← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

السلام إلى المأمومين بالإتمام فأتموا، ولم يكن منهم إنكار لما فعلت، فقد تعلموا من إمامهم هذا الحكم، فجزاه الله خيرا، ثم إني صليت العصر في مسجد آخر فقصرت كذلك، فاستغرب بعضهم ذلك، فحصل بعض اللغط، فسئل بعض أئمة مساجد المدينة أو افتعل السؤال، فأجاب ببطلان الصلاة لأن المسافة بين معسكر وبين عين الحجر ليست مسافة قصر كما زعم، مع أنها تزيد على الثمانين كيلومترا، والرجل المذكور يعلم الخلاف الواسع بين أهل العلم في مسافة القصر، وأن الذين قالوا إنها أربعة بُرُد اختلفوا في مقدار البريد بالسير، هل هو يوم أو يومان أو ثلاثة أيام، ثم اختلفوا في مقدار الميل بالذراع على أقوال، قال ابن رشد في المقدمات: «وقد اختلف في حد ما تقصر فيه الصلاة اختلافا كثيرا من مسافة ثلاثة أميال وهو مذهب أهل الظاهر إلى مسيرة ثلاثة أيام وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، والذي ذهب إليه مالك ﵀ أن الصلاة لا تقصر في أقل من مسيرة اليوم التام، واختلف في حده، فقيل ثمانية وأربعون ميلا، وقيل خمسة وأربعون ميلا، وقيل أربعون ميلا، فإن قصر فيما دون الثمانية والأربعين ميلا فلا إعادة عليه فيما بينه وبين الأربعين ميلا، فإن قصر فيما دون الأربعين فقيل يعيد في الوقت، وقيل لا إعادة عليه فيما بينه وبين ستة وثلاثين ميلا، فإن قصر فيما دون ستة وثلاثين ميلا أعاد في الوقت وبعده»، انتهى، والميل على الأصح من جملة أقوال هو ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع فتكون مسافة الميل بالمتر ألفا وسبعمائة، وتكون أدنى المسافة التي يقصر فيها وتصح الصلاة على ما ذكره ابن رشد كما علمت هي ٢، ٦١ كلم، أما المسافة القصوى على ما ذكره فهي ٦، ٨١ كلم، فكيف إذا حسبنا المسافة على أساس أن الميل هو ألفا ذراع وهو المشهور كما صرح به الدردير؟، إن المسافة الدنيا تكون حينئذ هي (٣٦) كلم، وتكون القصوى هي (٤٨) كلم، وهذا كله متى تقيدنا بالأقوال التي في مذهب مالك ﵀، ومن أدرى هذا المفتي أن الذي أبطل صلاته من متعصبة المذاهب حتى يحاكمه إليها وهو جاهل بما فيها؟، وقد صح الحديث بالقصر في ثلاثة فراسخ أو ثلاثة أميال على الشك؟، وأنا أدين بالقصر في أقصى ما في الحديث، وهو ثلاثة فراسخ، وهو نفسه لم يكن كذلك إلى أن تغيرت الألوان وتبدلت الوسائل إلى المصالح، وصارت لعاعة الدنيا طعما تستمال به الضمائر الضعيفة، وتتبدل به

стр. 2382

المواقع، ومتاع الدنيا قليل، ففيم يترك الحق من أجله؟، ثم من أدراه أن الذي قصر آت من معسكر حتى يجعل المسافة هذه هي سفري؟، وقد قال في فتواه عن هذا العبد الضعيف إنه غريب، وبالفعل فإننا في هذه الأوضاع التي تمر بها بلادنا غرباء، ونحن في الدنيا كيفما كان الحال كالغرباء، والغرابة أيضا في قوله الغليظ وفتواه التي لم يراع فيها علما ولا أدبا، ولله في خلقه شؤون، وإنما فعلت ذلك لأن هذه السنة كادت تموت مع ما عليه فهوم كثير من الناس من كراهة ائتمام المسافر بالمقيم، والمقيم بالمسافر، بما في مختصر خليل ﵀ من ذلك، وهو خلاف الصواب، ومن المستبعد جدا أن يكون هذا هو قول مالك، كيف وقد أثبت في موطئه آثارا عدة في ائتمام المقيم بالمسافر والعكس من فعل عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، ومنها ما رواه عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم يقول: «يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سَفْر»، وقد قصر النبي ﷺ الصلاة في فتح مكة وفي حجة الوداع وكان إمام الناس، أفتراه بأبي هو وأمي أقر الذين اقتدوا به على فعل المكروه؟، وثمة حديث ابن عباس في صحيح مسلم وقد ذكرته في هذا الشرح، قال ابن عبد البر في الاستذكار: «وفيه أن المسافر يؤم المقيمين، وهذا هو المستحب عند جماعة العلماء، لا خلاف علمته بينهم في أن المسافر إذا صلى بمقيمين ركعتين وسلم؛ قاموا فأتموا أربعا لأنفسهم أفرادا»، انتهى.

стр. 2383

• قوله: ٣٥ - «وركعتا الفجر من الرغائب وقيل من السنن». يطلقون الرغيبة التي هي مفرد رغائب على ما دون السنة وفوق المستحب، وهذا هو قول الأكثر، وهو لمالك، وعنه أنها سنة وعليه أشهب، وهو الأقرب لمواظبة النبي ﷺ عليها سفرا وحضرا، ولا أحسب أن بين الروايتين اختلافا لأنهما حملتا على الاصطلاح الحادث، وقد قال النبي ﷺ : «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها»، رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن عائشة، وهي القائلة -رضي الله تعالى عنها-: «لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر»، وهذا بظاهره يدل على أنها خير من الوتر لولا مجيء ما هو نص في أفضليته عليه، وهو قول النبي ﷺ : «أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم»، رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة، وقال النفراوي ﵀: «وينبني على السنية ندب فعلهما في المسجد، وعلى عدمها ندب فعلهما في البيت»، انتهى. قلت: هذا الترتيب ليس صحيحا، فهما كغيرهما من الصلوات غير المفروضة تفعل في البيوت إلا لمانع أو عارض أو لِمَا كانت الجماعة فيه مشروعة، وقال في المختصر: «وهي رغيبة تفتقر لنية تخصها»، أي فلا يكفي فيها نية مطلق الصلاة، ومثلها في هذا صلاة العيدين والاستسقاء والكسوف والوتر، مما هو من الصلاة مقيد بزمن أو بسبب، فمن أحرم ناويا الصلاة وأراد صرفها لواحد مما ذكر لم يجزه بخلاف نحو صلاة الضحى وتحية المسجد والتراويح، قال في المدونة: «إن صلاهما بعد الفجر لا ينوي بهما ركعتي الفجر لم يجزياه»، انتهى بالنقل عن حاشية التاج والإكليل.

