← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

• قوله: ٠٤ - «والغسل من الجنابة ودم الحيض والنفاس فريضة». من موجبات الطهارة الكبرى الجنابة بمجاوزة الختان الختان مع الإنزال، أو بدونه، أو الإنزال فقط في اليقظة أو في المنام، وكذا انقطاع دم الحيض والنفاس بجفوف أو بخروج القصة، وموت المسلم غير شهيد المعركة والإسلام. وصفة الغسل في جميعها واحدة وقد تقدمت، ودليل الغسل من الجنابة قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقول النبي ﷺ : «إذا التقى الختانان وجب الغسل»، وهو عند ابن ماجة من حديث عائشة وابن عمرو وفي الموطإ موقوفا على عائشة وعمر وعثمان، ومعناه في الصحيحين، والمراد من التقاء الختانين مغيب الحشفة في الفرج، بذلك يتحقق الالتقاء، وهو بمجرده جنابة في لغة العرب كما قاله الشافعي، ولأنه ملامسة وهي على أحد التفسيرين مراد بها الجماع، ودل على إيجاب الغسل من الحيض قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وهكذا أمر النبي ﷺ من استفته من النساء بالاغتسال عند انقطاع الحيض بانتهاء وقته أو بتمييز أو بتحيض -أعني اعتبار المرأة نفسها حائضا-، والنفاس حيض، وقد حصل الإجماع على لزوم الغسل من الجنابة والحيض والنفاس كما في مراتب الإجماع لابن حزم.

стр. 2347

• قوله: ٠٥ - «وغسل الجمعة سنة». إنما شرع غسل الجمعة لأجل صلاة الجمعة، لا ليوم الجمعة كما هو ظاهر قول النبي ﷺ : «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، والسواك، وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه»، روى جملته الأولى مالك وأحمد والشيخان وبعض أصحاب السنن عن أبي سعيد الخدري، وكذلك حديث: «حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما، يغسل فيه رأسه وجسده»، رواه الشيخان عن أبي هريرة، فإن المراد من هذا خصوص يوم الجمعة، ومن الأول من كان معنيا بالجمعة، وعليه فلا يطالب بالغسل من لا يصليها، ويطالب به من يصليها ولو لم تجب عليه كالصبي والعبد والمسافر والمرأة على المذهب، ويظهر من هذا أنهم نظروا إلى العلة التي كانت وراء اشتراع هذا الغسل كما سيأتي. وهذا الغسل سنة كما ذكر، وقد تقدم له أن قال «والغسل لها واجب»، أي واجب وجوب السنن، أو هو واجب بالسنة، ولا يجزئ قبل الفجر، وينبغي أن يكون متصلا بالرواح، أي الذهاب إلى المسجد، قال مالك في الموطإ: «من اغتسل يوم الجمعة أول نهاره وهو يريد بذلك غسل الجمعة فإن ذلك الغسل لا يجزئ عنه حتى يغتسل لرواحه، وذلك أن رسول الله ﷺ قال: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل»، انتهى، والحديث رواه مالك والشيخان والنسائي عن ابن عمر، أي إذا أراد أن يأتي الجمعة فليغتسل كما في رواية لمسلم، وقول مالك أحد أقوال ثلاثة في وقت الاغتسال هو أسعدها بالحديث الذي جعله مالك عمدته، وهو مع ذلك محتمل، قالوا وإنما يكون الغسل سنة إذا لم يكن بمن يريد الجمعة رائحة كريهة تمنع من حضورها وإلا وجب. ويؤيد هذا ما قالته أم المؤمنين عائشة في أصل مشروعية الاغتسال للجمعة، قالت: «كان الناس مهنة أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: «لو اغتسلتم»، رواه البخاري، وجاء نحوه عن ابن عباس، وكون الغسل هذا معللا لا يؤخذ منه

стр. 2348

أن انتفاء العلة ينتفي معه الحكم ولا بد، لأن ذلك يقال لو لم يدل الدليل على بقاء الحكم فيقال: كان أصل المشروعية معللا، ثم تدرج الشارع فشرعه مطلقا، وله نظائر، وأنا أميل إلى هذا التفصيل الذي ذكروه، والله أعلم. فأما كون الغسل سنة فمنازع فيه، والأدلة التي مرت بك تدل على الوجوب، وما عارضها لم يَرْقَ إلى درجتها في الثبوت، ولا إلى قوتها في الدلالة، كي يصلح لصرف لفظ واجب، إلى أنه واجب في الأدب ونحو ذلك، وهكذا لفظ على كل محتلم، ومما جاء في ذلك حديث سمرة بن جندب عن النبي ﷺ قال: «من توضأ للجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فذلك أفضل»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة غير أن ابن ماجة رواه عن أنس، وصححه الألباني غير زيادة يجزئ عنه الفريضة بعد جملة الوضوء، ومنها قوله ﷺ : «من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فدنا وأنصت واستمع غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا»، رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة.

стр. 2349

• قوله: ٠٦ - «وغسل العيدين مستحب». روى ابن ماجة عن ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى»، ورواه أيضا عن الفاكه بن سعد بزيادة يوم عرفة، وكان الفاكه يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام»، وكلا الحديثين ضعيف الإسناد كما قال الحافظ في التلخيص الحبير، بل حكم الألباني على الثاني بالوضع، وقال الحافظ، قال البزار: «لا أحفظ في الاغتسال في العيدين حديثا صحيحا»، وروى مالك في الموطإ عن ابن عمر أنه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى»، وتابع مالكا عليه موسى بن عقبة كما في مصنف عبد الرزاق، ثم روى عنه من طريق أيوب عن نافع قال: «ما رأيت ابن عمر اغتسل للعيد قط، كان يبيت في ليلة العيد في المسجد ثم يغدو منه إذا صلى الصبح، ولا يأتي منزله»، انتهى، وقد حمل بعض العلماء النفي على حالة المبيت في المسجد، والإثبات على غيرها، قال الباجي في المنتقى: «الغسل للعيدين مستحب عند جماعة علماء المدينة، وقد قال بذلك جماعة من أهل العراق والشام، وقال غيرهم: إن فعله فحسن، والطيب يجزئ منه»، انتهى، وتتقوى المطلوبية بكونه يوم عيد يجتمع فيه الناس، والتجمل فيه مطلوب، والاغتسال من جملة ذلك، والله أعلم.

стр. 2350

• قوله: ٠٧ - «والغسل على من أسلم فريضة لأنه جنب». قوله لأنه جنب يظهر منه أن من لم يبلغ سن الحلم لا غسل عليه، وكذلك من لم يكن قد أجنب، وقال القاضي إسماعيل إن غسله مستحب على كل حال لأن الإسلام يجب ما قبله، وقد روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر»، وروى أحمد وعبد الرزاق عن أبي هريرة أن ثمامة أسلم فقال النبي ﷺ : «اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل»، وهو في الصحيحين بلفظ الإخبار، وقد عورض الاستدلال بما ذكر بأن كثيرا من الناس أسلموا فلم يؤمروا فدل على عدم الوجوب. والصواب أن أمر الواحد يكفي في قيام الحجة فيجب الغسل على الكافر إذا أسلم وكان بالغا، ولا يجزئه إن فعله قبل الإسلام وقبل العزم عليه كما قالوا.

