← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

• قوله: ٥٦ - «والسعي بين الصفا والمروة فريضة». قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقد روى أحمد والشيخان عن عروة قال قلت لعائشة: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨]، قلت: فو الله ما على أحد جناح أن لا يطوف بهما»، قالت: بئسما قلت يا ابن أختي، لو كانت على ما أولتها عليه كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ ، فأنزل الله إن الصفا والمروة من شعائر الله،،، قالت عائشة: ثم قد سن رسول الله ﷺ الطواف بهما فليس لأحد أن يدع الطواف»، وروى الطبراني عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا».

стр. 2417

• قوله: ٥٧ - «والطواف المتصل به واجب وطواف الإفاضة آكد منه». المراد طواف القدوم الذي يأتي به المحرم بحج مفردا ثم يسعى بعده، ولعله أشار بذلك إلى لزوم الاتصال بين هذا الطواف والسعي، وقد عدوه واجبا يجبر بالهدي، وتقدم الكلام عليه في الحج، فطواف القدوم واجب لأجل السعي إذ لا يكون إلا عقب طواف، هذا فهم الشيخ زروق لكلام المؤلف. قلت: لو كان هذا هو الموجب لقيل فليؤخر السعي إلى ما بعد طواف الإفاضة، ومما قد يستدل به على عدم الوجوب أن المحرم من مكة لا طواف عليه، وأن المعتمر إنما يأتي بطواف واحد يكفيه لعمرته وللقدوم، وأن المراهق وهو الذي يخاف فوات الحج بخروج وقت الوقوف بعرفة، وكذا الحائض فهذان لا طواف عليهما ولا هدي، هذا قول أهل المذهب، ولازمه ما ذكرت لك، وهو مخالف للمعتاد فيمن فاته شيء من واجبات الحج، ومع هذا فالذي ينبغي أن يقال إن النبي ﷺ قد أحرم مفردا أو قارنا، ومع ذلك طاف وسعى عقبه، ثم طاف طواف الإفاضة، وليس الواجب على المفرد أو القارن إلا طوافا واحدا لنسكه، فمن اقتدى به فقد أصاب الحق ولا بد، مع أنه أحال على أفعاله في الحج بقوله لتأخذوا عني مناسككم، وأضاف بعضهم إلى هذا أنه ﷺ قد أمر به في الجملة، فعن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله ﷺ قال المشركون إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها شرا، فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فأمر أصحابه أن يرملوا وأن يمشوا ما بين الركنين»، قاله الغماري في مسالك الدلالة، وفي استدلاله بهذا على وجوب طواف القدوم ما لا يخفى، لأن الخلاف إنما هو قي طواف لم يكف عنه طواف العمرة، والحديث الذي ساقه فيه الطواف لأجل العمرة، فالعمدة فعل النبي ﷺ ، مع كون أفعاله في الحج على الإيجاب حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك، والله أعلم.

стр. 2418

• قوله: ٥٨ - «والطواف للوداع سنة». احتجوا على عدم وجوبه بسقوطه عن الحائض مع عدم إيجاب شيء عليها كما هو المعتاد في ترك بعض أفعال النسكين، ولأنه عندهم لا يختص بنسك، أما دليل وجوبه عند من قال به فطوافه ﷺ ونهى الناس عن الخروج من مكة إلا بعد أن يكون آخر عهدهم بالبيت، يعني الطواف، وهو مستحب في المذهب في حق من خرج من مكة إلى موضع بعيد كالمواقيت لا فرق بين الحاج والمعتمر وغيرهما، والمكي وغيره، فإن خرج لموضع قريب كالتنعيم فلا يطالب به إلا أن يخرج ليقيم، ولا يطالب به المتردد على مكة ولو خرج إلى مكان بعيد، فطواف الوداع في المذهب غير مرتبط بالنسك من حج أو عمرة، وله من حيث النظر وجه قوي، لأنه لو كان مرتبطا بالنسكين أو بأحدهما لكان له أجل، ومن المتفق عليه عند من ربطه بالنسك أنه يأتي به ولو طالت إقامته بمكة إذا أراد الخروج، أو قل إنهم لم يذكروا أجلا يسقط فيه الطواف.

стр. 2419

• قوله: ٥٩ - «والمبيت بمنى ليلة يوم عرفة سنة والجمع بعرفة واجب». أي ليلة التاسع من ذي الحجة، وقد علل عدم الوجوب بأن المبيت ليس مرادا لذاته، بل هو محطة في الطريق إلى عرفة، وهذا ليس دليلا، بل فيه جعل المختلف فيه متفقا عليه، وذهب ابن العربي إلى أنه واجب يجبر بالدم، وهذا هو الأصل في أفعاله ﷺ ما لم يأت الدليل الصارف من نص أو إجماع، وقال ابن المنذر: «ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلف عن ليلة التاسع شيئا»، انتهى، وقال النووي: «وهذا المبيت سنة، ليس بركن ولا واجب، فلو تركه فلا دم عليه بالإجماع»، انتهى بالنقل عن نيل الأوطار للشوكاني، وتقدم الكلام على الجمع بعرفة.

стр. 2420

• قوله: ٦٠ - «والوقوف بعرفة فريضة». وهذا أعظم أركان الحج باعتبار فوات الحج بفواته، وضيق وقته، ودنو الله من عباده، وفضل الدعاء فيه، وتحمل التبعات عن الواقفين به، ولهذا قال رسول الله ﷺ : «الحج عرفة»، والوقوف يبتدئ من بعد الزوال، وينتهي بطلوع الفجر، والمذهب أن الركن منه هو ما كان بعد غروب الشمس فيقف الحاج بعدها هنيهة ولا يخرج حتى تغرب، فإن خرج من عرفة قبل الغروب فلا حج له في المذهب، أما الوقوف بعرفة نهارا فواجب يجبر بالهدي، لكن قد قام الدليل على كفاية الوقوف بعرفة أي ساعة من ليل أو نهار يوم التاسع وليلة العاشر، وذلك في حديث عروة بن مضرس عند أحمد والترمذي وابن ماجة، وفيه قول النبي ﷺ : «من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعد ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه، وقضى تفثه»، وقد قال به ابن العربي ﵀، واستغرب عدم إيراد البخاري له في صحيحه.

стр. 2421

• قوله: ٦١ - ومبيت المزدلفة سنة واجبة». الواجب في المزدلفة النزول بقدر حط الرحال، فيجب الهدي بتركه، وقال بعضهم إنما لم يجب قياسا على المبيت بمنى، وهذا لا يمضي حتى ولو سلم أن المبيت بمنى غير مراد لنفسه، لأن المشعر الحرام من المزدلفة وقد أمرنا الله في كتابه أن نذكره عنده، والصواب إن شاء الله أن المبيت بها واجب، لفعل النبي ﷺ ، ولأنه إنما رخص للضعفة بالسبق إلى منى بعد منتصف الليل، وقد قال بالوجوب من المالكية القاضي عبد الوهاب حيث رأى وجوب الهدي على من تركه.