стр. 2384

• قوله: ٣٦ - «وصلاة الضحى نافلة». الضحوة ارتفاع النهار، والضحى بالقصر فويق ذلك، والضحاء بفتح الضاد والمد إذا امتد النهار وكَرَبَ أن ينتصف، والنافلة في اصطلاح أهل المذهب المغاربة ما دون السنة والرغيبة، وأقل صلاة الضحى ركعتان وأوسطها أربع، وأكثرها ثمانية، وقيل ثنتا عشرة، وقيل لا حد لها، وقد ثبت كون صلاة الضحى اثنتين وأربعًا وستًّا وثمانيا، ووقتها من حل النافلة بعد طلوع الشمس إلى ما قبل الزوال، وهي صلاة الإشراق، بل هي أولها، وقد فسر ابن عباس قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨)﴾ [ص: ١٨]، بصلاة الضحى، رواه عنه ابن مردويه وغيره قال: كنت أمر بهذه الآية لا أدري ما هي؟، حتى حدثتني أم هانئ أن رسول الله ﷺ دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى الضحى فقال: «يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق»، ورواه ابن جرير والحاكم موقوفا عليه، قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف وهو أصح. وفي مختصر خليل أنها واجبة على النبي ﷺ قال: «خص النبي بوجوب الضحى والأضحى والتهجد والوتر بحضر»، انتهى، ولا دليل على هذا، قال الدردير في شرحه: «هو ضعيف، والجمهور على أنه مستحب عليه»، انتهى. قلت: الخلاف قائم في صلاته إياها فكيف يقال بوجوبها عليه؟. ومما جاء في صلاة الضحى حديث أبي هريرة قال: «أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: بصيام ثلاثة أيام في كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام»، رواه الشيخان، وفيه وفي الذي بعده دليل على أن الركعتين تكفيان، وجاء في حديث أبي ذر مرفوعا: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى»، رواه أحمد ومسلم وأبو داود، والسلامى بضم السين

стр. 2385

عظام الأصابع، والمراد هنا عظام البدن وهي ستون وثلاثمائة كما في حديث عبد الله بن بريدة الذي رواه أحمد وأبو داود، فعلى المسلم أن يتصدق بصدقات بمقدار هذا العدد من المفاصل شكرا لله تعالى على نعمته عليه بها، وأيسر ذلك عليه ما ذكر من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، وقول الحق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن لم يقدر، أو حصل منه تقصير فلا يفرط في ركعتي الضحى، وكون الركعتين تجزيان عما ذكر يدل على عظم فضلهما، ويظهر أن غيرهما من النوافل في غير هذا الوقت لا يقوم مقامهما، وقال النبي ﷺ : «صلاة الأوابين حين ترمَض الفصال»، رواه أحمد ومسلم عن زيد بن أرقم، والأوابون الرجاعون إلى الله بالتوبة، وترمَض بفتح الميم أي تصيبها الرمضاء وهي الرمل الحار فتحرق أخفافها لضعفها، والفصال جمع فصيل صغير الإبل إذا فصل عن الرضاع، وفيه فضيلة صلاة الضحى في هذا الوقت، وجاء في بيان وقتها ما يقابل بداية صلاة العصر من ارتفاع الشمس، وروى مالك ومن طريقه الشيخان عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها، وإن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يعمله الناس فيفرض عليهم»، ومعنى ربط الافتراض بعمل الناس أنهم يعتادونه بالفعل ويدخلونه في حياتهم فلا يشق عليهم، فيفرض، وليس معنى ذلك ربط علم الله تعالى أو مشيئته الكونية بفعلهم، وإنما هو نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]، وعائشة لم تنف الوقوع وإنما نفت الرؤية، ولا يلزم من نفي الثاني نفي الأول، كيف وقد أثبت ذلك غيرها، وجاء عنها تقييد النفي بما عدا الرجوع من السفر، وجاء عنها الإثبات مطلقا، فلا أقل من أن يدل ذلك على ثبوت فعله ﷺ لها أحيانا، والله أعلم.

стр. 2386

• قوله: ٣٧ - «وكذلك قيام رمضان نافلة وفيه فضل كبير ومن قامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». الصلاة في رمضان تدعى صلاة التراويح جمع ترويحة لأنهم كانوا يطيلون القيام فيها ويستريحون بعد كل أربع ركعات، وهي نافلة، والجماعة فيها مستحبة، وهي مستثناة من كراهة النفل جماعة لمجيء السنة بها، ومثلها صلاة العيدين والاستسقاء والكسوف، وهي مشروعة بقول النبي ﷺ : «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، رواه الشيخان وأصحاب السنن عن أبي هريرة ﵁، والقيام كناية عن الصلاة، لكن غيرها من قراءة القرآن وذكر الله من جملة القيام، وقد صلى النبي ﷺ بأصحابه عدة ليال، ثم لم يخرج إليهم خشية أن تفرض عليهم، وبموته ﷺ زال المانع وكتب الله تعالى أن تحيى هذه السنة فتصلى جماعة على يد عمر بن الخطاب ﵁ فجمع الناس على قارئ واحد هو أُبَيُّ بن كعب ﵁، واستمر المسلمون على ذلك إلى اليوم، والمذهب أن فعلها في البيوت أفضل إن لم تتعطل المساجد جريا على الأصل في صلاة النافلة، وقد قال النبي ﷺ : «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، وهو في صحيح البخاري وغيره عن زيد بن ثابت، وقد جاء الحديث في سياق ذكر هذه الصلاة حين امتنع النبي ﷺ من الخروج، والسبب يدخل فيما ورد بشأنه دخولا أوليا، ولا يعارض هذه الأفضلية بشرطها قول النبي ﷺ : «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة»، رواه أبو داود والترمذي، وسيأتي مزيد بحث في المسألة، أما قيد الإيمان والاحتساب في مغفرة الذنوب بقيام رمضان فيخرج به من صلى للعادة والتقليد وللرياء والسمعة، والله أعلم.

стр. 2387

• قوله: ٣٨ - «والقيام من الليل في رمضان وغيره من النوافل المرغب فيها». يظهر أن المؤلف يفرق بين الوتر وقيام الليل، ولهذا تكلم على الوتر وحده فيما تقدم، وبعد أن ذكر التراويح تكلم على قيام الليل في رمضان وفي غيره لأن فضيلة قيامه لا تختص برمضان، وتسمى صلاة الليل وترا، ويدل على تأكدها قول النبي ﷺ : «يا أهل القرآن أوتروا، فإن الله يحب الوتر»، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة عن علي ﵁، وأهل القرآن يحتمل أن يراد بهم عموم المسلمين، ويحتمل خصوص حفاظ القرآن، وقد قال النبي ﷺ : «إن لله أهلين من الناس: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته»، رواه أحمد والنسائي وابن ماجة عن أنس، قال الطيبي كما في عون المعبود: «يريد بالوتر قيام الليل، فإن الوتر يطلق عليه كما يفهم من الأحاديث، فلذلك خص الخطاب لأهل القرآن»، انتهى، وقد قال النبي ﷺ : «الوتر حق، فمن شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة»، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي أيوب ﵁، وروى مالك في الموطإ بلاغا ووصله أحمد أن رجلا سأل ابن عمر ﵁ أرأيت الوتر أسنة هو؟، قال: ما سنة؟، أوتر رسول الله ﷺ ، وأوتر المسلمون، قال: لا، أسنة هو؟، قال: مه، أو تعقل؟، أوتر رسول الله ﷺ ، وأوتر المسلمون»، قال ابن عبد الملك وهو في شرح الزرقاني على الموطإ: «خشي ابن عمر إن قال واجب أن يظن السائل وجوب الفرائص، وإن قال غير واجب يتهاون به ويتركه»، انتهى. قلت: غرض ابن عمر أن يشتغل الناس بالاقتداء بالنبي ﷺ فيفعلون مثل فعله، وقد استفاض عنه ﷺ فعل الوتر، ونظير هذا ما سبق حيث سأله بعضهم عن الأضحية، ومن ذلك كلامه لمن راجعه في شأن تقبيل الحجر الأسود إن هو زوحم، ولا شك أن أفضل النوافل الوتر لكونه يدخل في صلاة الليل وقد قال النبي ﷺ فيها: «أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم»، رواه مسلم