стр. 2351

• قوله: ٠٨ - «وغسل الميت سنة». هذا قول المغاربة، وقول العراقيين هو واجب على الكفاية، والمعتمد عند أهل المذهب أن تغسيل الميت فرض، وقد أشار إلى القولين خليل فقال: «فصل في وجوب غسل الميت بمطهر ولو بزمزم والصلاة عليه كدفنه وكفنه وسنيتهما خلاف»، انتهى، فالدفن والكفن بسكون الفاء واجبان، وقد أمر النبي ﷺ غاسلات ابنته زينب ﵅ بقوله: «اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة كافورا، أو شيئا من كافور،،، الحديث»، رواه مالك وأحمد والشيخان وأصحاب السنن عن أم عطية -رضي الله تعالى عنها-، وقال عن المُحرم الذي وَقَصَتْهُ ناقته: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه طيبا، ولا تخمروا رأسه، ولا تحنطوه، فإنه يُبعث يوم القيامة مُلَبِّيًا»، رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن ابن عباس ﵄، ودلالة هذا على الوجوب أقوى من دلالة ما قبله لكون المحرم لا يشرع له إزالة الدرن واستعمال المواد الحادة فتعارض الموجب والمانع فقدم الموجب ولم يمنع غير الطيب.

стр. 2352

• قوله: ٠٩ - «والصلوات الخمس فريضة». بل إن الصلوات الخمس ركن من أركان الإسلام، وقد جعلها الله مناجاة من العبد لربه إذ قال النبي ﷺ : «المصلي يناجي ربه»، وجعلها عروجا بروحه خمس مرات في اليوم، ولهذا فرضها الله تعالى ليلة المعراج بنبيه ﷺ ، حتى يحصل لأمته بعض ما حصل له من السمو الروحي والرفعة المعنوية، فمن تركها عامدا غير متأول فلا حظ له في الإسلام كما قاله عمر ابن الخطاب ﵁، وهو في الموطإ، بل هو كافر خارج عن الملة عند فريق من العلماء. قال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره المنار عند الآية (٤٣٥) مبينا الحكمة من تكرر الصلاة في اليوم والليلة: «رأينا من سنة القرآن أن يختم كل حكم أو عدة أحكام بذكر الله تعالى والأمر بتقواه والتذكير بعلمه بحال العبد وبما أعد له من الجزاء على عمله، وفي هذا ما فيه من نفخ روح الدين في الأعمال، وإشرابها حقيقة الإخلاص، ولكن هذا التذكير القولي بما يبعث على إقامة تلك الأحكام على وجهها قد يغفل المرء عن تدبره ويغيب عن الذهن تذكره بانهماك الناس في معايشهم، واشتغالهم بما يكافحون من شدائد الدنيا، أو ما يلذ لهم من نعيمها، ولهذه الضروب من المكافحات، والفنون من التمتع باللذات، سلطان قاهر على النفس، وحاكم مسخر للعقل والحس، يتنكب بالمرء سبيل الهدى، حتى تتفرق به سبل الهوى، فمن ثَمَّ كان المكلف محتاجا في تهذيب شهواته الحيوانية إلى مذكر يذكره بمكانته الروحانية، التي هي كل حقيقته الإنسانية، وهذا المذكر هو الصلاة، فهي التي تخلع الإنسان من تلك الشواغل التي لا بد له منها، وتوجهه إلى ربه جل وعلا، فتكثر له مراقبته، حتى تعلو بذلك همته، وتزكو نفسه، فتترفع عن البغي والعدوان، وتتنزه عن دناءة الفسق والعصيان، ويحبب إليها العدل والإحسان، بل ترتقي في معارج الفضل إلى مستوى الامتنان، فتكون جديرة بإقامة تلك الحدود، وزيادة ما يحب الله تعالى من الكرم والجود،

стр. 2353

ذلك أن الصلاة تنهى بإقامتها على وجهها عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله فيها أعظم من جميع المؤثرات وأكبر، فإذا كان الإنسان قد خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا، فقد استثنى الله تعالى من هذا الحكم الكلي المصلين، إذا كانوا على الصلاة الحقيقية محافظين»، انتهى.

стр. 2354

• قوله: ١٠ - «وتكبيرة الإحرام فريضة». أي التكبيرة التي يدخل بها في الصلاة، فقول مريد الصلاة الله أكبر في بداية صلاته لا بد منه لدخولها، ويلزم من تركها ممن كان قادرا عليها عدم صحة صلاته، ولا يجزئ غير هذا اللفظ مما يعظم به الله تعالى، ولا يجزئ إن عرف بالألف واللام اتباعا لفعل النبي ﷺ ولقوله: «مفتاح الصلاة الطُّهُور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن علي ﵁، ومعنى أن الطُّهُور بضم الطاء مفتاح الصلاة أنه أول شيء يعمل من أعمال الصلاة فجعله جزءا منها لأنه شرط من شروطها، ومعنى تحريمها التكبير أي الدخول في حرماتها يكون بالتكبير لا بغيره من الأذكار، فمن لم يكبر لم يدخل الصلاة، وقد دل هذا الحديث على أن كل ما كان مفتتحا بالتكبير مختتما بالتسليم فلا بد فيه من الطهارة فتدخل صلاة الجنازة والإيتار بركعة وسجود السهو ويحتاج غيرها مما ليس كذلك إلى الدليل كسجود التلاوة والشكر وسجود الآيات، والله أعلم.

стр. 2355

• قوله: ١١ - «وباقي التكبير سنة». ظاهر كلامه أن مجموع تكبيرات الصلاة سنة، وهو قول أشهب، وذهب ابن القاسم إلى أن كل تكبيرة سنة، ولا شك أن تكبيرات الانتقال وإن كانت تلتقي في المشروعية مع تكبيرة الإحرام إلا أن الأخيرة آكد لما تقدم، أما تكبيرات الانتقال وعددها في الركعة الواحدة ستة، وفي الأربعة ثنتان وعشرون جاءت فيما رواه البخاري عن عكرمة قال: «صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس إنه أحمق، فقال: «ثكلتك أمك، سنة أبي القاسم»، وهذا له حكم الرفع عند جمهور أهل الحديث، وقد كان الخلاف قديما في مشروعية هذا التكبير ثم انقضى، وبقي الخلاف في حكمه أواجب هو أم مندوب، ومما يستدل به على الأول حديث ابن مسعود ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود»، رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه، ومعناه في الصحيحين من حديث أبي هريرة وعمران بن حصين وابن عباس ﵃، ومما يقوي القول بذلك أن النبي ﷺ قال إنه لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء يعني مواضعه، ثم يكبر ويحمد الله ويثني عليه ويقرأ بما تيسر من القرآن ثم يقول الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائما، ثم يقول الله أكبر ثم يسجد،،، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته»، رواه أبو داود عن علي بن يحيى بن خلاد عن عمه في قصة المخطئ في صلاته لا المسيء كما درج على وصفه بذلك عموم الناس، فما للجاهل غير المقصر ووصف الإساءة، مع أنه صحابي؟.