стр. 2422

• قوله: ٦٢ - «ووقوف المشعر الحرام مأمور به». يريد أنه مستحب، وهو يشير إلى الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨]، أي: إذا دفعتم من عرفات، فاذكروا الله عند المشعر الحرام، وهو جبل المزدلفة المسمى قزح، وقيل هو المزدلفة، وذكر الله يكون بالتلبية والتكبير والصلاة فيه وكل ذلك فعله النبي ﷺ ، وعنه نأخذ كيفية الحج كما أمرنا، وقال بعض أهل العلم إنما أمر الله بذكره لأنهم ربما تهاونوا فيه ولم يذكر المبيت لأنه كان معروفا عندهم.

стр. 2423

• قوله: ٦٣ - «ورمي الجمار سنة واجبة». المشهور أن رمي الجمار واجب يجبر بالهدي، ولو كان المتروك حصاة واحدة، وكذلك المبيت ثلاث ليال بمنى إلا أصحاب الأعذار المرخص لهم، وقد دل على ذلك فعل النبي ﷺ كما رواه أحمد وأبو داود عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «أفاض رسول الله ﷺ من آخر يوم حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى وعند الثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة لا يقف عندها»، وروى الشيخان عن ابن عباس ﵄ أن العباس استأذن النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له»، وعن عاصم بن عدي أنه ﷺ رخص لرعاة الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر، ثم يرمون يومين ثم يرمون يوم النفر»، رواه أحمد وأصحاب السنن، والأصل أن الترخيص لا يكون إلا من واجب، ويوم النفر هو اليوم الرابع إن لم يتعجلوا، وفيه دليل على أن أهل الأعذار يشملهم الترخيص ولا يختص بالعباس ولا بسقايته.

стр. 2424

• قوله: ٦٤ - «وكذلك الحِلَاق». يريد أنه سنّة مؤكدة، والمشهور أن الحلق أو التقصير للرجال، والتقصير للنساء واجب، والتقصير أن يأخذ من جميع شعر رأسه، ويترك قدر الأنملة، هذا هو المطلوب، لكن الواجب أن يأخذ قدر الأنملة، وتأخذ المرأة قدر الأنملة، فإن ترك الحلق وبدله أو أخره وطال لزمه هدي، فإن لم يجد صام عشرة أيام قياسا على من لم يجد هدي التمتع كما في كتاب الله، وهذا بناء على أن الحلق نسك كما هو قول الجمهور، وقد دعا النبي ﷺ بالرحمة ثلاث مرات للمحلقين قبل أن يدعو للمقصرين في كل من التحلل من عمرة الحديبية وحجة الوداع عقب أمره أصحابه بالتحلل من العمرة، ولأنه لو كان كل من الحلق والتقصير مباحا فلا وجه للمفاضلة بينهما، والحلق أفضل لكل من المفرد والقارن، قال في الفتح: «ووجهه أنه أبلغ في العبادة وأبين للخضوع والذلة، وأدل على صدق النية، والذي يقصر يبقي على نفسه شيئا مما يتزين به، بخلاف الحالق فإنه يشعر بأنه ترك ذلك لله تعالى»، انتهى أما المتمتع فقد جاء تخييره بينهما في حديث ابن عباس ﵄ قال: «لما قدم النبي ﷺ مكة أمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبالصفا والمروة ثم يحلوا ويحلقوا أو يقصروا»، رواه البخاري، وقد قيل إن هذا التخيير إن كان التحلل من العمرة بحيث يطلع شعره، فالأمر على الأصل من أفضلية الحلق عقب كل نسك، وإلا فليقصر ويترك الحلق ليقع عقب الحج فيكون الأفضل للأفضل.

стр. 2425

• قوله: ٦٥ - «وتقبيل الركن سنة واجبة». يريد أن تقبيل الحجر الأسود سنة، وهم يقيدون السنية ببداية الطواف، وهو في باقيها مستحب، فإن عجز عن تقبيله بفمه وضع يده عليه وقبلها، وإلا أشار إليه من بعيد وكبر، وليعلم أن تقبيل الحجر إنما يكون في الطواف لا استقلالا، وإن نسب لعبد الله بن الزبير ﵁، والله أعلم.

стр. 2426

• قوله: ٦٦ - «والغسل للإحرام سنة». هو كذلك لأنه ثبت من فعله ﷺ كما رواه الدارمي والترمذي وحسنه وصححه الألباني من حديث زيد بن ثابت، لكن هل هذا الفعل داخل في الحج والعمرة فيقال الأصل وجوبه؟، الظاهر أنه أمر خارج عنهما، فيكون المرجع الفعل من غير قيد كونه في حج، وأصل الفعل الاستحباب فيما ليس بسجية، وقد أمرالنبي ﷺ النفساء وهي أسماء بنت عميس حين ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء أن تغتسل كما هو في الموطإ مرسلا، وفي صحيح مسلم عن عائشة.

стр. 2427

• قوله: ٦٧ - «والركوع عند الإحرام سنة». المقصود أن الإحرام بعد الصلاة سنة، وليس في صلاة ركعتين خاصتين بالإحرام نص صحيح مرفوع خال من الاحتمال، نعم ثبت أن النبي ﷺ أحرم عقب الصلاة، وحملها على الفريضة هو الراجح كما تقدم في كتاب الحج، وقيل إن الصلاة خاصة بمن أحرم بوادي العقيق وهو ذو الحليفة، إذ أُمر النبي ﷺ بالصلاة فيه، وقد بَيَّنَ الحافظ ابن كثير في السيرة أنها صلاة مفروضة، والله أعلم.

стр. 2428

• قوله: ٦٨ - «وغسل عرفة سنة والغسل لدخول مكة مستحب». أما الغسل لدخول مكة فهو الثابت من فعل النبي ﷺ ، فهو الأجدر أن يكون سنة، ففي الصحيحين عن ابن عمر أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ويذكر ذلك عن النبي ﷺ ، وهو في الموطإ من فعله فحسب، أما غسل عرفة فهو من فعل ابن عمر كما في الموطإ كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخول مكة، ولوقوفه عشية عرفة».