стр. 2388

وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة. ومما جاء في فضل صلاة الليل قول الله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ [السجدة: ١٦]، وقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]، وقال تعالى عن صالحي أهل الكتاب: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ [آل عمران: ١١٣]، ومما جاء في التعاون عليها قول النبي ﷺ : «رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء»، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة، وفيه التلطف في إلزام الغير بالخير ولو كان كارها له في الظاهر، وقال رسول الله ﷺ : «إذا أيقظ أحدكم أهله من الليل فصليا، أو صليا ركعتين جميعا كتبا في الذاكرين والذاكرات»، رواه أبو داود عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄، وفي صحيح البخاري عن أم سلمة قوله ﵊: «أيقظوا صواحب الحجر، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة»، وجاء في فضل من نام عن صلاة الليل التي اعتادها: «ما من امرئ يكون له صلاة بالليل، فيغلبه عليها النوم، إلا كتب الله تعالى له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة»، رواه مالك وأبو داود والنسائي عن عائشة، فانو الخير واعزم عليه تنل الأجر.

стр. 2389

• قوله: ٣٩ - «والصلاة على موتى المسلمين فريضة يحملها من قام بها وكذلك مواراتهم بالدفن». الصلاة على المسلم البالغ غير شهيد المعركة مع الكفار فرض كفائي، وقيل سنة كفاية، وقد روى الدارقطني في سننه عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «صلوا خلف من قال لا إله إلا الله، وصلوا على من قال لا إله إلا الله»، لكنه حديث ضعيف، ويغني عنه أن النبي ﷺ أمر بها، فقد كان إذا أتي بالمتوفى سأل هل ترك لدينه فضلا؟، فإن حدث أنه ترك وفاء صلى، وإلا قال: «صلوا على صاحبكم»، رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، وقال مثل ذلك عن الرجل الذي مات في خيبر وكان قد غل، كما رواه مالك في الموطإ وبعض أصحاب السنن عن زيد بن خالد الجهني، ولم يصل على الذي قتل نفسه بمشاقص، رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن جابر بن سمرة، ففي هذه الأحاديث امتناع النبي ﷺ من الصلاة مع أمره بها، وقد كانوا لا يؤذنونه بذلك أحيانا لما يلحقه من المشقة، كما حصل في موت المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد، وقال الغماري في مسالك الدلالة: «وقد اتفق المسلمون على وجوب الصلاة على الميت وفرضيتها، ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد به من المالكية، ولم ينقل في حديث أن الصحابة لم يصلوا على ميت في زمن النبي ﷺ ، ولا بعده»، انتهى. والخلاف الذي أشار إليه الغماري هو الذي قال عنه خليل: «فصل في وجوب غسل الميت بمطهر ولو زمزم، والصلاة عليه كدفنه وكفنه وسنيهما خلاف، وتلازما»، فالخلاف إنما هو في الغسل والصلاة، أما الدفن والكفن فواجبان، ولهذا قال: «وكذلك مواراتهم بالدفن»، ونقل ابن حزم الإجماع على لزوم المواراة، وعلى لزوم الغسل والصلاة إن كان الميت بالغا ما لم يكن شهيدا أو مقتولا ظلما في قصاص.

стр. 2390

لكن لا مفهوم للمسلمين في كلام المؤلف بخصوص الموراة، فإن الكافر ولو حربيا ينبغي مواراته أيضا. أما الصلاة على من استهل صارخا إلى ما قبل البلوغ فمندوب كفائي فيما يظهر، ولا يصلى على السقط، وقيل يصلى عليه، والأول أقوى، وقد تقدم الكلام على ذلك في الجنائز. والصلاة والغسل عندهم متلازمان، فمن لم يشرع الغسل أو بدله له وهو التيمم لا يصلى عليه، ودليل ذلك شهداء أحد حيث لم يغسلوا ولا صلي عليهم، وهو في الصحيح، وفي هذا الربط نظر، والظاهر أن الصلاة عليهم مخير فيها، والله أعلم.

стр. 2391

• قوله: ٤٠ - «وغسلهم سنة واجبة». قد تقدم هذا، ولو أخره ليذكره هنا مع الصلاة والدفن لكان خيرا، وهذا أحد قولين في حكم غسل الميت، وهو أنه سنة كفاية، وقد قام الدليل على خلافه، وانتقدوا على المؤلف أن يفرق في الحكم بين الصلاة والغسل مع أنهما متلازمان عندهم فمتى قيل بوجوب أحدهما قيل بوجوب الآخر، ولا ضير على الإمام في ذلك

стр. 2392

• قوله: ٤١ - «وكذلك طلب العلم فريضة عامة يحملها من قام بها إلا ما يلزم الرجل في خاصة نفسه». من العلم ما هو فرض كفاية، ومنه ما هو فرض عين، فأما الأول فهو ما لا بد للمسلم منه من معرفة ربه بتوحيده وعبادته، وصحة عقيدته، وكيفية القيام بما هو مفروض عليه مما يشترك المسلمون فيه، كالصلاة والصيام، أو مما يختص به بعضهم دون بعض، كالزكاة والحج والزواج والبيع، فمن احتاج إلى شيء من ذلك تعين عليه تعلمه قبل فعله، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦] ولقول رسول الله ﷺ : «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، رواه ابن عدي والبيهقي عن الحسين بن علي ﵄، وابن عبد البر عن أنس بزيادة: «وإن طالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر»، وهو في صحيح الجامع الصغير، وبهذا صح أن يقال إن كل مسلم عالم، ولهذا أيضا كان واجبا على كل مسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يعلمه من دينه، قال الخطيب في كتابه الفقيه والمتفقه: «فأما الأصول التي هي معرفة الله وتوحيده وصفاته وصدق رسله فمما يجب على كل أحد معرفته، ولا يصح أن ينوب فيه بعض المسلمين عن بعض»، انتهى. قلت: وينبغي للمسلم ولا بد أن يعرف معنى العبادة حتى لا يصرف شيئا منها لغير الله فيشرك به، لاتفاق الناس على أن العبادة خاصة بالله تعالى، وما أكثر الذين يصرفون صورة العبادة له سبحانه، ويصرفون لبها وروحها وهو التذلل والخضوع وكمال المحبة لغير الله بسبب جهلهم بمعناها. وأما النوع الثاني فهو ما زاد على ذلك من التوسع فيما هو مفروض على كل المسلمين، أو فيما هو مفروض على من لابسه منهم، أو ما ليس من هذا ولا هذا، يستوي