стр. 2356

• قوله: ١٢ - «والدخول في الصلاة بنية الفرض فريضة». النية محلها القلب، والنطق باسم الصلاة المراد أداؤها بدعة، ويكفي المرء أن يكون عالما بأنه يصلي الصلاة المعينة من صبح أو ظهر أو غيرهما، ولو استحضر مع نية الصلاة الخاصة قصد التقرب إلى الله بها لكان خيرا له، فإن ذلك أحرى أن يزداد به خشوعه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البيِّنة: ٥]، وقال أهل المذهب إن وقت النية يكون ما بين النطق بالهمزة والراء من قول المصلي الله أكبر، فإن تأخرت عن ذلك فلا تجزئ، وكذا إن تقدمت بكثير، ولا يضر عزوب النية في أثناء الصلاة، ولا ريب أن استصحابها هو الكمال، قال بعض العلماء: ولهذا المعنى شرع التكبير في الانتقال وكذا التسميع والتحميد حتى يتذكر به المرء النية فيتجدد له الحضور والخشوع الذي هو لب الصلاة، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. وقد رد ابن العربي في أحكام القرآن على من ذهب إلى إجزاء النية إذا تقدمت على الصلاة قياسا على ما ذهب إليه بعض العلماء في الوضوء فقال بعد كلام: «ويا لله للعالمين من أمة أرادت أن تكون مفتية مجتهدة فما وفقها الله ولا سددها، اعلموا رحمكم الله أن النية في الوضوء مختلف في وجوبها بين العلماء، وقد اختلف فيها قول مالك، فلما نزلت عن مرتبة الاتفاق سومح في تقديمها في بعض المواضع لأن أصلها قد لا يجب، فأما الصلاة فلم يختلف أحد فيها، وهي أصل مقصود، فكيف يحمل الأصل المقصود المتفق عليه على الفرع التابع المختلف فيه؟، هل هذا إلا غاية الغباوة؟، فلا تجزئ صلاة عند أحد من الأئمة حتى تكون النية فيها مقارنة للتكبير»، انتهى.

стр. 2357

• قوله: ١٣ - «ورفع اليدين سنة». لم يبين موضع الرفع اعتمادا على المشهور في الذهب وهو رفعهما عند تكبيرة الإحرام لا غير، وحكم هذا الرفع السنية، وهو غير معدود في السنن الثمانية التي يتعين السجود لتركها، ومشروعية الرفع عند الركوع والرفع منه إحدى روايات ثلاثة في المسألة عن مالك، ودليله حديث عبد الله بن عمر في الموطإ وغيره، وهو من المتواتر، بل الرفع عند القيام من اثنتين ثابت أيضا وإن كان دون السابق، والعلم قال الله قال رسوله، فارفعوا أيديكم ولا يستجرينكم الشيظان إلى التعصب، فإن ذلك زينة الصلاة وتجديد لاستسلامكم وتخليكم عن الدنيا في صلاتكم، فهل أنتم فاعلون؟

стр. 2358

• قوله: ١٤ - «والقراءة بأم القرآن في الصلاة فريضة». جمعت فاتحة الكتاب مقاصد القرآن من توحيد الله تعالى بأسمائه وصفاته وإفراده بالعبادة والاستعانة وإثبات القضاء والقدر وإثبات النبوات وقصص الأبرار والفجار والأعمال الصالحات والجزاء عليها في الآخرة، فتصدرت لذلك سور القرآن في المصحف، وامتن الله بها على نبيه ﷺ فعطف عليها كتابه تنويها بشأنها فكانت في ترتيب المصحف كذلك، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحِجر: ٨٧]، وافتتحها ربنا بالحمد الذي لا يعدله لفظ الثناء ولا التمجيد ولا غيرهما من المدح والشكر، فكان خبرا وإنشاء، وأخبر رسول الله ﷺ عن ربه أنه قسمها بينه وبين عبده نصفين، وأن عبده كلما قرأ آية منها ذكره ربه فقال حمدني عبدي، أثنى علي عبدي، مجدني عبدي، هذه بيني وبين عبدي، هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل، وقد رأيت بعضهم يقرأ الفاتحة في نَفَسٍ واحد، وبهذا الفضل الذي في هذا الحديث قوى أبو هريرة مذهبه في لزوم قراءتها لكل مصل، وأوجب الله تعالى حفظها على كل مسلم ليقرأها في كل صلاة يتذكر بها هذه الأصول التي لا إيمان بدونها، وأوجب عليه أن يدعوه بالهداية كيفما كان موقعه من العلم والعمل، وجاء البيان في قول النبي ﷺ : «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، هي خداج، هي خداج، غير تمام»، رواه مالك ومسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة، وقال النبي ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت ﵁، والجمهور على أن الإمام يحملها عن المأموم وليس من اليسير التسليم بهذا.

стр. 2359

• قوله: ١٥ - «وما زاد عليها سنة واجبة». روى مسلم وأبو داود والنسائي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعدا»، والعطف كما ترى يدل على لزوم الزيادة على أم القرآن ومشاركة هذا الزائد لأم القرآن في الحكم، فإن صح ما نقل من الإجماع على خلاف ذلك فبها ونعمت، وإلا كان الأمر ما دل عليه النص، وقد قال الشوكاني: «وهذه الأحاديث لا تقصر عن الدلالة على وجوب قرآن مع الفاتحة»، انتهى، ويقرب من القول بالوجوب مشهور المذهب أن من ترك قراءة السورة ولم يسجد للسهو بطلت صلاته، لكونها عندهم سنة مركبة من القيام والقراءة وكونها سرا أو جهرا، وأقل الزائد على الفاتحة عندهم آية لا بعضها إلا أن يكون لها بال قالوا كآية الدين، والأفضل قراءة سورة بتمامها، ويحذر مما دأب عليه معظم المعاصرين الذين جعلوا الاستثناء قاعدة، والقاعدة استثناء، وهو أن كثيرا منهم لا يكاد يقرأ سورة في الركعة متتبعين السياقات القرآنية لأغراض شتى، ويا ليتهم قرءوا سياقا واحدا في الركعتين، بل تراهم يقرءون من هذه السورة أولها ثم من أخرى وسطها أو آخرها، وهذا أمر يتبع في الاستدلال لا في التلاوة، وكثيرا ما لا يراعون الوقف والابتداء في هذه السياقات فيقتصرون على أحد المتقابلين، وقد يبدؤون بما لا يصح الابتداء به، أو يقفون على ما لا يصح الوقوف عليه، وقد يقرؤون آية فيها خبر عن مبتدإ قبلها كقول الله تعالى: «نصر من الله فتح قريب وبشر المؤمنين»، لكأنهم خطباء لا قراء فالله المستعان، قال الزين بن المنير كما في الفتح: «ذهب مالك إلى أن المصلي يقرأ في كل ركعة بسورة، كما قال ابن عمر لكل ركعة حظها من الركوع والسجود، ولا يقسم السورة في الركعتين، ولا يقتصر على بعضها ويترك الباقي ولا يقرأ بسورة قبل سورة تخالف ترتيب المصحف، فإن فعل ذلك كله خالف الأولى، وما ورد مما يخالف هذا لا يخالف ما قاله مالك، لأنه محمول على بيان الجواز، قال: والذي يظهر أن تكرير السورة أخف من قسمها

стр. 2360

في ركعتين، قال الحافظ: وسبب ذلك أن السورة يرتبط بعضها ببعض، فأي موضع قطع فيه لم يكن كانتهائه إلى آخر السورة، فإنه إن قطع في وقف غير تام كانت الكراهة ظاهرة، وإن قطع في وقف تام فلا يخفى أنه خلاف الأولى، وفي قصة الأنصاري الذي رماه العدو بسهم فلم يقطع صلاته، وقال: كنت في سورة فكرهت أن اقطعها، وأقره النبي ﷺ على ذلك»، انتهى.، يريد أن في هذا دليلا على ما قال.