стр. 2429

• قوله: ٦٩ - «والصلاة في الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» دلّ على هذه الأفضلية حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»، رواه مالك وأحمد والشيخان والترمذي والنسائي، والفذ بالذال المعجمة هو المنفرد، وصح أن المضاعفة خمس وعشرون عند مسلم من حديث أبي هريرة، وعند أحمد والبخاري من حديث أبي سعيد، وعند البيهقي من حديث أُبَيّ، وكلها في صحيح الجامع الصغير للألباني ﵀، فتكون من قبيل ما زاده الله إياه من الفضل له ولأمته، فلا مفهوم للعدد، وهذه الأفضلية لا تختص بالمسجد وإن كانت له أفضلية من جهة أخرى، وما ذكره الحافظ في الفتح مما رآه مرجّحا لقصر الفضل على الجماعة في المسجد لا يسلم من النقص، وإثبات المفضولية لصلاة المنفرد يدل على صحتها عند الجمهور، ولا يصح حملها على حالة العذر، والمسألة طويلة الذيل، ومع هذا يقال إنه لا ينبغي للمؤمن أن يتهاون في أداء الصلاة في جماعة في المسجد إن تمكن أو خارجه إن تعذر. ويذكر هنا ما رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «الصلاة في جماعة تعدل خمسا وعشرين صلاة، فإذا صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة»، والفلاة جمع فَلى كحصى هي الأرض المتسعة التي لا ماء فيها، والضمير في قوله: «فإذا صلاها»؛ يحتمل أن يكون المراد منه أنه صلاها في جماعة ويحتمل أنه صلاها منفردا وهو الأولى لأن مرجع الضمير إلى مطلق الصلاة كما قال الشوكاني في نيل الأوطار، وعليه فإن المصلي في الفلاة بالقيد الذي في الحديث يحصل على ألف ومائتين وخمسين درجة، أو على ألف وثلاثمائة وخمسين درجة بحسب أصل مضاعفة الصلاة في جماعة، وقد روى مالك عن يحيى ابن سعيد أنه كان يقول: «من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك وعن شماله ملك، فإذا أذن وأقام الصلاة صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال»، وهذا مرسل صحيح مع أن له حكم الرفع، والله أعلم.

стр. 2430

• قوله: ٧٠ - «والصلاة في المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ فذا أفضل من الصلاة في سائر المساجد، واختلف في مقدار التضعيف بذلك بين المسجد الحرام ومسجد الرسول ﵊». أقول: لا ينبغي أن يكون هذا حاملا لمن استطاع أن يحصل على الفضل المرتب على الصلاة في الجماعة أن يتركه ليصلي في المساجد الثلاثة منفردا، فإنه لو سلم ما سبق لبقي للجماعة حكمة أخرى غير حكمة مضاعفة الأجر، وحمل بعض أهل العلم الصلاة المضاعفة الأجر في المساجد الثلاثة على الصلاة المفروضة لأن النافلة شأها أن تؤدى في البيوت كما جاء في الحديث الصحيح، وهو الصواب إن شاء الله، وكيف يعدل النبي ﷺ عن ذلك ويرشد إليه أمته لو كان الأجر مضاعفا على النافلة في المساجد الثلاثة كما يضاعف على الفريضة؟، وقد دل على المضاعفة قول رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام»، وهو حديث متواتر عن عدد كثير من الصحابة منهم أبو هريرة وابن عمر وجابر وغيرهم ﵃، قال ابن يطال ﵀ كما في الفتح: «يجوز في هذا الاستثناء أن يكون المراد: فإنه مساو لمسجد المدينة أو فاضلا أو مفضولا، والأول أرجح لأنه لو كان فاضلا أو مفضولا لم يعلم مقدار ذلك إلا بدليل، بخلاف المساواة»، انتهى، قال الحافظ بعد ذكره: «وكأنه لم يقف على دليل الثاني (يريد كون المسجد النبوي مفضولا)، وقد أخرجه الإمام أحمد وصححه ابن حبان من طريق عطاء عن عبد الله بن الزبير قال، قال رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة فيما سواه»، انتهى المراد منه، فقوله فيما سواه يشمل مسجد رسول الله ﷺ وغيره، وقد ذكر هذا الحديث الشيخ زروق، والرجل معروف بعنايته بالحديث، ثم قال: «وصححه ابن حبان إلا

стр. 2431

أن تصحيحه معلوم بالتساهل فلا يكون حجة، والله أعلم»، انتهى، وقد حقق الشيخ ابن يوسف العمري رسالة للشيخ زروق في مصطلح الحديث فجزاه الله خيرا، ويفضل المسجد الأقصى رده الله على المسلمين غيره فهو يلي في الفضل مسجد رسول الله ﷺ ، روى البزار وحسنه والطبراني من حديث أبي الدرداء مرفوعا: «الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة». وقد أخذ بعض أهل العلم من الإشارة في قوله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا»؛ أن المضاعفة المذكورة تخص مساحة المسجد التي كانت على عهده ﷺ ، ولا تشمل ما زيد فيه بعد ذلك في مختلف العصور، قال النووي ﵀: «ينبغي أن يحرص المصلي على الصلاة في الموضع الذي كان في زمانه ﷺ ، دون ما زيد فيه من بعده، لأن التضعيف إنما ورد في مسجده، وقد أكده بقوله هذا، بخلاف مسجد مكة، فإنه يشمل جميع مكة، قال الحافظ في الفتح بعد ذكره: «بل صحح النووي أنه يشمل جميع الحرم»، انتهى. قلت: دليل ما ذكر بخصوص الحرم عند من قال به أن النبي ﷺ كان في بيت أم هانئ ليلة أسري به ففقدته من الليل فقال إن جبريل أتاني، وهو عند الطبراني عنها، فلما قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١]، اعتبروا بيتها من جملة المسجد الحرام، وفي صحيح البخاري من حديث مالك بن صعصعة أن نبي الله ﷺ حدثه عن ليلة أسري به قال: «بينا أنا في الحطيم، وربما قال في الحجر مضطجعا،،» الحديث بطوله، وجاء أنه أسري به من شعب أبي طالب، وقد جمع الحافظ بين هذه الروايات ذات المخرج الواحد بما يجعل مبدأ الإسراء من المسجد، وفوق ذلك فقد ينازع الموسعون فيما ذهبوا إليه بأن كلمة المسجد إنما تعني موضع السجود، وليست مكة كلها موضع السجود بهذا المعنى، وإلا فإن الأرض كذلك في هذه الشريعة تفضيلا لهذه الأمة المرحومة، ولأن المسجد الحرام قبل البعثة وبعدها إلى عهد عمر ابن الخطاب لم يكن محاطا بجدار ولا محدد المساحة، فالمراد به ما حول الكعبة ولا أدري موقع بيت أم هانئ الآن.

стр. 2432

واعلم أن لفظ المسجد الحرم الذي في كتاب الله على أقسام ثلاثة، منه ما هو شامل لمكة في حدود الحرم، ومنه ما هو خاص بالمسجد نفسه، ومنه ما هو محتمل، وما نحن فيه من الثاني، وقد بينت هذا في غير هذا الموضع، والله أعلم. أما عن مسجد رسول الله ﷺ فإن الدلالة ليست بالواضحة على أن المزيد لا يعطى حكم المزيد عليه في الفضل، فإن المسجد منسوب إلى النبي ﷺ ، وتوسعته من هديه، وهو مما شرعه الله لعباده، فكيف لا يعطى في الفضل حكم ما كان في وقته؟، أما الإشارة في قوله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا»؛ فيحتمل أن يكون المراد منها إخراج مسجد قباء مثلا، فإنه بناه قبل دخوله المدينة، حتى حمل بعض أهل العلم آية سورة التوبة عليه، أعني قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ (١٠٨)﴾ [التوبة: ١٠٨]، وهذا هو الظاهر بمعية السياق كما قال ابن كثير، وقد بناه النبي ﷺ قبل استقراره بالمدينة، وكان النبي ﷺ يزوره كل أسبوع راكبا وماشيا، فيصلي فيه، وأخبر أن من أتاه وصلى فيه كان كعمرة، وجاء أن جبريل هو الذي عين له قبلته، وقال بعض أهل العلم بإلحاقه بشد الرحال بالمساجد الثلاثة، فلو قال ﵊ «صلاة في مسجدي»، واكتفى بذلك لاحتمل أن يدخل مسجد قباء لهذه الخصوصية التي كانت له، فإن المفرد المضاف يعم، والعموم أقله اثنان فيشملهما، فلا تضيقوا ماوسع الله من معنى مسجد النبي ﷺ ، ولا توسعوا ما ضيق الله من معنى المسجد الحرام.