стр. 2393

في ذلك العلوم التي هي مقاصد أو آلات لفهم غيرها كحفظ القرآن والحديث والتفسير والعربية وأصول الفقه وغيرها قراءة وتأليفا. قال الشيخ زروق في بيان فرض العين من العلم: «وفرض العين ما لا يؤمن الهلاك مع جهله دينا ودنيا، وفرض الكفاية ما لا تعلق له به في الحال، مع تعلق الغير به أو توقعه في المآل، وقد أجمعوا على أنه لا يجوز لأحد أن يقوم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، ولا يلزمه التوسع إلا قدر ما تعلق به فقط»، انتهى، وقال القرافي في الفرق الثالث والتسعين بعد ذكر أن الشافعي حكى الإجماع المتقدم في رسالته، وكذلك الغزالي في إحياء علوم الدين، قال ينظر لكون مالك اعتبر الجهل في الصلاة كالعمد لأنه عاص بترك طلب العلم بها: «فمن باع وجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع، ومن آجر وجب عليه أن يتعلم ما شرعه الله في الإجارة، ومن قارض وجب عليه أن يتعلم حكم الله في القراض،،، إلى أن قال: «فمن تعلم وعمل بمقتضى ما علم فقد أطاع الله طاعتين، ومن لم يعلم ولم يعمل فقد عصى الله معصيتين، ومن علم ولم يعمل بمقتضى علمه فقد أطاع الله طاعة، وعصاه معصية»، انتهى. وذهب سحنون إلى أنه يجب على المرء أن يتوسع في العلم الذي له فيه قابلية زيادة على العلم الذي يلزمه للعمل، قال ابن ناجي في شرحه: «وظاهره أنه لا يجب عليه تعلم العلم الزائد على فرض العين، وإن كان فيه القابلية، وهو خلاف قول سحنون بوجوبه عليه، والنفس أميل إليه، وجعله شيخنا أبو مهدي المذهب، وقال لا أعلم خلافه»، انتهى، فرحم الله الإمام سحنون ما كان أفقهه. والعلم ثلاثة: علم بالله، وعلم بأمر الله، وعلم بخلق الله، أعلاها الأول، وقد نال الأنبياء منه القدح المعلى، وقد قال رسول الله ﷺ : «إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا»، رواه البخاري عن عائشة، ومن لم يعرف ربه فهو الجاهل وإن علم كثيرا من غيره، بل إن العلم بالله هو جنة الدنيا، فمن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وبمقدار معرفة المرء ربه يسعى في معرفة ما يرضيه ويعمل به، وذلك هو العلم بأمره، أما العلم بخلقه فلحاجة الإنسان إلى ذلك في حياته وتسخير ما جعله الله مسخرا بمشيته، وبهذا العلم يزداد المرء اطمئنانا

стр. 2394

وإيمانا، ولذلك جاء التعقيب على ذكر أنواع من علوم الحياة بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٧ - ٢٨]، أي إنما يخاف الله من علم قدرته وسلطانه كما قال ابن عباس، ولا تظنن أن المراد بالعلماء هنا هم العلماء بالنبات والحيوان والتربة والأجناس البشرية فحسب، وإلا لكان الكفار وما أوسع علمهم بهذه الأمور وغيرها؛ أخشى من المؤمنين لله، وقد نفى الله عن أكثر الناس العلم، وإن أثبت لهم العلم ببعض ظاهر الحياة الدنيا كما في أوائل سورة الروم، فعلم الحياة يفيد في الخشية من الله بقيد أن يكون قد سبق للعالم به معرفة الله والإيمان به. وقد جمعت هذه العلوم الثلاثة في قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢] والمرأة مثل الرجل فيما هو مطلوب منه من العلم العيني، فإن علمها زوجها فذاك، وإلا قضي لها بالخروج للتعلم، ويتأدى فرض الكفاية بتعلمها فيما يجوز لها مباشرته والعمل فيه، أما ما لا يجوز لها مباشرته والعمل فيه فعلمها لا يتأدى به الفرض الكفائي لأن وجودها فيه كالعدم في نظر الشرع.

стр. 2395

• قوله: ٤٢ - «وفريضة الجهاد عامة يحملها من قام بها إلا أن يغشى العدو محلة قوم فيجب عليهم فرضا قتالهم إن كانوا مثلي عددهم». ما كان من الجهاد لأجل رد من غزا بلدا مسلما فهو من فروض الأعيان على سكان البلد بخاصة، ومن جاورهم من المسلمين الأدنى فالأدنى بعامة، أما ما زاد على ذلك من تأمين سلطان الإسلام والدعوة إليه فهو من فروض الكفاية إلا أن من عينه الإمام تعين عليه الجهاد، أما ما ذكره من القيد بخصوص لزوم قتال الكفار إذا غشُوا أي غزوا محلة قوم فلقول الله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ [الأنفال: ٦٦]، والإخبار عن غلبة المائة الصابرة من المسلمين للمائتين يقتضي صمود هذا العدد وتحريم الفرار ويقتضي كذلك تحقيق مناط الصمود وهو التدرب وتعلم فنون القتال والتعود على الصبر والاحتمال، وبهذا أمر الله نبيّه ﷺ أن يحرض المؤمنين على القتال، ويقتضي كذلك عدم التعويل على كثرة العدد والاتجاه إلى تقوية نفس الفرد وإقناعه بما يقاتل من أجله وهو ابتغاء مرضاة الله، فإن كان الكفار أكثر من مثلي عدد المسلمين ساغ لهم الفرار، كذا قالوا، لكن لا يجوز لهم ذلك إن هم بلغوا اثني عشر ألفا، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : «خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة»، رواه أبو داود والترمذي عن ابن عباس، والمراد بالصحابة صحبة السفر، ولا يتنافى ذلك مع حديث: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة الركب»، رواه مالك وأحمد وابو داود والترمذي عن ابن عمرو، لأن ذلك أقل ما يخرج به عن المرغوب عنه، والذي نحن فيه فوقه، والسرية القطعة من الجيش تسري بالليل فهي بمعنى فاعلة، وفيه ما تقدم من ترك الاعتماد على العدد وحده، ولذلك أخبر أن غلبة غير المسلمين للمسلمين لا

стр. 2396

تكون إذا بلغوا اثني عشر ألفا بسبب قلة عددهم، فابحث عن الأسباب الأخرى غير العدد تلفها كثيرة في المسلمين اليوم، وفي الحديث إلماح إلى وضع العدة موضع الاعتبار أيضا، وأبرز أسباب عدم تحقق ما في الحديث أن كثيرا من المسلمين لا يقاتلون دفاعا عن الإسلام وأرضه، بل لغير ذلك من الأغراض، ومن ذلك أنهم لم يعدوا القوة التي أمرهم ربهم بإعدادها في قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ (٦٠)﴾ [الأنفال: ٦٠]، ولذلك ترى ابتغاء وجه الله بالقتال يعوض المسلمين عن كثير من العناصر الأخرى، ولا يعوض هذا العنصر غيره في الغالب، واعتبر بانتصار المسلمين في غزوة بدر ولم يكونوا قد خرجوا لأجل القتال، فخرقت لهم السنن وأمدهم الله بألف من الملائكة مردفين، وهزموا أو كادوا في غزوة أحد إذ منعهم الله الإمداد بالملائكة وقد وعدوا به مشروطا بقوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران: ١٢٥]، لكنهم لم يحصلوا الشرط بسبب مخالفة الرماة، وذاقوا مرارة الهزيمة في حنين لأنهم أعجبتهم كثرتهم مع استعدادهم وخروجهم لأجل القتال، ومهما يكن فإن انتكاستهم كان فيها خير لهم لاتعاظهم بها واعتبارهم، وما ذا تملك طالبان في أفغانستان من القوة بالمقارنة مع قوات الحلف الأطلسي؟.