стр. 2361

• قوله: ١٦ - «والقيام والركوع والسجود فريضة». القيام والركوع والسجود من ماهية الصلاة فلا تكون بدون واحد منها، إلا في حالة العجز عنها أو عن بعضها، قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمر ربنا بالقيام، وأمر بالركوع والسجود في قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]، وليس الواجب هو مطلق الركوع والسجود بل يجب ما هو أكثر من ذلك من الاعتدال والاطمئنان، كما قال النبي ﷺ : «لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود»، رواه أبو داود عن أبي مسعود البدري، والقيام في المذهب مرتب بحسب قدرة المصلي، فيكون استقلالا ثم باستناد، ثم ينتقل إلى الجلوس بغير استناد ثم باستناد، غير أن الترتيب داخل القيام والجلوس مندوب، وبين القيام والجلوس وما دونه واجب. والقيام الفرض هو أن يوقع تكبيرة الإحرام قائما وأن يقرأ الفاتحة كذلك، أما السورة فلا يجب القيام لها، وقد يؤخذ من هذا أنهم يرون أن القيام ليس واجبا لنفسه بل لما هو واجب، وفيه نظر، لعموم قوله تعالى الذي سبق، وكذا عموم قول النبي ﷺ : «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب»، رواه البخاري عن عمران بن حصين. وإنما يجب القيام في الصلاة المفروضة، وقيدوا الوجوب بغير المسبوق الذي يدرك الإمام راكعا، فإن أدركه كذلك فيه تأويلان في المذهب، فلا تشتغلن به، وأَنْهِ التكبير قائما ثم اركع، فإن أدركت الإمام لم يرفع بعد فقد أدركت الركعة عند من لا يوجب قراءة الفاتحة على المأموم، وإطالة الركوع لأجل الداخل إحسان، وهو مرغوب عنه في المذهب، وهو رأي قام دليل القياس الصحيح على خلافه.

стр. 2362

• قوله: ١٧ - «والجلسة الأولى سنة والثانية فريضة». احتج على كونها سنة بما ثبت من قول النبي ﷺ وفعله أن من استتم قائما لا يرجع إليها، على أن يسجد لتركه قبل سلامه، ففي حديث عبد الله ابن بحينة أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم»، رواه البخاري ومسلم، ووجه الدلالة منه عدم رجوعه للجلوس والتشهد، وقد جاء أنهم سبحوا له، وليس هذه الدلالة بالبينة على عدم الوجوب لاسيما مع اشتراط استتمام القيام كما في قوله ﷺ : «إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائما فليجلس، فإذا استتم قائما فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو»، رواه أبو داود وابن ماجة عن المغيرة بن شعبة، وتعليق عدم الرجوع للتشهد باستتمام القيام أو بالاستواء مشعر بأولوية ما شرع فيه على ما تركه فيكون من باب الترجيح، وليس كل ما شرع سجود السهو له ليس واجبا، فكيف إذا ضم إلى ذلك أنه ﷺ أمرنا أن نصلي كما كان يصلي، وأنه أمر المخطئ في صلاته بالتشهد، والمذهب أنه يرجع ما لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه، وهو قريب من استتمام القيام، لكن الحديث نص، ومن رجع قبل استتمام القيام فلا سجود عليه بنص الحديث الذي فيه نفي السهو، والمراد نفي أثره، أما وجوب التشهد الثاني فإنه عندهم وإن شارك الأول في السنية فإن الجزء الذي يوقع فيه السلام فرض، والنبي ﷺ لم يسلم إلا جالسا، فهو واجب لإيقاع السلام فيه لا لنفسه، والمهم أنهم أعطوا الظرف حكم المظروف فجعلوا بعض الجلوس واجبا وبعضه سنة، وبعضه مندوبا وهو الزائد على قدر السلام.

стр. 2363

• قوله: ١٨ - «والسلام فريضة». السلام للخروج من الصلاة كيفما كانت واجب، وهذا متفق عليه في المذهب، ونسب لابن القاسم خلافه، وَرُدَّ بأن ما قاله يتعلق بمأموم أحدث إمامه قبل السلام فسلم المأموم فقال تصح صلاته، فلا يصح أن يؤخذ منه عدم وجوبه، ودليله قول النبي ﷺ عن الصلاة: «وتحليلها التسليم»، وقد تقدم، والتمسك بما في حديث عبد الله ابن بحينة المتقدم من قول الناس: «حتى إذا قضى صلاته، وانتظرنا تسليمه»، لإسقاط لزوم التسليم من الصلاة بعيد عن الحق مع قوله ﷺ : «وتحليلها التسليم»، فهو قريب من مسألة الحلق عند من جعله نسكا يفتدي من فعل قبله ما هو محظور عليه، والمذهب أن المشروع تسليمة واحدة، والظاهر أن التسليمة الواحدة وإن كانت كافية، لكنها إنما تفعل أحيانا، والسنة تسليمتان رواها عن النبي ﷺ جمع من الصحابة والاحتجاج بعمل أهل المدينة غير كاف هنا، وقد روى أبو داود عن وائل بن حجر قال: صليت مع النبي ﷺ فكان يسلم عن يمينه: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، وعن شماله: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، ولينظر ما قاله أهل العلم في زيادة وبركاته فإن الخلاف فيها واسع، فليكتف بما لا خلاف فيه.، وقد كتب في ذلك الشيخ الهواري المجدوب رسالةً نافعة لم تطبع بعد، جزاه الله خيرًا.

стр. 2364

• قوله: ١٩ - «والتيامن به قليلا سنة». يفعل ذلك الإمام والمأموم والفذ فيبدأون به قبالة الوجه ويستتمونه عن أيمانهم، واشتط بعضهم فقال يتيامن عند النطق بالكاف والميم من عليكم، وقد روى مسلم والنسائي عن سعد قال رأيت النبي ﷺ سلم عن يمينه وعن شماله حتى كأني انظر إلى صفحة خده»، وفي رواية «حتى أرى بياض خده».

стр. 2365

• قوله: ٢٠ - «وترك الكلام في الصلاة فريضة». الكلام المتعمد لغير إصلاح الصلاة مبطل لها لقول الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وقد كان الكلام مباحا في الصلاة وكان الواحد يسلم على المصلي فيرد عليه، ثم نسخ الله تعالى ذلك، وشرع الرد بالإشارة، وإنما نسخ الكلام في الصلاة لأن ذلك هو المناسب بكون المصلي يناجي ربه فلا يصح أن يكلم الناس، ولقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن معاوية بن الحكم السلمي: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»، أما الكلام لأجل إصلاح الصلاة عند عدم كفاية التسبيح فلا يبطلها ما لم يكثر، ودليل ذلك عندهم حديث ذي اليدين فقد تكلم فيه النبي ﷺ وتكلم غيره ثم رجعوا إلى الصلاة وأتموها، وقد نوزع الاستدلال به بأن الجميع كانوا يعتقدون انتهاء الصلاة، فالنبي ﷺ كان يعتقد أن الصلاة قد انتهت، والصحابة كانوا يظنون تمامها لأنها قصرت، لكن جاء في بعض روايات الحديث ما يدل على أن ذا اليدين تكلم لإصلاح الصلاة بعد استيقانه عدم التمام، حيث نفى النبي ﷺ الأمرين النسيان والقصر، ولا يجوز عليه النسيان في التبليغ، فبقي السهو.

стр. 2366

• قوله: ٢١ - «والتشهدان سنة». سمي الذِّكْر الذي يقال في الجلسة الأولى والثانية من الصلاة تشهدا لاشتماله على الشهادتين وهما أفضل ما قيل، فسمي بأفضل ما اشتمل عليه، وقد تكلم المؤلف على حكم الجلوس وحده وعلى الذكر الذي يقال فيه وحده، وقد سبق الكلام على حكمه، وروى أبو مصعب عن مالك وجوب التشهد الأخير، وقريب منه رواية ابن القاسم أن من نسيه وكان مأموما حتى سلم إمامه أنه يأتي به وهو في النوادر من باب السهو عن تكبير الخفض والرفع،،، الخ، وقيل إنهما واجبان قال ابن ناجي في شرحه: قال ابن زرقون: «وهو ظاهر نقل أبي عمران وأبي عمر بن عبد البر عن أبي مصعب.

