله الحمد سد لباب التقولات من نوع إنما ترك النبي ﷺ هذا إشفاقا على الأمة، ثم يفعلونه تحت هذا الاعتذار فتكثر البدع، وقد بينت هذا في كتابي درء الشكوك عن أحكام التروك. وقد قال العلماء إن السواك مستحب في جميع الأوقات، ويتأكد استحبابه في خمسة مواطن: عند الصلاة، والوضوء، وقراءة القرآن، والاستيقاظ من النوم، وعند تغير الفم بمغير، كترك الأكل والشرب، وأكل ما له رائحة، وطول السكوت، وكثرة الكلام، وقد ذكر الخمسة الدسوقي في شرحه على مختصر خليل في مستحبات الوضوء، وذكرها النووي في شرحه على صحيح مسلم في باب السواك، وقد روى أحمد عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان لا ينام إلا والسواك عنده، فإذا استيقظ بدأ بالسواك». واختلف هل يكون التسوك باليسرى لأنه من باب إزالة القذر وإماطة الأذى، أو باليمنى لكونه من باب التطيب، والظاهر الأول، ويبتدئ بالجانب الأيمن، ويكون عرضا في الأسنان، وطولا في اللسان، فإن لم يجد ما يتسوك به تسوك بإصبعه على المذهب، لكن الحديث الوارد في ذلك ضعيف، وقد قالوا إنه لا يتسوك بحضرة الناس، ولا في المسجد، ويرده ما سبق من مطلوبية الاستياك عند كل صلاة، وإلا لزم عدم البقاء في المسجد قبلها، أو الخروج من المسجد لأجله، ويدل على خلافه أيضا فعله ﷺ ، ولا يلزم من ذلك البصاق في المسجد كما عللوا به.

стр. 2345

• قوله: ٠٣ - «والمسح على الخفين رخصة وتخفيف». الرخصة خلاف العزيمة، وهي في اللغة السهولة، وعند العلماء هي حكم شرعي سهل انتقل إليه من حكم شرعي صعب لعذر مع قيام سبب الحكم الأصلي. وأهل السنة على أن غسل الرجلين في الوضوء واجب متى كانتا عاريتين، فإن كانتا مغطاتين بخف أو جوارب فإنه يجوز الاكتفاء بالمسح عليهما يوما وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، وبهذا تفسر قراءتا النصب والجر في آية الوضوء مضموما إليهما قول النبي ﷺ وفعله. والمذهب أن لا مسح على الجورب غير المجلد ظاهره وباطنه. والصواب خلافه لحديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة، وقد ضعفه فريق من أهل العلم لأن المعروف في حديث المغيرة هو المسح على الخفين، ورأى فريق آخر أن المسح على الجوربين غير المسح على الخفين، وقد ذكر أبو داود جماعة من الصحابة مسحوا على الجوربين منهم علي بن أبي طالب، وأبو مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، والإسناد إلى بعضهم صحيح. ومشهور المذهب عدم التوقيت في المسح، والرواية الأخرى عن ألإمام التوقيت المذكور، وهو الحق.

стр. 2346

• قوله: ٠٤ - «والغسل من الجنابة ودم الحيض والنفاس فريضة». من موجبات الطهارة الكبرى الجنابة بمجاوزة الختان الختان مع الإنزال، أو بدونه، أو الإنزال فقط في اليقظة أو في المنام، وكذا انقطاع دم الحيض والنفاس بجفوف أو بخروج القصة، وموت المسلم غير شهيد المعركة والإسلام. وصفة الغسل في جميعها واحدة وقد تقدمت، ودليل الغسل من الجنابة قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقول النبي ﷺ : «إذا التقى الختانان وجب الغسل»، وهو عند ابن ماجة من حديث عائشة وابن عمرو وفي الموطإ موقوفا على عائشة وعمر وعثمان، ومعناه في الصحيحين، والمراد من التقاء الختانين مغيب الحشفة في الفرج، بذلك يتحقق الالتقاء، وهو بمجرده جنابة في لغة العرب كما قاله الشافعي، ولأنه ملامسة وهي على أحد التفسيرين مراد بها الجماع، ودل على إيجاب الغسل من الحيض قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وهكذا أمر النبي ﷺ من استفته من النساء بالاغتسال عند انقطاع الحيض بانتهاء وقته أو بتمييز أو بتحيض -أعني اعتبار المرأة نفسها حائضا-، والنفاس حيض، وقد حصل الإجماع على لزوم الغسل من الجنابة والحيض والنفاس كما في مراتب الإجماع لابن حزم.