стр. 2397

• قوله: ٤٣ - «والرباط في ثغور المسلمين وسدها وحياطتها واجب يحمله من قام به». الرباط والمرابطة هو المواظبة على الأمر، وهو هنا الإقامة في المواضع التي يخشى أن يدخل منها العدو إلى بلدان المسلمين، لأجل الدفاع عنها إذا هاجمها الأعداء، ووسيلتهم يومئذ الخيل، فما استجد الآن من الوسائل حل محلها، والثغور جمع ثغر هو الفرجة، سمي الموضع الذي يخشى دخول العدو منه بذلك تشبيها له بها لأنها يفضى منها إلى ما وراءها بسهولة، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، وقد تقدم الكلام على الرباط في باب الجهاد، وقد اشترط مالك في اعتبار المرء مرابطا أن لا يكون ساكنا في الموضع الذي يرابط فيه، وقد أصبحت الحراسة اليوم عن طريق أجهزة التنصت والرصد، ولم يعد الغزو مقتصرا على تحرك الجيوش واختراق الحدود، بل صار الغزو في الغالب غزو القصف بالطيران والصواريخ بعيدة المدى، مصداقا لتفسير النبي ﷺ القوة التي أمر الله المسلمين بإعدادها بقوله: «ألا إن القوة الرمي»، فمن كان على هذه الأجهزة ساهرا مراقبا يرجى له أجر المرابط بفضل الله تعالى لأنه بدل عنه متى توفر الشرط وهي حراسة أرض المسلمين من الكفار، أما الذي عليه المسلمون اليوم فقتال بعضهم بعضا في الغالب. وقد كان ابن عمر ﵄ يفضل الرباط على الغزو، وتقدم ما قاله وهو: «فرض الجهاد لسفك دماء المشركين، والرباط لحقن دماء المسلمين فحقن دماء المسلمين أحب إلي من سفك دماء المشركين»، انتهى، يريد سفك دماء المشركين إن لم يجنحوا إلى السلم، قال ابن رشد في المقدمات: «قيل إنما قال ذلك بعد ما دخل الجهاد ما دخله». وقد جاء في فضل الرباط أحاديث عدة منها قول رسول الله ﷺ : «رباط يوم في

стр. 2398

سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها»، رواه أحمد والبخاري والترمذي عن سهل بن سعد، وروى الترمذي عن سلمان مرفوعا: «رباط يوم في سبيل الله أفضل من صيام شهر وقيامه، ومن مات فيه وقي فتنة القبر، ونما له عمله إلى يوم القيامة»، ولمسلم عن سلمان أيضا: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات مرابطا جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن من الفتان».

стр. 2399

• قوله: ٤٤ - «وصوم شهر رمضان فريضة». صوم شهر رمضان من أركان الإسلام العظام بنص القرآن والسنة والإجماع، فمن جحد وجوبه كفر ولا كرامة، ومن ترك صومه من غير عذر حبس وعوقب، واختلف في كفره، وقد حكى زروق في شرحه للرسالة الخلاف في تكفير تارك الزكاة والصوم والحج، وإن كان المشهور عدم كفرهم، فتمسك بهذا ولتستثن تارك الصلاة، والخلاف فيه معروف، والنفس أميل إلى عدم تكفير غير الجاحد.

стр. 2400

• قوله: ٤٥ - «والاعتكاف نافلة». الاعتكاف هو ملازمة المسجد على وجه مخصوص وقتا ما للتفرغ لذكر الله وطاعته، وأقله يوم وليلة في المذهب، ويكون في المساجد عموما، وحديث قصره على المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا لها ضعيف، وكونه غير واجب مما لا أعلم فيه خلافا إلا أن ينذره المكلف، وقد نقل عن مالك تشبيهه بالوصال في الصوم، وذكر أنه ما زال يفكر في ترك الصحابة له مع أنهم أتبع الناس لرسول الله ﷺ ، وذكر أنه ليس بحرام، وأنهم إنما تركوه لشدته، فركب بعض أهل المذهب على قوله ليس بحرام أنه مكروه، ورده ابن العربي بقوة، ومراد مالك بنفي الحرمة الخوف من أن يؤخذ من تشبيهه له بالوصال هذا الحكم فتنبه، والله أعلم.

стр. 2401

• قوله: ٤٦ - «والتنفل بالصوم مرغب فيه». مراده التطوع بالصوم من غير تحديد بيوم من الأسبوع ولا من الشهر، لقول رسول الله ﷺ : «من صام يوما في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا»، رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري ﵁، وقد اختلف في المراد من لفظ سبيل الله، هل هو الجهاد، أو إخلاص العمل لله تعالى، والأول هو الظاهر، لأن الإخلاص غير مختص بالصوم في حصول الأجر، ولا ينافي ذلك أن الجهاد مظنة المشقة، فالفطر فيه ولو في رمضان قد يكون أولى، إذ يقال إن ذلك حيث لا مرجح للفطر، فيجمع المجاهد حينئذ بين الفضيلتين، أشار إليه الحافظ ابن حجر في الفتح، وقوله سبعين خريفا أي عاما لأن الخريف يأتي مرة واحدة في العام، وقال النبي ﷺ : «كل عمل ابن آدم يضاعف: الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، قال الله : إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان فرحة عنه فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فمه أطيب عند الله من ريح المسك»، رواه أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة. ولا بأس أن أذكر شيئا عن صوم الجمعة وصوم الدهر وغيرهما هنا، والمذهب جواز إفراد يوم الجمعة بالصوم، وقد اعتمد مالك في ذلك على العمل، وصرح بأنه سمع بالحديث، قال ابن العربي في عارضة الأحوذي: «قال ابن أبي أويس: سئل مالك عن صوم يوم السبت، فقال: إن هذا الشيء ما سمعت به قبل، وقد كنت سمعت في يوم الجمعة ببعض الكراهية، فأما يوم السبت فلا»، انتهى، فهذا يرد قول من اعتذر عن مالك في قوله بجواز صوم يوم الجمعة بأنه لم يبلغه الحديث، وقوله في الموطإ: «لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعضهم

стр. 2402

يصومه وأراه كان يتحراه»، انتهى، ليس نصا في عدم علمه بالحديث، بخلاف النهي عن صوم يوم السبت فإنه ذكر أنه لم يسمعه، والصواب أن لا يفرد يوم الجمعة بالصوم لأنه عيد المسلمين والعيد لا يصام، لكن الجمعة يجوز صومها تبعا بأن يصوم يوما قبلها، أو يوما بعدها، ولا يلزم من كونها عيدا أن تكون مثل العيدين من كل وجه بدليل أنها تصام في رمضان وفي الكفارات، وفي نهيه ﷺ عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام من دون الليالي ويومها بصيام من دون الأيام عبرة لمن اعتبر، وهي أن مجرد كون الزمان فاضلا لا يلزم منه اختصاصه بعبادة، لأن كلا من الحكم بفضل الشيء على غيره، واختصاصه بفضل العبادة فيه؛ مفتقر إلى الدليل. ويجوز صوم الدهر في مشهور المذهب، بل هو قول مالك كما في الموطإ قال: إنه سمع أهل العلم يقولون لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صيامها، وهي أيام منى، ويوم الفطر ويوم الأضحى فيما بلغني، وذلك أحب ما سمعت إلي في ذلك»، انتهى، وقد جاء في صوم الدهر قول النبي ﷺ : «لا صام من صام الأبد»، رواه الشيخان والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن عمرو، وعن أبي قتادة قال: قيل يا رسول الله كيف بمن صام الدهر؟، قال: «لا صام ولا أفطر، أو لم يصم، ولم يفطر»، رواه أحمد ومسلم، وقد حمل الجمهور النهي على من تلحقه بذلك الصوم مشقة، أو يفضي به إلى التفريط في الحقوق، أو على من صام الدهر ولم يفطر في الأيام التي يحرم صومها، وهذه التعليلات متفاوتة في الضعف، وأبعدها الأخير، لأن صوم العيدين ليس صوما شرعيا حتى يدخل في الصوم، فالأولى الترك، وخير الهدي هديه ﷺ ، كيف وقد بين أن أفضل الصوم صوم يوم وإفطار يوم، وهو صوم داود ﵇، قال ابن العربي في حديث النهي عن صوم الدهر: «إن كان دعاء فيا ويح من دعا عليه النبي ﷺ ، وإن كان خبرا فيا ويح من أخبر عنه النبي ﷺ بأنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعا فكيف يكتب له ثواب»؟، انتهى، قال خليل عن صوم التطوع المندوب: «وصوم عرفة إن لم يحج، وعشر ذي الحجة، وعاشوراء وتاسوعاء، والمحرم، ورجب وشعبان،،، إلى أن قال: وصوم ثلاثة من كل شهر، وقال عن