стр. 2367

• قوله: ٢٢ - «والقنوت في الصبح حسن وليس بسنة». لعله أشار بقوله وليس بسنة إلى رد ما جاء في رواية علي بن زياد عن مالك أنه سنة. قلت: وليس بلازم أن تكون الروايتان مختلفتين، فإن المندوب أيضا سنة، وهذه اصطلاحات لم تكن ملتزمة عند المتقدمين، لكن يؤخذ من كونه ليس سنة على اصطلاحهم من قول الباجي كما في إحكام الأحكام إنه يفعل ويترك، ومن قولهم إنه لا يسجد له إذا ترك، وإذا سجد له بطلت الصلاة، وهذا وإن كان عجبا فإن الأعجب منه هذا الذي تراه من التشدد في إلزام الأئمة بالقنوت، ومعاقبتهم على تركه وفاء من فاعلي هذا لمذهب مالك الذي يجهلونه في أحسن أحوالهم، وإن كانوا يسعون في وأده بفعالهم وأقوالهم، ومالك لم يذكر من أحاديث القنوت في موطئه غير أثر لابن عمر أنه لم يكن يقنت في شيء من الصلوات، فلم اقتصر على ذكر هذا الأثر؟، وقد علمت أن مذهب يحيى بن يحيى الليثي راوي الموطإ عن مالك المعتمَد على روايته قبل غيره في معظم أنحاء العالم إلى عهد قريب؛ كان ترك القنوت في صلاة الصبح وقد استمر مسجده بعد وفاته على هذا الترك، قال ابن ناجي: «وإنما قال يحيى ذلك لقول مالك في الموطإ كان ابن عمر لا يقنت»، انتهى، فليكن فهم أخيكم هذا لما في الموطإ موافقا لفهم يحيى بن يحيى الليثي راويه عن مالك.

стр. 2368

• قوله: ٢٣ - «واستقبال القبلة فريضة». استقبال القبلة واجب في كل صلاة لا فرق بين ذات الركوع والسجود وغيرها كسجود التلاوة وقد اشترطوا فيه شروط الصلاة، ويستثنى من ذلك الفرض في شدة الخوف، والنافلة على الدابة في السفر، والمريض الذي لم يجد من يوجهه إلى القبلة أو لا يقدر على ذلك لمانع ما، وقد قال الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤]، وفي بعض روايات حديث المخطئ في صلاته عند مسلم قوله ﷺ : «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر»، لكن ينبغي أن تعلم أن استقبال القبلة شرط صحة في المذهب مع الذكر والقدرة لا مجرد فرض، والفرق بينهما معلوم، وقد نقل ابن حزم في مراتب الإجماع الاتفاق على أن الاستقبال فرض على من يعاينها أو عرف دلائلها، ما لم يكن محاربا ولا خائفا.

стр. 2369

• قوله: ٢٤ - «وصلاة الجمعة والسعي إليها فريضة». كون صلاة الجمعة فرض عين على المكلف البالغ العاقل غير المسافر والمعذور مما لا ينبغي أن يقع فيه خلاف، وما قيل من أنها فرض كفاية مما لا يحسن الالتفات إليه، ولا أن يذكر إلا ليرد، وقد أمر الله تعالى بالسعي إليها كل من سمع النداء في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩]، والمراد بذكر الله الخطبة كما جاء حديث الرواح إلى المسجد يوم الجمعة وهو قول النبي ﷺ : «فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر»، وهو في الموطإ والصحيحين عن أبي هريرة، قال القرطبي: «فرض الله الجمعة على كل مسلم ردا على من يقول إنها فرض على الكفاية، ونقل عن بعض الشافعية، ونقل عن مالك من لم يحقق أنها سنة، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لينتهن أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين»، وهذه حجة واضحة في وجوب الجمعة وفرضيتها،،، وفي سنن ابن ماجة عن الجعد الضمري وكانت له صحبة قال، قال رسول الله ﷺ : «من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه»، إسناده صحيح»، انتهى ببعض حذف، والقول الذي نسبه للشافعية خرجه أيضا اللخمي كما في شرح ابن ناجي، أما أنها سنة فهو رواية ابن وهب كما في الشرح المذكور وغيره، وقال ابن ناجي: «فحملها بعضهم على ظاهرها ولم يرتضه ابن عبد السلام»، انتهى. قلت: إن ثبت النقل عن مالك فهو حق لأن الجمعة سنة وكل الدين سنة وحملها على المعنى الاصطلاحي جهل أو تحريف.

стр. 2370

• قوله: ٢٥ - «والوتر سنة واجبة». المراد صلاة الوتر بفتح الواو وكسرها، وهو في المذهب ركعة ينبغي أن تتقدمه ركعتان يسلم منهما من غير فصل طويل، فهذا مراد المؤلف به، ولذلك فصله عن الحديث عن قيام الليل في رمضان وفي غيره كما ستراه، والوتر ما ليس بشفع ويؤدى على صور ركعة منفردة، وثلاث ركعات منفصلات بتسليم بعد ثنتين أو أكثر وغير ذلك من الصور الواردة من فعل النبي ﷺ ، لكن ينبغي للإمام أن لا يفعل بالناس ما لا يعرفونه من تلك الصور إلا بعد التعليم والبيان، أو يكون ذلك في الجماعة الخاصة. والمذهب أن من اقتدى بمن يصلي ثلاث ركعات متصلات يتابعه، ولم يروا بأسا بمخالفة نيته لفعله، ووجهه أن الركعات الثلاثة في حكم المتصلة عندهم، وفيه شيء. وقد احتجوا لكون الوتر ليس واجبا بأنه يؤدى على الراحلة، كما جاء عن ابن عمر، والفرض ليس كذلك، وهو على كل حال أوكد النوافل، وللحديث بقية ستأتي.

стр. 2371

• قوله: ٢٦ - «وكذلك صلاة العيدين والخسوف والاستسقاء». كل من صلاة الوتر والعيدين وكسوف الشمس وخسوف القمر والاستسقاء سنة مؤكدة في حق من تجب عليه الجمعة لأن النبي ﷺ فعلها في جماعة مع إظهارها والمداومة عليها، فانظبق عليها عندهم قيود السنة المؤكدة، أما ما لم يتكرر منها ككسوف الشمس على القول بذلك فلعدم تكرر سببه، فهو متكرر حكما، ولهذا كان المعتمد عندهم أن صلاة خسوف القمر مستحبة لا سنة، والظاهر اتحادهما في المطلوبية وفي الكيفية لأن النبي ﷺ تكلم عليهما في سياق واحد، وصح فعله لإحداهما على الوجه المعروف فتحمل الأخرى على ما عرف، وقد تقدم الكلام على ذلك.

стр. 2372

• قوله: ٢٧ - «وصلاة الخوف واجبة أمر الله بها وهو فعل يستدركون به فضل الجماعة». فيما شرعه الله تعالى من صلاة الخوف دليل قوي على وجوب صلاة الجماعة، وعلى اتحاد الجماعة وعدم تعددها ما أمكن، وإلا فإن في حالة الخوف من الموانع وأسباب الترخص ما يعتمد عليه لأن يصلي كل فرد لنفسه، أو يصلوا في أكثر من جماعة، وما قيل من أن صلاة الخوف خاصة بالنبي ﷺ لما في الائتمام به من الفضل؛ هو خلاف الأصل في الائتساء فلا يقبل من قائله إلا بالدليل، وظاهر كلام المؤلف وجوب أداء الصلاة في حالة الخوف جماعة، وقد يقال إذا لم تجب الجماعة في حالة الأمن كما هو مذهب الجمهور فأولى أن لا تجب في حالة الخوف، ولذلك تأولوا الوجوب في كلامه على التأكيد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ (١٠٢)﴾ [النساء: ١٠٢].