стр. 2433

• قوله: ٧١ - «ولم يختلف أن الصلاة في مسجد الرسول ﷺ أفضل من ألف صلاة فيما سواه سوى المسجد الحرام من المساجد وأهل المدينة يقولون إن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون الألف». وهذا حق لأن المسجدين اشتركا في هذا العدد من التضعيف، والخلاف الذي ذهب إليه المالكية إنما هو فيما زاد على الألف أيهما يفضل فيه الآخر، وقد علمت النص عليه فيما رواه البزار والطبراني عن أبي الدرداء. وقد أثبت ابن عبد البر في الاستذكار قول عبد الله بن نافع الزبيري صاحب مالك في معنى الحديث المتقدم وهو أن الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام فإن الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ أفضل من الصلاة فيه بدون ألف صلاة»، ثم قال معقبا: «وهذا التأويل على بعده ومخالفة أكثر أهل العلم له لا حظ له في اللسان العربي، لأنه لا يقوم في اللسان إلا بقرينة أو بيان»، انتهى، ثم صرح ابن عبد البر بقوله: «قد علمنا انه لم يحمل ابن نافع على ما تأوله من الحديث إلا ما كان يذهب إليه هو وشيخه مالك من تفضيل المدينة على مكة وتفضيل مسجد النبي ﷺ على المسجد الحرام»، انتهى بتصرف، قال علي العدوي في حاشيته: «ولا يخفى أنه من أئمتنا فهو قائل بقول الشافعي»، انتهى. وهذا الذي قاله ابن عبد البر واعتبره سببا لتأويل الحديث عند كثير من أهل المذهب العمدة فيه هي قول النبي ﷺ : «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي»، رواه مالك وأحمد والشيخان والترمذي عن أبي هريرة، وفي بعض نسخ الموطإ ما بين قبري ومنبري، كما في طبعة دار النفائس (١٤٠٤)، وكذا في طبعة دار المعرفة (١٤٠١) مع شرح الزرقاني، فيظهر أن ذلك متعمد، والله أعلم، وذكر عن ابن حبيب تفضيل

стр. 2434

مكة، واختاره ابن عبد السلام، وتوقف فيه الباجي، وقال ابن عبد البر: «وقد استدل أصحابنا على أن المدينة أفضل من مكة بهذا الحديث، وركبوا عليه قوله ﷺ : «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها»، وهذا لا دليل فيه على شيء مما ذهبوا إليه، لأن قوله هذا أراد به ذم الدنيا والزهد فيها، والترغيب في الآخرة، وإني لأعجب ممن يترك قول رسول الله ﷺ وقد وقف على الحزورة وقيل على الحجون، وقال «والله إني أعلم أنك خير أرض الله، وأحبها إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت»،،،، فكيف يترك مثل هذا النص الثابت ويمال إلى تأويل لا يجامع متأوله عليه»، انتهى بتصرف. ومما له صلة بهذا تفضيل موضع قبره ﷺ على غيره من المواضع، وشراح المصنفات كثيرا ما يذكرون أن التربة التي دفن فيها النبي ﷺ أفضل البقاع مطلقا، قال زروق بعد أن بين الاختلاف في تفضيل المدينة على مكة: «بعد إجماعهم على أن موضع قبره أفضل بقاع الأرض»، انتهى، وقال أبو الحسن: «واستثنوا من الخلاف قبر سيدنا محمد ﷺ فإنه أفضل البقاع حتى على الكعبة بإجماع»، انتهى، ولعل من قال ذلك منهم اعتمد على ما ذهب إليه القاضي عياض ﵀ معتبرا إياه إجماعا، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «هو قول لم يسبقه إليه أحد فيما علمناه، ولا حجة عليه، بل بدن النبي ﷺ أفضل من المساجد، وأما ما منه خلق، أو ما فيه دفن فلا يلزم إذا كان هو أفضل أن يكون ما منه خلق أفضل،،،»، انتهى المراد منه.

стр. 2435

• قوله: ٧٢ - «وهذا كله في الفرائض وأما النوافل ففي البيوت أفضل» دلّ على أفضلية التنفل في البيوت غالب فعل النبي ﷺ ، لا سيما والصلاة في مسجده بألف صلاة، فكيف يترك هذا الفضل العظيم، ومما جاء في ذلك قوله ﷺ : «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود عن ابن عمر، وقوله: «يا أيها الناس ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أن ستكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، وهو في الصحيحين وغيرهما عن زيد بن ثابت، واللفظ لأبي داود، وجاء في تعليل الصلاة في البيوت قوله: «فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا». ولا يستثنى من ذلك إلا ما قام الدليل عليه بخصوصه كصلاة الاستسقاء والكسوف والعيدين، ولا يظهر أن صلاة التراويح مثل المذكورات لكوتها سبب ورود الحديث السابق، والسبب داخل دخولا أوليا في العموم بخلاف المذكورة فإنها ثابتة من فعله، أما قول النبي ﷺ : «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة»، رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح، فلا يدل على خلاف ما سبق، إذ الغرض منه بمعية سياقه الاكتفاء بما صلاه الإمام، وبيان كونه يحصل به هذا الأجر، لأنه جاء جوابا على طلبهم زيادة الصلاة، ثم إنه جاء في صلاة التراويح أيضا كالسابق، وهو بعد كقوله في حديث أبي سعيد الخدري لأحد الرجلين اللذين لم يجدا الماء فتيمما وصليا ثم وجداه فقال له: «لك الأجر مرتين»، وقال للذي لم يعد: «أصبت السنة»، فهل الذي أصاب السنة يقل أجره عمن اجتهد فأخطأها؟، وقوله: «من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر»، في مقابل قول الله تعالى في الحديث القدسي الصحيح: «وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضت عليه»، ولا شك أن من اشتغل بقضاء المفروض خير ممن تنفل، وقوله ﷺ : «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة»، في مقابل قوله: «والذي يقرأه ويتعتع به له أجران»، وهذا نظير ما تقدم، ومثله قول النبي: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين … » الحديث، ولكننا مغرمون بالأعداد والحساب، والله يعطي من يشاء بغير حساب، فالصحيح ما عليه مالك من أن فعل صلاة التراويح في البيوت أفضل بالقيود التي ذكرها أهل مذهبه.