стр. 2403

المكروه من الصيام: «وكره كونها البيض، كستة من شوال»، وقال عن الجائز من الصوم وقيل بل هو المندوب لأن العبادة لا تقع مباحة: «وصوم دهر وجمعة فقط»، انتهى ومما يذكر هنا صوم ستة أيام من شوال، وفيها حديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي ﷺ أنه قال: «من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر»، رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن، وقال ابن العربي في المسالك: «كره مالك الأخذ بهذا الحديث مخافة أن يلحق برمضان ما ليس منه من أهل الجاهلية والجفاء، ولو صام ستة أيام في المحرم لكان أفضل له، وليس لتعينها بشوال معنى غير أن فيه تحصيل العمل وقصر الأمل»، انتهى، ولعله أراد بقوله: «ليس لتعينها بشوال معنى»؛ أن مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لا يتوقف على هذا الحديث فإنه أمر متقرر بأدلة قرآنية وحديثية كثيرة، ثم وجدته صرح به في قوله في العارضة: «وصلة الصوم بأيام شوال مكروهة جدا، لأن الناس قد صاروا يقولون شيع رمضان، وكما لا يتقدم له لا يشيع، ومن صام رمضان وستة أيام من أيام الفطر له صوم الدهر قطعا بالقرآن، كان من شوال أو من غيره، وربما كان من غيره أفضل، أو من أوسطه أفضل من أوله، وهذا بين وهو أحوى للشريعة، وأذهب للبدعة، ورأى ابن المبارك والشافعي أنها في أول الشهر ولست أراه، ولو علمت من يصومها أول الشهر وملكت الأمر أدبته وشردت به، لأن أهل الكتاب بمثل هذه الفعلة وأمثالها غيروا دينهم وأبدوا رهبانيتهم»، انتهى ببعض اختصار، وفي كلامه ﵀ بعض المبالغة، فمالك لم يترك هذا الحديث لمجرد أن فيه التطوع بالصوم لأنه إذا كان صوم الدهر عنده مشروعا فكيف بجزء منه؟، بل إن مرد ما ذهب إليه ما أشار إليه ابن العربي من وصله بشوال، وهذا أمر نعيشه اليوم نسمع الناس يقولون فلان أنهى صيام الأيام (البيض)، وبعضهم يقول فلان عَيَّدَ، وبعضهم يعد الحلوى ليوم عيده، ويقولون لما ذا لم يصم فلان؟، وهكذا، والأمر الثاني أن المضاعفة المذكورة في الحديث عليها أدلة قرآنية وحديثية كثيرة فلا خصوصية لصوم لستة أيام من شوال، وعليه يكون صوم تلك الأيام في شوال وفي غيره سواء في الأجر، والثالث أن تلك المضاعفة يحتمل أنها خاصة بشوال بمعنى أن من فعل ذلك مرة في عمره كان كمن

стр. 2404

صام حياته كلها، لا العام الذي صام فيه فحسب، فيكون الحديث مؤسسا لأمر خاص بهذه الأيام، فيكون المراد بالدهر عمر الإنسان، وهذا تأويل لم أعلم أحدا ذهب إليه فلينظر، ولا يمنع من هذا التأويل تفسير بعض الناس للحديث على القاعدة المعروفة التي لا تتقيد بزمان، ومهما يكن فالمطلوب إبقاء السنن على ظاهرها، واعتبار قيودها، مع تعليم الناس أن ينزلوا الأحكام منازلها، وأن يتركوا في هذه الأيام المجاهرة بصيامها، وإتباع الفريضة بالنافلة موجود في غير الصيام، ودين الله محفوظ.

стр. 2405

• قوله: ٤٧ - «وكذلك صوم يوم عاشوراء ورجب وشعبان ويوم عرفة والتروية». لما ذكر التطوع بالصوم من غير تحديد ذكر بعض الأيام التي جاء الحث على صومها، منها عاشوراء وهو اليوم العاشر من شهر المحرم، وقد كان المشركون يصومونه في الجاهلية، وصامه المسلمون أول ما قدم النبي ﷺ المدينة بأمره، فلما فرض رمضان في السنة الثانية كان من شاء صامه ومن شاء أفطره، فقيل كان واجبا ثم نسخ، وهو مدلول كثير من الأحاديث، وقيل كان مستحبا مؤكدا فخفف فيه، ولا يساعد عليه ظاهر الأحاديث، ولاسيما حديث سلمة بن الأكوع الذي فيه أن رسول الله ﷺ أمر رجلا من أسلم أن أذن في الناس: إن من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء»، فالأمر بالإمساك بعد الأكل لا يناسب المندوب، فيكون حجّة على جزاء نية الصوم في النهار لمن لم يبلغه الخبر، ولم يكن قد أفطر، وليس عليه قضاء. وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان قال: «من شاء صامه ومن شاء تركه»، رواه مالك والشيخان، وجاء نحوه عن ابن عمر أيضا، وعن معاوية ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن هذا يوم عاشوراء ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء صام، ومن شاء فليفطر»، رواه الشيخان، وروى مسلم وأبو داود عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ صام يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، قال: «فإذا كان عام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع»، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ ، وهذا فيه بعض المخالفة لكون علمه بتعظيمهم إياه كان قد علمه أول مقدمه المدينة، ووفاته متراخية نحو الثماني سنوات عن ذلك، وليس هذا بكلام الله ولا كلام رسوله ﷺ حتى نتعنى في البحث عن الجمع بين المتعارض منه، أعني الإخبار بوقت صومه ووقت قوله ما قال، والذي ينبغي أن يعلم أن شريعة هذا النبي الكريم