стр. 2373

• قوله: ٢٨ - «والغسل لدخول مكة مستحب». هذا الغسل فعله النبي ﷺ بذي طوى قرب مكة حيث بات هناك وهو لأجل الطواف بالبيت لا لمجرد دخول مكة، وقد رواه البخاري وغيره عن ابن عمر من فعله مع رفعه، وهو أحد أغسال الحج الثلاثة التي قالوا بها.

стр. 2374

• قوله: ٢٩ - «والجمع ليلة المطر تخفيف وقد فعله الخلفاء الراشدون». المطر بقيده عذر في التخلف عن صلاة الجماعة لثبوت استبدال «ألا صلوا في رحالكم» بالحيعلتين في الأذان، رواه البخاري عن ابن عمر، لكن هذا لا يدل على جمع التقديم، وروى مالك في الموطإ عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم»، وفي مشروعية هذا الجمع دليل على حرص الشرع على أداء المكلف الصلاة في جماعة، بل وفي المسجد، فمن ثم جاء الترخيص في جمع العشاء إلى المغرب جمع تقديم لأجل المطر الذي هو عذر في التخلف عن الجماعة لما فيه من المشقة. وقد قالوا إنه يشرع الجمع للمطر الواقع والمتوقع وللطين مع الظلمة، وإنما ذكر المؤلف أن الخلفاء الراشدين فعلوه ليدل على استمرار هذا الحكم، وأنه لم ينله نسخ، إِذْ يستبعد خفاء ذلك على مجموعهم مع كون فعلهم لا يخفى لمكانتهم، ولقول النبي ﷺ فيهم: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ … الحديث، وكثيرا ما يورد مالك آثار الصحابة بعد المرفوع لهذا المعنى. لكن مجرد فعل الخلفاء لهذا الأمر لا يدل على أن الجمع للمطر منصوص لاحتمال أخذهم ذلك بالأولى من كون النبي ﷺ صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء»، رواه الشيخان عن ابن عباس ﵄، وفي رواية لمسلم وبعض أصحاب السنن وذكره سحنون في المدونة أنه جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: «ما أراد»؟، قال: «أراد أن لا يحرج أمته»، وفي بعضها ذكر السفر بدل المطر، قال الحافظ: «واعلم أنه لم يقع مجموعا بالثلاثة في شيء من كتب الحديث، بل المشهور من غير خوف ولا سفر»، انتهى، وقال مالك: أرى أن ذلك كان في مطر، وقد يؤخذ من قوله هذا في توجيه الحديث أنه يرى الجمع بين الظهر

стр. 2375

والعصر للمطر، وهو مذهب الشافعي، بيد أنه لم ير العمل عليه في المدينة، فلم يقل به، وقد نفى ابن عبد البر في الاستذكار أن يكون مالك رأى هذا الجمع ولا أحد من أصحابه، وقيل إنه جعل ذلك خاصا بمسجد النبي ﷺ لكونه أفضل من غيره عنده، ولا دليل على الخصوصية. وقد حمل بعض أهل العلم حديث ابن عباس على الجمع الصوري، ومنهم الشوكاني ﵀، وذكر فهم بعض رواة الحديث، منهم عمرو بن دينار وشيخه في الحديث السابق أبو الشعثاء، وفد رد الخطابي على من حمله على الجمع الصوري بأدلة عقلية متينة، وممن ذهب مذهبه محمد بن سيرين على أن لا يتخذ عادة، وقد كنت أميل إلى خلاف ما اعتمده الشوكاني كما هو مذكور في الجزء الأول، ثم وقفت على كلام للألباني ﵀ ذكره في الصحيحة في الجزء السادس القسم الثاني بعد أن أورد حديث عبد الله بن مسعود قال: «جمع رسول الله ﷺ بين الأولى والعصر، وبين المغرب والعشاء، فقيل له، فقال: «صنعت هذا لكي لا تحرج أمتي»، رواه الطبراني، ومضمونه ما تقدم في الجزء المذكور من أن ما جاء في حديث ابن عباس من قوله: «أراد أن لا يحرج أمته»، كاف في رد الجمع الصوري، لأن الحرج فيه أعظم، فلما جاء ذلك من كلام رسول الله ﷺ نفسه دل على صحة فهم ابن عباس، وأن الجمع لم يكن لعذر، وحكى الباجي وصاحب المقدمات عن أشهب إجازة الجمع لغير سبب اعتمادا على الحديث المتقدم، ولا يظهر أنه يريد بذلك الجمع الصوري كما نبه عليه محمد بن أحمد ميارة ﵀ في شرحه الكبير، وهذا الحديث مما يشنع به الروافض على أهل السنة يدعون عليهم مخالفة السنة، وهم المخالفون لها بالمداومة على هذا الجمع وبغير ذلك من المنكرات والأباطيل التي كشف المستور منها في هذا العصر كما لم يعرف من قبل خارج بطون كتبهم وصدورهم وخلواتهم.

стр. 2376

• قوله: ٣٠ - «والجمع بعرفة والمزدلفة سنة واجبة». الجمع بعرفة جمع تقديم للعصر عند الظهر وبالمزدلفة جمع تأخير للمغرب عند العشاء بعد مغيب الشفق ثابت من حديث جابر في وصف حجة النبي ﷺ ، وهو في المذهب سنة مؤكدة، وقد قال بهذين الجمعين من لم يقل بالجمع بين الصلاتين في غيرهما وهم الحنفية.

стр. 2377

• قوله: ٣١ - «وجمع المسافر في جد السير رخصة». قصروا السفر الذي يسوغ فيه الجمع على سفر البر وقوفا عند مجموع أوصاف الرخصة، بخلاف مسافر البحر فلا يجمع لأنه لا يحتاج إلى النزول، وعلى هذا فراكب الطائرة عندهم مثله، إلا أن يخاف خروج الوقت، وفي كل هذا نظر، ولا تكون رخصة الجمع في السفر المُحَرَّمِ ولا في السفر المكروه كقطع الطريق واللهو. والتقييد بجد السير هو المشهور الذي في المدونة، والذي في المختصر عدم اشتراطه، وهو مقتضى السنة الفعلية كما في حديث معاذ الذي في الموطإ بلفظ أن النبي ﷺ «خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا»، وهذا لا يكون إلا وهو نازل، ولا يعارضه ما ثبت من فعله على خلاف ذلك، فإنها وقائع ذكرها رواتها كما حصلت، ومن ذلك ما ثبت عن ابن عمر أنه استغيث على بعض أهله فجد به السير فأخر المغرب حتى غاب الشفق ثم نزل فجمع بينهما، ثم أخبرهم أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك إذا جد به السير»، هذا لفظ الترمذي وصححه، وهو عند الشيخين وغيرهما بمعناه. وقد لاحظت تساهلا كبيرا في مسألة الجمع هذه يقع فيه بعض إخواننا الذين يرتادون المصطافات ومواضع الاستراحات، فيقضون الساعات الطوال يلهون ويمرحون، وقد يدرسون، لكنهم لا يصلون الصلاة في وقتها، وكأن الجمع في السفر سنة لا يحق لأحد مخالفتها، ثم هم ينكرون على من خالفها!!، وقد يخلط بعضهم بين قصر الصلاة في السفر وهو واجب أو سنة مؤكدة، وبين الجمع الذي هو رخصة، فالمطلوب أن تنزل الأحكام الشرعية منازلها، وأن نبتعد عن الجفاء والغلو فيها، والنبي ﷺ لم يكن يجمع دائمًا، فإنه لم يجمع في منًى، مع أنه أقام فيها يوم التروية وأيام التشريق في حجّته يقصر الصلاة ولا يجمع.