стр. 2436

• قوله: ٧٣ - «والتنفل بالركوع لأهل مكة أحب إلينا من الطواف والطواف للغرباء أحب إلينا من الركوع لقلة وجود ذلك لهم». هذا مبناه على أن أهل مكة بحضرة الكعبة، فيطوفون بها متى شاءوا، فتكون الصلاة خيرا لهم من الطواف مراعاة للأصل، بخلاف غيرهم من أهل الآفاق فإنهم لا يطوفون إلا إذا جاؤوها، فيكون الطواف خيرا في حقهم، وفي هذا التعليل نظر. وقال القرطبي: «قال مالك الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل، وذكر عن ابن عباس وعطاء ومجاهد، والجمهور على أن الصلاة أفضل، ثم قال: «والأخبار في فضل الصلاة والسجود كثيرة تشهد لقول الجمهور»، انتهى، وقال الفاكهاني: «تعليله بقلة وجود ذلك للغرباء فيه نظر، لأن التنفل بالصلاة أفضل من التنفل بالطواف، ولذلك كانت الصلاة لأهل مكة أفضل من الطواف، وإذا كان ذلك فلا ينبغي أن يفرق بين الغرباء وأهل مكة، إذ المحافظة على الأفضل أولى من المحافظة على المفضول، ولاسيما على القول بمساواة النافلة للفريضة في الفضل»، انتهى. قلت: ويمكن أن يقال اليوم إن الاكتفاء بالصلاة لترك المطاف للحجاج والمعتمرين في أوقات الزحام هو من التعاون على البر والتقوى، فيؤجر المرء على هذا القصد، أما الأصل فإن التنفل بالصلاة خير لأن الطهارة شرط فيها بالإجماع، والطواف مختلف في اشتراط ذلك فيه، ومنها حرمة الكلام فيها وبطلانها به، وجوازه في الطواف إذا كان خيرا. واحتج بعضهم لتفضيل الطواف بما رواه لأزرقي في تاريخ مكة والبيهقي عن ابن عباس ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ : «يُنْزِلُ الله كل يوم على حجاج بيته الحرام عشرين ومائة رحمة: ستين للطائفين، وأربعين للمصلين، وعشرين للناظرين»، وتقديم الصلاة على الطواف مطلقا منقول عن عطاء وسعيد بن جبير والحسن كما في مصنف عبد الرزاق.

стр. 2437

• قوله: ٧٤ - «ومن الفرائض غض البصر عن المحارم». انتقل هنا للكلام على الودائع وهي الجوارح: البصر والسمع واللسان واليدان والرجلان بعد كلامه على الشرائع، فهذه ينبغي أن تسخر فيما يرضي الله تعالى شكرا له على ما فيها من نعم، كما قال: لو كل جارحة مني لها لغة … تثني عليك بما أوليت من حسن لكان ما زاد شكري إذ شكرت به … إليك أبلغ في الإحسان والمنن وأعظم ما يعين على كفها عن محارم الله تعالى أداء الفرائض والاستزادة من النوافل، مما يورث محبة الله، فيؤثر المرء ما عنده على متاع الدنيا المباح، فكيف بالحرام؟، كما جاء في الحديث القدسي الذي رواه البخاري عن أبي هريرة مرفوعا: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه … ». والمقصود بالمحارم ما لا يجوز للمرء الاستمتاع به من النساء وهن ما عدا الزوجة والمملوكة، وما يجوز له النظر إليه من أجسام محارمه بنسب أو مصاهرة أو رضاع، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾ [النور: ٣٠]، وكما أمر الله المؤمنين بغض أبصارهم أمر المؤمنات مع دخولهن في الأمر السابق في الأصل، وأعقب ذلك بالأمر بحفظ الفروج لأن من أعظم أسباب ذلك غض البصر، والغض معناه النقصان من الطرف، وهو غير متأت بوجه كامل، لذلك جيء معه بمن التي تفيد التبعيض، ولم يذكر المغضوض عنه ليتعدى غض البصر النساء إلى غيرهن مما يتعين فيه أو يندب، ولم يبين ما تحفظ منه الفروج للعلم به، وليشمل عدم كشفها إلا لمن يجوز كشفها له، ومن ذلك حال الخلوة من غير حاجة، فإن الله أحق أن يستحيى منه.

стр. 2438

قال في التحرير والتنوير: «غض البصر مراتب، منه واجب ومنه دون ذلك، فيشمل غض البصر عما اعتاد الناس كراهية التحقق فيه كالنظر إلى خبايا المنزل بخلاف ما ليس كذلك … »، انتهى، وقال: «وفي هذا الأمر بالغض أدب شرعي عظيم في مباعدة النفس عن التطلع إلى ما عسى أن يوقعها في الحرام، أو ما عسى أن يكلفها صبرا شديدا عليها، انتهى. وقال القرطبي: «البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة من أجله … انتهى، ولذلك قيل: فإنك مهما ترسل الطرف رائدا … لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر … عليه ولا عن بعضه أنت صابر وقال الآخر: ألم تر أن العين للقلب رائد … فما تألف العينان فالقلبُ آلفُ وروى أحمد والشيخان وأبو داود عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ : «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه»، وجاء أن «زنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، وزنا الفم القُبَلُ، وزنا الأذنين الاستماع»، ولينظر كتاب تحريم آلات الطرب للألباني ﵀، والحظ النصيب، وقال النبي ﷺ : «من يتوكل لي ما بين لحييه وما بين رجليه أتوكل له الجنة»، رواه أحمد والترمذي عن سهل بن سعد، وهو في الموطإ عن عطاء بن يسار مرسلا في قصة. وروى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن جرير بن عبد الله البجلي قال سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة فقال: «اصرف بصرك»، ومعنى نظر الفجأة النظر الذي يحصل من غير قصد، لا النظرة الأولى مطلقا، وهذا الذي سأل عنه جرير هو الذي قيده المؤلف بقوله:

стр. 2439

• قوله: ٧٥ - «وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج». جاء في هذا أيضا حديث بريدة مرفوعا: «لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة»، رواه أبو داود، ومعنى لك الأولى أنك لا تؤاخذ عليها، بخلاف ما بعدها مما قصدته، وروى أحمد والطبراني عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة أول مرة، ثم يغض بصره إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها»، وفيه علي بن يزيد الألهاني ضعفه الحافظ في التقريب، وفيه أن ترك الحرام بقصد الطاعة عبادة، ولهذا يؤجر تارك المكروه والحرام امتثالا، لا اضطرارا أو عجزا، ولا ريب أن قامع شهوته عن الحرام يحدث له من السكينة والراحة النفسية ما يعوضه أضعافا مضاعفة تلك النزوة العابرة، والوطر المنقطع، ويشهد لحلاوة العبادة التي يجدها من غض بصره قول النبي ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما … الحديث. وقال ابن تيمية ﵀ في الجزء الخامس عشر من مجموع الفتاوى: «ولهذا يقال: إن غض البصر عن الصورة التي ينهى عن النظر إليها كالمرأة والأمرد الحسن يورث ثلاث فوائد جليلة القدر: أحدها حلاوة الإيمان التي هي أحلى وأطيب مما تركه لله، فإن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه … ». «والفائدة الثانية في غض البصر هي نور القلب والفراسة، قال تعالى عن قوم لوط: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ [الحِجر: ٧٢]، فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل، وعمى البصيرة وسكر القلب، بل جنونه كما قيل: سكران: سكر الهوى وسكر مدامة … فمتى يفيق من به سكران؟ وذكر الله سبحانه آية النور عقيب آيات غض البصر … ».