стр. 2406

المحكمة هي مخالفة الكفار والمشركين، فالأولى أن يصام التاسع مع العاشر، وقال العلماء صوم عاشوراء على ثلاث مراتب: صوم العاشر وحده، وخير منه صومه مع التاسع، وخير من ذلك صومهما مع الحادي عشر لقطع الصلة بمن كانوا يصومونه حتى يكون الناس على شريعة محمد ﷺ الباقية المحكمة، وهي المفاصلة بينهم وبين الكفار، وجاء في فضل صومه قول رسول الله ﷺ : «صوم يوم عرفة يكفر سنتين، ماضية ومستقبلة، وصوم عاشوراء يكفر سنة ماضية»، رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي قتادة، وقد روى الطبراني عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن عشت إن شاء الله إلى قابل صُمت التاسع مخافة أن يفوتني يوم عاشوراء»، ولينظر وجه التعليل بخشية الفوات، فهل له صلة بمعنى لفظ عاشوراء هل هو التاسع أو العاشر؟، قلت: هو مستبعد، بل هو عندي المسارعة إلى فعل البر خوف اخترام المنية المرء ولا ينافي ذلك القصد إلى مخالفة اليهود. أما رجب فقد جاءت في صومه بخصوصه أحاديث لم تثبت، لكنه يدل على فضيلة الصوم فيه الأدلة العامة على التطوع بالصيام من غير تقييد بزمن، ولأنه من جملة الأشهر الحرم التي ورد فيها ما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: «صم من الحُرُم واترك»، وهو في سنن أبي داود عن الباهلي، وهو في سن النسائي وابن ماجة، وفيه دليل على عدم إكمال الشهر صياما، ويدل على مشروعية الصوم في رجب أيضا التقرير الذي في قوله ﷺ عن شعبان: «ذاك شهر بين رجب ورمضان يغفل الناس عنه»، أشار إليه الشوكاني في نيل الأوطار، وموضع الاستدلال منه ذكر غفلة الناس عن شعبان واقتران رجب برمضان فيما لا يغفلون عنه، والذي لا يغفل عنه في رمضان الصيام فكذلك رجب، فالبيان المذكور ليس لتحديد موضع شعبان من السنة، وورد في المحرم بخصوصه قوله ﷺ : «أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم»، رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة. أما شعبان فقد صح أن النبي ﷺ كان يصومه كله، وإلا قليلا، روى أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن أم سلمة أن النبي ﷺ لم يكن يصوم من السنة شهرا تاما إلا شعبان يصل به رمضان».

стр. 2407

وعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت «لم يكن النبي ﷺ يصوم أكثر من شعبان، كان يصومه كله»، رواه الشيخان، وجاء عنها أيضا ما يخالف هذا وهو قولها: «ما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان»، وقولها: «كان يصومه إلا قليلا»، فالظاهر أنها تريد بقولها يصومه كله أكثره، فتجتمع الروايات مع إمكان الحكم بالظن الغالب منها ومن أم سلمة لأنهما قد لا تعرفان حاله على وجه الجزم في غير نوبتهما، والله أعلم، وقد جاء الحض على الإكثار من الصيام في شهر شعبان في حديث أسامة ﵁ قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟، قال: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم»، رواه أبو داود والنسائي، وجاء النهي عن الصيام فيه متى انتصف، كما في قول النبي ﷺ : «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يكون رمضان»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة، والظاهر حمله على من لم تجر له عادة بصوم أيام من الشهر أو من الأسبوع، ويتأيد هذا الحمل بفعله ﷺ وقد تقدم. أما صوم يوم التروية الذي هو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة فإن كان مراد المؤلف خصوص اليوم كما هو الظاهر فذلك محتاج إلى دليل خاص، وإلا فإنه من جملة الأشهر الحرم التي تقدم الكلام عليها، فضلا عن كونه من عشر ذي الحجة التي جاء فيها قول رسول الله ﷺ : «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام - يعني أيام العشر - قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟، قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بماله ونفسه، ثم لم يرجع من ذلك بشيء»، رواه أحمد والبخاري والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس، وهذه العشر هي أفضل أيام العام، بدليل تفضيل العمل الصالح فيها على غيرها، أما أفضل ليالي العام فإنها العشر الأواخر من رمضان، وفيها ليلة القدر، وهي المرادة بقول الله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ [الفجر: ١ - ٢]، كما جاء ذلك عن ابن عباس، رواه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره، وفيه جمع بين الأدلة، وقيل هي عشر ذي الحجة، وعليه جمهور المفسرين، ورجحه ابن جرير الطبري.

стр. 2408

• قوله: ٤٨ - «وصوم يوم عرفة لغير الحاج أفضل منه للحاج». تقدم ذِكْر فضل صوم يوم عرفة في حديث أبي هريرة عند مسلم وغيره، وهو أنه يكفر ذنوب سنة قبله، وسنة بعده، وإنما كان كذلك لأنه يوم اجتمعت فيه فضيلتان فضيلة العشر، أعني عشر ذي الحجة، وفضيلة اليوم، ويجتمعان في كون كل منهما في الشهر الحرام، قاله زروق ﵀، وإنما كان صومه لمن هو بعرفة دون صومه لمن ليس كذلك لأن النبي ﷺ كان مفطرا في حجة الوداع، وخير الهدي هديه، روى الشيخان عن أم الفضل قالت: «شكوا في صوم النبي ﷺ يوم عرفة، فأرسلت إليه بلبن فشرب وهو يخطب الناس بعرفة»، وقد جاء النهي عن صيام يوم عرفة بعرفة عند أحمد وابن ماجة من حديث أبي هريرة، ولم يصح، والظاهر من مجموع النصوص الواردة في صيام هذا اليوم أن لا يصومه من كان بعرفة ليقوى على أعمال الحج، ومنها الإكثار من ذكر الله وسرعة التأهب للنفر للمزدلفة، ويدل بفحواه على أن الوقوف بعرفة أجره عظيم بقطع النظر عن الأدلة التي جاءت نصا فيه، ووجهه أن الشرع جاء بترك صومه مع أنه يكفر سنتين، والشرع لا يفوت على المكلف مصلحة مثل هذه إلا لمصلحة أخرى راجحة، وهي ليست مجرد دفع المشقة، فإن الناس متفاوتون فيها فلو كانت كذلك لنص عليها، فثبت ما قلته، والله أعلم.

стр. 2409

• قوله: ٤٩ - «وزكاة العين والحرث والماشية فريضة». زكاة الثلاثة ثابتة بالإجماع على اختلاف في وجوب زكاة غير السائمة، والخيل، وفي مقدار النصاب في الحرث، والجمهور على لزوم زكاة عروض التجارة، وهو الصواب إن شاء الله.

стр. 2410

• قوله: ٥٠ - «وزكاة الفطر سنة فرضها رسول الله ﷺ ». قال بعضهم يريد بقوله فرضها قدرها، أي عين قدرها وهو الصاع، حتى لا يكون في كلامه تضارب، والظاهر أنه يريد أنها واجبة بالسنة، فتكون الجملة الثانية تفسيرا للفظ السنة التي لا يقصد بها المعنى الحادث المصطلح عليه.

стр. 2411

• قوله: ٥١ - «وحج البيت فريضة». وجوب الحج على المستطيع مرة واحدة في العمر مجمع عليه، فمن أنكره فليس بمسلم، ومن تركه من غير جحد مع عدم العذر فالله حسيبه، وحسبه من ذلك ما عقب به على افتراضه وهو قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧]، قال ابن عباس ﵄: «ومن جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه»، انتهى، وهو في تفسير ابن كثير.

стр. 2412

• قوله: ٥٢ - «والعمرة سنة واجبة». هذا هو المشهور، وذهب ابن الجهم المالكي، وابن حبيب، وابن عبد الحكم إلى وجوبها، وفي الأحاديث ما يدل على ذلك، أما قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فهو نص في لزوم الإتمام وهو إجماع ما لم يشترط، لا في لزوم الابتداء، والله أعلم.