стр. 2347

• قوله: ٠٥ - «وغسل الجمعة سنة». إنما شرع غسل الجمعة لأجل صلاة الجمعة، لا ليوم الجمعة كما هو ظاهر قول النبي ﷺ : «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، والسواك، وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه»، روى جملته الأولى مالك وأحمد والشيخان وبعض أصحاب السنن عن أبي سعيد الخدري، وكذلك حديث: «حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما، يغسل فيه رأسه وجسده»، رواه الشيخان عن أبي هريرة، فإن المراد من هذا خصوص يوم الجمعة، ومن الأول من كان معنيا بالجمعة، وعليه فلا يطالب بالغسل من لا يصليها، ويطالب به من يصليها ولو لم تجب عليه كالصبي والعبد والمسافر والمرأة على المذهب، ويظهر من هذا أنهم نظروا إلى العلة التي كانت وراء اشتراع هذا الغسل كما سيأتي. وهذا الغسل سنة كما ذكر، وقد تقدم له أن قال «والغسل لها واجب»، أي واجب وجوب السنن، أو هو واجب بالسنة، ولا يجزئ قبل الفجر، وينبغي أن يكون متصلا بالرواح، أي الذهاب إلى المسجد، قال مالك في الموطإ: «من اغتسل يوم الجمعة أول نهاره وهو يريد بذلك غسل الجمعة فإن ذلك الغسل لا يجزئ عنه حتى يغتسل لرواحه، وذلك أن رسول الله ﷺ قال: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل»، انتهى، والحديث رواه مالك والشيخان والنسائي عن ابن عمر، أي إذا أراد أن يأتي الجمعة فليغتسل كما في رواية لمسلم، وقول مالك أحد أقوال ثلاثة في وقت الاغتسال هو أسعدها بالحديث الذي جعله مالك عمدته، وهو مع ذلك محتمل، قالوا وإنما يكون الغسل سنة إذا لم يكن بمن يريد الجمعة رائحة كريهة تمنع من حضورها وإلا وجب. ويؤيد هذا ما قالته أم المؤمنين عائشة في أصل مشروعية الاغتسال للجمعة، قالت: «كان الناس مهنة أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: «لو اغتسلتم»، رواه البخاري، وجاء نحوه عن ابن عباس، وكون الغسل هذا معللا لا يؤخذ منه

стр. 2348

أن انتفاء العلة ينتفي معه الحكم ولا بد، لأن ذلك يقال لو لم يدل الدليل على بقاء الحكم فيقال: كان أصل المشروعية معللا، ثم تدرج الشارع فشرعه مطلقا، وله نظائر، وأنا أميل إلى هذا التفصيل الذي ذكروه، والله أعلم. فأما كون الغسل سنة فمنازع فيه، والأدلة التي مرت بك تدل على الوجوب، وما عارضها لم يَرْقَ إلى درجتها في الثبوت، ولا إلى قوتها في الدلالة، كي يصلح لصرف لفظ واجب، إلى أنه واجب في الأدب ونحو ذلك، وهكذا لفظ على كل محتلم، ومما جاء في ذلك حديث سمرة بن جندب عن النبي ﷺ قال: «من توضأ للجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فذلك أفضل»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة غير أن ابن ماجة رواه عن أنس، وصححه الألباني غير زيادة يجزئ عنه الفريضة بعد جملة الوضوء، ومنها قوله ﷺ : «من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فدنا وأنصت واستمع غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا»، رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة.

стр. 2349

• قوله: ٠٦ - «وغسل العيدين مستحب». روى ابن ماجة عن ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى»، ورواه أيضا عن الفاكه بن سعد بزيادة يوم عرفة، وكان الفاكه يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام»، وكلا الحديثين ضعيف الإسناد كما قال الحافظ في التلخيص الحبير، بل حكم الألباني على الثاني بالوضع، وقال الحافظ، قال البزار: «لا أحفظ في الاغتسال في العيدين حديثا صحيحا»، وروى مالك في الموطإ عن ابن عمر أنه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى»، وتابع مالكا عليه موسى بن عقبة كما في مصنف عبد الرزاق، ثم روى عنه من طريق أيوب عن نافع قال: «ما رأيت ابن عمر اغتسل للعيد قط، كان يبيت في ليلة العيد في المسجد ثم يغدو منه إذا صلى الصبح، ولا يأتي منزله»، انتهى، وقد حمل بعض العلماء النفي على حالة المبيت في المسجد، والإثبات على غيرها، قال الباجي في المنتقى: «الغسل للعيدين مستحب عند جماعة علماء المدينة، وقد قال بذلك جماعة من أهل العراق والشام، وقال غيرهم: إن فعله فحسن، والطيب يجزئ منه»، انتهى، وتتقوى المطلوبية بكونه يوم عيد يجتمع فيه الناس، والتجمل فيه مطلوب، والاغتسال من جملة ذلك، والله أعلم.

стр. 2350

• قوله: ٠٧ - «والغسل على من أسلم فريضة لأنه جنب». قوله لأنه جنب يظهر منه أن من لم يبلغ سن الحلم لا غسل عليه، وكذلك من لم يكن قد أجنب، وقال القاضي إسماعيل إن غسله مستحب على كل حال لأن الإسلام يجب ما قبله، وقد روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر»، وروى أحمد وعبد الرزاق عن أبي هريرة أن ثمامة أسلم فقال النبي ﷺ : «اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل»، وهو في الصحيحين بلفظ الإخبار، وقد عورض الاستدلال بما ذكر بأن كثيرا من الناس أسلموا فلم يؤمروا فدل على عدم الوجوب. والصواب أن أمر الواحد يكفي في قيام الحجة فيجب الغسل على الكافر إذا أسلم وكان بالغا، ولا يجزئه إن فعله قبل الإسلام وقبل العزم عليه كما قالوا.
следующие страницы →