стр. 2440

وقال: الفائدة الثالثة قوة القلب وثباته وشجاعته، فيجعل الله له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة، فإن في الأثر: «الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله»، ولهذا يوجد في المتبع هواه من ذل النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه، فإن الله جعل العزة لمن أطاعه والذلة لمن عصاه … »، انتهى بحذف واختصار. وقد جاء في السنّة ارشاد من وقع في قلبه شهوة النساء أن يأتي زوجته وقد رواه أحمد عن أبي كبشة الأنماري، ومن لم تكن له زوجة فليستعفف ولْيَصُم كما جاء في الحديث أيضا.

стр. 2441

• قوله: ٧٦ - «ولا في النظر إلى المتجالة». قال الله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾ [النور: ٦٠]، ﴿وَالْقَوَاعِدُ﴾ جمع القاعدة، وهي المرأة التي قعدت عن التصرف من السن، وتجاوزت وقت الولادة والمحيض، ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ﴾ غير مظهرات ولا متعرضات بالزينة لينظر إليهن، قال ابن عباس في معنى وضعهن ثيابهن، هو الجلباب، وقيل إن الكبيرة التي أيست من النكاح إذا بدا شعرها فلا شيء فيه، وهذا بعيد. قال القرطبي: «والصحيح أنها كالشابة في التستر إلا أن الكبيرة تضع الجلباب الذي يكون فوق الدرع والخمار قاله ابن مسعود وابن جبير وغيرهما، ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾، أي أن عدم وضعهن ثيابهن وتحفظهن خير لهن. والمتجالة في كلامه من قولهم تجالت المرأة إذا أسنت وكبرت، هكذا في اللسان، والمراد المرأة التي لا أرب للرجال فيها، ومن ثم فلا يُتلذذ بالنظر إليها، فلا يجب غض البصر عنها، وهذا كما ترى ليس بمطرد، فقد يحصل هذا لبعض الناس ولا يحصل لآخرين، ولهذا يقال إنه إذا حصل ذلك نزلت منزلة الشابة في التحريم، ويستدل لذلك في الجملة بزيارة النبي ﷺ ومعه أصحابه لبعض النساء، وهكذا فعل الخلفاء الراشدين من بعده، وهذا وإن لم يكن نصا في جواز النظر إلا أن النظر يحصل غالبا في الزيارة مع ما يكون من التحدث إلى النساء والتسليم عليهن، وتقديمهن الطعام للزائرين، وغير ذلك. أما زيارة النبي ﷺ وحده فلا يستقيم الاستدلال بها على الحكم لكونه مبرأ من خواطر السوء، كما في دخوله على أم حرام بنت ملحان وفليها رأسه، روى مسلم وغيره عن أنس قال: «انطلق رسول الله ﷺ إلى أم أيمن فانطلقت معه فناولته إناء فيه شراب، قال فلا أدري أصادفته صائما أو لم يرده، فجعلت تصخب عليه وتذمر عليه»، وله أيضا عن أنس

стр. 2442

قال، قال أبو بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: «انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها، كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: «ما يبكيك؟، ما عند الله خير لرسوله ﷺ »، قالت: «والله ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ، ولكن أبكي أن الوحي انقطع من السماء»، فهيجتنا على البكاء، فجعلا يبكيان معها»، تصخب تصيح وترفع صوتها لإمساكه عن الشرب، وقوله تَذَمر بفتح التاء والذال وشد الميم تبدي الغضب والتبرم، وجاءها هذا -رضي الله تعالى عنها- من كونها ربت النبي ﷺ وحضنته، فهي تُدل عليه بذلك، ولا عتب عليها، وصلى الله وسلم وبارك على صاحب الخلق العظيم.

стр. 2443

• قوله: ٧٧ - «ولا في النظر إلى الشابة لعذر من شهادة عليها وشبهه». إذا احتيج إلى النظر إلى المرأة لإثبات حق كالشهادة لها أو عليها في نكاح أو بيع، وكنظر الطبيب والجراح لها لمداواتها أو لغير ذلك مع افتقاد المرأة، ومنه النظر إلى بطاقة تعريفها جاز، فإن النظر إنما منع لسد الذريعة فيباح للحاجة، وينظر إلى الوجه في الشهادة مثلا، وإلى موضع العلة في التداوي، ولو كان في العورة، لكن يشق على الموضع، ولا يكشف أكثر مما يحتاج إليه، ومنه نظر القابلة إلى الفرج. قال الشيخ علي العدوي: «والمذهب جواز النظر إلى وجه الشابة وكفيها لغير عذر، بغير قصد التلذذ، حيث لم يخش منها الفتنة، وما ذكره الشيخ ليس هو المذهب»، انتهى، يريد ما ذكره من القيد الذي يجوز معه النظر وهو العذر، وما حكاه من المذهب ليس هو الظاهر من النصوص.

стр. 2444

• قوله: ٧٨ - «وقد أرخص في ذلك للخاطب». هذا أيضا داخل في الحاجة، فكان من جملة ما استثني بالنص، وهو حديث المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال له النبي ﷺ : «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما»، رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة، وقوله: «فإنه أحرى أن يؤدم بينكما»، أي أن النظر جدير أن يكون سببا في حصول المودة، فهو تعليل لمشروعية النظر، وقد امتثل المغيرة أمر النبي ﷺ ، فذهب إلى ليراها قال: فأتيتها وعندها أبواها وهي في خدرها، فقلت إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر إليها فسكتا، قال: فرفعت الجارية جانب الخدر فقالت: «أحرج عليك إن كان رسول الله ﷺ أمرك أن تنظر لما نظرت، وإن كان رسول الله ﷺ لم يأمرك أن تنظر فلا تنظر»، قال: فنظرت إليها، ثم تزوجتها فما وقعت امرأة عندي بمنزلتها، ولقد تزوجت سبعين، أو بضعا وسبعين امرأة»، وروى مسلم والنسائي من حديث أبي هريرة قال: «كنت عند النبي ﷺ فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال رسول الله ﷺ : «أنظرت إليها»؟، قال: «لا»، قال: «فاذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئا»، وفيه حجة على أنه يجوز التراجع عن النكاح إذا ظهر في المرأة عيب، لأن الرجل المذكور كان قد عقد النكاح، وما فائدة نظره إلى المرأة إذا لم يكن له هذا الحق متى اكتشف عيبا؟، والله أعلم. والمذهب أن الخاطب إنما يباح له بل يستحب له النظر إلى الوجه والكفين بخاصة، وأن يكون مراده معرفة صفتها، وأن يكون ذلك بعلمها، أو بعلم وليها، لا باستغفال، وأجاز ابن وهب ذلك - أعني الاستغفال- لحديث أبي حميد الذي سيذكر، قالوا: وله أن يوكل من تنظر إليها، ولو زائدا على الوجه والكفين، وذكر بعضهم جواز توكيل الرجل غيره في الرؤية فينظر إلى الوجه والكفين فحسب، ذكره الدردير في شرحه، وفيه نظر، فإن الدليل إنما جاء في مشروعية ذلك لمريد الزواج، قال خليل: «ندب لمحتاج ذي أهبة نكاح بكر