стр. 2413

• قوله: ٥٣ - «والتلبية سنة واجبة». أي أن تلبية الحاج والمعتمر سنة، وتقدم له في الحج أنها واجبة، واعتبرها ابن حبيب في الإحرام بمثابة تكبيرة الإحرام في الصلاة، والمذهب كراهة الزيادة على اللفظ المأثور المعروف.

стр. 2414

• قوله: ٥٤ - «والنية بالحج فريضة». ولا خلاف في لزوم ذلك لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (٥)﴾ [البيِّنة: ٥]، وكيف يخلص من لم يعلم بالفعل ولم يقصد إليه.

стр. 2415

• قوله: ٥٥ - «والطواف للإفاضة فريضة». الطواف ثلاثة أنواع: طواف الإفاضة وهو الذي يكون بعد الوقوف بعرفة يوم العيد أو بعده، وهذا واجب، وهو في المذهب ركن لكونه لا يجبر بالهدي، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩]، والثاني والثالث طوافا القدوم والوداع وسيأتي ذكرهما.

стр. 2416

• قوله: ٥٦ - «والسعي بين الصفا والمروة فريضة». قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقد روى أحمد والشيخان عن عروة قال قلت لعائشة: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨]، قلت: فو الله ما على أحد جناح أن لا يطوف بهما»، قالت: بئسما قلت يا ابن أختي، لو كانت على ما أولتها عليه كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ ، فأنزل الله إن الصفا والمروة من شعائر الله،،، قالت عائشة: ثم قد سن رسول الله ﷺ الطواف بهما فليس لأحد أن يدع الطواف»، وروى الطبراني عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا».

стр. 2417

• قوله: ٥٧ - «والطواف المتصل به واجب وطواف الإفاضة آكد منه». المراد طواف القدوم الذي يأتي به المحرم بحج مفردا ثم يسعى بعده، ولعله أشار بذلك إلى لزوم الاتصال بين هذا الطواف والسعي، وقد عدوه واجبا يجبر بالهدي، وتقدم الكلام عليه في الحج، فطواف القدوم واجب لأجل السعي إذ لا يكون إلا عقب طواف، هذا فهم الشيخ زروق لكلام المؤلف. قلت: لو كان هذا هو الموجب لقيل فليؤخر السعي إلى ما بعد طواف الإفاضة، ومما قد يستدل به على عدم الوجوب أن المحرم من مكة لا طواف عليه، وأن المعتمر إنما يأتي بطواف واحد يكفيه لعمرته وللقدوم، وأن المراهق وهو الذي يخاف فوات الحج بخروج وقت الوقوف بعرفة، وكذا الحائض فهذان لا طواف عليهما ولا هدي، هذا قول أهل المذهب، ولازمه ما ذكرت لك، وهو مخالف للمعتاد فيمن فاته شيء من واجبات الحج، ومع هذا فالذي ينبغي أن يقال إن النبي ﷺ قد أحرم مفردا أو قارنا، ومع ذلك طاف وسعى عقبه، ثم طاف طواف الإفاضة، وليس الواجب على المفرد أو القارن إلا طوافا واحدا لنسكه، فمن اقتدى به فقد أصاب الحق ولا بد، مع أنه أحال على أفعاله في الحج بقوله لتأخذوا عني مناسككم، وأضاف بعضهم إلى هذا أنه ﷺ قد أمر به في الجملة، فعن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله ﷺ قال المشركون إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها شرا، فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فأمر أصحابه أن يرملوا وأن يمشوا ما بين الركنين»، قاله الغماري في مسالك الدلالة، وفي استدلاله بهذا على وجوب طواف القدوم ما لا يخفى، لأن الخلاف إنما هو قي طواف لم يكف عنه طواف العمرة، والحديث الذي ساقه فيه الطواف لأجل العمرة، فالعمدة فعل النبي ﷺ ، مع كون أفعاله في الحج على الإيجاب حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك، والله أعلم.

стр. 2418

• قوله: ٥٨ - «والطواف للوداع سنة». احتجوا على عدم وجوبه بسقوطه عن الحائض مع عدم إيجاب شيء عليها كما هو المعتاد في ترك بعض أفعال النسكين، ولأنه عندهم لا يختص بنسك، أما دليل وجوبه عند من قال به فطوافه ﷺ ونهى الناس عن الخروج من مكة إلا بعد أن يكون آخر عهدهم بالبيت، يعني الطواف، وهو مستحب في المذهب في حق من خرج من مكة إلى موضع بعيد كالمواقيت لا فرق بين الحاج والمعتمر وغيرهما، والمكي وغيره، فإن خرج لموضع قريب كالتنعيم فلا يطالب به إلا أن يخرج ليقيم، ولا يطالب به المتردد على مكة ولو خرج إلى مكان بعيد، فطواف الوداع في المذهب غير مرتبط بالنسك من حج أو عمرة، وله من حيث النظر وجه قوي، لأنه لو كان مرتبطا بالنسكين أو بأحدهما لكان له أجل، ومن المتفق عليه عند من ربطه بالنسك أنه يأتي به ولو طالت إقامته بمكة إذا أراد الخروج، أو قل إنهم لم يذكروا أجلا يسقط فيه الطواف.

стр. 2419

• قوله: ٥٩ - «والمبيت بمنى ليلة يوم عرفة سنة والجمع بعرفة واجب». أي ليلة التاسع من ذي الحجة، وقد علل عدم الوجوب بأن المبيت ليس مرادا لذاته، بل هو محطة في الطريق إلى عرفة، وهذا ليس دليلا، بل فيه جعل المختلف فيه متفقا عليه، وذهب ابن العربي إلى أنه واجب يجبر بالدم، وهذا هو الأصل في أفعاله ﷺ ما لم يأت الدليل الصارف من نص أو إجماع، وقال ابن المنذر: «ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلف عن ليلة التاسع شيئا»، انتهى، وقال النووي: «وهذا المبيت سنة، ليس بركن ولا واجب، فلو تركه فلا دم عليه بالإجماع»، انتهى بالنقل عن نيل الأوطار للشوكاني، وتقدم الكلام على الجمع بعرفة.

стр. 2420

• قوله: ٦٠ - «والوقوف بعرفة فريضة». وهذا أعظم أركان الحج باعتبار فوات الحج بفواته، وضيق وقته، ودنو الله من عباده، وفضل الدعاء فيه، وتحمل التبعات عن الواقفين به، ولهذا قال رسول الله ﷺ : «الحج عرفة»، والوقوف يبتدئ من بعد الزوال، وينتهي بطلوع الفجر، والمذهب أن الركن منه هو ما كان بعد غروب الشمس فيقف الحاج بعدها هنيهة ولا يخرج حتى تغرب، فإن خرج من عرفة قبل الغروب فلا حج له في المذهب، أما الوقوف بعرفة نهارا فواجب يجبر بالهدي، لكن قد قام الدليل على كفاية الوقوف بعرفة أي ساعة من ليل أو نهار يوم التاسع وليلة العاشر، وذلك في حديث عروة بن مضرس عند أحمد والترمذي وابن ماجة، وفيه قول النبي ﷺ : «من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعد ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه، وقضى تفثه»، وقد قال به ابن العربي ﵀، واستغرب عدم إيراد البخاري له في صحيحه.
следующие страницы →