стр. 2378

• قوله: ٣٢ - «وجمع المريض يخاف أن يغلب على عقله تخفيف وكذلك جمعه لعلة به فيكون ذلك أرفق به». تجد معنى ما ذكره المؤلف في المدونة أول باب جمع المريض بين الصلاتين، والمراد جمع التقديم عند الصلاة الأولى التي هي الظهر أو المغرب إذا خاف أن يغلب على عقله في وقت الثانية، وقوله تخفيف أي رخصة وهو تفنن في العبارة، ورأوا أنه إن لم يحصل له ما توقعه أعاد الصلاة الثانية ندبا، وله أيضا أن يجمع جمعا صوريا في آخر وقت الظهر وعند غيبوبة الشفق إذا لحقته مشقة بأدائه كل صلاة في وقتها، أو بالوضوء لكل صلاة، أو القيام لكل منهما ونحو ذلك، فله أن يجمع جمعا صوريا. فإن قيل: فأين التخفيف وما ذكر يسوغ لغير المريض فعله؟، فالجواب: أن الترخيص بالنظر إلى فضيلة أول الوقت، والفرق موجود بين من فوتها مختارا ومن فوتها ملجأ، ودليل هذا الحكم في حق المريض حديث ابن عباس في جمع النبي ﷺ بالمدينة، وقد ذكره سحنون في المدونة محتجا به ومما قاله: «وإنما الجمع رخصة لتعب السفر ومؤنته إذا جد به السير، فالمريض أتعب من المسافر وأشد مؤنة، لشدة الوضوء عليه في البرد، ولما يخاف عليه منه لما يصيبه من بطن منخرق أو علة يشتد عليه بها التحرك والتحويل ولقلة من يكون له عونا على ذلك فهو أولى بالرخصة، وهي به أشبه من المسافر،،،»، انتهى، ومن ذلك أن المستحاضة جاء الجمع في شأنها، كما رواه أبو داود والترمذي وصححه من حديث حمنة بنت جحش، فإن عُدَّتْ مريضة فذاك، وإلا فالمريض أولى بالرخصة منها.

стр. 2379

• قوله: ٣٣ - «والفطر في السفر رخصة». دلّ على ذلك قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، والسفر الذي يباح فيه الفطر هو السفر الذي تقصر قيه الصلاة على ما تقدم، والمشهور أن الصوم أفضل، وفرقوا بينه وبين القصر بشغل الذمة في ترك الصوم، وعدم شغلها في قصر الصلاة، فإذا أراد المسافر أن يصوم فله ذلك، ما لم تلحقه مشقة غير فادحة، فمع المشقّة يترجح الفطر، ومع المشقّة الفادحة يجب.

стр. 2380

• قوله: ٣٤ - «والإقصار فيه واجب». يقال قصر الصلاة كنصر، وقصَّرها بالتشديد وأقصرها، والأول أكثر، ومن الثالث قول الشاعر: تهيم إلى نعم فلا الشمل جامع … ولا الحبل موصول ولا القلب مقصر وحكم القصر في السفر ذي مسافة الأربعة برد غير العاصي صاحبه به أنه سنة مؤكدة، فلا يحرم الإتمام، وقال بوجوبه القاضي إسماعيل وابن سحنون كما في تبصرة اللخمي الذي اختار التخيير. وقد اعتبروه أوكد من صلاة الجماعة، وظاهر قول مالك خلافه كما في التبصرة، كما كرهوا أن يأتم مقيم بمسافر أو مسافر بمقيم، فإن حصل الأول؛ فكل على سنته، وإن حصل الثاني أكمل المؤتم الصلاة، وكانت الكراهة أشد لمخالفة المسافر سنته. والظاهر عدم الكراهة إذ لا دليل عليها إلا الرأي، فكيف إذا جاء ما يدل على خلافها وهو ما رواه أحمد عن موسى بن سلمة قال: كنا مع ابن عباس بمكة، فقلت: «إذا كنا معكم صلينا أربعا، وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: «تلك سنة أبي القاسم ﷺ »، وهو في صحيح مسلم مختصرا. أما الاحتجاج لسنية القصر بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١]، فلم يسلم من مطعن، ولم يتم النبي ﷺ الصلاة الرباعية في السفر، وقد أمرنا أن نصلي كما كان يصلي، وجاء عن أم المؤمنين عائشة أن الصلاة فرضت ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر»، رواه الشيخان وأبو داود. وأذكر أني صليت في أحد مساجد بلدة عين الحجر العشاء فقصرت، وأشرت بعد

стр. 2381

السلام إلى المأمومين بالإتمام فأتموا، ولم يكن منهم إنكار لما فعلت، فقد تعلموا من إمامهم هذا الحكم، فجزاه الله خيرا، ثم إني صليت العصر في مسجد آخر فقصرت كذلك، فاستغرب بعضهم ذلك، فحصل بعض اللغط، فسئل بعض أئمة مساجد المدينة أو افتعل السؤال، فأجاب ببطلان الصلاة لأن المسافة بين معسكر وبين عين الحجر ليست مسافة قصر كما زعم، مع أنها تزيد على الثمانين كيلومترا، والرجل المذكور يعلم الخلاف الواسع بين أهل العلم في مسافة القصر، وأن الذين قالوا إنها أربعة بُرُد اختلفوا في مقدار البريد بالسير، هل هو يوم أو يومان أو ثلاثة أيام، ثم اختلفوا في مقدار الميل بالذراع على أقوال، قال ابن رشد في المقدمات: «وقد اختلف في حد ما تقصر فيه الصلاة اختلافا كثيرا من مسافة ثلاثة أميال وهو مذهب أهل الظاهر إلى مسيرة ثلاثة أيام وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، والذي ذهب إليه مالك ﵀ أن الصلاة لا تقصر في أقل من مسيرة اليوم التام، واختلف في حده، فقيل ثمانية وأربعون ميلا، وقيل خمسة وأربعون ميلا، وقيل أربعون ميلا، فإن قصر فيما دون الثمانية والأربعين ميلا فلا إعادة عليه فيما بينه وبين الأربعين ميلا، فإن قصر فيما دون الأربعين فقيل يعيد في الوقت، وقيل لا إعادة عليه فيما بينه وبين ستة وثلاثين ميلا، فإن قصر فيما دون ستة وثلاثين ميلا أعاد في الوقت وبعده»، انتهى، والميل على الأصح من جملة أقوال هو ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع فتكون مسافة الميل بالمتر ألفا وسبعمائة، وتكون أدنى المسافة التي يقصر فيها وتصح الصلاة على ما ذكره ابن رشد كما علمت هي ٢، ٦١ كلم، أما المسافة القصوى على ما ذكره فهي ٦، ٨١ كلم، فكيف إذا حسبنا المسافة على أساس أن الميل هو ألفا ذراع وهو المشهور كما صرح به الدردير؟، إن المسافة الدنيا تكون حينئذ هي (٣٦) كلم، وتكون القصوى هي (٤٨) كلم، وهذا كله متى تقيدنا بالأقوال التي في مذهب مالك ﵀، ومن أدرى هذا المفتي أن الذي أبطل صلاته من متعصبة المذاهب حتى يحاكمه إليها وهو جاهل بما فيها؟، وقد صح الحديث بالقصر في ثلاثة فراسخ أو ثلاثة أميال على الشك؟، وأنا أدين بالقصر في أقصى ما في الحديث، وهو ثلاثة فراسخ، وهو نفسه لم يكن كذلك إلى أن تغيرت الألوان وتبدلت الوسائل إلى المصالح، وصارت لعاعة الدنيا طعما تستمال به الضمائر الضعيفة، وتتبدل به