стр. 2445

ونظر وجهها وكفيها فقط بعلم،،،»، انتهى. وقد دل على جواز النظر إلى أكثر من الوجه والكفين قول رسول الله ﷺ : «إذا خطب أحدكم المرأة فقدر أن يرى منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل»، رواه أبو داود والحاكم والبيهقي عن جابر، كما دل قوله ﷺ : «إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة، وإن كانت لا تعلم»، رواه أحمد والطبراني عن أبي حميد الساعدي، أقول دل الحديث على جواز فعل ذلك من غير علم المخطوبة ولا وليها، إذا كان النظر لأجل الخطبة، والمؤمن موكول إلى دينه في كثير من الأمور، أما ما علل به الدردير منع الاستغفال وهو أنه وسيلة إلى أن يفعله الفساق، فينظرون إلى محارم الناس، ثم يزعمون أنهم إنما أرادوا التزوج، فهذا رأي في مقابل النص، ولأن الفساق لا يغضون أبصارهم عن المحارم فلم يقحمون هنا ويعترض بهذا الاحتمال على المشروع بالنص؟.

стр. 2446

• قوله: ٧٩ - «ومن الفرائض صون اللسان عن الكذب والزور والفحشاء والغيبة والنميمة والباطل كله قال الرسول ﵊: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»، وقال ﵇: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». صون اللسان معناه حفظه بحيث لا يقع في شيء مما ذكر ولا في غيره مما هو محرم أو مكروه، والكذب هو الإخبار عن الشيء على غير ما هو عليه، والصدق خلافه، وفي الحديث المرفوع: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صِدِّيقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا»، رواه أحمد ومسلم والترمذي عن ابن مسعود. ويجوز الكذب في مواضع ذُكِرَتْ في قول النبي ﷺ : «لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس»، رواه الترمذي عن أسماء بنت يزيد، وقال النبي ﷺ : «ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن أم كلثوم بنت عقبة، واختلف هل الكذب المستثنى على حقيقته وإنما رخص فيه لأنه لا مضرة فيه، بل فيه مصلحة، أو أنه التعريض ونحوه. والزور في الأصل هو الميل عن الحق في القول أو في الفعل، ولذلك قال النبي ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، والمراد هنا شهادة الزور، وهو أن يشهد على ما لا يعلم ولو وافق الحق، والفحشاء ما عظم فحشه من

стр. 2447

الأقوال والأفعال، والمراد هنا الأول، والغيبة بكسر الغين هي ذكرك أخاك بما يكره، بذلك فسرها رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة، وإنما تكون كذلك إذا كان المتكلم فيه غائبا، كما جاء ذلك في حديث المطلب بن عبد الله بن حنطب مرفوعا: «الغيبة أن تذكر الرجل بما فيه من خلفه»، رواه الخرائطي في مساوئ الأخلاق كما في صحيح الجامع، ورواه مالك عنه أن رجلا سأل النبي ﷺ ما الغيبة؟، فقال رسول الله ﷺ : «أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع»، قال: «يا رسول الله، وإن كان حقا»؟، قال رسول الله ﷺ : «إذا قلت باطلا فذلك البهتان»، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا (١٢)﴾ [الحُجُرات: ١٢]، أما أن يُجْبَهَ المسلم بالذم في حضرته فإنه السباب والشتم، وقد قال فيه رسول الله ﷺ : «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن ابن مسعود، وزاد الطبراني: «وحرمة ماله كحرمة دمه». والنميمة هي نقل الأخبار على وجه الإفساد بين الناس، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: ١٠ - ١١]، وقال النبي ﷺ : «لا يدخل الجنة قتات»، رواه الشيخان وغيرهما، والقتات هو النمام كما في بعض الروايات، والباطل أعم من ذلك كله كسب المسلم وشتمه والاستهزاء به، والسخرية منه، وقذفه، وقد روى مالك في الموطإ عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب دخل على أبي بكر الصديق وهو يجبذ لسانه فقال له عمر: مه، فقال أبو بكر: «إن هذا أوردني الموارد»، وقال مالك: بلغني أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت ترسل إلى بعض أهلها بعد العتمة فتقول: ألا تريحون الكُتَّابَ»؟، وروى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن معاوية بن حيدة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له ويل له». وبعد فليعلم المؤمن أن كل ما ينطق به مدون مكتوب فلينظر في أمره، وليحتط لنفسه، وليجتهد في أن لا ينطق إلا بخير، وهو ما وجب عليه، أو استحب له، أو أبيح، قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨]، وقال سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزُّخرُف: ٨٠]، وقال أيضا: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ

стр. 2448

لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١ - ١٢]، وقال سبحانه: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]، وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ: ٣٨]، وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩)﴾ [المجادلة: ٩]، والإثم هو اسم لكل فعل مبطئ عما فيه الثواب، وبهذا تظهر مقابلته للبر الذي هو التوسع في فعل الخير بالأمر به والنهي عن ضده في سورة المائدة، والعدوان هو الإخلال بالعدل، وبهذا يظهر وجه المقابلة بينه وبين التقوى التي تعني توقي المنهي عنه من غير فرق بين كونه ينال المسلم أو الكافر الذمي أو المستأمن كما يعلم ذلك من سياق قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. وقد استدل المؤلف على ما ذكره من الأحكام بحديثين أولهما هو قول النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت»، رواه أحمد والشيخان والنسائي عن أبي هريرة، والحديث الثاني هو قول النبي ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁، ورواه الترمذي وأحمد والطبراني عن الحسين بن علي ﵄، ورواه مالك عن علي بن الحسن مرسلا في باب ما جاء في حسن الخلق من موطئه، وهو من جوامع كلمه ﷺ ، وما لا يعني المرء هو ما لا يحتاج إليه في دينه ولا في دنياه مما هو مشروع له، لا ما يتبع فيه هواه، وهو يشمل القول والفعل، لكن لا بد مع تركه ما لا يعنيه أن يكون مشتغلا بما يعنيه، فهو مسلم والإسلام عمل وإذعان لله تعالى، وقال الحافظ كما في الفتح الرباني للبنا ﵀: «وقد عظم العلماء أمر هذا الحديث، فعدوه رابع أربعة تدور عليها الأحكام كما نقل عن أبي داود، وفيها البيتان المشهوران:

стр. 2449

عمدة الدين عندنا كلمات … محكمات من قول خير البرية اترك الشبهات وازهد ودع … ما ليس يعنيك وافعلن بنية وسيأتي كلام المؤلف إن شاء الله على الأحاديث الأربعة التي رأى أن جماع الدين وآدابه تدور عليها، وقد نقل هذا عنه ابن الصلاح رحمهما الله.

стр. 2450

• قوله: ٨٠ - «وحرم الله سبحانه دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم إلا بحقها» دلّ على ما ذكره قول رسول الله ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه»، وقال النبي ﷺ : «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام»، رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن جابر، وهو من جملة ما خطب به ﷺ في حجة الوداع، وتحريم دماء المسلمين يعني تحريم قتلهم أو جرحهم بالفعل أو بالإعانة أو بالفتوى، وتحريم أموالهم يعني أخذها بغير وجه مشروع كالربا والقمار والسرقة والغصب والغش، والأعراض جمع عرض بكسر العين، وهو موضع المدح والذم من الشخص، فيشمل الكلام فيه وفي زوجته وسائر ما يلحقه بالكلام فيه نقص، أما قوله إلا بحقها فمعناه أن يقتل أحد غيره في الدفع عن نفسه أو عن ماله أو عرضه، فإن الصائل يرد بما أمكن، لكن لا يلجأ إلى قتله، وهو قادر على دفعه بما دونه، وهكذا لو أخذ مال المسلم المدين الملي المماطل، أو اشتكى من ظلمه فوصفه بذلك، فهذا من الحق الذي يجوز له به ما ذكر، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠]. وكما حرم الله دماء المسلمين وأموالهم حرم دماء الكفار من أهل الذمة، والمعاهدين، والمستأمنين، لكن القصاص لا يكون إلا إذا تكافأت الدماء.

стр. 2451

• قوله: ٨١ - «ولا يحل دم امرئ مسلم إلا أن يكفر بعد إيمانه أو يزني بعد إحصانه أو يقتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض أو يمرق من الدين». وقد جاء في هذا قول رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»، رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن ابن مسعود، ومثله جاء عن عثمان، لكن لفظه بعد الاستثناء هو: «رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل عمدا فعليه القود، أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل»، والقَوَدُ القصاص، والقتل بكل واحدة من هذه الخصال الثلاث متفق عليه بين المسلمين، قاله ابن رجب، والنفس بالنفس ليس على عمومه كما تقدم في الحدود والدماء، فيستثنى الوالد لا يقتل بولده، ويقتل به في المذهب إذا كان غيلة، ولا يقتل المسلم بالكافر، وفي قتل الحر بالعبد خلاف، ويقتل به في المذهب إذا كان غيلة، والتارك لدينه المرتد عن الإسلام، وسماه مسلما باعتبار ما كان عليه قبل الردة، ويستتاب، فإن ترك الوصف الذي لأجله استحق القتل ترك، وكفر المرتد أغلظ من كفر غيره، أما الثيب الزاني والقاتل فقتلهما عقوبة فلا تنفع فيها التوبة، وينفع عفو الأولياء أو بعضهم في القتل، أما الزنا فهو حق الله تعالى فلا بد من إقامته، وقيل تنفع فيه التوبة.

стр. 2452

• قوله: ٨٢ - «ولتكف يدك عما لا يحل لك من مال أو جسد أو دم». ذكر حرمة الدم أَوَّلاً لعظم شأنه، ثم عَمَّ بذكر لزوم إمساك أداة البطش وهي اليد وغيرها مثلها عن كل محرم من مال الغير المحترم وهو المسلم والذمي، إذ لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس، إما بمعاوضة كالبيع والإجارة والشركة، أو بدونها كالهدية والصدقة، وليمسك يده عن لمس الجسد المحرم يتلذذ به، فإن زنا اليدين البطش كما تقدم في الحديث الصحيح، وقال النبي ﷺ : «لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يلمس امرأة لا تحل له»، رواه الطبراني عن معقل بن يسار، وليمسك يده عن الدم الحرام قتلا أو جرحا، أو إعانة.

стр. 2453

• قوله: ٨٣ - «ولا تَسْعَ بقدميك فيما لا يحل لك». تقدم أن زنا الرجلين المشي، أي أنهما وسيلة إلى ذلك، وهكذا كل سعي بالرجلين إلى ما لا يحل فعله كالسرقة والغصب وقطع الطريق وشرب الخمر والزنا، أو حضور مجالس اللهو والغناء، وما يسمى عندنا بالوعدة، وشد الرحال للقبور، ولغير المساجد الثلاثة مما تقصد فيه البقعة رجاء بركتها، كما يحرم السعي لقول الباطل وسب المسلم والشهادة له أو عليه بغير حق.

стр. 2454

• قوله: ٨٤ - «ولا تباشر بفرجك أو بشيء من جسدك ما لا يحل لك، قال الله سبحانه: «والذين هم لفروجهم حافظون إلى قوله: فأولئك هم العادون». بعد ذكره النهي عن السعي إلى الحرام ذكر النهي عن أن يباشر بفرجه أو بشيء من جسده ما لا يحل له ولو من غير سعي، وقد نهى الله عن الاقتراب من الفواحش عموما إذ قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ (١٥١)﴾ [الأنعام: ١٥١]، ونهي عن الاقتراب من حدوده فضلا عن تعديها في قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧]، وخص الزنا بالنهي عن الاقتراب منه فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، والنهي عن الاقتراب من حدود الله أبلغ لأنه ينبغي معه ترك ما يشتبه، فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، كما أن النهي عن الاقتراب من الشيء أبلغ من النهي عنه لأنه يشمل الوسائل المؤدية إليه، ومن الوسائل إلى الزنا النظر والخلوة والدخول على المغيبة والكلام لغير حاجة والإفضاء والاختلاط المقصود واللمس والمصافحة والخضوع بالقول وإبداء الزينة وتعطر المرأة عند الخروج فكيف بالعري والسفور؟، وحفظ الفرج يشمل ستره وعدم فعل ما لا يحل له من وطء وما دونه أو إيلاج في دبر من تحل له، أو لواط أو سحاق، وترك الاستمناء، لما في الآية من الاستثناء، ولأن الله تعالى اعتبر من تجاوز ما ذكره من الحلال عاديا.

стр. 2455

• قوله: ٨٥ - «وحرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن». الفواحش جمع فاحشة ما عظم قبحه من قول أو فعل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ (١٢٠)﴾ [الأنعام: ١٢٠] وظاهر الفواحش ما كان بالجوارح، وباطنها ما كان بالقلب كالكبر والحسد والتفكير في طرق المكر والخداع والاحتيال، أو الظاهر ما فعل علنا، والباطن ما فعل سرا، والإثم قيل كل محرم، وقيل الخمر بخاصة، والعرب سمت الخمر إثما، لكنه هنا غير مراد لأن الخمر حرمت في المدينة وهذه السورة مكية، والبغي مجاوزة الحق، وقد يراد به الزيادة في الخير، لكن أكثر إطلاقه في المجاوزة إلى الباطل، ولذلك ذكر الإشراك بعده لأنه منتهى مجاوزة الحق، وذكر بعده القول على الله بغير علم لأن الإشراك فرد من أفراده.
следующие страницы →