стр. 2382

المواقع، ومتاع الدنيا قليل، ففيم يترك الحق من أجله؟، ثم من أدراه أن الذي قصر آت من معسكر حتى يجعل المسافة هذه هي سفري؟، وقد قال في فتواه عن هذا العبد الضعيف إنه غريب، وبالفعل فإننا في هذه الأوضاع التي تمر بها بلادنا غرباء، ونحن في الدنيا كيفما كان الحال كالغرباء، والغرابة أيضا في قوله الغليظ وفتواه التي لم يراع فيها علما ولا أدبا، ولله في خلقه شؤون، وإنما فعلت ذلك لأن هذه السنة كادت تموت مع ما عليه فهوم كثير من الناس من كراهة ائتمام المسافر بالمقيم، والمقيم بالمسافر، بما في مختصر خليل ﵀ من ذلك، وهو خلاف الصواب، ومن المستبعد جدا أن يكون هذا هو قول مالك، كيف وقد أثبت في موطئه آثارا عدة في ائتمام المقيم بالمسافر والعكس من فعل عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، ومنها ما رواه عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم يقول: «يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سَفْر»، وقد قصر النبي ﷺ الصلاة في فتح مكة وفي حجة الوداع وكان إمام الناس، أفتراه بأبي هو وأمي أقر الذين اقتدوا به على فعل المكروه؟، وثمة حديث ابن عباس في صحيح مسلم وقد ذكرته في هذا الشرح، قال ابن عبد البر في الاستذكار: «وفيه أن المسافر يؤم المقيمين، وهذا هو المستحب عند جماعة العلماء، لا خلاف علمته بينهم في أن المسافر إذا صلى بمقيمين ركعتين وسلم؛ قاموا فأتموا أربعا لأنفسهم أفرادا»، انتهى.

стр. 2383

• قوله: ٣٥ - «وركعتا الفجر من الرغائب وقيل من السنن». يطلقون الرغيبة التي هي مفرد رغائب على ما دون السنة وفوق المستحب، وهذا هو قول الأكثر، وهو لمالك، وعنه أنها سنة وعليه أشهب، وهو الأقرب لمواظبة النبي ﷺ عليها سفرا وحضرا، ولا أحسب أن بين الروايتين اختلافا لأنهما حملتا على الاصطلاح الحادث، وقد قال النبي ﷺ : «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها»، رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن عائشة، وهي القائلة -رضي الله تعالى عنها-: «لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر»، وهذا بظاهره يدل على أنها خير من الوتر لولا مجيء ما هو نص في أفضليته عليه، وهو قول النبي ﷺ : «أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم»، رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة، وقال النفراوي ﵀: «وينبني على السنية ندب فعلهما في المسجد، وعلى عدمها ندب فعلهما في البيت»، انتهى. قلت: هذا الترتيب ليس صحيحا، فهما كغيرهما من الصلوات غير المفروضة تفعل في البيوت إلا لمانع أو عارض أو لِمَا كانت الجماعة فيه مشروعة، وقال في المختصر: «وهي رغيبة تفتقر لنية تخصها»، أي فلا يكفي فيها نية مطلق الصلاة، ومثلها في هذا صلاة العيدين والاستسقاء والكسوف والوتر، مما هو من الصلاة مقيد بزمن أو بسبب، فمن أحرم ناويا الصلاة وأراد صرفها لواحد مما ذكر لم يجزه بخلاف نحو صلاة الضحى وتحية المسجد والتراويح، قال في المدونة: «إن صلاهما بعد الفجر لا ينوي بهما ركعتي الفجر لم يجزياه»، انتهى بالنقل عن حاشية التاج والإكليل.

стр. 2384

• قوله: ٣٦ - «وصلاة الضحى نافلة». الضحوة ارتفاع النهار، والضحى بالقصر فويق ذلك، والضحاء بفتح الضاد والمد إذا امتد النهار وكَرَبَ أن ينتصف، والنافلة في اصطلاح أهل المذهب المغاربة ما دون السنة والرغيبة، وأقل صلاة الضحى ركعتان وأوسطها أربع، وأكثرها ثمانية، وقيل ثنتا عشرة، وقيل لا حد لها، وقد ثبت كون صلاة الضحى اثنتين وأربعًا وستًّا وثمانيا، ووقتها من حل النافلة بعد طلوع الشمس إلى ما قبل الزوال، وهي صلاة الإشراق، بل هي أولها، وقد فسر ابن عباس قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨)﴾ [ص: ١٨]، بصلاة الضحى، رواه عنه ابن مردويه وغيره قال: كنت أمر بهذه الآية لا أدري ما هي؟، حتى حدثتني أم هانئ أن رسول الله ﷺ دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى الضحى فقال: «يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق»، ورواه ابن جرير والحاكم موقوفا عليه، قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف وهو أصح. وفي مختصر خليل أنها واجبة على النبي ﷺ قال: «خص النبي بوجوب الضحى والأضحى والتهجد والوتر بحضر»، انتهى، ولا دليل على هذا، قال الدردير في شرحه: «هو ضعيف، والجمهور على أنه مستحب عليه»، انتهى. قلت: الخلاف قائم في صلاته إياها فكيف يقال بوجوبها عليه؟. ومما جاء في صلاة الضحى حديث أبي هريرة قال: «أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: بصيام ثلاثة أيام في كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام»، رواه الشيخان، وفيه وفي الذي بعده دليل على أن الركعتين تكفيان، وجاء في حديث أبي ذر مرفوعا: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى»، رواه أحمد ومسلم وأبو داود، والسلامى بضم السين

стр. 2385

عظام الأصابع، والمراد هنا عظام البدن وهي ستون وثلاثمائة كما في حديث عبد الله بن بريدة الذي رواه أحمد وأبو داود، فعلى المسلم أن يتصدق بصدقات بمقدار هذا العدد من المفاصل شكرا لله تعالى على نعمته عليه بها، وأيسر ذلك عليه ما ذكر من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، وقول الحق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن لم يقدر، أو حصل منه تقصير فلا يفرط في ركعتي الضحى، وكون الركعتين تجزيان عما ذكر يدل على عظم فضلهما، ويظهر أن غيرهما من النوافل في غير هذا الوقت لا يقوم مقامهما، وقال النبي ﷺ : «صلاة الأوابين حين ترمَض الفصال»، رواه أحمد ومسلم عن زيد بن أرقم، والأوابون الرجاعون إلى الله بالتوبة، وترمَض بفتح الميم أي تصيبها الرمضاء وهي الرمل الحار فتحرق أخفافها لضعفها، والفصال جمع فصيل صغير الإبل إذا فصل عن الرضاع، وفيه فضيلة صلاة الضحى في هذا الوقت، وجاء في بيان وقتها ما يقابل بداية صلاة العصر من ارتفاع الشمس، وروى مالك ومن طريقه الشيخان عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها، وإن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يعمله الناس فيفرض عليهم»، ومعنى ربط الافتراض بعمل الناس أنهم يعتادونه بالفعل ويدخلونه في حياتهم فلا يشق عليهم، فيفرض، وليس معنى ذلك ربط علم الله تعالى أو مشيئته الكونية بفعلهم، وإنما هو نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]، وعائشة لم تنف الوقوع وإنما نفت الرؤية، ولا يلزم من نفي الثاني نفي الأول، كيف وقد أثبت ذلك غيرها، وجاء عنها تقييد النفي بما عدا الرجوع من السفر، وجاء عنها الإثبات مطلقا، فلا أقل من أن يدل ذلك على ثبوت فعله ﷺ لها أحيانا، والله أعلم.
следующие страницы →